Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٣٣)
البخاري، فهذا كما رأيت ما فسر البخاري النقع إلاَّ بالتراب. قال صاحب (التلويح): والذي
رأيت في سائر نسخ البخاري، الذي رأيته، يعني: فسر النقع بالتراب، وروى سعيد بن منصور
عن هشيم عن مغيرة عن إبراهيم قال: النقع الشق أي: شق الجيوب. وكذا قال وكيع فيما
رواه ابن سعد عنه. وقال الكسائي: هو صنعة الطعام في المأتم، وقال أبو عبيد النقيعة: طعام
القدوم من السفر، وفي (المجمل): النقع الصراخ. ويقال: هو النقيع. وفي (الصحاح): النقيع
الصراخ، ونقع الصوت واستنقع أي: ارتفع. وفي (الموعب): نقع الصارخ بصوته وأنقع إذا
تابعه. وفي (الجامع) و(الجمهرة): الصوت واختلاطه في حرب أو غيرها. وقال القزاز: اللقلقة
تتابع ذلك، كما تفعل النساء في المأتم وهو شدة الصوت. وقال ابن سيده عن ابن الأعرابي:
تقطيع الصوت، وقيل: الجلبة.
١٢٩١/٥٠ - حدّثنا أبُو نُعَيْم قال حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عُبَيْدٍ عَنْ عَلِيٌّ بنِ رَبِيعَةَ عنِ
المُغِيرَةِ رضي الله تعالى عنهُ قال سَمِعْتُ النبيُّ عَ لَّهِ يَقُولُ إِنَّ كَذِباً عَلَيَّ لَيْسَ كَّكَذِبٍ عَلَى
أَحَدٍ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ سَمِعْتُ النّبِيَّ عَُّلَّهِ يَقُولُ مَنْ نِيحَ عليه
يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ.
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: أبو نعيم، بضم النون: الفضل بن دكين. الثاني: سعيد
ابن عبيد الطائي أبو الهذيل. الثالث: علي بن ربيعة، بفتح الراء: الوالبي، بكسر اللام والباء
الموحدة، يكنى أبا المغيرة. الرابع: المغيرة بن شعبة.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في
موضعين. وفيه: القول في موضعين. وفيه: السماع. وفيه: أن رواته كلهم كوفيون. وفيه: أن
علي بن ربيعة ليس له في البخاري غير هذا الحديث. وفيه: أنه من الرباعيات. وفيه: سعيد
عن علي، قال بعضهم: وصرح في رواية مسلم بسماع سعيد عن علي ولفظه: حدثنا. قلت:
لم نر في مسلم ذلك إلاّ في مقدمته، وفي غيرها إنما هو بالعنعنة كما هو ههنا.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الجنائز أيضاً عن أبي بكر بن أبي شيبة وعن
علي بن حجر وعن ابن أبي عمر، وفي مقدمة كتابه: عن محمد بن عبد الله. وأخرجه
الترمذي فيه أيضاً عن أحمد بن منيع.
ذكر معناه: قوله: ((إن كذباً))، بفتح الكاف وكسر الذال، وبكسر الكاف وسكون
الذال، وكلاهما مصدر: كذب يكذب فهو كاذب وكذاب وكذوب وكيذوبا ومكذبان
ومكذبان ومكذبانة وكذبة، مثل: همزة، وكذبذب مخفف، وقد يشدد. والكذب خلاف
الصدق، وقد استوفينا الكلام فيه في كتاب العلم في: باب من كذب على النبي عَ لّهِ قوله:
((على أحد)) أي: غيري، قال الكرماني: فإن قلت: الكذب على غيره أيضاً معصية: ﴿ومن
يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها﴾ [النساء: ١٤]. الكذب عليه كبيرة

١٢٢
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٣٣)
لأنها على الصحيح ما توعد الشارع عليه بخصوصه، وهذا كذلك، بخلاف الكذب على
غيره فإنه صغيرة، مع أن الفرق ظاهر بين دخول النار في الجملة وبين جعل النار مسكناً
ومثوىّ، سيما وباب التفعيل يدل على المبالغة، ولفظ الأمر على الإيجاب، أو المراد بالمعصية
في الآية: الكبيرة أو الكفر بقرينة الخلود. قوله: ((فليتبوأ)) أي: فليتخذ له مسكناً في النار.
قوله: ((من ينح عليه))، بضم الياء آخر الحروف وفتح النون وسكون الحاء المهملة: من
النوح، وأصله يناح سقطت الألف علامة الجزم لأن: من، شرطية. وقوله: ((يعذب)) على صيغة
المجهول بالجزم لأنه جواب الشرط، ويجوز فيه الرفع على تقدير: فهو يعذب، وهذه رواية
الأكثرين. ويروى: ((من نيح عليه)) بكسر النون وسكون الياء وفتح الحاء: على صيغة
المجهول من الماضي، وفي رواية الكشميهني: ((من يناح))، ووجهها أن تكون: من، موصولة.
وفي رواية الطبراني عن علي بن عبد العزيز عن أبي نعيم بلفظ: ((إذا نيح على الميت عذب
بالنياحة عليه)). قوله: ((بما نيح عليه)) الباء للسببية، و: ما، مصدرية أي: بسبب النوح عليه،
وهو بكسر النون عند الجميع، ويروى: ((ما نيح))، بغير الباء. قال بعضهم: على أن: ما،
ظرفية. قلت: في هذه الرواية تكون: ما، للمدة أي: يعذب مدة النوح عليه، ولا يقال: ما،
ظرفية، ويجوز أن يكون ((بما نيح)) حالاً، وما، موصولة أي: يعذب ملتبساً بما ندب عليه من
الألفاظ: يا جبلاه، يا كهفاه، ونحوهما على سبيل التهكم.
ومما يستفاد منه: أن النوح حرام بالإجماع لأنه جاهلي، وكان، عَ لٍّ، يشترط على
النساء في مبايعتهن على الإسلام أن لا ينحن، والباب دال على أن النهي عن البكاء على
الميت إنما هو إذا كان فيه نوح، وأنه جائز بدونه، فقد أباح عمر، رضي الله تعالى عنه، لهن
البكاء بدونه، وشرط الشارع في حديث المغيرة أنه: ((يعذب بما نيح عليه)) يدل على أن
البکاء بدونه لا عذاب فيه.
ذكر الأحاديث الواردة في هذ الباب: وفي (التوضيح): وفي الباب عن خمسة عشر
صحابياً في لعن فاعله، والوعيد والتبري، ابن مسعود، وأبو موسى، ومعقل بن مقرن، وأبو
مالك الأشعري، وأبو هريرة، وابن عباس، ومعاوية، وأبو سعيد، وأبو أمامة وعلي، وجابر، وقيس
بن عاصم، وجنادة بن مالك، وأم عطية، وأم سلمة. وذكرهم بالعد دون بيان من استخرج
أحاديثهم، فنقول وبالله التوفيق: أما حديث ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه، عند البخاري
على ما يأتي، وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه. وحديث أبي موسى عند
البخاري أيضاً على ما يأتي. وحديث معقل بن مقرون عند الكجي في (السنن الكبير) بسند
صحيح عن عبد الله بن معقل بن مقرن: ((لعن رسول الله عَّلِ المرنة والشاقة جيبها واللاطمة
وجهها)). وحديث أبي مالك الأشعري عند مسلم من رواية أبي سلام: أن أبا مالك الأشعري
حدثه أن النبي عَ لِّ قال: ((أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب،
والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالأنواء، والنياحة. وقال: النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام
يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب)). ورواه ابن ماجه، ولفظه: ((النياحة من

١٢٣
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٣٣)
أمر الجاهلية، وأن النائحة إذا لم تتب قطع الله لها ثياباً من قطران ودرعاً من لهب النار)).
وحديث أبي هريرة عند الترمذي، قال: قال رسول الله عَ له: ((أربع في أمتي من أمر الجاهلية
ليس يدعهن الناس: النياحة .. )) الحديث، وتفرد به الترمذي. وحديث ابن عباس أخرجه ابن
مردويه في (تفسيره) بإسناده عنه. ﴿ولا يعصينك في معروف﴾ [الممتحنة: ١٢]. قال
((منعهن أن ينحن، وكان أهل الجاهلية يمزقن الثياب، ويخدشن الوجوه، ويقطعن الشعور،
ويدعوهن بالثبور)) والثبور الويل. وحديث معاوية أخرجه ابن ماجه: خطب معاوية بحمص،
فذكر في خطبته أن رسول الله عَّهِ: ((نهى عن النوح)). وحديث أبي سعيد الخدري أخرجه
أبو داود قال: قال رسول الله عَّ له: ((لعن الله النائحة والمستمعة)). وحديث أبي أمامة أخرجه
ابن ماجه: ((أن رسول الله، عَّ له، لعن الخامشة وجهها والشاقة جيبها والداعية بالويل والثبور)).
وحديث علي، رضي الله تعالى عنه، أخرجه ابن أبي شيبة في (مصنفه) عنه عن النبي، عَّ له،
أنه ((نهى عن النوح)). وحديث جابر، رضي الله تعالى عنه، أخرجه ابن أبي شيبة أيضاً عنه، أن
النبي، عَّ له، قال: ((إنما نهيت عن النوح)). وحديث قيس بن عاصم أخرجه النسائي عنه قال:
((لا تنوحوا علي فإن رسول الله عٍَّ لم ينح عليه)). وحديث جنادة بن مالك أخرجه الطبراني
عنه، قال: قال رسول الله، عَّله: ((ثلاث من فعل الجاهلية لا يدعهن أهل الإسلام: استسقاء
بالكواكب، وطعن في النسب، والنياحة على الميت)). وحديث أم عطية عند البخاري ومسلم
والنسائي. وحديث أم سلمة أخرجه ابن ماجه عنها عن النبي عَّةٍ ﴿ولا يعصينك في
معروف﴾ [الممتحنة: ١٢]. قال: النوح.
قلت: وفي الباب أيضاً عن امرأة من المبايعات، وعن عمر، وعن أنس، وعن عمرو بن
عوف، وابن عمر، وعمران بن حصين، والعباس بن عبد المطلب، وسلمان، وسمرة وامرأة أبي
موسى. فحديث امرأة من المبايعات أخرجه أبو داود عنها، قالت: ((كان فيما أخذ علينا رسول
الله عَّ في المعروف الذي أخذ علينا أن لا نعصيه فيه: أن لا نخمش وجهاً ولا ندعو ويلاً
ولا نشق جيباً وأن لا ننشر شعراً). وحديث عمر، رضي الله تعالى عنه، أخرجه البخاري
ومسلم والنسائي وابن ماجه. وحديث أنس أخرجه النسائي: ((أن رسول الله، عٍَّ، أخذ على
النساء حين بايعهن أن لا ينحن ... )) الحديث. وحديث عمرو بن عوف أخرجه الطبراني في
(الكبير): عن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله عَ له: «ثلاث
من أعمال الجاهلية لا يتركهن الناس: الطعن في الأنساب، والنياحة، وقولهم: مطرنا بنجم
كذا وكذا)). وحديث ابن عمر أخرجه البيهقي: ((أن رسول الله عَ ◌ّةٍ لعن النائحة والمستمعة
والحالقة والواشمة والمتوشمة، وقال: ليس للنساء في اتباع الجنائز أجر)). وحديث عمران بن
حصين أخرجه النسائي عنه، قال: ((الميت يعذب بنياحة أهله عليه، فقال له رجل: أرأيت
رجلاً مات بخراسان وناح أهله عليه ههنا أكان يعذب بنياحة أهله عليه؟ فقال: صدق رسول
الله عَّه وكذبت أنت)) وحديث ابن العباس بن عبد المطلب أخرجه الطبراني في الكبير عنه
قال ((أخذ رسول الله عَّالله بيدي، فقال: يا عباس، ثلاث لا يدعهن قومك: الطعن في النسب،

