Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٩٦)
قوله تعالى: ﴿ثم أماته فأقبره﴾ [عبس: ٢١]. وذلك بعد أن خلقه سوياً ثم أماته، أي: قبض
روحه فأقبره أي: جعله ذا قبر يدفن فيه، وقيل: جعل له من يقبره ويواريه ولا يلقى للسباع
والطير، ليكون مكرماً حياً وميتاً، ولم يقل: قبره، لأن فاعل ذلك هو الله تعالى، أي: صيره
مقبوراً فليس كفعل الآدمي، والعرب تقول: طردت فلاناً عني، والله أطرده أي: جعله طريداً.
أقْبَرْتُ الرَّجُلَ إِذَا جَعَلْتَ لَهُ قَبْراً وَقَبَرْتُهُ دَفَتْتُهُ
أشار بهذا إلى الفرق في المعنى بين: أقبرت، الذي هو من الثلاثي المزيد من باب:
الإفعال، وبين: قبرت، الذي من الثلاثي المجرد، وبيَّن أن معنى: أقبرت، جعلت له قبراً، وأن
معنى: قبرت فلاناً: دفنته.
كِفَاتاً يَكُونُونَ فِيهَا أَحْيَاءً وَيُدْفَنُونَ فِيهَا أَمْوَاتاً
أشار به إلى تفسير قوله تعالى: ﴿ألم نجعل الأرض كفاتاً﴾ [المرسلات: ٢٥]. وقوله:
كفاتاً، كلمة من القرآن الكريم، وقوله: يكونون فيها تفسيره. وروى عبد بن حميد من طريق
مجاهد، قال في قوله: ﴿ألم نجعل الأرض كفاتاً أحياءً وأمواتاً﴾ [المرسلات: ٢٥]. قال
يكونون فيها ما أرادوا، ثم يدفنون فيها. انتهى. والكفات من: كفت الشيء أكفته إذا جمعته
وضممته. قاله الزجاج: وقال الفراء: نكفتهم أمواتاً في بطنها، أي: نحفظهم ونحرزهم ونصب
الأحياء والأموات بوقوع الكفات عليه. وفي (تفسير الطبري): كفاتاً وعاء. وعن ابن عباس:
كنا، وعن مجاهد: ﴿ألم نجعل الأرض كفاتاً﴾ [المرسلات: ٢٥]. قال: نكفت أذاهم وما
يخرج منهم. وفي (المحكم): كفته وكفته: قبضه وضمه. قال: وعندي أن الكفات في الآية
الكريمة مصدر من: كفت.
١٣٨٩/١٤٣ - حدَّثنا إِسْمَاعِيلُ قال حدَّثني سُلَيْمَانُ عنْ هِشَامٍ ح وحدَّثني مُحَمَّدُ
ابنُّ حَرْبٍ قال حدَّثنا أبُو مَرْوَانَ يَحيى بنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ عنْ هِشَامِ عَنْ عُرْوَةَ عنْ عَائِشَةَ
قالَتْ إِنْ كانَ رسولُ اللهِ عَّهِ ليَتَعَذَّرُ فِي مَرَضِهِ أَيْنَ أنا اليَوْمَ أَيْنّ أنا غَداً اسْتِبْطَاءٌ لِيَوْمِ
عائِشَةَ فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي قَبَضَهُ اللهُ بَيْنَ سَخْري ونَخْرِي وَدُفِنَ فِي بَيْتِي. [أنظر الحديث
٨٩٠ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إنه عَّم دفن في بيت عائشة، وفيه قبره، والترجمة في قبر
النبي عَد.
ذكر رجاله: وهم سبعة: الأول: إسماعيل بن أبي أويس واسمه عبد الله إبن أخت
مالك بن أنس، وقد تقدم. الثاني: سليمان بن بلال أبو أيوب. الثالث: هشام بن عروة بن
الزبير. الرابع: محمد بن حرب - ضد الصلح - أبو عبد الله النشائي، بفتح النون وبالشين
المعجمة، مات سنة خمس وخمسين ومائتين. الخامس: أبو مروان يحيى بن أبي زكريا
الغساني، مات سنة ثمان وثمانين ومائة. السادس: عروة بن الزبير بن العوام. السابع: أم
عمدة القاري / ج٨ / م٢١

٣٢٢
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٩٦)
المؤمنين عائشة، رضي الله تعالى عنها.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في
موضعين. وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: أن شيخه إسماعيل وسليمان وهشام وعروة
مدنيون ومحمد بن حرب شيخه واسطي ويحيى بن أبي زكريا شامي سكن واسط.
ذكر معناه: قوله: ((إن كان رسول الله، عَّله)) كلمة: إن، هذه مخففة من الثقيلة،
فتدخل على الجملتين، فإن دخلت على الإسمية جاز إعمالها خلافاً للكوفيين. وحكى
سيبويه: إن عمراً لمنطلقٌ، وإن دخلت على الفعلية وجب إهمالهما، وههنا دخلت على
الفعلية، والأكثر كون الفعل ماضياً. قوله: ((ليتعذر)) بالعين المهملة والذال المعجمة أي:
يطلب العذر، فيما يحاوله من الانتقال إلى بيت عائشة، رضي الله تعالى عنها، ويمكن أن
يكون بمعنى: يتعسر، أي: يتعسر عليه ما كان عليه من الصبر. وعند ابن التين في رواية أبي
الحسن: ليتقدر، بالقاف والدال المهملة. قال الداودي: معناه يسأل عن قدر ما بقي إلى يومها
ليهون عليه بعض ما يجد، لأن المريض يجد عند بعض أهله ما لا يجده عند غيره من الأنس
والسكون. قوله: ((أين أنا اليوم)) أي: أين أكون في هذا اليوم، وأين أكون غداً. وقال
الكرماني: يريد بقوله: ((أين أنا اليوم)): لمن النوبة اليوم؟ ولمن النوبة غداً؟ أي: في حجرة
أي امرأة من النساء أكون غداً؟ استبطاء ليوم عائشة، رضي الله تعالى عنها، يستطيل اليوم
اشتياقاً إليها وإلى نوبتها. قوله: ((فلما كان يومي)) أي: في النوبة. قوله: ((بين سحري
ونحري)) السحر، بفتح السين وسكون الحاء المهملتين: ما التزق بالحلقوم والمريء من
أعلى البطن، والسحر، بفتحتين كذلك وبضم السين كذلك، والسحر أيضاً: الرئة، والجمع:
سحور، ذكره ابن سيده. وذكر ابن عديس أيضاً في الرئة: سحراً، بفتحتين. وفي (الصحاح)
السحر الرئة والجمع أسحار، كبرد وأبراد. وقال الفراء: السحر أكثر قول العرب السحر
والنحر، بالنون: الصدر. وقال ابن قتيبة في كتابه (الغريب): بلغني عن عمارة بن عقيل بن
بلال بن جرير أنه قال: إنما هو شجري ونحري، بالشين المنقوطة والجيم، فسئل عن ذلك
فشبك بين أصابعه وقدمها من صدره، كأنه يضم شيئاً إليه، أراد أنه قبض وقد ضمته بيديها
إلى نحرها وصدرها، والشجر التشبيك. وفي (المخصص): الشجر طرفا اللحيين من أسفل،
وقيل: هو مؤخر الفم، والجمع أشجار وشجور.
ويستفاد من الحديث فضيلة عائشة، رضي الله تعالى عنها، قوله: ((ودفن في بيتي))
نسبة البيت إليها كما في قوله تعالى: ((وقرن في بيوتكن﴾ [الأحزاب: ٣٣]. لأن البيوت
کانت لرسول الله ێ﴾.
١٤٤/ ١٣٩٠ - حدَّثنا مُوسى بنُ إِسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عنْ هِلالٍ عنْ عُرْوَةَ
عِنْ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ قال رسولُ اللهِ عَ لَلِ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ لَعَنَ
الله اليَهُودَ والنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ لَوْلاَ ذُلِكَ أَبْرِزَ قَبْرُهُ غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَوْ

٣٢٣
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٩٦)
◌ُخُشِيَ أنْ يُتَّخَذَ مَسْجِداً وعنْ هِلالٍ قال كَنَّانِي عُزوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ وَلَمْ يُولَدْ لِي. [أنظر الحديث
٤٣٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((أبرز قبره))، وموسى بن إسماعيل أبو سلمة المنقري، تكرر
ذكره، وأبو عوانة، بفتح العين: الوضاح بن عبد الله اليشكري، وهلال بن حميد، ويقال ابن
أبي حميد، ويقال ابن عبد الله الجهيني الوزان، بفتح الواو وتشديد الزاي وبالنون، مر في:
باب ما يكره من اتخاذ المساجد، مع الحديث فإنه أخرجه هناك: عن عبيد الله بن موسى عن
شيبان عن هلال الوزان عن عروة عن عائشة، رضي الله تعالى عنها. وقد ذكرنا هناك ما فيه
الكفاية.
قوله: (لولا ذلك)) من كلام عائشة، رضي الله تعالى عنها. قوله: ((أبرز))، على صيغة
المجهول أي: أظهر. قوله: ((خشي))، على صيغة المعلوم، أي: خشي رسول الله، عَّله. قوله:
((أو خشي)) على صيغة المجهول، فالخاشي الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، أو عائشة، أو
رسول الله، عَّةٍ. قوله: ((وعن هلال)) يعني: بالإسناد المذكور. قوله: ((كناني: عروة)) أي:
ابن الزبير بن العوام الذي روى عنه هذا الحديث، واختلفوا في كنية هلال، فقيل: أبو أمية،
وقيل: أبو الجهم، وقيل: أبو عمرو وهو المشهور، ومعنى: كناني أي: جعلني ذا كنية
ونسبني إليها. ولعل غرض البخاري بإيراد هذا الكلام التنبيه على لقاء هلال عروة. قوله:
((ولم يولد لي)) جملة حالية أي: كناني بكنية والحال لم يولد لي ولد، لأن الغالب لا يكنى
الشخص إلاَّ باسم أول أولاده، وهذا كناه ولا جاء له ولد.
وفيه: جواز التكنية سواء جاء للمكنى ولد أو لا، وقد كنى الشارع عائشة بابن أختها،
عبد الله بن الزبير.
١٤٥ _ حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ مُقَاتِلٍ قال أخبرنا عَبْدُ الله قال أخبرنا أَبُو بَكْرِ بنِ عَيَّاشٍ
عِنْ سُفْيَانَ التََّّارِ أَنَّهُ حدَّثَهُ أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النبيِّ عَُّلِّ مُسَنَّمَاً
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: محمد بن مقاتل أبو الحسن المروزي المجاور بمكة.
الثاني: عبد الله بن المبارك المروزي. الثالث: أبو بكر بن عياش، بالياء آخر الحروف
المشددة وفي آخره شين معجمة: الكوفي المقرىء المحدث، مات سنة ثلاث وتسعين ومائة.
الرابع: سفيان بن دينار الكوفي التمار، بفتح التاء المثناة من فوق وتشديد الميم: وهو من
كبار أتباع التابعين، وقد لحق عصر الصحابة، رضي الله تعالى عنهم ولم تعرف له رواية عن
صحابي. وفي (تاريخ البخاري): سفيان بن زياد، ويقال: ابن دينار التمار العصفري، وزعم
الباجي: أن بعضهم فرق بين ابن زياد وبين أبي دينار، وزعم أنه هو المذكور عند البخاري في
(الصحيح)، وكل منهما كوفي عصفري، ولم يروِ البخاري عن أبي دينار التمار إلاَّ قوله هذا،
وقد وثقه ابن معين وغيره، وروى ابن أبي شيبة هذا القول، وزاد: ((وقبر أبي بكر وعمر، رضي

