Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ ١٩ - كتابُ التَّهَجُدِ / باب (٦) عن قتيبة وبشر بن معاذ، وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة وعمر بن منصور، وفي التفسير عن قتيبة أيضاً عن أبي عوانة به، وفي الرقاق عن سويد بن نصر، وأخرجه ابن ماجه في الصلاة عن هشام بن عمار. ذكر معناه: قوله: ((إن كان ليقوم)) كلمة: إن، مخففة من الثقيلة، وهي بكسر الهمزة وضمير الشأن فيه محذوف، والتقدير: أنه كان، واللام في: ليقوم، مفتوحة للتأكيد، وفي رواية كريمة: ((ليقوم يصلي))، وفي حديث عائشة: ((كان يقوم من الليل)). قوله: ((أو ليصلي))، شك من الراوي. قوله: ((حتى ترم)) قد مر تفسيره عن قريب، وفي رواية خلاد بن يحيى: ((حتى ترم، أو تنتفخ))، وعند الترمذي: ((حتى انتفخت قدماه))، وفي رواية للبخاري في تفسير الفتح: ((حتى تورمت))، وفي رواية النسائي عن أبي هريرة حتى تزلع، ولا اختلاف في الحقيقة في هذه الرواية لأن كلها ترجع إلى معنى واحد، وروى البزار من حديث محمد بن عبد الرحمن بن سفينة عن أبيه عن جده: ((أن النبي عَّه تعبد قبل أن يموت، واعتزل النساء حتى صار كأنه شن))، وفي سنده محمد بن الحجاج، قال ابن معين: ليس بثقة. قوله: ((أو ساقاه))، شك من الراوي، وفي رواية خلاد: ((قدماه))، من غير شك. قوله: ((فيقال له)) لم يذكر المقول ولا بين القائل من هو، أما المقول فمقدر تقديره: فيقال له: غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وفي حديث أبي هريرة أخرجه البزار: ((فقيل له: يا رسول الله أتفعل هذا وقد جاءك من الله أن قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟)) وفي حديث أنس، أخرجه البزار أيضاً وأبو يعلى والطبراني في (الأوسط): ((فقيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟)) وفي حديث ابن مسعود، أخرجه الطبراني في (الصغير): ((فقيل له: يا رسول الله أوليس الله قد غفر لك؟)) وفي حديث النعمان بن بشير أخرجه الطبراني: ((فقيل: يا رسول الله أوليس الله قد غفر لك؟) وفي حديث أبي جحيفة أخرجه الطبراني في (الكبير): ((فقيل: يا رسول الله قد غفر الله لك؟)). وأما بيان القائل، ففي حديث عائشة: ((لِمَ تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك؟)). وفي رواية أبي عوانة: ((فقيل له: أتتكلف هذا؟)) قوله: ((أفلا أكون عبداً شكوراً؟)) الفاء فيه للسببية، بيان أن الشكر سبب للمغفرة، والتهجد هو الشكر فلا يتركه. ذكر ما يستفاد منه: قال ابن بطال: فيه: أخذ الإنسان على نفسه بالشدة في العبادة، وإن أضر ذلك ببدنه، وله أن يأخذ بالرخصة ويكلف نفسه بما سمحت إلاّ أن الأخذ بالشدة أفضل لأنه إذا فعل عَّلَّ وقد غفر له فكيف من لم يعلم أنه استحق النار أم لا؟ وإنما ألزم الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، أنفسهم شدة الخوف لعلمهم عظيم نعمة الله عليهم، وأنه ابتدأهم بها قبل استحقاقها، فبذلوا مجهودهم في شكره مع أن حقوق الله تعالى أعظم من أن يقوم بها العباد، وقال بعض العلماء: ما ورد في القرآن والسنة من ذكر ذنب لبعض الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، كقوله: ﴿وعصى آدم ربه فغوى﴾ [طه: ١٢١]. ونحو ذلك، فليس لنا أن نقول ذلك في غير القرآن والسنة، حيث ورد، ويؤول ذلك على ترك الأولى، وسميت: ذنوباً، لعظم مقدارهم كما قال بعضهم: حسنات الأبرار سيئات المقربين، وعلى هذا فما وجه ٢٦٢ ١٩ - كتابُ التَّهَجُدِ / باب (٧) قول من سأله من الصحابة بقوله: ((أتتكلف هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟)) والجواب: أن من سأله عن ذلك إنما أراد به ما وقع في سورة الفتح، ولعل بعض الرواة اختصر عزو ذلك إلى الله، لما جاء في حديث أبي هريرة: «تفعل ذلك وقد جاءك من الله أن قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟)) ولك أن تقول دل قوله: ((وما تأخر)) على انتفاء الذنب، لأن ما لم يقع إلى الآن لا يسمى ذنباً في الخارج، وأراد الله تأمينه بذلك لشدة خوفه حيث قال النبي عَّه: ((أني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية))، فأراد لو وقع منك ذنب لكان مغفوراً، ولا يلزم من فرض ذلك وقوعه، والله تعالى أعلم. وفي ((أفلا أكون عبداً شكوراً): أن الشكر يكون بالعمل كما يكون باللسان، ومنه قوله تعالى: ﴿اعملوا آل داود شكراً﴾ [سبأ: ١٣]. فإذا وفقه الله تعالى لعمل صالح شكر ذلك بعمل آخر، ثم يكون شكر ذلك العمل الثاني بعمل آخر ثالث، فيتسلسل ذلك إلى غير نهاية. ٧ - بابُ مَنْ نامَ عِنْدَ السَّحَرِ أي: هذا باب في بيان حكم من نام عند السحر، وفي رواية الأصيلي والكشميهني: ((عند السحور))، السحر، بفتحتين: قبيل الصبح. تقول: لقيته سحرنا هذا إذا أردت به سحر ليلتك لم تصرفه، لأنه معدول عن الألف واللام، وهو معرفة، وقد غلب عليه التعريف بغير إضافة ولا ألف ولام، وإذا أردت بسحر بكرة صرفته كما في قوله تعالى: ﴿إِلّ آل لوط نجيناهم بسحر﴾ [القمر: ٣٤٠]. والسحور: ما يتسحر به، وهو أيضاً لا يكون إلاّ من قبيل الصبح، ولكل واحد من الروايتين وجه، ولكن عند السحر أوجه وأقرب. ١١٣١/١٦٠ - حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللهِ قال حدَّثنا سفْيَانُ قال حدَّثنا عَمْرُو بنُ دِينَارٍ أَنَّ عَمْرَو بنَ أوْسٍ أخبرهُ أنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ عَمْرِو بنِ العَاصِ رضي الله تعالى عنهما أخبره أَنَّ رسولَ الله عَ لّه قالَ لَهُ أَحَبُّ الصَّلاَةِ إِلَى اللهِ صلَاَةُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَأَحَبُّ الصِّيامِ إلى اللهِ صِيَامُ داوُدَ وكانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ ويَصُومُ يَوْماً ويُفْطِزَ يَوْماً. [الحديث ١١٣١ - أطرافه في: ١١٥٢، ١١٥٣، ١٩٧٤، ١٩٧٥، ١٩٧٦، ١٩٧٧، ١٩٧٨، ١٩٧٩، ١٩٨٠، ٣٤١٨، ٣٤١٩، ٣٤٢٠، ٥٠٥٢، ٥٠٥٣، ٥٠٥٤، ٥١٩٩، ٦١٣٤، ٦٢٧٧]. مطابقته للترجمة في قوله: ((وينام سدسه))، وهو النوم عند السحر كما سنبينه عن قریب. ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: علي بن عبد الله المعروف بابن المديني. الثاني: سفيان بن عيينة. الثالث: عمرو بن دينار. الرابع: عمرو بن أوس الثقفي المكي، مات سنة أربع وتسعين، وفي (تذهيب التهذيب): عمرو بن أوس الثقفي الطائفي، ذكره ابن حبان في الثقات وقال بعضهم: هو تابعي كبير، ووهم من ذكره في الصحابة، وإنما الصحبة لأبيه، وذكر الذهبي: عمرو بن أوس في (تجريد الصحابة) وقال: عمرو بن أوس الثقفي الطائفي له وفادة ٢٦٣ ١٩ - كتابُ التَّهَجُّدِ / باب (٧) ورواية، روى عنه ابنه عثمان، الخامس: عبد الله بن عمرو بن العاص. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: الإخبار بصيغة الإفراد في موضعين. وفيه: أن شيخه مدني والبقية مكيون. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي، وعلى قول من يقول: إن عمرو بن أوس من الصحابة يكون فيه رواية الصحابي عن الصحابي. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في أحاديث الأنبياء عن قتيبة. وأخرجه مسلم في الصوم عن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، كلاهما عن سفيان وعن محمد بن رافع عن عبد الرزاق. وأخرجه أبو داود فيه عن أحمد بن حنبل ومحمد بن عيسى ومسدد، ثلاثتهم عن سفيان به، وأخرجه النسائي فيه وفي الصلاة عن قتيبة به. وأخرجه ابن ماجه في الصوم عن إبراهيم بن محمد الشافعي المكي عن سفيان به. ذكر معناه: قوله: ((له)) أي: لعبد الله بن عمرو. قوله: ((أحب الصلاة إلى الله))، أحب، بمعنى المحبوب، وهو قليل إذ غالب أفعل التفضيل أن يكون بمعنى: الفاعل، وإطلاق المحبة على الله تعالى كناية عن إرادة الخير. قوله: ((صلاة داود، عليه السلام)) وقال المهلب: كان داود، عليه الصلاة والسلام، يجم نفسه بنوم أول الليل، ثم يقوم في الوقت الذي ينادي فيه الرب: هل من سائل فأعطيه سؤله؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ ثم يستدرك من النوم ما يستريح به من نصب القيام في بقية الليل، وإنما صار ذلك أحب إلى الله من أجل الأخذ بالرفق على النفوس التي يخشى منها السآمة التي هي سبب ترك العبادة، والله يحب أن يديم فضله ويوالي إحسانه، وقيل: يراد بقوله: ((أحب الصلاة إلى الله صلاة داود)) من عدا النبي عَ ◌ّ لقوله تعالى: ﴿يا أيها المزمل قم الليل إلاّ قليلا﴾ [المزمل: ١ و٢]. الآيات، وفيه نظر لأن هذا الأمر قد نسخ، وفي كتاب المحاملي: وإن صلى بعض الليل، فأي وقت أفضل؟ فيه قولان: أحدهما: أن يصلي جوف الليل، والثاني: وقت السحر ليصلي به صلاة الفجر. قوله: ((وأحب الصيام إلى الله صيام داود))، ظاهر أنه أفضل من صوم الدهر عند عدم التضرر، ولا شك أن المكلف لم يتعبد بالصيام خاصة، بل به وبالحج وبالجهاد وغير ذلك، فإذا استفرغ جهده في الصوم خاصة انقطعت قوته وبطلت سائر العبادات، فأمر أن يستبقي قوته لها. قوله: ((وكان)) أي: داود، عليه الصلاة والسلام، وهذا بيان صلاته. وقوله: ((ويصوم يوماً ويفطر يوماً)) بيان صيامه. ١١٣٢/١٦١ - حدثنا عَبْدَانُ قال أخبرني أبي عن شُعْبَةَ عنْ أَشْعَثَ قال سمِعْتُ أبي قالَ سَمِعْتُ مَسْؤُوقاً قالَ سألْتُ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها أيُّ العَمَلِ كانَ أَحَبُّ إلَى النبيِّ عَ لِ قالَتِ الدَّائِمُ قُلْتُ مَتَى كانَ يَقُومُ قالَتْ يَقُومُ إذَا سَمِعَ الصَّارِخَ. [الحديث ١١٣٢ - طرفاه في: ٦٤٦١، ٦٤٦٢]. مطابقته للترجمة في قوله: ((إذا سمع الصارخ))، والصارخ هو الديك، وإنما كان يصرخ ٢٦٤ ١٩ - كتابُ التَّهَجُّدِ / باب (٧) في حدود الثلث الأخير ووقت السحر فيه. ذكر رجاله: وهم سبعة: الأول: عبدان، بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة: واسمه عبد الله، وعبدان لقب غلب عليه، وقد مر في كتاب الوحي. الثاني: أبوه عثمان بن جبلة، بفتح الجيم والباء الموحدة، مر في: باب تضييع الصلاة عن وقتها. الثالث: شعبة بن الحجاج، وقد تكرر ذكره. الرابع: أشعث، بسكون الشين المعجمة وفتح العين المهملة وفي آخره ثاء مثلثة. الخامس: أبوه أبو الشعثاء، واسمه: سليم بن أسود المحاربي. السادس: مسروق بن الأجدع. السابع: عائشة، رضي الله تعالى عنها. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه: الإخبار بصيغة الإفراد في موضع واحد. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: السماع في موضعين. وفيه: القول في أربعة مواضع. وفيه: السؤال في موضع واحد. وفيه: أن شيخه مروزي سكن البصرة وأبوه كذلك، وشعبة واسطي وأشعث وأبوه ومسروق كوفيون. وفيه: أن شيخه مذكور بلقبه. وفيه: رواية الابن عن الأب في موضعين٦ وفيه: رواية التابعي عن الصحابية. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في هذا الباب عن محمد عن أبي الأحوص، وأخرجه في الرقاق أيضاً عن عبدان عن أبيه وأخرجه مسلم في الصلاة عن هناد عن أبي الأحوص به، وأخرجه أبو داود فيه عن إبراهيم بن موسى الرازي وهناد بن السري، كلاهما عن أبي الأحوص .. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن إبراهيم بن صدران. ذكر معناه: قوله: ((الدائم))، مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف، وهو من الدوام، وهو الملازمة العرفية لا شمول الأزمنة، لأنه متعذر وما ذاك إلاّ تكليف بما لا يطاق، ويقال: الدوام على العمل القليل يكون أكثر، وإذا تكلف المشقة في العمل انقطع عنه فيكون أقل قوله: ((الصارخ)) أي: الديك، والصرخة: الصيحة الشديدة. قال محمد بن ناصر: جرت العادة بأن الديك يصيح عند نصف الليل غالباً. وقال ابن التين: هو موافق لقول ابن عباس: نصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل، وقال ابن بطال: الصارخ يصرخ عند ثلث الليل، فكان داود، عليه الصلاة والسلام، يتحرى الوقت الذي ينادي الله فيه، هل من سائل كذا؟ والمراد من الدوام قيامه كل ليلة في ذلك الوقت لا الدوام المطلق. قلت: وبهذا يجاب عما يقال: الصارخ يدل على عدم الدوام، فيكون مناقضاً لقوله: ((الدائم)). ذكر ما يستفاد منه: فيه: الحث على المداومة على العمل وأن قليله الدائم خير من كثير ينقطع، وذلك لأن ما يدوم عليه بلا مشقة وملل تكون النفس به أنشط والقلب منشرحاً بخلاف ما يتعاطاه من الأعمال الشاقة فإنه بصدد أن يتركه كله أو بعضه أو يفعله بغير الانشراح. فيفوته خير كثير. وفيه: الاقتصاد في العبادة والنهي عن التعمق فيها. ١٦٢ - حدَّثنا محَمَّدُ بنُ سَلاَمٍ قال أخبرنا أبُو الأخوَصِ عنِ الأشْعَثِ قال إذا سَمِعَ ٢٦٥ ١٩ - كتابُ التَّهَجُدِ / باب (٧) الصَّارِخَ قامَ فَصَلَّى هذا طريق آخر فى الحديث السابق، رواه عن محمد وهو ابن سلام، وكذا هو في رواية أبي ذر، ومحمد بن سلام، وكذا نسبه أبو علي السكن، قال الجياني في نسخة أبي ذر عن أبي أحمد الحموي حدثنا محمد بن سالم، وقال أبو الوليد الباجي: محمد بن سالم، وساق الحديث: حدثنا محمد بن سالم وعلي سالم علامة الحموي، قال: وسألت عنه أبا ذر فقال: أراه بن سلام، وسها فيه أبو محمد الحموي، ولا أعلم في طبقة البخاري محمد بن سالم، ورواه الإسماعيلي عن محمد بن يحيى المروزي: حدثنا خلف ابن هشام حدثنا أبو الأحوص عن أشعث عن أبيه عن مسروق والأسود قال: سألت عائشة .. الحديث، ثم قال: ولم يذكر البخاري بعد شعث في هذا أحداً، وأبو الأحوص اسمه: سلام بن سليم الكوفي، مر في: باب النحر بالمصلى. وأخرجه مسلم من طريقه فقال: حدثني هناد بن السري، قال: حدثنا أبو الأحوص عن أشعث عن أبيه ((عن مسروق قال: سألت عائشة، رضي الله تعالى عنها، عن عمل رسول الله عَّ الله فقالت: كان يحب الدائم. قال: قلت: أي حين كان يصلي؟ فقالت: كان إذا سمع الصارخ قام فصلى)). ورواه أبو داود أيضاً: حدثنا إبراهيم أخبرنا أبو الأحوص وحدثنا هناد عن أبي الأحوص، وهذا حديث إبراهيم عن أشعث عن أبيه ((عن مسروق، قال: سألت عائشة، رضي الله تعالى عنها، عن صلاة رسول الله عَ ليه فقلت لها: أي حين كان يصلي؟ قالت: كان إذا سمع الصراخ قام فصلى)) قوله: ((إذا سمع الصراخ))، أي: صياح الديك، وهذا يدل على أن قيامه عَ لِّ كان يكون في الثلث الأخير من الليل، لأن الديك ما يكثر الصياح إلاّ في ذلك الوقت، وإنما اختار عَِّ هذا الوقت لأنه وقت نزول الرحمة ووقت السكون وهدوء الأصوات. ١١٣٣/١٦٣ - حدّثنا مُوسى بنُ إِسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا إِبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ قال ذَكَر أبِي عنْ أبِي سَلَمَة عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ ما ألْفَاهُ السَّحَرُ عِنْدِي إِلاَّ نَائِماً تَعْنِي النبيَّ عَلِ. مطابقته للترجمة ظاهرة لأن نومه عَّ اللّه كان عند السحر. ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: موسى بن إسماعيل المنقري الذي يقال له التبوذكي. الثاني: إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أبو إسحاق الزهري، كان على قضاء بغداد. الثالث: أبوه سعد بن إبراهيم. الرابع: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف. الخامس: أم المؤمنين عائشة، رضي الله تعالى عنها. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: الرواية بطريق الذكر وقد رواه أبو داود عن أبي توبة فقال: حدثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه. وأخرجه الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان عن جمعة بن عبد الله عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن عمه أبي سلمة بن عبد الرحمن به. