Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
١٩ - كتابُ التَّهَجُدِ / باب (١)
وفي رواية ابن عباس حين بات عند ميمونة أنه معَّ الله لما استيقظ تلا العشر الآيات من آخر آل
عمران، فبلغ ما شهده أو بلغه، وقد يكون كله في وقت واحد، وسكت هو عنه أو نسيه
الناقل. قوله: ((اللهم)) أصله: يا الله، قوله: ((أنت قيم السموات والأرض))، وفي بعض النسخ:
((اللهم لك الحمد قيم السموات والأرض))، بدون لفظة: أنت، ولكنه مقدر في صورة
الحذف، لأن قيم السموات والأرض مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وهو: أنت، وفي
رواية أبي الزبير المذكور: ((أنت قيام السموات والأرض))، والقيم والقيام والقيوم بمعنى واحد،
وهو الدائم القيام بتدبير الخلق المعطي له ما به قوامه، أو القائم بنفسه المقيم لغيره، وقال
الزمخشري: وقرىء القيام والقيم، وقيل: قرأ بهما عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه،
وقال ابن عباس: القيوم هو الذي لا يزول وقيل هو القائم على كل نفس، ومعناه مدبر أمرها،
وقيل: قيام على المبالغة من قام بالشيء إذا هيأ له جميع ما يحتاج إليه، وقيل: قيم السموات
والأرض خالقهما وممسكهما أن تزولا، وقرأ علقمة ﴿الحي القيوم﴾ وأصله: قيوم، على وزن:
فيعل، مثل: صيب أصله: صيوب، اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت
الواو ياء وأدغمت الياء في الياء، وقال ابن الأنباري: أصل القيوم القيووم، فلما اجتمعت الياء
والواو، والسابق ساكن جعلتا: ياء، مشددة وأصل: القيام القوام، قال الفراء وأهل الحجاز:
يصرفون الفعال إلى الفيعال، يقولون للصواغ: صياغ. قاله الأنباري في (الكتاب الزاهر)، وقال
قتادة: معنى القيم القائم على خلقه بآجالهم وأعمالهم وأرزاقهم، وقال الكلبي: هو الذي لا
بديل له، وقال أبو عبيدة: القيوم القائم على الأشياء.
قوله: ((أنت نور السموات والأرض)) أي: منورهما وقرىء ﴿الله نور السموات
والأرض﴾ [النور: ٣٥]. على صيغة الماضي من التنوير، وقال ابن عباس: هادي أهلهما.
وقيل: منزه في السموات والأرض من كل عيب ومبرأ من كل ريبة، وقيل: هو اسم مدح،
يقال: فلان نور البلد وشمس الزمان. وقال أبو العالية: مزين السموات بالشمس والقمر
والنجوم، ومزين الأرض بالأنبياء والعلماء والأولياء. وقال ابن بطال: ((أنت نور السموات
والأرض ومن فيهن))، أي: بنورك يهتدي من في السموات والأرض. وقيل: معناه ذو نور
السموات والأرض. قوله: ((أنت ملك السموات والأرض)) كذا في رواية الأكثرين وفي رواية
الكشميهني: ((لك ملك السموات والأرض)). قوله: ((أنت الحق))، معناه: المتحقق وجوده،
وكل شيء صح وجوده وتحقق فهو حق، ومنه قوله تعالى: ﴿الحاقة﴾ [الحاقة: ١]. أي:
الكائنة حقاً بغير شك، وهذا الوصف لله تعالى بالحقيقة والخصوصية ولا ينبغي لغيره، وقال
ابن التين: يحتمل أن يكون معناه: أنت الحق بالنسبة إلى من يدعي فيه أنه إله، أو بمعنى: أن
من سماك إلهاً فقد قال الحق، وإنما عرف الحق في الموضعين، وهما: ((أنت الحق ووعدك
الحق))، ونكر في البواقي لأن المسافة بين المعرف باللام الجنسية والنكرة قريبة: بل صرحوا
بأن مؤداهما واحد لا فرق إلاّ بأن في المعرفة إشارة إلى أن الماهية التي دخل عليها اللام
معلومة للسامع، وفي النكرة لا إشارة إليه، وقال الطيبي: عرفهما للحصر لأن الله هو الحق
عمدة القاري / ج٧ / م١٦

٢٤٢
١٩ - كتابُ التَّهَجُّدِ / باب (١)
الثابت الباقي وما سواه في معرض الزوال، وكذا وعده مختص بالإنجاز دون وعد غيره،
والتنكير في البواقي للتعظيم. قوله: ((ووعدك الحق)) الوعد يطلق ويراد به الخير والشر
كلاهما، والخير أو الشر خاصة. قال الله تعالى: ﴿الشيطان يعدكم الفقر﴾ [البقرة: ٢٦٨].
وليس في وعد الله خلف، فلا يخلف الميعاد ﴿ويجزي الذين أساؤوا بما عملوا﴾ [النجم:
٣١]. إلاّ ما تجاوز عنه: ﴿ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى﴾ [النجم: ٣١]. وقيل في قوله:
﴿إن الله وعدكم وعد الحق﴾ [إبراهيم: ٢٢]. أي: وعد الجنة من أطاعه ووعد النار من
كفر به، ويحتمل أن يريد: أن وعده حق بمعنى إثبات أنه قد وعد بالحق بالبعث والحشر
والثواب والعقاب إنكاراً لقول من أنكر وعده بذلك، وكذب الرسل فيما بلغوه من وعده
ووعيده.
قوله: ((لقاؤك حق)) اللقاء البعث أو رؤية الله تعالى، وقيل: الموت، وفيه ضعف ورده
النووي. قوله: ((وقولك حق)) أي: صدق وعدل. وقال الكرماني: فإن قلت: القول يوصف
بالصدق والكذب، يقال: قول صدق أو كذب، ولهذا قيل: الصدق هو بالنظر إلى القول
المطابق للواقع، والحق بالنظر إلى الواقع المطابق للقول. قلت: قد يقال أيضاً: قول ثابت ثم
إنهما متلازمان. قوله: ((والجنة حق والنار حق)) فيه الإقرار بهما وبالأنبياء، وقال ابن التين:
فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن خبره بذلك لا يدخله كذب ولا تغيير. ثانيها: أن خبر من أخبر
عنه بذلك وبلغه حق. ثالثها: أنهما قد خلقتا. قوله: ((والنبيون حق))، بأنهم من عند الله.
قوله: ((ومحمد حق))، إنما خص محمداً من النبيين، وإن كان داخلاً فيهم، وعطفه عليهم
إيذاناً بالتغاير، وأنه فائق عليهم بأوصاف مختصة به، فإن تغير الوصف ينزل منزلة تغيير الذات،
ثم جرده عن ذاته كأنه غيره، فوجب عليه الإيمان به وتصديقه، وهذا مبالغة في إثبات نبوته،
كما في التشهد. قوله: ((والساعة حق)) أي: يوم القيامة، وأصل الساعة: القطعة من الزمان، ثم
أطلق على يوم القيامة فصار إسماً لها، وتأتي الوجوه المذكورة فيها، ووجه ذلك أنه لما لم
يكن هناك شمس ولا قمر ولا كواكب يقدر بها الزمان وسميت بالساعة.
فإن قلت: ما وجه إطلاق إسم الحق على ما ذكر من الأمور؟ وما وجه تكرار لفظ
الحق؟ قلت: أما وجه الإطلاق فللإيذان بأنه لا بد من كونها، وأنها مما يجب أن يصدق بها،
وأما وجه التكرار فللمبالغة في التأكيد، والتكرير يستدعي التقرير. قوله: ((أللهم لك أسلمت))
أي: انقدت وخضعت لأمرك ونهيك، واستسلمت لجميع ما أمرت به ونهيت عنه. قوله:
((وبك آمنت)) أي: صدقت بك وبما أنزت من أخبار وأمر ونهي، فظاهره أن الإيمان ليس
بحقيقة الإسلام وإنما الإيمان التصديق. وقال القاضي أبو بكر: الإيمان المعرفة بالله، والأول
أشهر في كلام العرب. قال الله تعالى: ﴿وما أنت بمؤمن لنا﴾ [يوسف: ١٧]. أي: بمصدق إلاّ
أن الإسلام إذا كان بمعنى الانقياد والطاعة فقد ينقاد المكلف بالإيمان فيكون مؤمناً في بعض
الأحوال دون بعض، والمؤمن مسلم في جميع الأحوال، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم
مؤمناً. قلت: البحث فيه دقيق وقد استوفيناه في كتاب الإيمان. قوله: ((وعليك توكلت)) أي:

