Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
١٩ - كتابُ التَّهَجُّدِ / باب (٣٦)
يروي عنهما، لكن الأظهر أن يكون إسحاق بن راهويه فإنه روى هذا الحديث في مسنده
بهذا الإسناد، لكن في لفظه بعض المخالفة. الثاني: يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم
ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري. الثالث: أبو إبراهيم المذكور. الرابع: محمد بن مسلم بن
شهاب الزهري. الخامس: محمود بن الربيع أبو محمد الأنصاري الحارثي، توفي سنة تسع
وتسعين، وقد مر هذا الحديث في كتاب الصلاة في: باب المساجد في البيوت، فإنه أخرجه
هناك: عن سعيد بن عفير، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عقيل عن ابن شهاب، قال:
أخبرني محمود بن الربيع الأنصاري أن عتبان بن مالك، رضي الله تعالى عنه .. الحديث، وقد
مر الكلام فيه مستقصىّ. ولنذكر الآن بعض شيء زيادة للبيان.
قوله: ((وعقل مجة))، وقد مر الكلام فيه في كتاب العلم في: باب متى يصح سماع
الصغير، روي هناك قال: حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا أبو مسهر، قال: حدثني محمد
بن حرب، قال: حدثني الزبيدي عن الزهري عن محمود بن الربيع، قال: ((عقلت من النبي،
عَِّ، مجة مجها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو .. )) انتهى. وههنا قال: ((من بئر
كانت في دارهم))، هذه رواية الكشميهني وفي رواية غيره: ((كان في دارهم)) أي: كان
الدلو. قوله: ((فزعم محمود)) أي: أخبر أو قال، ويطلق الزعم ويراد به القول. قوله: ((إذ
جاءت)) أي: حين جاءت، ويجوز أن تكون: إذا، للتعليل أي: لأجل مجيء الأمطار. قوله:
((فيشق علي))، هذه رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: ((فشق))، بصيغة الماضي. قوله:
((قبل)) بكسر القاف وفتح الباء الموحدة، أي: جهة مسجدهم. قوله: ((سأفعل، فغدا علي))،
وهناك: ((سأفعل إن شاء الله تعالى، قال عتبان: فغدا)) قوله: ((بعدما اشتد النهار))، وهناك: ((فغدا
علي رسول الله عَ ليه، وأبو بكر حين ارتفع النهار))، قوله: ((أين تحب أن أصلي من بيتك؟))
هذه رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: ((نصلي)) بنون الجمع. قوله: ((على خزير)) بفتح
الخاء المعجمة وكسر الزاي وسكون الياء آخر الحروف وبالراء، وهناك: ((على خزير صنعناها
له))، وهو طعام من اللحم والدقيق الغليظ. قوله: ((ما فعل مالك؟)) وهناك: ((فقال قائل منهم:
أين مالك بن الدخيشن، أو ابن الدخشن؟»، الدخيشن بضم الدال المهملة وفتح الخاء
المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الشين المعجمة وفي آخره نون، والدخشن، بضم
الدال وسكون الخاء وضم الشين وبالنون. قوله: ((لا أراه))، بفتح الهمزة من الرؤية. قوله:
((فوالله لا نرى وده ولا حديثه إلاَّ إلى المنافقين)»، وهناك: «فإنا نرى وجهه ونصيحته
للمنافقين))، ويروى: ((إلى المنافقين)).
قوله: ((فقال رسول الله، عَّ) وهناك: ((قال))، بدون الفاء، ويروى هناك أيضاً بالفاء.
قوله: ((قال محمود بن الربيع)) أي: بالإسناد الماضي. قوله: ((أبو أيوب الأنصاري))، هو
خالد بن زيد الأنصاري الذي نزل عليه رسول الله، عَّه، لما قدم المدينة. قوله: ((صاحب
رسول الله، عَّلَه))، ويروى: ((صاحب النبي، عَّظله))، قوله: ((في غزوته))، وكانت في سنة
خمسين، وقيل: بعدها في خلافة معاوية، ووصلوا في تلك الغزوة إلى القسطنطينية

٣٦٢
١٩ - كتابُ التَّهَجَدِ / باب (٣٦)
وحاصروها. قوله: ((ويزيد بن معاوية عليهم))، أي: والحال أن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان
كان أميراً عليهم من جهة أبيه معاوية. قوله: ((بأرض الروم))، وهي ما وراء البحر الملح التي
فيها مدينة القسطنطينية. قوله: ((فأنكرها)) أي: القصة أو الحكاية. قوله: ((فكبر)) بضم الباء
الموحدة، أي: عظم. قوله: ((حتى أقفل))، بضم الفاء. قال الكرماني فإن قلت: ما سبب
الإنكار من أبي أيوب عليه؟ قلت: إما أنه يستلزم أن لا يدخل عصاة الأمة والنار، وقال تعالى:
﴿ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم﴾ [الجن: ٢٣]. وإما أنه حكم باطن الأمر، وقال:
نحن نحكم بالظاهر، وإما أنه كان بين أظهرهم ومن أكابرهم، ولو وقع مثل هذه القصة
لاشتهر، ولنقلت إليه وإما غير ذلك، والله أعلم.
ذكر ما يستفاد منه: وهو خمسة وخمسون فائدة: الأولى: أن من عقل رسول الله
عَِّ أو من عقل منه فعلاً يعد صحابياً. الثانية: ما كان عليه النبي، عَ لّه، من الرحمة لأولاد
المؤمنين، وفعل ذلك ليعقل عنه الغلمان ويعد لهم به الصحبة لينالوا فضلها وناهيك بها.
الثالثة: استئلافهم لآبائهم بمزحه مع بنيهم. الرابعة: مزحه ليكرم به من يمازحه. الخامسة:
استراحته في بعض الأوقات ليستعين على العبادة في وقتها. السادسة: إعطاء النفس حقها ولا
يشق عليها في كل الأوقات. السابعة: اتخاذ الدلو. الثامنة: أخذ الماء منه بالفم. التاسعة:
إلقاء الماء في وجه الطفل. العاشرة: صلاة القبائل الذين حول المدينة في مساجدهم
المكتوبة وغيرها. الحادية عشر: إمامة الضعيف والتخلف عن المسجد في الطين والظلمة.
الثانية عشر: صلاة المرء المكتوبة وغيرها في بيته. الثالثة عشر: سؤال الكبير إتيانه إلى بيته
ليتخذ مكان صلاته مصلى. الرابعة عشر: ذكر المرء ما فيه من العلل معتذراً ولا يكون
شكوى فيه. الخامسة عشر: إجابة الشارع من سأله. السادسة عشر: سير الإمام مع التابع.
السابعة عشر: صحبة أفضل الصحابة إياه. الثامنة عشر: تسميته لأبي بكر وحده لفضله.
التاسعة عشر: صاحب البيت أعلم بأماكن بيته وهو أدرى به. العشرون: التبرك بآثار
الصالحين. الحادية والعشرون: طلب اليقين تقديماً على الاجتهاد، فإن ذلك موضع صلى فيه
الشارع فهو عين لا يجتهد فيه. الثانية والعشرون: طلب الصلاة في موضع معين لتقوم صلاته
فيه مقام الجماعة ببركة من صلى فيه. الثالثة والعشرون: ترك التطلع في نواحي البيت.
الرابعة والعشرون: صلاة النافلة جماعة في البيوت. الخامسة والعشرون: فضل موضع
صلاته عَِّ. السادسة والعشرون: نوافل النهار تصلى ركعتين كالليل. السابعة والعشرون:
المكان المتخذ مسجداً ملكه باق عليه. الثامنة والعشرون: أن النهي عن أن يوطن الرجل
مكاناً للصلاة إنما هو في المساجد دون البيوت. التاسعة والعشرون: صلاة الضحى مستحبة.
الثلاثون: صنع الطعام للكبير عند إتيانه لهم، وإن لم يعلم بذلك. الحادية والثلاثون: عدم
التكلف فيما يصنع. الثانية والثلاثون: كان النبي عَّم لا يعيب طعاماً. الثالثة والثلاثون:
كان ◌َّلل أدوم على فعل الخيرات. الرابعة والثلاثون: الاكتفاء بالإشارة. الخامسة
والثلاثون: يجوز أن تكون بلفظ معها. السادسة والثلاثون: يعبر بالدار عن المحلة التي فيها

