Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٤٦) حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]. قامَ أَبُو طَلْحَةً إلى رسولِ اللهِ عَِّ فقال يا رسولَ الله تَبَارَكَ وتَعَالى يقُولُ ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]. وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ وإِنَّهَا صَدَقَةٌ للهِ أرْجُو بِرَّهَا وذُخْرَهَا عِنْدَ اللهِ فَضَغْهَا يا رَسُولَ الله حَيثُ أَرَاكَ الله قال فقال رسولُ الله عَ لَّه ◌َبَخْ ذُلِكَ مَالٌ رَابِعٌ ذُلِكَ مالٌ رَابِخْ وَقَدْ سَمِعْتُ ما قُلْتُ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا في الأَقْرَبِينَ فقال أبُو طَلْحَةَ أَفْعَلُ يا رسولَ اللهِ فَقَسَمَها أبُو طَلْحَةَ في أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ. [الحديث ١٤٦١ - أطرافه في: ٢٣١٨، ٢٧٥٢، ٢٧٥٨، ٢٧٦٩، ٤٥٥٤، ٤٥٥٥، ٥٦١١]. مطابقته للترجمة تفهم مما ذكرنا الآن، ورجاله قد ذكروا غير مرة، وإسحاق هذا ابن أخي أنس بن مالك، وأبو طلحة اسمه زيد بن سهل الأنصاري. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري في الوصايا عن عبد الله بن يوسف، وفي الوكالة عن يحيى بن يحيى، وفي الوصايا وفي الأشربة عن القعنبي، وفي التفسير عن إسماعيل. وأخرجه مسلم في الزكاة عن يحيى بن يحيى. وأخرجه النسائي في التفسير عن هارون بن عبد الله. ذكر معناه: قوله: ((أكثر الأنصار))، بالنصب لأنه خبر: كان. قوله: ((مالاً))، نصب على التمييز أي: من حيث المال، وكلمة: من، في: ((من نخل)) للبيان. قوله: ((بريحاء))، اختلفوا في ضبطه على أوجه جمعها ابن الأثير في (النهاية) فقال: يروى بفتح الباء الموحدة، وبكسرها، وبفتح الراء وضمها، وبالمد والقصر، وفي رواية حماد بن سلمة: بريحا، بفتح أوله وكسر الراء وتقديمها على الياء آخر الحروف، وفي (سنن أبي داود) بأريحاء، مثله لكن بزيادة ألف. وقال الباجي: أفصحها بفتح الباء وسكون الياء وفتح الراء مقصور، وكذا جزم به الصغاني. وقال: إنه فيعلاً من: البراح. قال: ومن ذكره بكسر الباء الموحدة وظن أنها: بئر، من أبار المدينة فقد صحف. وقال القاضي: روينا بفتح الباء والراء وضمها مع كسر الباء، ومنهم من قال: من رفع الراء وألزمها حكم الإعراب فقد أخطأ. وقال: وبالرفع قرأناه على شيوخنا بالأندلس، والروايات فيه القصر، وروينا أيضاً بالمد، وهو حائط سمي بهذا الإسم وليس اسم بئر، وقال التيمي: هو بالرفع اسم كان ((وأحب)) خبره، ويجوز بالعكس و: حا، مقصور كذا المحفوظ، ويجوز أن يمد في اللغة، يقال: هذه حاء بالقصر والمد، وقد جاء: حا، في اسم قبيلة، وبير حاء، بستان. وكانت بساتين المدينة تدعى بالآبار التي فيها أي البستان التي فيه بئر حا، أضيف البئر إلى: حا، ويروى: بير حا، بفتح الباء وسكون التحتانية وفتح الراء، هو اسم مقصور ولا يتيسر فيه إعراب، أي: فهو كلمة واحدة لا مضاف ولا مضاف إليه. قال: ويجوز أن يكون في موضع رفع، وأن يكون في موضع نصب، ويروى: ((وأن أحب أموالي بير حا))، فعلى هذا محله رفع وهو اسم بستان، وقال ابن التين: قيل: حا، اسم امرأة، وقيل: اسم موضع وهو ممدود ويجوز قصره. وفي (معجم أبي عبيد): حا، على لفظ حرف الهجاء موضع بالشام، و: حا، آخر، موضع بالمدينة، وهو الذي ينسبه إليه بئر حا، ٤٢ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٤٦) ورواه حماد بن سلمة عن ثابت، أريحا، خرجه أبو داود ولا أعلم أريحا إلاَّ بالشام. وقيل: سميت بيرحا، بزجر الإبل عنها، وذلك أن الإبل إذا زجرت عن الماء، وقد رويت: حاحا، وقيل: بير حا، من البرح والياء زائدة. وفي (المنتهى): بيرح اسم رجل، زاد في (الواعي): الياء فيه زائدة. قوله: ((وكانت)) أي: بيرحا ((مستقبلة المسجد)) أو مقابلته، وقال النووي: وهذا الموضع يعرف بقصر بني جديلة، بفتح الجيم وكسر الدال المهملة، قبلي المسجد، وفي (التلويخ): هو موضع بقرب المسجد يعرف بقصر بني حديلة، وضبطها بالكتابة: بضم الحاء المهملة وفتح الدال. قلت: الصواب بالجيم. قوله: ((من ماء فيها)) أي: في بيرحا. قوله: ((طيب)) بالجر لأنه صفة للماء. قوله: ((فلما أنزلت هذه الآية)) وهي قوله تعالى: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [آل عمران: ٩٢]. قال ابن عباس في رواية أبي صالح: لن تنالوا ما عند الله من ثوابه في الجنة حتى تنفقوا مما تحبون من الصدقة، أي: بعض ما تحبون من الأموال. وقال الضحاك: يعني لن تدخلوا الجنة حتى تنفقوا مما تحبون، يعني: تخرجون زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم، وفي رواية عن ابن عباس: هذه الآية منسوخة، نسختها آية الزكاة. قوله: ﴿وما تنفقوا من شيء﴾ [آل عمران: ٩٢]. يعني: الصدقة وصلة الرحم، ﴿فإن الله به عليم﴾ [آل عمران: ٩٢]. أي: ما يخفى عليه فيثيبكم عليه، وروي عن عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهما، أنه اشترى جارية جميلة وهو يحبها، فمكثت عنده أياماً فأعتقها فزوجها من رجل فولد لها ولد، فكان يأخذ ولدها ويضمه إلى نفسه، فيقول: إني أشم منك ريح أمك. فقيل له: قد رزقك الله من حلال فأنت تحبها فلم تركتها؟ فقال: ألم تسمع هذه الآية: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [آل عمران: ٩٢]. ذكره أبو الليث السمرقندي في (تفسيره) وذكر أيضاً عن عمر بن عبد العزيز، رضي الله تعالى عنه، أنه كان يشتري أعدالاً من سكر ويتصدق به، فقيل له: هلا تصدقت بثمنه؟ فقال: لأن السكر أحب إلي، فأردت أن أنفق مما أحب. قوله: ((قام إلى رسول الله عَ لَّه) أي: قام أبو طلحة منتهياً إلى رسول الله عَـ قوله: ((برها))، أي: خيرها، والبر إسم لأنواع الخيرات والطاعات، ويقال أرجو ثواب برها. قوله: ((وذخرها)) أي: أقدمها فأدخرها لأجدها هناك، وعن ابن مسعود: البر في الآية: الجهة، والتقدير على هذا: أبواب البر. قوله: ((بخ))، هذه كلمة تقال عند المدح والرضى بالشيء وتكرر للمبالغة، فإن وصلت خففت ونونت وربما شددت كالاسم، ويقال بإسكان الخاء وتنوينها مكسورة، وقال القاضي: حکي بالكسر بلا تنوين، وروي بالرفع، فإذا كررت فالاختيار تحريك الأول منوناً وإسكان الثاني، وقال ابن دريد: معناه تعظيم الأمر وتفخيمه، وسكنت الخاء فيه كسكون اللام في: هل وبل، ومن نونه شبهه بالأصوات: كصه ومه، وفي (الواعي): قال الأحمر: في بخ أربع لغات: الجزم والخفض والتشديد والتخفيف. وقال ابن بطال: هي كلمة إعجاب، وقال ابن التين: هي كلمة تقولها العرب عند المدح والمحمدة، وقال القزاز: هي كلمة يقولها المفتخر عند ذكر الشيء العظيم، وكلها متقاربة في المعنى. ٤٣ ٢٤ - كتابُ الزَكاةِ / باب (٤٦) قوله: ((مال رابح)) بالباء الموحدة أي: يربح فيه صاحبه في الآخرة، ومعناه: ذو ربح كلابن وتامر، أي: ذو لبن وذو تمر، وقال ابن قرقول: وروي بالياء المثناة من تحت من الرواح يعني: يروح عليه أجره. وقال ابن بطال: والمعنى أن مسافته قريبة وذلك أنفس الأموال. وقيل: معناه يروح بالأجر ويغدو به، واكتفى بالرواح عن الغدو، ولعلم السامع، ويقال: معناه أنه مال رائح، يعني من شأنه الرواح أي: الذهاب والفوات فإذا ذهب في الخير فهو أولى. وقال القاضي: وهي رواية يحيى بن يحيى وجماعة، ورواية أبي مصعب وغيره بالباء الموحدة. وقال ابن قرقول: بل الذي رويناه ليحيى بالباء المفردة، وهو ما في مسلم، وفي (التلويح): يحيى الذي أشار إليه ابن قرقول يحيى الليثي المغربي، ويحيى الذي في البخاري هو النيسابوري، وقال أبو العباس الواني في كتابه (أطراف الموطأ): في رواية يحيى الأندلسي بالباء الموحدة، قال: وتابعه روح بن عبادة وغيره، وقال يحيى بن يحيى النيسابوري وإسماعيل وابن وهب وغيرهم: رائح، بالهمزة من الروح، وشك القعنبي فيه، وقال الإسماعيلي: من قال رابح، بالباء، فقد صحف. قوله: ((وقد سمعت ما قلت)) بوب عليه البخاري في الوكالة: باب إذا قال الرجل لوكيله ضعه حيث أراك الله، وقال الوكيل: قد سمعت، وقال المهلب: دل على قبوله عَ له ما جعل إليه أبو طلحة، ثم رد الوضع فيها إلى أبي طلحة بعد مشورته عليه فيمن يضعها. قوله: (أفعل)). قال السفاقسي: هو فعل مستقبل