Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١٩)
١٩ - بابٌ لاَ صَدَقَةَ إِلاَّ عنْ ظَهْرٍ غِنَى
أي: هذا باب ترجمته: لا صدقة إلاَّ عن ظهر غنى، وهذه الترجمة لفظ حديث أخرجه
أحمد عن أبي هريرة من طريق عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة. قال: ((لا
صدقة إلاّ عن ظهر غنى))، وكذا ذكره البخاري في الوصايا تعليقاً، ولفظ حديث الباب عن
أبي هريرة بلفظ: ((خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى)). قال الخطابي: الظهر قد يزاد في مثل
هذا إشباعاً للكلام والنفي فيه للكمال لا للحقيقة، والمعنى: لا صدقة كاملة إلاَّ عن ظهر
غنىّ، والظهر مضاف إلى غنىّ وهو بكسر الغين مقصوراً ضد الفقر، قال ابن قرقول، ومنه خير
الصدقة ما كان عن ظهر غنيّ، أي: ما أبقت غنى. قيل: معناه الصدقة بالفضل عن قوت عياله
وحاجته، وقال الخطابي: أفضل الصدقة ما أخرجه الإنسان من مال بعد أن يستبقي منه قدر
الكفاية لأهله وعياله، ولذلك يقول: وابدأ بمن تعول. وقال محيي السنة: أي: غنىّ مستظهر به
على النوائب التي تنوبه.
وَمَنْ تَصَدَّقَ وَهْوَ مُخْتَاجٌ أَوْ أهْلُهُ مُخْتَاجٌ أَوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فالدَّيْنُ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى مِنَ الصَّدَقَّةِ
والعِثْقِ والِهِبَةِ وَهْوَ رَدِّ عَلَيْهِ لَيْسَ لَّهُ أنْ يُتْلِفَ أَمْوَالَ النَّاسِ
هذا كله من الترجمة وقع تفسيراً لقوله: ((لا صدقة إلا عن ظهر غنى))، والمعنى أن
شرط التصدق أن لا يكون محتاجاً ولا أهله محتاجاً ولا يكون عليه دين فإذا كان عليه دين
فالواجب أن يقضي دينه، وقضاء الدين أحق من الصدقة والعتق والهبة لأن الابتداء بالفرائض
قبل النوافل، وليس لأحد إتلاف نفسه وإتلاف أهله وإحياء غيره، وإنما عليه إحياء غيره بعد
إحياء نفسه وأهله إذ هما أوجب عليه من حق سائر الناس. قوله: ((وهو محتاج)) جملة إسمية
وقعت حالاً، والجملتان بعدها أيضاً حال. قوله: ((فالدين أحق)) جزاء الشرط، وفيه محذوف
أي: فهو أحق وأهله أحق والدين أحق. قوله: ((وهو رد)) أي: غير مقبول، لأن قضاء الدين
واجب والصدقة تطوع ومن أخذ ديناً وتصدق به ولا يجد ما يقضي به الدين فقد دخل تحت
وعيد من أخذ أموال الناس، ومقتضى قوله: ((وهو رد عليه)) أن يكون الدين المستغرق مانعاً
من صحة التبرع، لكن هذا ليس على الإطلاق وإنما يكون مانعاً إذا حجر عليه الحاكم، وأما
قبل الحجر فلا يمنع، كما تقرر ذلك في موضعه في الفقه، فعلى هذا إما يحمل إطلاق
البخاري عليه أو يكون مذهبه أن الدين المستغرق يمنع مطلقاً، ولكن هذا خلاف ما قاله
العلماء، حتى إن ابن قدامة وغيره نقلوا الإجماع على أن المنع إنما يكون بعد الحجر.
وقال النبيُّ عَّ لهُ: مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ إِثْلاَفَهَا أَتْلَفَهُ الله
هذا أيضاً من الترجمة، قد ذكر فيها خمسة أحاديث معلقة هذا أولها وهذا طرف من
حديث أبي هريرة، فلما وصله البخاري في الاستقراض في: باب من أخذ أموال الناس يريد
أداءها أو إتلافها: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي حدثنا سليمان عن بلال ((عن ثور بن

٤٢٢
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١٩)
زيد عن أبي الغيث عن أبي هريرة عن النبي عَ لَّه قال: ((من أخذ أموال الناس يريد أداءها
أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله)).
إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفً بِالصَّبْرِ فَيُؤْثِرَ عَلَى نَفْسِهِ وَلَوْ كَانَ بِهِ خَصَاصَةٌ كَفِغْلٍ أبِي بَكْرٍ رضي
الله تعالى عنهُ حِينَ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ
قوله: ((إلاَّ أن يكون)) من كلام البخاري، وهو استثناء من الترجمة أو من لفظ: من تصدق وهو
محتاج، أي: فهو أحق إلاَّ أن يكون معروفاً بالصبر، فإنه حينئذ له أن يؤثر غيره على نفسه
ويتصدق به، وإن كان غير غني أو محتاجاً إليه. قوله: ((خصاصة)) أي: فقر وخلل. قوله:
((كفعل أبي بكر حين تصدق بماله)) أي: بجميع ماله، لأنه كان صابراً، وقد يقال: تخلي أبي
بكر عن ماله كان عن ظهر غنى، لأنه كان غنياً بقوة توكله، وتصدق أبي بكر بجميع ماله
مشهور في السير، وورد في حديث مرفوع أخرجه أبو داود وصححه الترمذي والحاكم من
طريق زيد بن أسلم: سمعت عمر، رضي الله تعالى عنه، يقول: ((أمرنا رسول الله عَ لَّم أن
نتصدق فوافق ذلك مالاً عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً، فجئت بنصف
مالي وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال له النبي عَّمه يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت
لهم الله ورسوله)). وقال الطبري وغيره، قال الجمهور: من تصدق بماله كله في صحة بدنه
وعقله حيث لا دين عليه وكان صبوراً على الإضافة، ولا عيال له، أو له عيال يصبرون
أيضاً. فهو جائز، فإن فقد شيئاً من هذه الشروط كره. وقال بعضهم: هو مردود، وروي
عن عمر، رضي الله تعالى عنه، حيث رد على غيلان الثقفي قسمة ماله، وقال آخرون:
يجوز من الثلث، ويرد عليه الثلثان، وهو قول الأوزاعي ومكحول، وعن مكحول أيضاً يرد
ما زاد على النصف.
وكَذَلِكَ آثَرَ الأنْصَارُ المُهَاجِرِينَ
هذا ثالث الأحاديث المعلقة، وهو أيضاً مشهور في السير، وفيه أحاديث مرفوعة. منها:
حديث أنس: قدم المهاجرون المدينة وليس بأيديهم شيء فقاسمهم الأنصار. وأخرجه
البخاري موصولاً في حديث طويل من كتاب الهبة في: باب فضل المنيحة. وذكر ابن
إسحاق وغيره أن المهاجرين لما نزلوا على الأنصار آثروهم حتى قال بعضهم لعبد الرحمن بن
عوف: أنزل لك عن إحدى امرأتي.
ونَهِى النبيُّ عَ ◌ّه عِنْ إِضَاعَةِ المَالِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَيِّعَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِعِلَّةِ الصَّدَقَةِ
هذا رابع الأحاديث المعلقة، وهو طرف من حديث المغيرة، وقد مضى بتمامه في
أواخر صفة الصلاة.

٤٢٣
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١٩)
وقال كَعْبٌ رضي الله تعالى عنهُ قُلْتُ يا رسولَ اللهِ إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مالِي
صَدَقَّةً إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ عَلَّهِ قال أمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مالِكَ فَهْوَ خَيْرٌ لَكَ قُلْتُ فإِنِّي
أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ
هذا خامس الأحاديث المعلقة فهو قطعة من حديث طويل في توبة كعب بن مالك،
وسيأتي في تفسير التوبة، وكعب هذا شهد العقبة الثانية وهو أحد شعراء النبي، عدّة، وأحد
الثلاثة الذين خلفوا عن رسول الله عَّه في غزوة تبوك، مات سنة خمسين. قوله: ((من
توبتي)) أي: من تمام توبتي. قوله: (إلى الله)) أي: صدقة منتهية إلى الله، وإنما منع النبي، عَ ◌ّ،
كعباً عن صرف كل ماله ولم يمنع أبا بكر، رضي الله تعالى عنه، عن ذلك لأنه كان شديد
الصبر قوي التوكل، وكعب لم يكن مثله.
١٤٢٦/٣٠ _ حدَّثنا عَبْدَانُ قال أُخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ عنْ يُونُسَ عنِ الزُّهْرِيِّ قال أخبرني
سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أبَا هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النَّبِيِّ عَ لِ قال خَيْرُ الصَّدَقَةِ
ما كانَ عنْ ظَهْرٍ غِنىّ وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ. [الحديث ١٤٢٦ - أطرافه في: ١٤٢٨، ٥٣٥٥،
٥٣٥٦].
مطابقته للترجمة من حيث المعنى متوجه. ورجاله ذكروا غير مرة، وعبدان لقب عبد
الله بن عثمان المروزي، وعبد الله هو ابن المبارك، ويونس هو ابن يزيد، والزهري هو محمد
ابن مسلم، وأخرجه النسائي أيضاً في الزكاة عن عمرو بن سواد عن ابن وهب. قوله: ((وابدأ
بمن تعول)) أي: بمن يجب عليك نفقته، وعال أنرجل أهله: إذا مانهم أي: قام بما يحتاجون إليه
من القوت والكسوة وغيرهما.
٣١/ ١٤٢٧ - حدّثنا مُوسى بنُ إِسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا وُهَيْبٌ قال حدَّثنا هِشَامٌ عنْ أَبِيهِ
عنْ حَكِيمٍ بنِ حِزَامٍ رضي الله تعالى عنهُ عنِ النَّبِيِّ عَِّ قال اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى
وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عنْ ظَهْرِ غِنِىّ ومَنْ يَسْتَعِفُ يُعِفُّهُ اللهِ وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ الله.
مطابقته للترجمة في قوله: ((وخير الصدقة عن ظهر غنى)). ورجاله قد ذكروا غير مرة،
ووهيب مصغر وهب بن خالد، وهشام هو ابن عروة بن الزبير، وحكيم، بفتح الحاء المهملة:
ابن حزام، بكسر الحاء المهملة وتخفيف الزاي: الأسدي المكي ولد في باطن الكعبه، عاش
في الجاهلية ستين وفي الإسلام أيضاً ستين وأعتق مائة رقبة وحمل على مائة بعير في
الجاهلية وحج في الإسلام ومعه مائة بدنة، ووقف بعرفة بمائة رقبة في أعناقهم أطواق الفضة
منقوش فيها: عتقاء الله عن حكيم بن حزام، وأهدى ألف شاة، ومات بالمدينة سنة ستين أو
أربع وخمسين.
ذكر معناه: قوله: ((اليد العليا خير من اليد السفلى))، وقد فسر العليا والسفلى في
حديث ابن عمر على ما يأتي عن قريب، إن شاء الله تعالى، أن اليد العليا هي المنفقة،