١٢٤
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِرِ / باب (٣٤)
والنياحة، والاستمطار بالأنواء)). وحديث سلمان أخرجه الطبراني عنه عن نبي الله عنه قال:
((ثلاثة من الجاهلية: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب والنياحة)). وحديث سمرة
أخرجه البزار عنه عن النبي عَّم قال: ((الميت يعذب بما نيح عليه)). وحديث امرأة أبي موسى
عند أبي داود، قالت: قال رسول الله عٍَّ: ((ليس منا من حلق ومن سلق ومن خرق)). قلت:
امرأة أبي موسى أم عبد الله، بنت أبي دومة. قوله: ((من حلق)) أي: شعره عند المصيبة إذا
حلت به. قوله: ((ومن سلق)، أي: رفع صوته عند المصيبة، وقيل: أن تصك المرأة وجهها،
وأن تخدشه ويقال: صلق بالصاد. قوله: ((ومن خرق))، بالخاء المعجمة أي: شق ثيابه عند
المصيبة.
١٢٩٢/٥١ - حدّثنا عَبْدَانُ قال أخبرني أبي عنْ شُعْبَةَ عنْ قَتَادَةَ عنْ سَعِيدِ بنِ
المُسَيَّبِ عنِ ابنِ عُمَرَ عنْ أبِيهِ رضي الله تعالى عنهما عن النبيِّ عَّ له قال المَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي
قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ. [أنظر الحديث ١٢٨٧ وطرفه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وعبدان هو عبد الله بن عثمان، وأبو عثمان ابن جبلة، بالجيم
والباء الموحدة المفتوحتين: ابن أبي رواد ابن أخي عبد العزيز بن أبي رواد البصري، وأبو رواد
اسمه: ثابت. قوله: ((عن سعيد بن المسيب)) ويروى: ((حدثنا سعيد بن المسيب)).
والحديث أخرجه مسلم، أي:، في الجنائز عن ابن المثنى، وعن ابن بشار، وأخرجه
النسائي، رحمه الله تعالى فيه عن عمرو بن علي. وأخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي
شيبة، وعن بندار ومحمد بن الوليد وعن نصر بن علي.
تابَعَهُ عَبْدُ الأَعْلَى قال حدثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْع قال حدَّثنا سَعِيدٌ قال حدَّثْنَا قَتَادَةُ. وقال آدَمُ
عنْ شُعْبَةَ المَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الحَيِّ عَلَيْهِ
أي: تابع عبدان عبد الأعلى بن حماد، قال: حدثنا يزيد - من الزيادة - ابن زريع،
مصغر زرع، قال: حدثنا سعيد هو ابن أبي عروبة، قال: حدثنا قتادة يعني: عن سعيد بن
المسيب، وقد وصله أبو يعلى في (مسنده) عن عبد الأعلى بن حماد كذلك. قوله: ((وقال
آدم))، هو ابن أبي إياس عن شعبة، يعني بإسناد حديث الباب، لكن بغير لفظ المتن وهو قوله:
((يعذب ببكاء الحي عليه)) وتفرد آدم بهذا اللفظ، وقد رواه أحمد عن محمد بن جعفر غندر
ويحيى بن سعيد القطان وحجاج بن محمد، كلهم عن شعبة كالأول، وكذا أخرجه مسلم
عن محمد بن بشار عن محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدث عن
سعيد بن المسيب عن ابن عمر عن عمر، رضي الله تعالى عنه عن النبي، عَّ له، قال: ((الميت
يعذب بما نيح عليه)).
٣٤ - بابٌ
أي: هذا باب، كذا وقع في رواية الأصيلي لفظ باب وحده كأنه بمنزلة الفصل من

١٢٥
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٣٤)
الباب الذي قبله، وليس بمذكور في رواية أبي ذر وكريمة.
٥٢ /١٢٩٣ - حدَّثنا علِيُّ بنُ عَبْدِ اللهِ قال حدثنا سُفْيَانُ قال حدثنا ابنُ المُنْكَدِرِ.
قال سَمِعْتُ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهما. قال جِيءَ بِأبِي يَوْمَ أُحُدٍ قَدْ مُثِّلَ بِهِ
حَتَّى وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْ رسولِ الله ◌ِعَّهِ وَقَدْ سُجِّيَ ثَوْباً فَذَهَبْتُ أَرِيدُ أنْ أَكْشِفَ عَنْهُ فَنَهَانِي
قوْمِي ثُمَّ ذَهَبْتُ أَكْشِفُ عَنْهُ فَتَهَانِي قَوْمِي فَأُمَرَ رسولُ الله عَلِّ فَرُفِعَ فَسَمِعَ صَوْتَ صائِحَةٍ
فقال مَنْ هُذِهِ فَقَالُوا ابْنَةُ عَمْرِو أوْ أُخْتُ عَمْرٍو قال فَلِمَ تَبْكِي أُوْ لاَ تَبْكِي فَمَا زَالَتِ المَلائِكَةُ
تُظِلُّهُ بِأْنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ. [أنظر الحديث ١٢٤٤ وطرفيه].
لما كان حديث هذا الباب المجرد على تقدير وجود الباب داخلاً في الباب الذي
قبله، المترجم بما يكره من النياحة على الميت، طابق ذكره ههنا لدخوله في ترجمة ذلك
الباب، فإن قوله عَّله: ((من هذه؟)) لما سمع صوت صائحة، إنكار في نفس الأمر، وإن لم
يصرح به. وقد ذكر هذا الحديث في أوائل باب الجنازة في: باب الدخول على الميت،
أخرجه عن محمد بن بشار عن غندر عن شعبة عن محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابر
ابن عبد الله ... إلى آخره. وهنا أخرجه عن علي بن عبد الله بن المديني عن سفيان بن عيينة
عن محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابراً.
قوله: ((قد مثل به))، جملة وقعت حالاً، ومثل، بضم الميم وتشديد الثاء المثلثة: من
التمثيل، يقال: مثل بالقتيل إذا جدع أنفه وأذنه أو مذاكيره أو شيء من أطرافه، والاسم:
المثلة، بضم الميم وسكون الثاء، ويجوز: مثل، بتخفيف الثاء، يقال: مثلت بالحيوان أمثله به
مثلاً. قال ابن الأثير: وأما مثل، بالتشديد، فهو للمبالغة. قوله: ((وقد سُجِّي)) أي: غطي من،
سجى يسجى تسجية، وانتصاب ثوباً بنزع الخافض أي: بثوب. قوله: ((أريد))، حال من
الضمير الذي في: ((ذهبت))، و:أن، مصدرية. قوله: ((أكشف عنه))، حال. قوله: ((فرفع)) على
صيغة المجهول، قوله: ((صائحة)) أي: امرأة صائحة. قوله: ((بنت عمرو))، هي عمة المقتول،
واسمها: فاطمة بنت عمرو، وعمرو جد جابر لأنه ابن عبد الله بن عمرو بن حرام - ضد
حلال - وقد صرح في: باب الدخول على الميت، بقوله: ((فجعلت عمتي فاطمة تبكي))،
ووقع في (الإكليل) للحاكم: أنها هند بنت عمرو، وقال بعضهم لعل لها اسمين أو أحدهما
اسمها والآخر لقبها. قلت: لا يلقب بالأسماء الموضوعة للمسميات، فإن صح ما في الإكليل
فيحمل على أنهما كانتا أختين وهما عمتا جابر: إحداهما تسمى فاطمة، والأخرى: تسمى
هنداً. قوله: ((أو أخت عمرو)) شك من الراوي، فإن كانت بنت عمرو تكون أخت المقتول
عمة جابر، وإن كانت أخت عمرو تكون عمة المقتول، وهو عبد الله. قوله: ((فلِمَ تبكي))
بكسر اللام وفتح الميم، استفهام عن الغائبة؟ قوله: ((أو لا تبكي))، شك من الراوي، وليس
باستفهام، بل هو نهي الغائبة، وحاصل المعنى: تبكي هذه المرأة عليه، أو لا تبكي فإن
الملائكة قد أظلته بأجنحتها، فلا ينبغي البكاء لأجله لحصول هذه المنزلة بل ينبغي أن يفرح
بذلك.