مرفوع، وقال النووي: يحتمل أن يقول: إفعل أنت ذاك فقد أمضيته على ما قلت، فجعله أمراً. قوله: ((في أقاربه)) الأقارب جمع: الأقرب، وقالت الفقهاء: لو قال: وقفت على قرابتي، يتناول الواحد، ويقال: هم قرابتي وهو قرابتي، وفي (الفصيح): ذو قرابتي للواحد وذو قرابتي للإثنين وذو قرابتي للجمع، والقرابة والقربى في الرحم. وفي (الصحاح): والقرابة القربى في الرحم، وهو في الأصل مصدر تقول: بيني وبينه قرابة وقرب وقربى ومقربة ومقربة وقربة وقربة، بضم الراء، وهو قربى وذو قرابتي وهم أقربائي وأقاربي، والعامة تقول: هو قرابتي وهم قراباتي. قوله: ((وبني عمه))، من باب عطف الخاص على العام، فافهم. ذكر ما يستفاد منه فيه: أن الرجل الصالح قد يضاف إليه حب المال وقد يضيفه هو إلى نفسه، وليس في ذلك نقيصة عليه. وفيه: اتخاذ البساتين والعقار، وقال ابن عبد البر: وفيه رد لما يروى عن ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه، أنه قال: ((لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا)). وفيه: إباحة دخول العلماء البساتين. وفيه: دخول الشارع حوائط أصحابه وشربه من مائها. وفيه: أن كسب العقار مباح إذا كان حلالاً ولم يكن بسبب ذل ولا صغار، فإن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، كره كسب أرض الخراج ولم ير شراها، وقال لا تجعل في عنقك صغاراً. وفيه: إباحة شرب من ماء الصديق وكذا الأكل من ثماره وطعامه. قال أبو عمر: إذا علم أن نفس صاحبه تطيب بذلك. وفيه: دلالة للمذهب الصحيح أنه يجوز أن يقال: إن الله تبارك وتعالى يقول، كما يقال: إن الله تعالى قال، خلافاً لما قاله مطرف بن عبد الله بن الشخير، إذ قال: لا يقال الله وتعالى يقول، إنما يقال: قال الله، أو الله، عز وجل، كأنه ٤٤ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٤٦) ينجر إلى استئناف القول. وقول الله قديم، وكأنه ذهل عن قوله عز وجل ﴿والله يقول الحق وهو يهدي السبيل﴾ [الأحزاب: ٤]. وفيه: استعمال ظاهر الخطاب وعمومه، ألا ترى أن أبا طلحة حين سمع: ﴿لن تنالوا البر﴾ [آل عمران: ٩٢]. لم يحتج أن يقف حتى يرد عليه البيان عن الشيء الذي يريد الله عز وجل، أن ينفق عباده منه إما بآية أو سنة تبين ذاك. وفيه: مشاورة أهل العلم والفضل في كيفية وجوه الطاعات وغيرها والإنفاق من المحبوب. وفيه: أن الوقف صحيح وإن لم يذكر سبيله، وهو الذي بوب عليه البخاري في الوصايا. وفيه: أن الوكالة لا تتم إلا بالقبول. وفيه: أن أبا طلحة هو الذي قسمها في أقاربه وبني عمه وقد ذكر إسماعيل القاضي في (المبسوط) عن القعنبي بسنده. وفيه: أن النبي عَّة. قسمها في أقارب أبي طلحة وبني عمه لا خلاف في ذلك، وقال أبو عمر: هو المحفوظ عند العلماء. قلت: هذا خلاف ما ذكر هنا، ويحتمل أنه إنما أضيف إلى النبي عَ لّه لأنه الآمر به. وفيه: في قوله: ((فضعها يا رسول الله حيث أراك الله))، جواز أمر الرجل لغيره أن يتصدق عنه، أو يقف عنه وكذلك إذا قال الآخر: خذ هذا المال فاجعله حيث أراك الله من وجوه الخير. وقال مالك: في هذا لا يأخذ منه شيئاً وإن كان فقيراً، فقال غيره: وجاز له أن يأخذه كله إذا كان فقيراً. وفيه: صحة الصدقة المطلقة والحبس المطلق، وهو الذي لم يعين مصرفه ثم بعد ذلك يعين. وفيه: جواز أن يعطي الواحد من الصدقة فوق مائتي درهم لأن هذا الحائط مشهور أن ريعه يحصل للواحد منه أكثر من ذلك، قاله القرطبي، ولا فرق بين فرض الصدقة ونفلها في مقدار ما يجوز إعطاؤه المتصدق عليه فيما ذكره الخطابي. وفيه: أن الصدقة إذا كانت جزلة مدح صاحبها لقوله عَ له: ((بخ ذلك مال رابح)). وفيه: أن الصدقة على الأقارب وضعفاء الأهلين أفضل منها على سائر الناس إذا كانت صدقة تطوع، ويدل على ذلك قوله، عَ لقوله: ((لك أجران: أجر القرابة والصدقة)). وقال لميمونة حين أعتقت جارية لها ((أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك)) ذكره البخاري، رحمه الله تعالى في الهبة. تابَعَهُ رَوْجٌ أي: تابع عبد الله بن يوسف روح، بفتح الراء: ابن عبادة البصري عن مالك في قوله: ((رابح))، بالباء الموحدة ووصل هذه المتابعة في كتاب البيوع. وقال يَخِى بنُ يَخْبِى وَإِسْمَاعِيلُ عن مالِكِ رَايحٌ أي: قال يحيى بن يحيى النيسابوري، رحمه الله تعالى، وإسماعيل بن أبي أويس في روايتهما عن مالك، رضي الله تعالى عنه، رايح بالياء آخر الحروف، أما رواية يحيى فستأتي موصولة في الوكالة، وأما رواية إسماعيل فوصلها البخاري رحمه الله تعالى في التفسير. ٦٤ / ١٤٦٢ _ حدَّثنا ابنُ أبِي مَرْيَمَ قال أخبرنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ قال أخبرني زَيْدٌ عنْ عِيَاضِ بنِ عَبْدِ اللهِ عنْ أَبِي سَعِيدِ الخُذْرِيِّ رضي الله تعالى عنهُ خَرَجَ رسولُ اللهِ عَلَّهِ فِي ٤٥ ٢٤ - كتابُ الزكاةِ / باب (٤٦) أضْحَى أوْ فِطْرٍ إلى المُصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَعَظَ النَّاسَ وأمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ فقال أيُّهَا النَّاسُ تَصَدَّقُوا فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فقال يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فإِنِّي رَأيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ فَقُلْنَ وَبِمَ ذُلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ قال تُكْثِزْنَ اللَّغْنَ وَتَكْفُزْنَ العَشِيرَ مَا رَأيْتُ مِنْ ناقِصَاتِ عَقْلٍ ودِيٍ أُذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ يا مَعْشَرَ النِّسَاءِ ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمَّا صارَ إِلَى مَنْزِلِهِ جاءَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةُ ابنٍ مَسْغَودٍ تَسْتَأْذِنُ عليهِ فَقِيلَ يا رسولَ الله لهذِهِ زَيْنَبُ فقال أيُّ الزَّیانِبِ فَقِيلَ امرأةُ ابنٍ مَسْعُودٍ قال نَعَمْ ائذِنُوا لَهَا فَأَذِنَ لَهَا قَالَتْ يا نَبِيَّ الله إِنَّكَ أَمَرْتَ اليَوْمَ بِالصَّدَقَّةِ وكانَ عِنْدي حُلِيٌّ لِي فأرَدْتُ أنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ فَزَعَمَ ابنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَوَلَدَهُ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ فقال النبيُّ عَّهِ صَدَقَ ابنُ مَسْعُودٍ زَوْجٍُ وَوَلَدُكِ أحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ. [انظر الحديث ٣٠٤ وأطرافه]. مطابقته للترجمة تفهم من الوجه الذي ذكرناه في صدر الباب فليرجع إليه. ذكر رجاله: وهم: سبعة: الأول: سعيد بن أبي مريم وهو سعيد بن محمد بن الحكم ابن أبي مريم الجمحي. الثاني: محمد بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري. الثالث: زيد بن أسلم أبو أسامة العدوي. الرابع: عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي العامري الخامس: أبو سعيد الخدري واسمه سعد بن مالك، وهذا الإسناد بعينه قد مر في كتاب الحيض، في: باب ترك الحائض الصوم مع المتن من قوله: ((خرج رسول الله عَّةٍ)) إلى قوله: ((من إحداكن))، وفيه زيادة وهي قوله: ((قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل، قلن: بلى. قال: فذاك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن: بلى. قال: فذاك من نقصان دينها .. )) وقد مر الكلام فيه هناك مستوفىٍ. وبقية الحديث تأتي عن قريب في: باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر. ذكر معناه: قوله: ((جاءت زينب امرأة ابن مسعود))، وقال الطحاوي: زينب هذه هي رائطة قال: ولا نعلم عبد الله تزوج غيرها في زمن رسول الله عَّةٍ. وقال الكلاباذي: رائطة هي المعروفة بزينب، وقال ابن طاهر وغيره: امرأة ابن مسعود زينب. ويقال اسمها: رائطة. وأما ابن سعد وأبو أحمد العسكري وأبو القاسم الطبراني وأبو بكر البيهقي وأبو عمر بن عبد البر وأبو نعيم الحافظ وأبو عبد الله بن منده وأبو حاتم بن حبان فجعلوهما ثنتين. والله أعلم. وقال صاحب (التلويح) ومما يرجح القول الأول ما رويناه عن القاضي يوسف في كتاب الزكاة: حدثنا عبد الواحد بن غياث حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا هشام عن عروة عن عبد الله الثقفي عن أخته رائطة ابنة عبد الله، وكانت امرأة ابن مسعود، وكانت امرأة صناعاً الحديث. قلت: روى أحمد في (مسنده) من رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ((عن رائطة امرأة عبد الله بن مسعود وكانت امرأة صناع اليد، قال: فكانت تنفق عليه وعلى ولده من صنعتها .. )) الحديث، وفيه: ((فقال لها رسول الله عَّله: أنفقي عليهم فإن لك في ذلك أجر ما أنفقت عليهم))، وإسناده صحيح. قوله: ((فقيل: يا رسول الله هذه زينب!)) القائل هو بلال كما سيأتي عن ٤٦ ٢٤ - كتاب الزكاةِ / باب (٤٦). قريب. قوله: ((فقال: أي الزيانب؟)) أي: أية زينب من الزيانب، وتعريف المثنى والمجموع من الأعلام وإنما هو بالألف واللام. قوله: ((إيذنوا لها. فأذن لها، قالت: يا نبي الله ... )) إلى آخره، لم يبين أبو سعيد ممنٍ سمع ذلك، فإن كان حاضراً عند النبي صَ لِّ حال المراجعة المذكورة فهو من مسنده وإلاّ فيحتمل أن يكون حمله عن زينب صاحبة القصة، فيكون فيه رواية الصحابي عن الصحابية. ذكر ما يستفاد منه: احتج بهذا الحديث الشافعي وأحمد في رواية، وأبو ثور وأبو عبيد وأشهب من المالكية، وابن المنذر وأبو يوسف ومحمد وأهل الظاهر، وقالوا: يجوز للمرأة أن تعطي زكاتها إلى زوجها الفقير. وقال القرافي: كرهه الشافعي وأشهب واحتجوا أيضاً بما رواه الجوزجاني، ((عن عطاء، قالت: أتت النبي عَّهِ امرأة فقالت: يا رسول الله، إن علي نذراً أن أتصدق بعشرين درهماً، وأن لي زوجاً فقيراً أفيجزىء عني أن أعطيه؟ قال: نعم كفلان من الأجر)). وقال الحسن البصري والثوري وأبو حنيفة ومالك وأحمد في رواية وأبو بكر من الحنابلة: لا يجوز للمرأة أن تعطي زوجها من زكاة مالها، ويروى ذلك عن عمر، رضي الله تعالى عنه، وأجابوا عن حديث زينب بأن الصدقة المذكورة فيه إنما هي من غير الزكاة، وقال الطحاوي: وقد بين ذلك ما حدثنا يونس، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا الليث عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبيد الله بن عبد الله، ((عن رائطة بنت عبد الله امرأة عبد الله بن مسعود، وكانت امرأة صنعاً، وليس لعبد الله بن مسعود مال، وكانت تنفق عليه وعلى ولده معها، فقالت: والله لقد شغلتني أنت وولدك عن الصدقة فما أستطيع أن أتصدق معكم بشيء! فقال: ما أحب أنه لم يكن لك في ذلك أجر أن تفعلي، فسألت رسول الله عَ لّه هي، وهو، فقالت: يا رسول الله إني امرأة ذات صنعة، أبيع منها وليس لولدي ولا لزوجي شيء، فشغلوني فلا أتصدق، فهل لي فيهم أجر؟ فقال: لك في ذلك أجر ما أنفقتِ عليهم، فأنفقي عليهم .. )) ففي هذا الحديث أن تلك الصدقة مما لم يكن فيه زكاة، والدليل على أن الصدقة كانت تطوعاً كما ذكرنا. قولها: ((كنت امرأة صنعاً أصنع بيدي فأبيع من ذلك فأنفق على عبد الله؟)). فإن قلت: لِمَ لا يجوز أن يكون المراد من الصدقة التطوع في حق ولدها؟ وصدقة الفرض في حق زوجها عبد الله؟ قلت: لا مساغ لذلك لامتناع الحقيقة والمجاز حينئذ، ومما يدل على ما قلنا قوله: وكان عندي حلي فأردت أن أتصدق، ولا تجب الصدقة في الحلي عند بعض العلماء، ومن يجيزه لا يكون الحلي كله زكاة، إنما يجب جزء منه. وقال النبي عَّ له: ((زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم))، والولد لا تدفع إليه الزكاة إجماعاً، وقال بعضهم: احتج الطحاوي لقول أبي حنيفة. فأخرج من طريق رائطة امرأة ابن مسعود أنها كانت امرأة صنعاء اليدين، فكانت تنفق عليه وعلى ولده، قال: فهذا يدل على أنها صدقة تطوع، وأما الحلي فإنما يحتج به على من لا يوجب فيه الزكاة، وأما من يوجبه فلا. وقد روى الثوري عن حماد عن إبراهيم عن علقمة، قال: قال ابن مسعود لامرأته في حليها إذا بلغ مائتي درهم ففيه الزكاة، فكيف يحتج الطحاوي بما لا يقول به؟ قلت: لو ٤٧ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٤٦) فهم هذا القائل موضع احتجاج الطحاوي من هذا الحديث لكان سكت عما قاله، وموضع احتجاجه هو قولها: إني امرأة ذات صنعة أبيع منها ... إلى آخره، ما ذكرناه عنه آنفاً، فكان قول رسول الله عَ ليه جواباً لها في سؤالها. وليس في احتجاجه بهذا مفتقراً إلى الاحتجاج بأمر الحلي سواء كان فيه الزكاة أو لم يكن. قال هذا القائل أيضاً. والذي يظهر لي أنهما قضيتان: إحداهما في سؤالها عن تصدقها بحليها على زوجها وولده، والأخرى: في سؤالها عن النفقة. قلت: الذي يظهر من هذا الحديث خلاف ما ظهر له لأن في الحديث سؤالها عن الصدقة التي أمر النبي، عَلَّهِ، لهن بها، وأجابها رسول الله عٍَّ بأن زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم، فمن أين السؤالان فيه؟ ومن أين الجوابان عنهما؟ وقال هذا القائل أيضاً: واحتجوا أيضاً بأن ظاهر قوله في حديث ابن سعيد المذكور: ((زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم)) دال على أنها صدقة تطوع لأن الولد لا يعطى من الزكاة الواجبة بالإجماع، كما نقله ابن المنذر وغيره، وفي هذا الاحتجاج نظر، لأن الذي يمتنع إعطاؤه من الصدقة الواجبة من يلزم المعطي نفقته، والأم لا يلزمها نفقة ولدها مع وجود أبيه. قلت: يلزم الأم نفقة ولدها إذا كان أبوه فقيراً عاجزاً عن التكسب جداً، وذكر أصحابنا أن الأب إذا كان معسراً كسوباً وله ابن زَمِنٌ وله أم موسرة هل تؤمر بالإنفاق على الابن؟ اختلف المشايخ فيه، قيل: تؤمر، وقيل: لا ترجع الأم على الأب، وهو مروي عن أبي حنيفة نصاً. انتهى. وقيل: قوله: ولدك، محمول على أن الإضافة للتربية لا للولادة، فكأنه ولده من غيرها. قلت: هذا ارتكاب المجاز بغير قرينة وهو غير صحيح وقد خاطبها رسول الله عَّ م بقوله: ((وولدك))، فدل على أنه ولدها حقيقة، ويدل عليه ما جاء في حديث آخر: ((أيجزىء عني أن أنفق على زوجي وأيتام لي في حجري؟)) وفي (معجم الطبراني): ((أيجزىء أن أجعل صدقتي فيك وفي بني أخي أيتام؟)) الحديث، وفي رواية: ((يا رسول الله! هل لي من أجر أن أتصدق على ولد عبد الله من غيري؟)) وإسنادهما جيد، وللبيهقي: ((كنت أعول عبد الله ويتامى))، وقيل: اعتل من منعها من إعطائها زكاتها لزوجها بأنها تعود إليها في النفقة فكأنها ما خرجت عنها، وجوابه: إن احتمال رجوع الصدقة إليها واقع في التطوع أيضاً قلت: ليست الصدقة كالزكاة، لأن عود الزكاة إليها في النفقة يضر فتصير كأنها ما خرجت بخلاف الصدقة، فإن احتمال عودها إليها لا يضر، فخروجها وعدمه سواء. وأما مسألة الحلي ففيها خلاف بين العلماء، فقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: تجب فيها الزكاة، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس، رضي الله تعالى عنهم، وبه قال سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعطاء ومحمد بن سيرين وجابر بن زيد ومجاهد والزهري وطاوس وميمون بن مهران والضحاك وعلقمة والأسود وعمر بن عبد العزيز وذر الهمداني والأوزاعي وابن شبرمة والحسن بن حي، وقال ابن المنذر وابن حزم: الزكاة واجبة بظاهر الكتاب والسنة، وقال مالك وأحمد وإسحاق ٤٨ ٢٤ - كتابُ الزَكاةِ / باب (٤٦) والشافعي، رضي الله تعالى عنهم، في أظهر قوليه: لا تجب الزكاة فيها، وروي ذلك عن ابن عمر وجابر بن عبد الله وعائشة والقاسم بن محمد والشعبي، وكان الشافعي يفتي بهذا في العراق وتوقف بمصر، وقال: هذا مما استخير الله فيه. وقال الليث: ما كان من حلي يلبس ويعار فلا زكاة فيه، وإن اتخذ للتحرز عن الزكاة ففيه الزكاة، وقال أنس: يزكى عاماً واحداً لا غير. واستدل من أسقط الزكاة بحديث جابر عن النبي عَّ له أنه قال: ليس في الحلي زكاة، ذكره في (الإمام) وعن جابر أنه كان يرى الزكاة في كثير الحلي دون قليلها، وروى عبد الرزاق: أخبرنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، قال: لا زكاة في الحلي، وروى مالك في (الموطأ): عن عبد الرحمن ابن القاسم عن أبيه عن عائشة، رضي الله تعالى عنها: كانت تلي بنات أختها يتامى في حجرها فلا تخرج من حليهن الزكاة، وأخرج الدارقطني عن شريك عن علي بن سليمان، قال: سألت أنس بن مالك عن الحلي، فقال: ليس فيه زكاة. وروى الشافعي ثم البيهقي من جهة: أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن خالد يسأل جابر بن عبد الله عن الحلي أفيه زكاة؟ فقال جابر: لا، وإن كان يبلغ ألف دينار. وأخرج الدارقطني من حديث هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر أنها كانت تحلي بناتها الذهب ولا تزكيه نحواً من خمسين ألف. واحتج من رأى فيها الزكاة بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ((أن امرأة أنت رسول الله عَّ له ومعها بنت لها وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها: أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا. قال: أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟ قالت: فخلعتهما فألقيتهما إلى النبي عَّه، وقالت: هما لله ولرسوله))، رواه أبو داود والنسائي، وقال: ولا يصح في هذا الباب شيء. قلت: قال ابن القطان في كتابه: إسناده صحيح، وقال الحافظ المنذري: إسناده لا مقال فيه، فإن أبا داود رواه عن أبي كامل الجحدري وحميد بن مسعدة وهما من الثقات احتج بهما مسلم، وخالد بن الحارث إمام فقيه احتج به البخاري ومسلم، وكذلك حسين بن ذكوان المعلم احتجا به في (الصحيح) ووثقه ابن المديني وابن معين وأبو حاتم، وعمرو بن شعيب ممن قد علم وهذا إسناد تقوم به الحجة إن شاء الله تعالى. فإن قلت: أخرج الترمذي من حديث ابن لهيعة ((عن عمرو بن شعيب عن جده، قال: أتت امرأتان إلى رسول الله عَّةٍ وفي أيديهما سواران من ذهب، فقال لهما: أتؤديان زكاة هذا؟ قالتا: لا. فقال: أتحبان أن يسوركما الله بسوارين من نار؟ قالتا: لا، قال: فأديا زكاته))، وقال الترمذي: ورواه ابن المثنى بن الصباح عن عمر بن شعيب نحو هذا، وابن لهيعة وابن الصباح يضعفان في الحديث، ولا يصح في هذا الباب عن النبي عَِّ شيء. قلت: قال المنذري: لعل الترمذي قصد الطريقين اللذين ذكرهما، وإلاَّ فطريق أبي داود لا مقال فيه، واحتجوا أيضاً بحديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، رواه أبو داود من حديث ((عبد الله بن شداد بن الهاد أنه، قال: دخلنا على عائشة زوج النبي صَّه فقالت: دخل علي رسول الله عَ ليه فرأى في ٤٩ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٤٦) يدي فتخات من ورق، فقال: ما هذا يا عائشة؟ فقلت صنعتهن أتزين لك يا رسول الله! قال: أتؤدين زكاتهن؟ قلت: لا أو ما شاء الله، قال: هو حسبك من النار)). وأخرجه الحاكم في (مستدركه) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. قلت: الحديث على شرط مسلم ولا يلزم، من قول الترمذي: لا يصح في هذا الباب عن النبي عَّله شيء، أن لا يصح عند غيره فافهم. واحتجوا أيضاً بحديث أسماء بنت يزيد، أخرجه أحمد في (مسنده): ((حدثنا علي بن عاصم عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد، قالت: دخلت أنا وخالتي على النبي عَّه وعلينا أسورة من ذهب، فقال لنا: أتعطيان زكاتها؟ فقلنا: لا، قال: أما تخافان أن يسوركما الله أسورة من نار؟ أديا زكاتها. فإن قلت: قال ابن الجوزي: وعلي بن عاصم رماه يزيد بن هارون بالكذب، وعبد الله بن خيثم قال ابن معين: أحاديثه ليست بالقوية، وشهر بن حوشب قال ابن عدي: لا يحتج بحديثه. قلت: ذكر في (الكمال): وسئل أحمد عن علي بن عاصم فقال: هو والله عندي ثقة، وأنا أحدث عنه، وعبد الله بن خيثم قال ابن معين، هو ثقة حجة، وشهر بن حوشب قال أحمد: ما أحسن حديثه ووثقه، وعن يحيى: هو ثقة، وقال أبو زرعة: هو لا بأس به، فظهر من هذا كله سقوط كلام ابن الجوزري وصحة الحديث. واحتجوا أيضاً بحديث فاطمة بنت قيس، رواه الدارقطني في (سننه): عن نصر بن مزاحم عن أبي بكر الهذلي أخبرنا شعيب بن الحجاب ((عن الشعبي قال: سمعت فاطمة بنت قيس، تقول: أتيت النبي عَّ له بطوق فيه سبعون مثقالاً من ذهب، فقلت: يا رسول الله خذ منه الفريضة فأخذ منه مثقالاً وثلاثة أرباع مثقال)). وقال الدارقطني: أبو بكر الهذلي متروك لم يأت به غيره، واحتجوا أيضاً بحديث أم سليمة أخرجه أبو داود: حدثنا محمد بن عيسى حدثنا عتاب عن ثابت بن عجلان ((عن عطاء عن أم سلمة، قالت: كنت ألبس أوضاحاً من ذهب، فقلت: يا رسول الله أكنز هو؟ فقال: ما بلغ أن تؤدي زكاته فزكي فليس بكنز))، وأخرجه الحاكم أيضاً في (مستدركه) وقال: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. ولفظه: ((إذا أديت زكاته فليس بكنز)). فإن قلت: رواه البيهقي، وقال: تفرد به ثابت بن عجلان، وقال ابن الجوزي في (التحقيق): محمد بن مهاجر، قال ابن حبان: يضع الحديث على الثقات. قلت: قال في (تنقيح التحقيق): لا يضر تفرد ثابت به فإنه روى له البخاري ووثقه ابن معين، وقال فيه أيضاً: الذي قيل في محمد بن مهاجر وهم، فإن محمد بن مهاجر الكذاب ليس هو هذا، فهذا الذي يروي عن ثابت بن عجلان ثقة شامي أخرج له مسلم في (صحيحه) ووثقه أحمد وابن معين وأبو زرعة ودحيم وأبو داود وآخرون، وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: كان متقناً، وأما محمد بن مهاجر الكذاب فإنه متأخر، وعتاب بن بشير وثقه ابن معين. وأما حديث جابر الذي احتجت به الفرقة الأولى فقد قال البيهقي: فهو حديث لا عمدة القارىء / ج ٩ / م٤ ٥٠ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٤٧) أصل له، وفيه عافية بن أيوب، وهو مجهول، فمن احتج به مرفوعاً كان مغروراً بدينه داخلاً فيما يعيب به ممن يحتج بالكذابين. قلت: هذا غريب من البيهقي مع تعصبه للشافعي، وقال سبط بن الجوزي: هو حديث ضعيف مع أنه موقوف على جابر. قوله: ((مسكتان))، تثنية مسكة بالفتحات، وهو السوار من الدبل، وهي قرون الأوعال. وقيل: جلود دابة بحرية، والجمع: مسك، وقيل: الدبل ظهر السلحفات البحرية. ((والفتخات)) بفتح التاء المثناة من فوق وبالخاء المعجمة جمع: فتخة، بالتحريك وهي حلقة من فضة لا فص لها، فإذا كان فيها فص فهي خاتم، وقال عبد الرزاق، هي الخواتيم العظام، وقيل: خواتيم عراض الفصوص ليس بمستقيمة، وقيل: خلخل لا جرس له، والفتخ تلبس في الأيدي. وقيل: في الأرجل. ((والأوضاح)) جمع: وضح، بفتح الضاد المعجمة وفي آخره حاء مهملة، وهو نوع من الحلي يعمل من الفضة، سميت به لبياضها، ثم استعملت في التي يعمل من الذهب أيضاً. وقيل: حلي من الدراهم الصحيحة والوضح الدرهم الصحيح، وقيل: حلي من الحجارة، وقيل: الأوضاح: الخلاخل. ومما يستفاد من الحديث المذكور: استئذان النساء على الرجال. وفيه: أنه إذا لم ينسب إليه من يستأذن سأل أن ينسب. وفيه: الحث على الصدقة على الأقارب. وفيه: ترغيب ولي الأمر في أفعال الخير للرجال والنساء. وفيه: التحدث مع النساء الأجانب عند أمن الفتنة. ٤٧ - بابٌ لَيْسَ عَلَى المُسْلِمُ فِي فَرَسِهِ صَدَقَّةٌ أي: هذا باب يذكر فيه ليس على المسلم في فرسه صدقة، واشتقاق الفرس من الفرس وهو الكسر، وقال الجوهري: الفرس يقع على الذكر والأنثى ولا يقال للأنثى فرسة، وجمعه: الخيل، من غير لفظه، والخيل اسم جمع للعراب والبرازين ذكورها وإناثها کالركب، ولا واحد لها من لفظها، وواحدها: فرس، والخيل الفرسان أيضاً قال تعالى: ﴿واجلب علیھم بخيلك﴾ [الإسراء: ٦٤]. والخيل: يجمع على خيول فيكون جمع اسم الجمع: كالقوم والأقوام. ٦٥ / ١٤٦٣ - حدَّثنا آدَمُ قال حدَّثنا شُعْبَةُ قال حدَّثنَا عَبْدُ الله بنُ دِيْنَارٍ قال سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بنَ يَسَارِ عنْ عِرَاكِ بنِ مَالِكِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ. قال قال النبيُّ عَِّ لَيْسَ عَلَى المَسْلِمْ فِي فَرَسِهِ وَغُلاَمِهِ صَدَقَةٌ. [الحديث ١٤٦٣ - طرفه في: ١٤٦٤]. مطابقته للترجمة في عين متن الحديث، غير أن فيه لفظة: وغلامه، زائدة. ورجاله قد ذكروا فيما مضى، فسليمان بن يسار - ضد اليمين - مر في: باب الوضوء، وعراك بكسر العين المهملة وتخفيف الراء وفي آخره كاف، مر في: باب الوضوء. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضاً هنا، عن مسدد عن يحيى ٥١ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٤٧) ابن سعيد، وعن سليمان بن حرب عن وهيب، كلاهما عن خيثم بن عراك بن مالك عن أبيه به، وأخرجه مسلم في الزكاة أيضاً، عن يحيى بن يحيى وعن عمرو الناقد وزهير بن حرب وعن قتيبة عن حماد وعن أبي بكر بن أبي شيبة وعن أبي الطاهر بن السرح وهارون بن سعيد وأحمد بن عيسى. وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي عن مالك به وعن محمد بن المثنى ومحمد بن يحيى. وأخرجه الترمذي فيه عن أبي كريب ومحمود بن غيلان. وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة به وعن عبيد الله بن سعيد وعن محمد بن عبد الله وعن محمد ابن سلمة والحارث بن مسكين وعن محمد بن منصور وعن محمد بن علي. وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة. اختلاف ألفاظه ومن أخرجه غير الستة: وفي لفظ للبخاري: ((ليس على المسلم صدقة في عبده ولا فرسه))، ولفظ مسلم: ((ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة))، وفي لفظ: ((ليس في العبد صدقة إلاَّ صدقة الفطر)). ولفظ أبي داود: ((ليس في الخيل والرقيق زكاة إلاَّ زكاة الفطر في الرقيق)). وفي لفظ: ((ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة)). ولفظ الترمذي: ((ليس على المسلم في فرسه ولا في عبده صدقة)). ولفظ النسائي، كلفظ أبي داود الثاني، وفي لفظ: ((لا زكاة على الرجل المسلم في عبده ولا في فرسه)»، وفي لفظ: ((ليس على المرء في فرسه ولا مملوكه صدقة))، وفي لفظ: ((ليس على المسلم صدقة في غلامه ولا في فرسه)). ولفظ ابن ماجه، كلفظ مسلم الأول، وفي لفظ في (مسند عبد الله بن وهب): ((لا صدقة على الرجل في خيله ولا في رقيقه))، وفي لفظ لابن أبي شيبة: ((ولا في وليدته)) ورواه الشافعي عن سفيان عن يزيد بن يزيد بن جابر عن عراك عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، فوقفه. وفي الباب عن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، أخرج حديثه الأربعة. فأبو داود والترمذي والنسائي من رواية عاصم بن حمزة عن علي: قال: قال رسول الله عَلِّ: ((قد عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق)، وابن ماجه من رواية الحارث عن علي عن النبي عَ لَّه. قال: ((تجوزت لكم عن صدقة الخيل والرقيق)). وفي الباب أيضاً عن عمرو بن حزم، وعمر بن الخطاب، وحذيفة وعبد الله بن عباس، وعبد الرحمن بن سمرة، وسمرة بن جندب. فحديث عمرو بن حزم رواه الطبراني في (الكبير) من رواية سليمان بن داود: عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده: ((أن النبي عَّله كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات))، وفيه: ((أنه ليس في عبده ولا في فرسه شيء))، وسليمان بن داود الحزيبي وثقه أحمد وضعفه ابن معين. وحديث عمر بن الخطاب وحذيفة، رضي الله تعالى عنهما، رواه أحمد: حدثنا أبو اليمان حدثنا أبو بكر بن عبد الله عن راشد بن سعد عن عمر بن الخطاب وحذيفة بن اليمان ((أن النبي عَِّ لم يأخذ من الخيل والرقيق صدقة))، وأبو بكر ضعيف. وحديث ابن عباس رواه الطبراني في (الصغير) و(الأوسط) من رواية محمد بن عبد الرحمن ٥٢ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٤٧) ابن أبي ليلى عن داود بن علي بن عبد الله بن عباس عن النبي صَلّهِ، قال: ((قد عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق وليس فيما دون المائتين زكاة)). وحديث عبد الرحمن بن سمرة رواه الطبراني في (الكبير) والبيهقي من رواية سليمان بن أرقم عن الحسن ((عن عبد الرحمن ابن سمرة أن رسول الله عَّله، قال: ((لا صدقة في الكسعة والجبهة والنخة))، وسليمان بن أرقم متروك الحديث. الكسعة، بضم الكاف وسكون السين المهملة بعدها عين مهملة، قال أبو عبيدة وأبو عمرو والكسائي: هي الحمير، وقيل: هي الرقيق. والجبهة، بفتح الجيم وسكون الباء الموحدة، هي الخيل، والنخة، بضم النون وتشديد الخاء المعجمة هي: الرقيق، قاله أبو عبيدة وأبو عمرو وقال الكسائي: إنها البقر العوامل وذكر الفارسي في (مجمع الغرائب) عن الفراء أن النخة أن يأخذ المصدق ديناراً بعد فراغه من الصدقة، وقيل: النخة الحمير، يقال لها: النخة والكسعة. وقال بقية ابن الوليد: النخة المربيات في البيوت، والكسعة البغال والحمير. وحديث سمرة بن جندب رواه البزار، فذكر أحاديث ثم قال: ويإسناده «أن رسول الله، عَّله، كان يأمرنا أن لا تخرج الصدقة من الرقيق)) وإسناده ضعيف. ذكر ما يستفاد منه: استدل بالأحاديث المذكورة سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز ومكحول وعطاء والشعبي والحسن والحكم وابن سيرين والثوري والزهري ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأهل الظاهر، فإنهم قالوا: لا زكاة في الخيل أصلاً، وممن قال بقولهم أبو يوسف ومحمد من أصحابنا، وقال الترمذي: والعمل عليه، أي: على حديث أبي هريرة المذكور في الباب عند أهل العلم أنه ليس في الخيل السائمة صدقة ولا في الرقيق إذا كانوا للخدمة صدقة إلاّ أن يكونوا للتجارة، فإذا كانوا للتجارة ففي أثمانهم الزكاة إذا حال عليها الحول، وقال إبراهيم النخعي وحماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة وزفر: تجب الزكاة في الخيل المتناسلة وذكر شمس الأئمة السرخسي، أنه مذهب زيد بن ثابت، رضي الله تعالى عنه، من الصحابة واحتجوا بما رواه مسلم مطولاً من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَّله: ((ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلاّ حمي عليه في نار جهنم ... )) الحديث، وفيه: ((الخيل ثلاثة فهي: لرجل أجر، ولرجل ستر، ولرجل وزر)). الحديث، ثم قال: ((وأما الذي هي له ستر فالرجل يتخذها تكرماً وتجملاً، ولا ينسى حق ظهورها وبطونها في عسرها ويسرها .. )) الحديث، وهذا المقدار الذي ذكرناه أخرجه الطحاوي وأخرجه البزار أيضاً مطولاً، ولفظه: ((ولا يحبس حق ظهورها وبطونها)) وأبو حنيفة ومن معه تعلقوا به في إيجاب الزكاة في الخيل، وقال: إن في هذا دليلاً على أن الله فيها حقاً، وهو كحقه في سائر الأموال التي تجب فيها الزكاة، واحتجوا أيضاً بما روي عن عمر ابن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، أخرجه الطحاوي: حدثنا ابن أبي داود، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء. قال: حدثنا جويرية عن مالك عن الزهري أن السائب بن يزيد أخبره، قال: رأيت أبي يقوم الخيل ويدفع صدقتها إلى عمر بن الخطاب، وأخرجه الدارقطني أيضاً وإسماعيل بن إسحاق القاضي، وأبو عمر في (التمهيد) وأخرجه ابن أبي شيبة: عن ٥٣ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٤٧) محمد بن بكر عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن حسين أن ابن شهاب أخبره أن السائب ابن أخت نمرة أخبره أنه كان يأتي عمر بن الخطاب بصدقات الخيل، وأخرجه بقي ابن مخلد في (مسنده) عنه، وقال أبو عمر: الخبر في صدقة الخيل عن عمر، رضي الله تعالى عنه، صحيح من حديث الزهري عن السائب بن يزيد، وقال ابن رشد المالكي في (القواعد): قد صح عن عمر، رضي الله تعالى عنه، أنه كان يأخذ الصدقة عن الخيل، وروى أبو عمر بن عبد البر بإسناده: أن عمر بن الخطاب قال ليعلى بن أمية: تأخذ من كل أربعين شاة شاة، ولا تأخذ من الخيل شيئاً؟ خذ من كل فرس ديناراً، فضرب على الخيل ديناراً ديناراً، وروى أبو يوسف عن أبي عبد الله غورك بن الخضرم السعدي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله عَّله: ((في الخيل في كل فرس دينار))، ذكره في (الإمام) عن الدارقطني ورواه أبو بكر الرازي وروى الدارقطني في (سننه) عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب، قال: جاءنا من أهل الشام إلى عمر فقالوا: إنا قد أصبنا أموالاً خيلاً ورقيقاً وإماء، نحب أن نزكيه، فقال: ما فعله صاحبي قبلي فأفعله أنا، ثم استشار أصحاب النبي عَّهِ فقالوا: حسن، وسكت علي، رضي الله تعالى عنه، فسأله فقال: هو حسن لو لم يكن جزية راتبة يأخذون بها بعدك، فأخذ من الفرس عشرة دراهم، ثم أعاد قريباً منه بالسند المذكور، والقضية. وقال فيه: فوضع على كل فرس ديناراً. وروى محمد بن الحسن في كتاب (الآثار): أخبرنا أبو حنيفة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي أنه قال: في الخيل السائمة التي تطلب نسلها إن شئت في كل فرس دينار أو عشرة دراهم، وإن شئت فالقيمة، فيكون في كل مئتي درهم خمسة دراهم في كل فرس ذكراً أو أنثى. فإن قلت: قال ابن الجوزي: الجواب عن قوله: ((ثم لم ينس حق الله ... )) إلى آخره من وجهين: أحدهما: أن حقها إعارتها وحمل المنقطعين عليها فيكون ذلك على وجه الندب. والثاني: أن يكون واجباً، ثم نسخ بدليل قوله: ((قد عفوت لكم عن صدقة الخيل))، إذ العفو لا يكون إلاَّ عن شيء لازم. قلت: الذي يكون على وجه الندب لا يطلق عليه حق، وأيضاً فالمراد به صدقة خيل الغازي، وفي (الأسرار) للدبوسي: لما سمع زيد بن ثابت حديث أبي هريرة هذا قال: صدق رسول الله عَّله، ولكنه أراد فرس الغازي. وأما ما طلب نسلها ورسلها ففيها الزكاة في كل فرس دينار أو عشرة دراهم، قال أبو زيد: ومثل هذا لا يعرف قياساً، فثبت أنه مرفوع، وأما النسخ فإنه لو كان اشتهر في زمن الصحابة لما قرر عمر الصدقة في الخيل، وأن عثمان ما كان يصدقها. فإن قلت: روى مالك عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار أن أهل الشام قالوا لأبي عبيدة بن الجراج: خذ من خيلنا ورقيقنا صدقة فأبى، ثم كتب إلى عمر فأبى عمر، ثم كلموه أيضاً فكتب إلى عمر فكتب إليه عمر: إن أحبوا فخذها منهم وارددها عليهم وارزق رقيقهم، ففي إباء أبي عبيدة وعمر، رضي الله تعالى عنهما، من الأخذ من أهل الشام ما ذكروا من رقيقهم وخيلهم دلالة واضحة أنه لا زكاة في الرقيق ولا في الخيل، ولو كانت الزكاة واجبة في ذلك ما امتنعا من أخذ ما أوجب الله ٥٤ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٤٨) عليهم أخذه لأهله ووضعه فيهم. قلت: هذا يعارضه ما ذكرناه من عمر، رضي الله تعالى عنه، في رواية الدارقطني عنه، وغيره، وفي (شرح مختصر الكرخي) و(شرح التجريد): إن شاء أدى ربع عشر قيمتها، وإن شاء أدى عن كل فرس ديناراً. وفي (جامع الفقه): يجب في الإناث والمختلطة عنده لكل فرس دينار، وقيل: ربع عشر قيمتها، وفي (أحكام القرآن) للرازي: إن كانت إناثاً أو ذكوراً وإناثاً يجب، وفي (البدائع): الخيل إن كانت تعلف للركوب أو الحمل أو الجهاد في سبيل الله فلا زكاة فيها إجماعاً، وإن كانت للتجارة تجب إجماعاً، وإن كانت تسام للدر والنسل وهي ذكور وإناث يجب عنده فيها الزكاة حولاً واحداً، وفي الذكور المنفردة والإناث المنفردة روايتان. وفي (المحيط): المشهور عدم الوجوب فيهما. ومما يستفاد من الحديث المذكور: جواز قول: غلام فلان وجوار فلان. وفي (الصحيح) ((نهى رسول الله عَ ليه أن يقول الرجل: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي)). ٤٨ - بابٌ لَيْسَ عَلَى المُسْلِمُ فِي عَبْدِهِ صَدَقَّةٌ أي: هذا باب يذكر فيه: ليس على المسلم في عبده صدقة، أورد حديث أبي هريرة بترجمتين الأولى: بلفظ: غلامه. والثانية: بلفظ: عبده، الغلام، في اللغة اسم للصبي الذي فطم إلى سبع سنين، وفي اصطلاح الناس يطلق على العبد وعلى الحر الذي يخدم الناس، وفي (المغرب): الغلام الطار الشارب، ويستعار للعبد، وغلام القصار أجيره، والجمع: غلمة وغلمان، والعبد خلاف الحر، ويجمع على: عبيد وأعبد وعباد وعبدان، بالضم، وعبدان، بالكسر، وعبدان مشددة الدال، وعبداً تمد وتقصر ومعبوداء بالمد، وحكى الأخفش: عبد، بضمتين مثل سقف وسقف، والمراد بالغلام في الحديث: العبد الذي في الرقبة. ٦٦ / ١٤٦٤ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ عنْ خُثَيْم بنِ عِرَاكِ قال حدَّثني أبي عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَِّ ح وحدَّثنا سُلَّيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قال حدَّثنا وُهَيْبُ بنُ خَالِدٍ قال حدَّثنا خُثَيْمُ بنُ عِرَاكِ بنِ مالِكِ عنْ أَبِيهِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَّه قال لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ صَدَقَةٌ فِي عَبْدِهِ وَلاَ فَرَسِهِ. [انظر الحديث ١٤٦٣]. مطابقته للترجمة ظاهرة. ورجاله سبعة، ويحيى هو ابن سعيد القطان، وخثيم، بضم الخاء وفتح الثاء المثلثة وسكون الياء آخر الحروف: ابن عراك بن مالك الغفاري، ووهيب مصغر وهب. قوله: ((في عبده)) مطلق لكنه مقيد بما ثبت في (صحيح مسلم) ليس في العبد إلاَّ صدقة الفطر، هذا إذا لم يكن للتجارة، وقد مر الكلام فيه مستوفىّ في الباب السابق، والله أعلم بحقيقة الحال. ٥٥ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٤٩) ٤٩ - بابُ الصَّدَقَّةِ عَلَى اليَتَامَى أي: هذا باب في بيان الصدقة على اليتامى، وذكر لفظ: الصدقة، لكونها أعم من صدقة التطوع، ومن صدقة الفرض، قيل: عبر بالصدقة دون الزكاة لتردد الخبر بين صدقة الفرض والتطوع، لكون ذكر اليتيم جاء متوسطاً بين المسكين وابن السبيل وهما من مصارف الزكاة. قلت: إنما ذكر لفظ الصدقة لعمومها وشمولها القسمين، والصدقة مطلقاً مرغوب فيها، ولفاعلها أجر عظيم وثواب جزيل إذا وقعت لمستحقها، وذكر في الحديث هؤلاء الثلاثة أعني: المسكين واليتيم وابن السبيل، فالمسكين وابن السبيل مصرفان للزكاة ولصدقة التطوع، بخلاف اليتيم فإنه إنما يكون مصرفاً إذا كان فقيراً، والشارع مدح الذي يتصدق على هؤلاء الثلاثة، وإنما ذكر البخاري لفظ: وخصهم بالذكر دون هذين الإثنين للاهتمام بهم، وحصول الأجر في الصدقة عليهم أكثر من غيرهم، وقد ورد في الحديث: أن الصدقة على اليتيم تذهب قساوة القلب. ٦٧ / ١٤٦٥ _ حدَّثنا مُعَاذُ بنُ فَضَالَةَ قال حدَّثنا هِشَامٌ عنْ يَحيى عنْ هِلالِ بنِ أبي مَيْمُونَةَ قال حدَّثنا عَطَاءُ بنُ يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ أبا سَعِيدٍ الخذْرِيَّ رضي الله تعالى عنهُ يُحَدِّثُ أنَّ النبيَّ عَ لَّه جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى المِنْبَرِ وجَلَسْنا حَوْلَهُ فقال إنِّي مِمَّا أخافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدي ما يُفْتَحُ عَلَيْكُم مِن زَهْرَةِ الدُّنيَا وَزِينَتِهَا فقال رَجُلٌ يا رسولَ الله أوَ يَأْتِي الخَيْرُ بالشَّرّ فسَكتَ النبيُّ عَّهِ فَقِيلَ لَهُ مَا شَأَتُكَ تُكَلِّمُ النبيَّ عََّّهِ وَلاَ يُكَلِّمُكَ فَرَأْتِنَا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَليهِ قال فمسَحَ عنهُ الرُّخْضَاءَ فقال أينَ السَّائِلُ وكأَنَّهُ حَمِدَهُ فقال إنَّهُ لا يَأْتِيِ الخَيرُ بِالشَّرِّ وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ حَبَطاً أو يُلِمُّ إلاَّ آكِلَةَ الخَضْرَاءِ أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خاصِرَتَاهَا استَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ فَلَطتْ وبَالَتْ وَرَتعَتْ وَإِنَّ لهذا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَتَعِمَ صَاحِبُ المُسْلِم ما أَغْطَى منهُ المِسْكِينَ والَّتِيمَ وَابنَ السَّبِيلِ أَوْ كَما قال النبيُّ عَّهِ وَإِنَّهُ مَنْ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كالَّذِي يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ ويَكُونُ شَهِيداً عَلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ. [انظر الحديث ٩٢١ وطرفيه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((واليتيم))، وذكر وجه تخصيصه بالذكر. ذكر رجاله: وهم: ستة: الأول: معاذ، بضم الميم ابن فضالة بفتح الفاء وتخفيف الضاد المعجمة، مر في باب من اتخذ ثياب الحيض. الثاني: هشام الدستوائي. الثالث: يحيى بن أبي كثير. الرابع: هلال بن أبي ميمونة، ويقال: هلال بن أبي هلال وهو هلال بن علي، ويقال: ابن أسامة الفهري، ومن قال: هلال بن أبي ميمونة ينسبه إلى جد أبيه، وقد ذكر في أول كتاب العلم. الخامس: عطاء بن يسار ضد اليمين، وقد مر في: باب كفران العشير، السادس: أبو سعيد الخدري. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: السماع. وفيه: أن شيخه من أفراده وأنه بصري وهشام أهوازي ويحيى طائي يمامي وهلال مدني، وكذا عطاء. وفيه: إثنان مذكوران بلا نسبة. ٥٦ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٤٩) وفيه: من ينسب إلى جد أبيه وهو: هلال. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الجهاد: عن محمد ابن سنان، وفي الرقاق عن إسماعيل بن عبد الله وأخرجه مسلم في الزكاة عن أبي الطاهر بن السرح وعن علي بن حجر، وأخرجه النسائي عن زياد بن أيوب. ذكر معناه: قوله: ((ذات يوم))، معناه: جلس قطعة من الزمان، فيكون: ذات يوم، صفة للقطعة المقدرة ولم تتصرف لأن إضافتها من قبيل إضافة المسمى إلى الإسم، وليس له تمكن في الظرفية الزمانية لأنه ليس من أسماء الزمان. قوله: ((إن مما أخاف))، وقوله: ((ما يفتح عليكم)) في محل النصب لأنه اسم: إن ((ومما أخاف)) مقدماً خبره، وكلمة: ما، في: ما يفتح، تحتمل الوجهين أيضاً. قوله: ((من زهرة الدنيا)) أي: من حسنها وبهجتها، مأخوذة من زهرة الأشجار، وهو ما يصغر من أنوارها، وقال ابن الأعرابي: هو الأبيض منها. وقال أبو حنيفة: الزهر والنور سواء، وفي (مجمع الغرائب): هو ما يزهر منها من أنواع المتاع والعين والثياب والزروع وغيرها تغر الخلق بحسنها مع قلة بقائها. وفي (المحكِم): زهر الدنيا وزهرتها يعني، بتسكين الهاء وفتحها. وفي (الجامع): وزهرها. قوله: ((أَوَ يأتي الخير بالشر؟» الهمزة للاستفهام، والواو للعطف على مقدر بعد الهمزة، وقال الطيبي: الاستفهام فيه استرشاد منهم، ومن ثمة حمد، عَّله، السائل، والباء في: بالشر، صلة يأتي بمعنى: هل يستجلب الخير الشر؟ وجوابه عَّ له: لا يأتي الخير بالشر، لكن قد يكون سبباً له ومؤدياً إليه كما يأتي في التمثيل. وفي (التلويح): هذا سؤال مستبعد لما سماه رسول الله عَّةٍ، بركة، وسماه الله تعالى خيراً بقوله: ﴿وإنه لحب الخير لشديد﴾ [العاديات: ٨]. فأجيب بأن هذا الخير قد يعرض له ما يجعله شراً إذا أسرف فيه ومنع من حقه، ولذلك قال: ((أَوَ خير هو؟)) بهمزة الاستفهام وواو العطف الواقعة بعدها المفتوحة على الرواية الصحيحة، منكراً على من توهم أنه لا يحصل منه شر أصلاً، لا بالذات ولا بالعرض، وقال التيمي: أتصير النعمة عقوبة؟ أي: إن زهرة الدنيا نعمة من الله على الخلق أتعود هذه النعمة وبالاً عليهم؟ قوله: ((فسكت، عَلّهِ))، يعني انتظاراً للوحي، فلام القوم هذا السائل، وقالوا له: ما شأنك تكلم رسول الله، عَّله، ولا يكلمك؟ قوله: ((فرأينا)) من الرؤية، وفي رواية الكشميهني: فأرينا، بضم الهمزة وكسر الراء، ويروى: فرأينا، بضم الراء، أي: ظننا، وكل ما جاء من هذا اللفظ بمعنى رؤية العين فهو مفتوح الأول، وما كان من الظن والحسبان فهو أري وأريت، بضم الهمزة. قوله: ((إنه ينزل عليه)) على صيغة المجهول يعني: الوحي. قوله: ((فمسح عنه الرحضاء»، بضم الراء وفتح الحاء المهملة والضاد المعجمة: هو عرق يغسل الجلد لكثرته، وكثيراً ما يستعمل في عرق الحمى والمرضى. وقال الأصمعي: الرحضاء: العرق حتى كأنه رحض جسده من العرق، أي: غسل. ووزنه: فعلاء، بضم الفاء وفتح العين، وجاءت أمثلة على هذا الوزن منها: العدواء: الشغل، والعرواء: الرعدة، والخيلاء من الاختيال والتكبر، والصعداء، من قولهم: هو يتنفس الصعداء، من غم أي: يصاعد نفسه. قوله: ((وكأنه حمده) أي: وكأن النبي، عَّ﴾، ٥٧ ٢٤ - كتابُ الزَكاةِ / باب (٤٩) حمد السائل وكان الناس ظنوا أنه، معَّلَّةٍ، أنكر مسألته فلما رأوه يسأل عنه سؤال راضٍ علموا أنه حمده، فقال: إنه لا يأتي الخير بالشر، أي: إن ما قضى الله أن يكون خيراً يكون خيراً، وما قضاه أن يكون شراً يكون شراً، وأن الذي خفت عليكم: تضييعكم نعم الله، وصرفكم إياها في غير ما أمر الله، ولا يتعلق ذلك بنفس النعمة ولا ينسب إليها، ثم ضرب لذلك مثلاً فقال: ((وإن مما ينبت الربيع .. )) إلى آخره، ينبت، بضم الياء من الإنبات. قوله: ((يقتل أو يلم))، قال القزاز: هذا حديث جرى فيه البخاري على عادته في الاختصار والحذف، لأن قوله ((فرأينا أنه ينزل عليه)) يريد الوحي، وفي قوله: ((وإن مما ينبت الربيع يقتل أو يلم)) حذف: ما، أي كلمة: ما، قبل: يقتل، وحذف: حبطاً، والحديث: ((إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم))، فحذف: حبطاً، وحذف: ما. قال القزاز: وروينا بهما، وفي نسخة صاحب (التلويح) لفظاً: حبطاً، موجود، وغالب النسخ ليس فيه. وقال الخطابي: سقط في الكلام من الرواية: ما، وتقديره: ما يقتل. قلت: لا بد من تقدير كلمة: ما، لأن قوله: ((ينبت الربيع))، فعل وفاعل ولا يصلح أن يكون لفظ: يقتل، مفعولاً إلاَّ بتقدير: ما، وقوله: ((حبطاً)، بفتح الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة، وانتصابه على التمييز، وهو داء يصيب الإبل، وقال ابن سيده: هو وجع يأخذ البعير في بطنه من كلاء يستوبله، وقد حبط حبطاً فهو حبط، وإبل حباطي وحبطة، وحبطت الشاة حبطاً: انتفخ بطنها عن أكل الدرق، وذلك الداء الحباط. قوله: ((أو يلم)) من الإلمام أي: أو يقرب ويدنو من الهلاك. قوله: ((إلا آكلة الخضر))، بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين وفي آخره راء، ووقع في رواية العذري: ((إلاَّ آكلة الخضرة))، بالتاء في آخره. وعند الطبري: ((الخضرة))، بضم الخاء وسكون الضاد، وفي رواية الحموي: الخضراء، بزيادة ألف قبل الاستثناء مفرغ، والأصل: مما ينبت الربيع ما يقتل آكله إلاَّ آكلة الخضر، وإنما صح الاستثناء المفرغ لقصد التعميم فيه، ونظيره: قرأت إلاَّ يوم كذا. وقال الطيبي: والأظهر أن الاستثناء منقطع لوقوعه في الكلام المثبت، وهو غير جائز عند صاحب (الكشاف) إلاَّ بالتأويل، ولأن ما يقتل حبطاً بعض ما ينبت الربيع لدلالة: من، التبعيضية عليه، ويجوز أن يكون الاستثناء متصلاً، لكن يجب التأويل في المستثننى، والمعنى: من جملة ما ينبت الربيع شيئاً يقتل آكله إلاَّ الخضر منه إذا اقتصد فيه آكله وتحرى دفع ما يؤديه إلى الهلاك. قوله: ((فإنها)) أي: فإن آكلة الخضر، قال الخطابي: الخضر ليس من أحرار البقول التي تستكثر منه الماشية فتهلكه أكلاً، ولكنه من الجنبة التي ترعى الماشية منها بعد هيج العشب ويبسه، وأكثر ما تقول العرب لما اخضر من الكلاء الذي لم يصفر، والماشية من الإبل ترتع منها شيئاً فشيئاً، فلا تستكثر منه فلا تحبط بطونها عليه. قوله: ((حتى إذا امتدت خاصرتاها)) يعني: إذا امتلأت شبعاً وعظم جنباها، والخاصرة: الجنب استقبلت الشمس لأنه الحين الذي تشتهي فيه الشمس، وجاءت وذهبت ((فثلطت)) بفتح الثاء المثلثة أي: ألقت السرقين، وقال ابن التين: ثلطت، ضبطه بعضهم بفتح اللام وبعضهم بكسرها، وفي (المحكم): ثلط الثور والبعير والصبي، يثلط ثلطاً: سلح سلحاً رقيقاً. وفي (مجمع الغرائب): ٥٨ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٤٩) خرج رجيعها عفواً من غير مشقة لاسترخاء ذات بطنها فيبقى نفعها ويخرج فضولها ولا يتأذى بها. وفي (العباب) و(المغيث): وأكثر ما يقال للبعير والفيل. قوله: ((ورتعت)) أي: رعت، وارتع إبله أي: رعاها في الربيع، وأرتع الفرس وتربع: أكل الربيع، وقال الداودي: رتعت افتعل من الرعي قلت: ليس كذلك، ولا يقول هذا إلاّ من لم يمس شيئاً من علم التصريف. قوله: ((وإن هذا المال خضر))، بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين، وإنما سمي الخضر خضراً لحسنه والإشراق وجهه، والخضر عبارة عن الحسن، وهي من أحسن الألوان، ويروى: خضرة، بتاء التأنيث، والوجه فيه أن يقال: إنما أنث على معنى تأنيث المشبه به، أي: هذا المال شيء كالخضرة، وقيل: معناه كالبقلة الخضرة، أو يكون على معنى فائدة المال أي: الحياة به والمعيشة خضرة. وقال الطيبي: يمكن أن يعبر عن المال بالدنيا لأنه أعظم زينتي الحياة الدنيا، قال تعالى: ﴿المال والبنون زينة الحياة الدنيا﴾ [الكهف: ٤٦]. وقال الكرماني: وله وجه آخر وهو أن تكون التاء للمبالغة، نحو: رجل راوية وعلامة. قوله: ((ونعم صاحب المسلم ... ))، إلى آخره، يقول: إن من أعطي مالاً وسلط على هلكته في الحق فأعطى من فضله المسكين وغيره، فهذا المال المرغوب فيه. قوله: ((أو كما قال رسول الله عَّه)) شك من يحيى. قوله: ((وإنه من يأخذه)) أي: وإن المال من يأخذه بغير حقه، بأن جمعه من الحرام أو من غير