٤٢٤
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١٩)
والسفلى هي السائلة. وكذا في رواية مسلم من حديث مالك بن أنس عن نافع عن عبد الله
ابن عمر. وذكر ابن العربي فيه أقوالاً. الأول: أن العليا يد المعطى للصدقة. والثاني: هي يد
الآخذ. والثالث: هي اليد المتعففة. والرابع: أن العليا يد الله ويليها يد المعطي ويد السائل
هي السفلى. وقال عياض: قيل: العليا الآخذة. والسفلى المانعة. وقيل: اليد هنا النعمة، فكان
المعنى أن العطية الجزيلة خير من العطية القليلة، وهذا حث على المكارم بأوجز لفظ. وروى
الطبراني من حديث عطية السعدي، وفيه: ((إن اليد المعطية هي العليا وإن السائلة هي
السفلى))، ورواه أحمد والبزار بلفظ: سمعت رسول الله عٍَّ يقول: ((اليد المعطية خير من
اليد السفلى))، وروى الطبراني من حديث عدي الجذامي، وفي حديثه: ((يا أيها الناس تعلموا
فإنما الأيدي ثلاثة: فيد الله العليا، ويد المعطي الوسطى، ويد المعطى السفلى، فتعففوا ولو
بحزم الحطب، ألا هل بلَّغت؟)). وروى أحمد والطبراني أيضاً من حديث أبي رمثة بلفظ: يد
المعطي العليا، وروى علي ابن عاصم عن إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عن ابن مسعود،
قال: قال رسول الله، عَّله: ((الأيدي ثلاثة: يد الله العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد
السائل أسفل إلى يوم القيامة)). قال البيهقي: تابع علياً إبراهيم بن طهمان عن الهجري على
رفعه، ورواه جعفر بن عون عن الهجري فوقفه، وقال الحاكم: حديث محفوظ مشهور،
وخرجهچ وقال شيخنا زين الدين، رحمه الله تعالى: الصواب إن العليا هي المعطية، كما
تشهد بذلك الأحاديث الصحيحة. وقال الخطابي: وقد يتوهم كثير من الناس أن معنى العليا
هو أن يد المستعلية فوق يد الآخذ، يجعلونه من علو الشيء إلى فوق. قال: وليس ذلك
عندي بالوجه، وإنما هو من علاء المجد والكرم يريه به الترفع عن المساءلة والتعفف عنها،
وقال ابن الجوزي: لا يمتنع أن يحمل على ما أنكره الخطابي لأنه إذا حملت العليا على
المتعففة لم يكن للمنفق ذكر، وقد صحت لفظة المنفقة فكان المراد أن هذه اليد التي علت
وقت العطاء على يد السائل هي العالية في باب الفضل. قوله: ((وابدأ بمن تعول))، قد مر
تفسيره عن قريب، وروى النسائي من طريق طارق المحاربي، ولفظه: ((قدمنا المدينة فإذا
رسول الله، عٍَّ، قائم على المنبر يخطب الناس، وهو يقول: يد المعطي العليا وابدأ بمن
تعول: أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك)). وروى النسائي من حديث ابن عجلان عن
سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، عَ له: ((تصدقوا. فقال رجل: يا رسول الله
عندي دينار. فقال: تصدق به على نفسك. قال: عندي آخر، قال: تصدق به على زوجتك،
قال: عندي آخر، قال تصدق به على ولدك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على خادمك،
قال: عندي آخر، قال: أنت أبصر). ورواه ابن حبان في (صحيحه) هكذا، وقد رواه أبو داود
والحاكم وصححه بتقديم الولد على الزوجة. قال الخطابي: إذا تأملت هذا الترتيب علمت أنه
عَ لَّمِ قدم الأولى فالأولى، والأقرب فالأقرب، وهو يأمره أن يبدأ بنفسه ثم بولده، لأن الولد
كبعضه فإذا ضيعه هلك ولم يجد من ينوب عنه في الإنفاق عليه، ثم ثلث بالزوجة وأخرجها
عن درجة الولد لأنه إذا لم يجد ما ينفق عليها فرق بينهما، وكان لها ما يمونها من زوج أو

٤٢٥
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١٩)
ذي محرم تجب نفقتها عليه، ثم ذكر الخادم لأنه يباع عليه إذا عجز عن نفقته. انتهى كلام
الخطابي.
وقال شيخنا زين الدين: وقد اقتضى اختياره تقديم الولد وهو احتمال للإمام ووجه في
الولد الطفل، والذي أطبق عليه الأصحاب، كما قال النووي في (الروضة): تقديم الزوجة لأن
نفقتها آكد لأنها لا تسقط بمضي الزمان ولا بالإعسار، ولأنها وجبت عوضاً، واعترض الإمام
بأن نفقتها إذا كانت كذلك كانت كالديون، ونفقة القريب في مال المفلس مقدمة على
الديون، وخرج لذلك احتمالاً في تقديم القريب. وأيده بالحديث الذي فيه تقديم الولد وإذ قد
اختلفت الروايتان، وكلاهما من رواية ابن عجلان عن المقبري عن أبي هريرة، فيصار إلى
الترجيح. وقد اختلف على حماد بن زيد، فقدم السفيانان وأبو عاصم النبيل وروح بن القاسم
عن حماد ذكر الولد على الزوجة، وهي رواية الشافعي في (المسند) وأبي داود والحاكم في
(المستدرك) وصححه، وقدم الليث ويحيى القطان عن حماد الزوجة على الولد، وهي رواية
النسائي، وعند ابن حبان والبيهقي ذكر الروايتين معاً، وهذا يقتضي ترجيح رواية تقديم الولد
على الزوجة، كما قاله الخطابي وخرجه الإمام احتمالاً.
قلت: كيف طاب للنووي تقديم الزوجة على الولد والولد بضعة من الأب والزوجة
أجنبية؟ ثم يعلل ما قاله بقوله: لأن نفقتها آكد لأنها لا تسقط بمضي الزمان ولا بالإعسار،
وهذا أيضاً عجيب منه، لأن نفقتها صلة في نفس الأمر وهي على شرف السقوط، ونفقة
الولد حتم لا تسقط بشيء. قوله: ((ومن يستعفف))، من الاستعفاف وهو طلب العفة، وهي
الكف عن الحرام والسؤال من الناس، وقيل: الاستعفاف الصبر والنزاهة عن الشيء. قوله:
((يعفه الله)) بضم الياء من الإعفاف، ومعناه: يصيره عفيفاً. قوله: ((ومن يستغن يغنه الله))، شرط
وجزاء، وعلامة الجزم حذف الياء، أي: من يطلب الغنى من الله يعطه.
... /١٤٢٨ - وعن وُهَذِبٍ قال أخبرنا هِشَامٌ عنْ أَبِيهِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى
عنهُ بِهِذَا. [أنظر الحديث ١٤٢٦].
هذا معطوف على إسناد حديث حکیم کأنه قال: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا
وهيب حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير عن أبي هريرة بهذا، أي: بحديث حكيم
ابن حزام، وزعم أبو مسعود وخلف وأبو نعيم أن البخاري روى حديث وهيب المذكور آخراً
عن موسى بن إسماعيل عنه. قلت: هذا يدل على أنه حمله عن موسى بن إسماعيل عنه
بالطريقين معاً، فكأن هشاماً حدث به وهيباً تارة عن أبيه عن حكيم، وتارة عن أبيه عن أبي
هريرة، أو حدث به عنهما مجموعاً ففرقه وهيب أو الراوي عنه، وقد وصل الإسماعيلي
حديث أبي هريرة، قال: أخبرني ابن ياسين حدثنا محمد بن سفيان حدثنا حبان هو ابن هلال
حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن أبي هريرة، قال ... ، مثل حديث حكيم بن حزام، وعند
الترمذي من حديث بيان بن بشر عن قيس بن أبي حازم عن أبي هريرة: ((اليد العليا خير من