٣٢٤
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٩٦)
الله تعالى عنهما، مسنمين)). ورواه أبو نعيم في (المستخرج): وقبر أبي بكر وعمر كذلك،
وقال إبراهيم النخعي: أخبرني من رأى قبر رسول الله عَّ له وصاحبيه مسئمة ناشزة من الأرض
عليها مرمر أبيض. وقال الشعبي، رحمه الله تعالى: رأيت قبور شهداء أحد مسنمة، وكذا فعل
بقبر عمر وابن عباس، رضي الله تعالى عنهم. وقال الليث: حدثني يزيد بن أبي حبيب أنه
يستحب أن تسنم القبور ولا ترفع ولا يكون عليها تراب كثير، وهو قول الكوفيين والثوري
ومالك وأحمد، واختاره جماعة من الشافعية منهم، المزني: أن القبور تسنم لأنها أمنع من
الجلوس عليها، وقال أشهب وابن حبيب: أحب إليَّ أن يسنم القبر، وإن يرفع فلا بأس. وقال
طاوس: كان يعجبهم أن يرفع القبر شيئاً حتى يعلم أنه قبر، وادعى القاضي حسين اتفاق
أصحاب الشافعي على التسنيم، ورد عليه بأنه جماعة من قدماء الشافعية استحبوا التسطيح،
كما نص عليه الشافعي، وبه جزم الماوردي وآخرون. وفي (التوضيح): وقال الشافعي: تسطح
القبور ولا تبنى ولا ترفع وتكون على وجه الأرض نحواً من شبر. قال: وبلغنا أن النبي عَ له
سطح قبر ابنه إبراهيم، عليه السلام، ووضع عليه الحصباء ورش عليه الماء، وأن مقبرة الأنصار
والمهاجرين مسطحة قبورهم، وروي عن مالك مثله واحتج الشافعي أيضاً بما روى الترمذي
عن أبي الهياج الأسدي، واسمه: حيان. قال لي علي: ألا أبعثك على ما بلغني عليه رسول
الله عَّهِ: ((أن لا أدع قبراً مشرفاً إلاَّ سويته، ولا تمثالاً إلاَّ طمسته)). وبما روى أبو داود عن
القاسم بن محمد قال: دخلت على عائشة، رضي الله تعالى عنها، فقلت: يا أماه اكشفي لي
قبر رسول الله عَ ليه، فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة
الحمراء، فرأيت رسول الله عَّله مقدماً، وأبا بكر رأسه بين كتفي النبي عَ لَه وعمرا رأسه عند
صَّىاللّه
رجلي النبي طي()).
وقال صاحب (الهداية): ويسنم القبر من التسنيم، وتسنيمه، رفعه من الأرض، مقدار شبر أو
أكثر قليلاً. وفي (ديوان الأدب): يقال: قبر مسنم، أي: غير مسطح، وبه قال موسى بن طلحة
ويزيد بن أبي حبيب، والثوري والليث ومالك وأحمد. وفي (المغني): واختار التسنيم أبو
علي الطبري وأبو علي بن أبي هريرة والجويني والغزالي والروياني والسرخسي، وذكر القاضي
حسين اتفاقهم عليه، وخالفوا الشافعي في ذلك، والجواب عما رواه الشافعي: أنه ضعيف
ومرسل وهو لا يحتج بالمرسل، وعما رواه الترمذي: أن المراد من المشرفة المذكورة فيه هي
المبنية التي يطلب بها المباهاة، وعما رواه أبو داود أن رواية البخاري تعارضها.
فإن قلت: قال البيهقي والبغوي: ورواية القاسم بن محمد أصح، وأولى أن تكون محفوظة،
قلت: قال صاحب (اللباب): هذه كبوة منهما بما رفلا فيه من ثياب التعصب والعناد، وإلاّ
فأحمد يرجح رواية أبي داود على رواية البخاري في (صحيحه). وقال صاحب (المغني):
رواية البخاري أصح وأولى. وقال شمس الأئمة السرخسي: التربيع من شعار الرافضة، وقال
ابن قدامة: التسطيح هو شعار أهل البدع، فكان مكروهاً. وقال المزني في (كتاب الجنائز):
إذا ثبت أحد الخبرين المسطح أو المسنم فأشبه الأمرين بالميت ما لا يشبه المصانع ليجلس

٣٢٥
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٩٦)
عليه، والمسطح يشبه ما يصنع للجلوس، وليس المسنم هو موضع الجلوس، وقد نهي عن
الجلوس على القبور. وقال المزني؛ وفي التسنيم منع الجلوس فهو أمنع من أن يجلس عليها،
وأشبه بأمر الآخرة، ولكن لا يزاد فيه أكثر من ترابه، ويعلم ليعرف فيدعى له، وقال بعضهم:
وقول سفيان التمار لا حجة فيه، كما قاله البيهقي لاحتمال أن قبره عَ ◌ّه لم يكن في الأول
مسنماً، ثم ذكر ما ذكرناه عن أبي داود. قلت: قد أبعد عن منهج الصواب من يحتج
بالاحتمال، مع أن هذا القائل لا يقدم شيئاً على رواية البخاري، وعند قيام التعصب يحيد عن
ذلك، ثم قال هذا القائل: ثم الاختلاف في ذلك أيهما أفضل لا في أصل الجواز، ثم قال:
ويرجح التسطيح ما رواه مسلم من حديث فضالة بن عبيد أنه مر بقبر فسوي، ثم قال:
سمعت رسول الله، عَّةٍ، يأمر بتسويتها، قلت: إنما أمر بالتسوية لأجل البناء الذي يبنى عليها،
ولا سيما إذا كان للمباهاة كما ذكرنا، وذكر الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود بن
النجار في كتابه (الدرة الثمينة في أخبار المدينة): أن قبر النبي عَ لّه وقبر صاحبيه في صفة
بيت عائشة، رضي الله تعالى عنها. قال: وفي البيت موضع قبر في السهوة المشرفة، قال
سعيد بن المسيب: فيه يدفن عيسى ابن مريم، عليه الصلاة والسلام. وعن عبد الله بن سلام،
قال: يدفن عيسى مع النبي عَّ فيكون قبره رابعاً. وعن عثمان بن نسطاس، قال: رأيت قبر
النبي عَّ لما هدمه عمر بن عبد العزيز، رضي الله تعالى عنه، مرتفعاً نحو أربعة أصابع،
ورأيت قبر أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، وراء قبر النبي ◌َّله، وقبر عمر، رضي الله تعالى
عنه أسفل منه، وعن عمرة عن عائشة، قالت: رأس النبي ◌َّه مما يلي المغرب، ورأس أبي
بكر عند رجليه عَّله، وعمر خلف ظهر النبي ◌َّله، وعن نافع بن أبي نعيم قبر النبي عَ لّم
أمامهما إلى القبلة مقدماً ثم قبر أبي بكر حذاء منكبي رسول الله، عَّه، وقبر عمر حذاء
منكبي أبي بكر، وعن محمد بن المبارك. قال: قبر النبي عَّ لِ هكذا، وقبر أبي بكر خلفه،
وقبر عمر عند رجلي النبي عَّهِ. وقال ابن عقيل: قبر أبي بكر عند رجليه عَّه، وقبر عمر
عند رجلي أبي بكر. وقال ابن التين: يقال: إن أبا بكر خلف النبي عَ ◌ّه قد جاز ملحده
ملحد النبي عَّله، ورأس عمر عند رجلي أبي بكر قد حازت رجلاه رجلي النبي عَ لّه، وقد
ذكرت في صفة قبورهم أقوال فالأكثر هكذا.
وقد استدلت جماعة على فضيلة الشيخين بمجاورتهما ملحده عَّ له ولقرب طينهما من
طينه، لما في حديث أبي سعيد الخدري في الحبشي المذكور في أوائل الباب، وله شواهد
أكثرها صحيحة. منها: حديث جندب بن سفيان يرفعه: ((إذا أراد الله قبض عبد بأرض جعل
له بها حاجة)). وحديث ابن مسعود ومطرز بن مكامس وعروة بن مضرس بنحوه. وفي
(الحلية) لأبي نعيم الحافظ: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ له: ((ما من مولود إلاَّ وقد
ذر عليه من تراب حفرته)). وقال: هذا حديث غريب. وفي (نوادر الأصول) للحكيم أبي
عبد الله الترمذي من حديث مرة الطيب عن عبد الله بن مسعود ((أن الملك الموكل بالرحم
يأخذ النطفة فيعجنها بالتراب الذي يدفن في بقعته، فذلك قوله تعالى: ﴿منها خلقناكم وفيها