٢٤٣
١٩ - كتابُ التَّهَجُدِ / باب (١)
فوضت الأمر إليك قاطعاً للنظر عن الأسباب العادية، ويقال: أي: تبرأت من الحول والقوة
وصرفت أمري إليك، وأيقنت أنه لن يصيبني إلاّ ما كتب لي وعلي، ففوضت أمري إليك،
ونِعْمَ المفوض إليه. قال الفراء: الوكيل الكافي. قوله: ((وإليك أنبت)) أي: رجعت إليك في
تدبير أمري، والإنابة الرجوع أي: رجعت إليك مقبلاً بالقلب عليك، ومعناه: رجعت إلى
عبادتك. قوله: ((وبك خاصمت)) أي: وبما أعطيتني من البرهان والسنان خاصمت المعاند
وقمعته بالحجة والسيف. قوله: ((وإليك حاكمت)» أي: كل من جحد الحق حاكمته إليك
وجعلتك الحاكم بيني وبينه، لا غيرك مما كانت تحاكم إليه الجاهلية من صنم وكاهن ونار
ونحو ذلك، والمحاكمة: رفع القضية إلى الحاكم. وقيل: ظاهره أن لا يحاكمهم إلّ الله ولا
يرضى إلا بحكمه. قال الله تعالى: ﴿ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين﴾
[الأعراف: ٨٩]. وقال: ﴿أَفغير الله ابتغى حكماً﴾ [الأنعام: ١١٤]. ثم من قوله: («لك
أسلمت)) إلى قوله: ((وإليك حاكمت)) قدم صلاة الأفعال المذكورة فيه للإشعار بالتخصيص
وإفادة الحصر، وكذلك في قوله: ((ولك الحمد)) في أربعة مواضع فافهم.
قوله: ((فاغفر لي ما قدمت وما أخرت)) إنما قال ذلك، عَّهِ، مع أنه مغفور له لوجهين:
أحدهما: للتواضع وهضم النفس والإجلال لله تعالى والتعظيم له عز وجل. الثاني: للتعليم
لأمته ليقتدوا به في أصل الدعاء والخضوع وحسن التضرع والرغبة والرهبة، والمغفرة: تغطية
الذنب وكل ما غطي فقد غفر ومنه: المغفر. قوله: ((وما قدمت)) أي: قبل هذا الوقت ((وما
أخرت))، أمر الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، بالإشفاق والدعاء إلى الله تعالى والرغبة إليه أن
يغفر ما يكون من غفلة تعتري البشر، وما قدم: ما مضى، وما أخر: ما يستقبل، وذلك مثل قوله
تعالى: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ [الفتح: ٢]. وقال أهل التفسير: الغفران
في حقه يتناول من أفعاله الماضي والمستقبل. قوله: ((وما أسررت)) أي: وما أخفيت. ((وما
أعلنت)) أي: وما أظهرت أو المعنى: ما حدثت به نفسي وما تحرك به لساني، وفي (التوحيد)
زاد من طريق ابن جريج عن سلمان: ((وما أنت أعلم به مني))، وهو من عطف العام بعد
الخاص. قوله: ((أنت المقدم وأنت المؤخر)) قال ابن التين: أنت الأول وأنت الآخر. وقال
ابن بطال يعني: أنه قدم في البعص إلى الناس على غيره عَّ بقوله: ((نحن الآخرون
السابقون))، ثم قدمه عليهم يوم القيامة بالشفاعة بما فضله به على سائر الأنبياء، عليهم الصلاة
والسلام، فسبق بذلك الرسل.
وقال الكرماني: هذا الحديث من جوامع الكلم، إذ لفظ: القيم إشارة إلى أن وجود
الجوهر وقوامه منه والنور إلى أن الإعراض منه، والملك لما أنه حاكم فيها إيجاداً وإعداماً
يفعل ما يشاء، وكل هذه نعم من الله تعالى على عباده، فلهذا قرن كلاً منها بالحمد. وخص
الحمد به، ثم قوله: ((أنت الحق)) إشارة إلى المبدأ والقول، ونحوه إلى المعاش والساعة إلى
المعاد.
وفيه: إشارة إلى النبوة وإلى الجزاء ثواباً وعقاباً. وفيه: وجوب الإيمان والإسلام والتوكل
1

٢٤٤
١٩ - كتابُ التَّهَجُدِ / باب (٢)
والإنابة والتضرع إلى الله تعالى والاستغفار وغيره انتهى. ويقال: وفيه: زيادة معرفة النبي عَّه.
بعظمة ربه وعظم قدرته ومواظبته على الذكر والدعاء والثناء على ربه، والاعتراف لله بحقوقه
والإقرار بصدق وعده ووعيده. وفيه: استحباب تقديم الثناء على المسألة عند كل مطلوب
اقتداء به لهم.
قال سُفْيَانُ وزَادَ عَبْدُ الكَرِيمِ أَبُو أَمَيَّةَ وَلاَ حَوْلَ ولاَ قُوَّةَ إلاَّ باللهِ. قال سُفْيَانُ قال
سُلَيْمَانُ بنُ أي مُسْلِمٍ سَمِعَهُ طَاؤُسُ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما عن النبيِّ
سفيان هو ابن عيينة المذكور في سند الحديث، وقيل: هذا موصول بالإسناد الأول،
ووضع المزي على هذا علامة التعليق، وأبو أمية كنية عبد الكريم بن أبي المخارق البصري،
وأبو المخارق اسمه: قيس، وقال الحافظ المنذري: قد استشهد البخاري بابن أبي المخارق
هذا في: باب التهجد بالليل، فقال: وقال سفيان يعني ابن عيينة، وزاد عبد الكريم أبو أمية:
((ولا حول ولا قوة إلا بالله)). وقال المقدسي في كتاب (رجال الصحيحين): فيمن اسمه عبد
الكريم بن أبي المخارق: سمع مجاهداً في الحج، روى عن سفيان بن عيينة، وهو حديث
واحد عندهما عن مجاهد عن ابن أبي ليلي ((عن علي، رضي الله تعالى عنه، قال: أمرني
رسول الله عَّ الله أن أقوم على بُدنه وأن أقسم جلودها وجلالها، وأمرني أن لا أعطي الجازر
منها، وقال: نحن نعطيه من عندنا)). فهذا كما رأيت كلام المنذري يقوي ما مال إليه المزي
من أنه معلق، وأن عبد الكريم استشهد به البخاري، وكلام المقدسي يصرح بأنه من رجال
البخاري، وبهذا يرد ما قاله بعضهم: وليس لعبد الكريم هذا في (صحيح البخاري) إلاَّ هذا
الموضع، ولم يقصد البخاري التخريج له، فلأجل ذلك لا يعدونه من رجاله، وإنما وقعت عنه
زيادة في الخبر غير مقصودة بذاتها.
قلت: بين كلامه هذا وبين قوله فيما مضى: هذا موصول بالإسناد الأول، تناقض لا
يخفى. قوله: ((قال سفيان)) هو ابن عيينة أيضاً. قال سليمان بن أبي مسلم ... إلى آخره،
وأراد سفيان بذلك بيان سماع سليمان له من طاوس لأنه أولاً أورده بالعنعنة، وصرح بذلك
أيضاً الحميدي في (مسنده): عن سفيان قال: حدثنا سليمان الأحول خال ابن أبي نجيح:
سمعت طاوساً .. فذكر الحديث، وقال في آخره: قال سفيان، وزاد في آخره عبد الكريم: ((ولا
حول ولا قوة إلاّ بك))، فيه لم يقلها سليمان، وفي (التلويح): وفي نسخة سمعته من طاوس
وعلي بن خشرم، ولم يذكره أحد من رجال البخاري، رحمه الله، وإنما ذكر في رجال مسلم،
والله تعالى أعلم.
٢ - بابُ فَضْلٍ قِيَامِ الليْلِ
أي: هذا باب في بيان قيام الليل، وهو الصلاة في الليل.
١١٢١/١٥١ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنا هِشَامٌ قال أخبرنا مَعْمَرٌ (ح)

٢٤٥
١٩ - كتابُ التَّهَجُدِ / باب (٢)
وحدَّثني مَحمُودٌ قال حدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قال أخبرنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ سالِم عنْ أبِيهِ
رضي الله تعالى عنه قال كانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ النبيِّ عَ لَّهِ إِذَا رَأَى رُؤْيا قَصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ
عَّهِ فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى رُؤْيَا فَأَقُصُّهَا عَلَى رَسُولِ اللهِعَ لَه وَكُنْتُ غُلاماً شاباً وَكُنْتُ أنامُ فِي
المَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رسولِ اللهِ عَّهِ فَرَأيْتُ فِي النَّوْمِ كَأنَّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِي فَذَهَبَا بِي إِلى النَّارِ
فإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ الِثْرِ وَإِذَا لَهَا قَرْنَانِ وَإِذَا فِيهَا أَنَاسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ فَجَعَلْتُ أَقُولُ أعُوذُ بِالله
مِنَ النَّارِ. قال فَلَقِينَا مَلَكٌ آخَرُ فقالَ لِي لَمْ تُرَعْ. [أنظر الحديث ٤٤٠ وأطرافه].
١١٢٢ - فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ فَقَصَّنْهَا حَفصَةُ عَلَى رَسُولِ اللهِعَ لِ فقال نِعْمَ
الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ لَو كانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ بَعْدُ لا يَنَامُ مِن اللَّيْلِ إلاَّ قَلِيلاً. [الحديث ١١٢٢ -
أطرافه في: ١١٥٧، ٣٧٣٩، ٣٧٤١، ٧٠١٦، ٧٠٢٩، ٧٠٣١].
مطابقته للترجمة في قوله: ((نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل))، وذلك أن
الرجل إذا كان يصلي بالليل يستحق أن يوصف: بنعم الرجل هذا، واستحقاقه لذلك بسبب
مباشرته صلاة الليل، ولو لم يكن لصلاة الليل فضل لما استحق فاعلها الثناء الجميل، وفي
رواية نافع عن ابن عمر في التعبير ((أن عبد الله رجل صالح لو كان يصلي من الليل))، وهذا
أصرح في المدح وأبين في المقصود.
ذكر رجاله: وهم ثمانية: الأول: عبد الله بن محمد الجعفي المسندي. الثاني: هشام
ابن يوسف الصنعاني. الثالث: معمر، بفتح الميمين: ابن راشد. الرابع: محمود بن غيلان،
بفتح الغين المعجمة: المروزي. الخامس: عبد الرزاق بن همام. السادس: محمد بن مسلم
الزهري. السابع: سالم بن عبد الله. الثامن: أبوه عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله
تعالى عنهم.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع وبصيغة الإفراد
في موضع. وفيه: الإخبار بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه:
القول في ثلاثة مواضع، وجعل خلف هذا الحديث في مسند ابن عمر، وجعل بعضه في
مسند حفصة وأورده ابن عساكر في مسند ابن عمر، والحميدي في مسند حفصة، وذكر في
رواية نافع عن ابن عمر: أنهما من مسند ابن عمر. وقال: إذ لا ذكر فيها لحفصة فحاصله
أنهم جعلوا رواية سالم من مسند حفصة، ورواية نافع من مسند ابن عمر.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في: باب نوم الرجال في
المسجد، فيما مضى، وأخرجه فيما يأتي في: باب فضل من تعار من الليل، في مناقب ابن
عمر. وأخرجه مسلم في فضائل عبد الله بن عمر حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد
واللفظ لعبد، قالا: أخبرنا عبد الرزاق ((حدثنا معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر، قال:
كان الرجل في حياة رسول الله عَّلَّه إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله عَ له، فتمنيت أن
أرى رؤيا أقصها على النبي عَّلِّ، قال: وكنت غلاماً شاباً عزباً، وكنت أنام في المسجد على