٤٢٦
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١٩)
اليد السفلى وابدأ بمن تعول)). وقال: حسن صحيح غريب، يستغرب من حديث بيان عن
قیس.
١٤٢٩/٣٢ - حدّثنا أَبُو النُّعْمَانِ قال حدَّثنا حَمَّادُ ابنُ زَيْدٍ عنْ أَيُّوبَ عنْ نَافِعِ عنِ
ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما قال سَمِعْتُ النبيَّ عَّ لهح وحدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةٌ عنْ
مالِكِ عنْ نَافِعِ عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهُما أَنَّ رسولَ الله عَُّله قال وَهْوَ
علَى المِنْبَرِ وَذَكَرَ الصَّدَقَّةَ وَالتَّعَقُّفَ والمَسْألَةَ اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السَّفْلَى فالْيَدُ العُلْيَا
هِيَ المُنفِقَةُ والسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ.
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((وذكر الصدقة)) لأن معناه: ذكر أحكام الصدقة، ومن
جملة أحكامها: لا صدقة إلاّ عن ظهر غِنىّ. وقد تعسف بعضهم في ذكر المطابقة بين
الحديث والترجمة بما يستبعده من له نوع إلمام من هذا الفن.
ذكر رجاله: وهم سبعة: الأول: أبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي. الثاني:
حماد بن زيد. الثالث: أيوب ابن أبي تميمة السختياني. الرابع: نافع مولى ابن عمر.
الخامس: عبد الله بن مسلمة. السادس: مالك بن أنس. السابع: عبد الله بن عمر، رضي الله
تعالى عنهما.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في
ستة مواضع. وفيه: أن أبا النعمان وحماد وأيوب بصريون ونافع ومالك مدنيان وعبد الله بن
مسلمة مدني سكن البصرة. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: السماع. وفيه: طريقان:
طريق أبي النعمان، وطريق عبد الله بن مسلمة، وفي بعض طرقه: المتعففة، بدل: المنفقة.
قال: اختلف على أيوب عن نافع في هذا الحديث، قال عبد الوارث: اليد العليا المتعففة،
وقال أكثرهم، عن حماد بن زيد عن أيوب: اليد العليا المنفقة. وقال واحد: المتعففة، وقال
شيخنا زين الدين: قلت: بل قاله عن حماد اثنان: أبو الربيع سليمان بن داود الزهراني كما
رويناه في (كتاب الزكاة) ليوسف بن يعقوب القاضي، والآخر: مسدد كما رواه ابن عبد البر
في (التمهيد). ورواه أيضاً عن نافع موسى بن عقبة فاختلف عليه، فقال إبراهيم بن طهمان عنه:
المتعففة، وقال حفص بن ميسرة عنه: المنفقة، رويناهما كذلك في (سنن البيهقي) ورجح
الخطابي في (المعالم) رواية المتعففة، فقال: إنها أشبه وأصح في المعنى، وذلك أن ابن عمر
قال فيه وهو يذكر الصدقة والتعفف، فعطف الكلام على سننه الذي خرج عليه، وهو ما
يطابقه في معناه أولى، ورجح ابن عبد البر في (التمهيد) رواية المنفقة، فقال: إنها أولى وأشبه
بالصواب من قول من قال: المتعففة، وكذا رواه البخاري في (صحيحه) عن عارم عن حماد
بن زيد. وقال النووي في (شرح مسلم): إنه الصحيح، قال: ويحتمل صحة الروايتين فالمنفقة
أعلى من السائلة، والمتعففة أولى من السائلة.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الزكاة عن يحيى بن يحيى وقتيبة. وأخرجه

٤٢٧
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٢٠)
أبو داود عن القعنبي. وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة، رضي الله تعالى عنه به.
ذكر معناه: قوله: ((وهو على المنبر))، جملة إسمية وقعت حالاً. قوله: ((وذكر
الصدقة))، جملة فعلية وقعت حالاً. قوله: ((والمسألة)) بواو العطف على ما قبله، وفي رواية
مسلم، رحمه الله تعالى: عن قتيبة عن مالك، رضي الله تعالى عنه، والتعفف عن المسألة.
ولأبي داود، رحمه الله تعالى: والتعفف منها، أي: من أخذ الصدقة. والمعنى: أنه كان يحض
الغني على الصدقة والفقير على التعفف عن المسألة، أو يحضه على التعفف ويذم على
المسألة.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: كراهة السؤال إذا لم يكن عن ضرورة نحو الخوف من
هلاكه ونحوه، وقال أصحابنا: من له قوت يوم فسؤاله حرام. وفيه: الغني الشاكر أفضل من
الفقير، وفيه خلاف. وفيه: إباحة الكلام للخطيب بكل ما يصلح من موعظة وعلم وقربة.
وفيه: الحث على الصدقة والإنفاق في وجوه الطاعة.
٢٠ - بابُ المَنَّانِ بِمَا أَعْطَى
أي: هذا باب في بيان ذم المنان بما أعطى أي: بما أعطاه، وإنما قدرنا هكذا لأن لفظ
المنان يشعر بالذم لأنه لا يذكر إلاَّ في موضع الذم في حق بني آدم، ولهذا قال تعالى: ﴿لا
تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤]. فإذا كان المن مبطلاً للصدقات يكون من
الأشياء الذميمة. قال ابن بطال: الامتنان مبطل لأجر الصدقة. قال تعالى: ﴿لا تبطلوا
صدقاتكم بالمن والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤]. وقال القرطبي: لا يكون المن غالباً إلاَّ عن البخل
والكبر والعجب ونسيان منة الله تعالى فيما أنعم الله عليه، فالبخيل تعظم في نفسه العطية،
وإن كانت حقيرة في نفسها، والعجب يحمله على النظر لنفسه بعين العظمه وأنه منعم بماله
عن المعطي، والكبر يحمله على أن يحقر المعطى له وإن كان في نفسه فاضلاً، وموجب
ذلك كله الجهل ونسيان منة الله تعالى فيما أنعم عليه، ولو نظر مصيره لعلم أن المنة للآخذ
لما يزيل عن المعطي من إثم المنع وذم المانع ولما يحصل له من الأجر الجزيل والثناء
الجمیل. انتھی.
وقد أخبر النبي عَِّ بالوعيد الشديد في حق المنان فيما رواه مسلم من حديث أبي
ذر، رضي الله تعالى عنه: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة: المنان الذي لا يعطي شيئاً إلا
منة، والمنفق سلعته بالحلف، والمسبل إزاره). وفي الباب أيضاً عن ابن مسعود وأبي هريرة،
رضي الله تعالى عنهما، وأبي أمامة بن ثعلبة وعمران بن حصين ومعقل بن يسار. فإن قلت:
لم يذكر البخاري في هذا الباب حديثاً؟ قلت: كأنه لم يتفق له حديث على شرطه، فلذلك
اكتفى بذكر الآية المذكورة. وفي (التلويح): والذي يقارب شرطه حديث أبي ذر عن النبي
عَّلِ الذي ذكرناه، وقال بعضهم: كأنه أشار إلى ما رواه مسلم من حديث أبي ذر مرفوعاً.
قلت: هذا كلام غير موجه، لأنه كيف يشير إلى شيء ليس بموجود والإشارة إنما تكون

٤٢٨
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٢١)
للحاضر؟ ولهذا لم تثبت هذه الترجمة إلاَّ في رواية الكشميهني وحده بغير حديث.
لِقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا﴾ الآية [البقرة:
٢٦٢].
علل الترجمة بهذه الآية، ووجه ذلك أن الله تعالى مدح الذين ينفقون أموالهم في سبيله
ثم لا يتبعون ما أنفقوا من الخيرات والصدقات منّاً على ما أعطوه، ولا يمنون به على أحد لا
بقول ولا بفعل، والذين يتبعون ما أنفقوا منّاً وأذىّ يكونون مذمومين ولا يستحقون من
الخيرات ما يستحق الذين لا يتبعون ما أنفقوا منّاً ولا أذىّ، فيكون وجه التعليل هذا، والشيء
يتبين بضده، قوله: ((ولا أذىّ)) أي: ولا يفعلون مع من أحسنوا إليه مكروهاً يحبطون به ما
سلف من الإحسان، ثم وعدهم الله بالجزاء الجميل على ذلك، فقال: لهم أجرهم عند ربهم،
أي: ثوابهم على الله لا على أحد سواه، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أهوال القيامة
ولا هم يحزنون، أي: على ما خلفوه من الأولاد ولا ما فاتهم من الحياة الدنيا وزهرتها،
وذكر الواحدي عن الكلبي، قال: نزلت هذه الآية في عثمان وعبد الرحمن بن عوف، جاء
عبد الرحمن إلى رسول الله عَ ليه بأربعة آلاف درهم، نصف ماله، وقال عثمان: علي جهاز من
لا جهاز له في غزوة تبوك، فجهز المسلمين بألف بعير بأقتابها وأحلاسها، فنزلت فيهما هذه
الآية الكريمة، والله أعلم. وقال ابن بطال: ذكر أهل التفسير أنها نزلت في الذي يعطي ماله
المجاهدين في سبيل الله تعالى معونة لهم على جهاد العدو، ثم يمن عليهم بأنه قد صنع
إليهم معروفاً إما بلسان أو بفعل، ولا ينبغي له أن يمن به على أحد، لأن ثوابه على الله تعالى.
٢١ - بابُ مَنْ أحَبَّ تَعْجِيلَ الصَّدَقَةِ مِنْ یَوْمِهَا
أي: هذا باب في بيان أمر من أحب تعجيل الصدقة ولم يؤخرها من وقتها، ثم الصدقة
أعم من أن تكون من الصدقات المفروضة أو من صدقات التطوع، فعلى كل حال خيار البر
عاجله.
١٤٣٠/٣٣ - حدّثنا أبُو عَاصِمٍ عنْ عُمَرَ بنِ سَعِيدٍ عنِ ابنِ أبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عُقْبَةَ بنَ
الحَارِثِ رضي الله تعالى عنهُ حدَّثَهُ قالَ صَلَّى بِنَا النبيُّ عَ لِّ العَصْرَ فَأَسْرَعَ ثُمَّ دَخَلَ البَيْتَ
فَلَمْ يَلْبَتْ أَنْ خَرَجْ فَقُلْتُ أَوْ قِيلَ لَهُ فقال كنتُ خَلَّفْتُ في الْبَيْتِ تِبْراً مِنَ الصَّدَقَةِ فَكَرِهْتُ
أَنْ أُبَيْتَهُ فَقَسَمْتُهُ. [أنظر الحديث ١٥١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وهي أن النبي عَّم لما فرغ من صلاته أسرع ودخل البيت
وفرق تبراً كان فيه، ثم أخبر أنه كره تبييته عنده، فدل ذلك على استحباب تعجيل الصدقة.
والحديث مضى في أواخر كتاب الصلاة في: باب من صلى بالناس، فذكر حاجة فتخطاهم،
فإنه رواه هناك: عن محمد بن عبيد عن عيسى بن يونس، وههنا رواه: عن أبي عاصم النبيل
الضحاك بن مخلد عن عمر بن سعيد النوفلي القرشي المكي عن عبد الله بن أبي مليكة، وقد