٣٢٦
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٩٦)
نعيد كم﴾ [طه: ٥٥]. وفي (التمهيد) من حديث عبد الوهاب بن عطاء الخفاف: حدثنا أبي
عن داود بن أبي هند حدثني عطاء الخراساني: ((أن الملك ينطلق فيأخذ من تراب المكان
الذي يدفن فيه، فيذره على النطفة فتخلق من التراب، ومن النطفة، فذلك قوله تعالى: ﴿منها
خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى﴾ [طه: ٥٥]. وعند الترمذي أبي عبد
الله، قال محمد بن سيرين: لو حلفت حلفت صادقاً باراً غير شاكٍ ولا مستثن أن الله تعالى ما
خلق نبيه عٍَّ ولا أبا بكر ولا عمر إلاَّ من طينة واحدة، ثم ردهم إلى تلك الطينة.
١٤٦ - حدّثنا فَزْوَةُ قال حدَّثنا علِيٌّ عنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ أَبِيهِ لَمَّا سَقَطَ عَلَيْهِمُ
الخَائِطَ فِي زَمَانِ الوَلِيدِ بنِ عَبْدِ المَلِكِ أَخَذُوا فِي بِنَائِهِ فَبَدَتْ لَهُمْ قَدَمٌ فَفَزِعُوا وظَنُوا أَنَّهَا
قَدَمُ النبيِّ عَّهِ فَمَا وَجَدُوا أَحَداً يَعْلَمُ ذُلِكَ حَتَّى قال لَهُمْ عُزْوَةُ لاَ وَاللهِ ما هِيَ قَدَمُ النبيِّ
عََِّّ مَا هِيَ إلاَّ قَدَمُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهُ.
١٣٩١ - وعَنْ هِشَامٍ عنْ أبِيهِ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها أنَّهَا أَوْصَتْ عَبْدَ الله
ابن الزُّبَيْرِ رضي الله تعالى عنهما لاَ تَدْفِنِّي مَعَهُمْ وَادْفِنِّي مَعَ صَوَاحِيِي بِالْتَقِيعِ لا أُزَكّى بِهِ
أَبَداً. [الحديث ١٣٩١ - طرفه في: ٧٤٢٧].
مطابقته للترجمة من حيث إن حائط مسجد النبي عَِّ لما سقط وبدا قدم ففزعوا
وظنوا أنها قدم النبي عَّةِ ولم تكن إلاَّ قدم عمر، رضي الله تعالى عنه، دل هذا على قدم
النبي عَ ◌ّه وهو في القبر، والترجمة في قبر النبي عد له.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: فروة، بفتح الفاء وسكون الراء: ابن أبي المغراء،
بفتح الميم وسكون الغين المعجمة وبالراء وبالمد وبالقصر: أبو القاسم. الثاني: علي بن
مسهر، بضم الميم: مر في مباشرة الحائض. الثالث: هشام بن عروة. الرابع: أبوه عروة.
الخامس: عائشة، رضي الله تعالى عنها.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في
خمسة مواضع. وفيه: أن شيخه من أفراده روى عنه، وقال: مات سنة خمس وعشرين
ومائتين، وهو وشيخه كوفيان وهشام وأبوه مدنيان. وفيه: حدثنا علي بن حسين في رواية أبي
ذر، كذا هو مذكور باسم أبيه، وفي رواية غيره لم يذكر اسم أبيه.
ذكر معناه: وهم قوله: ((لما سقط عليهم الحائط)) أي: حائط حجرة النبي عَّ.
وفي رواية الحموي: ((لما سقط عنهم))، والسبب في ذلك ما رواه أبو بكر الآجري من طريق
شعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة قال أخبرني قال: كان الناس يصلون إلى القبر فأمر به
عمر بن عبد العزيز فرفع حتى لا يصلي إليه أحد، فلما هدم بدت قدم بساق وركبة، ففزع
عمر بن عبد العزيز فأتاه عروة فقال: هذا ساق عمر، رضي الله تعالى عنه، وركبته، فسري عن
عمر بن عبد العزيز: وروى الآجري من طريق مالك بن مغول على رجاء بن حيوة قال: كتب
الوليد بن عبد الملك إلى عمر بن عبد العزيز، وكان قد اشترى حجر أزواج النبي عَّ له: أن

٣٢٧
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٩٦)
اهدمها ووسع بها المسجد، فقعد عمر في ناحية ثم أمر بهدمها، فما رأيت باكياً أكثر من
يومئذ، ثم بناه كما أراد، فلما أن بنى البيت على القبر وهدم البيت الأول ظهرت القبور
الثلاثة، وكان الرمل الذي عليها قد انهار، ففزع عمر بن عبد العزيز وأراد أن يقوم فيسويها
بنفسه، فقلت له: أصلحك الله، إنك إن قمت قام الناس معك، فلو أمرت رجلاً أن يصلحها،
ورجوت أنه يأمرني بذلك، فقال: يا مزاحم - يعني مولاه - قم فأصلحها. قال رجاء: فكان قبر
أبي بكر عند وسط النبي عَّله، وعمر خلف أبي بكر رأسه عند وسطه. وفي (الإكليل): عن
وردان، وهو الذي بني بيت عائشة: لما سقط شقه الشرقي في أيام عمر بن عبد العزيز، وإن
القدمين لما بدتا قال سالم بن عبد الله: أيها الأمير هذان قدما جدي وجدك عمر. وقال أبو
الفرج الأموي في (تاريخه): وردان هذا هو أبو امرأة أشعب الطماع، وفي (الطبقات) قال
مالك: قسم بيت عائشة ثلاثين: قسم كان فيه القبر، وقسم كان تكون فيه عائشة وبينهما
حائط، فكانت عائشة ربما دخلت جنب القبر فصلا، فلما دفن عمر، رضي الله تعالى عنه لم
تدخله إلاَّ وهي جامعة عليها ثيابها. وقال عمرو بن دينار وعبيد الله بن أبي يزيد: لم يكن
على عهد النبي عَّلِ على بيت النبي عَ لّ حائط، فكان أول من بنى عليه جداراً عمر بن
الخطاب، رضي الله تعالى عنه، قال عبيد الله: كان جداره قصيراً، ثم بناه عبد الله بن الزبير
وزاد فيه. وفي (الدرة الثمينة) لابن النجار: سقط جدار الحجرة مما يلي موضع الجنائز في
زمان عمر، رضي الله تعالى عنه، فظهرت القبور، فما رؤي باكياً أكثر من يومئذ فأمر عمر
بقباطي يستر بها الموضع، وأمر ابن وردان أن يكشف عن الأساس، فلما بدت القدمان قام
عمر فزعاً، فقال له عبيد الله بن عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهم، وكان حاضراً: أيها
الأمير لا تفزع فهما قدما جدك عمر، ضاق البيت عنه فحفر له في الأساس، فقال له عمر: یا
ابن وردان غطِّ ما رأيت، ففعل. وفي رواية: أن عمر أمر أبا حفصة، مولى عائشة وناساً معه،
فبنوا الجدار وجعلوا فيه كوة، فلما فرغوا منه ورفعوه دخل مزاحم مولى عمر فقم ما سقط
على القبر من التراب وبنى عمر على الحجرة حاجزاً في سقف المسجد إلى الأرض،
وصارت الحجرة في وسطه وهو على دورانها، فلما ولي المتوكل أزرها بالرخام من حولها،
فلما كان سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، في خلافة المقتفي، جدد التأزير وجعل قامة وبسطة،
وعمل لها شباكاً من الصندل والأبنوس وأداره حولها مما يلي السقف، ثم إن الحسن بن أبي
الهيجا، صهر الصالح وزير المصريين، عمل لها ستارة من الديبقي الأبيض مرقومة بالإبريسم
الأصفر والأحمر، ثم جاءت من المستضيء بأمر الله ستارة من الإبريسم البنفسجي وعلى
دوران حاماتها مرقوم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، رضي الله تعالى عنهم، ثم شيلت تلك
ونفذت إلى مشهد علي بن أبي طالب، وعلقت هذه. ثم إن الناصر لدين الله نفذ ستارة من
الإبريسم الأسود وطرزها وحاماتها أبيض، فعلقت فوق تلك، ثم لما حجت الجهة الخليفية
عملت ستارة على شكل المذكورة ونفذتها فعلقت. قوله: ((في زمان الوليد بن عبد
الملك)) بفتح الواو وكسر اللام، وجده مروان بن الحكم ولي الأمر بعد موت عبد الملك

٣٢٨
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٩٦)
في سنة ست وثمانين، وكان أكبر ولد عبد الملك، وكانت خلافته تسع سنين وثمانية أشهر
على المشهور، وكانت وفاته يوم السبت منتصف جمادى الآخرة من سنة ست وتسعين
بدمشق بدير مروان، وصلى عليه عمر بن عبد العزيز، وحمل على أعناق الرجال ودفن بمقابر
باب الصغير، وقيل: بباب الفراديس، ثم بعد وفاته بويع بالخلافة لأخيه سليمان بن عبد
الملك، وكان سليمان بالرملة. قوله: ((فبدت لهم قدم)) أي: ظهرت من البدو وهو الظهور.
قوله: ((وعن هشام عن أبيه)) هو بالإسناد المذكور. وأخرجه البخاري أيضاً مسنداً في
الاعتصام عن عبيد بن إسماعيل عن أبي أسامة عن هشام بزيادة، وأخرجه الإسماعيلي من
طريق عبدة عن هشام وزاد فيه: ((وكان في بيتها موضع قبر)). قوله: ((لا تدفني معهم)) أي:
مع النبي، عَّه، وأبي بكر وعمر، وإنما قالت ذلك مع أنه بقي في البيت موضع ليس فيه أحد
خوفاً من أن يجعل لها بذلك مزية فضل. وفي (التكملة) لابن الأبار، من حديث محمد بن
عبد الله العمري: حدثنا شعيب بن طلحة من ولد أبي بكر عن أبيه عن جده ((عن عائشة قال:
قالت للنبي، عَّ له: إني لا أراني إلاَّ سأكون بعدك فتأذن لي أن أدفن إلى جانبك؟ قال: وأنى
لك، ذلك الموضع ما فيه إلاّ قبري وقبر أبي بكر وعمر، وفيه عيسى بن مريم عليهما الصلاة
والسلام. فإن قلت: يعارض هذا قولها لما طلب منها أن يدفن عمر، رضي الله تعالى عنه،
معهما أردت لنفسي قلت: قيل: لأن ظاهره أن البيت ليس فيه غير موضع عمر. وقيل: كان
ظناً من عائشة. وقيل: كان اجتهادها في ذلك تغير. وقيل: إنما قالت ذلك قبل أن يقع لها ما
وقع في قضية الجمل، فاستحت بعد ذلك أن تدفن هناك. وقد قال عنها عمار بن ياسر، وهو
أحد من حاربها يومئذ: إنها زوجة نبيكم في الدنيا والآخرة. قلت: إذا صح ما رواه ابن الأبار
فهو جواب قاطع. قوله: ((وادفني مع صواحبي)) أرادت بذلك بقية نساء النبي، عَّهِ،
المدفونات في البقيع. قوله: ((لا أزكى به أبداً) أي: لا يثنى علي بسببه، و: أزكى، على
صيغة المجهول من التزكية. قال ابن بطال: فيه معنى التواضع، كرهت عائشة أن يقال: إنها
مدفونة مع النبي عَّهِ فيكون في ذلك تعظيماً لها.
١٤٧/ ١٣٩٢ - حدّثنا قُتَيْبَةُ قال حدَّثنا جَرِيرُ بنُ عَبْدِ الحَمِيدِ قال حدَّثنا محُصَيْنُ بنُّ
عَبْدِ الرَّحْمنِ عنْ عَمْرٍو بنٍ مَيْمُونِ الأُؤْدِيِّ. قال رَأَيْتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رضي الله تعالىٍ
عنهُ. قال يا عَبْدَ الله بنَ عُمَرَ اذْهَبْ إلَى أَمِّ المُؤْمِنينَ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها فَقُلْ يَقْرَأْ
عُمَرُ بِنُ الخَطَّابِ عَلَيْكِ السَّلاَمَ ثُمَّ سَلْهَا أنْ أُذْفَنَ مَعَ صَاحِبَيَّ قَالَتْ كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي
فَلأُ وثِرَنَّهُ اليَوْمَ عَلَى نَفْسِي فَلَمَّا أَقْبَلَ قال لَهُ ما لَدَيْكَ قال أذِنَتْ لَكَ يا أمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قال ما
كانَ شَيءٌ أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْ ذُلِكَ الْمَضْجَعِ فَإِذَا قُبِضْتُ فاحْمِلُونِي ثُمَّ سَلِّمُوا ثُمَّ قُلْ يَسْتَأْذِنُ عُمَّرُ
ابن الخَطَّابٍ فإنْ أذِنَتْ لِي فَادْفِئُونِيَ وَإِلاَّ فَرُدُّونِي إِلَى مِقَابِرِ المُسْلِمِينَ إِنِّي لاَ أَعْلَمُ أحَداً
أَحَقَّ بِهِذَا الأَمْرِ مِنْ هُؤُلاَءِ الَّذِيَ تُؤُنِّيَ رسولُ الله عَلَّهِ وَهْوَ عَنْهُمْ رَاض فَمَنِ اسْتَخْلَفُوا بَعْدِي
فَهْوَ الخَلِيفَةُ فاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا فَسَمَّى عُثْمَانَ وعَلِيَّاً وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَعَبْدَ الرَّحْمنِ بنَ عَوْفٍ
وَسَعْدَ بنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَوَلَجَ عليه شابٌّ مِنَ الأَنْصَارِ فقال أبْشِرْ يا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ بِيُشْرَى الله

٣٢٩
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٩٦)
كانَ لَكَ مِنَ القَدَمِ فِي الإِسْلاَمِ ما قَدْ عَلِمْتُ ثُمَّ اسْتُحْلِفْتَ فَعَدَلْتَ ثُمَّ الشَّهَادَةُ بَعْدَ لهذا كُلِّهِ
فقال لَيْتِنِي يا ابنَ أَخِي وَذُلِكَ كَفافٌ لاَ عَلَيَّ وَلاَ لِي أُوصِيِ الخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِالمُهَاجِرِينَ
الأوَّلِينَ خَيْراً أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ وَأَنْ يَحْفَظَ لَهُمْ حُرْمَتَهُمْ وَأَوصِيهِ بِالأَنْصَارِ خَيْراً الذِينَ تَبَوَّوْا
الدَّارَ وَالإِيمَانَ أَنْ يُقْبَلَ مِنْ مُخْسِنِهِمْ وَيُعْفَى عِنْ مُسِيئِهِمْ وَأَوْصِيهِ بِذِمَّةِ اللهِ وذِمَّةِ رسولِهِ عَ لَّه
أَنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ وَأَنْ لاَ يُكَلَّفُوا فَوْقَ طاقَتِهِمْ. [الحديث ١٣٩٢ -
أطرافه في: ٣٠٥٢، ٣١٦٢، ٣٧٠٠، ٤٨٨٨، ٧٢٠٧].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قضية عمر بن الخطاب، لأن فيها السؤال بأن يدفن مع
صاحبيه، وهما النبي ◌َّلَّه وأبو بكر، رضي الله تعالى عنه، وما ذاك إلاّ في قبر النبي عٍَّ،
والترجمة فيه.
ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: قتيبة بن سعيد، وقد تكرر ذكره. الثاني: جرير،
بالجيم: ابن عبد الحميد، مر في: باب من جعل لأهل العلم أياماً. الثالث: حصين، بضم
الحاء وفتح الصاد المهملتين وبالنون، مر في كتاب الصلاة. الرابع: عمرو بن ميمون الأودي،
بفتح الهمزة وسكون الواو وبالدال المهملة: نسبة إلى أود بن صعب بن سعد العشيرة بن
مذحج، أدرك الجاهلية ولم يلق النبي عَّله، وسمع عن جماعة من الصحابة، رضي الله تعالى
عنهم، وثقه یحیی وغيره، مات سنة خمس وسبعين.
ذكر معناه: هذا الذي ذكره عمرو بن ميمون قطعة من حديث طويل سيأتي في مناقب
عثمان، رضي الله تعالى عنه، قوله: ((أن أدفن))، على صيغة المجهول، وكلمة: أن، مصدرية.
قوله: ((مع صاحبي))، بفتح الباء الموحدة وتشديد الياء، وأصله صاحبين لي، فلما أضيف إلى
ياء المتكلم سقطت النون، وأراد بصاحبيه: النبي، عَّه، وأبا بكر، رضي الله تعالى عنه. قوله:
((كنت أريده)) أي: كنت أريد الدفن مع صاحبيه، قوله: ((فلأوثرنه)) من الإيثار، يقال: آثرت
فلاناً على نفسي، إذا اختاره على نفسه وفضله عليه. قوله: ((فلما أقبل)) أي: عبد الله بن
عمر. قوله: ((ما لديك؟)) أي: ما عندك من الخبر؟ قوله: ((أذنت لك)) أي: عائشة، رضي الله
تعالى عنها، أذنت له بالدفن مع صاحبيه.
قوله: ((من ذلك المضجع))، أراد به مضجع النبي، عَّهِ، ومضجع أبي بكر، رضي الله
تعالى عنه. قوله: ((فإذا قبضت)) على صيغة المجهول. قوله: ((وإلّ) أي: وإن لم تأذنٍ لي.
قوله: ((إني لا أعلم .. )) إلى آخره من جملة وصيته، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((بهذا الأمر))،
أراد به الخلافة. قوله: ((من هؤلاء النفر؟)) النفر: عدة رجال من الثلاثة إلى العشرة. قوله:
((وهو عنهم راضٍ))، جملة حالية. قوله: ((فمن استخلفوا))، أي: فمن استخلفه هؤلاء النفر
المذكورون فهو الخليفة، أي: فهو أحق بالخلافة، قوله: ((فسمى عثمان ... )) إلى آخره، إنما
لم يذكر أبا عبيدة لأنه كان قد مات، ولم يذكر سعيد بن زيد لأنه كان غائباً، قال بعضهم:
لم يذكره لأنه كان قريبه وصهره، ففعل كما فعل به عبد الله بن عمر. قوله: ((وولج عليه))
أي: دخل، من ولج يلج ولوجاً. قوله: ((كان لك من القدم))، بكسر القاف وفتح الدال،

٣٣٠
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٩٦)
ويروى بفتح القاف: وهو السابقة في الأمر، يقال: لفلان قدم صدق، أي: إثرة حسنة، ولو
صحت الرواية بالكسر فالمعنى صحيح أيضاً. قوله: ((ثم استخلفت)) على صيغة المجهول.
قوله: ((ثم الشهادة)) أي: ثم جاءتك الشهادة، فيكون ارتفاع: الشهادة، على أنه فاعل فعل
محذوف، وذلك أنه قتله علج يسمى فيروز وكنيته أبو لؤلؤة، وكان غلاماً للمغيرة بن شعبة،
وكان يدَّعي الإسلام، وسببه أنه قال لعمر: ألاَ تكلم مولاي يضع عني من خراجي؟ قال: كم
خراجك؟ قال: دينار. قال: ما أرى أن أفعل، إنك عامل محسن وما هذا بكثير، فغضب منه،
فلما خرج عمر إلى الناس لصلاة الصبح جاء عدو الله فطعنه بسكين مسمومة ذات طرفين
فقتله، وقال الواقدي: طعن عمر، رضي الله تعالى عنه، يوم الأربعاء لأربع ليالٍ بقين من ذي
الحجة سنة ثلاثة وعشرين، ودفن يوم الأحد صباح هلال المحرم سنة أربع وعشرين، وكان
عمره يوم مات ستين سنة، وقيل: ثلاثاً وستين، وقيل: إحدى وستين، وقيل: ستة وستين،
وكانت خلافته عشر سنين وخمسة أشهر، وإحدى وعشرين ليلة من متوفى أبي بكر، رضي
الله تعالى عنه، قاله الواقدي.
فإن قلت: الشهيد من قتل في قتال الكفار على قول الشافعية، وعلى قول الحنفية: من
قتل ظلماً ولم يجب بقتله دية أيضاً، قلت: أما على قولهم: فإنه كالشهيد في ثواب الآخرة،
وأما على قولنا فإنه قتل ظلماً ووجب القصاص على قاتله، فهو شهيد حقيقة. فإن قلت:
بالإرتثاث تسقط الشهادة. قلت: هو قتل لأجل كلمة الحق، والقول بكلمة الحق من الدين،
وورود: ((من قتل دون دينه فهو شهيد)). قوله: ((ليتني)) جواب هو قوله: ((ولا عليَّ)) أي:
ليتني لا عقاب علي ولا ثواب لي فيه: أي: أتمنى أن أكون رأساً برأس في أمر الخلافة،
ويروى: ولا ليا، بإلحاق ألف الإطلاق في آخره. قوله: ((كفاف)) بفتح الكاف بمعنى المثل،
قاله الكرماني، قلت: معناه: أن أمر الخلافة مكفوف عني شرها، وقيل: معناه أن لا تنال مني
ولا أنال منها، أي: تكف عني وأكف عنها، والكفاف في الأصل هو الذي لا يفضل عن
الشيء ويكون بقدر الحاجة إليه، وإرتفاعه على أنه خبر مبتدأ، وهو قوله ذلك، وهو إشارة إلى
أمر الخلافة، وهذه الجملة معترضة بين: ليت وخبرها، قوله: ((أن يعرف لهم))، تفسير لقوله:
((خيراً) وبيان له. قوله: ((بالمهاجرين الأولين)) وهم الذين هاجروا قبل بيعة الرضوان، أو
الذين صلوا إلى القبلتين، أو الذين شهدوا بدراً.
قوله: ((وأوصيه بالأنصار الذين تبوأوا الدار))، قد وقع هنا خيراً بين الصفة والموصوف،
ووجه جوازه أن مجموع الكلام يدل على ما تقدم، والمراد من الدار: المدينة، قدمها عمرو
ابن عامر حين رأى بسد مأرب ما دله على فساده فاتخذ المدينة وطناً لما أراد الله من كرامة
الأنصار لنصرة نبيه، عَّلَه، وبالإسلام. قوله: ((والإيمان))، قال محمد بن الحسن: الإيمان اسم
من أسماء المدينة، فإن لم يكن كذلك فيحمل أن يريد: تبوأوا الدار وأجابوا إلى الإيمان من
قبل أن يهاجروا إليهم. قوله: ((أن يقبل)) بدل من قوله: ((خيراً)). ومعناه: يفعل بهم من التلطف
والبر ما كان يفعله الرسول والخليفتان بعده. قوله: ((ويُعفَى عن مسيئهم))، يعني: ما دون