٢٤٦
١٩ - كتابُ التَّهَجُدِ / باب (٢)
عهد رسول الله عَّله، فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار ... )) الحديث.
ذكر معناه: قوله: ((كان الرجل))، الألف واللام فيه لا تصلح أن تكون للعهد على ما
لا يخفى، بل هي للجنس، قوله: ((رؤيا)) على وزن: فعلى، بالضم بلا تنوين، وهو يختص
بالمنام كما أن الرأي يختص بالقلب، والرؤية تختص بالعين. قوله: ((قصها))، من قصصت
الرؤيا على فلان إذا أخبرته بها، وأقصها قصاً، والقص البيان. قوله: ((فتمنيت أن أرى)) وفي
رواية الكشميهني: ((إني أرى))، وزاد في التعبير من وجه آخر: ((فقلت في نفسي: لو كان فيك
خير لرأيت مثل ما يرى هؤلاء))، ويؤخذ منه أن الرؤيا الصالحة تدل على خير رائيها. قوله:
((فإذا هي مطوية)) كلمة: إذا، للمفاجأة، ومعنى: مطوية، مبنية الجوانب، فإن لم تبن فهي
القليب. قوله: ((فإذا لها قرنان)) أي: جانبان، وقرنا الرأس جانباه، ويقال: القرنان منارتان عن
جانبي البئر تجعل عليهما الخشبة التي تعلق عليها البكرة. قال الكرماني: أو ضغيرتان، وفي
بعضها: قرنين.
فإن قلت: فما وجهه، إذ هو مشكل؟ قلت: إما أن يقال، تقديره فإذا لها مثل قرنين،
فحذف المضاف وترك المضاف إليه على إعرابه، وهو كقراءة ﴿والله يريد الآخرة﴾ [الأنفال:
٦٧]. بجر الآخرة، أي: عرض الآخرة. وإما أن يقال: إذا المفاجأة تتضمن معنى الوجدان،
فكأنه قال: فإذا وجدت لها قرنين كما يقول الكوفيون في قولهم: كنت أظن العقرب أشد
لسعاً من الزنبور فإذا هو، إياها إن معناه، فإذا وجدته هو إياها. قوله: ((لم ترع))، بضم التاء
المثناة من فوق وفتح الراء وسكون العين المهملة: معناه لم تخف. قال الجوهري: يقال: لا
ترع، معناه: لا تخف ولا يلحقك خوف، وفي رواية الكشميهني: ((لن تراع))، وزاد فيه: ((إنك
رجل صالح)). وقال القرطبي: إنما فسر الشارع من رؤيا عبد الله بما هو ممدوح لأنه عرض
على النار ثم عوفي منها، وقيل له: لا روع عليك، وذلك لصلاحه، غير أنه لم يكن يقوم من
الليل، فحصل لعبد الله من ذلك تنبيه على أن قيام الليل مما يتقي به النار والدنو منها فلذلك
لم يترك قيام الليل بعد ذلك. وقال المهلب: السر في ذلك كون عبد الله كان ينام في
المسجد، ومن حق المسجد أن يتعبد فيه، فنبه على ذلك بالتخويف بالنار. قوله: لو كان
يصلي)) كلمة: لو، للتمني لا للشرط، ولذلك لم يذكر لها جواب.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: قص الرؤيا على النبي، عَّهِ، لأنها من الوحي، وهي جزء
من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، كما نطق به، عَ ◌ّه. وفيه: تمني الرؤيا الصالحة ليعرف
صاحبها ما له عند الله، وتمني الخير والعلم والحرص عليه. وفيه: جواز النوم في المسجد،
ولا كراهة فيه عند الشافعي. وقال الترمذي: وقد رخص قوم من أهل العلم فيه. وقال ابن
عباس: لا تتخذه مبيتاً ومقيلاً، وذهب إليه قوم من أهل العلم وقال ابن العربي: وذلك لمن
كان له مأوى، فأما الغريب فهو داره، والمعتكف فهو بيته، ويجوز للمريض إن جعله الإمام
في المسجد إذا أراد افتقاده، كما كانت المرأة صاحبة الوشاح ساكنة في المسجد، وكما
ضرب الشارع قبة لسعد، رضي الله تعالى عنه، في المسجد حین سال الدم من جرحه،

٢٤٧
١٩ - كتابُ التَّهَجُّدِ / باب (٣)
ومالك وابن القاسم يكرهان المبيت فيه للحاضر القوي، وجوزه ابن القاسم للضعيف
الحاضر. وفيه: رؤية الملائكة في المنام وتحذيرهم للرائي لقوله: ((فرأيت ملكين أخذاني)).
وفيه: الانطلاق بالصالح إليها في المنام تخويفاً. وفيه: الستر على مسلم وترك غيبته، وذلك
قوله: ((وإذا فيها أناس قد عرفتهم)) إنما أخبر بهم على الإجمال ليزدجروا، وسكت عن بيانهم
لئلا يغتابهم إن كانوا مسلمين، وليس ذلك مما يختم عليهم بالنار. وإما أن يكون ذلك
تحذيراً كما حذر ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما. وفيه: القص على المرأة. وفيه: تبليغ
حفصة. وفيه: قبول خبر المرأة. وفيه: استحياء ابن عمر عن قصه على النبي عَ لَّه بنفسه.
وفيه: فضيلة قيام الليل، وعليه بوب البخاري هذا الباب. وفيه: أن قيام الليل منج من النار.
وفيه: فضل عبادة الشاب. وفيه: مدح لابن عمر. وفيه: تنبيه على صلاحه. وفيه: كراهة كثرة
النوم بالليل، وروى سعيد عن يوسف بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر مرفوعاً: ((قالت
أم سليمان لسليمان: يا بني لا تكثر النوم بالليل فإن كثرة النوم بالليل تدع الرجل فقيراً يوم
القيامة))، والله أعلم بحقيقة الحال.
٣ - بابُ طُولِ السُودِ فِي قِيامِ اللَّيْلِ
أي: هذا باب في بيان فضل طول السجود في صلاة الليل.
١١٢٣/١٥٢ - حدّثنا أبو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال أخبرني عُزْوَةُ
أنَّ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها أخبَرَتْهُ أنَّ رسولَ اللهِ عَ لَّه كانَ يُصَلِّي إحدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً
كانَتْ تِلْكَ صَلاَتَهُ يَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذُلِكَ قَدْرَ ما يَقْرَأُ أحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ
رَأْسَهُ وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلاَةِ الفَجْرِ ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الأيمَنِ حتَّى يَأْتِيِهِ المُنَادِي
لِلصَّلاَةِ. [أنظر الحديث ٦٢٦ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((يسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية
قبل أن يرفع رأسه))، فإن هذا المقدار من القراءة في السجدة يدل على طول السجدة،
والحديث أخرجه في: باب ما جاء في الوتر، بعين هذا الإسناد عن أبي اليمان الحكم بن
نافع عن شعيب بن أبي حمزة عن محمد بن مسلم الزهري إلى آخره، نحوه، غير أن لفظه
هناك: ((حتى يأتيه المؤذن))، وقد مر الكلام فيه مستوفىّ. قوله: ((تلك)) أي: أحد عشرة،
والتعريف في السجدة للجنس، فيحتمل تناوله لكل سجدات تلك الصلاة، والتاء التي فيها لا
تنافيها. قوله: ((قدر))، منصوب بنزع الخافض أي: بقدر. قوله: (الصلاة)) أي: لصلاة الصبح.
وقال ابن بطال: ما طول سجوده عَّم في قيام الليل، فذلك لاجتهاده فيه بالدعاء والتضرع
إلى الله تعالى، فإن ذلك أبلغ أحوال التواضع والتذلل إليه، وكان ذلك شكراً على ما أنعم الله
به عليه، وقد كان غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فيه الأسوة الحسنة، وكان السلف يفعلون
ذلك، وقال يحيى بن وثاب: كان ابن الزبير، رحمه الله تعالى، يسجد حتى تنزل العصافير
على ظهره كأنه حائط.

٢٤٨
١٩ - كتابُ التَّهَجُدِ / باب (٤)
٤ - بابُ تَرْكِ القِيَامِ لِلْمَرِيضِ
أي: هذا باب في بيان ترك قيام الليل للمريض.
١١٢٤/١٥٣ - حدَّثنا أَبُو نُعَيْم قال حدَّثنا سُفْيَانُ عنِ الأسْوَدِ قال سَمِعْتُ جْدباً
يَقُولُ اشْتَكَى النبيُّ عَِّ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَةٌ أَوْ لَيْلَتَيْنِ. [الحديث ١١٢٤ - أطرافه في: ١١٢٥،
٤٩٥٠، ٤٩٥١، ٤٩٨٣].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: الفضل بن دكين. الثاني: سفيان الثوري، وكذلك في
إسناد الحديث الآتي، سفيان هو الثوري، نص عليه المزي في (الأطراف) وصرح في رواية
الترمذي: سفيان بن عيينة. الثالث: الأسود بن قيس. الرابع: جندب، بضم الجيم وسكون
النون وفتح الدال وضمها وبالباء الموحدة: ابن عبد الله، وقد تقدم في: باب النحر في
المصلى، في كتاب العيد، ووقع في رواية البخاري في كتاب التفسير في ﴿والضحى﴾
جندب بن أبي سفيان وهو جندب بن عبد الله بن أبي سفيان إلا أنه تارة ينسب إلى أبيه
وتارة إلى جده، ولا يظن أن جندب ابن أبي سفيان غير جندب ابن عبد الله فافهم.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه: العنعنة في
موضع. وفيه: السماع. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: أن رجاله كوفيون. والحديث من
الرباعيات.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في قيام الليل عن محمد
ابن كثير وفي فضائل القرآن عن أبي نعيم أيضاً وفي التفسير عن أحمد بن يونس وعن بندار
عن غندر، وأخرجه مسلم في المغازي عن إسحاق عن سفيان ابن عيينة وعن إسحاق
ومحمد بن رافع وعن أبي بكر وأبي موسى وبندار، ثلاثتهم عن غندر وعن إسحاق عن
الملائي. وأخرجه الترمذي في التفسير عن ابن أبي عمر عن سفيان بن عيينة وأخرجه النسائي
فيه عن إسماعيل بن مسعود.
ذكر معناه: قوله: ((اشتكى النبي، عَّ))، أي: مرض، وكذلك: تشكى، قال
الجوهري: اشتكى عضواً من أعضائه وتشكى بمعنى، وأصله من الشكو، قال ابن الأثير: الشكو
والشكوى والشكاة والشكاية: المرض. وفي (الصحاح): شكوت فلاناً أشكوه شكوى وشكاية
وشكية وشكاة إذا أخبرت عنه بسوء فعله بك، فهو مشكو ومشكي، والإسم: الشكوى. قوله:
((فلم يقم))، من القيام، وانتصاب ليلة على الظرفية، وهكذا وقع مختصراً هنا، وقد ساقه في
فضائل القرآن تاماً من شيخه أبي نعيم أيضاً، قال: حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان ((عن الأسود
ابن قيس، قال: سمعت جندباً يقول: اشتكى النبي، عَّله، فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتته امرأة،
فقالت: يا محمد ما أرى شيطانك إلاّ قد تركك؟ فأنزل الله، عز وجل: ﴿والضحى والليل إذا
سجى ما ودعك ربك وما قلى﴾ [الضحى: ١ - ٣]. ورواه أيضاً في كتاب التفسير في