٣٦٣
١٩ - كتابُ التَّهَجُدِ / باب (٣٧)
الدور، كما في الحديث: ((خير دور الأنصار دور بني النجار))، ثم عدد جماعة، وفي آخره:
((وفي كل دور الأنصار خير)). السابعة والثلاثون: اجتماع القبيل إلى الموضع الذي يأتيه
الكبير ليؤدوا حقه ويأخذوا حظهم منه. الثامنة والثلاثون: عيب من حضر على من تخلف
ونسبته إلى أمر متهم به، وهو مالك بن الدخشن، وأنه قد شهد بدراً واختلف في شهوده
العقبة، فظهر من حسن إسلامه ما ينفي عنه تهمة النفاق. التاسعة والثلاثون: كراهة من يميل
إلى المنافقين في حديثه ومجالسته. الأربعون: من رمى مسلماً بالنفاق لمجالسته لهم لا
يعاقب ولا يقال له: أثمت. الحادية والأربعون: الشارع كان يأتيه الوحي ولا شك فيه.
الثانية والأربعون: الكبير إذا علم بصحة اعتقاد من نسب إلى غيره يقول له: لا تقل ذلك.
الثالثة والأربعون: من عَيَّب غيره بما ظهر منه لم يكن غيبة. الرابعة والأربعون: من تلفظ
بالشهادتين واعتقد حقية ما جاء به، ومات على ذلك فاز ودخل الجنة. الخامسة والأربعون:
اختيار من سمع الحديث من صاحب صاحب مثله أو غيره ليثبت ما سمع ويشهد ما عند
الذي يخبره من ذلك. السادسة والأربعون: إنكار من روى حديثاً من غير أن يقطع به.
السابعة والأربعون: المراجعة فيه إلى غيره، فإن محمود بن الربيع أوجب على نفسه إن سلم
أن يأتي عتبان بن مالك، وكان محمود في الشام. الثامنة والأربعون: الرحلة في العلم.
التاسعة والأربعون: ذكر ما في الإنسان على وجه التعريف ليس غيبة، كذكره عمى عتبان.
الخمسون: إمامة الأعمى. الحادية والخمسون: الإسرار بالنوافل. الثانية والخمسون: فيه
طلب عين القبلة. الثالثة والخمسون: الاستئذان من صاحب الدار إذا أتى إلى صاحبها لأمر
عرض له. الرابعة والخمسون: تولية الإمام أحد السرية أميراً إذا بعثهم لغزو. الخامسة
والخمسون: الجمع بين الحجة وطلب العلم في سفرة واحدة.
٣٧ - بابُ التَّطَوَّعِ فِي البَيْتِ
أي: هذا باب في بيان صلاة التطوع في البيت.
١١٨٧/٢١١ - حدثنا عَبْدُ الأَعْلَى بنُ حَمَّادٍ قال حدَّثنا وُهَيْبٌ عنْ أَيُّوبَ وَعُبَيْدِ
اللهِ عنْ نَافِعِ عنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما قال قال رسولُ الله عَلَّهِ اجْعَلُوا فِي بِيُوتِكُمْ
مِنْ صَلاَئِكُمْ وَلاَ تَتَّخِذُوها قُبُوراً. [أنظر الحديث ٤٣٢].
مطابقته للترجمة ظاهرة، والحديث بعينه قد سلف في: باب كراهية الصلاة في
المقابر، لكن هناك رواه: عن مسدد عن يحيى عن عبيد الله عن نافع، وهنا: عن عبد الأعلى
ابن حماد بن نصر أبي يحيى. قال البخاري: مات سنة سبع وثلاثين ومائتين. وهو يروي عن
وهيب بن خالد عن أيوب السختياني، وعبيد الله بن عمر، كلاهما عن نافع. قوله: ((وعبيد
الله) بالجر عطفاً على أيوب. قوله: ((من صلاتكم))، قال الكرماني: كلمة: من، زائدة كأنه
قال: اجعلوا صلاتكم النافلة في بيوتكم، قلت: فيه نظر لا يخفى، بل كلمة: من، ههنا
للتبعيض، ومفعول: اجعلوا، محذوف، والتقدير: اجعلوا شيئاً من صلاتكم في بيوتكم ولا

٣٦٤
١٩ - كتابُ التَّهَجُدِ / باب (٣٧)
تجعلوها قبوراً، أي: مثل القبور، بأن لا يصلى فيها.
تابَعَهُ عَبْدُ الوَهَّابِ عنْ أَيُّوبَ
أي: تابع وهيباً عبد الوهاب الثقفي عن أيوب السختياني، وهذه المتابعة أخرجها
مسلم: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الوهاب، قال: أخبرنا أيوب عن نافع عن ابن
عمر عن النبي عَّلِ قال: ((صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً)، وعند الطبري من حديث
عبد الرحمن بن سابط عن أبيه عن النبي عَ ل قال: ((نوروا بيوتكم بذكر الله تعالى، وأكثروا
فيها تلاوة القرآن، ولا تتخذوها قبوراً كما اتخذها اليهود والنصارى».
:

٣٦٥
٢٠ - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة / باب (١)
بسم الله الرحمن الرحيم
٢٠ - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة
١ - بابُ فَضْلِ الصَّلاَةِ في مَسْجِدٍ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ
في بعض النسخ قبل ذكر الباب ذكر التسمية أي: هذا باب في بيان فضل الصلاة في
مسجد مكة ومسجد المدينة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وإنما لم يذكر في الترجمة
بيت المقدس وإن كان مذكوراً معهما لكونه أفرده بعد ذلك بترجمة أخرى. فإن قلت: ليس
في الحديث لفظ الصلاة؟ قلت: المراد من الرحلة إلى المساجد قصد الصلاة فيها. فإن
قلت: ذكر الصلاة مطلقة؟ قلت: المراد صلاة النافلة ظاهراً، وإن كان يحتمل أعم من ذلك،
وفيه خلاف يأتي بيانه.
١١٨٨/٢١٢ - حدَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قال حدَّثنا شُعْبَةُ قال أخبرني عَبْدُ المَلِكِ
عنْ قَزَعَةً قال سَمِعْتُ أَبًا سَعِيدٍ رضي الله تعالى عنهُ أَرْبَعاً قالَ سَمِعْتُ مِنَ النَّبِيِّ عَ لَّه وكانَ
غَزَا مَعَّ النبي ثِثْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً (ح) [أنظر الحديث ٥٨٦ وأطرافه].
١١٨٩ - حدّثنا عَلِيٍّ قال حدَّثنا سُفْيَانُ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ سَعِيدٍ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
رضي الله تعالى عنهُ عنِ النبيِّ عَ لَّهِ قال لاَ تُشَدُّ الرَّحَالُ إلَّ إلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ المَسْجِدِ
الحَرَامِ ومَسْجِدِ الرَّسُولِ عَ ﴾ِ ومَسْجِدِ الأُقْصَى.
هذان إسنادان الأول: لحديث أبي سعيد الخدري. والثاني: لحديث أبي هريرة،
ولكنه لم يتم متن حديث أبي سعيد واقتصر على قوله: ((كان غزا مع النبي عَّ ◌ُله اثنتي عشرة
غزوة))، وسيذكر تمامه بعد أربعة أبواب في: باب مسجد بيت المقدس، وتمامه مشتمل على
أربعة أحكام. الأول: في منع المرأة عن السفر بدون الزوج أو المحرم. والثاني: في منع
صوم يومي العيدين. والثالث: في منع الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر
حتى تغرب. والرابع: في منع شد الرحل إلاَّ إلى ثلاثة مساجد، وحديث أبي هريرة مشتمل
على الحكم الرابع فقط، ولما كان الحديثان مشتركين في هذا اقتصر في حديث أبي سعيد
على ما ذكره طلباً للاختصار. وقيل: كأنه قصد بذلك الإغماض لينبه غير الحافظ على فائدة
الحفظ، وظن الداودي أنه ساق الإسنادين لمتن حديث أبي هريرة، وليس كذلك، لاشتمال
حديث أبي سعيد على الأشياء المذكورة.
ثم وجه مطابقة حديث أبي هريرة للترجمة ظاهرة، لا يقال: ليس فيه لفظ: الصلاة،
لأنا قد ذكرنا عن قريب أن المراد من الرحلة إلى المساجد المذكورة قصد الصلاة. وأما وجه
مطابقة حديث أبي سعيد للترجمة من حيث إنه مشترك لحديث أبي هريرة في الحكم الرابع،
كما ذكرناه، وإن لم يذكره ههنا، مع أنه ما أخلاه عن الذكر على ما سيأتي، إن شاء الله
تعالی.
ذكر رجال الإسنادين: وهم عشرة: الأول: حفص بن عمر بن الحارث النمري.
:

٣٦٦
٢٠ - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة / باب (١)
الثاني: شعبة بن الحجاج. الثالث: عبد الملك بن عمير، بضم العين - مصغر عمر -
المعروف بالقبطي مر في: باب أهل العلم أولى بالإمامة، وإنما قيل له: القبطي، لأنه كان له
فرس سابق يعرف بالقبطي فنسبه إليه، وكان على قضاء الكوفة بعد الشعبي، مات سنة ست
وثلاثين ومائة وله من العمر يوم مات مائة سنة وثلاث سنين. الرابع: قزعة بالقاف والزاي
والعين المهملة كلها مفتوحة، وقيل: بسكون الزاي: ابن يحيى، وقيل: ابن الأسود، مولى زياد
يكنى أبا العادية. الخامس: أبو سعيد الخدري واسمه سعيد بن مالك الأنصاري. السادس:
علي بن المديني، وقد تكرر ذكره. السابع: سفيان بن عيينة. الثامن: محمد بن مسلم بن
شهاب الزهري. التاسع: سعيد بن المسيب. العاشر: أبو هريرة.
ذكر لطائف الإسناد الأول: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: الإخبار
بصيغة الإفراد في موضع واحد. وفيه: السماع في موضعين. وفيه: القول في أربعة مواضع.
وفيه: أن شيخه بصري وهو من أفراده وشعبة واسطي وعبد الملك كوفي وروايته عن قزعة من
رواية الأقران لأنهما من طبقة واحدة، وقزعة بصري. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن
الصحابي.
ذكر لطائف الإسناد الثاني: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة
في أربعة مواضع. وفيه: القول في موضعين وفيه: أن السفيان مكي والزهري وسعيد بن
المسيب مدنيان. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي.
ذكر تعدد موضع الحديث الأول ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في
الصلاة ببيت المقدس عن أبي الوليد، وفي الحج عن سليمان بن حرب، وفي الصوم عن
حجاج بن منهال، ثلاثتهم عن شعبة عن عبد الملك. وأخرجه مسلم في المناسك عن أبي
غسان ومحمد بن بشار كلاهما عن معاذ بن هشام وعن محمد بن المثنى وعن عثمان بن
أبي شيبة وعن قتيبة وعثمان، كلاهما عن جرير. وأخرجه الترمذي في الصلاة عن ابن أبي
عمر، وأخرجه النسائي في الصوم عن محمد بن المثنى وعن عبيد الله بن سعيد وعن عمران
ابن موسى وعن محمد بن قدامة، وأخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة في الصوم
بالقصة الثانية وفي الصلاة بالقصة الثالثة، وأخرج القصة الرابعة عن أبي سعيد وعبد الله بن
عمرو بن العاص، رضي الله تعالى عنهم.
:
ذكر من أخرج الحيث الثاني غيره: أخرجه مسلم في الحج عن عمرو الناقد وزهير
ابن حرب. وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد. وأخرجه النسائي في الصلاة عن محمد بن
منصور المكي.
ذكر من روى عنه في هذا الباب فيه: عنٍ بصرة بن أبي بصرة رواه ابن حبان عنه
سمعت رسول الله عَ ليه يقول ((لا يعمل المطي إلاّ إلى ثلاثة مساجد إلى المسجد الحرام
ومسجدي هذا وإلى مسجد إيلياء أو بيت المقدس)) يشك أيهما قال، وعن أبي بصرة أيضاً