٣٣١
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٩٧)
الحدود وحقوق الناس. قوله: ((بذمة الله))، أي: بعهده وبذمة رسوله، ويقال: بذمة الله، يعني
بأهل ذمة الله، وهم عامة المؤمنين، لأن كلهم في ذمتهما، وهذا تعميم بعد تخصيص. قوله:
((من ورائهم))، الوراء بمعنى الخلف، وقد يكون بمعنى القدام وهو من الأضداد.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: الحرص على مجاورة الصالحين في القبور طمعاً في إصابة
الرحمة إذا نزلت عليهم، وفي دعاء من يزورهم من أهل الخير. وفيه: أن من وعد عدة جاز له
الرجوع فيها ولا يلزم بالوفاء. وفيه: أن من بعث رسولاً في حاجة مهمة أن له أن يسأل
الرسول قبل وصوله إليه، ولا يعد ذلك من قلة الصبر، بل من الحرص على الخير. وفيه: أن
الخلافة بعد عمر، رضي الله تعالى عنه، شورى. وفيه: التعزية لمن يحضره الموت بما يذكر
من صالح عمله.
٩٧ - بابُ ما يُنْهِى مِنْ سَبِّ الأُمْوَاتِ
أي: هذا باب في بيان ما ينهى من سب الأموات، وكلمة: ما، مصدرية. أي: باب
النهي عن سب الأموات، يعني: شتمهم من السب، وهو القطع. وقيل: من السبة، وهي حلقة
الدبر كأنها على القول الأول قطع المسبوب عن الخير والفضل، وعلى الثاني كشف العورة
وما ينبغي أن يستر.
١٤٨ / ١٣٩٣ - حدّثنا آدَمُ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنِ الأعْمَشِ عنْ مُجِاهِدٍ عنْ عَائِشَةَ
رضي الله تعالى عنها قالَتْ قالَ النبيُّ عَ لَّه لاَ تَسُبُوا الأَمْوَاتَ فإنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى ما
قَدَّمُوا. [الحديث ١٣٩٣ - طرفه في: ٦٥١٦].
مطابقته للترجمة ظاهرة لأن الحديث نهي عن سب الأموات، والترجمة كذلك قيل:
لفظ الترجمة يشعر بانقسام السب إلى منهي وغير منهي، ولفظ الخبر مضمونه النهي عن
السب مطلقاً. أجاب بعضهم: إن عمومه مخصوص بحديث أنس حيث قال: «أنتم شهداء الله
في الأرض))، وذلك عند ثنائهم بالخير والشر، ولم ينكر عليهم، قلت: لا نسلم إشعار الترجمة
إلى الانقسام المذكور لأنا قد ذكرنا أن كلمة: ما، في الترجمة مصدرية، فلا تقتضي
الانقسام، بل هي للعموم، وأورد على البخاري أنه غفل عن حديث: وجبت وجبت، لأن فيه
تفصيلاً، وقد أطلق هنا. قلت: لا يرد عليه شيء لأن الثناء بالشر على الميت لا يسمى سباً
لأنه إنما يثني بالشر، أما في حق الفاسق أو المنافق أو الكافر، وليس هذا بداخل في معنى
حديث الباب.
ورجاله قد ذكروا، وآدم هو ابن أبي إياس، والأعمش هو سليمان.
وأخرجه النسائي في الجنائز أيضاً عن حميد بن مسعدة عن بشر بن المفضل عن شعبة
به.
قوله: ((الأموات))، الألف واللام للعهد، أي: أموات المسلمين، ويؤيده ما رواه الترمذي

٣٣٢
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٩٧)
من حديث ابن عمر: أن رسول الله عَّ له قال: ((اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم)).
وأخرجه أبو داود أيضاً في كتاب الأدب من سننه، ولا حرج في ذكر مساوىء الكفار، ولا
يؤمر بذكر محاسن إن كانت لهم من صدقة وإعتاق وإطعام طعام، ونحو ذلك، اللهم إلاَّ أن
يتأذى بذلك مسلم من ذريته فيتجنب ذلك حينئذ، كما ورد في حديث ابن عباس عند أحمد
والنسائي: ((أن رجلاً من الأنصار وقع في أبي العباس كان في الجاهلية، فلطمه العباس فجاءه
قومه فقالوا: والله لنلطمنه كما لطمه. فلبسوا السلاح فبلغ ذلك رسول الله عَ ليه فصعد المنبر،
فقال: أيها الناس! أي أهل الأرض أكرم عند الله؟ قالوا: أنت. قال: فإن العباس مني وأنا منه
فلا تسبوا أمواتنا فتؤذوا أحياءنا. فجاء القوم فقالوا: يا رسول الله نعوذ بالله من غضبك)). وفي
(كتاب الصمت) لابن أبي الدنيا، في حديث مرسل صحيح الإسناد من رواية محمد بن علي
الباقر، قال: ((نهى رسول الله عَّله أن يسب قتلى بدر من المشركين، وقال: لا تسبوا هؤلاء
فإنه لا يخلص إليهم شيء مما تقولون وتؤذون الأحياء ألا إن البذاءة لؤم)). وقال ابن بطال:
ذكر شرار الموتى من أهل الشرك خاصة جائز لأنه لا شك أنهم في النار، وقال: سب
الأموات يجري مجرى الغيبة، فإن كان أغلب أحوال المرء الخير وقد تكون منه الغلبة
فالاغتياب له ممنوع، وإن كان فاسقاً معلناً فلا غيبة له، فكذلك الميت. قوله: ((فإنهم قد
أفضوا إلى ما قدموا)) أي: قد وصلوا إلى جزاء أعمالهم.
وَرَوَاهُ عَبْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ القُدُّوسِ عنِ الأعْمَشِ وَمُحَمَّدُ بِنُ أَنَسِ عنِ الأَعْمَشِ
أي: روى الحديث المذكور عبد الله بن عبد القدوس السعدي الرازي عن سليمان
الأعمش متابعاً لشعبة، ورواه أيضاً محمد بن أنس العدوي المولي الكوفي عن الأعمش متابعاً
الشعبة، قال الكرماني: وقال ههنا: رواه، ولم يقل: تابعه، لأنه روى استقلالاً وبطريق آخر لا
متابعة لآدم بطريقه، وليس لأبي عبد القدوس في (الصحيح) غير هذا الموضع الواحد، وذكر
البخاري في (التاريخ) وقال: إنه صدوق إلاّ أنه يروي عن قوم ضعفاء.
تابَعَهُ عَلِيُّ بِنُ الجَعْدِ وَابنُ عَرْعَرَةَ وَابْنُ أَبِي عَدِيّ عِنْ شُعْبَةً
هذا قد وقع في بعض النسخ قبل قوله: ((ورواه عبد الله .. )) إلى آخره. قوله: ((تابعه)) أي:
تابع آدم علي بن الجعد، بفتح الجيم وسكون العين المهملة، وقد تقدم في: باب أداء
الخمس من الإيمان، وقد وصله البخاري عن علي بن الجعد في الرقاق. قوله: ((وابن عرعرة))
أي: وتابعه أيضاً محمد بن عرعرة، بفتح العينين المهملتين وسكون الراء الأولى، وقد تقدم
في: باب خوف المؤمن، وروى البخاري عن علي بن الجعد وابن عرعرة بدون الواسطة،
وروى عن ابن أبي عدي بالواسطة لأنه لم يدرك عصره. قوله: ((وابن أبي عدي)) أي: وتابع
آدم أيضاً محمد بن أبي عدي، وقد تقدم في كتاب الغسل، وطريق ابن أبي عدي ذكرها
الإسماعيلي، ووصله أيضاً من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة.

