Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
١٦ - كِتَابُ الكُشُوفِ / باب (٩)
حديث عائشة فلأنهم لو رأوه أخذ منها قطفاً حقيقة لكان إيمانهم بالشهادة ولم يكن بالغيب،
والإيمان بالغيب هو المعتبر، وهو أيضاً لا ينافي حقيقة التناول في حقه عَّة.
قوله: ((وأريت النار)) أريت، بضم الهمزة وكسر الراء على صيغة المجهول، وأقيم
المفعول الذي هو الرائي في الحقيقة مقام الفاعل، وانتصاب النار على أنه مفعول ثان، لأن:
أريت، من الإراءة، وهو يقتضي مفعولين، وهذه رواية أبي ذر. وفي رواية غيره: ((رأيت النار))،
وكانت رؤية النار قبل رؤية الجنة لما وقع في رواية عبد الرزاق: ((عرضت على النبي عَ لّم.
النار فتأخر عن مصلاه حتى أن الناس ليركب بعضهم بعضاً، وإذ رجع عرضت عليه الجنة،
فذهب يمشي حتى وقف في مصلاه)). وروى مسلم من حديث جابر، قال: ((انكسفت
الشمس على عهد رسول الله عَّةٍ .. )) الحديث بطوله، وفيه: ((ما من شيء توعدونه إلاّ قد
رأيته في صلاتي هذه لقد جيء بالنار وذلكم حتى رأيتموني تأخرت مخافة أن يصيبني من
لفحها))، وفيه: «لم جيء بالجنة، وذلكم حين رأيتموني تقدمت حتى قمت في مقامي .. ))
الحديث. وجاء من حديث سمرة، أخرجه ابن خزيمة: ((لقد رأيت منذ قمت أصلي ما أنتم
لاقون في دنیا کم وآخرتکم».
فإن قلت: رؤياه النار من أي باب كان من أبواب النيران؟ فإن قلت: قيل: من الباب
الذي يدخل منه العصاة من المسلمين. قلت: يحتاج هذا إلى دليل مع أن قوله عَّهِ: ((ولقد
رأيت جهنم يحطم بعضها بعضاً حتى رأيتموني تأخرت، ورأيت فيها ابن لحي وهو الذي
سيب السائبة)). رواه مسلم، فدل على أنه عَّهِ رأى النيران كلها، وكذلك قوله عَّه في
رواية مسلم: ((وعرضت علي النار فرأيت فيها امرأة من بني إسرائيل تعذب في هرة لها ربطتها
فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من حشائش الأرض، ورأيت أبا ثمامة عمر بن مالك يجر قصبة
في النار)). قوله: ((فلم أر منظراً كاليوم قط أفظع)). وفي رواية المستملي والحموي: ((فلم
أنظر كاليوم أفظع)). قوله: ((منظراً)) منصوب بقوله: ((لم أر)). و((أفظع))، أفعل التفضيل منصوب
لأنه صفة المنظر. وقوله: ((كاليوم قط)) معترض بين الصفة والموصوف، والكاف فيه بمعنى
المثل، والمراد من اليوم الوقت الذي فيه وتقدير الكلام: لم أر منظراً أفظع مثل اليوم، وأدخل
كاف التشبيه عليه لبشاعة ما رأى فيه، ومعنى أفظع: أبشع وأقبح. وقال ابن سيده: فظع الأمر
فظاعة وهو فظيع وأفظع وأشد وأفظع افظاعاً وهو مفظع، والإسم الفظاعة وأفظعني هذا الأمر
وأفظعته وأفظع هو، وفي (الصحاح) أفظع الرجل، على ما لم يسم فاعله: إذا نزل به أمر
عظيم. قوله: ((ورأيت أكثر أهلها)) أي: أهل النار النساء. فإن قلت: كيف يلتئم هذا مع ما
رواه أبو هريرة: ((إن أدنى أهل الجنة منزلة من له زوجتان من الدنيا))، ومقتضاه أن النساء ثلثا
أهل الجنة؟ قلت: يحمل حديث أبي هريرة على ما بعد خروجهن من النار، وقيل: خرج هذا