٣٦٧
٢٠ - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة / باب (١)
رواه أحمد والبزار في مسنديهما والطبراني في (الكبير) و(الأوسط) من رواية عمر بن عبد
الرحمن بن الحارث بن هشام أنه قال: لو أدركتك قبل أن ترتحل ما ارتحلت إني سمعت
رسول الله عَّ يقول: ((لا تشدوا الرحال إلاَّ إلى ثلاثة مساجد .. )) الحديث. ورجال إسناده
ثقات. قال الذهبي: بصرة بن أبي بصرة الغفاري هو وأبوه صحابيان نزلا مصر، واسم أبي
بصرة: حميل، وقيل: حميل بن بصرة. قلت: حميل، بضم الحاء المهملة وقيل بفتحها،
والأول هو الأصح، وعن عبد الله بن عمرو مثله رواه ابن ماجه، وعن أبي هريرة أيضاً رواه
الطبراني في (الأوسط) عنه يرفعه: ((لا تشد الرحال إلاَّ إلى ثلاثة مساجد: مسجد الخيف
ومسجد الحرام ومسجدي هذا)). وقال: لم يذكر مسجد الخيف في شد الرحال إلاَّ في هذا
الحديث. قال صاحب (التلويح): وهو لعمري سند جيد لولا قول البخاري: لا يتابع خيثم في
ذكر مسجد الخيف، ولا يعرف له سماع من أبي هريرة. قلت: هيثم هو ابن مروان، ذكره ابن
حبان في الثقات، وهو الذي روى هذا الحديث عن أبي هريرة. وعن جابر، رضي الله تعالى
عنه، رواه أحمد عنه عن رسول الله عَّ له أنه قال: ((خير ما ركبت إليه الرواحل مسجدي هذا
والبيت العتيق)). وعن أبي الجعد الضمري: روى حديثه البزار والطبراني في (الكبير)
و(الأوسط) من رواية أبي عبيدة بن سفيان عن أبي الجعد الضمري، قال: قال رسول الله
عَ للِ: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد .. )) الحديث، وإسناده صحيح. وقال الذهبي: أبو
الجعد الضمري إسمه الأذرع، ويقال: عمرو، وعن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه،
أخرج حديثه البزار من رواية أبي العالية عن ابن عمر عن عمر: أن النبي عَِّ قال: ((لا تشد
الرحال إلاَّ إلى ثلاثة مساجد ... )) الحديث. وفي كتاب العلم: المشهور لأبي الخطاب روي
حديث موضوع، رواه محمد بن خالد الجندي عن المثنى بن الصباح، مجهول عن متروك
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده يرفعه: ((لا تعمل الرحال إلاّ إلى أربعة مساجد:
المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى، وإلى مسجد الجند)).
ذكر معنى حديث أبي هريرة: قوله: ((لا تشد الرحال)) على صيغة المجهول بلفظ
النفي، بمعنى: النهي، بمعنى: لا تشدوا الرحال، ونكتة العدول عن النهي إلى النفي لإظهار
الرغبة في وقوعه، أو لحمل السامع على الترك أبلغ حمل بألطفٍ وجه، وقال الطبري: النفي
أبلغ من صريح النهي، كأنه قال: لا يستقيم أن يقصد بالزيارة إلاَّ هذه البقاع لاختصاصها بما
اختصت به، ووقع في رواية لمسلم: ((لا تشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد)) فذكره من غير
حصر، وليس في هذه الرواية منع شد الرحل لغيرها إلاّ على القول بحجية مفهوم العدد،
والجمهور على أنه: ليس بحجة، ثم التعبير بشد الرحال خرج مخرج الغالب في ركوب
المسافر، وكذلك قوله في بعض الروايات: ((لا يعمل المصلي)) وإلاّ فلا فرق بين ركوب
الرواحل والخيل والبغال والحمير والمشي في هذا المعنى، ويدل عليه قوله في بعض طرقه
في الصحيح: ((إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد، والرحال، بالحاء المهملة: جمع رحل، وهو للبعير
كالسرج للفرس، وهو أصغر من القنب، وشد الرحل كناية عن السفر، لأنه لازم للسفر،

٣٦٨
٢٠ - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة / باب (١)
والاستثناء مفرغ، فتقدير الكلام: لا تشد الرحال إلى موضع أو مكان. فإن قيل: فعلى هذا يلزم
أن لا يجوز السفر إلى مكان غير المستثنى حتى لا يجوز السفر لزيارة إبراهيم الخليل،
صلوات الله تعالى وسلامه عليه، ونحوه: لأن المستثنى منه في المفرغ لا بد أن يقدر أعم
العام. وأجيب: بأن المراد بأعم العام ما يناسب المستثنى نوعاً ووصفاً، كما إذا قلت: ما رأيت
إلاَّ زيداً، كان تقديره: ما رأيت رجلاً أو أحداً إلا زيداً، لا: ما رأيت شيئاً أو حيواناً إلاَّ زيداً،
فههنا تقديره: لا تشد إلى مسجد إلاَّ إلى ثلاثة.
قوله: ((المسجد الحرام)) أي: المحرم، وقال بعضهم: هو كقولهم الكتاب بمعنى
المكتوب، قلت: هذا القياس غير صحيح لأن الكتاب على وزن فعال بكسر الفاء، والحرام
فعال بالفتح، فكيف يقاس عليه؟ وإنما الحرام اسم للشيء المحرم، وفي إعراب المسجد
وجهان: الأول بالجر على أنه بدل من الثلاثة، والثاني بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف،
تقديره: هي المسجد الحرام ومسجد الرسول ومسجد الأقصى. وقال بعضهم: ويجوز الرفع
على الاستئناف. قلت: الاستئناف في الحقيقة جواب سؤال مقدر، ولئن سلمنا له كذلك
فيؤول الأمر في الحقيقة إلى أن يكون الرفع فيه على أنه خبر مبتدأ محذوف كما ذكرناه.
قوله: ((ومسجد الرسول)) الألف واللام فيه للعهد عن سيدنا محمد عَّ له فإن قلت: ما نكتة
العدول عن قوله: ((ومسجدي)) بالإضافة إليه؟ قلت: الإشارة إلى التعظيم على أنه يجوز أن
يكون هذا من تصرف بعض الرواة، والدليل عليه قوله في حديث أبي سعيد (ومسجدي))،
وسيأتي عن قريب. قوله: ((ومسجد الأقصى) بإضافة الموصوف إلى الصفة، وفيه خلاف،
فجوزه الكوفيون كما في قوله تعالى: ﴿وما كنت بجانب الغربي﴾ [القصص: ٤٤]. وأوله
البصريون بإضمار المكان، أي: بجانب المكان الغربي، ومسجد البلد الحرام، ومسجد
المكان الأقصى، وسمي المسجد الأقصى لبعده عن المسجد الحرام، إما في المسافة أو في
الزمان، وقد ورد في الحديث أنه كان بينهما أربعون سنة.
وقد استشكل من حيث إن بين آدم وداود عليهما الصلاة والسلام أضعاف ذلك من
الزمن. وأجيب: بأن الملائكة وضعتهما أولاً وبينهما في الوضع أربعون سنة، وإن داود
وسليمان: عليهما الصلاة والسلام، جددا بنيان المسجد الأقصى كما جدد إبراهيم، عليه
الصلاة والسلام، بناء البيت الحرام، وقال الزمخشري: المسجد الأقصى بيت المقدس لأنه
لم يكن حينئذ وراءه مسجد، وقيل: هو أقصى بالنسبة إلى مسجد المدينة، لأنه بعيد من
مكة، وبيت المقدس أبعد منه. وقيل: لأنه أقصى موضع من الأرض ارتفاعاً وقرباً إلى السماء،
يقال: قصى المكان يقصو قصواً: بَعُدَ فهو قصي، ويقال: فلان بالمكان الأقصى، والناحية
القصوى،
ذكر ما يستفاد منه: فيه: فضيلة هذه المساجد ومزيتها على غيرها لكونها مساجد
الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، لأن المسجد الحرام قبلة الناس وإليه حجهم، ومسجد
الرسول أسس على التقوى، والمسجد الأقصى كان قبلة الأمم السالفة. وفيه: أن الرحال لا