١٢٦
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٣٥)
٣٥ - بابٌّ لَيْسَ مِنَّا مَنْ شَقَّ الجُيُوبَ
أي: هذا باب يذكر فيه ليس منا من شق الجيوب، وإنما ذكر شق الجيوب في الترجمة
خاصة مع أن المذكور في حديث الباب ثلاثة أشياء تنبيهاً على أن النفي الذي حاصله التبري
يقع بكل واحد من الثلاثة، ولا يشترط وقوع المجموع. فإن قلت: الأشياء الثلاثة مذكورة
بالواو، وهو لمطلق الجمع. قلت: الواو بمعنى: أو، والدليل عليه ما رواه مسلم من حديث
مسروق عن عبد الله، رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله، عٍَّ: ((ليس منا من ضرب
الخدود أو شق الجيوب أو دعا بدعوى الجاهلية)). وله في رواية: بالواو، فإذا كانت روايتان
إحداهما بأو، والأخرى: بالواو، تحمل الواو على أو فإن قلت: ما وجه تخصيص شق
الجيوب من بين الثلاثة؟ قلت: هو أشد الثلاثة قبحاً وأبشعها، مع أن فيه خسارة المال في غير
وجه.
١٢٩٤/٥٣ - حدَّثنا أَبُو نُعَيْم قال حدثنا سُفْيَانُ قال حدثنا زُبَيْدٌ اليَامِيُّ عنْ إِبْرَاهِيمَ
عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهُ قال قال النبيُّ عَّ ◌َلِّ لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ
الخُدُودَ وشَقَّ الجُيُوبَ ودَعَا بِدَغْوَى الجَاهِلِيَّةِ. [الحديث ١٢٩٤ - أطرافه في: ١٢٩٧،
١٢٩٨، ٣٥١٩].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: أبو نعيم الفضل بن دكين. الثاني: سفيان الثوري.
الثالث: زبيد، بضم الزاي وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره دال: ابن
الحارث بن عبد الكريم اليامي، بالياء آخر الحروف وبعد الألف ميم مكسورة: من بني يام بن
رافع بن مالك من همدان، وفي رواية الكشميهني الأيامي، بهمزة في أوله، مر في: باب
خوف المؤمن، في كتاب الإيمان. الرابع: إبراهيم النخعي. الخامس: مسروق بن الأجدع.
السادس: عبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنهم.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في
ثلاثة مواضع. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: أن رواته كلهم كوفيون. وفيه: رواية
التابعي عن التابعي عن الصحابي، وإبراهيم رأى عائشة وسمع المغيرة، قاله ابن حبان.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في (مناقب قريش) عن
ثابت بن محمد عن سفيان. وأخرجه في الجنائز أيضاً عن بندار، وأخرجه مسلم في الإيمان
عن يحيى بن يحيى وعن أبي بكر بن أبي شيبة، وعن محمد بن عبد الله بن نمير، وعن عثمان
ابن جرير، وعن إسحاق وعلي بن خشرم، وأخرجه الترمذي في الجنائز عن محمد بن بشار
وبندار عن يحيى بن سعيد وعن إسحاق بن مسعود عن عبد الرحمن بن مهدي، كلاهما عن
سفيان به، وأخرجه النسائي فيه عن إسحاق بن منصور به، وأخرجه ابن ماجه فيه عن علي بن
محمد عن وكيع وعن محمد بن بشار عن يحيى وابن مهدي، ثلاثتهم عن سفيان به.

١٢٧
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٣٦)
ذكر معناه: قوله: ((ليس منا))، أي: ليس من أهل سنتنا ولا من المهتدين بهدينا،
وليس المراد الخروج به من الدين جملة، إذ المعاصي لا يكفر بها عند أهل السنة، أللهم إلاَّ
أن يعتقد حل ذلك، وسفيان الثوري أجراه على ظاهره من غير تأويل لأن إجراءه كذلك أبلغ
في الانزجار مما يذكر في الأحاديث التي صيغها: ليس منا. وقال الكرماني: هذا للتغليظ،
أللهم إلاَّ أن يفسر دعوى الجاهلية بما يوجب الكفر، نحو تحليل الحرام وعدم التسليم لقضاء
الله تعالى، فحينئذ يكون النفي حقيقة. وقال ابن بطال: معناه: ليس مقتدياً بنا ولا مستناً
بسنتنا. وقيل: معناه: ليس على سيرتنا الكاملة وهدينا. وقيل: معناه محمول على المستحل
لذلك. قوله: ((من لطم الخدود))، ويروى: ((من ضرب الخدود))، وهو جمع: خد، وخص
بذلك لكون اللطم أو الضرب غالباً يكون في الخد، وإلاَّ فضرب بقية الوجوه داخل في
ذلك. قوله: ((وشق الجيوب))، بضم الجيم: جمع: جيب وهو ما يفتح من الثوب ليدخل فيه
الرأس، وهو الطوق في لغة العامة. وقال بعضهم: المراد بشقه إكمال فتحه إلى آخره، وهي
من علامات التسخط، قلت: الشق أعم من ذلك، فمن أين أخذ أن المراد ما ذكره؟ فإذا شق
جيبه من ورائه أو من يمينه أو من يساره لا يكون داخلاً فيه. قوله: ((ودعا بدعوى الجاهلية»،
وفي رواية مسلم: ((بدعوى أهل الجاهلية))، وهي زمان الفترة قبل الإسلام، والمراد أنه قال في
البكاء مما يقوله أهل الجاهلية مما لا يجوز في الشريعة، كقولهم: واجبلاه واعضداه، ونحو
ذلك.
٣٦ _ بابٌ رَقَا النبيُّ عَ لِ سَعْدَ بنَ خَوْلَةً
أي: هذا باب في بيان رثاء النبي عَّله. الرثاء، بكسر الراء وتخفيف الثاء المثلثة
ممدوداً: من رثيت الميت مرثية إذا عددت محاسنه، ورثأت، بالهمزة: لغة فيه. ويروى: باب
رثى النبي، عَّ ◌ُلّه، سعد بن خولة، بلفظ الماضي، فعلى هذا لفظ: باب، منون مقطوع عن
الإضافة، ويروى: باب رثى النبي عَّه، بالقصر، و: سعد بن خولة منصوب على كل حال
على المفعولية، وفي الوجهين: المصدر مضاف إلى فاعله، وهو لفظ النبي مجرور بالإضافة.
وفي الوجه الثالث، وهو كونه ماضياً، يكون لفظ النبي مرفوعاً على الفاعلية، وذكر الكرماني
وجهاً آخر: وهو أن تكون الراء مفتوحة والثاء ساكنة وفي آخره ياء، مصدر من رثى يرثي رئیاً.
فإن قلت: روى أحمد وابن ماجه من حديث عبد الله بن أبي أوفى، قال: ((نهى رسول الله
عَّ لِ عن المرائي))، وصححه الحاكم فإذا نهي عنه كيف يفعله؟ قلت: ليس مراده من هذه
الترجمة أنه من باب المراثي وإنما هو إشفاق من النبي عَّله من موت سعد بن خولة بمكة بعد
هجرته منها، فكأنه توجع عليه وتحزن من ذلك، وهذا مثل قول القائل للحي: أنا أرثي لك
مما يجري عليك كأنه يتحزن له، وأيضاً فقد ذكر القرطبي أن الذي قال يرثى له رسول الله
عَِّ غير النبي عَّلِ هذا ظاهره، وقيل: هو من قول سعد بن أبي وقاص: جاء ذلك في بعض
طرقه، وأكثر الناس أن ذلك من قول الزهري، وسعد بن خولة، بفتح الخاء المعجمة وسكون
الواو: من بني عامر بن لؤي، وقيل: حليف لهم، وقيل: مولى ابن أبي رهم العامري من

١٢٨
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٣٦)
السابقين، بدري توفي عن سبيعة الأسلمية سنة عشر بمكة.
١٢٩٥/٥٤ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ عامِرٍ
ابن سَعْدِ بنِ أبِي وَقَّاصٍ عنْ أبِيهِ رضي الله تعالى عنهُ قال كانَ رَسولُ اللهِ عَ ◌ّه يَعُودُنِي عامٍ
حَّةِ الوَدَاعِ مِنْ وَجَعِ اشْتَدَّ بِي فَقُلْتُ إِنِّي قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الوَجَعِ وَأَنا ذو مال وَلاَ يَرِثُنِي إلاّ
اثْنَةٌ أَفْتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالي قالَ لاَ فَقُلْتُ بِالشَّطْرِ فَقَالَ لاَ ثُمَّ قال الثُّلُثُ وَالثّلُثُ كَبِيرٌ أَوْ كَثِيرٌ
إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةٌ يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقةٌ تَبْتَغِي
وَجْهَ الله إلاَّ أُجِرْتَ بِهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي في امْرَأْتِكَ فَقُلْتُ يا رَسولَ اللهِ أُخَلَّفُ بَعْدٌ
أَصْحَابِي. قالَ إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلاً صالِحاً إلاَّ ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةٌ وَرِفْعَةً ثُمَّ لَعَلَّكَ أَنْ
تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ اللَّهُمَّ أَمْضٍ لِأَضْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلاَ تَرُدُّهُمْ
عَلَى أعْقَائِهِم لَكِنِ البَائِسُ سَعْدُ بنُ خَوْلَةَ يَرْنِي لَهُ رسولُ اللهِ عَلَّهِ أَنْ مَاتٍ بِمَكّةَ. [أنظر
الحديث ٥٦ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((لكن البائس سعد بن خولة .. )) إلى آخره، هذا التطابق إنما
يوجد إذا كان الذي يرثي سعد بن خولة هو رسول الله عَ ليه. وإما إذا كان غيره، كما ذكرنا،
فلا تطابق إلاَّ إذا قلنا: إنه من النبي عَّ له، وأن المعنى: هو الإشفاق والتوجع وإظهار التحزن
کما ذکرنا.
ورجال الحديث قد تكرر ذكرهم وابن شهاب هو محمد بن مسلم بن شهاب
الزهري، وعامر وسعد تقدما في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري في عشرة مواضع: في
المغازي عن أحمد بن يونس، وفي الدعوات عن موسى بن إسماعيل، وفي الهجرة عن يحيى
ابن قزعة، وفي الطب عن موسى بن إسماعيل، وفي الفرائض عن أبي اليمان، وفي الوصايا عن
أبي نعيم، وفي النفقات عن محمد بن كثير، وفي الوصايا أيضاً عن محمد بن عبد الرحيم
عن زكريا بن عدي، وفي الطب أيضاً عن مكي بن إبراهيم. وأخرجه مسلم في الوصايا عن
يحيى بن يحيى وعن قتيبة وأبي بكر بن أبي شيبة وعن أبي الطاهر بن السرح وحرملة بن
يحيى وعن إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد. وأخرجه أبو داود فيه عن عثمان بن أبي شيبة،
وأخرجه الترمذي فيه عن محمد بن يحيى. وأخرجه النسائي فيه عن عمرو بن عثمان وفي
عشرة النساء عن إسحاق بن إبراهيم وفي اليوم والليلة عن محمد بن سلمة. وأخرجه ابن
ماجه في الوصايا أيضاً عن هشام بن عمار والحسن بن أبي الحسن المروزي وسهل بن أبي
سهل الرازي، ثلاثتهم عن سفيان به.
ذكر معناه: قوله: ((يعودني)) من العيادة وهي الزيارة. ولا يقال ذلك إلاَّ لزيارة المريض.
قوله: ((عام حجة الوداع))، نصب على الظرف، وهي السنة العاشرة من الهجرة، وسميت
حجة الوداع لأنه ودعهم فيها. وسمي أيضاً البلاغ، لأنه قال: هل بلغت؟ وحجة الإسلام:

١٢٩
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٣٦)
لأنها الحجة التي فيها حج الإسلام ليس فيها مشرك، هذا قول الزهري. وقال سفيان بن
عيينة: كان ذلك يوم فتح مكة حين عاد، عَُّلّهِ، سعداً. وهو من أفراده. وقال البيهقي: خالف
سفيان الجماعة، فقال: عام الفتح، والصحيح في حجة الوداع. قوله: ((من وجع))، الوجع اسم
لكل مرض. قال الجوهري: الوجع المرض، والجمع: أوجاع ووجاع، مثل جبل وأجبال
وجبال، ووجع فلان يوجع وييجع ويأجع فهو وجع، وقوم وجعون ووجعى، مثل: مرضى
ووجاعى، ونساء وجاعى أيضاً ووجعات، وبنو أسد يقولون: ييجع، بكسر الياء. قوله: ((اشتد
بي)) أي: قوي علي. قوله: ((قد بلغ بي)) أي: بلغ أثر الوجع في، ووصل غايته وفي رواية:
((أشفيت منه على الموت)) أي: قاربت، ولا يقال: أشفى، إلاّ في الشر، بخلاف أشرف،
وقارب. قوله: ((ولا ترثني إلاَّ ابنة)) اسمها: عائشة، كذا ذكرها الخطيب وغيره، وليست
بالتي روى عنها مالك، تيك أخت هذه، وهي تابعية وعائشة لها صحبة، وكان قد زعم بعض
من لا علم عنده أن مالكاً تابعي بروايته عنها، وليس كذلك. وقوله: ((إلاَّ ابنة لي)) أي: من
الولد وخواص الورثة، وإلاّ فقد كان له عصبة. وقيل: معناه لا يرثني من أصحاب الفروض
سواها. وقيل: من النساء، وهذا قاله قبل أن يولد له الذكور. قوله: ((أفأتصدق بثلثي مالي؟))
الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار، ويحتمل أن يريد به منجزاً أو معلقاً، بما بعد
الموت، وفي رواية للبخاري تأتي ((أفأوصي)) يدل: ((أفأتصدق؟)). قوله: ((قال: لا)) أي: قال
النبي عَّ: لا تتصدق بالثلثين. قوله: ((فقلت: بالشطر؟)) أي: أتصدق بالشطر. أي:
بالنصف؟بدليل رواية أخرى للبخاري تأتي: ((فأوصي بالنصف)) ويروى: ((فالشطر؟)) بالفاء ورفع
الشطر. فإن قلت: بماذا ارتفاع: فالشطر؟ قلت: مرفوع على الابتداء، وخبره محذوف، تقديره:
فالشطر أتصدق به.
قوله: ((ثم قال: الثلث، والثلث ... )) يجوز في الثلث الأول النصب والرفع، فالنصب
على الإغراء أو على تقدير: أعط الثلث، والرفع على أنه فاعل، أي: يكفيك الثلث، أو على
أنه مبتدأ محذوف الخبر أو عكسه. والثلث الثاني: مبتدأ، و: كثير، خبره، وهو: بالثاء المثلثة
وقوله: كبير، بالباء الموحدة. قوله: ((إنك إن تذر)) أي: إن تترك، وهذا من الذي أميت
ماضيه. قال عياض: رويناه بفتح الهمزة وكسرها. وكلاهما صحيح، وقال ابن الجوزي:
سمعناه من رواة الحديث بكسر: إن، وقال لنا عبد الله بن أحمد النحوي: إنما هو بفتح
الألف، ولا يجوز الكسر، لأنه لا جواب له. وقال القرطبي: روايتنا بفتح الهمزة، وقد وهم من
كسرها بين أن جعلها شرطاً لا جواب له، أو يبقى خيراً لا رافع له. وقال بعضهم: ولا يصح
كسرها لأنها تكون شرطية، والشرط لما يستقبل وهو فقد كان فات. انتهى. قلت: التحقيق
فيه ما قاله ابن مالك: إن الأصل: إن تركت ورثتك أغنياء فهو خير لك، فحذف الفاء،
والمبتدأ ونظيره قوله عَّ لأبي بن كعب: ((فإن جاء صاحبها وإلاَّ فاستمتع بها)). وقوله:
لهلال بن أمية: ((البينة وإلاَّ حدٍّ في ظهرك))، وذلك مما زعم النحويون أنه مخصوص
بالضرورة، وليس مخصوصاً بها، بل يكثر استعماله في الشعر ويقل في غيره. ومن خص هذا
عمدة القاري / ج ٨ / ٩٢

١٣٠
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٣٦)
الحذف بالشعر حاد عن الطريق وضيق حيث لا تضييق.
قوله: ((عالة)) أي: فقراء، وقال ابن التين: العالة، جمع عائل، وقيل: العائل الكثير العيال،
حكاه الكسائي وليس بمعروف، بل العائل الفقير. وقيل: العيل والعالة الفقر. قوله: ((يتكففون
الناس)) أي: يطلبون الصدقة من أكف الناس وقيل: يسألونهم بأكفهم. قوله: ((وإنك لن تنفق))
عطف على قوله: ((إنك إن تذر))، وهو علة للنهي عن الوصية بأكثر من الثلث، كأنه قيل: لا
تفعل لأنك إن مت وتذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم فقراء فإن عشت تصدقت بما بقي
من الثلث وأنفقت على عيالك يكن خيراً لك. قوله: ((إلاَّ أجرت)) على صيغة المجهول.
قوله: ((بها))، أي: بتلك النفقة. قوله: ((حتى ما تجعل)) أي: الذي تجعله. قال ابن بطال:
تجعل، برفع اللام، و: ما، كافة كفت: حتى عن عملها. قوله: ((في في امرأتك)) أي: في
فم امرأتك، وأصل فم: فوه، لأن الجمع: أفواه، وعند الإفراد لا يحتمل الواو التنوين فحذفوها
وعوضوا من الهاء ميماً، وقالوا: هذا فم وفمان وفموان، ولو كان الميم عوضاً من الواو لما
اجتمعا. قوله: ((أخلف)) على صيغة المجهول، يعني أخلف في مكة بعد أصحابي المهاجرين
المنصرفين معك؟ قال أبو عمر: يحتمل أن يكون لما سمع النبي عَّه يقول: إنك لن تنفق
نفقة، وتنفق فعل مستقبل، أيقن أنه لا يموت من مرضه ذلك. أو أظن ذلك فاستفهمه: هل
يبقى بعد أصحابه؟ فأجابه عَّ الله بضرب من قوله: ((لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله)). وهو
قوله: ((إنك لن تخلف فتعمل عملاً صالحاً إلاَّ ازددت به رفعة ودرجة))، وقال القرطبي:
هذا الاستفهام إنما صدر من سعد، رضي الله تعالى عنه، مخافة المقام بمكة إلى الوفاة، فيكون
قادحاً في هجرته، كما نص عليه في بعض الروايات، إذ قال: ((خشيت أن أموت بالأرض التي
هاجرت منها)). فأجابه عَّه بأن ذلك لمن هاجر قبل الفتح، فأما من هاجر بعده فلا.
قوله: ((إلاَّ ازددت به)) أي: بالعمل الصالح. قوله: ((ثم لعلك أن تخلف)) المراد
بتخلفه طول عمره، وكان كذلك عاش زيادة على أربعين سنة، فانتفع به قوم وتضرر به
آخرون. وقال ابن بطال: لما أمر سعد على العراق أتى بقوم ارتدوا فاستتابهم فتاب بعضهم
وأصر بعضهم فقتلهم، فانتفع به من تاب وتضرر به الآخرون، وحكى الطحاوي هذا عن بكير
بن الأشج عن أبيه عن عامر أنه سأله عن معنى قول النبي عَِّ ذلك القول، وأن المرتدين
كانوا يسجعون سجعة مسيلمة، قال الطحاوي: ومثل هذا لم يقله عامر استنباطاً، وإنما هو
توقيف إما أن يكون سمعه من أبيه أو ممن يصلح له أخذ ذلك عنه، واعلم أن كلمة: لعل،
معناها للترجي إلاّ إذا وردت عن الله أو رسوله أو أوليائه، فإن معناها التحقيق. قوله: ((اللهم
أمض)) بقطع الهمزة، يقال: أمضيت الأمر أي أنفذته أي: تممها لهم ولا تنقصها عليهم
فيرجعون إلى المدينة. قوله: ((ولا تردهم على أعقابهم)) أي: بترك هجرتهم ورجوعهم عن
مستقيم حالهم المرضية، فيخيب قصدهم ويسوء حالهم. ويقال لكل من رجع إلى حال دون
ما كان عليه: رجع على عقبه، وحار. ومنه الحديث: ((أعوذ بك من الحور بعد الكور))، أي
من النقصان بعد الزيادة.