٤٢٩
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٢٢)
مر الكلام فيه هنك مستوفى. والتبر جمع تبرة، وهي القطعة من الذهب أو الفضة غير مصوغة،
وقيل: قطع الذهب فقط. قوله: ((إن أبيته)) أي: أتركه يدخل عليه الليل.
٢٢ _ بابُ التَّخْرِيضِ عَلَى الصَّدَقَةِ والشَّفَاعَةِ فِيهَا
أي: هذا باب في بيان استحباب التحريض على الصدقة، وبيان: ثواب الشفاعة في
الصدقة، ومعنى الشفاعة في الصدقة السؤال والتقاضي للإجابة.
١٤٣١/٣٤ - حدّثنا مُسْلِمٌ قال حدَّثنا شُعْبَةُ قال حدَّثنا عَدِيٍّ عنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ عنٍ
ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال خَرَجَ النبيُّ عَ لَهِ يَوْمَ عِيدٍ فَصَلَّى رْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلُ
وَلاَ بَعْدُ ثُمَّ مالَ عَلَى النِّسَاءِ وَمَعَهُ بِلالٌ فَوَعَظَهُنَّ وأمَرَهُنَّ أنْ يَتَصَدَّقْنَ فَجَعَلَتِ المَرَّْةُ تُلْقِي
القُلْبَ والخُرْصَ. [أنظر الحديث ٩٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فوعظهن وأمرهن أن يتصدقن)) فإنه عٍَّ لما وعظهن
بمواعظ حرضهن فيها أيضاً على الصدقة، وقد مضى الحديث في أبواب العيدين في: باب
الخطبة بعد العيد، فإنه أخرجه هناك عن سليمان بن حرب عن شعبة عن عدي بن ثابت ...
إلى آخره، وبين متنيهما بعض التفاوت، وقد مضى الكلام فيه.
قوله: ((القلب))، بضم القاف وسكون اللام وفي آخره باء موحدة، وهو: السوار، وقيل:
هو مخصوص بما كان من عظم ((والخرص))، بضم الخاء المعجمة وسكون الراء وفي آخره
صاد مهملة: الحلقة.
١٤٣٢/٣٥ - حدّثنا مُوسى بنُ إسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ قال حدثنا أَبُو بُرْدَةَ
ابنُ عَبْدِ اللهِ بنِ أبِي بُرْدَةَ قال حدَّثنا أبو بُرْدَةَ بنُ أبِي مُوسى عنْ أبِيهِ رضي الله تعالى عنهُ.
قال كانَ رسولُ الله عَ لَّهِ إِذَا جاءَهُ السَّائِلُ أوْ طُلِبَتْ إِلَيْهِ حاجَةٌ قال اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا ويَقْضِي
الله عَلى لِسَانِ نَبِيِّهِ عَ لَّهِ ما شَاءَ. [الحديث ١٤٣٢ - أطرافه في: ٦٠٢٧، ٦٠٢٨،
٧٤٧٦].
مطابقته للجزء الأخير للترجمة في قوله عَّهِ: ((اشفعوا)) حين يجيء سائل أو طالب
حاجة ..
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: موسى بن إسماعيل المنقري تكرر ذكره. الثاني:
عبد الواحد بن زياد. الثالث: أبو بردة، بضم الباء الموحدة: اسمه بريد، بضم الباء الموحدة
وفتح الراء: ابن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري. الرابع: أبو بردة أيضاً، بضم
الباء: اسمه عامر، وقيل: الحارث. الخامس: أبو موسى الأشعري، واسمه عبد الله بن قيس،
رضي الله تعالى عنهم.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع. وفيه: العنعنة في
موضع واحد. وفيه: أبو بردة الأول الذي اسمه بريد يروي عن جده أبي بردة الذي اسمه عامر

٤٣٠
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٢٢)
أو حارث وهو يروي عن أبيه عبد الله بن قيس وفيه الرواية عن الأب وعن الجد. وفيه: أن
شيخه وعبد الواحد بصريان والبقية كوفيون. وفيه: المكنى بأبي بردة اثنان وهما الأب وجده
كل منهما كنيته أبو بردة.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الأدب وفي التوحيد
عن أبي كريب عن أبي أسامة وعن محمد بن يوسف عن سفيان الثوري. وأخرجه مسلم في
الأدب عن أبي بكر عن علي بن مسهر وحفص بن غياث. وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد
وفي السنة عن أبي معمر. وأخرجه الترمذي في العلم عن الحسن بن علي الحلال ومحمود
ابن غيلان وغير واحد، كلهم عن أبي أسامة به. وأخرجه النسائي في الزكاة عن محمد بن
بشار.
ذكر معناه: قوله: ((أو طلبت)) على صيغة المجهول. قوله: ((اشفعوا))، وفي رواية أبي
الحسن: ((شفعوا))، بحذف الألف ليشفع بعضكم في بعض يكن لكم الأجر في ذلك، وأنكم
إذا شفعتم إلي في حق طالب الحاجة فقضيت حاجته بما يقضي الله على لساني في تحصيل
حاجته حصل للسائل المقصود، ولكم الأجر، والشفاعة مرغب فيها مندوب إليها، قال تعالى:
﴿من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها﴾ [النساء: ٨٥]. قوله: ((ويقضي الله على
لسان نبيه ما شاء))، بيان أن الساعي مأجور على كل حال، وإن خاب سعيه، قال النبي،
عَّله: ((والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)). ولا يأبى كبير أن يشفع عند
صغير فإن شفع عنده ولم يقضها له لا ينبغي له أن يؤذي الشافع، فقد شفع رسول الله، عَّهِ،
عند بريدة رضي الله تعالى عنها، لترد زوجها فأبت.
٣٦/ ١٤٣٣ _ حدَّثنا صَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ قال أخبرنا عبْدَةُ عنْ هِشَامِ عنْ فَاطِمَةَ عنْ
أسْمَاءَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ قَال لِيَ النبيُّ عَُّلِ لا تُوكِي فَيُوكَى عَلَيْكِ. [الحديث
١٤٣٣ - أطرافه في: ١٤٣٤، ٢٥٩٠، ٢٥٩١].
مطابقته للترجمة من حيث المعنى لأنه عَّةِ نهى عن الإيكاء، وهو لا يفعل إلاَّ
للإدخار، فكان المعنى: لا تدخري وتصدقي.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: صدقة بن الفضل أبو الفضل، مر في: باب العلم.
الثاني: عبدة، بفتح العين وسكون الباء الموحدة: ابن سليمان. الثالث: هشام بن عروة بن
الزبير. الرابع: فاطمة بنت المنذر بن الزبير. الخامس: أسماء بنت أبي بكر الصديق، رضي
الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه: الإخبار
كذلك في موضع واحد. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: أن شيخه مروزي وعبدة كوفي
والبقية مدنيون. وفيه: رواية التابعية عن الصحابية.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً عن عثمان بن أبي شيبة