٢٤٩
١٩ - كتابُ التَّهَجُدِ / باب (٤)
﴿والضحى﴾: حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا الأسود بن قيس قال: سمعت جندب
بن سفيان ((قال: اشتكى رسول الله، عَّلّه، فلم يقم ليلتين أو ثلاثاً، فجاءت امرأة فقالت: يا
محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك؟ لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاثاً؟ فأنزل الله
عز وجل: ﴿والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى﴾ [الضحى: ١ - ٣]. ورواه
أيضاً في ﴿والضحى): حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا غندر حدثنا
شعبة ((عن الأسود بن قيس قال: سمعت جندباً البجلي .. قالت امرأة: يا رسول الله ما أرى
صاحبك إلّ أبطأ عنك؟ فنزلت: ﴿ما ودعك ربك وما قلى﴾ [الضحى: ٣]. ورواه أيضاً عن
محمد ابن كثير، ويأتي عن قريب في هذا الباب، وروى مسلم: حدثنا إسحاق بن إبراهيم
أخبرنا سفيان ((عن الأسود بن قيس أنه سمع جندباً يقول: أبطأ جبريل، عليه الصلاة والسلام،
عن رسول الله عَّ له، فقال المشركون: قد ودع محمد، فأنزل الله تعالى: ﴿والضحى والليل
إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى﴾ [الضحى: ١ - ٣].
وروى مسلم أيضاً من رواية زهير ((عن الأسود بن قيس، قال: سمعت جندب بن
سفيان يقول: اشتكى رسول الله عَ لِّ ليلتين أو ثلاثاً .. )) الحديث، مثل رواية البخاري عن
أحمد بن يونس، وروى الترمذي وقال: حدثنا ابن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان بن عيينة ((عن
الأسود بن قيس عن جندب البجلي، قال: كنت مع النبي عَّه في أنمار، فدميت أصبعه فقال:
هل أنت إلا أصبع دميت. وفي سبيل الله ما لقيت، قال: وأبطأ جبريل، عليه الصلاة والسلام،
فقال المشركون: قد ودع محمد، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿ما ودعك ربك وما قلى﴾
[الضحى: ٣]. وروى الواحدي من حديث هشام ابن عروة عن أبيه: ((أبطأ جبريل على
النبي، عَّله، فجزع جزءاً شديداً فقالت خديجة، رضي الله تعالى عنها: قد قلاك ربك لما
يرى من جزعك، فنزلت السورة)). وروى الحاكم من حديث عبد الله بن موسى أخبرنا
إسرائيل عن أبي إسحاق ((عن زيد بن أرقم: لما نزلت ﴿تبت﴾ جاءت امرأة أبي لهب فقالت:
يا محمد على ما تهجوني؟ فقال: ما هجوتك، ما هجاك إلّ الله، ومكث رسول الله، مع ێ}،
أياماً لا ينزل عليه وحي، فأتته فقالت: يا محمد ما أرى صاحبك إلّ قد قلاك؟ فنزلت
السورة)).
وفي (تفسير ابن عباس) رواية إسماعيل بن أبي زياد الشامي: ((أبطأ الوحي عن النبي،
عَّله، أربعين يوماً فقال كعب بن الأشرف: قد أطفأ الله نور محمد وانقطع الوحي عنه، فهبط
جبريل، عليه الصلاة والسلام، بعد الأربعين يوماً فقال النبي، عَّله: ما أبطأك عني فنزلت:
﴿وما نتنزل إلّ بأمر ربك﴾ [مريم: ٦٤]. وأنزل سورة الضحى وتكذيباً لكعب: ﴿يريدون
ليطفئوا نور الله بأفواههم﴾ [الصف: ٨]. وفي (المعاني) للفراء و(الإيضاح) تفسير القرآن لأبي
القاسم إسماعيل بن محمد الجوزي: قيل ((سبب نزولها أن الوحي كان تأخر خمسة عشر يوماً
فتكلم الكفار)) الحديث. وزعم ابن إسحاق أن سبب تأخير جبريل، عليه الصلاة والسلام، أن
المشركين لما سألوه عن ذي القرنين والروح وعدهم بالجواب إلى غد، ولم يستثن، فنزل

٢٥٠
١٩ - كتابُ التَّهَجَّدِ / باب (٤)
عليه بعد بطئه سورة الضحى، وبجواب سؤاله. قوله: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً
إلاّ أن يشاء الله﴾ [الكهف: ٢٣]. قال الواحدي: وعن خولة خادمة النبي عَّ له: ((أن جرواً
دخل تحت السرير، فمكث النبي عَِّ أياماً لا ينزل عليه الوحي، فقال: يا خولة ما حدث
في بيتي؟ جبريل لا يأتيني؟ قالت خولة: فقلت لو هيأت البيت وكنسته، قالت: فأهويت
بالمكنسة تحت السرير فإذا شيء ثقيل، فإذا هو جرو ميت، فألقيته خلف الجدار. قالت:
فجاء رسول الله عَّه يرعد فقال: يا خولة دثريني فأنزل الله تعالى: ﴿والضحى والليل﴾
[الضحى: ١ و٢]. زاد ابن إسحاق: فقال النبي عَّ لجبريل، عليه الصلاة والسلام: ما
أخرك؟ فقال: أما علمت أنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة؟ وفي (تفسير النسفي) قال ابن
جرير: قال المشركون: أن محمداً ودعه ربه وقلاه، ولو كان أمره من الله لتتابع عليه كما
كان يفعل بمن كان قبله من الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، وقال المسلمون: يا رسول الله
أما ينزل عليك الوحي؟ فقال: وكيف ينزل علي الوحي وأنتم لا تنتقون براجمكم ولا تقلمون
أظفاركم؟ فأنزل الله تعالى، جبريل، عليه الصلاة والسلام، بهذه السورة، فقال النبي معَ له: يا
جبريل ما جئت حتى اشتقت إليك! فقال جبريل، عليه الصلاة والسلام: وأنا كنت أشد شوقاً،
ولكني عبد مأمور ﴿وما نتنزل إلا بأمر ربك﴾ [مريم: ٦٤].
ثم الكلام في هذا الباب على أنواع. الأول: أن اشتكاء النبي عَ لّه لم يبين في شيء
من طرق هذا الحديث، قيل: وظن بعض الشراح أن الذي وقع في رواية الترمذي من طريق
ابن عيينة من الحديث، وقد ذكرناه عن قريب: هو بيان للشكاية المجملة في الصحيح،
وليس كما ظن، فإن في طريق عبد الله بن شداد التي يأتي التنبيه عليها أن نزول هذه السورة
كان في أوائل البعثة، وجندب لم يصحب النبي ◌ٍَّ إلاّ متأخراً، حكاه البغوي في (معجم
الصحابة) عن الإمام أحمد، ويقال: يحتمل أن يكون سبب الشكاية بطء الوحي
:
الثاني: أن هذه المرأة المذكورة في الأحاديث المذكورة مختلف فيها، ففي رواية
الحاكم: امرأة أبي لهب، وهي أم جميل العوراء بنت حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد
مناف، وهي أخت أبي سفيان بن حرب، وقيل: امرأة من أهله أو من قومه. قلت: لا شك أن
أم جميلة من قومه لأنها من بني عبد مناف، وفي رواية سنيد بن داود: إنها عائشة، وقد غلط
سنيد فيه، وفي رواية الطبري عن أبي كريب عن وكيع، فقال فيه: قالت خديجة. وكذلك
أخرجه ابن أبي حاتم، وقد أنكر ذلك، لأن خديجة قوية الإيمان فلا يليق نسبة هذا القول إليها
وإن كان رواه إسماعيل القاضي في (أحكامه) بإسناد صحيح، وكذلك رواه الطبري في
(تفسيره) وأبو داود في (أعلام النبوة) له، كلهم من طريق عبد الله بن شداد بن الهاد، ومع
هذا ليس في رواية واحد منهم أنها عبرت بقولها: شيطانك، وهذه لفظة مستنكرة جداً، وزعم
أبو عبد الله محمد بن علي بن عسكر أن القائلة ذاك إحدى عماته عَّ له، ثم الظاهر أن المرأة
التي قالت: يا محمد! ما أرى شيطانك إلاّ قد تركك؟ غير المرأة التي قالت: ما أرى
صاحبك إلّ قد أبطأ عنك؟ لأن هذه قالت: يا رسول الله، وتلك قالت: يا محمد، والتي