١٣١
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٣٦)
قوله: ((لكن البائس)) بالباء الموحدة، وفي آخره سين مهملة، وهو الذي عليه أثر
البؤس. أي: الفقر والعيلة، وقال الأصيلي: البائس الذي ناله البؤس، وقد يكون بمعنى مفعول،
كقوله: ﴿عيشة راضية﴾ [الحاقة: ٢١، القارعة: ٧]. أي: مرضية. قوله: ((سعد بن خولة))،
مرفوع لأنه خبر لقوله: ((البائس))، وعامة المؤرخين يقولون: ابن خولة، إلاّ أبا معشر، فإنه يقول:
ابن خولى، وقال ابن التين: خولة، ساكنة الواو عند أهل اللغة والعربية، وكذا رواه بعضهم.
وقل الشيخ أبو الحسن: ما سمعنا قط أحداً قرأه إلا بفتحها، والمحدثون على ذلك، قيل: إنه
أسلم ولم يهاجر من مكة حتى مات بها، وذكره البخاري فيمن هاجر وشهد بدراً وغيرها،
وتوفي بمكة في حجة الوداع كما ذكرناه. قوله: ((يرثي له)) أي: يرق له ويترحم عليه رسول
الله عَّهِ. قوله: ((إن مات))، بفتح الهمزة أي: لأنه مات بالأرض التي هاجر منها، وهذا كلام
سعد بن أبي وقاص، صرح به البخاري في كتاب الدعوات. وقال ابن بطال: وأما: ((يرثي له
عَّه)) فهو كلام الزهري، وهو تفسير لقوله عَّه: ((لكن البائس سعد بن خولة))، أي: رثى له
حين مات بمكة، وكان يهوى أن يموت بغيرها.
ذكر ما يستفاد منه: قال أبو عمر: هذا حديث اتفق أهل العلم على صحة سنده،
وجعله جمهور الفقهاء أصلاً في مقدار الوصية وأنه لا يتجاوز بها الثلث، إلاَّ أن في بعض
ألفاظه اختلافاً عند نقلته، فمن ذلك ابن عيينة، قال فيه عن الزهري: عام الفتح، انفرد بذلك
عن ابن شهاب فيما علمت، وقد روينا هذا الحديث من طريق معمر ويونس بن يزيد وعبد
العزيز بن أبي سلمة ويحيى بن سعيد الأنصاري وابن أبي عتيق وإبراهيم بن سعد، فكلهم قال:
عن ابن شهاب: عام حجة الوداع، كما قال مالك، وكذلك قال شعيب، قال ابن المنذر:
الذين قالوا: حجة الوداع، أصوب. قال أبو عمر: وكذا رواه عفان بن مسلم عن وهيب بن
خالد عن عبد الله بن عثمان عن عمرٍو بن القاريء ((أن رسول الله عَ لّ قدم مكة عام الفتح
فخلف سعداً مريضاً حتى خرج إلى حنين، فلما قدم من الجعرانة معتمراً دخل عليه وهو
وجع مغلوب، فقال سعد: يا رسول الله إن لي مالاً .... )) الحديث، والعمل على هذا الحديث
أن أهل العلم لا يرون أن يوصي الرجل بأكثر من الثلث، ويستحبون أن ينقص من الثلث.
وقال الثوري: كانوا يستحبون في الوصية الخمس بعد الربع، والربع دون الثلث، فمن أوصى
بالثلث فلم يترك شيئاً، فلا يجوز له إلاَّ الثلث، وأجمع علماء المسلمين على أنه لا يجوز
لأحد أن يوصي بأكثر من ثلثه إذا ترك ورثة من بنين وعصبة، واختلفوا إذا لم يتركهما ولا
وارثاً بنسب أو نكاح، فقال ابن مسعود: إذا كان كذلك جاز له أن يوصي بماله كله، وعن أبي
موسى مثله، وقال بقولهما قوم، منهم: مسروق وعبيدة وإسحاق، واختلف في ذلك قول
أحمد، وذهب إليه جماعة من المتأخرين ممن لا يقول بقول زيد بن ثابت في هذه المسألة.
وعن عبيدة: إذا مات الرجل وليس عليه عقد لأحد ولا عصبة ترثه فإنه يوصي بماله
كله حيث شاء. وعن مسروق وشريك، مثله. وعن الحسن وأبي العالية مثله، ذكره في
(المصنف) قال القرطبي: وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق ومالك في أحد

١٣٢
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٣٦)
قوليهما. وقال زيد بن ثابت: لا يجوز لأحد أن يوصي بأكثر من ثلثه إذا كان له بنون أو ورثة
كلالة أو ورث جماعة المسلمين، لأن بيت مالهم عصبة من لا عصبة له، وإليه ذهب
جماعة. وأجمع فقهاء الأمصار أن الوصية بأكثر من الثلث إذا أجازها الورثة جازت، وإن لم
تجزها الورثة لم يجز منها إلاَّ الثلث. وأبى ذلك أهل الظاهر فمنعوها وإن أجازتها الورثة، وهو
قول عبد الرحمن بن كيسان، وكذلك قالوا: إن الوصية للوارث لا تجوز، وإن أجازها الورثة
الحديث: ((لا وصية لوارث))، وسائر الفقهاء يجيزون ذلك إذا أجازها الورثة، ويجعلونها هبة.
وفي الحديث دلالة على أن الثلث هو الغاية تنتهي إليها الوصية، وإن التقصير عنه أفضل.
وكره جماعة من أهل العلم الوصية بجميع الثلث. قال طاوس: إذا كانت ورثته قليلاً
وماله كثيراً فلا بأس إن يبلغ الثلث، واستحب طائفة الوصية بالربع، وهو مروي عن ابن عباس.
وقال إسحاق: السنة الربع، لقوله عَ لَّهِ: ((الثلث كثير ... )) إلاَّ أن يكون رجل يعرف في ماله
شبهة، فيجوز له الثلث. قال أبو عمر: لا أعلم لإسحاق حجة في قوله: السنة الربع، وقال ابن
بطال: أوصى عمر، رضي الله تعالى عنه، بالربع. واختار آخرون السدس، وقال إبراهيم: كانوا
يكرهون أن يوصوا بمثل نصيب أحد الورثة حتى يكون أقل، رواه عنه ابن أبي شيبة بسند
صحيح، وكان السدس أحب إليه من الثلث. وأوصى أنس، فيما ذكره في (المصنف) من
حديث عبادة الصيدلاني عن ثابت عنه، بمثل نصيب أحد ولده، وأجاز آخرون العشر، وعن
أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، أنه يفضل الوصية بالخمس، وبذلك أوصى، وقال: رضيت
لنفسي ما رضي الله لنفسه: يعني خمس الغنيمة.
واستحب جماعة الوصية بالثلث محتجين بحديث الباب، وبحديث ضعيف رواه ابن
وهب عن طلحة بن عمرو، وتفرد بذكره مع ضعفه عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي عد له:
((جعل الله لكم في الوصية ثلث أموالكم زيادة في أعمالكم)). وفيه جواز ذكر المريض ما
يجده لغرض صحيح من مداواة أو دعاء أو وصية أو نحو ذلك، وإنما يكره من ذلك ما كان
على سبيل التسخط ونحوه، فإنه قادح في أجر مرضه.
وفيه: في قوله: ((أفأتصدق مالي كله؟)) في رواية إن صحت حجة قاطعة لما ذهب
إليه جمهور أهل العلم في هبات المريض وصدقته وعتقه، أن ذلك من ثلثه لا من جميع ماله،
وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ومالك والليث والأوزاعي والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق
وعامة أهل الحديث والرأي، محتجين بحديث عمران بن حصين في الذي أعتق ستة أعبد،
في مرضه ولا مال له غيرهم، ثم توفي فأعتق رسول الله عَّه منهم اثنين وأرق أربعة، وقالت
فرقة من أهل النظر وأهل الظاهر، في هبة المريض؛ إنها من جميع المال، وقال ابن بطال: هذا
القول لا نعلم أحداً من المتقدمين قال به، وقال أبو عمر: قد قال بعض أهل العلم إن عامر بن
سعد هو الذي قال في حديث سعد: ((أفأتصدق)) وأما مصعب بن سعد فإنما قال: أفأوصي،
ولم يقل: أفأتصدق، قال أبو عمرو: الذي أقوله أن ابن شهاب رواه عن سعد، فقال: أفأوصي؟
كما قال مصعب وهو الصحيح إن شاء الله تعالى، وقد روى شعبة والثوري عن سعد بن

١٣٣
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٣٧)
إبراهيم عن عامر عن سعد: أفأوصي بمالي كله؟ وكذا روى عبد الملك بن عمير عن مصعب.
وفيه: استحباب عيادة المريض للإِمام وغيره. وفيه: إباحة جمع المال وأنه لا عيب في
ذلك كما يدعيه بعض المتصوفة. وفيه: الحث على صلة الرحم والإحسان إلى الأقارب
واستحباب الإنفاق في وجوه الخير، وأن الأعمال بالنيات وأن المباح إذا قصد به وجه الله
صار طاعة، ويثاب به، وقد نبه عليه بأحسن الحظوظ الدنيوية التي تكون في العادة عند
المداعبة، وهو وضع اللقمة في فم الزوجة، فإذا قصد بأبعد الأشياء عن الطاعة وجه الله تعالى
فيحصل به الأجر، فغيره بالطريق الأولى. فإن قلت: ما الحكمة في تخصيص ذكر الزوجة
دون غيرها؟ قلت: لأن زوجة الإنسان من أخص حظوظه الدنيوية وشهواته. وفيه: من أعلام
نبوته، عَّ له، حيث أطلعه الله تعالى: أن سعداً لا يموت حتى يخلف جماعة، كما أطلعه أنه لا
يموت حتى ينتفع به قوم ويتضرر به آخرون، على ما ذكرناه، حتى إنه عاش وفتح العراق
وغيره. وفيه: أن الإنفاق إنما يحصل فيه الأجر إذا أريد به وجه الله، والنفقة على العيال تحتمل
وجهين. الأول: أن يكون المعنى يكتب له بذلك أجر الصدقة. الثاني: أنه لما أراد أن
يتصدق بماله أخبره أن ما يناله العيال فيه أجر كما في الصدقة. قال القرطبي: يفيد منطوقه أن
الأجر في النفقات لا يحصل إلاَّ بقصد القربة، وإن كانت واجبة، ومفهومه أن من لم يقصد
القربة لم يؤجر على شيء منها، والمعنيان صحيحان، وهل إذا أنفق نفقة واجبة على الزوجة
أو الولد الفقير، ولم يقصد التقرب هل تبرأ ذمته أم لا؟ فالجواب أنها تبرأ ذمته من المطالبة،
لأن وجوب النفقة من العبادات المعقولة المعنى، فتجزىء بغير نية: كالديون وأداء الأمانات
وغيرها من العبادات، لكن إذا لم ينو لم يحصل له أجر. وفيه: فضيلة طول العمر، للازدياد من
الخير. وفيه: وجوب استدامة حكم الهجرة، ولكنه ارتفع يوم الفتح، واستبعد القاضي عياض
ارتفاع حكم الهجرة بعد الفتح، قال: وحكمه باق بعد الفتح لهذا الحديث. وقيل: إنما لزم
المهاجرين المقام بالمدينة بعد الهجرة لنصرة النبي عّ لّ وأخذ الشريعة عنه وشبه ذلك، فلما
مات ارتحل أكثرهم منها. وقال عياض: قيل لا يحبط أجر هجرة المهاجر بقاؤه بمكة وموته
بها إذا كان لضرورة، وإنما يحبطه ما كان بالاختيار، وقال قوم: المهاجر بمكة تحبط هجرته
كيف ما كان، وقيل: لم تفرض الهجرة إلاَّ على أهل مكة خاصة. وفيه: أن طلب الغني
للورثة أرجح على تركهم عالة، ومن هنا أخذ ترجيح الغني على الفقير. وفيه: جواز تخصيص
عموم الوصية المذكورة في القرآن بالسنة، وهو قول الجمهور، والله أعلم.
٣٧ - بابُ ما يُنْهِى مِنَ الحَلْقِ عِنْدَ المُصِيبَةِ
أي: هذا باب في بيان ما ينهى من الحلق، وكلمة: ما، يجوز أن تكون موصولة،
ويجوز أن تكون مصدرية.
... /١٢٩٦ - قالَ الحَكَمُ بنُ مُوسى حدَّثنا يَحيى بنُ حَمْزَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ
جابِرٍ أَنَّ القَاسِمَ بنَ مِخَيْمِرَةَ حدَّثَهُ. قال حدَّثني أبُو بُرْدَةَ بنُ مُوسى رضي الله تعالى عنهُ قال