٣٣٣
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٩٨)
٩٨ - بابُ ذِكْرِ شِرَارِ المَوْتَی
أي: هذا باب في بيان ذكر شرار الموتى.
١٤٩/ ١٣٩٤ - حدّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ قال حدَّثنا أبي قال حدَّثنا الأعْمَشُ قال حدَّثنا
عَمْرُو بنُ مُرَّةَ عنْ سَعِيدِ بنِ بُجُبَيْرٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما. قال قال أبُو لَهَب
عَلَيْهِ لَعْنَهُ اللهِ لِلنَّبِيِّ عَ لَّهِ تَبَّاً لَكَ سَائِرَ اليَوْمِ فَتَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد:
١]. [الحديث ١٣٩٤ - أطرافه في: ٣٥٢٥، ٣٥٢٦، ٤٧٧٠، ٤٨٠١، ٤٩٧١، ٤٩٧٢،
٤٩٧٣].
مطابقته للترجمة في قوله: ((قال أبو لهب، عليه لعنة الله)) وقال ابن عباس: ذكر أبا
لهب باللعنة عليه، وهو من شرار الموتى، وقال الإسماعيلي: هذا الحديث مرسل لأن هذه
الآية الكريمة نزلت بمكة المشرفة، وكان ابن عباس إذ ذاك صغيراً. انتهى. بل كان على بعض
الأقوال غير موجود، واعترض على البخاري في تخريجه هذا الحديث في هذا الباب، لأنه
تبويبه له يدل على العموم في شرار المؤمنين والكافرين، وكأنه نسي حديث أنس: ((مروا
بجنازة. فأثنوا عليها شراً .. )) الحديث، فترك النبي عَّمِ نهيهم عن ذكر الشر يدل أن للناس أن
يذكروا الميت بما فيه من شر إذا كان شره مشهوراً. وأجيب: بأنه يحتمل أن يريد الخصوص،
فطابقت الآية الترجمة، أو يريد العموم قياساً للمسلم المجاهر بالشر على الكافر، لأن المسلم
الفاسق لا غيبة له. انتهى. قلت: قد مر الجواب عنه في الباب السابق بأوجه من هذا وأوضح.
ذكر رجاله: وهم خمسة قد ذكروا غير مرة، وأبو عمر شيخ البخاري هو حفص بن
غياث بن طلق النخعي الكوفي قاضيها، مات سنة خمس أو ست وتسعين ومائة، والأعمش هو
سليمان وعمرو بن مرة، بضم الميم وتشديد الراء، مر في: باب تسوية الصفوف.
وفيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه:
العنعنة في موضعين.
وأورد هذا الحديث مختصراً، وسيأتي في التفسير مطولاً في سورة الشعراء، فإنه
أخرجه في التفسير عن علي بن عبد الله ومحمد بن سلام فرقهما، كلاهما عن أبي معاوية،
وفيه وفي مناقب قريش بتمامه. وأخرجه مسلم في الإيمان عن أبي كريب عن أبي أسامة به
وعن أبي بكر وأبي كريب، كلاهما عن أبي معاوية به. وأخرجه الترمذي في التفسير عن هناد
ابن السري وأحمد بن منيع، كلاهما عن معاوية نحوه، وأخرجه النسائي فيه عن هناد وعن
إبراهيم بن يعقوب عن عمرو بن حفص به، وفيه وفي اليوم والليلة عن أبي كريب عن أبي
معاوية به، وقال البخاري في تفسير الشعراء لما نزلت: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ [الشعراء:
٢١٤]. صعد رسول الله عٍَّ على الصفا، فجعل ينادي: يا بني فهر يا بني عدي، لبطون
قريش، حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً ينظر ما هو، فجاء أبو
لهب وقريش فقال: أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟

٣٣٤
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٩٨)
قالوا: نعم ما جربنا عليك إلاَّ صدقاً. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو
لهب: تباً لك سائر اليوم!)) وفي تفسير: تبت، فهتف: يا صباحاه! فقالوا: من هذا؟ فاجتمعوا
إليه .. وفيه: فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا؟ ثم قام فنزلت ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ وقد ﴿تب﴾
[المسد: ١]. هكذا قرأ الأعمش، وفي (تفسير الطبري): حدثنا يونس أخبرنا ابن وهب أخبرنا
ابن زيد، قال أبو لهب للنبي، عَ لَّهِ: ماذا أُعطى يا محمد إن آمنت بك؟ قال: كما يُعطى
المسلمون. قال: فما لي فضل عليهم؟ تبا لهذا من دين أكون أنا وهؤلاء سواء. فأنزل الله
تبارك وتعالى: ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ [المسد: ١]. قال: خسرت يداه، واليدان هنا العمل،
ألا تراه يقول بما عملت أيديهم؟». وفي (تفسير ابن عباس) رضي الله تعالى عنه: فلما دعاهم
أقبلوا إليه يسعون من كل ناحية واكتنفوه، فقالوا: يا محمد لماذا دعوتنا؟ قال: ((إن الله تبارك
وتعالى أمرني أن أنذركم خاصة، والناس عامة، فقالوا: قد أجبناك لما دعوتنا. قال: كلمة
تقرأون بها تملكون العرب وتدينٍ لكم بها العجم، فقال أبو لهب من بينهم: وعشر كلمات،
الله أبوك فما هي؟ قال: لا إله إلاَّ الله. فقال أبو لهب: تباً لك! ألهذا دعوتنا؟ فنزلت ﴿تبت يدا
أبي لهب﴾ [المسد: ١]. أي: صغرت يداه، وفي معاني القرآن العظيم للقزاز في قراءة عبد
الله: وقد تب، فالأول: دعاء والثاني: خبر، كما تقول للرجل أهلكك الله، وقد أهلكك.
وفي (المعاني) للزجاج: ((دعا عمومته وقدم إليهم صحفة فيها طعام، فقالوا أحدنا
وحده يأكل الشاة وإنما قدم لنا هذه، فأكلوا منها جميعاً ولم ينقص منها إلاَّ الشيء اليسير،
فقالوا له: ما لنا عندك إن اتبعناك؟ قال: ما للمسلمين، وإنما يتفاضلون في الدين. فقال أبو
لهب: تباً لك .. )) الحديث. وفي كتاب (الأفعال): تب ضعف وخسر، وتب هلك وفي القرآن
﴿وما كيد فرعون إلاَّ في تباب﴾ [غافر: ٣٧]. وأبو لهب كنيته، واسمه عبد العزى بن عبد
المطلب، عم النبي، عَّ ◌ُله، مات كافراً وفي (التلويح): واختلف في أبي لهب، هل هو لقب
له أو كنية له، فالذي عند ابن إسحاق والكلبي في آخرين أن عبد المطلب لقبه بذلك لحمرة
خديه وتوقدهما كالجمر، وفي حديث رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد أنه عَّه قال
للهب بن أبي لهب واسمه عبد العزى: ((أكلك كلب الله))، فأكله الأسد، وهو دال على أنه
كنى بابنه، قوله: ((تباً)) مفعول مطلق يجب حذف عامله أي: هلاكاً وخساراً. قوله: ((سائر
اليوم))، منصوب بالظرفية أي: باقي اليوم، أو: باقي الأيام جميعها، وفي (تفسير النسفي):
سورة تبت مكية، وهي سبعة وسبعون حرفاً وثلاث وعشرون كلمة وخمس آيات. قوله:
(تبت)) أي: خابت وخسرت ((يدا أبي لهب)) أخبر عن يديه، وأراد به نفسه، على عادة العرب
في التعبير ببعض الشيء عن كله. وقال الزمخشري: فإن قلت: لِمَ كَّه والكنية مكرمة؟ قلت:
فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون مشتهراً بالكنية دون الاسم. والثاني: أنه كان اسمه: عبد
العزى فعدل عنه إلى كنيته. والثالث: أنه لما كان من أهل النار ومآله إلى النار ذات لهب
وافقت حاله كنيته، وكان جديراً بأن يذكر بها، وقرىء: ﴿تبت يدا أبو لهب﴾ كما قيل: علي
ابن أبو طالب، ومعاوية بن أبو سفيان، لئلا يغير منه شيء فيشكل على السامع، والله تعالى أعلم.

٣٣٥
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١)
بسم الله الرحمن الرحيم
٢٤ _ کِتابُ الزكاة
١ - بابُ وُجُوبِ الزَّکاةِ
أي: هذا كتاب في بيان أحكام الزكاة، وقد وقع عند بعض الرواة: كتاب وجوب
الزكاة، وعند بعضهم: باب وجوب الزكاة، ولم يقع في رواية أبي ذر لا باب ولا كتاب،
وفي أكثر النسخ وقع: كتاب الزكاة، ثم وقع بعده: باب وجوب الزكاة، كما هو المذكور
ههنا، إنما ذكر كتاب الزكاة عقيب كتاب الصلاة من حيث إن الزكاة ثالثة الإيمان وثانية
الصلاة في الكتاب والسنة. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة
ومما رزقناهم ينفقون﴾ [البقرة: ٣]. وأما السنة فقوله عَّله: ((بني الإسلام على خمس .. )
الحديث، وهي لغة: عبارة عن النماء، يقال: زكا الزرع، إذا نما، وقيل: عن الطهارة. قال الله
تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى﴾ [الأعلى: ١٤]. أي: تطهر. قلت: الزكاة اسم للتزكية وليست
بمصدر، وقال نفطويه: سميت بذلك لأن مؤديها يتزكى إلى الله أي: يتقرب إليه بصالح العمل
وكل من تقرب إلى الله بصالح عمل فقد تزكى إليه. وقيل: سميت زكاة للبركة التي تظهر
في المال بعدها. وفي (المحكم): الزكاة ممدوداً: النماء والريع، زكا يزكو زكاء وزكواً
وأزكى والزكاء: ما أخرجته الأرض من الثمر، والزكاة الصلاح، ورجل زكي من قوم أذكياء،
وقد زكى زكاء، والزكاة ما أخرجته من مالك لتطهره. وقال أبو علي: الزكاة صفوة الشيء.
وفي (الجامع): زكت النفقة: أي بورك فيها. وقال ابن العربي في كتابه (المدارك): تطلق
الزكاة على الصدقة أيضاً وعلى الحق والنفقة والعفو عند اللغويين، وهي شرعاً: إيتاء جزء من
النصاب الحولي إلى فقير غير هاشمي. ثم لها ركن وسبب وشرط وحكم وحكمة. فركنها:
جعلها الله تعالى بالإخلاص، وسببها: المال، وشرطها نوعان: شرط السبب وشرط من تجب
عليه، فالأول: ملك النصاب الحولي، والثاني: العقل والبلوغ والحرية، وحكمها: سقوط
الواجب في الدنيا وحصول الثواب في الآخرة، وحكمتها كثيرة. منها: التطهر من أدناس
الذنوب والبخل، ومنها: ارتفاع الدرجة والقربة، ومنها: الإحسان إلى المحتاجين، ومنها:
استرقاق الأحرار فإن الإنسان عبيد الإحسان، وقال القشيري على قول من قال: النماء، أي:
إخراجها يكون سبباً للنماء كما صح: ((ما نقص مال من صدقة))، ووجه الدليل منه أن النقص
محسوس بإخراج القدر الواجب، ولا يكون غير ناقص إلاَّ بزيادة تبلغه إلى ما كان عليه من
المعنيين جميعاً المعنوي والحسي في الزيادة، أو بمعنى تضعيف أجورها كما جاء: ((إن الله
يربي الصدقة حتى تكون كالجبل))، ومن قال: إنها طهارة فللنفس من رذيلة البخل، أو لأنها
تطهر من الذنوب، وهذا الحق أثبته الشارع لمصلحة الدافع والآخذ معاً، أما الدافع فلتطهيره