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضعين. ٢٦٦ ١٩ - كتابُ التَّهَجَدِ / باب (٧) وفيه: رواية الابن عن الأب. وفيه: رواية الرجل عن عمه وهو سعد بن إبراهيم يروي عن عمه كما صرح في في رواية الإسماعيلي. وفيه: رواية التابعي عن التابعي، فإن سعد بن إبراهيم من أجلة التابعين وفقهائهم وصالحيهم. وفيه: رواية التابعي عن الصحابية. ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الصلاة عن أبي كريب عن محمد بن بشر. وأخرجه أبو داود فيه عن أبي توبة الربيع بن نافع عن إبراهيم بن سعد، وأخرجه ابن ماجه فيه عن علي بن محمد. ذكر معناه: قوله: ((ما ألفاه))، بالفاء أي: ما وجده، يقال: ألفيت الشيء أي: وجدته، وتلافيته أي: تداركته. قال تعالى: ﴿وألفيا سيدها لدى الباب﴾ [يوسف: ٢٥]. أي: وجداه. قوله: ((السحر)) بالرفع لأنه فاعل ((ألفاه))، والضمير المنصوب في: ألفاه، راجع إلى النبي عَِّ، ولا يقال: إنه إضمار قبل الذكر لأن أبا سلمة كان سألت عائشة عن نوم النبي عَ لّه وقت السحر بعد ركعتي الفجر، وكانتا في ذكر النبي عَّه، وأيضاً فسرت عائشة الضمير بقولها: تعني النبي عَِّ فإن قلت: وقت السحر يطلق على قبيل الصبح عند أهل اللغة، وأيضاً اشتقاق السحور منه، لأنه لا يجوز إلاّ قبل انفجار الصبح، فهل كان نومه في هذا الوقت أو في غيره؟ قلت: قال بعضهم: المراد نومه بعد القيام الذي مبدؤه عند سماع الصارخ. انتهى. والذي يظهر لي أنه اضطجاعه بعد ركعتي الفجر، وعلى هذا ترجم مسلم فقال: باب الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، ثم روى الحديث المذكور، فقال: حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن بشر عن مسعر عن سعد عن أبي سلمة ((عن عائشة ما ألفى رسول الله عَ ليه السحر على فراشي أو عندي إلاّ نائماً)). ويؤيد ما ذكرناه ترجمة الباب الذي عقيب الباب المذكور، يظهر ذلك بالتأمل، وذكر بعض من يعتني بشرح الأحاديث في (شرح سنن أبي داود) في تفسير هذا الحديث. قوله: ((ما ألفاه السحر عندي إلا نائماً)) يعني: ما أتى عليه السحر عندي إلاّ وهو نائم، فعلى هذا كانت صلاته بالليل، وفعله فيه إلى السحر، ويقال: هذا النوم هو النوم الذي كان داود، عليه الصلاة والسلام، ينام، وهو أنه كان ينام أول الليلة ثم يقوم في الوقت الذي ينادي فيه الله، عز وجل، هل من سائل؟ ثم يستدرك من النوم ما يستريح به من نصب القيام في الليل، وهذا هو النوم عند السحر، على ما بوب له البخاري، وقال ابن التين: قولها: ((إلاّ نائماً)) أي: مضطجعاً على جنبه، لأنها قالت في حديث آخر: ((فإن كنت يقظانة حدَّثني وإلاّ اضطجع حتى يأتيه المنادي للصلاة))، فيحصل بالضجعة الراحة من نصب القيام، ولما يستقبله من طول صلاة الصبح، فلهذا كان ينام عند السحر. وقال ابن بطال: النوم وقت السحر كان يفعله النبي عَّه في الليالي الطوال، وفي غير شهر رمضان، لأنه قد ثبت عنه تأخير السحور، على ما يأتي في الباب الذي بعده. ٢٦٧ ١٩ - كتابُ التَّهَجُدِ / باب (٨) ٨ - بابُ مَنْ تَسَخَّرَ ثُمَّ قامَ إلى الصَّلاَةِ فَلَمْ يَتَمْ حَتَّى صَلَّى الصبْحَ أي: هذا باب في بيان حال من تسحر ثم قام إلى الصلاة، أي: صلاة الصبح، فلم ينم بعد التسحر حتى صلى الصبح، هذه الترجمة على هذا الوجه في رواية الحموي والمستملي، وفي رواية الأكثرين: باب من تسحر فلم ينم حتى صلى الصبح. ١١٣٤/١٦٤ - حدّثنا يَعْقُوبُ بنُ إِبْرَاهِيمَ قال حدَّثنا رَوْعٌ قال حدَّثنا سعِيدٌ عنْ فَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ بنِ مالِكِ رضي الله تعالى عنه أَنَّ نَبِيَّ اللهِ عَّ ◌ُلّهِ وَزَيْدَ بنَ ثَابِتٍ رضي الله تعالى عنهُ تَسَخَّرا فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا قَامَ نَبِيُّ الله عَّهِ إِلَى الصَّلاةِ فصَلَّى قُلْنَا لِأَنَسِ كَمْ كانَ بَيْنِ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلاَةِ. قال كَقَدْرِ ما يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً. [انظر الحديث ٥٧٦]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وقد مضى الحديث في: باب وقت الفجر، في كتاب مواقيت الصلاة، فإنه أخرجه هناك: عن عمرو بن عاصم عن همام عن قتادة عن أنس، وأخرجه أيضاً هناك: عن الحسن بن الصباح سمع روح بن عبادة، قال: حدثنا سعيد عن قتادة عن أنس، وهنا أخرجه: عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي عن روح، بفتح الراء: ابن عبادة، وقد مضى الكلام فيه مستوفیّ. ٩ - بابُ طُولِ الصَّلاَةِ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ أي: هذا باب في بيان طول الصلاة في قيام الليل، هذه الترجمة على هذا الوجه للحموي والمستملي، وفي رواية الأكثرين: باب طول القيام في صلاة الليل، قال بعضهم: وفي حديث الباب موافق لرواية الحموي، لأنه دال على طول الصلاة لا على طول القيام بخصوصه، إلاّ أن طول الصلاة يستلزم طول القيام، لأن غير القيام كالركوع مثلاً لا يكون أطول من القيام. قلت: لا نسلم أن طول الصلاة يستلزم طول القيام، فمن أين الملازمة؟ فربما يطول المصلي ركوعه وسجوده أطول من قيامه، وهو غير ممنوع لا شرعاً ولا عقلاً، وقوله: ((كالركوع))، مثلا: لا يكون أطول من القيام غير مسلم، لأن عدم كون الركوع أطول من القیام ممنوع، کما ذکرنا. ١١٣٥/١٦٥ - حدّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنِ الأعْمَشِ عَنْ أبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله تعالى عنه قال صَلَّيْتُ مَعَ النبيِّ عَّهِ لَيْلَةً فَلَمْ يَزَلْ قَائِماً حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْرِ سَوْءٍ قُلْنَا وما هَمَمْتُ قال هَممتُ أنْ أَقْعُدَ وَأَذَرَ النبيَ عَلِ. مطابقته للترجمة ظاهرة الدلالة. ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: سليمان بن حرب أبو أيوب الواشحي، حكى البرقاني عن الدارقطني أن سليمان بن حرب تفرد برواية هذا الحديث عن شعبة. الثاني: شعبة بن الحجاج. الثالث: سليمان الأعمش. الرابع: أبو وائل، اسمه شقيق بن سلمة الأسدي. الخامس: عبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنه. : ٢٦٨ ١٩ - كتابُ التَّهَجْدِ / باب (٩) ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: أن شيخه بصري وشعبة واسطي والأعمش وأبو وائل كوفيان. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي. ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الصلاة عن عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم، كلاهما عن جرير وعن إسماعيل بن الخليل وسويد بن سعيد، كلاهما عن علي بن مسهر. وأخرجه ابن ماجه في الصلاة عن عبد الله بن عامر وسويد بن سعيد. ذكر معناه: قوله: ((حتى هممت)) أي: قصدت. قوله: ((بأمر سوء))، يجوز فيه إضافة أمر إلى سوء، ويجوز أن يكون: سوء صفة لأمر، وهذا السوء من جهة ترك الأدب، وصورة المخالفة، وإن كان القعود جائزاً في النفل مع القدرة على القيام. قوله: ((وأذر النبي عٍَّ)) أي: أتركه، أراد أن يقعد لا أنه يخرج عن الصلاة، وهذه اللفظة أمات العرب ماضيها كما في: يدع. ذكر ما يستفاد منه: قال ابن بطال، رحمه الله، فيه: دليل على طول القيام في صلاة الليل، لأن ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه، كان جلداً قوياً محافظاً على الاقتداء بالنبي عَ ليهِ، وما هم بالقعود إلّ عن طول كثير، وقد اختلف العلماء: هل الأفضل في صلاة التطوع طول القيام أو كثرة الركوع والسجود؟ فذهب بعضهم إلى أن كثرة الركوع والسجود أفضل، واحتجوا في ذلك بما رواه مسلم عن ثوبان: أفضل الأعمال كثرة الركوع والسجود، قاله النبي عَّ له، ولما سأله ربيعة بن كعب مرافقته في الجنة، قال: ((أعني على نفسك بكثرة السجود))، واحتجوا أيضاً بما رواه ابن ماجه من حديث عبادة بن الصامت أنه سمع رسول الله عَ ليه. يقول: ((ما من عبد يسجد لله سجدة إلاَّ كتب الله، عز وجل، له بها حسنة ومحا عنه بها سيئة، ورفع لها بها درجة، فاستكثروا من السجود)). وروى ابن ماجه أيضاً من حديث كثير ابن مرة: ((أن أبا فاطمة حدثه، قال: قلت: يا رسول الله! أخبرني بعمل أستقيم عليه وأعمله! قال: عليك بالسجود فإنك لا تسجد لله سجدة إلاَّ رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة)) وبما روى الطحاوي، قال: حدثنا فهد، قال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد، قال: حدثنا أبو الأحوص وخديج عن أبي إسحاق ((عن المخارق، قال: خرجنا حجاجاً فمررنا بالربذة، فوجدنا أبا ذر قائماً يصلي، فرأيته لا يطيل القيام ويكثر الركوع والسجود، فقلت له في ذلك فقال: ما ألوت أن أحسن أني سمعت رسول الله عَّله يقول: من ركع ركعة وسجد سجدة رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة)). وأخرجه أحمد أيضاً في (مسنده) والبيهقي في (سننه). قلت: أبو الأحوص سلام بن سليم، وخديج بن معاوية ضعفه النسائي، وقال لأحمد: لا أعلم إلاَّ خيراً. واسم أبي إسحاق: عمرو بن عبد الله السبيعي، والمخارق، بضم الميم: غير منسوب، قال الذهبي: مجهول. وفي (التكميل)؛ وثقه ابن حبان، والربذة: قرية من قرى المدينة بها قبر أبي ذر، رضي الله تعالى عنه، واسم أبي ذر: جندب بن جنادة الغفاري. قوله: ((ما ألوت)) أي: ما قصرت، وروى ٢٦٩ ١٩ - كتابُ التَّهَجْدِ / باب (٩) الطحاوي أيضاً من حديث عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهما، أنه: ((رأى فتى وهو يصلي وقد أطال صلاته، فلما انصرف منها قال: من يعرف هذا؟ قال رجل: أنا. فقال عبد الله: لو كنت أعرفه لأمرته أن يطيل الركوع والسجود، فإني سمعت رسول الله عَ ليه يقول: إذا قام العبد يصلي أتى بذنوبه فجعلت على رأسه وعاتقه، فكلما ركع أو سجد تساقطت عنه)). وأخرجه البيهقي أيضاً، ويقول أهل هذه المقالة: قال الأوزاعي والشافعي: في قول، وأحمد في رواية، ومحمد بن الحسن، ويحكى ذلك عن ابن عمر، وذهب قوم إلى أن طول القيام أفضل، وبه قال الجمهور من التابعين وغيرهم، ومنهم مسروق وإبراهيم النخعي والحسن البصري وأبو حنيفة. وممن قال به أبو يوسف والشافعي في قول، وأحمد في رواية، وقال أشهب: هو أحب إلي لكثرة القراءة، واحتجوا في ذلك بحديث الباب، وبما رواه مسلم من حديث جابر: ((سئل رسول الله عٍَّ: أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت)). وأراد به طول القيام، وبما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن حبش الخثعمي: ((إن النبي عَّه سئل: أي الصلاة أفضل؟ فقال: طول القيام)). وهذا يفسر قوله عَ له: ((طول القنوت)) وإن كان القنوت يأتي بمعنى: الخشوع وغيره. ومما يستفاد من الحديث المذكور أنه ينبغي الأدب مع الأئمة الكبار، وأن مخالفة الإمام أمر سوء، قال تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾ الآية. ١١٣٦/١٦٦ - حدّثنا حَفْصُ بنُ عُمرَ قال حدَّثنا خالِدُ بنُ عَبْدِ اللهِ عنْ حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله تعالى عنهُ أن النبيَّ عَِّ كانَ إِذَا قَامَ لِلتَّهَُجِدِ مِنَ اللَّيْلِ : يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ. [انظر الحديث ٢٤٥ وأطرافه]. قال ابن بطال: هذا الحديث لا دخل له في الباب لأن شوص الفم لا يدل على طول الصلاة. قال: ويمكن أن يكون ذلك من غلط الناسخ، فكتبه في غير موضعه أو أن البخاري أعجلته المنية عن تهذيب كتابه وتصفحه، وله فيه مواضع مثل هذا تدل على أنه مات قبل تحرير الكتاب. وقال ابن المنير: يحتمل أن يكون أراد أن حذيفة روى قال: ((صليت مع النبي عَّلِ ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة فمضى، فقلت: يصلي بها في ركعة فمضى .. )) الحديث. فكأنه لما قال: يتهجد، وذكر حديثه في السواك، وكان يتسوك حين يقوم من النوم، ولكل صلاة ففيه إشارة إلى طول القيام، أو يحمل على أن في الحديث إشارة من جهة أن استعمال السواك حينئذ يدل على ما يناسبه من إكمال الهيئة والتأهب للعبادة، وذلك دليل على طول القيام، إذ النافلة المخففة لا يتهيأ لها هذا التهيؤ الكامل. انتهى. وقيل: أراد بهذا الحديث استحضار حديث حذيفة المذكور الذي أخرجه مسلم، وإنما لم يخرجه لكونه على غير شرطه. وقال بعضهم: يحتمل أن يكون بيض الترجمة بحديث حذيفة، فضم الحديث الذي بعده إلى الحديث الذي قبله. انتهى. قلت: هذه كلها تعسفات لا طائل تحتها، أما ابن بطال فإنه لم يذكر شيئاً ما في توجيه وضع هذا الحديث في هذا الباب، وإنما ذكر وجهين: أحدهما: نسبة هذا إلى الغلط من الناسخ، وهذا بعيد، لأن الناسخ ٢٧٠ ١٩ - كتابُ التَّهَجَّدِ / باب (١٠) لم يأت بهذا الحديث من عنده وكتبه هنا. والثاني: أنه اعتذر من جهة البخاري بأنه لم يدرك تحريره، وفيه نوع نسبة إلى التقصير، وأما كلام ابن المنير فإنه لا يجدي شيئاً في توجيه هذا الموضع، لأن حاصل ما ذكره من الطول هو الخارج عن ماهية الصلاة، وليس المراد من الترجمة مطلق الطول، وإنما المراد هو الطول الكائن في هيئة الصلاة، وأما القائل الذي وجه بقوله: أراد بهذا الحديث استحضار حديث حذيفة، فإنه توجيه بعيد، لأن استحضار حديث أجنبي بالوجه الذي ذكره لا يدل على المطابقة، وأما كلام بعضهم، فاحتمال بعيد، لأن تبييض الترجمة لحديث حذيفة لا وجه له أصلاً لعدم المناسبة، ولكن يمكن أن يعتذر عن البخاري في وضعه هذا الحديث هنا بوجه مما يستأنس به، وهو أن الترجمة في طول القيام في صلاة الليل وحديث حذيفة فيه القيام للتهجد، والتهجد في الليل غالباً يكون بطول الصلاة، وطول الصلاة غالباً يكون بطول القيام فيها، وإن كان يقع أيضاً. بطول الركوع والسجود. ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: حفص بن عمر بن الحارث أبو عمر الحوضي. الثاني: خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن الطحان. الثالث: حصين، بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره نون: ابن عبد الرحمن السلمي أبو الهذيل: مر في: باب الأذان بعد ذهاب الوقت. الرابع: أبو وائل شقيق بن سلمة. الخامس: حذيفة ابن اليمان. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: أن شيخه من أفراده، وأنه بصري وخالد واسطي وحصين وأبو وائل كوفيان. والحديث أخرجه أيضاً في: باب السواك، في كتاب الوضوء عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير عن منصور عن أبي وائل عن حذيفة، ومر الكلام فيه هناك مستوفىّ. قوله: «یشوص» أي: يدلك أو يغسل. ١٠ - بابٌ كَيْفَ صَلاَةُ اللَّيْلِ وكَيْفَ كانَ النبيُّ عََّلِ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ أي: هذا باب في بيان كيفية صلاة الليل وفي بعض النسخ: باب كيف كان صلاة النبي عَّهِ. قوله: ((وكيف كان النبي عَِّ يصلي بالليل))، وفي بعض النسخ: ((وكم كان النبي عَّ له يصلي بالليل؟)) وفي بعضها: ((من الليل)). ١١٣٧/١٦٧ - حدَّثنا أبو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال أخبرني سالِمُ بنُ عَبْدِ اللهِ أنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما قال إنَّ رَجُلاً قال يا رسولَ الله كَيْفَ صَلاةُ اللَّيْلِ قال مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خِفْتَ الصُّبْحَ قَأوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ. [أنظر الحديث ٤٧٢ وأطرافه]. مطابقته للجزء الأول من الترجمة ظاهرة، والحديث قد مر ذكره في: باب ما جاء في الوتر، أخرجه عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن نافع وعبد الله بن دينار ((عن ابن عمر: أن ٢٧١ ١٩ - كتابُ التَّهَجُّدِ / باب (١٠) رجلاً سأل النبي عَّ له عن صلاة الليل؟ .. )) الحديث. وأبو اليمان الحكم بن نافع، وشعيب بن أبي حمزة والزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وقد مر الكلام فيه هناك مستقصى. ١١٣٨/١٦٨ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا يَخْيَى عنْ شُعْبَةَ قال حدَّثني أبُو جَمْرَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال كانتْ صَلاَةُ النبيِّ عَ لِّ ثَلاَث عَشْرَةَ رَكْمَةٌ يَعْنِي بِاللَّيْلِ. مطابقته للجزء الثاني للترجمة ظاهرة، وقد مضى الكلام فيه أيضاً في أبواب الوتر، ويحيى هو القطان وأبو جمرة، بالجيم والراء المهملة: واسمه نصر بن عمران الضبعي. ١١٣٩/١٦٩ - حدّثنا إِسْحَاقُ قال حدَّثنا عُبَيْدُ اللهِ قال أخبرنا إِسْرَائِيلُ عنْ أبي حَصينٍ عنْ يَخيِى بِنِ وَتَّبٍ عنْ مَسْرُوقٍ، قال سألْتُ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها عنْ صَلاَةٍ رسولِ اللهِ عَّهِ بِاللَّيْلِ فقالت سَبْعٌ وتِسْعٌ وَإِحْدَى عَشْرَةَ سِوَى رَكْعَتَيِ الفَجْرِ. مطابقته للجزء الثاني للترجمة كما في الحديث السابق. ذكر رجاله: وهم سبعة: الأول: إسحاق. قال الجياني: لم أجده منسوباً لأحد من رواة الكتاب، وذكر أبو نصر أن إسحاق الحنظلي يروي عن عبيد الله بن موسى في (الجامع) ويريد ذلك أن أبا نعيم أخرجه كذلك ثم قال في آخره: رواه، يعني البخاري، عن إسحاق عن عبيد الله، وكذا ذكره الدمياطي أنه هو ابن راهويه، لكن الإسماعيلي رواه في كتابه عن إسحاق بن سيار النصيبيني عن عبيد الله، وإسحاق هذا صدوق ثقة، قاله ابن أبي حاتم، لكن ليس له رواية في الكتب الستة، ولا ذكره البخاري في (تاريخه الكبير) فتعين أنه الأول. الثاني: عبيد الله بن موسى بن باذام أبو محمد. الثالث: إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي. الرابع: أبو حصين، بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين، واسمه عثمان بن عاصم الأسدي. الخامس: يحيى بن وثاب، بفتح الواو وتشديد الثاء المثلثة وبعد الألف باء موحدة، مات سنة ثلاث ومائة. السادس: مسروق بن الأجدع. السابع: عائشة، أم المؤمنين، رضي الله تعالى عنها. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع. وفيه: الإخبار بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: السؤال. وفيه: القول في أربعة مواضع. وفيه: أن شيخه مروزي والبقية كلهم كوفيون. وفيه: أن البخاري روى عن عبد الله ابن موسى في هذا الحديث بواسطة، وهو من كبار مشايخه. وقد روى عنه في الحديث الذي يأتي بلا واسطة، وكأنه لم يقع له سماع منه في هذا الحديث، وفيه: أنه ليس في (الصحيح) من هو مكني بأبي الحصين غيره. وفيه: ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض وهم: أبو حصين ويحيى ومسروق. وفيه: ثلاثة ذكروا بلا نسبة مطلقاً وواحد بالكناية. ذكر ما يستفاد منه: دل هذا الحديث أنه، عَّ له، كان يصلي من الليل سبع ركعات ٢٧١ ١٩ - كتابُ التَّهَجُدِ / باب (١٠) وتسع ركعات، وروى النسائي من حديث يحيى بن الجزار عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، أنه يصلي من الليل تسعاً، فلما أسن صلى سبعاً، ودل أيضاً أنه كان يصلي إحدى عشرة ركعة سوى ركعتي الفجر، وهما سنة، فتكون الجملة ثلاث عشرة ركعة. فإن قلت: في (الموطأ): من حديث هشام عنها أنه: كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، ثم يصلي إذا سمع نداء الصبح ركعتين، وسيأتي في: باب ما يقرأ في ركعتي الفجر، عن عبد الله بن يوسف عن مالك به، فتكون الجملة خمس عشرة ركعة. قلت: لعل ثلاث عشرة بإثبات سنة العشاء التي بعدها. أو أنه عد الركعتين الخفيفتين عند الافتتاح أو الركعتين بعد الوتر جالساً. فإن قلت: روى في: باب قيام النبي، عَّ ◌َلّه، في رمضان: عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن سعيد عن أبي سلمة أنه سأل عائشة، فقالت: ((ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً لا تسأل عن حسنهن وطولهن،. ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً) وأخرجه مسلم أيضاً قلت: يحتمل أنها نسيت ركعتي الفجر أو ما عدتهما منها. قلت: في رواية القاسم عنها، كما يأتي عقيب حديث مسروق عنها: كان يصلي من الليل ثلاث عشرة، منها الوتر وركعتا الفجر، وفي رواية مسلم أيضاً من هذا الوجه: كانت صلاته عشر ركعات ويوتر بسجدة، ويركع ركعتي الفجر، فتلك ثلاث عشرة؟ قلت: حديث القاسم عنها محمول على أن ذلك كان غالب حاله، وأما حديث مسروق عنها فمرادها أن ذلك وقع منه في أوقات مختلفة، فتارة كان يصلي سبعاً، وتارة تسعاً، وتارة إحدى عشرة. وقال القرطبي: أشكلت روايات عائشة على كثير من أهل العلم حتى نسب بعضهم حديثها إلى الاضطراب، وقال: إنما يتأتى الاضطراب لو أنها أخبرت عن وقت مخصوص، أو كان الراوي عنها واحداً، وقال عياض: يحتمل أن إخبارها بإحدى عشرة منهن الوتر في الأغلب، وباقي رواياتها إخبار منها ما كان يقع نادراً في بعض الأوقات بحسب اتساع الوقت وضيقه، بطول قراءة أو نوم أو بعذر مرض أو غيره، أو عند كبر السن، أو تارة تعد الركعتين الخفيفتين في أول القيام، وتارة لا تعدهما. وقال ابن عبد البر، رحمه الله تعالى: وأهل العلم يقولون: إن الاضطراب عنها في الحج والرضاع وصلاة النبي عَّة بالليل وقصر صلاة المسافر لم يأت ذلك إلاّ منها، لأن الرواة عنها حفاظ، وكأنها أخبرت بذلك في أوقات متعددة وأحوال مختلفة. ومما يستفاد من هذه الأحاديث: أن قيام الليل سنة مسنونة. ١١٤٠/١٧٠ - حدَّثنا عُبَيْدُ اللهِ بنُ مُوسى قال أخبرنا حَنْظَلَةُ عنِ القاسمِ بنِ مُحَمَّدٍ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ كانَ النبيُّ عَِّ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنْهَا الوِتْرُ وَرَكْعَتا الفَجْرِ. مطابقته للترجمة ظاهرة، وقد قلنا عن قريب: إن البخاري، رحمه الله، روى حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، عن عبيد الله بن موسى فيما قيل عن إسحاق عن عبيد الله هذا، وهنا روى عنه بلا واسطة، وهو يروي عن حنظلة بن أبي سفيان الجمحي القرشي من ٢٧٣ ١٩ - كتابُ التَّهَجُّدِ / باب (١١) أهل مكة، واسم أبي سفيان: الأسود بن عبد الرحمن، مات سنة إحدى وخمسين ومائة، وقد مر في أول كتاب الإيمان. وأخرجه مسلم في الصلاة عن محمد بن عبد الله بن نمير عن أبيه، وأخرجه أبو داود فيه عن محمد بن المثنى عن ابن أبي عدي،. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن سلمة المرادي عن عبد الله بن وهب، ثلاثتهم عن حنظلة به. قوله: ((ثلاث عشرة)) مبني على الفتح، وأجاز الفراء سكون الشين من عشرة. قوله: ((منها)) أيَّ من ثلاث عشرة. ١١ - بابُ قِيَامِ النَّبِيِّ عَ لَّهِ بِاللَّيلِ وَنَوْمِهِ وما نُسِخَ مِنْ قِيامِ اللَّيْلِ أي: هذا باب في بيان قيام النبي عَّ أي: صلاته بالليل. قوله: ((من نومه)) وفي بعض النسخ: ((ونومه))، بواو العطف. قوله: ((وما نسخ)) أي: باب أيضاً في بيان ما نسخ من قيام الليل. وقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ قُم اللَّيْلَ إلاَّ قَلِيلاً نِصْفَهُ أوُ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَليهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلاً إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وِطئاً وَأَقْوَمَ قِيلاً إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً﴾ [المزمل: ١ - ٧]. وقَوْلُهُ: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُخْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فاقْرَؤُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرْضِ يَتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فاقْرَؤُوا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أجْراً وَاسْتَغْفِرُوا الله إنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المزمل: ٢٠]. وقوله: بالجر عطف على قوله: ((وما نسخ من قيام الليل)) وهو إلى آخره داخل في الترجمة. قوله عز وجل: ﴿يا أيها المزمل﴾ [المزمل: ١] يعني: الملتف في ثيابه، وأصله المتزمل، وهو الذي يتزمل في الثياب، وكل من التف في ثوبه فقد تزمل، قلبت التاء زاياً وأدغمت الزاي في الزاي، وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنه قال: ﴿يا أيها المزمل﴾ [المزمل: ١] أي: يا محمد قد زملت القرآن، وقرىء المتزمل على الأصل، والمزمل، بتخفيف الزاي وفتح الميم وكسرها، على أنه اسم فاعل، أو اسم مفعول من زمله، وهو الذي زمله غيره أو زمل نفسه، وكان رسول الله، عَّ له، نائماً بالليل متزملاً في قطيفة،، فنبه ونودي بها. وعن عائشة، رضي الله تعالى عنها، أنا سئلت: ما كان تزميله؟ قالت: كان مرطاً طوله أربع عشرة ذراعاً ونصفه علي وأنا نائمة، ونصفه عليه، وهو يصلي، فسئلت: ما كان؟ فقالت: والله ما كان خزاً ولا قزاً ولا مرعزاً ولا إبريسماً ولا صوفاً، وكان سداه شعراً ولحمته وبراً، قاله الزمخشري، ثم قال: وقيل: دخل على خديجة، رضي الله تعالى عنها، وقد جئت فرقاً أول ما أتاه جبريل، عليه السلام، وبوادره ترعد، فقال: زملوني، وحسبت عمدة القاري / ج٧ / ١٨٣ ٢٧٤ ١٩ - كتابُ التَّهَجَدِ / باب (١١) أنه عرض له، فبينما هو كذلك إذ ناداه جبريل، عليه السلام، يا أيها المزمل. وعن عكرمة: أن المعنى: يا أيها الذي زمل أمراً عظيماً، أي: حمله، والزمل: الحمل، وازدمله: احتمله. انتهى. وفي (تفسير النسفي) أشار إلى أن القول الأول نداء بما يهجن إليه الحالة التي كان النبي عَّ عليها من التزميل في قطيفة، واستعداده للاشتغال في النوم، كما يفعل من لا يهمه أمر ولا يعنيه شأن، فأمر أن يختار على الهجود والتهجد، وعلى التزمل التشمر، والتخفف للعبادة والمجاهدة في الله عز وجل، فلا جرم أن رسول الله عَ ليه قد تشمر لذلك مع أصحابه حق التشمر، وأقبلوا على إحياء لياليهم، ورفضوا له الرقاد والدعاة وجاهدوا فيه حتى انتفخت أقدامهم، واصفرت ألوانهم، وظهرت السيماء في وجوههم، وترقى أمرهم إلى حد رحمهم له ربهم، فخفف عنهم. وأشار إلى أن القول الثاني: وهو قوله: وعن عائشة، ليس بتهجين بل هو ثناء عليه وتحسين لحالته التي كان عليها، وأمره أن يدوم على ذلك. قوله: ﴿قم الليل إلاَّ قليلاً﴾ أي: منه، قال أبو بكر الأدفوي: للعلماء فيه أقوال: الأول: أنه ليس بفرض، يدل على ذلك أن بعده: ﴿نصفه أو انقص منه قليلاً أو زد عليه﴾ وليس كذلك يكون الفرض، وإنما هو ندب. والثاني: أنه هو حتم. والثالث: أنه فرض على النبي عَّ له وحده، وروي ذلك عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، قال: وقال الحسن وابن سيرين: صلاة الليل فريضة على كل مسلم، ولو قدر حلب شاة. وقال إسماعيل بن إسحاق: قالا ذلك لقوله تعالى: ﴿فاقرأوا ما تيسر منه﴾، وقال الشافعي، رحمه الله: سمعت بعض العلماء يقول: إن الله تعالى أنزل فرضاً في الصلاة قبل فرض الصلوات الخمس، فقال: ﴿يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً﴾ الآية، ثم نسخ هذا بقوله: ﴿فاقرأوا ما تيسر منه﴾ ثم احتمل قوله: ﴿فاقرأوا ما تيسر منه﴾ أن يكون فرضاً ثانياً، لقوله تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك﴾ [الإسراء: ٧٩]. فوجب طلب الدليل من السنة على أحد المعنيين، فوجدنا سنة النبي عَِّ أن لا واجب من الصلوات إلّ الخمس. قال أبو عمر: قول بعض التابعين: قيام الليل فرض ولو قدر حلب شاة، قول شاذ متروك الإجماع العلماء أن قيام الليل نسخ بقوله: ﴿علم أن لن تحصوه .. ﴾ الآية. وروى النسائي من حديث عائشة: افترض القيام في أول هذه الصورة على رسول الله عَ لآهٍ وعلى أصحابه حولاً حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله خاتمتها إثني عشر شهراً، ثم نزل التخفيف في آخرها، فصار قيام الليل تطوعاً بعد أن كان فريضة، وهو قول ابن عباس ومجاهد وزيد بن أسلم وآخرين، فيما حكى عنهم النحاس، وفي (تفسير ابن عباس): ﴿قم الليل﴾ يعني: قم الليل كله إلّ قليلاً منه، فاشتد ذلك على النبي، عَ ◌ّه، وعلى أصحابه وقاموا الليل كله ولم يعرفوا ما حد القليل، فأنزل الله تعالى: ﴿نصفه أو انقص منه قليلاً﴾ فاشتد ذلك أيضاً على النبي، عَّ لِ، وعلى أصحابه فقاموا الليل كله حتى انتفخت أقدامهم، وذلك قبل الصلوات الخمس، ففعلوا ذلك سنة، فأنزل الله تعالى ناسختها فقال: ﴿علم أن لن تحصوه﴾ يعني: قيام الليل من الثلث والنصف، وكان هذا قبل أن تفرض الصلوات الخمس، فلما فرضت الخمس نسخت ٢٧٥ ١٩ - كتابُ التَّهَجُدِ / باب (١١) هذه كما نسخت الزكاة كل صدقة، وصوم رمضان كل صوم، وفي (تفسير ابن الجوزي): كان الرجل يسهر طول الليل مخافة أن يقصر فيما أمر به من قيام ثلثي الليل أو نصفه أو ثلثه، فشق عليهم ذلك، فخفف الله عنهم بعد سنة، ونسخ وجوب التقدير بقوله: ﴿علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤوا ما تيسر منه﴾ أي: صلوا ما تيسر من الصلاة، ولو قدر حلب شاة، ثم نسخ وجوب قيام الليل بالصلوات الخمس بعد سنة أخرى، فكان بين الوجوب والتخفيف سنة، وبين الوجوب والنسخ بالكلية سنتان. ثم إعراب قوله تعالى: ﴿قم الليل إلا قليلا﴾ على ما قاله الزمخشري: ﴿نصفه﴾ بدل ﴿من الليل﴾ و﴿إلا قليلا﴾ استثناء من النصف، كأنه قال: قم أقل من نصف الليل والضمير في ﴿منه﴾ و﴿عليه﴾ للنصف، والمعنى التخيير بين أمرين: بين أن يقوم أقل من نصف الليل على البت، وبين أن يختار أحد الأمرين، وهما النقصان من النصف والزيادة عليه، وإن شئت جعلت: نصفه، بدلاً من: قليلاً، وكان تخييراً بين ثلاث: بين قيام النصف بتمامه، وبين الناقص، وبين قيام الزائد عليه، وإنما وصف النصف بالقلة بالنسبة إلى الكل. قوله: ﴿ورتل القرآن ترتيلاً﴾ يعني ترسل فيه. وقال الحسن: بينه، إذا قرأته. وقال الضحاك: إقرأ حرفاً حرفاً، وروى مسلم من حديث حفصة: أن النبي، عَّهِ، كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها، وعن مجاهد: رتل بعضه على إثر بعض على تؤدة، وعن ابن عباس: بينه بياناً، وعنه: إقرأه على هينتك ثلاث آيات وأربعاً وخمساً، وقال قتادة: تثبت فيه تثبتاً، وقيل: فصله تفصيلاً ولا تعجل في قراءته. وقال أبو بكر بن طاهر: تدبر في لطائف خطابه، وطالب نفسك بالقيام بأحكامه، وقلبك بفهم معانيه، وسرك بالإقبال عليه. قوله: ﴿إِنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً﴾ أي: القرآن يثقل الله فرائضه وحدوده، ويقال: هو ثقيل على من خالفه، ويقال: هو ثقيل في الميزان، خفيف على اللسان، ويقال: إن نزوله ثقيل كما قال: ﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبل﴾ [الحشر: ٢١]. الآية، وقال الزمخشري: يعني بالقول الثقيل: القرآن وما فيه من الأوامر والنواهي التي هي تكاليف شاقة ثقيلة على المكلفين، خاصة على رسول الله عَّ لله لأنه متحملها بنفسه ومحملها لأمته، فهي أثقل عليه وأنهض له. قوله: ﴿إِن ناشئة الليل﴾ قال السمرقندي: يعني ساعات الليل، وهي مأخوذة من: نشأت أي: ابتدأت شيئاً بعد شيء، فكأنه قال: إن ساعات الليل الناشئة فاكتفى بالوصف عن الاسم. وقال الزمخشري: ناشئة الليل النفس الناشئة بالليل التي تنشأ من مضجعها إلى العبادة، أي: تنهض وترفع من نشأت السحاب إذا ارتفعت، ونشأ من مكانه ونشر إذا نهض، أو: قيام الليل، على أن الناشئة مصدر من نشأ إذا أقام ونهض على فاعلة كالعاقبة. قوله: ﴿هي أشد وطئا﴾ قال السمرقندي: يعني: أثقل على المصلي من ساعات النهار، فأخبر أن الثواب على قدر الشدة، قرأ أبو عمرو وابن عامر: أشد وطئاً، بكسر الواو ومد الألف، والباقون بنصب الواو بغير مد، فمن قرأ بالكسر يعني: أشد مواطاة، أي: موافقة بالقلب والسمع، يعني: أن القراءة في الليل يتواطأ فيها قلب المصلي ولسانه وسمعه على التفهم، ومن قرأ بالنصب أبلغ في ٢٧٦ ١٩ - كتابُ التَّهَجَّدِ / باب (١١) القيام وأبين في القول. قوله: ﴿وأقوم قيلا﴾ يعني: أثبت للقراءة، وعن الحسن: أبلغ في الخبر وأمنع من هذا العدو. وقال الزمخشري: أقوم قيلاً. أشد مقالاً وأثبت قراءة لهدوِّ الأصوات. وعن أنس: أنه قرأ: وأصوب قيلاً فقيل له: يا أبا حمزة إنما هي أقوم قيلاً. فقال: إن أقوم وأصوب وأهياً واحد. وفي (تفسير النسفي): أقوم قيلاً، أصح قولاً وأشد استقامة وصواباً بالفراغ القلب، وقيل: أعجل إجابة للدعاء. قوله: ﴿إن لك في النهار سبحاً طويلاً﴾ قال الزمخشري: سبحاً: تصرفاً وتقلباً في مهماتك وشواغلك، وقال السمرقندي: سبحاً فراغاً طويلاً تقضي حوائجك فيه، ففرغ نفسك لصلاة الليل. وعن السدي: سبحاً طويلاً أي: تطوعاً كثيراً كأنه جعله من السبحة، وهي النافلة. وقال الزمخشري: أما القراءة بالخاء فاستعارة من: سبخ الصوف، وهو نفشه ونشر أجزائه لانتشار الهم وتفرق القلب بالشواغل، كلفه بقيام الليل، ثم ذكر الحكمة فيما كلفه منه، وهو: أن الليل أهون على المواطأة وأشد للقراءة لهدوِّ الرجل وخفوت الصوت، وأنه أجمع للقلب وأهم لنشر الهم من النهار، لأنه وقت تفريق الهموم وتوزع الخواطر والتقلب في حوائج المعاش والمعاد. قوله: ﴿علم أن لن تحصوه﴾ هذا مرتبط بما قبله، وهو قوله تعالى: ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه﴾ أي: علم الله أن لن تطيقوا قيام الليل، وقيل: الضمير المنصوب فيه يرجع إلى مصدر مقدر، أي: علم أن لا يصح منكم ضبط الأوقات، ولا يتأتى حسابها بالتعديل والتسوية إلاّ أن تأخذوا بالأوسع للاحتياط، وذلك شاق عليكم بالغ منكم. قوله: ﴿فتاب عليكم﴾ عبارة عن الترخيص في ترك القيام المقدر. قوله: ﴿فاقرأوا ما تيسر﴾ قال الزمخشري: عبر عن الصلاة بالقراءة، لأنها بعض أركانها، كما عبر عنها بالقيام والركوع والسجود، يريد: فصلوا ما تيسر عليكم من صلاة الليل، وهذا ناسخ للأول، ثم نسخاً جميعاً بالصلوات الخمس، وقيل: هي قراءة القرآن بعينها. قيل: يقرأ مائة آية، ومن قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن. وقيل: من قرأ مائة آية كتب من القانتين. وقيل: خمسين آية، وقد بين الحكمة في النسخ بقوله: ﴿علم أن سيكون منكم مرضى﴾ لا يقدرون على قيام الليل ﴿وآخرون يضربون في الأرض﴾ يعني: يسافرون في الأرض ﴿يبتغون من فضل الله﴾ يعني: في طلب المعيشة يطلبون الرزق من الله تعالى: ﴿وآخرون يقاتلون في سبيل الله﴾ يعني: يجاهدون في طاعة الله تعالى. قوله: ﴿فاقرأوا ما تيسر منه﴾ أي: من القرآن. قيل: في صلاة المغرب والعشاء. قوله: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ أي: الصلاة المفروضة. ﴿وآتوا الزكاة﴾ الواجبة، وقيل: زكاة الفطر، وإنما وجبت بعد ذلك، ومن فسرها بالزكاة الواجبة جعل آخر السورة مدنياً. قوله: ﴿وأقرضوا الله قرضاً حسناً﴾ قيل: يريد سائر الصدقات المستحبة، وسماه قرضاً تأكيداً للجزاء. وقيل: تصدقوا من أموالكم بنية خالصة من مال حلال. قوله: ﴿وما تقدموا لأنفسكم من خير﴾ يعني: ما تعملون من الأعمال الصالحة وتتصدقون بنية خالصة ﴿تجدون عند الله﴾ يعني: تجدون ثوابه في الآخرة. قوله: ٢٧٧ ١٩ - كتابُ التَّهَجُدِ / باب (١١) (هو خيراً﴾ ثاني مفعولي: وجد، وهو فصل، وجاز وإن لم يقع بين معرفتين، لأن أفعل من أشبه في امتناعه من حروف التعريف بالمعرفة. قوله: ﴿واستغفروا الله﴾ يعني: أطلبوا من الله لذنوبكم المغفرة، وقيل: استغفروا الله من تقصير وذنب وقع منكم. ﴿إن الله غفور﴾ لمن تاب ﴿رحيم﴾ لمن استغفر. قال ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما نَشَأَ قامَ بالحَبَشِيَّة هذا التعليق رواه عبد بن حميد الكجي في (تفسيره) بسند صحيح عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير ((عن ابن عباس: ﴿إِن ناشئة الليل﴾ [المزمل: ٦]. قال هو بكلام الحبشية: نشأ قام)). وأنبأنا عبد الملك بن عمرو عن رافع بن عمرو عن ابن أبي مليكة: ((سئل ابن عباس عن قوله تعالى: ﴿إِن ناشئة الليل﴾ [المزمل: ٦]. فقال أي الليل قمت فقد أنشأت)) وفي تفسير عبد أيضاً: عن أبي ميسرة، قال: هو كلام الحبشة: نشأ قام، وعن أبي مالك: قيام الليل بلسان الحبشة: ناشئة، وعن قتادة والحسن وأبي مجلز: كل شيء بعد العشاء: ناشئة، وقال مجاهد: إذا قمت من الليل تصلي فهي ناشئة، وفي رواية: أي ساعة تهجد فيها. وقال معاوية بن قرة: هي قيام الليل. وعن عاصم: ناشئة الليل، مهموزة الياء، وفي (المجاز) لأبي عبيدة: ناشئة الليل ناشئة بعد ناشئة. وفي (المنتهى) لأبي المعالي: ناشئة الليل: أول ساعاته. ويقال: أول ما ينشأ من الليل من الطاعات هي النشيئة. وفي (المحكم): الناشئة أول النهار والليل. وقيل: الناشئة إذا نمت من أول الليل نومة، ثم قمت، وفي (كتاب الهروي): كل ما حدث بالليل وبدا فهو ناشىء، وقد نشأ والجمع: ناشئة. واختلف العلماء، هل في القرآن شيء بغير العربية؟ فذهب بعضهم، إلى أن غير العربية موجود في القرآن: كسجيل وفردوس وناشئة، وذهب الجمهور إلى أنه ليس القرآن شيء بغير العربية، وقالوا: ما ورد من ذلك فهو من توافق اللغتين، فعلى هذا لفظ، ناشئة، إما مصدر على وزن: فاعلة، كعاقبة من نشأ إذا قام، أو هو: اسم فاعل، صفة لمحذوف تقديره: النفس الناشئة، كما نقلنا عن الزمخشري عن قريب. وِطَاءً قال مُوَاطأةَ القُرآنِ أشَدُّ مُوَافَقَةً لِسَمْعِهِ وبَصَرِهِ وَقَلْبِهِ لِيُوَاطِؤُا لِيُوَافِقُوا وفي بعض النسخ: وطاءً قال مواطأة أي: قال البخاري: معنى: وطأ مواطأة للقرآن، وفي بعض النسخ: مواطأة للقرآن يعني: إن ناشئة الليل، هو أشد مواطأة للقرآن، وهذا التعليق أيضاً وصله عبد بن حميد من طريق مجاهد. وقال أشد وطاء، أي: يوافق سمعك وبصرك وقلبك بعضه بعضاً، وقد مر الكلام فيه عن قريب. قوله: ((ليواطؤا ليوافقوا)) هذا من تفسير براءة من قوله تعالى: ﴿يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله﴾ [التوبة: ٣٧]. الآية، وذكر أن معناه: ليوافقوا، وإنما ذكره ههنا تأكيداً لتفسيره: وطاء، وقد وصله الطبري عن ابن عباس، لكن بلفظ: ((ليشابهوا)). ٢٧٨ ١٩ - كتابُ التَّهَجُّدِ / باب (١١) ١١٤١/١٧١ - حدثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ اللهِ قال حدَّثني محَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ عنْ حُمَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أنساً رضي الله ف تعالى عنهيَقُولُ كانَ رسولُ اللهِ عَلَّهِ يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنُّ أنْ لا يَصُومَ مِنْهُ شَيْئاً ويَصُومُ حَتَّى نَظُنُّ أنْ لاَ يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئاً وكانَ لاَ تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّياً إلاَّ رَأيْتَهُ ولا نائماً إلاَّ رَأيْتَهُ. [الحديث ١١٤١ - أطرافه في: ١٩٧٢، ١٩٧٣، ٣٥٦١]. مطابقته للترجمة في قوله: ((وكان لانشاء أن تراه من الليل مصلياً إلاّ رأيته))، وهو قيام الليل. ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: عبد العزيز بن عبد الله بن يحيى أبو القاسم القرشي العامري. الثاني: محمد بن جعفر بن أبي كثير - ضد القليل - مر في كتاب الحيض. الثالث: حميد، بضم الحاء: ابن أبي حميد الطويل. الرابع: أنس بن مالك. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: السماع. وفيه: القول في موضعين ماضياً ومضارعاً. وفيه: أن شيخه من أفراده، وهو ومحمد بن جعفر مدنیان، وحميد بصري. وأخرجه البخاري أيضاً في الصوم عن عبد العزيز بن محمد به. ذكر معناه: قوله: ((أن لا يصوم منه))، كلمة: أن، مصدرية في محل النصب على أنه مفعول: يظن، قوله: ((منه شيئاً))، أي: من الشهر شيئاً من الصوم، ولفظه: شيئاً، في رواية الأصيلي وأبي ذر، وفي رواية غيرهما ليس فيه هذا اللفظ. قوله: ((وكان)) أي: رسول الله عَّالله، قوله: ((ولا نائماً)) أي: ولا تشاء أن تراه من الليل نائماً إلاّ رأيته نائماً. والذي يستفاد من هذا الحديث: أن صلاته ونومه معَّ لّ كان يختلف بالليل، ولا يترتب وقتاً معيناً بل بحسب ما تيسر له القيام. فإن قلت: يعارضه حديث عائشة: ((كان إذا سمع الصارخ قام)). قلت: عائشة، رضي الله تعالى عنها، أخبرت بحسب ما اطلعت عليه، لأن صلاة الليل غالباً كانت تقع منه في البيت، وخبر أنس محمول على ما وراء ذلك. تابَعَهُ سُلَيْمَانُ وأَبُو خالِدِ الأحمَرُ عنْ حُمَيْدٍ أي: تابع محمد بن جعفر عن حميد سليمان ذكر خلف أنه ابن بلال أبو أيوب، ويقال: أبو محمد القرشي التيمي ولاء. قوله: ((وأبو خالد)) عطف عليه، أي: وتابع محمد بن جعفر عن حميد أبو خالد سليمان بن حبان الملقب بالأحمر، وهكذا وقع في جميع النسخ، بواو العطف، وقال بعضهم: يحتمل أن يكون سليمان هو ابن بلال، ويحتمل أن تكون الواو زائدة فإن أبا خالد الأحمر اسمه سليمان. قلت: هذا كلام غير موجه، لأن زيادة: واو العطف نادرة، بخلاف الأصل، سيما الحكم بذلك بالاحتمال فلا يلزم من كون اسم أبي خالد سليمان أن يكون سليمان المعطوف عليه إياه. وقال الكرماني: وفي بعض النسخ: وأبو خالد بالواو، فلا بد أن يقال: سليمان المذكور غير سليمان المكنى بأبي خالد، ولولاه لكان ٢٧٩ ١٩ - كتابُ التَّهَجُدِ / باب (١٢) شخصاً واحداً مذكوراً بالإسم والكنية والصفة، أما متابعة سليمان فقال البخاري في كتاب الصوم في: باب ما يذكر من صوم النبي عَّه: حدثني عبد العزيز بن عبد الله، قال: حدثني محمد بن جعفر عن حميد ((عن أنس أن أنساً يقول: كان رسول الله عَّهِ يفطر من الشهر ... )) الحديث، وفي آخره قال سليمان عن حميد إنه سأل أنساً في الصوم، وأما متابعة أبي خالد فقد ذكرها البخاري في كتاب الصيام، ونذكر ما فيها إن شاء الله تعالى. ١٢ - بابُ عَقْدِ الشَّيْطَانِ عَلَى قافِيَةِ الرَّأْسِ إِذَا لَمْ يُصَلِّ بِاللَّيْلِ أي: هذا باب في بيان عقد الشيطان على قافية رأس النائم إذا نام، ولم يصل، وقافية الرأس: قفاه، وقافية كل شيء آخره، قاله الأزهري وغيره. ١١٤٢/١٧٢ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالك عنْ أَبِي الزِّنادِ عنِ الأَعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه أنَّ رسولَ الله عَّ ◌ُلِ قال يغْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قافِيةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نامَ ثَلاَثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ كلَّ عُقْدَةٍ عَلَيْكَ لَيْلٌ طَويلٌ فَارْقُدْ فإنْ اسْتَيْقَظَ فَذَكَّرَ اللهِ انْحلَّتْ عُقْدَةٌ فانْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فأصْبَحَ نَشِيطاً طَيِّبَ النَّفْسِ وَإِلاَّ أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلاَنَ. [الحديث ١١٤٢ - طرفه في: ٣٢٦٩]. اعترض بأنه لا مطابقة بين الحديث والترجمة، لأن الحديث مطلق والترجمة مقيدة، وأجيب: بأن مراده أن استدامة العقد إنما يكون على ترك الصلاة، وجعل من صلى وانحلت عقده كمن لم يعقد عليه لزوال أثره، وقال بعضهم: يحتمل أن تكون الصلاة المنفية في الترجمة صلاة العشاء، فيكون التقدير: إذا لم يصل العشاء، فكأنه يرى أن الشيطان إنما يفعل ذلك لمن نام قبل صلاة العشاء، بخلاف من صلاها، ولا سيما في الجماعة. انتهى. قلت: قوله: ((إذا لم يصل)) أعم من أن لا يصلي العشاء أو غيرها من صلاة الليل، ولا قرينة لتقييدها بالعشاء، وظاهر الحديث يدل على أن العقد يكون عند النوم، سواء صلى قبله أو لم يصل، ويؤيد هذا ما رواه ابن زنجويه في كتاب الفضائل من حديث أبي لهيعة عن أبي عشانة، سمع عقبة بن عامر يقول عن النبي عَِّ: ((لا يقوم أحدكم من الليل يعالج طهوره وعليه عقد، فإذا وضأ يده انحلت عقدة، فإذا وضأ وجهه انحلت عقدة، فإذا مسح برأسه انحلت عقدة، فإذا وضأ رجليه انحلت عقدة)). ومن حديث ابن لهيعة أيضاً عن أبي الزبير ((عن جابر، رضي الله تعالى عنه، سمعت النبي عَّه يقول: ليس في الأرض نفس من ذكر وأنثى إلاّ وعلى رأسه جرير معقدة، فإن استيقظ فتوضأ انحلت عقدة، وإن استيقظ وصلى حلت العقد كلها، وإن لم يصل ولم يتوضأ أصبحت العقد كما هي)). والجرير: بفتح الجيم: الحبل. وفي (كتاب الثواب) لآدم بن أبي إياس العسقلاني، من حديث الربيع بن صبيح: عن الحسن قال رسول الله عَّ له: ((ما من عبد ينام إلاّ وعلى رأسه ثلاث عقد، فإن هو تعار من الليل فسبح الله وحمده وهلله وكبره حلت عقدة، وإن عزم الله له فقام وتوضأ وصلى ركعتين حلت العقد كلها، وإن لم يفعل شيئاً من ذلك حتى يصبح أصبح والعقد كلها ٢٨٠ ١٩ - كتابُ التَّهَجَّدِ / باب (١٢) كما هي)). ذكر رجاله: وهم خمسة، كلهم قد ذكروا غير مرة، وأبو الزناد، بالزاي والنون: عبد الله ابن ذكوان، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز،. والحديث أخرجه أبو داود أيضاً. ذكر معناه: قوله: ((يعقد الشيطان)) الكلام في العقد والشيطان. أما العقد فقد اختلفوا فيه، فقال بعضهم: هو على الحقيقة بمعنى السحر للإنسان، ومنعه من القيام كما يعقد الساحر من سحره، وأكثر ما يفعله النساء تأخذ إحداهن الخيط فتعقد منه عقداً وتتكلم عليها بالكلمات فيتأثر المسحور عند ذلك، كما أخبر الله تعالى في كتابه الكريم ﴿ومن شر النفاثات في العقد﴾ [الفلق: ٤]. فالذي خذل يعمل فيه والذي وفق يصرف عنه، والدليل على كونه على الحقيقة ما رواه ابن ماجه ومحمد بن نصر من طريق صالح عن أبي هريرة مرفوعاً: ((على قافية رأس أحدكم حبل فيه ثلاث عقد)، وروى أحمد من طريق الحسن عن أبي هريرة بلفظ: ((إذا نام أحدكم عقد على رأسه بجرير)»، وروى ابن خزيمة وابن حبان من حديث جابر مرفوعاً: ((ما من ذكر ولا أنثى إلاّ على رأسه جرير معقود حين يرقد))، وقال بعضهم: هو على المجاز كأنه شبه فعل الشيطان بالنائم بفعل الساحر بالمسحور، وقيل: هو من عقد القلب وتصميمه فكأنه يوسوس بأن عليك ليلاً طويلاً فيتأخر عن القيام بالليل، وقال صاحب (النهاية): المراد منه تثقيله في النوم وإطالته، فكأنه قد سد عليه سداً وعقد عليه عقداً. وقال ابن بطال: قد فسر رسول الله عَّ له، معنى العقد بقوله: ((عليك ليل طويل))، فكأنه يقولها إذا أراد النائم الاستيقاظ. وقال ابن بطال أيضاً: ورأيت لبعض من فسر هذا الحديث العقد الثلاث هي: الأكل والشرب والنوم. وقال ألا يرى أنه من أكثر الأكل والشرب أنه يكثر النوم لذلك؟ واستبعد بعضهم هذا القول لقوله في الحديث: ((إذا هو نام))، فجعل العقد حينئذ، وقال ابن قرقول: هو مثل، واستعاره من عقد بني آدم، وليس المراد العقد نفسها، ولكن لما كان بنو آدم يمنعون بعقدهم ذلك تصرف من يحاول فيما عقده كأن هذا مثله من الشيطان للنائم الذي لا يقوم من نومه إلى ما يحب من ذكر الله تعالى والصلاة. وأما الشيطان: فيجوز أن يراد به الجنس، ويكون فاعل ذلك القرين أو غيره من أعوان الشيطان. وقال بعضهم: يحتمل أن يراد به رأس الشياطين وهو إبليس لعنه الله. قلت: يعكر عليه شيئان أحدهما: أن النائمين عن قيام الليل كثير لا يحصى، فإبليس لا يلحقهم بذلك إلاّ أن يكون جواز نسبة ذلك إليه لكونه آمراً لأعوانه بذلك، وهو الداعي إليه، والآخر: أن مردة الشياطين يصفدون في شهر رمضان وأكبرهم إبليس عليه اللعنة. قوله: ((على قافية رأس أحدكم)) أي: مؤخر عنقه، وقد ذكرنا أن قافية كل شيء مؤخره، ومنه قافية القصيدة، وفي (المحكم): القافية: هي القفا، وقيل: هي وسط الرأس. قوله: ((إذا هو نام))، أي: حين نام، ورواية الأكثرين هكذا: ((إذا هو نام))، وفي رواية الحموي والمستملي (إذا هو نائم)) على وزن اسم الفاعل، وقال بعضهم: والأول أصوب وهو الذي في (الموطأ) قلت: رواية (الموطأ) لا تدل على أن ذلك أصوب، بل الظاهر أن رواية المستملي