Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ ١٧ - كتابُ سُجُودِ القُرْآن / باب (١١) على أن المرء مخير في السجود، فيكون ليس بواجب، وأجاب من أوجبه: بأن المعنى إلاّ أن نشاء قراءتها فيجب، ولا يخفى بعده، ويرده تصريح عمر، رضي الله تعالى عنه، بقوله: ((ومن لم يسجد فلا إثم عليه)) فإن انتفاء الإثم عمن ترك الفعل مختاراً يدل على عدم وجوبه. قلت: لا شك أن مفعول: نشاء، محذوف، فيحتمل أن يكون ذلك: السجدة، يعني: إلّ أن نشاء السجدة، ويحتمل أن تكون: القراءة، يعني: إلا أن نشاء قراءة السجدة، فلا يترجح أحد الاحتماليّن إلّ بمرجح، والأحاديث الواردة في هذا الباب تنفي التخيير، فيترجح المعنى الآخر، والجواب عن قوله: ويرده تصريح عمر .. إلى آخره، قد ذكرناه. وقال هذا القائل أيضاً: واستدل به على من شرع في السجود وجب عليه إتمامه، وأجيب بأنه استثناء منقطع، والمعنى: لكن ذلك موكول إلى مشيئة المرء بدليل إطلاقه، ومن لم يسجد فلا إثم عليه. ١١ - بابُ منْ قَرَأَ السَّجْدَةَ فِي الصَّلاَةِ فَسَجَدَ بِهَا أي: هذا باب في بيان حكم من قرأ سجدة التلاوة في الصلاة فسجد بها، أي: بتلك السجدة، وحكمه أن لا تكره قراءة السجدة في الصلاة، خلافاً لمالك على ما نذكره. وقال بعضهم: في الصلاة المفروضة. قلت: إطلاق البخاري يتناول الفريضة والنافلة. ١٠٧٨/١١٣ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا مُعْتَمِرٌ قال سَمِعْتُ أبي قال حدَّثني بَكْرٌ عنْ أبي رَافِعٍ قال صلَّيْتُ مَعَ أبي هُرَيْرَةَ العَتَمَةَ فَقَرَأَ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] فَسَجَدَ فَقلْثُ ما لهذِهِ قال سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أبي القَاسِمِ عََّلَّهِ فَلاَ أَزَالُ أَسْبُدُ فِيهَا حَتَّى ألْقَاهُ. [انظر الحديث ٧٦٦ وطرفيه]. مطابقته للترجمة ظاهرة. ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: مسدد، تكرر ذكره. الثاني: معتمر بن سليمان التيمي. الثالث: أبوه سليمان بن طرخان التيمي. الرابع: بكر بن عبد الله المزني. الخامس: أبو رافع نفيع، بضم النون وفتح الفاء. السادس: أبو هريرة. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في موضع. وفيه: القول في أربعة مواضع. وفيه: أن الرواة كلهم بصريون. وفيه: رواية الابن عن أبيه. وفيه: راويان بلا نسبة وراو بكنيته. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري في الصلاة عن أبي النعمان وعن مسدد عن يزيد بن زريع عن سليمان التيمي. وأخرجه مسلم في الصلاة عن عبيد الله ابن معاذ ومحمد بن عبد الأعلى، كلاهما عن معتمر بن سليمان به وعن أبي كامل الجحدري عن يزيد بن زريع به، وعن عمر الناقد عن عيسى بن يونس وعن أحمد بن عبدة : عن سليم بن أخضر، كلاهما عن سليمان التيمي به. وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد عن معتمر به. وأخرجه النسائي فيه عن حميد بن مسعدة عن سليم بن أخضر به. ذكر معناه: قوله: ((العتمة)) أي: صلاة العشاء. قوله: ((ما هذه؟)) أي: ما هذه السجدة عمدة القاري / ج٧ / ١١٢ ١٦٢ ١٧ - كتابُ سُجُودِ القُرْآن / باب (١١) التي سجدت بها في الصلاة؟ قوله: ((حتى ألقاه))، بالقاف أي: حتى أموت، لأن المراد لقاء رسول الله عٍَّ وذلك لا يكون إلاّ بالموت. ذكر ما يستنبط منه: احتج به الثوري ومالك والشافعي أنه: من قرأ سجدة في صلاته المكتوبة أنه لا بأس أن يسجد فيها، وكره مالك ذلك فى الفريضة الجهرية والسرية. وقال ابن حبيب: لا يقرأ الإمام السجدة فيما يسر به، ويقرؤها فيما يجهر فيه، وذكر الطبري عن أبي مجلز أنه كان لا يرى السجود في الفريضة، وزعم أن ذلك زيادة في الصلاة، ورأى أن السجود فيها غير الصلاة، وحديث الباب يرد عليه، وعمل السلف من الصحابة وعلماء الأمة. وروي عن عمر، رضي الله تعالى عنه، أنه صلى الصبح فقرأ: والنجم، فسجد فيها، وقرأ مرة في الصبح فسجد فيها سجدتين. وقال ابن مسعود، في السورة يكون آخرها سجدة: إن شئت سجدت بها ثم قمت وقرأت فركعت، وإن شئت ركعت بها. وقال الطحاوي: وإنما قرأ الشارع السجدة في العتمة والصبح، وهذا فيما يجهر فيه، وإذا سجد في قراءة السرية لم يدر أسجد للتلاوة أم لغيرها. وقال صاحب (الهداية) وإذا قرأ الإمام آية السجدة سجدها وسجد المأموم معه، وإذا تلا المأموم وسمعها الإمام والقوم لم يسجد الإمام ولا المأموم في الصلاة بالاتفاق، ولا بعد الفراغ من الصلاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: يسجدونها بعد الفراغ. انتهى. ومما يستدل بسجوده عَّ ◌ُلم في الصلاة لسجد التلاوة على التسوية بين الفريضة والنافلة، وبه قال الشافعي وأحمد، وفرق المالكية بين صلاة الفرض والنافلة، فإن كان في النافلة فيسجد لقراءة نفسه سواء كان منفرداً أو إماماً لأمن التخليط عليهم، فإن لم يأمن التخليط عليهم أيضاً سجد على المنصوص عليه عندهم، فأما الفريضة فالمشهور عندهم أنه لا يسجد فيها سواء كانت سرية أو جهرية، وسواء كان منفرداً أو في جماعة. وقال البيهقي في (الخلافيات): وحكي عن أبي حنيفة أنه لا يسجد للتلاوة في الصلاة السرية. وقال شيخنا زين الدين: هذا مشكل مع قول الحنفية بوجوب سجود التلاوة، فإن كان يقول: إنه لا يسجد لقرائتها، كما حكاه البيهقي عنه، فهو مشكل. وإن قال: إنه لا يقرأ آية السجدة، كما حكاه ابن العربي عنه، فهو أقرب، إلاّ أن الحنفية قالوا: إنه يكره أن يقرأ السورة التي فيها السجدة، ولا يسجد فيها في صلاة كان أو في غيرها، لأنه كالاستنكاف عن السجود، فعلى هذا فالاحتياط على قولهم: إنه لا يقرأ في الصلاة السرية سورة فيها سجدة. قلت: وفي (الهداية) قال: لا بأس أن يقرأ آية السجدة ويدع ما سواها. قال محمد: وأحب إليَّ أن يقرأ قبلها آية أو آيتين دفعاً لوهم التفضيل، واستحسن المشايخ إخفاءها شفقة على السامعين وفي (المحيط): إذا كان التالي وحده يقرأ كيف شاء جهراً أو إخفاء، وإن كان معه جماعة قال مشايخنا: إن كانوا متهيئين للسجود ووقع في قلبه أنه لا يشق عليهم أداؤها ينبغي أن يجهر حتى يسجد القوم معه، وإن كانوا محدثين أو يظن أنهم لا يسجدون أو يشق عليهم أداؤها ينبغي أن يقرأها في نفسه ولا يجهر تحرزاً عن تأثيم المسلم. قلت كل هذا مبني على وجوب سجدة التلاوة، ومما استدل بأحاديث السجود للتلاوة على أنه لا يقوم ١٦٣ ١٧ - كتابُ سُجُودِ القُرْآن / باب (١٢) الركوع مقام سجود التلاوة، وبه قال مالك والشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: يقوم الركوع مقام السجود، للتلاوة استحساناً لقوله تعالى: ﴿خر راكعاً وأناب﴾ [ص: ٢٤]. وفي (الينابيع): إن كانت السجدة في آخر السورة فالأفضل أن يركع بها، وإن كانت في وسطها فالأفضل أن يسجد ثم يقوم فيختم السورة، ثم يركع، وإن كانت في آخر السورة وبعدها آيتان أو ثلاث فإن شاء أتم السورة وركع، وإن شاء سجد ثم قام فأتم السورة، فإن ركع بها يحتاج إلى النية عند الركوع بها، فإن لم توجد منه النية عند الركوع بها لا يجزيه عن السجدة، ولو نوى في ركوعه، فقيل: يجزيه، وقيل: لا يجزيه، واستدل أيضاً بأحاديث سجود المستمع لآية السجدة على أنه لا فرق بين أن يسمعها ممن هو أهل للإمامة أو لا، كما لو سمعها من امرأة أو صبي أو خنثى مشكل أو كافر أو محدث، وهذا قول أبي حنيفة، وعند الشافعية كذلك على ما ذكره النووي في (الروضة): وقال: هو الأصح، وليس في عبارة الرافعي تصريح بالتصحيح له، ولكنه لما ذكر عبارة الغزالي في (الوجيز) قال: ظاهر اللفظ يشمل قراءة المحدث والصبي