٢٥١
١٩ - كتابُ التَّهَجُدِ / باب (٤)
قالت: شيطانك قالت تهكماً وشماتة، والتي قالت: صاحبك، قالت تأسفاً وتوجعاً.
الثالث: أن مدة بطء الوحي اختلف فيها، فقيل: أربعون يوماً، كما ذكر في رواية
إسماعيل بن أبي زياد، وقيل: خمسة عشر يوماً، كما ذكر في (كتاب المعاني) للفراء، وقيل:
خمسة وعشرون يوماً وعن ابن جريج: اثني عشر يوماً.
١١٢٥/١٥٤ - حدّثنا محَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ قال أخبرنا سُفْيَانُ عنِ الأسْوَدِ بنِ قَيْسٍ عنْ
مجندَبِ بنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله تعالى عنه. قال احْتَبَسَ جِبْرِيلُ عَ لَّهِ عَلَّى النّبِيِّ عَ لَّه فَقَالَتْ
امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشِ أبطأَ عَلَيْهِ شَيْطَانُهُ فَنَزَلَتْ ﴿وَالضُّحَى واللَّيْلِ إِذَا سَجِى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وما
قَلَى﴾ [الضحى: ١ - ٣]. [أنظر الحديث ١١٢٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث أن هذا من تتمة الحديث السابق، ويدفع بهذا ما قاله ابن
التين: ذكر احتباس جبريل، عليه الصلاة والسلام، في هذا الباب ليس في موضعه، وذلك لأن
الحديث واحد لاتحاد مخرجه، وإن كان السبب مختلفاً، وسفيان فيه هو الثوري، كما في
الحديث الأول، وقد ذكرنا أن في رواية الترمذي سفيان بن عيينة، وكذلك في رواية مسلم،
ولا يضر هذا لأن الظاهر أن الأسود حدث به على الوجهين، فحمل عنه كل واحد ما لم
يحمله الآخر، وحمل عنه الثوري الأمرين، فحدث به مرة كما في هذا الحديث الأول، ومرة
كما في هذا الحديث.
قوله: ((شيطانه))، برفع النون لأنه فاعل: أبطأ. قوله: ((فنزلت والضحى)) أي: نزلت
سورة والضحى إلى آخرها، وفي (تفسير النسفي) و﴿الضحى﴾ قيل: أراد النهار كله، ودليله
قوله تعالى: ﴿والليل إذا سجى﴾ [الضحى: ٢]. فقابله بالليل، وقال قتادة ومقاتل: أراد وقت
الضحى، وهو صدر النهار حين ترتفع الشمس، ويعتدل النهار من الحر والبرد في الشتاء
والصيف، وقيل: هي الساعة التي كلم الله تعالى فيها موسى، عليه الصلاة والسلام، والساعة
التي ألقى فيها السحرة سجداً بيانه ﴿وأن يحشر الناس ضحى﴾ [طه: ٥٩]. وقيل فيه وفي
أمثاله إضمار: رب، أي: ورب الضحى. قوله: ((والليل إذا سجى)) أي: أقبل بظلامه، وقال
الضحاك: غطى كل شيء، وقال مجاهد وقتادة: سكن بالخلق واستقر ظلامه، يقال: ليل ساج
وبحر ساج إذا كان ساكناً. وقال الطبري: أولى الأقوال عندي هذا، وقال الراجز:
وطرق مثل ملاء النساج
يا حبذا القمراء والليل الساج
وعن الحسن: سجى جاء، وعن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: سجى بمعنى
ذهب. قوله: ((ما ودعك)) جواب القسم أي: ما قطعك ربك قطع المودع، وقال ابن التين:
معنى التشديد ما هو آخر عهدك بالوحي، ومعنى التخفيف ما تركك، والمعنى واحد. وقال
الإسماعيلي: خبر أبي نعيم عن سفيان وجه القراءة فيه بالتخفيف، ووجه القراءة في رواية
وكيع عن سفيان: ودعك بالتشديد، وقال الزمخشري: التوديع مبالغة في الوداع، لأن من
ودعك مفارقاً فقد بالغ في تركك. قلت: قراءة التخفيف شاذة، والعرب أماتوا ماضي: يدع،

٢٥٢
١٩ - كتابُ التَّهَجُدِ / باب (٥)
ويورد قراءة التخفيف ويجاب بالشذوذ. قوله: ((وما قلى)) أي: وما قلاك، أي: وما بغضك
من: القلى، بكسر القاف وتخفيف اللام وهو: البغض. فإن فتحت القاف مددت تقول: قلاه
يقليه قلى وقلاء ويقلاه، لغة طي، وتقلى أي: تبغض، وإنما حذف المفعول حيث لم يقل: وما
قلاك، رعاية للفواصل.
٥ - بابُ تَخْرِيضِ النبيِّ عَّلِ عَلَى صَلاَةِ اللَّيْلِ والنَّوَافِلِ مِنْ غَيْرِ إیجَابٍ
أي: هذا باب في بيان تحريض النبي عَ لّ أمته أو المؤمنين على قيام الليل، أي: على
صلاة الليل، وكذا في رواية الأصيلي وكريمة على صلاة الليل، وهذا الباب يشتمل على أربعة
أحاديث: الأول: لأم سلمة. والثاني: لعلي بن أبي طالب. والثالث والرابع: لأم المؤمنين
عائشة، قيل: اشتملت الترجمة على أمرين: التحريض ونفي الإيجاب، فحديث أم سلمة وعلي
للأول، وحديثا عائشة للثاني، وقال بعضهم: بل يؤخذ من الأحاديث الأربعة نفي الإيجاب،
ويؤخذ التحريض من حديث عائشة من قولها: ((كان يدع العمل وهو يحبه))، لأن كل شيء
أحبه استلزم التحريض عليه لولا ما عارضه من خشية الافتراض. انتهى. قلت: لا نسلم أن
حديث أم سلمة يدل على نفي الإيجاب، بل ظاهره يوهم الإيجاب على ما لا يخفى على
المتأمل، ولكنه ساكت عنه، وظاهره التحريض، ولا نسلم أيضاً استلزام التحريض في شيء
أحبه، وكذلك ظاهر حديث علي يوهم الإيجاب بدليل قوله عَّم حين ولي: ﴿وكان الإنسان
أكثر شيء جدلا﴾ [الكهف: ٥٤]. ولكن ظاهره التحريض. قوله: ((والنوافل)) جمع نافلة
عطف على: قيام الليل، أي: والتحريض على النوافل، فإن كان المراد من قيام الليل الصلاة
فقط، يكون من عطف العام على الخاص، وإن كان المراد من قيام الليل أعم من الصلاة
والقرآن والذكر والتفكر في الملكوت العلوية والسفلية وغير ذلك، يكون من عطف الخاص
على العام.
وَطَرَقَ النبيُّ عََّلَّ فَاطِمَةَ وَعَلِقَاً عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ لَيْلَةٌ لِلصَّلاَةِ
هذا التعليق ذكره عقيب هذا بقوله: حدثنا أبو اليمان ... إلى آخره. قوله: ((طرق))، من
الطروق، وهو الإتيان بالليل، يعني: أتاهما بالليل للتحريض على القيام للصلاة.
١١٢٦/١٥٥ - حدَّثنا ابنُ مُقَاتِل قال أخبرنا عَبْدُ اللهِ قال أخبرنا مَعْمَرٌ عنِ الزُّهْرِيِّ
عنْ هِنْدٍ بِنْتِ الحَارِثِ عِنْ أَمّ سَلَمَةَ رضي الله تعالى عنها أنَّ النَّبِيَّ صَ لِّ اسْتَيْقِظَ لَيْلَةً فقال
سُبْحَانَ اللهِ ماذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفتَةِ مِنَ الخَزَائِنِ مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الحُجُرَاتِ یا رُبَّ
كاسِيَّةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ. [أنظر الحديث ١١٥ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إن فيه تحريضاً على قيام الليل، والحديث قد مر في
كتاب العلم في: باب العلم والعظة بالليل، قال: حدثنا صدقة، قال: أخبرنا ابن عيينة عن
معمر عن الزهري إلى آخره، وقد مر الكلام هناك مستقصىّ. وعبد الله ههنا: هو ابن المبارك.
قوله: ((يا رُبَّ)) المنادى محذوف أي: يا قوم رب كاسية. قوله: ((عارية)) بالجر صفة

٢٥٣
١٩ - كتابُ التّھجُدِ / باب (٥)
((كاسية)) والحديث، وإن صدر في حق أزواجه عَّله، ولكن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص
السبب، والتقدير: رب نفس كاسية، وفيه أنه أعلمه الله أنه يفتح على أمته من الخزائن، وأن
الفتن مقرونة بها، ولذلك آثر كثير من السلف القلة على الغنى خوف فتنة المال، وقد استعاذ
عَ لّه من فتنة الغنى كما استعاذ من فتنة الفقر.
١١٢٧/١٥٦ - حدّثنا أَبُو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال أخبرني عليّ
بنُ حُسَيْنٍ أَنَّ حُسَيْنَ بنَ عَلِيّ أُخْبَرَهُ أنَّ عَلِيٍّ بنَ أبي طالِبٍ أخبره أنَّ رسولَ اللهِ عَلَه طَرَقَهُ
وفاطِمَةً بِنْتَ النبيِّ عَِّ لَيْلَةً فقال ألاَ تُصَلِّيَانٍ فَقُلْتُ يا رسولَ اللهِ أَنْفُسُنا بِيَدِ اللهِ فإذَا شاءَ أنْ
يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا فَانْصَرَفَ حِينَ قُلْنَا ذُلِكَ ولَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئاً ثُمَّ سَمِعْتُهُ وَهْوَ مُوَلّ يَضْرِبُ فَخِذَهُ وهُوَ
يَقُولُ وَكانَ الإنْسَانُ أَكْثرَ شيءٍ جدَلاً. [الحديث ١١٢٧ - أطرافه في: ٤٧٢٤، ٧٣٤٧،
٧٤٦٥].
مطابقته للترجمة من حيث إنه عَّ طرق علياً وفاطمة ليلة وحرضهما على قيام الليل
بقوله: ((ألا تصليان؟)).
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: أبو اليمان الحكم بن نافع، الثاني: شعيب بن أبي
حمزة. الثالث: محمد بن مسلم الزهري. الرابع: علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب
المشهور بزين العابدين، تقدم في: باب من قال في الخطبة أما بعد في الجمعة. الخامس:
أبوه الحسين بن علي. السادس: جده علي بن أبي طالب.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه: الإخبار
بصيغة الإخبار بصيغة الجمع كذلك في موضع وبصيغة الإفراد في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة
في موضع واحد. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن شيخه وشيخ شيخه حمصيان والبقية
مدنيون. وفيه: إن إسناد زين العابدين من أصح الأسانيد وأشرفها الواردة فيمن روى عن أبيه
عن جده. وقال الدارقطني: رواه الليث عن عقيل عن الزهري عن علي بن الحسين عن
الحسن بن علي، وكذا وقع في رواية حجاج بن أبي منيع عن جده عن الزهري في (تفسير
ابن مردويه) وليس كذلك، والصواب عن الحسين - بتصغير اللفظ. وفيه: رواية التابعي عن
الصحابي، ورواية الصحابي عن الصحابي.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً عن أبي اليمان في
الاعتصام وفي التوحيد أيضاً عن إسماعيل بن أبي أويس، وأخرجه أيضاً في التفسير عن علي
ابن عبد الله، وفي الاعتصام أيضاً عن محمد بن سلام، وأخرجه مسلم في الصلاة عن قتيبة
عن ليث. وأخرجه النسائي أيضاً فيه عن قتيبة به وعن عبيد الله بن سعيد وأعاده في التفسير
عن قتيبة.
ذكر معناه: قوله: ((طرقه)) أي: أتاه ليلاً. قوله: ((وفاطمة)) بالنصب عطفاً على الضمير
المنصوب في: طرقه. قوله: ((ليلة))، أي: ليلة من الليالي فإن قلت: ما فائدة ذكر ليلة