١٣٤
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٣٧)
وَجِعَ أَبُو مُوسى وَجَعاً فَغُشِيَ عليهِ وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا
شَيْئاً فَلَمَّا أَفَاقَ قال أنا بَرِىءٌ مِمَّنْ بَرِىءَ مِنْهُ رسولُ اللهِ عَ لَّه إِنَّ رسولَ الله عَ ◌ّهِ بَرِيٌ مِنَ
الصَّالِقةِ وَالحالِقَةِ والشَّاقَّةِ.
مطابقته للترجمة في قوله: ((والحالقة))، وإنما خص الحلق بالذكر، وإن كان حديث
الباب مشتملاً على ثلاثة أشياء لكونه أبشعها في حق النساء.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: الحكم، بفتحتين: ابن موسى أبو صالح القنطري،
بفتح القاف وسكون النون الزاهد، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائتين. الثاني: يحيى بن حمزة
أبو عبد الرحمن قاضي دمشق، مات سنة ثمانين ومائة. الثالث: عبد الرحمن بن جابر هو عبد
الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي، مات سنة أربع وخمسين ومائة. الرابع: القاسم بن مخيمرة،
بضم الميم وفتح الخاء المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وبالراء: أبو عروة. الخامس: أبو
بردة، بضم الباء الموحدة، واسمه: عامر. وقيل: الحارث. السادس: أبوه، أبو موسى
الأشعري، واسمه: عبد الله بن قيس.
ذكر لطائف إسناده: فيه: أنه صدر الحديث بقوله: قال الحكم، بدون التحديث أو
الإخبار، ووقع في رواية أبي الوقت: حدثنا الحكم، قال بعضهم: هو وهم فإن الذين جمعوا
رجال البخاري في (صحيحه) أطبقوا على ترك ذكره في شيوخه، فدل على أن الصواب رواية
الجماعة بصيغة التعليق. قلت: قيل: روى عنه ويؤيده رواية أبي الوقت والدارقطني أيضاً ذكر
الحكم والقاسم ابن مخيرمة فيمن خرج لهما البخاري، وقال ابن التين: إنما لم يسنده البخاري
لأنه لا يخرج للقاسم بن مخيمرة، وزعم بعضهم أنه لا يخرج للحكم أيضاً إلاَّ هكذا غير
محتج بهما. وفيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد وبصيغة الإفراد في موضعين.
وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: القول في أربعة مواضع لأن في بعض النسخ: قال، وقال
الحكم: أي: قال البخاري: قال الحكم. وفيه: أن الحكم بغدادي ويحيى بن حمزة شامي
بيتلهي من أهل بيت لهيا، قرية بالقرب من دمشق، كان قاضياً بدمشق، وعبد الرحمن أيضاً
شامي، والقاسم كوفي سكن الشام وأبو بردة كوفي. وفيه: رواية الابن عن الأب، وفيه: من
هو مذكور باسم جده. وفيه: من هو مذكور بكنيته، مختلف في اسمه.
وهذا التعليق وصله مسلم، رحمه الله تعالى، في كتاب الإيمان فقال: حدثنا الحكم بن
موسى القنطري، قال: حدثنا يحيى بن حمزة عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر أن القاسم بن
مخيمرة حدثه، قال: حدثني أبو بردة بن أبي موسى الحديث، وكذا وصله ابن حبان، رضي
الله تعالى عنه، فقال: أخبرنا أبو يعلى حدثنا الحكم .. إلى آخره.
ذكر معناه: قوله: ((وجع أبو موسى))، بكسر الجيم، أي: مرض. قوله: ((وجعاً))، بفتح
الجيم أيضاً مصدر، وقد مر الكلام فيه عن قريب، ويروى: ((وجعاً شديداً)). قوله: ((فأغمي
عليه))، ويروى ((فغشي عليه)). قوله: ((ورأسه في حجر امرأة))، الواو فيه للحال، والحجر،

١٣٥
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٣٨)
بفتح الحاء وكسرها. وقال الجوهري: جمعه حجور. وفي (المحكم): حجره وحجره:
حضنه، وفي رواية لمسلم: ((أغمي على أبي موسى وأقبلت امرأته أم عبد الله تصيح برنة .. ))
وذكر في كتاب النسائي إمرأة أبي موسى هي: أم عبد الله بنت أبي دومة، وذكر عمر بن شبة
في (تاريخ البصرة) أن اسمها: صفية بنت دمون، وأنها والدة أبي بردة بن موسى، وأن ذلك
وقع حيث كان أبو موسى أميراً على البصرة من قبل عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه.
قوله: ((إني بريء)) وفي رواية الكشميهني: ((أنا بريء))، وكذا في رواية مسلم. قوله: ((ممن
برىء منه محمد))، ويروى: ((ممن برىء منه رسول الله عٍَّ)) وأصل البراءة: الانفصال، وهو
يحتمل أن يراد به ظاهره، وهو البراءة من فاعل ذلك الفعل، وقال المهلب بريء منه، أي: أنه
لم يرض بفعله فهو منه بريء في وقت ذلك الفعل، لا أنه بريء من الإسلام. قوله: ((من
الصالقة))، الصالقة والسالقة لغتان هي التي ترفع صوتها عند المصيبة. وفي (المحكم):
الصلقة والصلق والصلق: الصياح، والولولة، وقد صلقوا وأصلقوا، وصوت صلاق ومصلاق
شديد. وعن ابن الأعرابي: الصلق ضرب الوجه. قوله: ((والحالقة)) التي: تحلق شعرها. قوله:
((والشاقة)) التي: تشق ثيابها عند المصيبة. وفي رواية لمسلم من طريق أبي صخرة: ((أنا بريء
ممن حلق وسلق وخرق)). أي: حلق شعره، وسلق صوته، أي: رفعه، وخرق ثوبه. وقال
النووي: الندب والنياحة ولطم الخد وشق الجيب وخمش الوجه ونشر الشعر والدعاء بالويل
والثبور، كلها محرم باتفاق الأصحاب، ووقع في كلام بعضهم لفظ الكراهة؟ قلت: هذه كلها
حرام عندنا، والذي يذكره بالكراهة فمراده كراهة التحريم.
٣٨ - بابٌ لَيْسَ مِنَّ مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ
أي: هذا باب يذكر فيه عن النبي عَُّلِّ أنه قال: ليس منا من ضرب الخدود.
٥٥/ ١٢٩٧ - حدّثني مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قال حدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمنِ قال حدَّثنا سُفْيَانُ
عنِ الأعْمَشِ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مُرَّةَ عنْ مَشْرُوقٍ عنْ عَبْدِ الله رضي الله تعالى عنهُ عنِ النَّبِيِّ
عََّلَّهِ. قال لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ وَشَقَّ الجُيُوبَ ودَعَا بِدَغْوَى الجَاهِلِيَّةِ. [انظر
الحديث ١٢٩٤ وطرفيه].
مطابقته للترجمة فى قوله: ((من ضرب الخدود))، وحديث الباب مشتمل على ثلاثة
أشياء، وترجم هنا بالجزء الأول، كما ترجم في الباب الذي قبله ببابين بالجزء الثاني من هذا
الحديث بعينه، وقد ذكرنا هناك وجهه. وقد أخرجه هناك: عن أبي نعيم عن سفيان إلى آخره،
وههنا أخرجه: عن محمد بن بشار عن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن سليمان
الأعمش إلى آخره، وقد مر الكلام فيه هناك.
٣٩ _ بابُ ما يُنْهِى مِنَ الوَيْلِ وَدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ عِنْدَ المُصِيبَةِ
أي: هذا باب في بيان النهي من الويل، وكلمة: ما، مصدرية، والويل أن يقول عند