والكافر، ويقتضي شرعية السجود للمستمع إلى قراءته، وحكى الرافعي قبل هذا عن صاحب (البيان): أنه لا يسجد المستمع لقراءة المحدث، ثم ذكر بعد ذلك عن الطبري في العدة: أنه لا يسجد المستمع لقراءة الكافر والصبي، وحكى ابن قدامة في (المغني)؛ عن الشافعي وأحمد وإسحاق: أنه لا يسجد لقراءة المرأة والخنثى المشكل، ورواية واحدة عن أحمد، وحكى عنه وجهان فيما إذا كان صبياً، وذهبت المالكية أيضاً إلى أنه: لا يسجد لاستماع قراءة من ليس أهلاً للإمامة، وقال الثوري: إذا سمع آية السجدة من امرأة تلاها السامع وسجد، وقال الليث: إذا سمعها من غلام سجد، وقال شيخنا زين الدين: ذكر بعض أصحابنا أن القارىء إن كان ممن تمتنع عليه القراءة كالجنب والسكران لم يسجد المستمع لقراءته، وبه جزم القاضي حسين في فتواه. ١٢ - بابُ مَنْ لَمْ يَجِدْ مَوْضِعاً لِلسُّجُودِ مِنَ الزِّحَامِ أي: هذا باب يذكر فيه حكم من لم يجد .. إلى آخره، وأشار البخاري بهذه الترجمة إلى أنه يرى أنه يسجد بقدر استطاعته، ولو كان على ظهر غيره. ١٠٧٩/١١٤ - حدَّثنا صَدَقَةُ قال أخبرنا يَحْيى عنْ عُبَيْدِ الله عنْ نَافِعِ عنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما قال كانَ النبيُّ عَّ ◌ُلَّهِ يَقْرَأُ السُّورَ الَّتِي فِيها السَّجْدَةٌ فَيَسْجُدُ وَنْجُدُ حَتَّى ما يَجِدُ أحدُنا مَكاناً لِمَوْضِعَ جَبْهَتِهِ. [أنظر الحديث ١٠٧٥ وطرفه]. مر هذا الحديث عن قريب في: باب ازدحام الناس إذا قرأ الإمام السجدة، فإنه رواه هناك: عن بشر بن آدم عن علي بن مسهر عن عبيد الله عن نافع إلى آخره، وههنا أخرجه: عن صدقة بن الفضل، مضى ذكره في: باب العلم والعظة بالليل، عن يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب. قوله: ((كان النبي عَّ يقرأ السورة التي فيها السجدة))، وزاد علي بن مسهر في ١٦٤ ١٧ - كتابُ سُجُودِ القُرْآن / باب (١٢) روايته عن عبيد الله: ((ونحن عنده)). قوله: ((فيسجد)) أي: النبي عَ لِّ. قوله: ((ونسجد))، بنون المتكلم، أي: ونحن نسجد، وفي رواية الكشميهني: ((ونسجد معه))، قوله: ((لموضع جبهته))، يعني من الزحام وكثرة الخلق. وقال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. قال: حدثنا محمد بن بشر، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع ((عن ابن عمر، قال: ربما قرأ رسول الله عَِّ القرآن فيمر بالسجدة فيسجد بنا حتى ازدحمنا عنده حتى ما يجد أحدنا مكاناً يسجد فيه في غير صلاة))، ورواية مسلم هذه دلت على أن هذه القضية كانت في غير وقت صلاة، وأفادت رواية الطبراني من طريق مصعب بن ثابت عن نافع في هذا الحديث أن ذلك كان بمكة لما قرأ النبي عَّ لِ النجم، وزاد فيه: ((حتى يسجد الرجل على ظهر الرجل)). ١٦٥ ١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (١) بسم الله الرحمن الرحيم ١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ أي: هذه أبواب التقصير في الصلاة، هكذا وقعت هذه الترجمة في رواية المستملي، وفي رواية أبي الوقت: أبواب تقصير الصلاة، ولم تثبت في روايتهما البسملة، وثبتت في رواية كريمة والأصيلي، وفي بعض النسخ: كتاب التقصير، والتقصير مصدر من قصّر بالتشديد، يقال: قصرت الصلاة بفتحتين قصراً وقصرتها بالتشديد تقصيراً، وأقصرتها إقصاراً، والأول أشهر في الاستعمال وأفصح، وهو لغة القرآن. ١ - بابُ ما جاءَ في التَّقْصِيرِ وَكَمْ يُقِيمُ حَتَّى يَقْصُرَ أي: هذا باب حكم تقصير الصلاة أي: جعل الرباعية على ركعتين، والإجماع على أن لا تقصير في المغرب والصبح. قوله: ((وكم يقيم حتى يقصر))، اعلم أن الشراح تصرفوا في هذا التركيب بالرطب واليابس، وحل هذا موقوف على معرفة لفظة: كم، ولفظة: حتى، ولفظة: يقيم، ليفهم معناه بحيث يكون حديث الباب مطابقاً له، وإلاّ يحصل الخلف بينهما، فتكون الترجمة في ناحية وحديث الباب في ناحية فنقول: لفظة: كم، هنا استفهامية بمعنى: أي عدد؟ ولا يكون تمييزه إلاّ مفرداً، خلافاً للكوفيين، ويكون منصوباً ولا يجوز جره مطلقاً كما عرف في موضعه، ولفظة: حتى، للتعليل لأنها تأتي في كلام العرب لأحد ثلاثة معان: لانتهاء الغاية وهو الغالب، والتعليل، وبمعنى: إلاّ في الاستثناء، وهذا أقلها، ولفظة: يقيم، معناها: يمكث، وليس المراد منه ضد السفر بالمعنى الشرعي، فإذا كان كذلك يكون معنى قوله: ((وكم يقيم حتى يقصر؟)) وكم يوماً يمكث المسافر لأجل قصر الصلاة، وجوابه مثلا: تسعة عشر يوماً، كما في حديث الباب، فإن فيه: ((أقام النبي عَّلم تسعة عشر يوماً يقصر))، فنحن إذا سافرنا تسعة عشر يوماً قصرنا، وإن زدنا أتممنا، فيكون مكث المسافر في سفره تسعة عشر يوماً سبباً لجواز قصر الصلاة، فإذا زاد على ذلك لا يجوز له القصر، لأن المسبب ينتفي بانتفاء السبب، فإذا عرفت هذا عرفت أن الكرماني تكلف في حل هذا التركيب حيث قال أولاً: لا يصح كون الإقامة سبباً للقصر، ولا القصر غاية للإقامة، ثم قال: عدد الأيام سبب، أي: سبب معرفة لجواز القصر أي الإقامة إلى تسعة عشر يوماً سبب لجوازه لا الزيادة عليها، وهذا كما ترى تعسف جداً، وكذا بعضهم تصرف فيه تصرفات عجيبة. منها: ما نقل عن غيره بأن المعنى: وكم إقامته المغياة بالقصر، وهذا التقدير لا يصح أصلاً، لأن: كم، الاستفهامية على هذا تلتبس بالخبرية، ثم قوله: من عنده، وحاصله كم يقيم مقصراً، غير صحيح، لأن هذا الذي قاله غير حاصل، ذاك الذي نقله على أن فيه إلغاء معنى: حتى. ومنها: ما نقله عن غيره أيضاً بقوله، وقيل: المراد كم يقصر حتى يقيم، أي: حتى سمى مقيماً فانقلب اللفظ، وهذا أيضاً غير صحيح، لأن المراد منه ليس كذلك، لأنه خلاف ما يقتضيه التركيب، على أن فيه نسبة التركيب إلى الخطأ. ومنها: ما قاله من عنده، وهو قوله: أو حتى ١٦٦ ١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (١) هنا بمعنى: حين، أي: كم يقيم حين يقصر، وهذا أيضاً غير صحيح لأنه لم ينقل عن أحد من أهل اللسان إن حتى تجيء بمعنى حين. ١٠٨٠/١١٥ - حدّثنا مُوسى بنُ إِسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا أبُو عَوَانَةَ عنْ عَاصِم وَحُصَيْنٍ عنْ عِكْرَمَةَ عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما قال أقامَ النبيُّ عَ لَّهِ تِسْعَةً عَشَرَ يَقْصُرُ فَنَحْنُ إذَا سَافَرْنَا تِسْعَةَ عَشَرَ قَصَرْنَا وَإِنْ زِدْنَا أَتَمْنَا. [الحديث ١٠٨٠ - طرفاه في: ٤٢٩٨، ٤٢٩٩]. مطابقته للترجمة من حيث الوجه الذي قررناه. ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: موسى بن إسماعيل أبو سلمة المنقري التبوذكي، وقد تكرر ذكره. الثاني: أبو عوانة اسمه الوضاح اليشكري. الثالث: عاصم بن سليمان الأحول، مر في كتاب الوضوء، الرابع: حصين، بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين: ابن عبد الرحمن السلمي. الخامس: عكرمة. السادس: عبد الله بن عباس. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن شيخه بصري. والثاني واسطي والثالث بصري والرابع كوفي. والخامس مدني. وفيه: واحد بكنيته وثلاثة بلا نسبة، وفيه: أبو عاصم يروي عن اثنين. وفيه: ثلاثة من التابعين وهم عاصم وحصين وعكرمة. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في المغازي: عن عبدان عن عبد الله وعن أحمد بن يونس عن ابن شهاب كلاهما عن عاصم وحده. وأخرجه أبو داود في الصلاة عن محمد بن العلاء وعثمان بن أبي شيبة. وأخرجه الترمذي فيه عن هناد عن أبي معاوية. وقال: حسن صحيح. وأخرجه ابن ماجه فيه عن محمد بن عبد الملك. ذكر معناه: قوله: ((أقام رسول الله عَ لَّه))، كانت إقامته بمكة، على ما رواه البخاري في. المغازي من وجه آخر عن عاصم. قوله: ((تسعة عشر)) أي: يوماً بليلته. قوله: ((يقصر)) جملة حالية. قوله: ((تسعة عشر)) أي: يوماً. قوله: ((قصرنا)) أي: الصلاة الرباعية. قوله: ((وإن زدنا)) أي: على تسعة عشر يوماً ((أتممنا)) الصلاة أربعاً. ذكر الأحاديث المختلفة في مدة إقامته عَّ له بمكة، والجمع بينها، ففي حديث أنس رواه الستة أنه أقام بها عشراً، وفي حديث ابن عباس سبعة عشر يوماً، بتقديم السين على الباء الموحدة، وإسناده صحيح، وفي رواية لأبي داود والنسائي وابن ماجه: خمسة عشر يوماً. وفي حديث ابن عباس أيضاً، وفي حديث عمران بن حصين أخرجه أبو داود: ثماني عشرة ليلة، والجمع بينها: أن حديث أنس في حجة الوداع. ولم تكن إقامته للعشرة بنفس مكة، وإنما المراد إقامته بها مع إقامته بمنىّ إلى حين رجوعه، فإنه دخلها صبح رابعة، كما ثبت في (الصحيح) في حديث جابر: ((فأقام بها ثلاثة أيام))، غير يومي الدخول والخروج منها إلى منى يوم الثامن، فأقام بمنى ثلاثة أيام الرمي الثلاثة وأخرها الثالث عشر، وأما حديث ابن عباس ١٦٧ ١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (١) وعمران بن حصين فالمراد بهما: دخوله في فتح مكة، وقد جمع بينهما البيهقي بأن من روى: تسعة عشر عد يومي الدخول والخروج. ومن روی سبعة عشر تر کهما، ومن روی ثمانية عشر عد أحدهما، وأما رواية خمسة عشر، فقال النووي في (الخلاصة): إنها ضعيفة مرسلة. قلت: ليس كذلك، لأن رواتها ثقات، رواه أبو داود وابن ماجه من طريق ابن إسحاق عن الزهري عن عبد الله بن عبد الله عن ابن عباس، فإن قال النووي: تضعيفه لأجل إبن اسحاق فإبن إسحاق لم ينفرد به، بل رواه النسائي من رواية عراك بن مالك عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس، وهذا إسناد جيد، ومن حفظ زيادة على ذلك قبل منه لأنه زيادة ثقة، والله تعالى أعلم. ذكر الاختلاف عن عكرمة: روى عنه عاصم وحصين عن ابن عباس: كما في حديث الباب، وكذا أخرجه ابن ماجه. وأخرجه الترمذي بلفظ: ((سافر رسول الله عَّ له سفراً فصلى تسعة عشر يوماً ركعتين ركعتين))، ورواه عباد ابن منصور ((عن عكرمة قال: أقام رسول الله عَّلِ زمن الفتح تسع عشرة ليلة يصلي ركعتين ركعتين))، أخرجه البيهقي، واختلف على عاصم عن عكرمة فرواه ابن المبارك وابن شهاب وأبو عوانة في إحدى الروايتين تسع عشرة، ورواه خلف بن هشام وحفص بن غياث، فقالا: سبع عشرة، واختلف على أبي معاوية عن عاصم، وأكثر الروايات عنه تسع عشرة رواها عنه أبو خيثمة وغيره، ورواه عثمان بن أبي شيبة عن أبي معاوية، فقال: سبع عشرة. واختلف على أبي عوانة، فرواه جماعات عنه عنهما، فقال: تسع عشرة، ورواه لوين عن أبي عوانة عنهما، فقال: سبع عشرة، ورواه المعلى بن أسد عن أبي عوانة عن عاصم، فقال: سبع عشرة، قال البيهقي: وأصح الروايات عندي: تسع عشرة، وهي التي أوردها البخاري، وعبد الله بن المبارك أحفظ من رواه عن عاصم، ورواه عبد الرحمن الأصبهاني عن عكرمة ((عن ابن عباس: أن رسول الله، عَّ له، أقام سبع عشرة بمكة يقصر)). ذكر اختلاف الأقوال: في المدة التي إذا نوى المسافر الإقامة فيها لزمه الإتمام، وهو على اثنين وعشرين قولاً: الأول: ذكر ابن حزم عن سعيد بن جبير أنه قال: إذا وضعت رجلك بأرض فأتم، وهو في (المصنف): عن عائشة وطاوس بسند صحيح، قال: وحدثنا عبد الأعلى عن داود عن أبي العالية، قال: ((إذا اطمأن صلى أربعاً))، يعني: نزل. وعن ابن عباس بسند صحيح مثله. الثاني: إقامة يوم وليلة، حكاه ابن عبد البر عن ربيعة. الثالث: ثلاثة أيام، قاله ابن المسيب، في مثله. الرابع: أربعة أيام، روي عن الشافعي وأحمد، وروى مالك عن عطاء الخراساني أنه سمع سعيد بن المسيب قال: من أجمع على إقامة أربع ليال وهو مسافر أتم الصلاة، قال مالك: وذلك أحب ما سمعت إلي. وقال الشافعي: لا يحسب يوم ظعنه ولا يوم نزوله. وحكى إمام الحرمين عن الشافعي: أربعة أيام ولحظة. الخامس: أكثر من أربعة أيام، ذكره ابن رشد في القواعد عن أحمد وداود. السادس: أن ينوي إقامة اثنين وعشرين صلاة، قال ابن قدامة في (المغني): هو مذهب أحمد. السابع: عشرة أيام، روي عن علي بن ١٦٨ ١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (١) أبي طالب: من حديث محمد بن علي بن حسين عنه، والحسن بن صالح وأحمد بن علي بن حسين، رواه ابن أبي شيبة. الثامن: اثني عشر يوماً، قال أبو عمر: روى مالك عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه أنه كان يقول: أفل، صلاة المسافر، ما لم يجمع مكثاً إثنتي عشرة ليلة، قال: وروى عن الأوزاعي مثله، ذكره الترمذي في (جامعه). التاسع: ثلاثة عشر يوماً. قال أبو عمر: روي ذلك عن الأوزاعي. العاشر: خمسة عشر يوماً، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والثوري والليث بن سعد، وحكاه ابن أبي شيبة عن ابن المسيب بسند صحيح، قال: وحدثنا عمر بن ذر عن مجاهد: كان ابن عمر إذا أجمع على إقامة خمسة عشر يوماً صلى أربعاً. الحادي عشر: ستة عشر يوماً، وروي عن الليث أيضاً. الثاني عشر: سبعة عشر يوماً، وهو قول الشافعي أيضاً. الثالث عشر: ثمانية عشر يوماً، وهو قول الشافعي أيضاً. الرابع عشر: تسعة عشر يوماً، قاله إسحاق بن إبراهيم، فيما ذكره الطوسي عنه. الخامس عشر: عشرون يوماً، قاله ابن حزم. السادس عشر: يقصر حتى يأتي مصراً من الأمصار، قال أبو عمر: قاله الحسن بن أبي الحسن: قال: ولا أعلم أحداً قاله غيره. السابع عشر: إحدى وعشرون صلاة، ذكره ابن المنذر عن الإمام أحمد. الثامن عشر: يقصر مطلقاً، ذكره أبو محمد البصري. التاسع عشر: قال ابن أبي شيبة: حدثنا جرير عن مغيرة عن سماك بن سلمة عن ابن عباس، قال: إن قمت في بلد خمسة أشهر فقصر الصلاة. العشرون: قال أبو بكر: حدثنا مسعر وسفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن عبد الرحمن قال: أقمنا مع سعد بن مالك شهرين بعمان يقصر الصلاة، ونحن نتم، فقلنا له، نحن أعلم. والحادي والعشرون، قال: حدثنا وكيع حدثنا شعبة حدثنا أبو التياح عن أبي المنهال، رجل من غزة. قلت لابن عباس: إني أقيم بالمدينة حولاً لا أشد على سفر. قال: صلِّ ركعتين. الثاني والعشرون: عند أبي بكر بسند صحيح قال سعيد بن جبير، رضي الله تعالى عنه: إذا أراد أن يقيم أكثر من خمسة عشر يوماً أتم الصلاة. ذكر بيان مشروعية القصر وبيان سببه: ذكر الضحاك في تفسيره أن النبي عَ ليه. صلى في حدة الإسلام الظهر ركعتين والعصر ركعتين والمغرب ثلاثاً والعشاء ركعتين والغداة ركعتين، فلما نزلت آية القبلة تحول للكعبة وكان قد صلى هذه الصلوات نحو بيت المقدس، فوجهه جبريل، عليه السلام، بعدما صلى ركعتين من الظهر نحو الكعبة، وأومأ إليه بأن صلِّ ركعتين، وأمره أن يصلي العصر أربعاً والعشاء أربعاً، والغداة ركعتين. وقال: يا محمد أما الفريضة الأولى فهي للمسافرين من أمتك، والغزاة، وروى الطبراني: حدثنا المثنى حدثنا إسحاق حدثنا عبد الله بن هاشم أخبرنا سيف عن أبي روق عن أبي أيوب ((عن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، قال: سأل قوم من التجار رسول الله عَّهِ فقالوا يا رسول الله: إنا تضرب في الأرض فكيف نصلي؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ [النساء: ١٠١]. ثم انقطع الوحي، فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبي عَ ◌ِّ فصلى الظهر، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم، ١٦٩ ١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (١) هلا شددتم عليهم، فأنزل الله تعالى بين الصلاتين: ﴿إِن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ [النساء: ١٠١]. وحدثنا ابن بشار حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة ((عن سليمان اليشكري أنه سأل جابر بن عبد الله عن إقصار الصلاة أي يوم أنزل أو: أي يوم هو؟ فقال: انطلقنا نتلقى عيراً لقريش آتية من الشام، حتى إذا كنا بنخل، فنزلت آية القصر)). وفي (شرح المسند) لابن الأثير: كان قصر الصلاة في السنة الرابعة من الهجرة، وفي (تفسير الثعلبي) قال ابن عباس: أول صلاة قصرت صلاة العصر، قصرها النبي عَّله بعسفان في غزوة ذي أنمار. ١٠٨١/١١٦ - حدّثنا أبُو مَعْمَرٍ قال حدَّثنا عَبْدُ الوارِثِ قال حدَّثنا يحيى بنُ أبي إِسْحَاقَ قال سَمِعْتُ أنساً يَقُولُ خَرَجْنَا مَعَ النبيِّ عَِّ مِنَ المَدِينَةِ إلَى مَكَّةَ فكانَ يُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ قُلْتُ أَقَمْتُمْ بِمَكّةَ شَيْئاً قال أقَمْنَا بِهَا عَشْراً. [الحديث ١٠٨١ - طرفه في: ٤٢٩٧]. مطابقته للترجمة ظاهرة. ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: أبو معمر، بفتح الميمين: عبد الله بن عمر المنقري المقعد. الثاني: عبد الوارث بن سعيد أبو عبيدة. الثالث: يحيى بن أبي إسحاق الحضرمي، مات سنة ست وثلاثين ومائة. الرابع: أنس بن مالك. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: أن رجاله كلهم بصريون. وفيه: أنه من رباعيات البخاري. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري في المغازي عن أبي نعيم وقبيصة، كلاهما عن سفيان الثوري. وأخرجه مسلم في الصلاة عن يحيى بن يحيى وعن أبي كريب وعن عبيد الله بن معاذ وعن محمد ابن عبد الله بن نمير. وأخرجه أبو داود فيه عن موسى بن إسماعيل ومسلم بن إبراهيم كلاهما عن وهيب. وأخرجه الترمذي فيه عن أحمد بن منيع. وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة وعن حميد بن مسعدة وفي الحج عن زياد بن أيوب. وأخرجه ابن ماجه في الصلاة عن نصر بن علي الجهضمي وعبد الأعلى بن عبد الأعلى. ذكر معناه: قوله: ((خرجنا من المدينة))، وفي رواية شعبة عن يحيى بن إسحاق عند مسلم: ((إلى الحج))، قوله: ((من المدينة إلى مكة))، دخل مكة يوم الأحد صبيحة رابعة ذي الحجة، وبات بالمحصب ليلة الأربعاء وفي تلك الليلة اعتمرت عائشة، رضي الله تعالى عنها، وخرج من مكة صبيحتها وهو الرابع عشر. قوله: ((فكان يصلي ركعتين ركعتين))، أي: الظهر والعصر والعشاء والفجر إلاّ المغرب، فإنه يصليها ثلاثاً على حالها، وروى البيهقي من طريق علي بن عاصم عن يحيى بن أبي إسحاق عن أنس: إلاّ المغرب. قوله: ((قلت))، قائله یحیی. قوله: ((أقمتم بمكة شيئاً))؟ همزة الاستفهام فيه محذوفة أي: آآقمتم. قوله: ((عشراً) أي: عشرة أيام، وإنما حذفت التاء من العشر مع أن اليوم مذكر لأن المميز إذا لم يكن مذكوراً : ١٧٠ ١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (٢) جاز في العدد التذكير والتأنيث. قالوا: معناه أنه أقام بمكة وحواليها لا في مكة فقط، إذ كان ذلك في حجة الوداع، ولهذا قلنا: إن حديث أنس لا يعارض حديث ابن عباس، لأن حديث ابن عباس كان في فتح مكة، وخرج من مكة صبيح الرابع عشر فتكون مدة إقامته بمكة وحواليها عشرة أيام بلياليها، كما قال أنس، وتكون مدة إقامته بمكة أربعة أيام سواء لأنه خرج منها في اليوم الثامن، فصلى الظهر بمنى. وقال ابن رشيد: أراد البخاري أن يبين أن حديث أنس داخل في حديث ابن عباس، لأن إقامته عشرة داخلة في إقامته تسع عشرة، وأراد من ذلك أن الأخذ بالزائد متعين، ولا يتهيأ له ذلك لاختلاف القضيتين، وإنما يجيء ما قاله لو كانت القضيتان متحدتين. فافهم. ذكر ما يستنبط منه: احتج به الشافعي، رحمه الله، أن المسافر إذا أقام ببلدة أربعة أيام قصر، لأن إقامة النبي عَ لَّه بمكة كانت أربعة أيام، كما ذكرنا. وبه قال مالك وأحمد وأبو ثور، وقال الرافعي والنووي: الأصح أن المراد بالأربعة غير يوم الدخول ويوم الخروج، وعن الشافعي في قوله: إذا أقام أكثر من أربعة أيام كان مقيماً وإن لم ينو الإقامة وقال الطحاوي: ما قاله الشافعي خلاف الإجماع لأنه لم ينقل عن أحد قبله بأن يصير مقيماً بنية أربعة أيام، وعند أصحابنا: إن نوى أقل من خمسة عشر يوماً قصر صلاته، لأن المدة خمسة عشر يوماً كمدة الطهر، لما روي ((عن ابن عباس وابن عمر، رضي الله تعالى عنهم، قالا: إذا قدمت بلدة وأنت مسافر وفي نفسك أن تقيم خمسة عشر يوماً فأكمل الصلاة بها، وإن كنت لا تدري متى تظعن فأقصرها)). رواه الطحاوي، وروى ابن أبي شيبة في (مصنفه): ((حدثنا وكيع حدثنا عمر ابن ذر عن مجاهد أن ابن عمر كان إذا أجمع على إقامة خمسة عشر يوماً أتم الصلاة)) وروى هشيم عن داود بن أبي هند عن ابن المسيب أنه قال: إذا أقام المسافر خمس عشرة ليلة أتم الصلاة وما كان دون ذلك فليقصر. ثم اعلم أنا قلنا: إنما يصير مقيماً بنية الإقامة إذا سار ثلاثة أيام، فأما إذا لم يسر ثلاثة أيام فعزم على الرجوع أو نوى الإقامة يصير مقيماً، وإن كان في المفازة، كذا ذكره فخر الإسلام وفي (المجتبى): لا يبطل السفر إلّ بنية الإقامة أو دخول الوطن أو الرجوع إليه قبل الثلاث، وبه قال الشافعي في الأظهر. ونية الإقامة إنما تؤثر بخمس شرائط. أحدها: ترك السير حتى لو نوى الإقامة وهو يسير لم يصح. وثانيها: صلاحية الموضع حتى لو نوى الإقامة في بر أو بحر أو جزيرة لم يصح اتحاد الموضع. رابعها: المدة. خامسها: الاستقلال بالرأي. حتى لو نوى من كان تبعاً لغيره كالجندي والزوجة والرقيق والأجير والتلميذ مع أستاذه والغريم المفلس مع صاحب الدين لا تصح نيته إلاّ إذا نوى متبوعه، ولو نوى المتبوع الإقامة ولم يعلم بها التابع فهو مسافر، كالوكيل إذا عزل، وهو الأصح، وعن بعض أصحابنا: يصيرون مقيمين ويعيدون ما أدوا في مدة عدم العلم. ٢ - بابُ الصَّلاةِ بِمِنِىّ أي: هذا باب في بيان الصلاة بمنىّ، يعني: في أيام الرمي، وإنما لم يذكر حكم المسألة بل قال: باب الصلاة بمنىّ على الإطلاق لقوة الخلاف فيها، وإنما خص منى بالذكر ١٧١ ١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (٢) لأنها المحل الذي وقع في ذلك قديماً، ومنىّ يذكر ويؤنث بحسب قصد الموضع والبقعة. قيل: فإذا ذكّر صرف وكتب بالألف، وإذا أنّث لم يصرف وكتب بالياء، وذكر الكلبي: إنما سميت منىّ، لأنها مني بها الكبش الذي فدى به إسماعيل، عليه الصلاة والسلام، من: المنية. ويقال: إن جبريل، عليه الصلاة والسلام، لما أتى آدم بمنى قال له: تمن. قال البكري: هو جبل بمكة معروف. وقال أبو علي الفارسي: لامه ياء، من منيت الشيء إذا قدرته. وقال الفراء: الأغلب عليه التذكير. وقال الحازمي: إن منىّ صقع قرب مكة، وهو أيضاً هضبة قرب قرية من ديار غني بن أعصر، وقد امتنى القوم إذا أتوا منىّ، قاله يونس. وقال ابن الأعرابي: أمني القوم. ١٠٨٢/١١٧ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا يحيى عنْ عُبَيْدِ اللهِ قال أخبرني نافِعٌ عنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله تعالى عنهُ قالَ صلَّيْتُ مَعَ النبيِّ عَ لَّهِ بِمِنِىٌ رَكْعَتَيْنِ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ومَعَ عُثْمَانَ صَدْراً مِنْ إِمَارَتِهِ ثُمَّ أَمَّهَا. [الحديث ١٠٨٢ - طرفه في: ١٦٥٥]. مطابقته للترجمة من حيث إنه يبين الإطلاق الذي فيها، فإن