٢٥٤
١٩ - كتابُ التّھجُدِ / باب (٥)
والطروق هو الإتيان بالليل؟ قلت: يكون للتأكيد، وذكر ابن فارس ان معنى: طرق أتى من غير
تقييد بشيء، فعلى هذا تكون ليلة لبيان وقت المجيء، وقال بعضهم: يحتمل أن يكون
المراد بقوله: ليلة، أي: مرة واحدة. قلت: هذا غير موجه لأن أحداً لم يقل: إن التنوين فيه
للمرة، فظن أن كون ليلة على وزن فعلة يدل على المرة وليس كذلك، والمعنى ما ذكرناه.
قوله: ((ألا تصليان؟)) كلمة: ألا، للحث والتحريض والخطاب لعلي وفاطمة، رضي الله تعالى
عنهما. قوله: ((أنفسنا بيد الله)) اقتباس من قوله تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها﴾
[الزمر: ٤٢]. كذا قيل، وفيه نظر. قوله: ((بعثنا))، بفتح الثاء المثلثة جملة من الفعل والفاعل
والمفعول، أي: لو شاء الله أن يوقظنا أيقظنا، وأصل البعث إثارة الشيء من موضعه. قوله:
((فانصرف)) أي: رسول الله عَّ له. قوله: ((حين قلت))، وفي رواية كريمة: ((حين قلنا)) قوله:
((ذلك)) إشارة إلى قوله: ((أنفسنا بيد الله). قوله: ((ولم يرجع إلي شيئاً)، بفتح الياء معناه: لم
يجبني، ورجع يأتي لازماً ومتعدياً. قوله: ((وهو مول)) جملة إسمية وقعت حالاً أي: معرض عنا
مدبراً. وكذا قوله: ((يضرب فخذه))، جملة حالية، ويفعل ذلك عند التوجع والتأسف. قوله:
((وهو يقول كذلك)) جملة حالية، وإنما قال ذلك تعجباً من سرعة جوابه، وقيل: إنما قاله
تسليماً لعذره وأنه لا عتب عليه.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: أن السكوت يكون جواباً. وفيه: جواز ضرب الفخذ عند
التأسف. وفيه: جواز الانتزاع من القرآن. وفيه: ترجيح قول من قال: إن اللام في قوله: ((وكان
الإنسان)) للعموم لا لخصوص الكفار. وفيه: منقبة لعلي، رضي الله تعالى عنه، حيث نقل ما
فيه عليه أدنى غضاضة، فقدم مصلحة نشر العلم وتبليغه على كتمه. وفيه: ما نقل ابن بطال
عن المهلب أنه: ليس للإمام أن يشدد في النوافل حيث قنع عَّ له بقول علي، رضي الله تعالى
عنه: ((أنفسنا بيد الله))، لأنه كلام صحيح في العذر عن التنفل، ولو كان فرضاً ما أعذره.
وفيه: إشارة إلى أن نفس النائم ممسكة بيد الله تعالى.
١١٢٨/١٥٧ - حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ
عُرْوَةَ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ إنْ كانَ رسولُ اللهِ عَُّلِّ لَيَدَعَ العَمَلَ وَهْوَ
يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ وما سَبَّحَ رسولُ اللهِ عَ لِ سُبْحَةً
الضُّحَى قَطُ وإِنِّي لأَسَبِّحُهَا. [الحديث ١١٢٨ - طرفه في: ١١٧٧].
مطابقته للترجمة من حيث إن العمل الذي كان النبي عَ لّم يحب أن يعمل به لا يخلو
عن تحريض أمته عليه، غير أنه كان يتركه خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم، ويحتمل
أن تكون المطابقة للجزء الثاني للترجمة، وهو قوله: ((والنوافل)) فإنها أعم من أن تكون بالليل
أو بالنهار، فيكون محل المطابقة للترجمة في قوله: ((وإني لأسبحها))، وفيه تحريض على
ذلك، وقد تكرر ذکر رجاله.
وأخرجه مسلم في الصلاة عن يحيى بن يحيى، وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي
وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة، أربعتهم عن مالك عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري.

٢٥٥
١٩ - كتابُ التَّهَجُّدِ / باب (٥)
قوله: ((إن كان))، كلمة: إن، بكسر الهمزة مخففة عن الثقيلة، وأصله: إنه كان،
فحذف ضمير الشأن وخففت النون. قوله: ((ليدع))، بفتح اللام التي للتأكيد، أي: ليترك.
قوله: ((خشية)) بالنصب أي: لأجل خشية أن يعمل به الناس، وهو متعلق بقوله: (ليدع)). قوله:
((فيفرض))، بالنصب عطفاً على: ((أن يعمل)). قوله: ((وما سبح)) أي: وما تنفل، وأراد بسبحة
الضحى: صلاة الضحى. قوله: ((وإني لأسبحها)) أي: أصليها، ويروى لأستحبها من
الاستحباب، وقال الخطابي: هذا من عائشة إخبار عما علمته دون ما لم تعلم، وقد ثبت أنه
عَّ اللهِ صلى صلاة الضحى يوم الفتح، وأوصى أبا ذر وأبا هريرة، وقال ابن عبد البر: أما قولها:
ما سبح سبحة الضحى قط، فهو أن من علم من السنن علماً خاصاً يأخذ عنه بعض أهل العلم
دون بعض، فليس لأحد من الصحابة إلاّ وقد فاته من الحديث ما أحصاه غيره، والإحاطة
ممتنعة، وإنما حصل المتأخرون علم ذلك منذ صار العلم في الكتب، والنبي عَّهِ ما كان
يكون عند عائشة في وقت الضحى إلا في نادر من الأوقات، فإما مسافر أو حاضر في
المسجد أو غيره أو عند بعض نسائه، ومتى يأتي يومها بعد تسعة فيصح قولها: ما رأيته
يصليها، وتكون قد علمت بخبره أو بخبر غيره أنه صلاها، أو المراد بما يصليها؛ ما يداوم
عليها. فيكون نفياً للمداومة لا لأصلها. وقال ابن الجوزي، رحمه الله قوله: ((فيفرض
عليهم))، يحتمل على وجهين: أحدهما: فيفرضه الله تعالى. والثاني: فعملوا به اعتقاداً أنه
مفروض.
وقال ابن بطال: يحتمل حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، معنيين: أحدهما: أنه
يمكن أن يكون هذا القول منه في وقت فرض عليه قيام الليل دون أمته، لقوله في الحديث
الآخر: ((لم يمنعني من الخروج إليكم إلاّ أني خشيت أن تفرض عليكم))، فدل على أنه كان
فرضاً عليه وحده، فيكون معنى قول عائشة: ((إن كان رسول الله عَّ ليدع العمل)) أنه كان
يدع عمله لأمته ودعاءهم إلى فعلهم معه، لا أنها أرادت أنه كان يدع العمل أصلاً، وقد فرضه
الله عليه، أو ندبه إليه لأنه كان أتقى أمته وأشدهم اجتهاداً. ألا ترى أنه لما اجتمع الناس من
الليلة الثالثة أو الرابعة لم يخرج إليهم؟ ولا شك أنه صلى حزبه تلك الليلة في بيته، فخشي إن
خرج إليهم والتزموا معه صلاة الليل أن يسوي الله، عز وجل، بينه وبينهم في حكمها،
فيفرضها عليهم من أجل أنها فرض عليه إذ المعهود في الشريعة مساواة حال الإمام والمأموم
في الصلاة، فما كان منها فريضة فالإمام والمأموم فيه سواء، وكذلك ما كان منها سنة أو
نافلة.
الثاني: أن يكون خشي من مواظبتهم على صلاة الليل معه أن يضعفوا عنها فيكون
من تركها عاصياً لِلّه في مخالفته لنبيه وترك اتباعه متوعداً بالعقاب على ذلك، لأن الله تعالى
فرض اتباعه، فقال: ﴿واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وقال فيترك اتباعه ﴿فليحذر
الذين يخالفون عن أمره﴾ [النور: ٦٣]. فخشي على تاركها أن يكون كتارك ما فرض الله
عليه، لأن طاعة الرسول كطاعته، وكان عَِّ رفيقاً بالمؤمنين رحيماً بهم. فإن قيل: كيف