٣٦٩
٢٠ - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة / باب (١)
تشد إلى غير هذه الثلاثة، لكن اختلفوا على أي وجه؟ فقال النووي: معناه لا فضيلة في شد
الرحال إلى مسجد ما غير هذه الثلاثة، ونقله عن جمهور العلماء، وقال ابن بطال: هذا
الحديث إنما هو عند العلماء فيمن نذر على نفسه الصلاة في مسجد من سائر المساجد غير
الثلاثة المذكورة. قال مالك، رحمه الله: من نذر صلاة في مسجد لا يصل إليه إلاَّ براحلة
فإنه يصلي في بلده إلاَّ أن ينذر ذلك في مسجد مكة أو المدينة أو بيت المقدس، فعليه
السير إليها. وقال ابن بطال: وأما من أراد الصلاة في مساجد الصالحين والتبرك بها متطوعاً
بذلك، فمباح إن قصدها بأعمال المطي وغيره، ولا يتوجه إليه الذي في هذا الحديث. وقيل:
من نذر إتيان غير هذه المساجد الثلاثة للصلاة أو غيرها لم يلزمه ذلك، لأنها لا فضل لبعضها
على بعض، فيكفي صلاته في أي مسجد كان. قال النووي: لا اختلاف في ذلك، إلاَّ ما
روي عن الليث أنه قال: يجب الوفاء به، وعن الحنابلة رواية: يلزمه كفارة يمين، ولا ينعقد
نذره. وعن المالكية: رواية إن تعلقت به عبادة تختص به كرباط لزم، وإلاَّ فلا، وذكر عن
محمد بن مسلمة المالكي أنه في مسجد قباء، لأن النبي، عَّةِ، كان يأتيه كل سبت،
واستدل قوم بهذا الحديث، أعني: حديث الباب على أن من نذر إتيان أحد هذه المساجد
لزمه ذلك، وبه قال مالك وأحمد والشافعي في البويطي، واختاره أبو إسحاق المروزي، وقال
أبو حنيفة: لا يجب مطلقاً، وقال الشافعي في (الأم): يجب في المسجد الحرام لتعلق النسك
به، بخلاف المسجدین الآخرین.
وقال ابن المنذر: يجب إلى الحرمين، وأما الأقصى فلا، واستأنس بحديث جابر: ((إن
رجلاً قال للنبي، عَّةٍ: إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، قال:
صل ههنا)). وقال ابن التين: الحجة على الشافعي أن أعمال المطي إلى مسجد المدينة
والمسجد الأقصى والصلاة فيهما قربة، فوجب أن يلزم بالنذر كالمسجد الحرام، وقال
الغزالي عند ذكر إتيان المساجد: فلو قال: آتي مسجد الخيف، فهو كمسجد الحرام لأنه من
الحرم، وكذلك إجزاء سائر الحرم. قال: ولو قال: آتي مكة لم يلزمه شيء إلاّ إذا قصد الحج،
وقال شيخنا زين الدين: لا وجه لتفرقته بين مكة وسائر أجزاء الحرم، فإنها من أجزاء الحرم لا
جرم أن الرافعي تعقبه، ولو قال: أمشي إلى الحرم أو إلى المسجد الحرام أو إلى مكة أو ذكر
بقعة أخرى من بقاع الحرم كالصفا والمروة ومسجد الخيف ومنى والمزدلفة ومقام إبراهيم،
عليه الصلاة والسلام، وقبة زمزم وغيرها فهو كما قال: إلى بيت الله الحرام، حتى لو قال:
آتي دار أبي جهل أو دار الخيزران كان الحكم كذلك لشمول حرمة الحرم له بتنفير الصيد
وغيره. وعن أبي حنيفة أنه لا يلزم المشي إلاَّ أن يقول إلى بيت الله الحرام أو قال: مكة أو
إلى الكعبة، أو: إلى مقام إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، وحكى الرافعي عن القاضي ابن كج
أنه قال: إذا نذر أن يزور قبر غيره ففيه وجهان عندي. وقال القاضي عياض وأبو محمد
الجويني من الشافعية: إنه يحرم شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة لمقتضى النهي. وقال
النووي: وهو غلط، والصحيح عند أصحابنا وهو الذي اختاره إمام الحرمين والمحققون: أنه لا
عمدة القاري / ج٧ / م٢٤

٣٧٠
٢٠ - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة / باب (١)
يحرم ولا يكره. وقال الخطابي: لا تشد، لفظه خبر ومعناه الإيجاب، فيما نذره الإنسان من
الصلاة في البقاع التي يتبرك بها، أي: لا يلزم الوفاء بشيء من ذلك حتى يشد الرحل له
ويقطع المسافة إليه غير هذه الثلاثة التي هي مساجد الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، فأما إذا
نذر الصلاة في غيرها من البقاع فإن له الخيار في أن يأتيها أو يصليها في موضعه لا يرحل
إليها. قال: والشد إلى المسجد الحرام فرض للحج والعمرة، وكانت تشد الرحال إلى مسجد
رسول الله، عَّهِ، في حياته للهجرة، وكانت واجبة على الكفاية، وأما إلى بيت المقدس فإنما
هو فضيلة واستحباب، وأول بعضهم معنى الحديث على وجه آخر، وهو: أن لا يرحل في
الاعتكاف إلاَّ إلى هذه الثلاثة، فقد ذهب بعض السلف إلى أن الاعتكاف لا يصح إلاَّ فيها
دون سائر المساجد، وقال شيخنا زين الدين، من أحسن محامل هذا الحديث أن المراد منه
حكم المساجد فقط، وأنه لا يشد الرحل إلى مسجد من المساجد غير هذه الثلاثة، فأما قصد
غير المساجد من الرحلة في طلب العلم وفي التجارة والتنزه وزيارة الصالحين والمشاهد
وزيارة الإخوان ونحو ذلك فليس داخلاً في النهي، وقد ورد ذلك مصرحاً به في بعض طرق
الحديث في (مسند أحمد) حدثنا هاشم حدثنا عبد الحميد حدثني شهر سمعت أبا سعيد
الخدري، رضي الله تعالى عنه، وذكر عنده صلاة في الطور، فقال: قال رسول الله عَ لّهِ: ((لا
ينبغي للمطي أن يشد رحاله إلى مسجد يبتغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام
والمسجد الأقصى ومسجدي هذا .. )) وإسناده حسن، وشهر بن حوشب وثقه جماعة من
الأئمة، وفيه: المذكور، المسجد الحرام، ولكن المراد جميع الحرم. وقيل: يختص بالموضع
الذي يصلي فيه دون البيوت وغيرها من أجزاء الحرم. وقال الطبري: ويتأيد بقوله: ((مسجدي
هذا))، لأن الإشارة فيه إلى مسجد الجماعة، فينبغي أن يكون المستثنى كذلك. وقيلٍ: المراد
به الكعبة، ويتأيد بما رواه النسائي بلفظ: ((إلاَّ الكعبة))، ورد بأن الذي عند النسائي (إلاَّ مسجد
الكعبة))، حتى لو كانت لفظة مسجد غير مذكورة لكانت مرادة.
١١٩٠/٢١٣ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ زَيْدِ بنِ رَبَاحِ
وَعُبَيْدِ الله بنِ أبِي عَبْدِ اللهِ الأغَرَّ عنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الأغَرِّ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ
أنَّ النبيَّ عَ لِ قال صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِي هُذَا خَيْرٌ منْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلاَّ المَسْجِدِ
الحرامِ.
مطابقته للترجمة تظهر من متن الحديث.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: عبد الله بن يوسف أبو محمد التنيسي، قد ذكر غير
مرة. الثاني: مالك بن أنس. الثالث: زيد بن رباح، بفتح الراء، وتخفيف الباء الموحدة
وبالحاء المهملة، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة. الرابع: عبيد الله بن عبد الله، بتصغير
الإبن. الخامس: أبو عبد الله واسمه: سلمان الأغر، بفتح الهمزة وفتح الغين المعجمة
وتشديد الراء، وكنيته أبو عبد الله، كان قاصاً من أهل المدينة وكان رضىّ. السادس: أبو
هريرة.