مخرج التغليظ والتخويف، وفيه نظر، لأنه أخبر بالرؤية الحاصلة. وقيل: لعله مخصوص ببعض
النساء دون بعض. قوله: ((بم يا رسول الله؟)) أصله: بما، لأنها كلمة الاستفهام، فحذفت الألف
تخفيفاً. قوله: ((أيكفرن بالله؟)) الهمزة فيه للاستفهام. قوله: ((قال: يكفرن العشير)»، كذا وقع

١٢٢
١٦ - كِتَابُ الكُشُوفِ / باب (١٠)
للجمهور عن مالك بدون الواو، وقيل: ويكفرن، وكذا وقع في رواية مسلم. قال: حدثنا
حفص بن ميسرة، قال: حدثني زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس، قال:
((انكسفت الشمس .. )) الحديث بطوله، وفيه: ((ورأيت أكثر أهلها النساء، قالوا: بم يا رسول
الله؟ قال: بكفرهن، قيل: يكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير ... )) الحديث، وروى يحيى بن
يحيى عن مالك في (موطئه) قال: ويكفرن العشير، بزيادة الواو، قيل: زيادة الواو غلط.
قلت: ليس كذلك، لأنه لا فساد فيه من جهة المعنى لأنه أجاب مطابقاً للسؤال وزاد،
وقال بعضهم: إن كان المراد من تغليطه كونه خالف غيره من الرواة فهو كذلك. قلت: ليس
كذلك، لأن المخالفة للرواة إنما تعد غلطاً إذا فسد المعنى، ولا فساد كما ذكرنا. فإن قلت:
كفر يتعدى بالباء، وقوله: ((أيكفرن بالله؟)) على الأصل، وقوله: ((يكفرن العشير)) بلا باء؟ قلت:
لأن الذي تعدى بالباء يتضمن معنى الاعتراف، وكفر العشير لا يتضمن ذلك. قوله: ((ويكفرن
الإحسان)) يحتمل أن يكون تفسيراً لقوله: ((يكفرن العشير))، لأن المقصود كفر إحسان العشير
لا كفر ذاته، والعشير هو الزوج، وقد مر الكلام فيه مستقصىّ في كتاب الإيمان، والمراد من
كفر الإحسان تغطيته وعدم الاعتراف به أو جحده وإنكاره كما يدل عليه آخر الحديث.
قوله: ((لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله))، بيان لمعنى: كفر الإحسان وكلمة: لو، شرطية
ويحتمل أن تكون امتناعية بأن يكون الحكم ثابتاً على النقيضين، ويكون الطرف المسكوت
عنه أولى من المذكور، و: الدهر، منصوب على الظرفية، ويجوز أن يكون المراد منه: مدة
عمر الرجل، وأن يكون الزمان كله مبالغة، وليس المراد من قوله: ((أحسنت))، خطاب رجل
بعينه، بل كل من يتأتى منه أن يكون مخاطباً، كما في قوله تعالى: ﴿ولو ترى إذ
المجرمون﴾ [السجدة: ١٢]. لأن المراد منه كل من تتأتى منه الرؤية، فهو خطاب خاص
لفظاً وعام معنىّ. قوله: ((شيئاً)) التنوين فيه للتقليل: أي: شيئاً قليلاً لا يوافق غرضها من أي
نوع كان.
ومما يستفاد منه غير ما ذكر فيما مضى: المبادرة إلى طاعة الله، عز وجل، عند
حصول ما يخاف منه وما يحذر عنه، وطلب دفع البلاء بذكر الله تعالى وتمجيده وأنواع
طاعته. وفيه: معجزة ظاهرة للنبي عٍَّ وما كان عليه من نصح أمته وتعليمهم ما ينفعهم
وتحذيرهم عما يضرهم. وفيه: مراجعة المتعلم للعالم فيما لا يدركه فهمه. وفيه: جواز
· الاستفهام عن علة الحكم وبيان العالم ما يحتاج إليه تلميذه. وفيه: تحريم كفران الإحسان.