٣٣٦
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١)
وتضعيف أجره، وأما الآخذ فلسد خلته.
بابُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ
أي: هذا باب في بيان وجوب الزكاة أي: فرضيتها، وقد يذكر الوجوب ويراد به
الفرض، لأنه أراد بالوجوب الثبوت والتحقق. قال عَّةٍ: وجبت وجبت، أي: ثبتت وتحققت،
أو ذكر الوجوب لأجل المقادير فإنها ثبتت بأخبار الآحاد، أو لأنه لو قال: فرض الزكاة، لتبادر
الذهن إلى الذي هو التقدير، إذ التقدير هو الغالب في باب الزكاة لأنها جزء مقدر من جميع
أصناف الأموال. قلت: لا شك أن الكتاب مجمل والحكم فيه التوقف إلى أن يأتي البيان،
والبيان فوض إلى رسول الله عَّه، والنبي عَّ بيَّن ذلك في سائر الأموال، فيكون أصل
الزكاة ثابتاً بدليل قطعي، والمقدار بالحديث، فلعل من أطلق على الزكاة لفظ: الوجوب، نظر
إلى هذا المعنى.
وقَوْلِ الله تعَالى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣ و٨٣ و١١٠، النساء:
٧٧، الحج: ٧٨، النور: ٥٦، المجادلة: ١٣، المزمل: ٢٠].
قول الله، بالجر عطف على ما قبله، وأشار به إلى أن فرضية الزكاة بالقرآن، لأن الله
تعالى أمر بها بقوله: ﴿وآتوا الزكاة﴾ [البقرة: ٤٣، ٨٣ و١١٠، النساء: ٧٧، الحج: ٧٨،
النور: ٥٦، المجادلة: ١٣، والمزمل: ٢٠]. والأمر للوجوب. وقيل: هو بالرفع مبتدأ وخبره
محذوف، أي: هو دليل على ما قلناه من الوجوب. قلت: هذا ليس بشيء لا يخفى على
الفطن، والوجه ما ذكرناه، قال ابن المنذر: انعقد الإجماع على فرضية الزكاة وهي الركن
الثالث، قال عَّ: ((بني الإسلام على خمس ... )) وفيه قال: ((وإيتاء الزكاة))، وقال ابن بطال:
فمن جحد واحدة من هذه الخمس فلا يتم إسلامه، ألا ترى أن أبا بكر، رضي الله تعالى عنه،
قال: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، وقال ابن الأثير: من منعها منكراً وجوبها فقد كفر
إلا أن يكون حديث عهد بالإسلام ولم يعلم وجوبها. وقال القشيري: من جحدها كفر،
وأجمع العلماء أن مانعها تؤخذ قهراً منه، وإن نصب الحرب دونها قتل، كما فعل أبو بكر،
رضي الله تعالى عنه، بأهل الردة، ووافق على ذلك جميع الصحابة، رضي الله تعالى عنهم.
وقال ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما حدَّثني أبُو سُفْيَانَ رضي الله تعالى عنهُ فَذَكَرَ
حَديثَ النبيِّ عَّهِ فقال يأمُرُنَا بِالصَّلاةِ والزَّكَاةِ وَالصَّلَةِ والعَفَافِ
قد مضى هذا في أول الكتاب في قضية أبي سفيان مع هرقل في حديث طويل منه.
((قال)) أي: هرقل لأبي سفيان (ماذا يأمركم؟ قال)) أي: أبو سفيان في جوابه ((يقول: اعبدوا الله
وحده ولا تشركوا به شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصدق
والعفاف والصلة)). وروى هذا الحديث عبد الله بن عباس عن أبي سفيان بن حرب حيث
قال: ((إن أبا سفيان أخبره أن هرقل أرسل إليه ... )) الحديث، وقد مر الكلام فيه مستوفى

٣٣٧
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١)
هناك، وإنما ذكر هذا الجزء منه هنا إشارة إلى فرضية الزكاة به.
١٣٩٥/١٥٠ - حدّثنا أبُو عَاصِمِ الضَّخَّاكُ بنُ مَخْلَدٍ عنْ زَكَرِيَّاءَ بنِ إسْحَاقَ عنْ يَحْتَى
ابن عَبْدِ اللهِ ابنِ صَيْفِيّ عنْ أَبِي مَعْبَدٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما أنَّ النبيَّ عَّله
بَعَثَ مُعَاذَاً رضي الله تعالى عنهُ إِلَى الَمَنِ فقال ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أنْ لا إله إلاَّ الله وَأَنِّي
رِسِولُ الهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي
كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذُلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أُمْوَالِهِمْ
تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ. [الحديث ١٣٩٥ - أطرافه في: ١٤٥٨، ١٤٩٦،
٢٤٤٨، ٤٣٤٧، ٧٣٧١، ٧٣٧٢].
مطابقته للترجمة ظاهرة لأن فيه بيان فرضية الزكاة.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: أبو عاصم الضحاك، بتشديد الحاء: ابن مخلد،
بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح اللام وإهمال الدال، وقد مر في أول كتاب العلم.
الثاني: زكريا ابن إسحاق، الثالث: يحيى بن عبد الله بن صيفي منسوباً إلى الصيف - ضد
الشتاء - مولى عثمان، رضي الله تعالى عنه. الرابع: أبو معبد، بفتح الميم وسكون العين
المهملة وفتح الباء الموحدة وفي آخره دال: واسمه نافد، بالنون والفاء والدال المهملة، وقيل:
بالمعجمة، مولى ابن عباس، مات سنة أربع ومائة وكان أصدق موالي ابن عباس، وقد مر في:
باب الذكر بعد الصلاة. الخامس: عبد الله ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه: العنعنة في
أربعة مواضع. وفيه: أن شيخه بصري وأن زكريا ويحيى مكيان. وفيه: اثنان مذكوران بالكنية
أحدهما مذكور باسمه أيضاً. وفيه: أن أحدهم مذكور باسم جده أيضاً. وفيه: عن أبي معبد
عن ابن عباس أن النبي عَّةِ، وفي مسلم: عن أبي معبد عن ابن عباس عن معاذ، رضي الله
تعالى عنه، جعله من مسند معاذ.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في التوحيد عن أبي
عاصم النبيل عن زكريا بن إسحاق إلى آخره نحوه، وأخرجه أيضاً في الجنائز والتوحيد عن
محمد بن مقاتل، وأخرجه أيضاً في المغازي عن حبان بن موسى كلاهما عن ابن المبارك
عن زكريا، وفي التوحيد أيضاً عن عبد الله بن أبي الأسود، وفي الزكاة أيضاً عن أمية بن
بسطام، وفي المظالم عن يحيى بن موسى عن وكيع به. وأخرجه مسلم في الإيمان عن أمية
ابن بسطام به وعن عبد بن حميد عن أبي عاصم به وعن أبي بكر وأبي كريب وإسحاق بن
إبراهيم، ثلاثتهم عن وكيع به، وعن محمد بن يحيى بن أبي عمر بن بشر بن السري عن
زكرياء به. وأخرجه أبو داود في الزكاة عن أحمد بن حنبل عن وكيع به. وأخرجه الترمذي
عن أبي كريب في الزكاة بتمامه، وفي البر يذكر دعوة المظلوم حسب به. وأخرجه النسائي
في الزكاة عن محمد بن عب الله بن المبارك المخرمي عن وكيع به وعن محمد بن عبد الله
عمدة القاري / ج٨ / م٢٢