الإطلاق فيها يتناول الصلاة ركعتين ويتناولها أربعاً أيضاً، فصارت المطابقة من جهة التفصيل بعد الإجمال، أو من جهة التقييد بعد الإطلاق، ولكن حكم المسألة كما ينبغي لا يفهم منه، وهو أن المقيم بمنىّ هل يقصر أو يتم، فلذلك لم يذكر حكمها في الترجمة، وسنبينها إن شاء الله تعالى. ورجاله قد ذكروا غير مرة، ويحيى هو ابن سعيد القطان، وعبيد الله بن عمر. والحديث أخرجه مسلم في الصلاة عن محمد بن المثنى وعبيد الله ابن سعيد. وأخرجه النسائي فيه عن عبيد الله بن سعيد. قوله: ((بمنى)) في رواية مسلم عن سالم عن أبيه: ((بمنى وغيره))، قوله: ((صدراً)) أي: أول خلافته وهي ست سنين أو ثمان سنين على خلاف فيه. قوله: ((من إمارته))، بكسر الهمزة، وهي خلافته. قوله: ((ثم أتمها)) أي: بعد ذلك، لأن القصر والإتمام جائزان، ورأى ترجيح طرف الإتمام لأن فيه زيادة مشقة، وفي رواية أبي أسامة عن عبيد الله عند مسلم: (ثم إن عثمان صلى أربعاً فكان ابن عمر إذا صلى مع الإمام صلى أربعاً، وإذا صلى وحده صلى ركعتين)). وفي رواية لمسلم عن حفص بن عاصم ((عن ابن عمر، قال: صلى النبي عَ ◌ّه بمنىّ صلاة المسافر، وأبو بكر وعمر وعثمان ثمان سنين أو ست سنين)). وروى أبو داود الطيالسي في (مسنده) عن زمعة عن سالم ((عن ابن عمر، قال: صلى رسول الله عَ لّه بمنىّ صلاة السفر ركعتين، ثم صلى أبو بكر ركعتين، ثم صلى بعده عمر ركعتين، ثم صلى بعده عثمان ركعتين، ثم إن عثمان أتم بعد)). ذكر ما يستنبط منه: قال ابن بطال: اتفق العلماء على أن الحاج القادم مكة يقصر الصلاة بها وبمنى، وبسائر المشاهد لأنه عندهم في سفر، لأن مكة ليست دار أربعة إلا لأهلها أو لمن أراد الإقامة بها، وكان المهاجرون قد فرض عليهم ترك المقام بها، فلذلك لم ينو ١٧٢ ١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (٢) رسول الله عَ لَّ الإقامة بها ولا بمنى، قال: واختلف العلماء في صلاة المكي بمنى، فقال مالك: يتم بمكة ويقصر بمنى، وكذلك أهل منى، يتمون بمنى ويقصرون بمكة، وعرفات. قال: وهذه المواضع مخصوصة بذلك لأن النبي عَّ لما قصر بعرفة لم يميز من وراءه، ولا قال لأهل مكة: أتموا، وهذا موضع بيان. وممن روي عنه أن المكي يقصر بمنىّ ابن عمر وسالم والقاسم وطاوس، وبه قال الأوزاعي وإسحاق، وقالوا: إن القصر سنة الموضع، وإنما يتم بمنىّ وعرفات من كان مقيماً فيها. وقال أكثر أهل العلم، منهم عطاء والزهري والثوري والكوفيون وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأحمد وأبو ثور: لا يقصر الصلاة أهل مكة بمنى وعرفات لانتفاء مسافة القصر. وقال الطحاوي: وليس الحج موجباً للقصر لأن أهل منىّ وعرفات إذا كانوا حجاجاً أتموا، وليس هو متعلقاً بالموضع، وإنما هو متعلق بالسفر، وأهل مكة مقيمون هناك لا يقصرون، ولما كان المقيم لا يقصر لو خرج إلى منى كذلك الحاج. ذكر المسافة التي تقصر فيها الصلاة: اختلف العلماء فيها، فقال أبو حنيفة وأصحابه والكوفيون: المسافة التي تقصر فيها الصلاة ثلاثة أيام ولياليهن بسير الإبل ومشي الأقدام. وقال أبو يوسف: يومان وأكثر الثالث، وهي رواية الحسن عن أبي حنيفة ورواية ابن سماعة عن محمد ولم يريدوا به السير ليلاً ونهاراً لأنهم جعلوا النهار للسير والليل للاستراحة، ولو سلك طريقاً هي مسيرة ثلاثة أيام وأمكنه أن يصل إليها في يوم من طريق أخرى قصر، ثم قدروا ذلك بالفراسخ، فقيل: أحد وعشرون فرسخاً، وقيل: ثمانية عشر، وعليه الفتوى، وقيل: خمسة عشر فرسخاً، وإلى ثلاثة أيام ذهب عثمان بن عفان وابن مسعود وسويد بن غفلة والشعبي والنخعي والثوري وابن حيي وأبو قلابة وشريك بن عبد الله وسعيد بن جبير ومحمد ابن سيرين، وهو رواية عن عبد الله بن عمر. وعن مالك: لا يقصر في أقل من ثمانية وأربعين ميلاً بالهاشمي، وذلك ستة عشر فرسخاً، وهو قول أحمد، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل ستة آلاف ذراع، والذراع أربع وعشرون إصبعاً معترضة معتدلة، والأصبع ست شعيرات معترضات معتدلات، وذلك يومان، وهو أربعة برد، هذا هو المشهور عنه. كأنه احتج بما رواه الدارقطني من حديث عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه وعطاء بن أبي رباح ((عن ابن عباس، قال: قال رسول الله عَّله: يا أهل مكة لا تقصروا الصلاة في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان)). وعبد الوهاب ضعيف، ومنهم من يكذبه، وعنه أيضاً: خمسة وأربعون ميلاً، وللشافعي: سبعة نصوص في المسافة التي تقصر فيها الصلاة: ثمانية وأربعون ميلا، ستة وأربعون، أكثر من أربعين، أربعون، يومان وليلتان، يوم وليلة، وهذا الآخر قال به الأوزاعي. قال أبو عمر: قال الأوزاعي: عامة الفقهاء يقولون به. قال أبو عمرو عن داود: يقصر في طويل السفر وقصيره، زاد ابن حامد: حتى لو خرج إلى بستان له خارج البلد قصر، وزعم أبو محمد أنه لا يقصر عندهم في أقل من ميل، وروي الميل أيضاً عن ابن عمر، روي عنه أنه قال: لو خرجت ميلاً لقصرت. وعنه: إني لأسافر الساعة من النهار فأقصر، وعنه: ثلاثة أميال، وعن ابن مسعود: أربعة أميال، وفي (المصنف): ١٧٣ ١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (٢) حدثنا هشيم عن أبي هارون ((عن أبي سعيد أن النبي عَّ لِّ كان إذا سافر فرسخاً قصر الصلاة)). وحدثنا هشيم عن جويبر عن الضحاك ((عن النزال أن علياً، رضي الله تعالى عنه، خرج إلى النحيلة، فصلى بها الظهر والعصر ركعتين، ثم رجع من يومه. قال: أردت أن أعلمكم سنة نبيكم)). وكان حذيفة يصلي ركعتين فيما بين الكوفة والمدائن، وعن ابن عباس: تقصر الصلاة في مسيرة يوم وليلة. وعن ابن عمر وسويد بن غفلة وعمر بن الخطاب: ثلاثة أميال .. وعن أنس ((كان النبي عَّ له إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ . - شعبة الشاك - قصر))، رواه مسلم. قال أبو عمر: هذا عن يحيى بن يزيد الهنائي، قال: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة، فقال: كان رسول الله عَِّ إذا خرج ... إلى آخره، ويحيى شيخ بصري ليس لمثله أن يروي مثل هذا الذي خالف فيه جمهور الصحابة والتابعين، ولا هو ممن يوثق به في مثل ضبط هذا الأمر، وقد يحتمل أن يكون أراد سفراً بعيداً، ثم أراد ابتداء قصر الصلاة إذا خرج ومشى ثلاثة أميال، فيتفق حضور صلاة فيقصر. وعن الحسن: يقصر لمسيرة ليلتين. وعند أبي الشعثاء: ستة أميال. وعند مسلم ((عن جبير بن نفير، قال: خرجت مع شرحبيل بن السمط إلى قرية على رأس سبعة عشر - أو ثمانية عشر - ميلاً، فصلى ركعتين، فقلت له، فقال: رأيت عمر، رضي الله تعالى عنه، صلى بذي الحليفة ركعتين، فقلت له، فرفعه إلى النبي عَلّهِ. ذكر السبب في إتمام صلاة عثمان الصلاة بمنىّ للعلماء في ذلك أقوال: منها: أنه أتمها بمنىّ خاصة. قال أبو عمر، قال قوم: أخذ بالمباح في ذلك، إذ للمسافر أن يقصر ويتم، كما له أن يصوم ويفطر، وقال الزهري: إنما صلى بمنىّ أربعاً لأن الأعراب كانوا كثيرين في ذلك العام، فأحبب أن يخبرهم بأن الصلاة أربع، وروى معمر عن الزهري أن عثمان صلى بمنى أربعاً لأنه أجمع الإقامة بعد الحج، وروى يونس عنه: لما اتخذ عثمان الأموال بالطائف، وأراد أن يقيم بها صلى أربعاً، وروى مغيرة عن إبراهيم، قال: صلى أربعاً لأنه كان اتخذها وطناً. وقال البيهقي: وذلك مدخول لأنه لو كان إتمامه لهذا المعنى لما خفي ذلك على سائر الصحابة ولما أنكروا عليه ترك السنة، ولما صلى ابن مسعود في منزله، وقال ابن بطال: الوجوه التي ذكرت عن الزهري كلها ليست بشيء. أما الوجه الأول فقد قال الطحاوي: الأعراب كانوا بأحكام الصلاة أجهل في زمن الشارع فلم يتم لهم لتلك العلة، ولم يكن عثمان ليخاف عليهم ما لم يخفه الشارع، لأنه بهم رؤوف رحيم، ألا ترى أن الجمعة لما كان فرضها ركعتين لم يعدل عنها، وكان يحضرها الغوغاء والوفود، وقد تجوزوا أن صلاة الجمعة في كل يوم ركعتان؟ وأما الوجه الثاني: فلأن المهاجرين فرض عليهم ترك المقام بمكة، وصح عن عثمان أنه كان لا يودع النساء إلاّ على ظهر الرواحل، ويسرع الخروج من مكة خشية أن يرجع في هجرته التي هاجر لله تعالى، وقال ابن التين: لا يمتنع ذلك إذا كان له أمر أوجب ذلك الضرورة، وقد قال مالك في (العتبية) فيمن يقيم بمنى ليخف الناس: يتم، في أحد قوليه. ١٧٤ ١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (٢) وأما الوجه الثالث ففيه بُعد، إذ لم يقل أحد إن المسافر إذا مر بما يملكه من الأرض ولم يكن له فيها أهل أن حكمه حكم المقيم، وقيل: إنما كان عثمان أتم لأن أهله كانوا معه بمكة، ويرد هذا أن الشارع كان يسافر بزوجاته وكن معه بمكة، ومع ذلك كان يقصر. فإن قلت: روى عبد الله بن الحارث بن أبي ذئاب عن أبيه، وقد عمل الحارث لعمر بن الخطاب، قال: صلى بنا عثمان أربعاً، فلما سلم أقبل على الناس فقال: إني تأهلت بمكة، وقد سمعت رسول الله عَّله يقول: من تأهل ببلدة فهو من أهلها، فليصل أربعاً، وعزاه ابن التين إلى رواية ابن شخير: أن عثمان صلى بمنىّ أربعاً، فأنكروا عليه، فقال: يا أيها الناس، إني لما قدمت تأهلت بها، إني سمعت رسول الله عَّالله يقول: إذا تأهل الرجل ببلدة فليصل بها صلاة المقيم. قلت: هذا منقطع أخرجه البيهقي من حديث عكرمة بن إبراهيم وهو ضعيف عن ابن أبي ذئاب عن أبيه قال: صلى عثمان، وقال ابن حزم: إن عثمان كان أمير المؤمنين، فحيث كان في بلد فهو عمله، وللإمام تأثير في حكم الإتمام كما له تأثير في إقامة الجمعة كما مر يقوم أنه يجمع بهم الجمعة، غير أن عثمان سار مع الشارع إلى مكة وغيرها، وكان مع ذلك يقصر، ورد بأن الشارع كان أولى بذلك، ومع ذلك لم يفعله، وصح عنه أنه كان يصلي في السفر ركعتين إلى أن قبضه الله تعالى. وقال ابن بطال: والوجه الصحيح في ذلك، والله أعلم، أن عثمان وعائشة، رضي الله تعالى عنهما، إنما أتما في السفر لأنهما اعتقدا في قصره، عَّله، أنه لما خير بين القصر والإتمام اختار الأيسر من ذلك على أمته، وقد قالت عائشة: ما خير رسول الله عَّةٍ في أمرين إلاّ اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، فأخذت هي وعثمان في أنفسهما بالشدة وتركا الرخصة، إذ كان ذلك مباحاً لهما في حكم التخيير فيما أذن الله تعالى فيه، ويدل على ذلك إنكار ابن مسعود الإتمام على عثمان، ثم صلى خلفه وأتم، فكلم في ذلك فقال: الخلاف شر. ١٠٨٣/١١٨ - حدّثنا أبو الوَلِيدِ قال حدَّثنا شُعْبَةُ أنْبَأْنَا أَبُو إِسْحَاقَ قال سَمَعْتُ حارثَةَ بنَ وَهَبٍ قال صَلَّى بِنَا النبيِ عَّهِ آمَنَ ما كانَ بِمِنِىٌّ رَكْعَتَيْنِ. [الحديث ١٨٠٣ - طرفه في: ١٦٥٦]. وجه المطابقة بين الترجمة وهذا هو الذي ذكرناه في أول الباب. ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، وقد تكرر ذكره. الثاني: شعبة بن الحجاج. الثالث: أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي. الرابع: حارثة، بالحاء المهملة: ابن وهب الخزاعي أخو عبيد الله بن عمر بن الخطاب لأمه، وأمهما بنت عثمان بن مظعون، سمع النبي عَّهِ. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: الإنباء في موضع واحد وهو بمعنى الإخبار والتحديث. وفيه: السماع. وفيه: القول في أربعة مواضع. وفيه: أن شيخه مذكور بكنيته وهو بصري وشعبة واسطي وأبو إسحاق كوفي، وهو أيضاً مذكور بكنيته. وفيه: لفظ الإنباء ولم يذكر فيما قبل هذا اللفظ. وفيه: أن حارثة بن وهب ١٧٥ ١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (٢) مذكور في موضعين ليس إلاّ. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الحج عن آدم عن شعبة. وأخرجه مسلم في الصلاة عن يحيى بن يحيى وقتيبة وعن أحمد بن يونس، وأخرجه أبو داود في الحج عن عبد الله بن محمد النفيلي. وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة به. وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة به، وعن عمرو بن علي. ذكر معناه: قوله: ((سمعت حارثة بن وهب)) وفي رواية البرقاني في (مستخرجه) ((رجلاً من خزاعة))، أخرجه من طريق أبي الوليد شيخ البخاري فيه قوله: ((آمن)) أفعل التفضيل من الأمن. قوله: ((ما كان)) في رواية الكشميهني والحموي: ((ما كانت))، وكلمة: ما، مصدرية، ومعناه: الجمع لأن ما أضيف إليه أفعل يكون جمعاً، والمعنى: صلى بنا والحال أن أكثر أكواننا في سائر الأوقات أمن. ولفظ مسلم: ((عن حارثة بن وهب قال: صليت مع رسول الله عَّ بمنىّ، آمن ما كان الناس وأكثره، ركعتين)). وفي رواية له: ((صليت خلف رسول الله عَّ له بمنىّ والناس أكثر ما كانوا فصلى ركعتين)). قوله: ((بمنى)) الباء فيه ظرفية تتعلق بقوله: ((صلى)). قوله: ((ركعتين))، مفعول: ((صلى)). ذكر ما يستنبط منه: مذهب الجمهور أنه يجوز القصر من غير خوف لدلالة حديث حارثة على ذلك، لأن معناه أنه عَ لّ قصر من غير خوف. وفيه: رد على من زعم أن القصر مختص بالخوف أو الحرب، ذكر أبو جعفر في (تفسيره) بإسناده ((عن عائشة، تقول في السفر: أتموا صلاتكم، فقالوا: إن رسول الله عَّه كان يصلي في السفر ركعتين، فقالت: إن رسول الله عَِّ كان في حرب، وكان يخاف، فهل تخافون أنتم؟)) وفي لفظ: («كانت تصلي في السفر أربعاً). واحتج هؤلاء الزاعمون أيضاً بقوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ [النساء: ١٠١]. وأجيب بأن الشرط في الآية خرج مخرج الغالب، وقيل: هو من الأشياء التي شرع الحكم فيها بسبب ثم زال السبب وبقي الحكم، كالرمل في الطواف، وقد أوضح هذا ما في (صحيح مسلم) ((عن يعلى بن أمية، قال: قلت لعمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ [النساء: ١٠١]. فقد أمن الناس، فقال عمر: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله عَ لَّهِ عن ذلك، فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته)). وفي (تاريخ أصبهان) لأبي نعيم: حدثنا سليمان حدثنا محمد بن سهل الرباطي حدثنا سهل بن عثمان عن شريك عن قيس بن وهب عن أبي الكنود، «سألت ابن عمر عن صلاة السفر، فقال: ركعتان نزلت من السماء، فإن شئتم فردوها)) وأما الحديث الذي رواه أبو جعفر فإن حديث حارثة بن وهب يرده، وقال الطيبي: فيه: أي في حديث الباب: تعظيم شأن رسول الله عَّ له حيث أطلق ما قيده الله تعالى، ووسع على عباده تعالى، ونسب فعله إلى الله عز وجل. ١٠٨٤/١١٩ - حدّثنا قُتَيْبَةُ قال حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ عنِ الأعْمَشِ قال حدَّثنا ١٧٦ ١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (٢) إبْرَاهِيمُ قال سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمنِ بنَ يَزِيدَ يَقُولُ صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ بنُ عَفَّنَ رضي الله تعالى عنه بِمِيّ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَقِيلَ في ذُلِكَ لِعَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ رضي الله تعالى عنهُ فاسْتَرْجَعَ ثُمَّ قال صَلَّيْتُ مَعَ رسولِ اللهِ عَّه ◌ِبِمِنِيّ رَكْعَتَيْنِ وصَلَّيْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ رضي الله تعالى عنه ◌ِمِنِىّ رَكْعَتَيْنِ وصَلَّيْتُ مَعَ عُمِرَ بنِ الخَطَّابِ رضي الله تعالى عنهُ يِنِىّ رَكْعَتَيْنِ فَلَيْتَ حَظّي مِنْ أَرْبَعِ رَكّعَاتٍ رَكْمَتَانِ مُتَقَلِبْتَانِ. [الحديث ١٠٨٤ - طرفه في: ١٦٥٧]. مطابقته للترجمة ظاهرة من الوجه الذي ذكرناه. ذكر رجاله: وهم سبعة: الأول: قتيبة، وقد تكرر ذكره، الثاني: عبد الواحد بن زياد - من الزيادة - العبدي أبو عبيدة. الثالث: سليمان الأعمش. الرابع: إبراهيم النخعي لا التيمي. الخامس: عبد الرحمن بن يزيد - من الزيادة - النخعي الأسود بن يزيد، مات سنة ثلاث وتسعين. السادس: عثمان بن عفان. السابع: عبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنهم. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: السماع. وفيه: القول في خمسة مواضع. وفيه: أن شيخه بلخي وعبد الواحد بصري والبقية كوفيون. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الحج عن قبيصة عن سفيان، وأخرجه مسلم في الصلاة عن قتيبة عن عبد الواحد وعن عثمان بن أبي شيبة عن جرير وعن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب، كلاهما عن أبي معاوية وعن إسحاق بن إبراهيم وعلي بن حشرم. وأخرجه أبو داود في الحج عن مسدد. وأخرجه النسائي فيه عن علي بن حشرم به، وعن محمود بن غيلان وعن قتيبة ولم يذكر فعل عثمان. ذكر معناه: قوله: ((صلى بنا عثمان))، كان ذلك بعد رجوعه من أعمال الحج في حال إقامته بمنى للرمي. قوله: ((فقيل في ذلك))، هذه رواية الأصيلي، وفي رواية أبي ذر: (فقيل ذلك))، أي: فيما ذكر من صلاة عثمان أربع ركعات. قوله: ((فاسترجع)) أي قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، كراهة مخالفته الأفضل. قوله: ((ومع عمر ركعتين)) زاد الثوري عن الأعمش: ((ثم تفرقت بكم الطرق)) أخرجه البخاري في الحج من طريقه. قوله: ((فليت حظي من أربع ركعات ركعتان)، وليس في رواية الأصيلي (ركعات)). قوله: ((حظي) أي: نصيبي، وكلمة: من في: ((من أربع)) للبدل كما في قوله تعالى: ﴿أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة﴾ [التوبة: ٣٨]. وقال الداودي معناه: إن صليت أربعاً وتكلفتها فليتها تتقبل كما تتقبل الركعتان. ذكر ما يستنبط منه: قال بعضهم: هذا الحديث يدل على أن ابن مسعود كان يرى الإتمام جائزاً وإلاّ لما كان له حظ من الأربع ولا من غيرها، فإنها تكون فاسدة كلها، وإنما استرجع لما وقع عنه من مخالفته الأولى، ويؤيده ما روى أبو داود أن ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه، صلى أربعاً، فقيل له: عبت على عثمان ثم صليت أربعاً؟ فقال: الخلاف شر. ١٧٧ ١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (٢) ورواية البيهقي إني لأكره الخلاف، ولأحمد من حديث أبي ذر مثل الأول، وهذا يدل على أنه لم يكن يعتقد أن القصر واجب، كما قال الحنفية، ووافقهم القاضي إسماعيل من المالكية وأحمد. وقال ابن قدامة: المشهور عن أحمد أنه على الاختيار، والقصر عنده أفضل، وهو قول جمهور الصحابة والتابعين. قلت: هذا القائل تكلم بما يوافق غرضه، أما قوله هذا يدل على أن ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه، كان يرى الإتمام جائزاً، فيرده ما قاله الداودي: إن ابن مسعود كان يرى القصر فرضاً، ذكره صاحب (التوضيح) وغيره، ويؤيده ما قاله عمر ابن عبد العزيز، رضي الله تعالى عنه: الصلاة في السفر ركعتان لا يصح غيرهما، وقال الأوزاعي: إن قام إلى الثالثة فإنه يلغيها ويسجد سجدتي السهو. وقال الحسن بن حي: إذا صلى أربعاً متعمداً أعادها، وكذا قال ابن أبي سليمان، وأما قوله: ويؤيده ما روى أبو داود أن ابن مسعود صلى أربعاً، فإنه أجاب عن هذا بقوله: الخلاف شر، فلو لم يكن القصر عنده واجباً لما استرجع، ولما أنكر بقوله: ((صليت مع رسول الله عَّله بمنى ركعتين ... )) إلى آخر الحديث، وأما قوله المشهور عن أحمد: إنه على الاختيار، فيعارضه ما قاله الأثرم. قلت لأحمد: للرجل أن يصلي أربعاً في السفر؟ قال: لا ما يعجبني. وحكى ابن المنذر في (الأشراف): أن أحمد قال: أنا أحب العافية عن هذه المسألة. وقال البغوي: هذا قول أكثر العلماء. وقال الخطابي: الأولى القصر، ليخرج عن الخلاف. وقال الترمذي، رحمه الله تعالى: العمل على ما فعله رسول الله، عَّلّهِ، وأبو بكر وعمر، رضي الله تعالى عنهما، وهو القصر، وهو قول محمد بن سحنون ورواية عن مالك وأحمد، وهو قول الثوري وحماد، وهو المنقول عن عمر وعلي وجابر وابن عباس وابن عمر، رضي الله تعالى عنهم، وبهذا يرد على هذا القائل في قوله: وهو قول جمهور الصحابة والتابعين. وقال هذا القائل: واحتج الشافعي على عدم الوجوب بأن المسافر إذا دخل في صلاة المقيم صلى أربعاً باتفاقهم، ولو كان فرضه القصر لم يأتم مسافر بمقيم، والجواب عن هذا: أن صلاة المسافر كانت أربعاً عند اقتدائه بالمقيم لالتزامه المتابعة، فيتغير فرضه للتبعية ولا يتغير في الركعتين الأخريين، لأنه ما كان فرضاً لا بد من إتيانه كله، وليس له خيار في تركه. وإيراد ابن بطال بأنا وجدنا واجباً يتخير بين الإتيان بجميعه أو ببعضه، وهو الإقامة بمنى غير وارد، لأن الإقامة بمنى اختياره وليس هو مما نحن فيه، لا يقال: إن اقتداء المسافر بالمقيم باختياره، لأنا نقول: نعم باختياره، ولكن عند الاقتداء يزول اختياره لضرورة التزام التبعية. فافهم. فإذا احتج الخصم بقوله تعالى: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ [النساء: ١٠١]. بأن لفظة: ﴿لا جناح﴾ يدل على الإباحة لا على الوجوب، فدل على أن القصر مباح، أجبنا عنه: بأن المراد من القصر المذكور هو القصر في الأوصاف من ترك القيام إلى القعود، أو ترك الركوع والسجود إلى الإيماء لخوف العدو، بدليل أنه علق ذلك بالخوف، إذ قصر الأصل غير متعلق بالخوف بالإجماع، بل متعلق بالسفر، وعندنا قصر الأوصاف عند الخوف مباح لا واجب، مع أن رفع الجناح في النص لدفع توهم النقصان في صلاتهم بسبب عمدة القاري / ج٧ / م١٢ ١٧٨ ١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (٣) دوامهم على الإتمام في الحضر، وذلك مظنة توهم النقصان، فرفع ذلك عنهم، وإن احتج بما رواه مسلم والأربعة ((عن يعلى بن أمية، قال: قلت لعمر، رضي الله تعالى عنه .. )) الحديث، وقد مضى عن قريب ووجه التعلق به أنه علق القصر بالقبول وسماه صدقة، والمتصدق عليه مخير في قبول الصدقة، فلا يلزمه القبول حتماً، أجبنا عنه بأنه دليل لنا، لأنه أمر بالقبول والأمر للوجوب، ولأن هذه صدقة واجبة في الذمة فليس له حكم المال، فيكون إسقاطاً محضاً، ولا يرتد بالرد كالصدقة بالقصاص والطلاق والعتاق، يكون إسقاطاً لا يرتد بالرد، فكذا هذا. ولنا أحاديث: منها: حديث عائشة «قالت: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر))، رواه البخاري ومسلم. ومنها: حديث ابن عباس قال: ((فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربع ركعات وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة))، رواه مسلم، ورواه الطبراني: ((افترض رسول الله عَّه ركعتين في السفر كما افترض في الحضر أربعاً. ومنها: حديث عمر قال: ((صلاة السفر ركعتان وصلاة الضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد عَ ل))، رواه النسائي وابن ماجه وابن حبان في (صحيحه). ومنها: حديث ابن عمر، قال: إن رسول الله عَّلِ أتانا ونحن ضلال يعلمنا، فكان فيما علمنا أن الله، عز وجل، أمرنا أن نصلي ركعتين في السفر .. ))، رواه النسائي. ومنها: حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ لّه ((المتمم الصلاة في السفر كالمقصر في الحضر))، رواه الدارقطني في (سننه). ٣ - بابٌ كَمْ أَقَامَ النبيُّ عَلَّهِ فِي حَجَّتِهِ أي: هذا باب يذكر فيه كم من يوم أقام النبي عَّه في حجه. ١٠٨٥/١٢٠ - حدَّثنا مُوسى بنُ إسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا وُهَيْبٌ قال حدثنا أَيُّوبُ عنْ أبي العَالِيَةِ البَرَّاءِ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما قال قَدِمَ النبيُّ عَ لّه وَأَصْحَابُهُ لِصُبْحِ رَابِعَةٍ يُلَكُونَ بِالحَجِّ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً إلاّ منْ مَعَهُ الهَدْيُّ. [الحديث ١٠٨٥ - أطرافه في: ١٥٦٤، ٢٥٠٥، ٣٨٣٢]. مطابقته للترجمة غير تامة، وإنما في الحديث بيان قدومه عَّ لو برابعة ذي الحجة، وليس فيه: كم من يوم أقام النبي، ولكنه من المعلوم أن حجه هو حجة الوداع، وكان في مكة وحواليها إلى الرابع عشر من ذي الحجة، فهذه الإقامة عشرة أيام، كما في حديث أنس الذي مضى في أول الأبواب، وبينا ذلك مستقصىّ. ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: موسى بن إسماعيل أبو سلمة، وقد تكرر ذكره. الثاني: وهيب بن خالد أبو بكر، وقد مر في: باب من أجاب الفتيا في العلم. الثالث: أيوب السختياني. الرابع: أبو العالية اسمه زياد بكسر الزاي وتخفيف الياء آخر الحروف: ابن فيروز، وقيل غير ذلك، وهو غير أبي العالية الرياحي، واسمه رفيع، بضم الراء وفتح الفاء وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره عين مهملة، وكلاهما بصريان تابعيان يرويان عن ابن ١٧٩ ١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (٣) عباس: ويتميز أبو العالية زياد بالبراء، بفتح الباء الموحدة وتشديد الراء، وكان يبري النبل، وقيل: القصب. الخامس: عبد الله بن عباس. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: أن رواته كلم بصريون. وفيه: أحدهم مذكور بالتصغير والآخر بلا نسبة والآخر بالكنية والنسبة. ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الحج عن نصر بن علي وعن إبراهم بن دينار وعن أبي داود المبارك وعن محمد بن المثنى وعن هارون بن عبد الله وعن عبد بن حميد، وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن بشار وعن محمد بن معمر البحراني. ذكر معناه: قوله: ((الصبح رابعة)) أي: اليوم الرابع من ذي الحجة. قوله: ((يلبون بالحج)) جملة حالية أي: محرمين، وذكر التلبية وإرادة الإحرام من طريق الكناية. قوله: ((أن يجعلوها)) أي: يجعلوا حجتهم عمرة، وليس هذا إضمار قبل الذكر، لأن قوله: بالحج، يدل على أن الحجة كما في قوله تعالى: ﴿إعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ [المائدة: ٨]. أي العدل. قوله: ((هدي)) بفتح الهاء وسكون الدال وخفة الياء، وبكسر الدال وتشديد الياء، هو ما يهدى إلى الحرم من النعم تقرباً إلى الله تعالى، وإنما استثنى صاحب الهدي لأنه لا يجوز له التحلل حتى يبلغ الهدي محله. ذكر ما يستنبط منه: قد مضى في حديث أنس، رضي الله تعالى عنه، أن مقامه بمكة في حجته كان عشرة أيام، وبين في هذا الحديث أنه قدم مكة رابعة ذي الحجة، وكان يوم الأحد، فصلى الصبح بذي طوى واستهل ذو الحجة في ذلك العام ليلة الخميس، فأقام بمكة يوم الأحد إلى ليلة الخميس ثم نهض ضحوة يوم الخميس إلى منى، فأقام بها باقي نهاره وليلة الجمعة، ثم نهض يوم الجمعة إلى عرفات أي: بعد الزوال، وخطب بنمرة بقرب عرفات، وبقي بها إلى الغروب، ثم أفاض ليلة السبت إلى المزدلفة فأقام بها إلى أن صلى الصبح، ثم أفاض منها إلى طلوع الشمس يوم السبت وهو يوم الأضحى والنفر إلى منى، فرمى جمرة العقبة ضحوة ثم نهض إلى مكة ذلك اليوم، فطاف بالبيت قبل الزوال، ثم رجع في يومه إلى منى فأقام بها باقي يوم السبت والأحد والاثنين والثلاثاء، ثم أفاض بعد ظهر الثلاثاء، وهو آخر أيام التشريق إلى المحصب، فصلى به الظهر وبات فيه ليلة الأربعاء وفي تلك الليلة أعمر عائشة من التنعيم، ثم طاف طواف الوداع سحراً قبل صلاة الصبح من يوم الأربعاء وهو صبيحة رابع عشرة، وأقام عشرة أيام كما ذكر في حديث أنس، ثم نهض إلى المدينة، فكان خروجه من المدينة إلى مكة لأربع بقين من ذي القعدة، وصلى الظهر بذي الحليفة وأحرم بأثرها، وهذا كله مستنبط من قوله: ((قدم النبي عَّ وأصحابه لصبح رابعة من ذي الحجة .. )) ومن الحديث الذي جاء أن يوم عرفة كان يوم جمعة، وفيه نزلت: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: ٣]. ١٨٠ ١٨ - كتابُ تَقْصِيرِ الصَّلاةِ / باب (٤) ومما يستفاد منه: أن أحمد وداود وأصحابه على جواز فسخ الحج في العمرة، وهو مذهب ابن عباس أيضاً لأنه روى أنه عَّل أمرهم أن يجعلوا حجتهم عمرة إلّ من كان ساق الهدي، ولا يجوز ذلك عند جمهور العلماء من الصحابة وغيرهم. قال ابن عبد البر: ما أعلم من الصحابة من يجيز ذلك إلا ابن عباس، وتابعه أحمد وداود، وأجاب الجمهور: أن ذلك خص به أصحاب النبي عَّهِ وأنه لا يجوز اليوم، والدليل على أن ذلك خاص للصحابة الذين حجوا مع رسول الله عَّم دون غيرهم ما رواه أبو داود: حدثنا النفيلي، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، قال: أخبرني ربيعة بن أبي عبد الرحمن ((عن الحارث بن بلال بن الحارث عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله فسخ الحج لنا خاصة أو لمن بعدنا؟ قال: بل لكم خاصة)). وأخرجه ابن ماجه والطحاوي أيضاً، وروى الطحاوي أيضاً: حدثنا ابن أبي عمران قال: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: حدثنا عيسى بن يونس عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن المرقع بن صيفي ((عن أبي ذر، قال: إنما كان فسخ الحج للركب الذي كانوا مع النبي عَّله)). وأخرج الطحاوي هذا من سبع طرق، وأخرجه ابن حزم من طريق المرقع، وقال: المرقع مجهول، وقد خالفه ابن عباس وأبو موسى فلم يريا ذلك خاصة، ولا يجوز أن يقال في سنة ثابتة: إنها خاصة لقوم دون قوم إلّ بنص قرآن أو سنة صحيحة، قلنا: هذا مردود بأن سائر الصحابة ما وافقوه على هذا، والمرقع معروف غير مجهول، وقد روى عنه مثل یحیی بن سعيد الأنصاري ويونس بن أبي إسحاق وموسى بن عقبة وعبد الله بن ذكوان، ووثقه ابن حبان، واحتج به أبو داود والنسائي وابن ماجه، وعن أحمد: حديث أبي ذر من أن فسخ الحج في العمرة خاصة للصحابة صحيح، والمرقع، بضم الميم وفتح الراء وتشديد القاف المكسورة وفي آخره عين مهملة. تابَعَهُ عَطَاءٌ عنْ جَابِرٍ رضي الله تعالى عنه أي: تابع أبو العالية عطاء بن أبي رباح في روايته عن جابر بن عبد الله، وأخرج البخاري هذه المتابعة مسندة في باب التمتع والإقران والإفراد في كتاب الحج، وسيأتي بيانه، إن شاء الله تعالى. ٤ - بابٌ فِي كَمْ يَقْصُرُ الصَّلاةَ أي: هذا باب في بيان كم مدة يقصر الإنسان الصلاة فيها إذا قصد الوصول إليها بحيث لا يجوز له القصر إذا كان قصده أقل من تلك المدة؟ ولفظة: كم، استفهامية، ومميزها هو الذي قدرناه. قوله: ((يقصر الصلاة)) يجوز في: يقصر، أن يكون على بناء الفاعل، وأن يكون على بناء المفعول، فعلى الأول لفظ الصلاة منصوب، وعلى الثاني مرفوع. وسَمَّى النبيُّ عَ لَّهِ السَّفَرَ يَوْماً وَلَيْلَةٌ أشار بهذا إلى أن اختياره أن أقل المسافة التي يجوز فيها القصر يوم وليلة، حاصله أن من خرج من منزله وقصد موضعاً إن كان بينه وبين مقصده ذلك مسيرة يوم وليلة يجوز له أن