٢٥٦
١٩ - كتابُ التَّهَجُدِ / باب (٥)
يجوز أن تكتب عليهم صلاة الليل وقد أكملت الفرائض؟ قيل له: صلاة الليل كانت مكتوبة
على النبي عَ لّه وأفعاله التي تتصل بالشريعة واجب على أمته الاقتداء به فيها، وكان أصحابه
إذا رأوه يواظب على فعل في وقت معلوم يقتدون به ويرونه واجباً، فالزيادة إنما يتصل وجوبها
عليهم من جهة وجوب الاقتداء بفعله، لا من جهة ابتداء فرض زائد على الخمس، أو يكون
أن الله تعالى لما فرض الخمسين وحطها بشفاعته معَّهِ فإذا عادت الأمة فيما استوهبت
والتزمت متبرعة ما كانت استعفت منه، لم يستنكر ثبوته فرضاً عليهم، وقد ذكر الله تعالى
فريقاً من النصارى وأنهم ابتدعوا رهبانية ما كتبناها عليهم، ثم لامهم لما قصروا فيها بقوله
تعالى: ﴿فما رعوها حق رعايتها﴾ [الحديد: ٢٧]. فخشي عَِّ أن يكونوا مثلهم، فقطع
العمل شفقة على أمته.
١١٢٩/١٥٨ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ. قالَ أخْبرنا مالِكٌ عنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ
عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ عنْ عَائِشةً أمّ المُؤْمِنِينَ رضي الله تعالى عنها أنَّ رسولَ الله عَ لَّهِ صَلَّى ذَاتَ
لَيْلَةٍ فِي المَسْجِدِ فَصَلَّى بِصَلاَتِهِ ناسٌ ثُمَّ صَلَّى مِنَ القَابِلَةِ فَكَثُرَ النَّاسُ ثُم اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ
الثَّالِئَةَ أَوِ الرَّابِعَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رِسُولُ الله ◌ِعَ لّ فَلمَّا أَصْبَحَ قَال قَدْ رَأيْتُ الذِي صَنَعْتُمْ
ولَمْ يَْتَغْنِي مِنَ الخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلاَّ أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ وَذُلِكَ فِي رَمَضَانَ. [انظر
الحديث ٧٢٩ وأطرافه].
هذا الإسناد بعينه مثل إسناد الحديث الأول.
قوله: ((صلى ذات ليلة في المسجد)) أي: صلى صلاة الليل في ليلة من ليالي
رمضان. قوله: ((ثم صلى من القابلة) أي: من الليلة الثانية، وفي رواية المستملي: ((ثم صلى
من القابل)) أي: من الوقت القابل من الليلة القابلة. قوله: ((من الليلة الثالثة أو الرابعة))، كذا
رواه مالك بالشك، وفي رواية عقيل عن ابن شهاب: ((فصلى الناس بصلاته فأصبح الناس
فتحدثوا))، وفي رواية مسلم عن يونس عن ابن شهاب: ((يتحدثون بذلك))، وفي رواية أحمد
عن ابن جريج عن ابن شهاب: ((فلما أصبح تحدثوا أن النبي عَّهِ صلى في المسجد من
جوف الليل، فاجتمع أكثر منهم))، وزاد يونس ((فخرج رسول الله عَّه في الليلة الثانية فصلوا
معه، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد في الليلة الثالثة، فخرج فصلوا بصلاته،
فلما كانت الرابعة عجز المسجد عن أهله)). وفي رواية ابن جريج أيضاً: ((حتى كاد المسجد
يعجز عن أهله))، ولأحمد في رواية عن معمر عن ابن شهاب: امتلأ المسجد حتى اغتص
بأهله))، وله من رواية سفيان بن حسين عنه: ((فلما كانت الليلة الرابعة غص المسجد بأهله)).
قوله: ((فلم يخرج إليهم رسول الله عَ لّه))، وفي رواية أحمد عن ابن جريج: ((حتى سمعت
ناساً منهم يقولون: الصلاة))، وفي رواية سفيان بن حسين عنه: ((فقالوا ما شأنه؟)) وفي حديث
زيد بن ثابت، رضي الله تعالى عنه، كما سيأتي في الاعتصام: حدثنا إسحاق أخبرنا عفان
حدثنا وهيب حدثنا موسى بن عقبة سمعت أبا النضر يحدث عن بسر بن سعيد، ((عن زيد بن
ثابت: أن النبي عَّهُ اتخذ حجرة في المسجد من حصير، فصلى رسول الله عَ لّم فيها ليالي

٢٥٧
١٩ - كتابُ التَّهَجُدِ / باب (٥)
حتى اجتمع إليه ناس، ثم فقدوا صوته ليلة فظنوا أنه قد نام، فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج
إليهم فقال: ما زال بكم الذي رأيت من صنيعكم حتى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كتب
عليكم ما قمتم به، فصلوا أيها الناس في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلاّ
المكتوبة)). وأخرجه أيضاً في الأدب، ولفظه: ((احتجر رسول الله عَ لّم حجيرة مخصفة، - أو
حجيراً - فخرج رسول الله عَ ليه يصلي فيها فتتبع إليه رجال فجاؤوا يصلون بصلاتهم، ثم
جاؤوا ليلة فحضروا وأبطأ رسول الله عَّ الله عنهم، فلم يخرج إليهم، فرفعوا أصواتهم وحصبوا
الباب، فخرج إليهم مغضباً فقال لهم رسول الله عَّ ◌ُله: ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنه
سيكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلاّ المكتوبة)).
وأخرجه مسلم أيضاً وفيه: ((فأبطأ رسول الله عَ لّه عنهم فلم يخرج إليهم، فرفعوا أصواتهم
وحصبوا الباب .. )) وأخرجه أبو داود أيضاً وفيه: ((حتى إذا كان ليلة من الليالي لم يخرج إليهم
رسول الله عَ ليه، فتنحنحوا ورفعوا أصواتهم وحصبوا بابه .. )) الحديث. وأخرجه الطحاوي أيضاً
نحو رواية البخاري. قوله: ((فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم)) وفي رواية عقيل:
((فلما قضى صلاة الفجر أقبل على الناس وتشهد ثم قال: أما بعد، فإنه لم يخف عليَّ
مكانكم)). وفي رواية يونس وابن جريج: ((لم يخف علي شأنكم))، وفي رواية أبي سلمة:
((أكلفوا من العمل ما تطيقون))، وفي رواية معمر أن الذي سأله عن ذلك بعد أن أصبح عمر بن
الخطاب. قوله: ((أن تفرض عليكم)) أي: بأن تفرض عليكم صلاة الليل، يدل عليه رواية
يونس: ((ولكني خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها))، وكذا في رواية أبي
سلمة المذكور قبيل صفة الصلاة، ((خشيت أن تكتب عليكم صلاة الليل))، فدلت هذه
الروايات على أن عدم خروجه عَّه إليهم كان للخشية عن فرضية هذه الصلاة لا لعلة أخرى.
قوله: ((وذلك في رمضان)) كلام عائشة، رضي الله تعالى عنها، ذكرته إدراجاً لتبين أن هذه
القضية كانت في شهر رمضان. فإن قلت: لم يبين في الروايات المذكورة عدد هذه الصلاة
التي صلاها رسول الله عَّهه في تلك الليالي؟ قلت: روى ابن خزيمة وابن حبان من حديث
جابر، رضي الله تعالى عنه، قال: ((صلى بنا رسول الله عَّ ◌ُلّم في رمضان ثمان ركعات ثم
أوتر)).
ذكر ما يستفاد منه: فيه: جواز النافلة جماعة، ولكن الأفضل فيها الانفراد، وفي
التراويح اختلف العلماء فذهب الليث بن سعد وعبد الله بن المبارك وأحمد وإسحاق إلى أن
قيام التراويح مع الإمام في شهر رمضان أفضل منه في المنازل. وقال به قوم من المتأخرين
من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب الشافعي، فمن أصحاب أبي حنيفة: عيسى بن أبان وبكار
ابن قتيبة وأحمد بن أبي عمران أحد مشايخ الطحاوي: ومن أصحاب الشافعي: إسماعيل بن
يحيى المزني ومحمد بن عبد الله بن الحكم، واحتجوا بحديث أبي ذر عن النبي عَّ الله قال:
((صمت مع النبي عَّلّهِ رمضان فلم يقم بنا حتى بقي سبع من الشهر، فلما كانت الليلة
السابعة خرج فصلى بنا حتى مضى ثلث الليل، ثم لم يصل بنا السادسة، ثم خرج ليلة
عمدة القاري / ج٧ / م١٧