٣٧١
٢٠ - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة / باب (١)
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع، والإخبار كذلك في
موضع. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: أن شيخه من
أفراده وأصله من دمشق والبقية مدنيون. وفيه: رواية مالك عن شيخين روى عنهما جميعاً
مقرونين وهما: زيد وعبيد الله. وفيه: رواية الإبن عن الأب وهو عبيد الله يروي عن أبيه أبي
عبد الله سلمان، وأن عبيد الله الذي يروي عنه مالك من أفراده، وقد روى هذا الحديث عن
أبي هريرة غير الأغر، رواه عنه سعيد وأبو صالح وعبد الله بن إبراهيم بن قارظ وأبو سلمة
وعطاء، وقال أبو عمر: لم يختلف على مالك في إسناد هذا الحديث في (الموطأ) ورواه
محمد بن سلمة المخزومي عن مالك عن ابن شهاب عن أنس، وهو غلط فاحش، وإسناده
مقلوب، ولا يصح فيه عن مالك إلاَّ حديث في (الموطأ) يعني المذكور آنفاً، قال: وقد روي
عن أبي هريرة من طرق متواترة كلها صحاح ثابتة.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في المناسك عن إسحاق بن منصور، وأخرجه
الترمذي في الصلاة عن إسحاق الأنصاري عن معن عن مالك وعن قتيبة عن مالك. وأخرجه
النسائي في الحج عن عمرو بن علي عن غندر، وأخرجه ابن ماجه في الصلاة عن أبي
مصعب الزهري عن مالك.
ولما أخرجه الترمذي، قال: وفي الباب عن: علي وميمونة وأبي سعيد وجبير بن مطعم
وعبد الله بن الزبير وابن عمر وأبي ذر. وحديث علي، رضي الله تعالى عنه رواه البزار في
مسنده من رواية سلمة بن وردان عن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، وأبي هريرة،
رضي الله تعالى عنه عن النبي عَّه: ((ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة، وصلاة
في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلاَّ المسجد الحرام)). وسلمة بن وردان ضعيف
ولم يسمع من علي. وحديث ميمونة رواه مسلم والنسائي من رواية ابن عباس: ((عن ميمونة
قالت: سمعت رسول الله عَّم يقول: صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد
إلاَّ مسجد الكعبة)). وفي أول الحديث قصة. وحديث أبي سعيد رواه أبو يعلى الموصلي في
(مسنده) من رواية سهم بن منجاب عن قزعة ((عن أبي سعيد، قال: ودع رسول الله، عَّ له
رجلاً فقال له: أين تريد؟ قال: أريد بيت المقدس. فقال رسول الله، عَ له: صلاة في
مسجدي هذا أفضل من مائة صلاة في غيره إلاَّ المسجد الحرام)). وإسناده صحيح. وحديث
جبير ابن مطعم رواه أحمد والبزار وأبو يعلى في (مسانيدهم) والطبراني في (الكبير) من رواية
محمد بن طلحة بن ركانه عن جبير بن مطعم، قال: قال رسول الله، عَّهِ: ((صلاة في
مسجدي هذا .. )) فذكره، ومحمد بن طلحة لم يسمع من جبير.
وحديث عبد الله بن الزبير رواه أحمد والبزار والطبراني وبن حبان في (صحيحه) من
رواية عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن الزبير قال: ((قال رسول الله عَّله: صلاة في
مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلاّ المسجد الحرام، وصلاة
في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي هذا)). وحديث ابن عمر أخرجه

٣٧٢
٢٠ - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة / باب (١)
مسلم وابن ماجه من رواية عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما،
قال: ((صلاة في مسجدي هذا .. )) الحديث. وحديث أبي ذر رواه الطبراني في (الأوسط) من
رواية قتادة عن أبي الخليل عن عبد الله بن الصامت ((عن أبي ذر، قال: تذاكرنا ونحن عند
رسول الله، عَّله، أيهما أفضل؟ مسجد رسول الله، عَّلَّه، أو بيت المقدس؟ فقال رسول الله
عَ ◌ٍّ: صلاة في مسجدي أفضل من أربع صلوات فيه، ولنعم المصلى)).
قلت: وفي الباب عن الأرقم بن أبي الأرقم، روى حديثه أحمد والطبراني من رواية
عثمان بن عبد الله بن الأرقم عن جده الأرقم زاد الطبراني: ((وكان بدرياً إنه جاء إلى رسول
الله، عَُّلّه، فسلم عليه فقال: أين تريد؟ فقال: أردت يا رسول الله ههنا، وأومأ بيده إلى حيز
بيت المقدس قال ما يخرجك إليه أتجارة فقال قلت لا ولكن أردت الصلاة فيه قال فالصلاة
ههنا وأومأ بيده إلى مكة، خير من ألف صلاة، وأومأ بيده إلى الشام))، لفظ أحمد، وقال
الطبراني: ((صلاة ههنا خير من ألف صلاة ثمة))، ورجال إسناده عنده ثقات، وفي إسناد أحمد
بن يحيى بن عمران جهله أبو حاتم. وفيه: عن أنس، روى حديثه البزار والطبراني في
(الأوسط) من رواية أبي بحر البكراوي عن عبيد الله بن أبي زياد القداح عن حفص بن عبد
الله بن أنس عن أنس، رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله عَّهِ: ((صلاة في مسجدي
هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلاَّ المسجد الحرام)). وأبو بحر وثقه أحمد وأبو داود،
وتكلم فيه غيرهما، ولأنس حديث آخر مخالف لما تقدم في الثواب في الصلاة فيه رواه ابن
ماجه من رواية زريق الألهاني عن أنس، قال: قال رسول الله عَّهِ: ((صلاة الرجل في بيته
بصلاة، وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة، وصلاته في المسجد الذي
يجمع فيه بخمسمائة صلاة، وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة، وصلاته
في مسجدي بخمسين ألف صلاة، وصلاته في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة)). وفيه
أبو الخطاب الدمشقي يحتاج إلى الكشف. وفيه: عن جابر، روى حديثه ابن ماجه من رواية
عبد الكريم الجزري عن عطاء عن جابر أن رسول الله عٍَّ قال: ((صلاة في مسجدي أفضل
من مائة ألف صلاة فيما سواه إلاَّ المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل
من مائة ألف صلاة فيما سواه)). وإسناده جيد.
وفيه: عن سعد بن أبي وقاص، روى حديثه أحمد والبزار وأبو يعلى في (مسانيدهم)
من رواية عبد الرحمن بن أبي الزناد عن موسى بن عقبة عن أبي عبد الله القراظ عن سعد بن
أبي وقاص: أن رسول الله، عَّ له، قال: ((صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما
سواه إلاَّ المسجد الحرام)). وفيه: عن أبي الدرداء، أخرج حديثه الطبراني من رواية أم الدرداء
عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله، عَّله: ((الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة،
والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة فى بيت المقدس بخمسمائة صلاة)). وإسناده
حسن. وفيه: عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، روى حديثها الترمذي في (العلل الكبير)
قالت: قال رسول الله، عَّ له: ((صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه)). فافهم.

٣٧٣
٢٠ - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة / باب (١)
ذكر معناه: قوله: ((في مسجدي هذا) بالإشارة، يدل على أن تضعيف الصلاة في
مسجد المدينة يختص بمسجده، عَّهِ، الذي كان في زمانه مسجداً دون ما أحدث فيه بعده
من الزيادة في زمن الخلفاء الراشدين، وبعدهم تغليباً لإسم الإشارة، وبه صرح النووي، فخص
التضعيف بذلك بخلاف المسجد الحرام، فإنه لا يختص بما كان لظاهر المسجد دون باقيه،
لأن الكل يعمه اسم المسجد الحرام، قلت: إذا اجتمع الإسم والإشارة، هل تغلب الإشارة أو
الإسم؟ فيه خلاف، فمال النووي إلى تغليب الإشارة، فعلى هذا قال: إذا قال المأموم نويت
الاقتداء بزيد فإذا هو عمرو يصح اقتداؤه تغليباً للإشارة، وجزم ابن الرفعة بعدم الصحة، وقال:
لأن ما لا يجب تعيينه إذا عينه وأخطأ في التعيين أفسد العبادة. وأما مذهبنا في هذا، فالذي
يظهر من قولهم: إذا اقتدى بفلان بعينه ثم ظهر أنه غيره لا يجزيه، إذ الإسم يغلب الإشارة.
قوله: ((إلاَّ المسجد الحرام)) قال الكرماني: الاستثناء يحتمل أموراً ثلاثة: أن يكون مساوياً
لمسجد الرسول، وأفضل منه، وأدون منه. بأن يراد أن مسجد المدينة ليس خيراً منه بألف
صلاة، بل خير منه بتسعمائة مثلاً، ونحوه. وقال ابن بطال: يجوز في هذا الاستثناء أن يكون
المراد، فإنه مساو لمسجد المدينة أو فاضلاً أو مفضولاً، والأول أرجح، لأنه لو كان فاضلاً أو
مغضولاً لم يعلم مقدار ذلك إلاَّ بدليل بخلاف المساواة. قيل: يجوز أن يكون حديث عبد
الله بن الزبير الذي تقدم ذكره دليلاً على الثاني.
وقال ابن عبد البر: اختلفوا في تأويله ومعناه، فقال أبو بكر عبد الله بن نافع، صاحب
مالك: معناه أن الصلاة في مسجد رسول الله عَّةٍ أفضل من الصلاة في الكعبة بألف درجة،
وأفضل من الصلاة في سائر المساجد بألف صلاة، وقال بذلك جماعة من المالكيين، ورواه
بعضهم عن مالك، وقال عامة أهل الفقة والأثر: إن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من
الصلاة فيه لظاهر الأحاديث المذكورة فيه، على أن أميري المؤمنين: عمر بن الخطاب وعبد
الله بن الزبير، رضي الله تعالى عنهم، قالا على المنبر ما رواه أبو عمر: حدثنا أحمد بن قاسم
حدثنا ابن أبي دلھم حدثنا ابن وضاح حدثنا حامد بن یحیی حدثنا سفيان حدثنا زياد بن سعد
أبو عبد الرحمن الخراساني، وكان ثبتاً في الحديث إملاء: أخبرني سليمان بن عتيق، سمعت
ابن الزبير على المنبر يقول: سمعت عمر بن الخطاب يقول: ((صلاة في المسجد الحرام
أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه من المساجد)). ولم يرد أحد قولهما وهم القوم لا
يسكتون على ما لا يعرفون. وعند بعضهم يكون هذا كالإجماع، وعلى قول ابن نافع يلزم أن
يقال: إن الصلاة في مسجد النبي عَّهِ أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بتسعمائة
ضعف وتسعة وتسعين ضعفاً، وإذا كان كذلك لم يكن للمسجد الحرام فضل على سائر
المساجد إلاَّ بالجزء اللطيف، ولا دليل لقول ابن نافع، وكل قول لا تعضده حجة فهو ساقط.
قال القرطبي: اختلف في استثناء المسجد الحرام: هل ذلك أنه أفضل من مسجده؟ أو
هو لأن المسجد الحرام أفضل من غير مسجده عَّلِّ فإنه أفضل المساجد كلها؟ وهذا
الخلاف في أي البلدين أفضل؟ فذهب عمر وبعض الصحابة ومالك وأكثر المدنيين إلى