١٣٦
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٤٠)
المصيبة: واويلاه، هذه الترجمة مع حديثها ليست بموجودة عند الكشميهني، وثبتت عند
الباقين.
٥٦/ ١٢٩٨ - حدّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ قال حدَّثنا أبي قال حدَّثنا الأعْمَشُ عنْ عَبْدِ الله
ابن مُؤَّةَ عنْ مَشْرُوقٍ عنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله تعالى عنهُ. قال قال النبيُّ عَّ ◌َلَّهِ لَيْسَ مِنَّا منْ
ضَرَبَ الخُدُودَ وشَقَّ الجُيُوبَ ودَعَا بِدَعْوى الجَاهِلِيَّةِ. [أنظر الحديث ١٢٩٤ وطرفيه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ودعا بدعوى الجاهلية))، وهذا كما رأيت أخرج هذا
الحديث في ثلاثة مواضع، وترجم في كل موضع بجزء من أجزاء الحديث المذكور الثلاثة
مع مغايرة في السند، لأن شيخه في الأول: أبو نعيم، وفي الثاني: محمد بن بشار، وفي
الثالث: عمر بن حفص، والكل عن عبد الله بن مسعود. فإن قلت: ليس في الحديث ذكر
النهي من الويل؟ قلت: قال الكرماني: دعوى الجاهلية مستلزمة للويل، ولفظ: ليس منا،
للنهي. وقال بعضهم: كأنه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه، ففي حديث أبي أمامة
عند ابن ماجه، وصححه ابن حبان: ((إن رسول الله عَ ليه لعن الخامشة وجهها والشاقة جيبها
والداعية بالويل والثبور)). انتهى. قلت: الذي قاله الكرماني هو الأوجه لأن ذكر الترجمة
لحديث ليس بمذكور في كتابه ولا يعرف أيضاً هل هو اطلع عليه أم لا بعيد عن السداد.
٤٠ - بابُ مَنْ جَلَسَ عِنْدَ المُصِيبَةِ يُعْرَفُ فِيهِ الحُزْنُ
أي: هذا باب في بيان حال من جلس. كلمة: من، موصولة، أي: الذي جلس عند
حلول المصيبة. قوله: ((يعرف)، على صيغة المجهول أسند إلى قوله: ((الحزن))، والجملة في
محل النصب على الحال من الضمير الذي في: ((جلس))، والضمير الذي في: ((فيه)) يرجع
إلى قوله: ((من)) ولم يصرح البخاري بحكم هذه المسألة، ولكن يفهم من فعله عَ لَّه لأن
إظهار الحزن يدل على إباحته ولا يمنع من ذلك إلاّ إذا كان معه شيء من اللسان أو اليد.
١٢٩٩/٥٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قال حدَّثنا عَبْدُ الوَهَّابِ، قال سَمِعْتُ يَحْيَّى.
قال أخبرَتْنِي عَمْرَةُ قالَتْ سَمِعْتُ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ لَمَّا جاءَ النبيُّ عَِّ قَتْلُ
ابنِ حَارِثَةَ وَجَعْفَرٍ وَابْنٍ رَوَاحَةَ جَلَسَ يُعْرَفُ فِيهِ الحُزْنُ وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ صَائِرِ البَابِ شَقِّ التَّابِ
فأتَاهُ رَجُلٌ فقالَ إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ فأمَرَهُ أَنْ يَنْهَاهُنَّ فَذَهَبَ ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَّةَ لَمْ
يُطِعْنَهُ فقال انْهَهُنَّ فَأَتَاهُ الثَّالِئَةَ قال وَاللهِ غَلَيْتَنَا يا رسولَ الله فَزَعمَتْ أَنَّهُ قال فاحثُ فِي
أَقْوَاهِهِنَّ التَّرَابَ فَقُلْتُ أَرْغَمَ اللهِ أَنْفَكَ لَمْ تَفْعَلْ مَا أَمَرَكَ رسولُ اللهِ عَ لِّ ولَمْ تَتْرُكْ رسولَ الله
عَِّ مِنَ العَنَاءِ. [الحديث ١٢٩٩ - طرفاه في: ١٣٠٥، ٤٢٦٣].
مطابقته للترجمة في قوله: ((جلس يعرف فيه الحزن))، والترجمة قطعة من الحديث،
غير أنه زاد فيه: ((عند المصيبة)).
ورجاله قد ذكروا غير مرة، وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، ويحيى هو ابن سعيد

١٣٧
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٤٠)
الأنصاري.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الجنائز عن محمد
ابن عبد الله بن حوشب وفي المغازي عن قتيبة. وأخرجه مسلم في الجنائز عن محمد بن
المثنى وعن ابن أبي عمرو وعن أبي بكر بن أبي شيبة، وعن أبي الطاهر عن ابن وهب وعن
أحمد بن إبراهيم الدورقي، وأخرجه أبو داود فيه عن محمد بن كثير. وأخرجه النسائي فيه
عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب.
ذكر معناه: قوله: ((لما جاء النبي)) انتصاب: النبي، بأنه مفعول. وقوله: «قتل ابن
حارثة)) بالرفع فاعله، وابن حارثة: هو زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى بن
امرىء القيس الكلبي القضاعي، مولى رسول الله عَّه، وذلك أن أمه ذهبت تزور أهلها فأغار
عليهم خيل من بني القيس، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد فوهبته من
رسول الله عَّله، ثم وُجد أبوه فاختار المقام عند رسول الله عَ لله فأعتقه وتبناه فكان يقال:
زيد بن محمد، وكان رسول الله عَُّلِّ يحبه حباً شديداً. وقال السهيلي: باعوا زيداً بسوق
حباشة، وهو من أسواق العرب، وزيد يومئذ ابن ثمانية أعوام وأعتقه رسول الله عَ لَّه وزوجه
مولاته أم أيمن واسمها بركة، فولدت له أسامة بن زيد، وعن عائشة كانت تقول: ما بعث
رسول الله عَ لَّهِ زيد بن حارثة في سرية إلاَّ أمره عليهم، ولو بقي بعده لاستخلفه. رواه أحمد
والنسائي، وابن أبي شيبة: جيد قوي على شرط الصحيح وهو غريب جداً. قوله: ((وجعفر))،
هو ابن أبي طالب عم النبي عَّهِ، وكان أكبر من أخيه علي بعشر سنين، أسلم جعفر قديماً
وهاجر إلى الحبشة وقد أخبر عنه رسول الله عَّه بأنه شهيد، فهو ممن يقطع له بالجنة. قوله:
((وابن رواحة))، هو عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امريء القيس بن عمر، وأبو محمد، ويقال
أبو رواحة، أسلم قديماً وشهد العقبة وبدراً وأحداً والخندق والحديبية وخيبر، وقد شهد له
رسول الله، عَّه، بالشهادة فهو ممن يقطع له بالجنة، وقصة قتلهم: أن رسول الله، عَ لَّه
أرسلهم في نحو من ثلاثة آلاف إلى أرض البلقاء من أطراف الشام في جماد الأولى من سنة
ثمان، واستعمل عليهم زيداً وقال: إن أصيب زيد فجعفر على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد
الله بن رواحة على الناس، فخرجوا وخرج رسول الله، عَّ له، يشيعهم فمضوا حتى نزلوا معان
من أرض البلقاء، فبلغهم أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم،
وانضم إليهم من لخم وجذام والقين وبهراء ويلي مائة ألف، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال
لها: مؤتة، بضم الميم وبالهمز، وقيل: بلا همز، ثم تلاقوا فاقتتلوا، فقاتل زيد براية رسول الله
عَ بِّ حتى قتل، فأخذها جعفر فقاتل حتى قتل، وأخذها عبد الله بن رواحة. قال أنس، رضي
الله تعالى عنه: إن رسول الله عَ ليه نعى الثلاثة وعيناه تذرفان، ثم قال: أخذ الراية سيف من
سيوف الله تعالى حتى فتح الله عليهم، وهو خالد بن الوليد، رضي الله تعالى عنه، وعن
خالد: لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف فما بقي في يدي إلاَّ صفيحة يمانية،
وسيجيء ذلك كله في الكتاب، وجميع من قتل من المسلمين يومئذ اثني عشر رجلاً، وهذا

١٣٨
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٤٠)
أمر عظيم جداً أن يقاتل جيشان متعاديان في الدين أحدهما الفئة التي تقاتل في سبيل الله
تعالى عدتها ثلاثة آلاف، وأخرى كافرة عدتها مائتا ألف مائة ألف من الروم ومائة ألف من
نصارى العرب.
قوله: ((جلس)) جواب: لما، وزاد أبو داود في روايته: ((جلس في المسجد)). قوله:
((يعرف فيه الحزن)) جملة حالية. قال الطيبي: كأنه كظم الحزن كظماً فظهر منه ما لا بد
لجبلة البشرية منه. قوله: ((وأنا أنظر))، جملة حالية أيضاً، وقائلها عائشة، رضي الله تعالى
عنها. قوله: ((من صائر الباب))، بالصاد المهملة والهمزة بعد الألف وفي آخره راء، وقد فسره
في الحديث بقوله: ((شق الباب))، وهو بفتح الشين المعجمة أي: الموضع الذي ينظر منه،
ولم يرد بكسر الشين أي: الناحية لأنها ليست بمرادة هنا، قاله ابن التين. وقال الكرماني: بفتح
الشين وكسرها. وقال المازني: كذا وقع في (الصحيحين) هنا: صائر الباب، والصواب:
صيراي، بكسر الصاد وسكون الياء آخر الحروف، وهو الشق. وقال ابن الجوزي والخطابي:
صائر وصير بمعنى واحد. فإن قلت: هذا التفسير ممن؟ قلت: يحتمل أن يكون من عائشة،
ويحتمل أن يكون ممن بعدها، ولكن الظاهر هو الأول. قوله: ((فأتاه رجل)) أي: أتى النبي
عَّ رجل، ولم يوقف على اسمه، ويحتمل أن عائشة لم تصرح باسمه لانحرافها عليه. قوله:
((إن نساء جعفر)) أي: امرأته أسماء بنت عميس الخثعمية ومن حضر عندها من أقاربها وأقارب
جعفر، وخبر: إن، محذوف تقديره: إن نساء جعفر يبكين، وقال الطيبي: وقد حذفت رضي
الله تعالى عنها خبر: إن، من القول المحكي عن جعفر بدلالة الحال، يعني قال ذلك الرجل:
إن نساء جعفر فعلن كذا وكذا، مما حظره الشرع من البكاء الشنيع والنياحة الفظيعة إلى غير
ذلك. قوله: ((وذكر بكاءهن))، حال من المستتر في: قال. قوله: ((لم يطعنه)) حكاية لمعنى
قول الرجل أي: فذهب ونهاهن ثم أتى النبي عَّه فقال: نهيتهن فلم يطعنني، يدل عليه قوله
في المرة الثالثة: ((والله غلبننا))، قوله: ((ثم أتاه الثانية لم يطعنه)) أي: أتى النبي، عَّ، المرة
الثانية فقال: إنهن لم يطعنه. ووقع في رواية أبي عوانة: فذكر أنهن لم يطعنه. قوله: ((الثالثة))
أي: المرة الثالثة. قوله: ((والله غلبننا)) بلفظ جمع المؤنث الغائبة، وفي رواية الكشميهني:
((غلبتنا))، بلفظ المفرد المؤنث الغائبة. قوله: ((فزعمت)) أي: عائشة، وهو مقول عمرة، ومعنى:
زعمت: قالت. وقال الطيبي: أي ظننت قلت: الزعم يطلق على القول المحقق وعلى الكذب
والمشكوك فيه، وينزل في كل موضع على ما يليق به. قوله: ((فاحث))، بضم الثاء المثلثة، أمر
من: حثا يحثو، وبكسرها أيضاً من حتى يحثي. قوله: ((التراب)) مفعول: ((احث))، وفي رواية
أخرى تأتي: ((من التراب))، قال القرطبي: هذا يدل على أنهن رفعن أصواتهن بالبكاء، فلما لم
ينتهين أمره أن يسد أفواههن بالتراب، وخص الأفواه بذلك لأنها محل النوح. انتهى. وقال
عياض: هو بمعنى التعجيز، أي: أنهن لا يسكتن إلاَّ بسد أفواههن، ولا تسدها إلاَّ بأن تملأ
بالتراب. وقال القرطبي: يحتمل أنهن لم يطعن الناهي لكونه لم يصرح لهن بأن النبي عند ئّه.
نهاهن، فحملن ذلك على أنه مرشد إلى المصلحة من قبل نفسه، أو علمن لكن غلب عليهن