٣٣٨
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١)
ابن عمار الموصلي عن المعافى بن عمران عن زكرياء به. وأخرجه ابن ماجه فيه عن علي بن
محمد الطنافسي عن وكيع به.
ذكر معناه: قوله: ((أن النبي، عَّله، بعث معاذاً)) وفي (الإكليل) لابن البيع: بعث
النبي، عَّ له، معاذاً وأبا موسى عند انصرافه من تبوك سنة تسع، وزعم ابن الحذاء أن ذلك
كان في شهر ربيع الآخر سنة عشر، وقدم في خلافة أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، في
الحجة التي فيها حج عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، وكذا ذكره سيف في (الردة)
وفي (الطبقات): في شهر ربيع الآخر سنة تسع، وفي (كتاب الصحابة) للعسكري: بعثه النبي
عَّه والياً على اليمن. وفي (الاستيعاب): لما خلع من ماله لغرمائه بعثه النبي عَّه، وقال:
لعل الله أن يجبرك. قال: وبعثه أيضاً قاضياً وجعل إليه قبض الصدقات من العمال الذين
باليمن، وكان رسول الله عَ ل قد قسم اليمن على خمسة رجال: خالد بن سعيد على صنعاء،
والمهاجر بن أبي أمية على كندة، وزياد بن لبيد على حضرموت، ومعاذ على الجندل، وأبي
موسى على زبيد وعدن والساحل. قوله: ((ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلاَّ الله وأني رسول
الله)) أي: ادع أهل اليمن أولاً إلى شيئين: أحدهما: شهادة أن لا إله إلاّ الله، والثاني: الشهادة
بأن محمداً رسول الله. فإن قلت: كيف كان ما يعتقده أهل اليمن؟ قلت: صرح في رواية
مسلم أنهم من أهل الكتاب، حيث قال عن ابن عباس، ((عن معاذ بن جبل، رضي الله تعالى
عنهم، قال: بعثني رسول الله عَّه، وقال: إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة
أن لا إله إلاَّ الله وأني رسول الله)). وقال شيخنا زين الدين، رحمه الله: كيفية الدعوة إلى
الإسلام باعتبار أصناف الخلق في الاعتقادات، فلما كان إرسال معاذ إلى من يقر بالإله
والنبوات، وهم أهل الكتاب، أمره بأول ما يدعوهم إلى توحيد الإله والإقرار بنبوة محمد،
عٍَّ، فإنهم - وإن كانوا يعترفون بالهية الله تعالى - ولكن يجعلون له شريكاً، لدعوة النصارى
أن المسيح ابن الله تعالى، ودعوة اليهود أن عزيراً ابن الله، سبحانه عما يصفون، وأن محمداً
ليس برسول الله أصلاً، أو أنه ليس برسول إليهم، على اختلاف آرائهم في الضلالة، فكان هذا
أول واجب يدعون إليه. وقال الطيبي: قيد قوماً بأهل كتاب، يعني: في رواية مسلم وفيهم
أهل الذمة وغيرهم من المشركين، تفضيلاً لهم وتغليباً على غيرهم. وقال القاضي عياض: أمره
عَ لَّمِ معاذاً أن يدعوهم أولاً بتوحيد الله وتصديق نبوة محمد عَّه دليل على أنهم ليسوا
بعارفين الله تعالى، وهو مذهب حذاق المتكلمين في اليهود والنصارى، أنهم غير عارفين الله
تعالى، وإن كانوا يعبدون ويظهرون معرفته لدلالة السمع عندهم، هذا، وإن كان العقل لا يمنع
أن يعرف الله تعالى من كذب رسولاً. وقال: ما عرف الله من شبهه وجسمه من اليهود، أو
أضاف إليه الود، أو أضاف إليه الصاحبة أو أجاز الحلول عليه والانتقال والامتزاج من
النصارى، أو وصفه بما لا يليق به، أو أضاف إليه الشريك والمعاند في خلقه من المجوس
والثنوية، فمعبودهم الذي عبدوه ليس هو الله تعالى، وإن سموه به إذ ليس موصوفاً بصفات
الإله الواجبة، فإذن ما عرفوا الله سبحانه.

٣٣٩
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١)
وقيل: إنما أمره بالمطالبة بالشهادتين لأن ذلك أصل الدين الذي لا يصح شيء من
فروعه إلاَّ به، فمن كان منهم غير موحد على التحقيق كالبصراني، فالمطالبة موجهة إليه بكل
واحدة من الشهادتين، ومن كان موحداً كاليهود فالمطالبة له بالجمع بين ما أقر به من
التوحيد، وبين الإقرار بالرسالة. وفي (التلويح): أهل اليمن كانوا يهوداً لأن ابن إسحاق وغيره
ذكروا أن تبعاً تهود، وتبعه على ذلك قومه. قوله: ((فإن هم أطاعوا لذلك))، أي: للإتيان
بالشهادتين. قوله: ((فأعلمهم))، بفتح الهمزة من الإعلام. قوله: ((أن الله قد افترض عليهم
خمس صلوات في كل يوم وليلة))، كلمة: أن، مفتوحة لأنها في محل النصب على أنها
مفعول ثان للإعلام، وطاعتهم بالصلاة يحتمل وجهين أحدهما: يحتمل أن يريد إقرارهم
بوجوبها، الثاني: أن يريد الطاعة بفعلها، ويرجح الأول بأن الذكر في لفظ الحديث هو
الإخبار بالفريضة، فتعود الإشارة بذلك إليها. ويرجح الثاني بأنهم لو أخبروا بالوجوب فبادروا
بالامتثال بالفعل لكفى، ولم يشترط تلقيهم بالإقرار بالوجوب، وكذا الزكاة لو امتثلوا بأدائها
من غير تلفظ بالإقرار لكفى، فالشرط عدم الإنكار والإذعان بالوجوب لا باللفظ. فإن قلت: ما
الحكمة في أنه رتب دعوتهم إلى أداء الزكاة على طاعتهم إلى إقامة الصلاة؟ قلت: لم يرتبه
ترتيب الوجوب، وإنما رتبه لترتيب البيان ألا ترى أن وجوب الزكاة على قوم من الناس دون
آخرين، وإن لزومها بمضي الحول على المال، وقال شيخنا زين الدين: يحتمل أن يقال: إنهم
إذا أجابوا إلى الشهادتين ودخلوا بذلك في الإسلام ولم يطيعوا لوجوب الصلاة كان ذلك
كفراً وردة عن الإسلام بعد دخولهم فيه، فصار مالهم فيئاً، فلا يؤمرون بالزكاة بل يقتلون؟
قوله: ((فإن هم أطاعوا لذلك)) أي: لوجوب الصلاة بالأداء كما ذكرنا. قوله: ((افترض عليهم
صدقة)) أي: زكاة، وأطلق لفظ: الصدقة، على الزكاة كما في قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات
للفقراء﴾ [التوبة: ٦٠]. والمراد بها: الزكاة. قوله: ((تؤخذ)) على صيغة المجهول في محل
النصب على أنها صفة لقوله ((صدقة))، وكذلك قوله: ((وترد)) على صيغة المجهول عطف
على قوله: ((تؤخذ))، وسيأتي في كتاب الزكاة في باب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في
الصدقة، عقيب قوله: ((وترد على فقرائهم فإذا أطاعوا بها فخذ منهم وتوقَّ كرائم أموال
الناس))، وسيأتي أيضاً في: باب أخذ الصدقة من الأغنياء، عقيب قوله: ((وكرائم أموالهم، واتَّقٍ
دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب)).
قوله: (توق))، وفي رواية: ((فإياك وكرائم أموالهم))، يعني: إحترز فلا تأخذ كرائم
الأموال، والكرائم جمع: كريمة، وهي النفيسة من المال. وقيل: ما يختص صاحبه لنفسه منها
ويؤثره، وقال صاحب (المطالع): هي جامعة الكمال المتمكن في حقها من غزارة اللبن
وجمال صورة أو كثرة لحم أو صوف، قوله: ((فإنه))، أي: فإن الشأن، وفي رواية أبي داود:
فإنها، أي: فإن القصة والشأن. قوله: ((ليس بينه))، أي: بين دعاء المظلوم وبين الله حجاب.
وفي رواية: ((بينها))، أي: بين دعوة المظلوم وبين الله. قوله: ((فإياك وكرائم أموالهم))، بالواو،
ولا يجوز تركه لأن معنى: إياك: إتق، وهو الذي يقال له التحذير، والمحذر منه إذا ولي

٣٤٠
٢٤ - كِتَابُ الزكاة / باب (١)
المحذر فإن كان اسماً صريحاً يستعمل بمن أو الواو، ولا يخلو عنهما، وإلا يفهم منه أنه
محذر منه، وإن كان فعلاً يجب أن يكون مع: أن ليكون في تأويل الإسم، فيستعمل بالواو
عطفاً نحو: إياك وأن تحذف، فإن تقديره: إياك والحذف، أو: بمن، نحو إياك من أن تحذف.
ولا يجوز أن يقال: إياك الأسد، بدون الواو. وقد نقل ابن مالك: إياك الأسد، بحذف الواو،
ولكنه شاذ يكون في الضرورة.
ذکر ما يستفاد منه: وهو على وجوه:
الأول: فيه قبول خبر الواحد ووجوب العمل به، قال صاحب (التلويح): وفيه نظر من
حيث إن أبا موسى كان معه، فليس خبر واحد على هذا، وعلى قول أبي عمر: كانوا خمسة.
قلت: في نظره نظر، لأنه لا يخرج عن كونه خبر واحد، وقبول خبر الواحد ووجوب العمل به
قول من يعتد به في الإجماع.
الثاني: فيه أن الكفار يدعون إلى الإسلام قبل القتال، وإنه لا يحكم بإسلام الكافر إلاَّ
بالنطق بالشهادتين، وهذا مذهب أهل السنة لأن ذلك أصل الدين الذي لا يصح شيء من
فروعه إلا به.
الثالث: فيه أن الصلوات الخمس فرض في كل يوم وليلة خمس مرات.
الرابع: فيه أن الزكاة فرض.
الخامس: فيه استدلال بعضهم على عدم جواز نقل الزكاة عن بلد المال، لقوله معد له
((وترد على فقرائهم))، قلت: هذا الاستدلال غير صحيح، لأن الضمير في ((فقرائهم))، يرجع
إلى فقراء المسلمين، وهو أعم من أن يكون من فقراء أهل تلك البلدة أو غيرهم، وقال
الطيبي: اتفقوا على أنها إذا نقلت وأديت يسقط الفرض عنه، إلاَّ عمر بن عبد العزيز فإنه رد
صدقة نقلت من خراسان إلى الشام إلى مكانها من خراسان.
السادس: أن الخطابي قال فيه: يستدل لمن يذهب إلى أن الكفار غير مخاطبين
بشريعة الدين، وإنما خوطبوا بالشهادة فإذا أقاموها توجهت عليهم بعد ذلك الشرائع والعبادات،
لأنه معَّ اللّهِ قد أوجبها مرتبة وقدم فيها الشهادة، ثم تلاها بالصلاة والزكاة، وقال النووي: هذا
الاستدلال ضعيف، فإن المراد علمهم بأنهم مطالبون بالصلاة وغيرها في الدنيا، والمطالبة في
الدنيا لا تكون إلاَّ بعد الإسلام، وليس يلزم من ذلك أن لا يكونوا مخاطبين بها يزاد في
عذابهم بسببها في الآخرة، ثم قال: اعلم أن المختار أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة
المأمور به والمنهي عنه، هذا قول المحققين والأكثرين، وقيل: ليسوا مخاطبين، وقيل:
مخاطبون بالمنهي دون المأمور. قلت: قال شمس الأئمة في كتابه، في فصل بيان موجب
الأمر في حق الكفار: لا خلاف أنهم مخاطبون بالإيمان لأن النبي عَّ ◌َِّ بعث إلى الناس كافة
ليدعوهم إلى الإيمان، قال تعالى: ﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً﴾ [الأعراف:
١٥٨]. ولا خلاف أنهم مخاطبون بالمشروع من العقوبات، ولا خلاف أن الخطاب