٤٣١
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٢٣)
وفي الهبة عن عبيد الله بن سعيد. وأخرجه مسلم في الزكاة عن أبي بكر بن أبي شيبة.
وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن آدم وفي عشرة النساء عن هناد عن عبدة.
ذكر معناه: قوله: ((لا توكي)) من أوكى يوكي إيكاءً، يقال: أوكى ما في سقائه إذا
شده بالوكاء، وهو الخيط الذي يشد به رأس القربة، وأوكى علينا أي: بخل. وفي (التلويح)
قوله: ((لا توكي)) أي: لا تدخري وتمنعي ما في يدك. قلت: هذا ليس بتفسيره لغة، وإنما معناه:
لا توكي للادخار. قوله: ((فيوكى عليك)) بفتح الكاف: فيوكى، على صيغة المجهول، وفي
رواية مسلم ((فيوكي الله عليك))، والمعنى: لا توكي مالك عن الصدقة خشية نفاده فيوكي
الله عليك أو يمنعك ويقطع مادة الرزق عنك. فدل الحديث على أن الصدقة تنمي المال
وتكون سبباً إلى البركة والزيادة فيه وأن من شح ولم يتصدق فإن الله يوكي عليه ويمنعه من
البركة في ماله والنماء فيه.
٣٧ ــ حدَّثْنا عُثْمَانُ بنُ أَبِي شَيْئَةَ عنْ عَبْدَةَ وقال لا تُخْصِي فَيُخْصِيَ الله عَلَيْكِ
هذا طريق آخر عن عثمان بن أبي شيبة عن عبدة بالإسناد المذكور، والظاهر أن عبدة
روى الحديث باللفظين أحدهما: ((لا توكي فيوكى عليك)»، والآخر: ((لا تحصي فيحصي
الله عليك))، وروى النسائي من طريق أبي معاوية عن هشام باللفظين معاً، وسيأتي في الهبة
عند البخاري من طريق ابن نمير عن هشام باللفظين، لكن لفظه: لا توعي، بعين مهملة بدل: لا
توكي، من: أوعيت المتاع في الوعاء أوعيه، إذا جعلته فيه. ووعيت الشيء حفظته. قوله: ((لا
تحصي)) من الإحصاء، وهو معرفة قدر الشيء أو وزنه أو عدده، وهذا مقابلة اللفظ باللفظ،
وتجنيس الكلام في مثله في جوابه أي: يمنعك كما منعت، كقوله تعالى: ﴿ومكروا ومكر
الله﴾ [آل عمران: ٥٤]. وقيل: معناه لا تحصي ما تعطي فتستكثريه فيكون سبباً لانقطاعه.
وقيل: قد يراد بالإحصاء والوعي هنا عده خوف أن تزول البركة منه، كما قالت عائشة: حتى
كلناه، ففني. وقيل: إن عائشة عددت ما أنفقته فنهاها رسول الله، عَّهِ، عن ذلك.
٢٣ - بابُ الصَّدَقَةِ فِيمَا اسْتَطَاعَ
أي: هذا باب في بيان أن الصدقة إنما تنبغي في قدر ما استطاع المتصدق.
١٤٣٤/٣٨ - حدّثنا أبُو عَاصِمٍ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ وحدَّثني محَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ عنْ
حَجَّاجٍ بنِ مُحَمَّدٍ عنِ ابنِ جُرَيْجٍ. قال أخبرني ابنُ أَبِيَ مُلَيْكَةَ عنْ عَبَّادِ بنِ عَبْدِ الله بنِ الزُّبَيْرِ
أُخْبَرَةُ عنْ أسْمَاءَ بنْتِ أبِي بَكْرٍ رضي الله تعالى عنهُما أنَّهَا جاءَتْ إلَى النبيِّ عَ لَّهِ فقال لاَ
تُوعِي فَيُوعِيَ الله عَلَيْكِ ارْضَخِي ما اسْتَطَعْتِ. [أنظر الحديث ١٤٣٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((أرضخي ما استطعت)).
ذكر رجاله: وهم سبعة: الأول: أبو عاصم الضحاك بن مخلد. الثاني: عبد الملك بن
عبد العزيز بن جريج. الثالث: محمد بن عبد الرحيم. الرابع: حجاج بن محمد الأعور.

٤٣٢
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٢٤)
الخامس: عبد الله بن أبي مليكة، بضم الميم. السادس: عباد بفتح العين المهملة وتشديد
الباء الموحدة: ابن عبد الله بن الزبير بن العوام من سادات التابعين. السابع: أسماء بنت أبي
بكر الصديق، رضي الله تعالى عنهم.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد وبصيغة الإفراد
في موضع. وفيه: صيغة الإخبار عن ماض مفرد في موضعين. وفيه: العنعنة في خمسة
مواضع. وفيه: أن شيخه من أفراده، وأنه بغدادي وابن جريج مكي وحجاج بن محمد ترمذي
سكن المصيصة وابن أبي مليكة وعباد مكيان .. وفيه: رواية التابعي عن الصحابية.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الزكاة والهبة عن أبي
عاصم. وأخرجه مسلم في الزكاة عن محمد بن حاتم وهارون بن عبد الله. وأخرجه النسائي
فيه وفي عشرة النساء عن الحسن بن محمد.
ذكر معناه: قوله: ((لا توعي)) خطاب لأسماء، وقد مر تفسيره آنفاً. قوله: ((فيوعِيَ))،
بضم الياء وكسر العين ونصب الياء: لأنه جواب النهي بالفاء، وإسناده إلى الله تعالى مجاز
عن الإمساك. فإن قلت: ما معنى النهي إذ ليس الإيعاء حراماً؟ قلت: لازمه وهو الإمساك حرام
أو النهي ليس للتحريم بالإجماع. قال التيمي: المراد به النهي عن الإمساك والبخل وجمع
المتاع في الوعاء وشده وترك الإنفاق منه. قوله: ((ارضخي)) من الرضخ بالضاد والخاء
المعجمتين وهو العطاء ليس بالكثير وألف: ارضخي، ألف وصل. قوله: (ما استطعت)) أي: ما
دمت مستطيعة قادرة على الرضخ، وقال الكرماني: معناه الذي استطعته أو شيئاً استطعته، فما:
موصوله. وقال النووي: معناه مما يرضى به الزبير، وهو زوجها، وتقديره: إن لك في الرضخ
مراتب وكلها يرضاها الزبير فافعلي أعلاها، والله أعلم.
٢٤ - بابٌّ الصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الخَطِيئَةَ
أي: هذا باب يذكر فيه الصدقة تكفر الخطيئة، فباب منون، والصدقة مبتدأ، وتكفر
الخطيئة، خبره، ويجوز بإضافة الباب إلى الصدقة، تقديره: هذا باب في بيان أن الصدقة تكفر
الخطيئة.
١٤٣٥/٣٩ - حدّثنا قُتَيْبَةُ قال حدَّثنا جَرِيرٌ عنِ الأعْمَشِ عنْ أبِي وَائِلٍ عنْ حُذَيْفَةَ
رضي الله تعالى عنهُ. قال قال عُمَرُ رضي الله تعالى عنهُ أَيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ عَله
عنِ الفِتْنَةِ قال قُلْتُ أنا أخفَظُهُ كَما قال إنَّكَ عليه لَجَريءٌ فَكَيْفَ قال قُلْتُ فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي
أهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلاَةُ وَالصَّدَقَةُ والمَعْرُوفُ. قال سُلَيْمَانُ قَدْ كَانَ يَقُولُ الصَّلاَةُ
وَالصَّدَقَةُ والأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عنِ المُنْكَرِ قال لَيْسَ لهَذِهِ أُرِيدُ وَلَكِنِّي أُرِيدُ الَّتِي تُوجُ
كَمَوْجِ البَخْرِ قال قُلْتُ لَيْسَ عَلَيْكَ بِهَا يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ بِأُسّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بابٌ مُغْلَقٌ قال
فَيُكْسَرَ البَابُ أوْ يُفْتَحُ قال قُلْتُ لاَ بَلْ يُكْسَرُ قال فإنَّهُ إِذَا كُسِرَ لَمْ يُغْلَقُ أَبَداً قال قُلْتُ أَجَلْ
فَهِبْنَا أَنْ نَسْألَهُ مَنِ البَابُ فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ سَلْهُ قال فَسَأْلَهُ فقال عُمَرُ رضي الله تعالى عنهُ. قال

1
٤٣٣
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٢٤)
قُلْنَا فَعَلِمَ عُمَرُ مَنْ تَعْنِي قال نَعَمْ كَما أنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَةً وَذُلِكَ أَنِّي حَدَّثْتُهُ حدِيثاً لَيْسَ
بالأغَالِيظِ. [أنظر الحديث ٥٢٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فتنة الرجل ... )) إلى قوله: ((والمعروف)).
ورجاله قد ذكروا غير مرة. وقتيبة بن سعيد، وجرير، بفتح الجيم: ابن عبد الحميد،
والأعمش سليمان، وأبو وائل شقيق بن سلمة. وقد مضى الحديث في أوائل كتاب الصلاة
في: باب الصلاة كفارة، فإنه أخرجه هناك: عن مسدد عن يحيى عن الأعمش، إلى آخره،
وبينهما تفاوت يسير، وقد مر الكلام فيه مستوفىّ هناك.
قوله: ((الجريء)) من الجرأة، قال ابن بطال: إنك لجريء أي: إنك لكنت كثير
السؤال عن الفتنة في أيامه عَ لِّ فأنت اليوم جريء على ذكره عالم به. قوله: ((والمعروف))،
أي: الخير، وهو تعميم بعد تخصيص. قوله: ((قال سليمان)) يعني: الأعمش المذكور في
السند. قوله: ((قد كان يقول)) أي: قد كان يقول أبو وائل في بعض الأوقات بدل
((المعروف)) ((الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)). قوله: ((قال ليس هذه)) أي: قال عمر،
رضي الله تعالى عنه: ليس هذه الفتنة أريدها. قوله: (أريد التي)) أي: الفتنة التي. قوله: ((قال:
قلت)) أي: قال حذيفة: قلت. قوله: ((بها))، ويروى: ((فيها) أي: في الفتنة. قوله: ((لا بأس))،
مرفوع لأنه اسم: ليس، قوله: ((فيكسر الباب أو يفتح))، ويروى: ((أم تفتح))، أشار به إلى موته
بدون القتل، كان يرجو أن الفتنة، وإن بدت تسكن أي: كان ذلك بسبب موته دون قتله، وأما
إن ظهر بسبب قتله فلا تسكن أبداً. قوله: ((بل يكسر))، وأشار حذيفة بهذه اللفظة إلى قتل
عمر، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((قال: فإنه)) أي: قال عمر: فإن الباب إذا كسر لم يغلق
أبداً، وأشار به عمر، رضي الله تعالى عنه، إلى أنه إذا قتل ظهرت الفتن فلا تسكن إلى يوم
القيامة، وكان كما قال، لأنه كان سداً أو باباً دون الفتنة، فلما قتل كثرت الفتنة. وعلم عمر
أنه الباب. قوله: ((فهبنا))، بكسر الهاء أي: خفنا أن نسأل حذيفة، رضي الله تعالى عنه، وكان
حذيفة مهيباً، فهاب أصحابه أن يسألوه مَن الباب؟ يعني: مَن المراد بالباب؟ وكان مسروق
أجرأ على سؤاله لكثرة علمه وعلو منزلته، فسأله، فقال: هو عمر، أي: الباب الذي كني به
عنه، ثم قالوا: فعلم عمر من تعني؟ أي: من تقصد من الباب؟ قال حذيفة: نعم علم علماً لا
شك فيه، كما أن دون غد ليلة، يعني: كما لا شك أن اليوم الذي أنت فيه يسبق الغد الذي
يأتي بعدها. قوله: ((ليلة))، بالنصب اسم: إن و:((دون غد)) خبره، ثم علل ذلك بقوله: ((وذلك
أني حدثته)) أي: حدثت عمر بحديث واضح لا شبهة فيه عن معدن الصدق ورأس العلم،
وهو معنى قوله: ((حديثاً ليس بالأغاليط)) وهو جمع أغلوطة، وهي ما يغلط به عن الشارع،
ونهى الشارع عن الأغلوطات، وهذا منه. وقال ابن قرقول: الأغاليظ صعاب المسائل ودقاق
النوازل التي يغلظ فيها. وقال الداودي: ليس بالأغاليظ ليس بالصغير من الأمر واليسير الرزية.
وفيه: من الفوائد: ضرب الأمثال في العلم والحجة لسد الذرائع. وفيه: قد يكون عند
الصغير من العلم ما ليس عند العالم المبرز. وفيه: أن العالم قد يرمز به رمزاً ليفهم المرموز له
عمدة القاري / ج٨ / ٢٨٢