٣٧٤
٢٠ - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة / باب (١)
تفضيل المدينة، وحملوا الاستثناء في مسجد المدينة بألف صلاة على المساجد كلها إلاّ
المسجد الحرام، فبأقل من الألف، واحتجوا بما قال عمر، رضي الله تعالى عنه، ولا يقول عمر
هذا من تلقاء نفسه، فعلى هذا تكون فضيلة مسجد المدينة على المسجد الحرام بتسعمائة،
وعلى غيره بألف، وذهب الكوفيون والمكيون وابن وهب وابن حبيب إلى تفضيل مكة، ولا
شك أن المسجد الحرام مستثنىّ من قوله: من المساجد، وهي بالاتفاق مفضولة، والمستثنى
من المفضول مفضول إذا سكت عليه، فالمسجد الحرام مفضول، لكنه يقال: مفضول بألف
لأنه قد استثناه منها، فلا بد أن يكون له مزية على غيره من المساجد، ولم يعينها الشارع
فيتوقف فيها أو يعتمد على قول عمر، رضي الله تعالى عنه، ويدل على صحة ما قلناه قوله
عَ لقوله: ((فإني آخر الأنبياء، ومسجدي آخر المساجد)). فربط الكلام بفاء التعليل مشعرٌ بأن
مسجده إنما فضل على المساجد كلها لأنه متأخر عنها ومنسوب إلى نبي متأخر عن الأنبياء،
عليهم الصلاة والسلام، في الزمان. وقال عياض: أجمعوا على أن موضع قبره، عَّلَّهِ، أفضل
بقاع الأرض.
واختلفوا في أفضلهما ما عدا موضع القبر؟ فمن ذهب إلى تفضيل مكة احتج بحديث
عبد الله بن عدي بن الحمراء، سمع رسول الله عَّةٍ يقول، وهو واقف على راحلته بمكة:
((والله إنك لخير الأرض وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت)،
صححه ابن حبان والحاكم والترمذي والطوسي في آخرين، وعند أحمد عن أبي هريرة بسند
جيد، قال: ((وقف رسول الله عَّل بالخرورة، فقال: علمت أنك خير أرض وأحب أرض الله
إلى الله، عز وجل)) وعن ابن عباس، قال رسول الله عَّلِ لمكة: ((ما أطيبك من بلد وأحبك
إلي .. )) الحديث. قال الترمذي: حديث صحيح غريب، وعند أبي داود: حدثنا أحمد بن
صالح حدثنا عنبسة حدثني يونس وابن سمعان عن ابن شهاب عن عروة ((عن عائشة، رضي
الله تعالى عنها: أن النبي عَّهِ قال بالمدينة، ورفع يديه حتى رأى بياض إبطيه: اللهم أنت
بيني وبين فلان وفلان، لرجال سماهم، فإنهم أخرجوني من مكة وهي أحب أرض إلي)). قال
أبو عمر: وقد روي عن مالك ما يدل على أن مكة أفضل الأرض كلها، لكن المشهور عن
أصحابه في مذهبه تفضيل المدينة.
واختلفوا: هل يراد بالصلاة هنا الفرض أو هو عام في النفل والفرض؟ وإلى الأول ذهب
الطحاوي، وإلى الثاني ذهب مطرف المالكي. وقال النووي: مذهبنا يعم الفرض والنفل
جميعاً، ثم إن فضل هذه الصلاة في هذه المساجد يرجع إلى الثواب ولا يتعدى ذلك إلى
الإجزاء عن الفوائت، حتى لو كان عليه صلاتان فصلى في مسجد المدينة صلاة لم تجزه
عنهما، وهذا لا خلاف فيه. فإن قلت: سبب التفضيل هل ينحصر في كثرة الثواب على
العمل أم لا؟ قلت: قيل: لا ينحصر كتفضيل جلد المصحف على سائر الجلود. فإن قلت:
ما سبب تفضيل البقعة التي ضمت أعضاه الشريفة؟ قلت: قيل: إن المرء يدفن في البقعة التي
أخذ منها ترابه عندما يخلق، رواه ابن عبد البر من طريق عطاء الخراساني موقوفاً في

٣٧٥
٢٠ - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة / باب (٢)
كتابه (التمهيد). قلت: روى الزبير بن بكار أن جبريل، عليه الصلاة والسلام، أخذ التراب الذي
خلق منه النبي عَّل من تراب الكعبة، فعلى هذا فتلك البقعة من تراب الكعبة، فيرجع الفضل
المذكور إلى مكة إن صح ذلك. فإن قلت: هل يختص تضعيف الصلاة بنفس المسجد
الحرام أو يعم جميع مكة من المنازل والشعاب وغير ذلك؟ أم يعم جميع الحرم الذي يحرم
صيده؟ قلت: فيه خلاف، والصحيح عند الشافعية: أنه يعم جميع مكة، وصحح النووي: أنه
جميع الحرم.
٢ - بابُ مَسْجِدِ قُباءٍ
أي: هذا باب في بيان فضل مسجد قباء، بضم القاف. ذكر ابن سيده في (المحكم)
و(المخصص): أن قباء بالمد، ولم يحك غيره، يصرف ولا يصرف. وقال البكري: من العرب
من يذكّره ويصرفه، ومنهم من يؤنثه ولا يصرفه، وقال ابن الأنباري وقاسم في (كتاب الدلائل)
وقد جاءت قبا مقصورة، وأنشدا:
ولا قبلن الخيل لابة ضرغد
ولا يعينكم قبا وعوارضا
وهذا وهم منها، لأن الذي في البيت إنما هو: قنا، بنون بعد القاف، وهو جبل في ديار
بني ذبيان، كذا أنشده الرواة الموثوق بروايتم ونقلهم في هذا البيت. قلت: ولئن سلمنا أنه:
قبا، بالباء الموحدة، فيجوز أن يكون القصر فيه للضرورة، وأنكر السكري القصر فيه، ولم
يحك فيه أبو علي سوى المد، وذكر في (الموعب) عن صاحب (العين) قصره، قال ياقوت:
هو قرية على ميلين من المدينة على يسار القاصد إلى مكة، به أثر بنيان، وهناك مسجد
التقوى. وقال الرشاطي: بينها وبين المدينة ستة أميال ولما نزل بها رسول الله عَ لّه وانتقل إلى
المدينة اختط الناس بها الخطط واتصل البنيان بعضه ببعض حتى صارت مدينة، وقال ابن
قرقول: على ثلاثة أميال من المدينة. وقال الجوهري: يذكر ويؤنث، وجزم به صاحب
(المفهم) بالتذكير لأنه من: قبوت أو قبيت، فليست همزته للتأنيث بل للإلحاق.
١١٩١/٢١٤ - حدّثنا يَعْقُوبُ بنُ إِبْرَاهِيمَ قالِ حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ قال أخبرنا أيُّوبُ
عَنْ نَافِعِ أنَّ ابن عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما كانَ لاَ يُصَلِّ إلَّ فِي يَوْمَيْنِ يَوْمَ يَقْدُمُ بِمَكّةً فَإِنَّهُ
كانَ يُقْدُمُهَا ضُحَىّ فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ المَقَامِ وَيَوْمَ يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ
فإِنَّهُ كانَ يَأْتِيهِ كُلَّ سَبْتٍ فَإِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ كَرِهَ أنْ يَخْرُجَ مِنْهُ حَتَّىَ يُصَلِّيَ فِيهِ. قال وكانَ
يُحَدِّثُ أنَّ رسولَ الله عَ لَلِ كَانَ يَزُورُهُ رَاكِباً وَمَاشِياً. [الحديث ١١٩١ - أطرافه في:
١١٩٣، ١١٩٤، ٧٣٢٦].
١١٩٢ - قالَ وكانَ يَقُولُ لَهُ أََّا أَصْنَعُ كَمَا رَأيْتُ أصْحَابِي يَصْنَعُونَ وَلاَ أَمْنَعُ أحداً
أنْ يُصَلِّيَ فِي أَيِّ ساعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ غَيْرَ أنْ لاَ تَتَحَرَّوْا ◌ُلُوعَ الشَّمْسِ وَلاَ غُرُوبَهَا.
"[أنظر الحديث ٥٨٢ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، فإنه يدل على فضل مسجد قباء، والترجمة فيه.