١٣٩
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٤٠)
شدة الحزن لحرارة المصيبة.
قلت: هذا الذي قاله حسن، وهو اللائق في حق الصحابيات، لأنه يبعد أن يتمادين بعد
تكرار نهيهن على محرم، ويقال إن كان بكاؤهن مجرداً يكون النهي عنه للتنزيه خشية أن
يسترسلن فيه فيفضي بهن إلى الأمر المحرم لضعف صبرهن، ولا يكون النهي للتحريم، فلذا
أصررن عليه متأولات. وقيل: كان بكاؤهن بنياح ولذا تأكد النهي، ولو كان مجرد دمع العين
لم ينه عنه لأنه رحمة وليس بحرام. قلت: إن كان الأمر كما ذكر يحمل حالهن على أن
الرجل لم يسند النهي إلى رسول الله عَّه، فلهذا لم يطعنه. قوله: ((فقلت))، مقول عائشة.
قوله: ((أرغم الله أنفك)) بالراء والغين المعجمة أي: ألصق الله أنفك بالرغام، بفتح الراء، وهو
التراب. دعت عليه حيث لم يفعل ما أمره رسول الله عَُّلِّ به، وهو أن ينهاهن وحيث لم
يتركه على ما كان عليه من الحزن بإخباره ببكائهن وإصرارهن عليه وتكراره ذلك. قال
الكرماني: فإن قلت: هو فعل ما أمره به ولكنهن لم يطعنه؟ قلت: حيث لم يترتب على فعله
الامتثال، فكأنه لم يفعله، أو هو لم يفعل الحثو. وقال بعضهم: لفظة: لم يعبر بها عن
الماضي، وقولها ذلك وقع قبل أن يتوجه، فمن أين علمت أنه لم يفعل؟ فالظاهر أنها قامت
عندها قرينة بأنه لا يفعل، فعبرت عنه بلفظ الماضي مبالغة في نفي ذلك عنه. انتهى. قلت: لا
يقال: لفظة: لم، يعبر بها عن الماضي، وإنما يقال: حرف: لم، حرف جزم لنفي المضارع،
وقلبه ماضياً، وهذا هو الذي قاله أهل العربية. وقوله: فعبرت عنه بلفظ الماضي، ليس كذلك،
لأنه غير ماض بل هو مضارع ولكن صار معناه معنى الماضي بدخول: لم، عليه. قوله: ((من
العناء»، بفتح العين المهملة بعدها النون وبالمد وهو: المشقة والتعب. وفي رواية لمسلم:
((من العي))، بكسر العين المهملة وتشديد الياء آخر الحروف. قيل: وقع في رواية العذري من
الغي، بفتح الغين المعجمة: ضد الرشد. قال القاضي عياض: ولا وجه له هنا، ورد عليه بأن له
وجهاً، ولكن الأول أليق لموافقته لرواية العناء التي هي رواية الأكثرين! وقال النووي: معناه
أنك قاصر لا تقوم بما أمرت به، من الإنكار لنقصك وتقصيرك ولا تخبر النبي عَ ◌ّهِ بقصورك
عن ذلك حتى يرسل غيرك فيستريح من العناء.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: جواز الجلوس للعزاء بسكينة ووقار. وفيه: الحث على
الصبر، وقال الطبري: إن قال القائل: إن أحوال الناس في الصبر متفاوتة فمنهم من يظهر حزنه
على المصيبة في وجهه بالتغيير له، وفي عينيه بانحدار الدموع ولا ينطق بشيء من القول،
ومنهم من يجمع ذلك كله، ويزيد عليه إظهاره في مطعمه وملبسه، ومنهم من يكون حاله في
المصيبة وقبلها سواء فأيهم المستحق لاسم الصبر، قد اختلف الناس في ذلك فقال بعضهم:
المستحق لاسم الصبر هو الذي يكون في حاله مثلها قبلها، ولا يظهر عليه حزن في جارحة
ولا لسان، كما زعمت الصوفية، أن الولي لا تتم له الولاية إلاّ إذا تم له الرضى بالقدر، ولا
يحزن على شيء، والناس في هذا الحال مختلفون، فمنهم من في قلبه الجلد وقلة المبالاة
بالمصائب، ومنهم من هو بخلاف ذلك، فالذي يكون طبعه الجزع ويملك نفسه ويستشعر

١٤٠
٢٣ - كِتَابُ الجَنَائِزِ / باب (٤١)
الصبر أعظم أجراً من الذي يتجلد طباعه. قال الطبري: كما روي عن ابن مسعود أنه نعى
أخوه عتبة. قال: لقد كان من أعز الناس علي وما يسرني أنه بين أظهركم اليوم حياً. قالوا:
وكيف هو من أعز الناس عليك؟ قال: إني لأوجر فيه أحب إلي من أن يؤجر في. وقال
ثابت: إن الصلت بن أشيم مات أخوه، فجاء رجل وهو يطعم، فقال: يا أبا الصهباء إن أخاك
مات! قال: هلم فكل قد نعي إلينا، فكل. قال: والله ما سبقني إليك أحد ممن نعاه، قال:
يقول الله عز وجل: ﴿إِنك ميت وإنهم ميتون﴾ [الزمر: ٣٠]. وقال الشعبي: كان شريح،
رضي الله تعالى عنه، يدفن جنائزه ليلاً، فيغتنم ذلك فيأتيه الرجل حين يصبح فيسأله عن
المريض، فيقول: هذا لله الشكر وأرجو أن يكون مستريحاً. وكان ابن سيرين يكون عند
المصيبة كما هو قبلها يتحدث ويضحك إلاَّ يوم ماتت حفصة فإنه جعل يكشر، وإنت تعرف
في وجهه، وسئل ربيعة: ما منتهى الصبر؟ قال: أن تكون يوم تصيبه المصيبة مثله قبل أن
تصيبه وأما جزع القلب وحزن النفس ودمع العين فإن ذلك لا يخرج العبد من معاني الصابرين
إذا لم يتجاوزه إلى ما لا يجوز له فعل، لأن نفوس بني آدم مجبولة على الجزع من
المصائب، وقد مدح الله تعالى الصابرين ووعدهم جزيل الثواب عليه، وتغيير الأجساد عن
هيآتها ونقلها عن طبعها الذي جبلت عليه، لا يقدر عليه إلا الذي أنشأها. وروى المقبري عن
أبي هريرة مرفوعاً، قال: ((قال الله تعالى: إذا ابتليت عبدي المؤمن فلم يشكني إلى عواده
أنشطه من عقاله وبدلته لحماً خيراً من لحمه ودماً خيراً من دمه، ويستأنف العمل)). وفيه:
دليل على أن المنهي عن المنكر إن لم ينته عوقب وأدب إن أمكن. وفيه: جواز نظر النساء
المحتجبات إلى الرجال الأجانب. وفيه: جواز اليمين لتأكيد الخبر.
٥٨/ ١٣٠٠ _ حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَلِيّ قال حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ فُضَيْلِ قال حدَّثنا عاصِمٌ
الأَحْوَلُ عنْ أَنَسٍ رضي الله تعالى عنهُ. قال قَنَتَ رسولُ اللهِ عَ لَّهِ شَهْراً حِينَ قُتِلَ القُرَّاءُ فَمَا
رَأَيْتُ رسولَ الله عَ لِ حَزِنَ حُزْناً قَطُّ أَشَدَّ مِنْهُ. [أنظر الحديث ١٠٠١ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فما رأيت رسول الله، عَّ له ... )) إلى آخره، وعمرو، بفتح
العين: ابن علي الفلاس الصيرفي، والحديث تقدم في أبواب الوتر في: باب القنوت قبل
الركوع وبعده، أخرجه عن مسدد عن عبد الواحد عن عاصم قال: سألت أنس بن مالك عن
القنوت ... الحديث، وتقدم الكلام فيه هناك.
٤١ - بابُ مَنْ لَمْ يُظْهِرْ حُزْنَهُ عِنْدَ المُصِيبَةِ
أي: هذا باب في بيان من لم يظهر حزنه عند حلول المصيبة، وهذا الباب عكس
الباب السابق، لأن فيه من أظهر حزنه، وفي هذا من لم يظهر، وفي كل منهما لم يصرح
بالحكم، أما ذاك فقد بينا وجهه، وأما هذا ففيه ترك ما أبيح له من إظهار الحزن الذي لا
إسخاط فيه لله تعالى، وفيه قهر النفس بالصبر الذي هو خير، لقوله تعالى: ﴿ولئن صبرتم لهو