٤٣٤
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٢٥)
دون غيره، لأنه ليس كل العلم تحت إباحته إلى من ليس بمتفهم له ولا عالم بمعناه. وفيه: أن
الكلام في الجريان مباح إذا كان فيه أثر عن النبوة، وما سوى ذلك ممنوع، لأنه لا يصدق
منه إلاَّ أقل من عشر العشر، كما قال ◌َّ ◌ُلّى: تلك الكلمة من الحق يحفظها الجني فيضيف
إليها أزيد من مائة كذبة، والله أعلم.
٢٥ - بابُ مَنْ تَصَدَّقَ فِي الشِّرْكِ ثُمَّ أُسْلَمَ
أي: هذا باب في بيان أمر من تصدق في حالة الشرك، ثم أسلم ولم يذكر الجواب.
قيل: لقوة الاختلاف فيه، تقديره: ثم أسلم هل يعتد له بثواب تلك الصدقة بعد الإسلام أم لا؟
قلت: إنما لم يذكر الجواب اكتفاء بما في الحديث، والجواب أنه: يعتد به.
٤٠ / ١٤٣٦ _ حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنا هِشَامٌ قال حدَّثنا مَعْمَرٌ عنٍ
الزُّهْرِيِّ عنْ عُرْوَةَ عنْ حَكِيمٍ بنِ حِزَامٍ رضي الله تعالى عنهُ قال قُلْتُ يا رسولَ الله أُرَأيْتَ
أَشْيَاءَ كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ عَتَاقَةٍ وَصِلَةٍ رَحِمٍ فَهَلْ فِيهَا مِنْ أجْرٍ فقال
النبيُّ عَّ أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ. [الحديث ١٤٣٦ - أطرافه في: ٢٢٢٠،
٢٥٣٨، ٥٩٩٢].
مطابقته للترجمة في قوله: ((أسلمت على ما سلف من خير))، وذكر صاحب
(التلويح) أن هذا الحديث كذا ذكر في هذا الباب من كتاب الزكاة فيما رأيت من النسخ،
وفيه أيضاً ذكره صاحب المستخرج، وزعم شيخنا أبو الحجاج في كتابه (الأطراف) تبعاً
لأبي مسعود وخلف أن البخاري خرجه بهذا السند في كتاب الصلاة، ولم يذكروا تخريجه
له هنا فينظر.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: عبد الله بن محمد بن عبد الله أبو جعفر المسندي.
الثاني: هشام بن يوسف أبو عبد الرحمن، قاضي صنعاء. الثالث: معمر بن راشد. الرابع:
محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. الخامس: عروة بن الزبير بن العوام. السادس: حكيم
ابن حزام بن خويلد الأسدي.
:
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في
ثلاثة مواضع. وفيه: أن شيخه بخاري وشيخ شيخه يماني وهو من أفراده ومعمر بصري
والزهري وعروة مدنيان. وفيه: أن شيخه مذكور بنسبته إلى أبيه فقط، والزهري إلى قبيلته،
والثلاثة مجردون. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في البيوع، وفي الأدب
عن أبي اليمان، وفي العتق عن عبيد الله ابن إسماعيل. وأخرجه مسلم في الإيمان عن حرملة
ابن يحيى وعن الحسن بن علي وعبد بن حميد وعن إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد وعن
أبي بكر عن عبد الله بن نمير.

٤٣٥
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٢٥)
ذكر معناه: قوله: ((أرأيت)) أي: أخبرني عن حكم أشياء كنت أتعبد بها قبل الإسلام
مثل ما حمل مائة بعير وأعتق مائة رقبة. قوله: ((أتحنث)) بالثاء المثلثة أي: أتقرب، وقال ابن
قرقول: كنت أتحنث بتاء مثناة، رواه المروزي في: باب من وصل رحمه، وهو غلط من جهة
المعنى. وأما الرواية فصحيحة، والوهم فيه من شيوخ البخاري بدليل قول البخاري، ويقال، أي
عن أبي اليمان: أتحنث أو أتحنت على الشك، والصحيح الذي هو رواية العامة بثاء مثلثة،
وعن عياض بالتاء المثناة غلط من جهة المعنى، ويحتمل أن يكون لها معنى، وهو: الحانوت،
لأن العرب كانت تسمي بيوت الحمارين الحوانيت، يعني كنت أتحنت حوانيتهم. وقال
النووي: التحنت التعبد كما فسره في الحديث، وفسره في الرواية الأخرى بالتبر، وهو فعل
البر، وهو الطاعة. وقال أهل اللغة: أصل التحنث أن يفعل فعلاً يخرج به من الحنث وهو
الإثم، وكذا تأثم وتحرج وتهجد، أي: فعل فعلاً يخرج عن الإثم والحرج والهجود. قوله:
((من صدقة)) كلمة من، بيانية.
قوله: ((أو عتاقة)) وهو أنه أعتق مائة رقبة في الجاهلية وحمل على مائة بعير، كما
ذكرنا. قوله: ((على ما سلف))، أي: على اكتساب ما سلف لك من خير أو على احتسابه، أو
على قبول ما سلف، وروي أن حسنات الكافر إذا ختم له بالإسلام مقبولة أو تحسب له، فإن
مات على كفره بطل عمله. قال تعالى: ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله﴾ [المائدة: ٥].
وقال المازري: اختلف في قوله: ((أسلمت على ما سلف من خير))، ظاهره خلاف ما
يقتضيه الأصول، لأن الكافر لا تصح منه قربة فيكون مثاباً على طاعته، ويصح أن يكون مطيعاً
غير متقرب كنظيره في الإيمان، فإنه مطيع من حيث كان موافقاً للأمر والطاعة عندنا موافقة
للأمر، ويصح أن يكون مطيعاً غير متقرب كنظيره في الإيمان، فإنه مطيع من حيث كان موافقاً
للأمر والطاعة عندنا موافقة للأمر، ولكنه لا يكون متقرباً، لأن من شرط التقرب أن يكون عارفاً
بالمتقرب إليه، وهو في حين نظره لم يحصل له العلم بالله تعالى بعد.
فإذا قرر هذا فاعلم أن الحديث متأول، وهو يحتمل وجوهاً.
أحدها: أن يكون المعنى: أنك اكتسبت طباعاً جميلة وأنت تنتفع بتلك الطباع في
الإسلام، وتكون تلك العادة تمهيداً لك ومعونة على فعل الخير والطاعات. الثاني: معناه:
اكتسبت بذلك ثناء جميلاً فهو باق عليك في الإسلام. الثالث: أن لا يبعد أن يزاد في
حسناته التي يفعلها في الإسلام ويكثر أجره لما تقدم له من الأفعال الجميلة، وقد قالوا في
الكافر: إذا كان يعفل الخير فإنه يخفف عنه به، فلا يبعد أن يزاد هذا في الأجور.
وقال عياض، وقيل: معناه بيركة ما سبق لك من خير هداك الله تعالى إلى الإسلام، فإن
من ظهر فيه خير في أول أمره فهو دليل على سعادة أخراه وحسن عاقبته. وذهب ابن بطال
وغيره من المحققين إلى أن الحديث على ظاهره وأنه إذا أسلم الكافر ومات على الإسلام
يثاب على فعله من الخير في حال الكفر، واستدلوا بحديث أبي سعيد الخدري، رضي الله
تعالى عنه، قال: قال رسول الله عَّ: ((إذا أسلم الكافر فحسن إسلامه كتب الله له حسنة