احتياج إليه ولم يخرج منه حقه الواجب فيه، فهو كالذي يأكل ولا يشبع، يعني: أنه كلما نال منه شيئاً ازدادت رغبته واستقل ما في يده، ونظر إلى ما فوقه فينافسه. قوله: ((فيكون عليه شهيداً يوم القيامة))، يحتمل البقاء على ظاهره، وهو أنه يجاء بماله يوم القيامة فينطق الصامت منه ما فعل به أو يمثل له بمثال حيوان أو يشهد عليه الموكلون بكتب الكسب والإنفاق وقيل: معنى قوله: ((ويكون عليه شهيداً) أي: حجة عليه يوم القيامة، يشهد على صرفه وإسرافه وأنه أنفقه فيما لا يرضاه الله تعالى، ولم يؤد حقه. ذكر ما يستفاد منه فيه: مثلان ضربهما النبي عَّةٍ: أحدهما: للمفرط في جمع الدنيا ومنعها من حقها، والآخر: للمقتصد في أخذها، فأما قوله: ((وإن مما ينبت الربيع)) فهو مثل المفرط الذي يأخذها بغير حق، وذلك أن الربيع ينبت أحرار العشب فتستكثر منها الماشية حتى تنتفخ بطونها، لما قد جاوزت حد الاحتمال، فتنشق أمعاؤها منها فتهلك، كذلك الذي يجمع الدنيا من غير حلها، ويمنع ذا الحق حقه يهلك في الآخرة بدخوله النار. وأما قوله: ((إلاَّ آكلة الخضر)) فهو مثل المقتصد، وذلك أن الخضر ليس من أحرار البقول التي ينبتها الربيع، ولكنها من الجنبة التي ترعاها المواشي بعد هيج البقول، فضربه عَّلم مثلاً لمن يقتصد في أخذ الدنيا وجمعها ولا يحمله الحرص على أخذها بغير حقها، فهو ناج من وبالها كما نجت آكلة الخضر. وقيل: الربيع قد ينبت أحرار العشب والكلأ فهي كلها خير في نفسها، وإنما يأتي الشر من قبل آكل مستلذ مفرط منهمك فيها بحيث تنتفخ أضلاعه منه وتمتلىء خاصرتاه، ولا يقلع عنه فيهلكه سريعاً، ومن أكل كذا فيشرفه إلى الهلاك، ومن: أكل مسرفاً حتى تنتفخ خاصرتاه ولكنه يتوخى إزالة ذلك ويتحيل في دفع مضرتها حتى يهضم ما أكل ومن أكل غير ٥٩ ٢٤ - كتاب الزكاةِ / باب (٥٠) مفرط ولا مسرف يأكل منها ما يسد جوعه ولا يسرف فيه حتى يحتاج إلى دفعه، ومن أكل ما يسد به رمقه ويقوم به طاعته. الأول: مثال الكافر، ومن ثمة أكد القتل بالحبط أي: يقتل قتلاً حبطاً، والكافر هو الذي يحبط أعماله. والثاني: مثال المؤمن الظالم لنفسه المنهمك في المعاصي. والثالث: مثال المقتصد. والرابع: مثال السابق الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة، هذا الوجه يفهم من الحديث، وإن لم يصرح به، وفي كلام النووي إشعار بهذا. وفيه: جواز ضرب الأمثال بالأشياء التافهة والكلام الوضيع كالبول ونحوه. وفيه: جواز عرض التلميذ على العالم الأشياء المجملة، وأن للعالم إذا سئل عن شيء أن يؤخر الجواب حتى يتيقن. وفيه: أن السؤال إذا لم يكن في موضعه ينكر على سائله. وفيه: أن العالم إذا سئل عن شيء ولم يستحضر جوابه أو أشكل عليه يؤخر الجواب حتى يكشف المسألة ممن فوقه من العلماء، كما فعل عَّهِ في سكوته حتى استطلعها من قبل الوحي. وفيه: أن كسب المال في غير حله غير مبارك فيه، والله تعالى يرفع عنه البركة كما قال تعالى: ﴿يمحق الله الربا﴾ [البقرة: ٢٧٦]. وقال الشيخ أبو حامد: مثال المال مثال الحية التي فيها ترياق نافع وسم ناقع، فإن أصابها المعزم الذي يعرف وجه الاحتراز من شرها وطريق استخراج ترياقها النافع كانت نعمة، وإن أصابها السوادي الغني فهي عليه بلاء مهلك. وفيه: أن للعالم أن يحذر من يجالسه من فتنة المال، وينبهمم على مواضع الخوف، كما قال، عَ التّ: ((إنما أخاف عليكم)) فوصف لهم ما يخاف عليهم ثم عرفهم بمداواة تلك الفتنة، وهي إطعام المسكين ونحوه. وفيه: الحض على الاقتصاد في المال والحث على الصدقة وترك الإمساك. قال الكرماني وفيه: حجة لمن يرجح الغنى على الفقر. قلت: هذا الكلام عكس ما نقل عن المهلب، فإنه قال: احتج قوم بهذا الحديث في تفضيل الفقر على الغنى، وليس كما تأولوه، لأن النبي عَّهِ لم يخش عليهم ما يفتح عليهم من زهرة الدنيا إلاَّ إذا ضيعوا ما أمرهم الله تعالى به في إنفاق حقه. قلت: جمع المال غير محرم، ولكن الاستكثار منه والخروج عن حد الاقتصاد فيه ضار، كما أن الاستكثار من المآكل مسقم من غير تحريم للآكل، ولكن الاقتصاد فيه هو المحمود. وفيه: جلوس الإمام على المنبر عند الموعظة وجلوس الناس حوله. وفيه: خوف المنافسة لقوله: ((إنما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا)). وفيه: استفهامهم بضرب المثل. وفيه: مسح الرحضاء للشدة الحاصلة. وفيه: دعاء السائل لقوله: ((أين السائل؟)) وفيه: ظهور البشرى لقوله: ((وكأنه حمده)) أي: لما رأى فيه من البشرى لأنه كان إذا سر برقت أسارير وجهه. والله أعلم. ٥٠ - بابُ الزَّكَاةِ عَلَى الزَّوْجِ وَالأيتامِ فِي الحَجْرِ أي: هذا باب في بيان صرف الزكاة على الزوج وعلى الأيتام الذين في حجر المنفق، الحجر، بكسر الحاء وفتحها، والمراد به الحضن. وفي (المطالع) إذا أريد به المصدر فالفتح ٦٠ ٢٤ - كتابُ الزّكاةِ / باب (٥٠) لا غير، وإن أريد الاسم فالكسر لا غير، وحجر الكعبة بالكسر لا غير، وإنما أعاد الأيتام هنا، مع أنه ذكر في الباب السابق لأن الأول فيه العموم، وفي هذا الخصوص. قيل: وجه الاستدلال بهما على العموم لأن الإعطاء أعم من كونه واجباً أو مندوباً. قلت: لا نسلم عموم جواز الإعطاء، بل الواجب له حكم، والمندوب له حكم. أما الواجب فلأن في إعطاء الزوجة زكاتها فيه خلاف، كما ذكرنا. وكذلك الإعطاء للأيتام إنما يجوز بشرط الفقر، وأما المندوب فلا كلام فیه. قالَّهُ أَبُو سَعيدٍ عنِ النبيِّ عَّ. أي: قال المذكور من الزكاة على الزوج والأيتام أبو سعيد الخدري، وفي (التلويح): هذا التعليق تقدم مسنداً عند البخاري في: باب الزكاة على الأقارب، وقال بعضهم: يشير إلى حديثه السابق موصولاً في: باب الزكاة على الأقارب. قلت: ليس فيه ذكر الأيتام أصلاً، ولهذا قال الكرماني: قيل: هو الحديث الذي رواه في: باب الزكاة على الأقارب. ٦٨ /١٤٦٦ _ حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ قال حدَّثنا أبي قال حدَّثنا الأعمشُ قال حدَّثني شَقيقٌ عنْ عَمْرٍو بنِ الحَارِثِ عنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهما. قال فَذَكَوْتُهُ لإبراهِيمَ فَحَدَّثني إبْرَاهِيمُ عنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عنْ عَمْرِو بنِ الحَارِثِ عنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ بِثْلِهِ سَوَاءٌ قَالَتْ كُنْتُ فِي المَسْجِدِ فَرَأيْتُ النبيَّ عَّهِ فقال تَصَدَّقْنَ ولَوْ مِنْ حُلِيُّكُنَّ وكَانَتْ زَيْنَبُ تُنْفِقُ عَلى عَبْدِ الله وأيتامِ فِي حَجْرِهَ قال فَقَالَتْ لَعَبْدِ اللهِ سَلْ رسولَ الله عَّ ◌َلِ أَيَجْزِي عَنِّي أن أُنْفِقَ عَلَيْكَ وعَلَى أَيْتَمِي فِي حَجْرِي مِنَ الصَّدَقَةِ فقال سَلِي أَنْتِ رسولَ الله عَ الِ فانْطَلَقْتُ إِلَى النبيِّ عَِّ فَوَجَدْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ عَلَى الْبَابِ حاجَتُهَا مِثْلُ حَاجَتِي فَمَرَّ عَلَيْنَا بِلِإِلٌ فَقُلْنَا سَلِ النبيَّ عَلِ أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أَنْفِقَ عَلَى زَوْجِي وَأَيْتَامٍ لِي فِي حَجْرِي وقُلْنَا لاَ تُخْبِرْ بِنَا فدَخَلَ فسَأْلَهُ فقال مَنْ هُمَّا قال زَيْنَبُ قال أيُّ الرَّيَانِبِ قَال امْرَأَةُ عَبْدِ الله قالَ نعَمْ وَلَهَا أَجْرَانِ أجْرُ القَرَابَةِ وَأَجْرُ الصَّدَقَة. مطابقته للترجمة ظاهرة. ذكر رجاله: وهم: ثمانية: الأول: عمر بن حفص أبو حفص النخعي، وقد تكرر ذكره. الثاني: أبو حفص بن غياث بن طلق. الثالث: سليمان الأعمش. الرابع: شقيق أبو وائل، وقد مر عن قريب. الخامس: عمرو بن الحارث بن أبي ضرار، بكسر الضاد المعجمة: الخزاعي ثم المصطلقي، بضم الميم وسكون الصاد المهملة وفتح الطاء المهملة وكسر اللام وبالقاف: أخو جويرية بنت الحارث زوج النبي عَّ له، له صحبة. السادس: إبراهيم النخعي. السابع: أبو عبيدة، بضم العين: واسمه عامر بن عبد الله بن مسعود، ويقال: اسمه كنيته. الثامن: زينب بنت معاوية، ويقال: بنت عبد الله بن معاوية بن عتاب الثقفية، ويقال لها: رائطة، وقد ذكرناه في: باب الزكاة على الأقارب. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وبصيغة الإفراد