٣٧٦
٢٠ - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة / باب (٢)
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: يعقوب بن إبراهيم بن كثير: يكنى أبا يوسف ونسب
إلى دورق وليس هو ولا أهله من بلد دورق، وإنما كانوا يلبسون قلانس تسمى الدورقية فنسبوا
إليها. الثاني: ابن علية، بضم العين المهملة وفتح اللام وتشديد الياء آخر الحروف: واسمه
إسماعيل بن إبراهيم بن سهم المعروف بابن علية وهي أمه. الثالث: أيوب بن كيسان
السختياني. الرابع: نافع مولى ابن عمر. الخامس: عبد الله بن عمر.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في
موضع واحد. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: أن الستة مشاركون في الرواية عن يعقوب
شيخه. وفيه: أن أصل ابن علية من الكوفة وأن أيوب بصري ونافع مدني. وفيه: أن أيوب رأى
أنس بن مالك، فعلى قول من يجعله من التابعين يكون فيه رواية التابعي عن التابعي عن
الصحابي.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الصلاة عن أبي
النعمان عن حماد عنه ببعضه. وأخرجه مسلم في الحج عن أحمد بن منيع عن إسماعيل
ببعضه، ورواه مسلم وأبو داود متصلاً والبخاري تعليقاً من رواية عبد الله بن نمير عن عبيد الله
بن عمر عن نافع ((عن ابن عمر، قال: كان رسول الله عَّ لَه يأتي مسجد قباء راكباً وماشياً
فيصلي فيه ركعتين))، واتفق عليه الشيخان وأبو داود أيضاً من رواية يحيى بن سعيد عن عبيد
الله بن عمر فذكره دون قوله: ((فيصلي فيه ركعتين))، وروى البخاري ومسلم والنسائي من
رواية عبد الله بن دينار ((عن ابن عمر: أن رسول الله عَ ليه كان يأتي قباء راكباً وماشياً))، زاد
ابن عيينة وعبد العزيز بن مسلم: ((كل سبت))، وروى الترمذي وابن ماجه من حديث أسيد بن
ظهير الأنصاري، وكان من أصحاب النبي عَّلم يحدث، قال: الصلاة في مسجد قباء كعمرة،
وروى النسائي وابن ماجه من حديث أمامة بن سهيل بن عنيف عن أبيه عن النبي عَ لّه قال:
((من خرج حتى يأتي المسجد، مسجد قباء، فيصلي فيه كان له عدل عمرة)). وروى الطبراني
من رواية يزيد بن عبد الملك النوفلي عن سعيد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن أبيه عن
جده أن رسول الله عَ لَه قال: ((من توضأ فأسبغ الوضوء ثم عمد إلى مسجد قباء لا يريد غيره
ولا يحمله على الغدو إلاَّ الصلاة في مسجد قباء، فصلى فيه أربع ركعات يقرأ في كل ركعة
بأم القرآن كان له كأجر المعتمر إلى بيت الله)). ويزيد بن عبد الملك ضعيف، وروى
الطبراني من رواية يحيى بن يعلى حدثنا ناصح عن سماك ((عن جابر بن سمرة قال: لما سأل
أهل قباء النبي عَّهِ أن يبني لهم مسجداً قال رسول الله عَ له: ليقم بعضكم فيركب الناقة
فقام أبو بكر، رضي الله تعالى عنه، فركبها فحركها، فلم تنبعث فرجع فقعد، فقام عمر فركبها
فحركها فلم تنبعث فرجع فقعد، فقال رسول الله عَ لَّهِ: ليقم بعضكم فيركب الناقة، فقام
علي، رضي الله تعالى عنه، فلما وضع رجله في غرز الركاب انبعثت به. قال رسول الله عَّ لهم.
يا علي: إرخ زمامها وابنوا على مدارها فإنها مأمورة))، ويحيى بن يعلى ضعيف، وروى
الطيراني أيضاً من رواية سويد بن عامر بن يزيد بن جارية ((عن الشمرس بن النعمان قالت:

٣٧٧
٢٠ - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة / باب (٢)
نظرت إلى رسول الله عَّلِ حين قدم ونزل وأسس هذا المسجد، مسجد قباء، فرأيته يأخذ
الحجر أو الصخرة حتى يهصره الحجر، فأنظر إلى بياض التراب على بطنه أو سرته، فيأتي
الرجل من أصحابه ويقول: بأبي وأمي يا رسول الله، أعطني أكفك! فيقول: لا، خذ مثله حتى
أسسه)). ويقال إن جبريل، عليه الصلاة والسلام، هو يؤم الكعبة. قالت: فكان يقال إنه أقدم
مسجد قبلة، وسويد بن عامر، ذكره ابن حبان في الثقات، وباقي رجاله أيضاً ثقات.
ذكر معناه: قوله: ((هو الدورقي))، رواية أبي ذر، وفي رواية غيره: ((يعقوب بن إبراهيم))
فقط. قوله: ((من الضحى)) أي: في الضحى أو من جهة الضحى. قوله: ((يوم يقدم)) يجوز
في: يوم، الرفع والجر. أما الرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: أحدهما يوم يقدم فيه
مكة، وأما الجر فعلى أنه بدل من: يومين، و: يقدم، بضم الدال. قوله: ((فإنه كان)) أي: فإن
ابن عمر كان يقدم مكة ((ضحى)) أي: في ضحوة النهار. قوله: ((خلف المقام)) أي: مقام
إبراهيم، عليه الصلاة والسلام. قوله: ((ويوم)) عطف على: يوم، الأول ويجوز فيه الوجهان
أيضاً. قوله: ((كان يزوره) أي: يزور مسجد قباء. قوله: ((وكان يقول)) أي: ابن عمر. قوله:
(ولا أمنع أحداً إن صلى) بفتح الهمزة لأنها مصدرية، والتقدير: ولا أمنع أحداً الصلاة. قوله:
(لا يتحروا)) أي: لا يقصدوا ((طلوع الشمس)) معناه: لا يصلوا وقت طلوع الشمس ولا وقت
غروبها، ويصلوا في غير هذين الوقتين في أي ساعة شاؤوا.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: دلالة على فضل قباء وفضل المسجد الذي بها وفضل
الصلاة فيه. وفيه: استحباب زيارة مسجد قباء والصلاة فيه اقتداء بالنبي، عَّةٍ، وكذلك
يستحب أن يكون يوم السبت. فإن قلت: ما الحكمة في تخصيص زيارته يوم السبت؟ قلت:
قيل: يحتمل أن يقال: لما كان هو أول مسجد أسسه في أول الهجرة، ثم أسس مسجد
المدينة بعده، وصار مسجد المدينة هو الذي يجمع فيه يوم الجمعة وتنزل أهل قباء وأهل
العوالي إلى المدينة لصلاة الجمعة، ويتعطل مسجد قباء عن الصلاة فيه وقت الجمعة، ناسب
أن يعقب يوم الجمعة بإتيان مسجد قباء يوم السبت والصلاة فيه لما فاته من الصلاة فيه يوم
الجمعة، وكان عَّلِ حسن العهد. وقال: ((حسن العهد من الإيمان)). ويحتمل أنه لما كان أهل
مسجد قباء ينزلون إلى المدينة يوم الجمعة ويحضرون الصلاة معه عَّ له، أراد مكافأتهم بأن
يذهب إلى مسجدهم في اليوم الذي يليه، وكان يحب مكافأة أصحابه حتى كان يخدمهم
بنفسه، ويقول: إنهم كانوا لأصحابي مكرمين فأنا أحب أن أكافئهم. ويحتمل أنه كان يوم
السبت فارغاً لنفسه، فكان يشتغل في بقية الجمعة بمصالح الخلق من أول يوم الأحد على
القول بأنه أول أيام الأسبوع، ويشتغل يوم الجمعة بالتجميع بالناس، ويتفرغ يوم السبت لزيارة
أصحابه والمشاهد الشريفة، ويحتمل أنه لما كان ينزل إلى الجمعة بعض أهل قباء ويتخلف
بعضهم ممن لا يجب عليه أو يعذر، فيفوت من لم يحضر منهم يوم الجمعة رؤيته
ومشاهدته، تدارك ذلك بإتيانه مسجد قباء ليجتمعوا إليه هنالك، فيحصل لهم من الغائبين يوم
الجمعة نصيبهم منه يوم السبت.

٣٧٨
٢٠ - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة / باب (٣)
وفيه: دليل على جواز تخصيص بعض الأيام بنوع من القرب، وهو كذلك إلاَّ في
الأوقات المنهي عنها، كالنهي عن تخصيص ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي أو تخصيص
يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، وقد روى عمر بن شيبة في (أخبار المدينة) تأليفه من رواية
ابن المنكدر: ((عن جابر، كان: النبي عَّ يأتي قباء صبيحة سبع عشرة من رمضان))، وروى
من رواية الدراوردي ((عن شريك بن عبد الله: كان رسول الله عٍَّ يأتي قباء يوم الإثنين)).
وقال صاحب (المفهم): وأصل مذهب مالك كراهة تخصيص شيء من الأوقات بشيء من
القرب إلاَّ ما ثبت به توقيف. وفيه: حجة على من كره تخصيص زيارة قباء يوم السبت، وقد
حكاه عياض عن محمد بن مسلمة من المالكية مخافة أن يظن أن ذلك سنة في ذلك اليوم.
قال عياض: ولعله لم يبلغه هذا الحديث، وقد احتج ابن حبيب من المالكية بزيارته عَ لَّه
مسجد قباء راكباً وماشياً، على أن المدني إذا نذر الصلاة في مسجد قباء لزمه ذلك، وحكاه
عن ابن عباس، فإن قلت: ما الجمع بين قوله عَّه في الحديث الصحيح: ((لا تشد الرحال
إلّ إلى ثلاثة مساجد))، وبين كونه كان يأتي مسجد قباء راكباً؟ قلت: قباء ليس مما تشد إليه
الرحال، فلا يتناوله الحديث المذكور. قال الواقدي: عن مجمع بن يعقوب عن سعيد بن عبد
الرحمن بن رقيش، قال: كان مسجد قباء في موضع الأسطوانة المخلفة الخارجة في رحبة
المسجد، قال عبد الرحمن: حدثني نافع أن ابن عمر كان إذا جاء قباء صلى إلى الاسطوانة
المخلفة، يقصد بذلك مسجد النبي عَّ له الأول. وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: إن ما بين
الصومعة إلى القبلة والجانب الأيمن عند دار القاضي زيادة زادها عثمان، رضي الله تعالى عنه،
وقال عروة: كان موضع مسجد قباء لامرأة يقال لها: لية، وكانت تربط حماراً لها فيه، فابتناه
سعد بن خيثمة، رضي الله تعالى عنه، مسجداً قال أبو غسان: طوله وعرضه سواء، وهو ست
وستون ذراعاً، وطول ذرعه في السماء تسع عشرة ذراعاً، وطول رحبته التي في جوفه
خمسون ذراعاً، وعرضها ست وعشرون ذراعاً، وطول منارته خمسون ذراعاً، وعرضها تسع
أذرع وشبر في تسع أذرع، وفيه ثلاثة أبواب وثلاثة وثلاثون أسطواناً ومواضع قناديله لأربعة
عشر قنديلاً، قال: وأخبرني من أثق به من الأنصار من أهل قباء أن مصلى رسول الله، عَ له،
في مسجدهم بعد صرف القبلة كان إلى حرف الأسطوان المخلق.
٣ - بابُ مَنْ أَتَى مَسْجِدَ قُبَّاءٍ كُلَّ سَبْتِ
أي: هذا باب في بيان فضل من يأتي مسجد قباء كل يوم سبت، ولما كان الباب
السابق مشتملاً على الموقوف والمرفوع، وكان الموقوف مقيداً بخلاف المرفوع، وذكر هذا
الباب لبيان تقييد إطلاق ذلك المرفوع، لأن المرفوع في الباب السابق يدل على أنه معدّ لّ.
كان يزور مسجد قباء راكباً وماشياً ولم يتعرض فيه في أي يوم كان ذلك، فبين في هذا
الباب أن زيارته مسجد قباء كان كل يوم سبت، وهذا يدل على فضيلة مسجد قباء، وكيف
لا وقد روى سهل بن حنيف عن النبي عَّ أن الذي يدخل في مسجد قباء ويصلي كان