٤٣٦
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٢٥)
زلفها، ومحا عنه كل سيئة كان زلفها، وكان عمله بعد ذلك الحسنة بعشر أمثالها إلى
سبعمائة ضعف، والسيئة بمثلها إلاَّ أن يتجاوز الله تعالى))، ذكره الدارقطني في (غريب
حديث مالك)، ورواه عنه من تسع طرق وثبت فيها كلها أن الكافر إذا حسن إسلامه يكتب
له في الإسلام كل حسنة عملها في الشرك، وقال ابن بطال، بعد ذكر هذا الحديث: ولله
تعالى أن يتفضل على عباده ما شاء، لا اعتراض لأحد عليه، وهو كقوله عَ لّه لحكيم بن
حزام: ((أسلمت على ما أسفلت من خير)). وقال بعض أهل العلم: معناه كل مشرك أسلم أنه
يكتب له كل خير عمله قبل إسلامه ولا يكتب عليه من سيئاته شيء، لأن الإسلام يهدمٍ ما
قبله، وإنما كتب له به الخير لأنه أراد به وجه الله تعالى، لأنهم كانوا مقرين بالربوبية، إلاّ أن
عملهم كان مردوداً عليهم لو ماتوا على شركهم، فلما أسلموا تفضل الله عليهم فكتب لهم
الحسنات ومحا عنهم السيئات، كما قال عَّةِ: ((ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين .. )) وفيه، وهو
الثالث: ((ورجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد عَّ له)). قال المهلب: ولعل حكيماً لو
مات على جاهليته أن يكون ممن يخفف عنه من عذاب النار، كما حكي في أبي طالب
وأبي لهب. انتهى. وهذان لا يقاس عليهما لخصوصيتهما.
وقال ابن الجوزي: وقيل: إن النبي، عٍَّ، ورى عن جوابه فإنه سأله: هل لي فيها
أجر؟ يريد ثواب الآخرة؟ ومعلوم أنه لا ثواب في الآخرة لكافر، فقال له: أسلمت على ما
سلف لك من خير، والعتق فعل خير، فأراد النبي عَّلِ أنك قد فعلت خيراً والخير يمدح فاعله،
وقد يجازى عليه في الدنيا. وذكر حديث أنس من (صحيح مسلم) عن النبي عَّ له أنه قال:
أما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا، فإذا لقي الله لم يكن له حسنة. وقال الخطابي: روي أن
حسنات الكافر إذا ختم له بالإسلام محتسبة له، فإن مات على كفره كانت هدراً. وقال أبو
الفرج: فإن صح هذا كان المعنى: أسلمت على قبول ما سلف لك من خير. وقال القرطبي:
الإسلام إذا حسن هدم ما قبله من الآثام، وأحرز ما قبله من البر. وقال الحربي: معنى حديث
حكيم: ما تقدم لك من الخير الذي عملته هو لك، كما تقول: أسلمت لك على ألف درهم
على أن أحوزها لنفسي. قال القرطبي: وهذا الذي قاله الحربي هو أشبهها وأولاها، والله
أعلم.
وقال النووي: وقد يعتد بعض أفعال الكافرين في أحكام الدنيا، فقد قال الفقهاء: إذا
وجب على الكافر كفارة ظهار أو غيرها، فكفر في حال كفره أجزأه ذلك، وإذا أسلم لا
تجب عليه إعادتها. واختلف أصحاب الشافعي فيماإذا أجنب واغتسل في حال كفره، ثم
أسلم هل يجب عليه إعادة الغسل أم لا؟ وبالغ بعضهم فقال: يصح من كل كافر كل طهارة
من غسل ووضوء وتيمم إذا أسلم صلى بها. انتهى. وقال أصحابنا: غسل الكافر إذا أسلم
مستحب إن لم يكن جنباً، ولم يغتسل، فإن كان جنباً ولم يغتسل حتى أسلم ففيه اختلاف
المشايخ، والله أعلم.

٤٣٧
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٢٦)
٢٦ - بابُ أجْرِ الخَادِمِ إِذَا تَصَدَّقَ بِأمْرِ صاحِهِ غَيْرَ مُفْسِدٍ
أي: هذا باب في بيان أجر الخادم، وقد قلنا إنه أعم من المملوك وغيره. قوله: ((بأمر
صاحبه)) قيد به لأنه إذا تصدق بغير إذن صاحبه لا يجوز. قوله: ((غير مفسد))، أي: حال كونه
غير مفسد في صدقته، ومعنى الإفساد: الإنفاق بوجه لا يحل.
٤١ / ١٤٣٧ - حدَّثنا قُتَيِّبَةُ بنُ سَعِيدٍ قال حدَّثنا جَرِيرٌ عنِ الأعْمَشِ عنْ أَبِي وَائِلٍ عنْ
مَشْرُوقٍ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ قال رسولُ اللهِ عَ لِّ إِذَا تَصَدَّقَتِ المَرْأَةُ مِنْ
طَعَامِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُها ولِزَوْجِهَا بِمَا كَسَبَ وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذُلِكَ. [أنظر
الحديث ١٤٢٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((غير مفسدة)). فإن قلت: الحديث في المرأة إذا تصدقت
من مال زوجها غير مفسدة، والترجمة في الخادم؟ قلت: لفظ الخادم يتناول المرأة لأنها ممن
تخدم الزوج، والحديث مضى عن قريب في: باب من أمر خادمه في الصدقة، فإنه رواه
هناك: عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير بن عبد الحميد عن سليمان الأعمش عن أبي وائل
شقيق بن سلمة عن مسروق بن الأجدع عن عائشة أم المؤمنين، رضي الله تعالى عنها، وقد
مر الكلام فيه مستوفىّ هناك.
٤٢ / ١٤٣٨ - حدّثنا محَمَّدُ بنُ العَلاءِ قال حدَّثنا أبُو أُسَامَةَ عنْ بُرَيْدِ بنِ عَبْدِ اللهِ عنْ
أبِي ثُرْدَةً عِنْ أَبِي مُوسى عنِ النَّبِيِّعَ لَّمِ قال الخَازِنُ المُسْلِمُ الأَمِينُ الَّذِي يُنْفِذُ ورَّمَا قال
يُغْطِي ما أُمِرَ بِهِ كامِلاً مُوَفّراً طَيِّب ◌ِهِ نَفْسُهُ فَيَدْفَعُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ أحَدُ المُتَصَدِّقِينَ.
[الحديث ١٤٣٨ - طرفاه في: ٢٢٦٠، ٢٣١٩].
مطابقته للترجمة في قوله: ((الخازن .. )) إلى آخره، لأن الخادم يتناول الخازن أيضاً.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: محمد بن العلاء أبو كريب الهمداني. الثاني: أبو
أسامة حماد بن أسامة الليثي. الثالث: بريد، بضم الباء الموحدة: ابن عبد الله وكنيته أبو بردة،
وقد مضى عن قريب. الرابع: أبو بردة، بضم الباء الموحدة، واسمه عامر أو الحارث وقد مر
أيضاً. الخامس: أبو موسى الأشعري، واسمه عبد الله بن قيس.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في
أربعة مواضع. وفيه: أن رواته كلهم كوفيون. وفيه: رواية الرجل عن جده. وفيه: رواية الابن
عن الأب.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الوكالة عن أبي
كريب عن أبي أسامة وفي الإجارة عن محمد بن يوسف عن سفيان. وأخرجه مسلم في
الزكاة عن أبي عامر وأبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب ومحمد بن عبد الله بن نمير، أربعتهم
عن أبي أسامة. وأخرجه أبو داود فيه عن عثمان بن أبي شيبة وأبي كريب، كلاهما عن أبي

٤٣٨
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٢٧)
أسامة به. وأخرجه النسائي فيه عن عبد الله بن الهيثم بن عثمان.
ذكر معناه: قوله: ((الخازن المسلم ... )) إلى آخره، قيد فيه قيوداً: الأول: أن يكون
خازناً لأنه إذا لم يكن خازناً لا يجوز له أن يتصدق من مال الغير. الثاني: أن يكون مسلماً
فأخرج به الكافر لأنه لا نية له. الثالث: أن يكون أميناً، فأخرج به الخائن لأنه مأزور. الرابع:
أن يكون منفذاً أي: منفذاً صدقة الآمر، وهو معنى قوله: الذي ينفذ، بالذال المعجمة، إما من
الإنفاذ من باب: الإفعال، وإما من التنفيذ من باب: التفعيل، وهو الإمضاء مثل ما أمر به الآمر،
ويروى: يعطي بدل ينفذ. الخامس: أن تكون نفسه بذلك طيبة لئلا يعدم النية فيفقد الأجر،
وهو معنى قوله: ((طيب به نفسه)) فقوله: ((طيب)) خبر مبتدأ محذوف أي: وهو طيب النفس
به، أو قوله: نفسه، مبتدأ، و: طيب، خبره مقدماً. وقال التميمي: روي طيبة به نفسه، على أن
يكون حالاً للخازن، و: نفسه، مرفوع بقوله: طيبة. السادس: أن يكون دفعه الصدقة إلى الذي
أمر له به، أي إلى الشخص الذي أمر الآمر له به، أي: بالدفع، فإن دفع إلى غيره يكون
مخالفاً، فيخرج عن الأمانة، وهذه القيود شرط لحصول هذا الثواب، فينبغي أن يعتني بها
ويحافظ عليها. قوله: ((أحد المتصدقين)) مرفوع لأنه خبر المبتدأ. أعني قوله: ((الخازن))،
وقد مر الكلام في فتحة القاف وكسرتها، وقال التيمي: ومعنى ((أحد المتصدقين)) أن الذي
يتصدق من ماله يكون أجره مضاعفاً أضعافاً كثيرة، والذي ينفذه أجره غير مضاعف له عشر
حسنات، فقط. وقال النووي: له أجر متصدق.
٢٧ _ بابُ أجْرِ المَرْأةِ إِذَا تَصَدَّقَتْ أُوْ أَطْعَمَتْ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ
أي: هذا باب في بيان أجر المرأة إذا تصدقت من مال زوجها أو أطعمت شيئاً من
بيت زوجها حال كونها غير مفسدة، ولم يقيد هنا بالأمر، وقيد به في الخازن في الباب
الذي قبله، لأن للمرأة أن تتصرف في بيت زوجها للرضى بذلك غالباً، ولكن بشرط عدم
الإفساد، بخلاف الخازن لأنه ليس له تصرف إلاَّ بالإذن، والدليل على ذلك ما رواه البخاري
من حديث همام عن أبي هريرة بلفظ: ((إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره فلها
نصف أجره))، وسيأتي الحديث في البيوع.
وقال النووي: اعلم أنه لا بد في العامل، وهو الخازن، وفي الزوجة والمملوك من إذن
المالك في ذلك، فإن لم يكن له إذن أصلاً فلا يجوز لأحد من هؤلاء الثلاثة، بل عليهم وزر
تصرفهم في مال غيرهم بغير إذنه، والإذن ضربان. أحدهما: الإذن الصريح في النفقة
والصدقة. والثاني: الإذن المفهوم من اطراد العرف: كإعطاء السائل كسرة ونحوها مما
جرت به العادة، واطراد العرف فيه، وعلم بالعرف رضى الزوج والمالك به، فإذنه في ذلك
حاصل وإن لم يتكلم، وهذا إذا علم رضاه لاطراد العرف، وعلم أن نفسه كنفوس غالب
الناس في السماحة بذلك والرضى به، فإن اضطرب العرف وشك في رضاه أو كان شحيح