٢٥٨
١٩ - كتابُ التَّهَجُدِ / باب (٥)
الخامسة فصلى بنا حتى مضى شطر الليل، فقلنا: يا رسول الله لو نفلتنا. فقال: إن القوم إذا
صلوا مع الإمام حتى ينصرف كتب لهم قيام تلك الليلة، ثم لم يصل بنا الرابعة حتى إذا
كانت ليلة الثالثة خرج وخرج بأهله، فصلى بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح، فقلت: وما
الفلاح؟ قال السحور)) أخرجه الطحاوي. وأخرجه الترمذي نحوه غير أن في لفظه: ((من قام مع
الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة)). وأخرجه النسائي وابن ماجه أيضاً. ويحكى ذلك عن
عمر بن الخطاب ومحمد بن سيرين وطاوس. قلت: هو مذهب أصحابنا الحنفية، وقال
صاحب (الهداية): يستحب أن يجتمع الناس في شهر رمضان بعد العشاء فيصلي بهم إمامهم
خمس ترويحات، ثم قال: والسنة فيها الجماعة، لكن على وجه الكفاية، حتى لو امتنع أهل
المسجد من إقامتها كانوا مسيئين، ولو أقامها البعض فالمتخلف عن الجماعة تارك للفضيلة،
لأن أفراد الصحابة يروى عنهم التخلف. قلت: روى الطحاوي عن نافع ((عن ابن عمر: أنه
كان لا يصلي خلف الإمام في شهر رمضان))، وأخرج ابن أبي شيبة أيضاً في (مصنفه): ((عن
ابن عمر: أنه كان لا يقوم مع الناس في شهر رمضان. قال: وكان القاسم وسالم لا يقومان
مع الناس))، وذهب مالك والشافعي وربيعة إلى أن صلاته في بيته أفضل من صلاته مع الإمام،
وهو قول إبراهيم والحسن البصري والأسود وعلقمة. وقال أبو عمر: اختلفوا في الأفضل من
القيام مع الناس أو الانفراد في شهر رمضان، فقال مالك والشافعي: صلاة المنفرد في بيته
أفضل. وقال مالك: وكان ربيعة وغير واحد من علمائنا ينصرفون ولا يقومون مع الناس، وقال
مالك: وأنا أفعل ذلك، وما قام رسول الله عَّ لّه إلّ في بيته، وإليه مال الطحاوي، وروى ذلك
عن ابن عمر وسالم والقاسم ونافع: أنهم كانوا ينصرفون ولا يقومون مع الناس. وقال الترمذي:
واختار الشافعي أن يصلي الرجل وحده إذا كان قارئاً.
والكلام في التراويح على أنواع:
الأول: أن العلماء اختلفوا فيها: هل هي سنة أو تطوع مبتدأ؟ فقال الإمام حميد الدين
الضريري، رحمه الله: نفس التراويح سنة، وأما أداؤها بالجماعة فمستحب، وروى الحسن عن
أبي حنيفة: أن نفس التراويح سنة لا يجوز تركها، وقال الصدر الشهيد، هو الصحيح، وفي
(جوامع الفقه): التراويح سنة مؤكدة، والجماعة فيها واجبة، وفي (روضة الحنفية): والجماعة
فضيلة، وفي (الذخيرة): لنا عن أكثر المشايخ أن إقامتها بالجماعة سنة على الكفاية.
الثاني: أن عددها عشرون ركعة، وبه قال الشافعي وأحمد، ونقله القاضي عن جمهور
العلماء، وحكى أن الأسود بن يزيد كان يقوم بأربعين ركعة ويوتر بسبع، وعند مالك: ستة
وثلاثون ركعة غير الوتر، واحتج على ذلك بعمل أهل المدينة واحتج أصحابنا والشافعية
والحنابلة بما رواه البيهقي بإسناد صحيح ((عن السائب بن يزيد الصحابي قال: كانوا يقومون
على عهد عمر، رضي الله تعالى عنه، بعشرين ركعة وعلى عهد عثمان وعلي، رضي الله
تعالى عنهما، مثله)) وفي (المغني) عن علي: أنه أمر رجلاً أن يصلي بهم في رمضان بعشرين
ركعة، قال: وهذا كالإجماع.

٢٥٩
١٩ - كتابُ التَّهَجَّدِ / باب (٦)
فإن قلت: قال في (الموطأ): عن يزيد بن رومان، قال: كان الناس في زمن عمر
يقومون في رمضان بثلاث وعشرين ركعة. قلت: قال البيهقي: والثلاث هو الوتر، ويزيد لم
يدرك عمر فيكون منقطعاً، والجواب عما قاله مالك أن أهل مكة كانوا يطوفون بين كل
ترويحتين، ويصلون ركعتي الطواف ولا يطوفون بعد الترويحة الخامسة، فأراد أهل المدينة
مساواتهم، فجعلوا مكان كل طواف أربع ركعات، فزادوا ست عشرة ركعة، وما كان عليه
أصحاب رسول الله عَ لّهِ أحق وأولى أن يتبع.
الثالث: في وقتها، وهو بعد العشاء وقبل الوتر، عندنا وهو قول عامة مشايخ بخارى،
والأصح أن وقتها بعد العشاء إلى آخر الليل قبل الوتر، وبعده، وفي (المبسوط): المستحب
فعلها إلى نصف الليل أو ثلثه كما في العشاء. وفي (المحيط): لا يجوز قبل العشاء ويجوز
بعد الوتر ولم يحك فيه خلافاً.
الرابع: أن أكثر المشايخ على أن السنة فيها الختم فلا يترك لكسل القوم، وقيل: يقرأ
مقدار ما يقرأ في المغرب تحقيقاً للتخفيف قال شمس الأئمة: هذا غير مستحسن، وقيل:
يقرأ من عشرين آية إلى ثلاثين آية، كما أمر عمر بن الخطاب أحد الأئمة الثلاثة على ما رواه
البيهقي بإسناده عن أبي عثمان النهدي، قال: دعا عمر، رضي الله تعالى عنه، بثلاثة من القراء
فاستقرأهم فأمر أسرعهم قراءة أن يقرأ للناس بثلاثين آية في كل ركعة، وأوسطهم بخمس
وعشرين آية، وأبطأهم بعشرين آية.
ومن فوائد الحديث المذكور: جواز الاقتداء بمن لم ينو إمامته، وهو مذهب الجمهور
إلاّ رواية عن الشافعي. وفيه: إذا تعارضت مصلحة وخوف مفسدة أو مصلحتان اعتبر أهمهما،
لأنه معَّهِ، كان رأى الصلاة في المسجد لبيان الجواز أو أنه كان معتكفاً، فلما عارضه
خوف الافتراض عليهم تركه لعظم المفسدة التي تخاف من عجزهم وتركهم الفرض. وفيه:
أن الإمام أو كبير القوم إذا فعل شيئاً خلاف ما يتوقعه أتباعه وكان له عذر فيه يذكره لهم
تطبيباً لقلوبهم وإصلاحاً لذات البين، لئلا يظنوا خلاف هذا، وربما ظنوا ظن السوء. وفيه:
جواز الفرار من قدر الله إلى قدر الله قاله المهلب. وفيه: ما كان عليه النبي عٍَّ من الزهادة
في الدنيا والاكتفاء بما قل منها، والشفقة على أمته والرأفة بهم. وفيه: ترك الأذان والإقامة
للنوافل إذا صليت جماعة، قاله ابن بطال. وفيه: أن قيام رمضان سنة بالجماعة وليس كما
زعمه بعضهم أنه سنة عمر، رضي الله تعالى عنه، وقال: أجمعوا على أنه لا يجوز تعطيل
المساجد عن قيام رمضان، فهو واجب على الكفاية.
٦ - بابُ قِيامِ النَّبِيِّ عَ لَه حَتَّى تَرَمَ قَدَمَاهُ
أي: هذا باب في بيان قيام النبي عَّ له، يعني: صلاة الليل، هذه الترجمة على هذا
الوجه رواية كريمة، وفي رواية الكشميهني: باب قيام النبي عَِّ الليل. قوله: ((حتى ترم))
كلمة: حتى، للغاية ومعناها إلى أن ترم، ولفظة: ترم، منصوبة بأن المقدرة، وهو بفتح التاء

٢٦٠
١٩ - كتابُ التَّهَجُدِ / باب (٦)
المثناة من فوق فعل مضارع للمؤنث، وماضيه ورم، وهو من باب: فعل يفعل، بالكسر فيهما،
تقول: ورم يرم ورماً، ومعنى ورم: انتفخ، وأصل: ترم تورم، فحذفت الواو منه، كما حذفت
من: يعد ويمق، ونحوهما، في كل ما جاء في هذا الباب. قيل: هذا شاذ، وقيل: نادر وليس
كذلك، وإنما هو قليل لأنه لا يدخل في دعائم الأبواب. قوله: ((قدماه))، مرفوع لأنه فاعل ترم.
وقالَتْ عَائِشَةُ رضي الله تعالى عنها قامَ النبيُّ عَلَِّ حَتَّى تَفَطَّرُ قَدَمَاهُ وَالفُطُورُ
الشُّقُوقُ انْفَطَرَتْ انْشَقَّتْ
ويروى: ((قام رسول الله عٍَّ))، وفي رواية الكشميهني. قالت عائشة، رضي الله تعالى
عنها: ((كان يقوم))، وهذا التعليق أخرجه البخاري في التفسير مسنداً في سورة الفتح. قوله:
((حتى تفطر))، على وزن تفعل بالتشديد بتاء واحدة، وهو على صيغة الماضي، فتكون الراء
مفتوحة، وفي رواية الأصيلي: تتفطر بتاءين، وقد يأتي فيما كان بتاءين حذف إحداهما كما
في قوله: ((نار تلظى)) أصله تتلظى بتاءين فلم تحذف ههنا فعلى هذا تكون الراء مضمومة،
وعلى الأصل رواية الأصيلي. وقوله: ((قدماه)) مرفوع لأنه فاعل: ((تفطر)).
١١٣٠/١٥٩ - حدثنا أَبُو نُعَيْم حدَّثنا مِشْعرٌ عنْ زِيادٍ قال سَمِعْتُ المُغِيرَةَ رضي
الله تعالى عنه يقُولُ إنْ كانَ النبيُّ عَ لَّهِ لْيَقُومُ أوْ لِيُصَلِّي حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ أَوْ سَاقَاهُ فَيُقَالُ لَهُ
فَيَقُولُ أَفَلاَ أَكُونُ عَبْدَاً شَكُوراً. [الحديث ١١٣٠ - طرفاه في: ٤٨٣٦، ٤٦٧١].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: أبو نعيم الفضل بن دكين. الثاني: مسعر، بكسر
الميم، ابن كدام العامري الهلالي، مر في: باب الوضوء بالمد. الثالث: زياد بكسر الزاي
وتخفيف الياء آخر الحروف، ابن علاقة الثعلبي مر في آخر كتاب الإيمان. الرابع: المغيرة
ابن شعبة.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في
موضع. وفيه: السماع. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: أن رجال إسناده كوفيون وهو من
الرباعيات. وفيه: مسعر عن زياد. وقال البخاري في (الرقاق): عن خلاد بن يحيى عن مسعر
حدثنا زياد بن علاقة، والحفاظ من أصحاب مسعر رووا عنه عن زياد، وخالفهم محمد بن
بشر وحده فرواه: عن مسعر عن قتادة عن أنس أخرجه البزار، وقال: الصواب عن مسعر عن
زياد، وأخرجه الطبراني في (الكبير) من رواية أبي قتادة الحراني عن مسعر عن علي بن الأقمر
عن أبي جحيفة قيل: أخطأ فيه أيضاً، والصواب: مسعر عن زياد بن علاقة. قلت: مسعر كما
روى عن زياد روى أيضاً عن علي بن الأقمر، فما وجه التخطئة ولم يبين مدعيها؟
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه الخاري أيضاً في (الرقاق) عن خلاد بن
يحيى، وفي التفسير عن صدقة بن الفضل عن سفيان بن عيينة. وأخرجه مسلم في أواخر
الكتاب عن قتيبة وعن ابن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير. وأخرجه الترمذي في الصلاة