٣٧٩
٢٠ - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة / باب (٤)
ذلك كعدل رقبة؟ وقد ذكرناه في الباب السابق، وروى عمر بن شيبة في أخبار المدينة بإسناد
صحيح: ((عن سعد بن أبي وقاص، رضي الله تعالى عنه، قال: لأن أصلي في مسجد قباء
ركعتين أحب إلي من أن آتي إلى بيت المقدس مرتين، لو يعلمون ما في قباء لصروا إليه
أكباد الإبل)) قلت: ومع هذا لم يثبت فيه تضعيف ما في المساجد الثلاثة.
١١٩٣/٢١٥ - حدّثنا مُوسَى بنُ إِسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ مُسْلِمٍ عنْ
عَبْدِ اللهِ بنِ دينَارٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما قالَ كانَ النبيُّ عَ لَّهِ يَأْتِيَ مسْجِدَّ قُبَاءٍ
كُلَّ سَبْتٍ ماشِياً وَرَاكِباً وكانَ عَبْدُ اللهِ رضي الله تعالى عنهُ يَفْعَلُهُ. [أنظر الحديث ١١٩١
وطرفيه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((كل سبت)). ورجاله قد ذكروا. وعبد العزيز بن مسلم بلفظ
الفاعل من الإسلام القسملي مر في: باب كيف يقبض العلم، ورواه مسلم والنسائي أيضاً وقد
مر الكلام فيه مستقصىّ. قوله: ((ماشياً وراكباً)) حالان مترادفان، قال الكرماني: والواو فيه
بمعنى: أو. قلت: لا حاجة إلى هذا، ولكن معناه بحسب ما تيسر له. قوله: ((يفعله)) أي: يفعل
إتيان مسجد قباء كل سبت ماشياً وراكباً.
٤ - بابُ إِثْيَانِ مَسْجِدِ قُبَاءٍ ماشياً وراكِباً
أي: هذا باب في بيان فضل إتيان مسجد قباء حال كونه راكباً وماشياً. قال بعضهم:
إنما أفرد هذه الترجمة لاشتمال الحديث على حكم آخر غير ما تقدم. قلت: ليس في صدر
الحديث حكم آخر، وإنما هو في زيادة ابن نمير. فافهم. ولو قلنا: إفراد هذه الترجمة لبيان تعدد
سنده لكان فيه الكفاية.
١١٩٤/٢١٦ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا يحيى عنْ عُبَيْدِ اللهِ قال حدَّثني نافِعٌ عنِ
ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما قال كانَ النبيُّ عَّهِ يَأْتِي قُبَاءَ رَاكِباً ومَاشِياً زَادَ ابنُ ثُمَيْرٍ قَال
حدَّثنا عُبَيْدُ اللهِ عنْ نَافِعٍ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ. [انظر الحديث ١١٩١ وطرفيه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، ورجاله قد ذكروا غير غيرة، ويحيى هو ابن سعيد القطان،
وهكذا هو غير منسوب في رواية الأكثرين، وفي رواية الأصيلي: يحيى بن سعيد وعبيد الله
هو ابن عمر العمري وابن نمير، بضم النون وفتح الميم: هو عبد الله ابن نمير، مر في أوائل
التيمم، وطريق ابن نمير وصلها مسلم وأبو يعلى، قالا: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا
أبي، قال: حدثنا عبيد الله عن نافع ((عن ابن عمر، قال: كان رسول الله عَ لّه يأتي مسجد
قباء راكباً وماشياً فيصلي فيه ركعتين))، وقال أبو بكر بن أبي شيبة في (مسنده): حدثنا عبد
الله بن نمير وأبو أسامة عن عبيد الله فذكره بالزيادة، وقال الطحاوي: هذه الزيادة مدرجة وإن
أحداً من الرواة قاله من عنده لعلمه أن النبي عٍَّ كان من عادته أن لا يجلس حتى يصلي.
وقال الكرماني فيه: إن صلاة النهار ركعتان كصلاة الليل. قلت: قد ذكرنا في حديث كعب
بن عجرة أربع ركعات فلا حجة له في انتصاره لمذهبه ههنا، والله أعلم.

٣٨٠
٢٠ - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة / باب (٥)
٥ - بابُ فَضْلٍ ما بَيْنَ القَبْرِ وَالمِنْتَرِ
أي: هذا باب في بيان فضل ما بين قبر النبي عَ له ومنبره، وأشار بهذه الترجمة بعد
ذكر فضل الصلاة في مسجد النبي عَّ في إلى أن بعض بقاع المسجد أفضل من بعض.
١١٩٥/٢١٧ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ عَبْدِ الله بنِ أبي
بَكْرٍ عنْ عَبَّادِ بنِ تَمِيمٍ عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ المَازِنِيِّ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رسولَ اللهِ عَ لِ قالَّ
ما بَيْنَ بَيْهِي ومِنْرِيّ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ.
قيل: المطابقة بين الترجمة والحديث غير تامة، لأن المذكور في الترجمة القبر، وفي
الحديث البيت، وأجيب بأن القبر في البيت، لأن المراد بيت سكناه، والنبي معَّ له دفن في
بیت سکناه.
ذكر رجاله: وهم خمسة، قد ذكروا، أما شيخه ومالك فقد تكررا، وأما عبد الله بن
أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري فقد تقدم في: باب الوضوء مرتين، وعباد،
بفتح العين وتشديد الباء الموحدة: ابن تميم بن زيد بن عاصم الأنصاري، وعبد الله بن زيد بن
عاصم المازني، بكسر الزاي بعدها نون: الأنصاري، وكلاهما قد تقدما هناك.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه: الإخبار
كذلك في موضع واحد. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: أن رواته مدنيون غير شيخه
وهو من أفراده. وفيه: رواية الرجل عن عمه وهو: عباد يروي عن عمه عبد الله بن زيد.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في المناسك عن قتيبة عن مالك بن أنس فيما
قرأ عليه عن عبد الله بن أبي بكر عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد المازني: أن رسول
الله عَ لّه قال: ((ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة)). وأخرجه النسائي فيه وفي
الصلاة عن قتيبة به.
ذكر معناه: قوله: ((ما بين بيتي)) كلمة: ما، موصولة مرفوع محلاً بالابتداء وخبره هو
قوله: ((روضة))، الروضة في كلام العرب: المطمئن من الأرض فيه النبت والعشب. قوله:
((بيتي))، هو الصحيح من الرواية وروى مكانه: ((قبري))، وجعله بعضهم تفسيراً لبيتي. قاله زيد
ابن أسلم، وحمل كثير من العلماء الحديث على ظاهره، فقالوا: ينقل ذلك الموضع بعينه إلى
الجنة، كما قال تعالى: ﴿وأورثنا الأرض نتبوا من الجنة حيث نشاء﴾ [الزمر: ٧٤]. ذكر أن
الجنة تكون في الأرض يوم القيامة، ويحتمل أن يريد به أن العمل الصالح في ذلك الموضع
يؤدي صاحبه إلى الجنة. كما قال عَّةٍ: ((إرتعوا في رياض الجنة))، يعني: حلق الذكر والعلم،
لما كانت مؤدية إلى الجنة فيكون معناه التحريض على زيارة قبره عَّ لله والصلاة في مسجده،
وكذا: ((الجنة تحت ظلال السيوف)). واستبعده ابن التين، وقال: يؤدي إلى الشنططة والشك
في العلوم الضرورية. وقيل: إنها من رياض الجنة الآن، حكاه ابن التين وأنكره، والحمل على
التأويل الثاني يحتمل وجهين: أحدهما: أن اتباع ما يتلى فيه من القرآن والسنة يؤدي إلى