٤٣٩
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٢٧)
النفس يشح بذلك، وعلم من حاله ذلك أو شك فيه، لم يجز للمرأة وغيرها التصدق من ماله
إلاَّ بصريح إذنه، وأما قوله عَّ، وأشار به إلى ما ذكرناه من حديث أبي هريرة آنفاً فمعناه: من
غير أمره الصريح فى ذلك القدر المهين، ويكون معها إذن سابق يتناول لهذا القدر وغيره،
وذلك هو الإذن الذي قدمناه سابقاً إما بالصريح وإما بالعرف، ولا بد من هذا التأويل لأنه عَ لَّه.
جعل الأجر مناصفة في رواية أبي داود، رحمه الله، فلها نصف أجره ومعلوم أنها إذا أنفقت
من غير إذن صريح ولا معروف من العرف فلا أجر لها، بل عليها وزر، فتعين تأويله.
١٤٣٩/٤٣ _ حدَّثنا آدَمُ قال حدَّثنا شُعْبَةُ قال حدَّثنا مَنْصُورٌ وَالأعْمَشُ عنْ أَبِي وَائِلٍ
عنْ مَسْرُوقِ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها عنِ النبيِّ عَّهِ تَصَدَّقَتِ المَرْأةُ مِنْ بَيْتِ
زَوْجِهَا. [أنظر الحديث ١٤٢٥ وأطرافه].
... / ١٤٤٠ _ حدَّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ قال حدَّثنا أبي قال حدَّثنا الأعْمَشُ عنْ شَقيقٍ
عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالتْ قال النبيُّ عَُّلَّ إِذَا أَطْعَمَتِ الْمَزْأَةُ مِنْ
بَيْتٍ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ لَهَا أجْرُهَا وَلَهُ مِثْلُهُ وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذُلِكَ لَهُ بِمَا اكْتَسَبَ وَلَهَا بِمَا
أَنْفَقَتْ. [أنظر الحديث ١٤٢٥ وأطرافه].
١٤٤١/٤٤ _ حدَّثنا يَحْيِّى بنُ يَخْيَى قال أخبرنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ شَقِيقٍ عنْ
مَسْرُوقٍ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها عنِ النبيِّ عَّ له قال إذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ
بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ فَلَهَا أَجْرُهَا وَلِلرَّوْجِ بِمَا اكْتَسَبَتْ وَلِلْخَازِنَ مِثْلُ ذُلِكَ. [أنظر الحديثَ
١٤٢٥ وأطرافه].
هذه ثلاثة طرق في حديث عائشة تدور على أبي وائل شقيق بن سلمة عن مسروق
عنها، ومطابقتها للترجمة ظاهرة. الأول: عن آدم بن أبي إياس عن شعبة بن الحجاج عن
منصور بن المعتمر وسليمان الأعمش، كلاهما عن أبي وائل شقيق بن سلمة عن مسروق عن
عائشة، رضي الله تعالى عنها. وأخرجه مسلم أيضاً من طريق الأعم عن أبي وائل عن مسروق
إلى آخره، ولم يسق البخاري تمام هذا الطريق، لكنه ذكره بتمامه على سبيل التحويل. قوله:
((تعني)) أي عائشة، حديث: ((إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها)). الطريق الثاني عن عمر
ابن حفص عن أبيه حفص بن غياث عن سليمان الأعمش ... إلى آخره. وأخرجه مسلم أيضاً
من حديث الأعمش. الطريق الثالث عن يحيى بن يحيى أبي زكريا التميمي عن جرير بن عبد
الحميد عن منصور ابن المعتمر ... إلى آخره. وأخرجه البخاري أيضاً في: باب من أمر خادمه
بالصدقة، عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير عن منصور إلى آخره، وأخرجه أيضاً في: باب
أجر الخادم، عن قتيبة بن سعيد عن جرير عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن
عائشة ... إلى آخره، وقد مضى الكلام فيها مستوفىّ هناك.

٤٤٠
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (٢٨)
٢٨ - بابُ قَوْلِ الله تعالى: ﴿فَأمَّا مَنْ أعْطَى وَاتَّقَى * وصَدَّقَ بِالحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ
لِلْيُسْرَى وأمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْتَى * وَكَذَّبَ بِالحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ -
١٠].
ذكر هذه الآية الكريمة هنا إشارة إلى الترغيب في الإنفاق في وجوه البر، لأن الله تعالى
يعطيه الخلف في العاجل، والثواب الجزيل في الآجل، وإشارة إلى التهديد لمن يبخل ويمتنع
من الإنفاق في القربات. وفي (تفسير الطبري): عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فأمَّا من
أعطى واتقى﴾ [الليل: ٥]. قال أعطى مما عنده، وصدق بالخلف من الله تعالى، واتقى ربه،
وقال قتادة: أعطى حق الله تعالى، واتقى محارمه التي نهى عنها. وقال الضحاك: زكى واتقى
الله تعالى. قوله: ﴿وصدَّق بالحسنى﴾ [الليل: ٦]. يعني: قال: لا إله إلاَّ الله، قاله الضحاك
وأبو عبد الرحمن وابن عباس، وعن مجاهد: وصدق بالحسنى: بالجنة. وقال قتادة: صدق
بموعود الله تعالى على نفسه، فعمل بذلك الموعود الذي وعده، وذكر الطبري أيضاً: أن هذه
الآية نزلت في أبي بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، وفي (المعاني) للفراء: نزلت في أبي
بكر وفي أبي سفيان. وقال أبو الليث السمرقندي في (تفسيره) بإسناده عن عبد الله بن
مسعود، رضي الله تعالى عنه: أن أبا بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، اشترى بلالاً من أمية
ابن خلف وأبي بن خلف ببردة وعشر أواق ذهب، فأعتقه لله تعالى، فأنزل الله هذه السورة:
﴿والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى* وما خلق الذكر والأنثى* إن سعيكم لشتى﴾ [الليل:
٥]. يعني: سعي أبي بكر وأمية بن خلف. ﴿فأما من أعطى﴾ [الليل: ٥]. المال. ﴿واتقى﴾
[الليل: ٥]. الشرك. ﴿وصدق بالحسنى﴾ [الليل: ٦]. يعني: بلا إله إلاّ الله. ﴿فسنيسره
لليسرى﴾ [الليل: ٧]. يعني الجنة. ﴿وأما من بخل﴾ [الليل: ٨]. بالمال. ﴿واستغنى *
وكذب بالحسنى﴾ [الليل: ٨ - ٩]. يعني: بلا إله إلا الله. ﴿فسنيسره للعسرى﴾ [الليل:
١٠]. يعني: سنهون عليه أمور النار، يعني أمية وأبياً إذا ماتا. وقيل: فأما من أعطى يعني: أبا
الدحداح أعطى من فضل ماله. وقيل: الصدق من قلبه. وقيل: حق الله واتقى محارم الله التي
نهي عنها، وصدق بالحسني أي: بالجنة، وقيل: بوعد الله، وقيل: بالصلاة والزكاة والصوم.
قوله: ﴿واستغنى﴾ [الليل: ٨]. يعني: عن ثواب الله تعالى فلم يرغب فيه. وقيل: استغنى
بماله. قوله: ﴿فسنيسره للعسرى﴾ [الليل: ١٠]. يعني العمل بما لا يرضي الله به. وقيل:
سندخله جهنم. وقيل: للعود إلى البخل.
اللَّهُمَ أعْطِ مُنْفِقَ مالٍ خلَفاً
قال الكرماني: وجه ربطه بما قبله أنه معطوف على قول الله تعالى، وحذف حرف
العطف جائز، وهو بيان للحسنى، فكأنه أشار إلى أن قول الله تعالى مبين بالحديث، يعني:
تيسير اليسرى له إعطاء الخلف له، والحديث رواه أبو هريرة كما يجيء الآن: قال القرطبي:
هو موافق لقوله تعالى: ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه﴾ [سبأ: ٣٩].