وفيه: وجوب شكر المنعم. وفيه: إطلاق الكفر على جحود النعمة. وفيه: بيان تعذيب أهل
التوحيد لأجل المعاصي. وفيه: جواز العمل اليسير في الصلاة.
١٠ - بابُ صَلاَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجالِ فِي الْكُشُوفِ
أي: هذا باب في بيان صلاة النساء مع الرجال في صلاة الكسوف، وقال بعضهم:
أشار بهذه الترجمة إلى رد قول من منع ذلك، وقال: يصلين فرادى، وهو منقول عن الثوري

١٢٣
١٦ - كِتَابُ الكُشْوفِ / باب (١١)
والكوفيين. قلت: إن أراد بالكوفيين أبا حنيفة وأصحابه فليس كذلك، لأن أبا حنيفة يرى
بخروج العجائز فيها، غير أنهن يقفن وراء صفوف الرجال، وعند أبي يوسف ومحمد: يخرجن
في جميع الصلوات لعموم المصيبة، فلا يختص ذلك بالرجال، وروى القرطبي عن مالك: إن
الكسوف يخاطب به من يخاطب بالجمعة، وفي (التوضيح): ورخص مالك والكوفيون
للعجائز وكرهوا للشابة. وقال الشافعي: لا أكره لمن لا هيئة له بارعة من النساء ولا للصبية
شهود صلاة الكسوف مع الإمام، بل أحب لهن ونحب لهن ونحب لذات الهيئة أن تصليها
في بيتها، ورأى إسحاق أن يخرجن، شباباً كن أو عجائز، ولو كن حيضاً، وتعتزل الحيض
المسجد ولا یقربن منه.
١٠٥٣/٩١ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكُ عنْ هِشَام بنِ عُرْوَةً عنٍ
امْرَأْتِهِ فاطِمَةً بِنْتِ المُنْذِرِ عنْ أسْمَاءَ بنتِ أبِي بَكْرٍ رضي الله تعالى عنهما أنَّهَا قالَتْ أَتَيْثُ
عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها زَوجَ النبيِّ عَّ ◌ُلِّ حِينَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ فإذَا النَّاسُ قِيَامٌ يُصَلُّونَ
وَإِذَا هِيَ قَائِمَةٌ فَقُلْتُ ما لِلَّنَاسِ فأشارَتْ بِيَدِهَا إلى السَّمَاءِ وقالَتْ سُبْحَانَ اللهِ فقُلْتُ آيَةً
فأشارَتْ أَيْ نَعَمْ قالَتْ فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلأَّنِي الغَشْيُ فَجَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأْسِي المَاءَ فَلَمَّا
انْصَرَفَ رسولُ اللهِ عَلِ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ ما منْ شَيْءٍ كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إلاّ قَدْ رَأَيْتُهُ
فِي مَقَامِي لهذا حَتَّى الجَنَّةَ والنَّارَ وَلَقَدْ أوحِيَ إِلَيَّ أنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي القُبُورِ مِثْلَ أَوْ قَرِيباً مِنْ
فِتْنَةِ الدَّجَالِ لاَ أَدْرِي أَيَّتُهُمَا قَالَتْ أسْمَاءُ يُؤْتَى أحدُكُمْ فَيُقَالُ لَهُ ما عِلْمُكَ بِهذا الرَّجُلِ فَأمَّا
المُؤمِنُ أوِ المُوقِنُ لا أدْرِي أَيَّ ذُلِكَ قالتْ أسْمَاءُ فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ رسولُ اللهِ عَِّ جَاءَنا
بالبَيِّنَاتِ والهدى فاجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا فَيُقَالُ لَهُ تَمْ صالِحاً فَقَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِناً وَأَمَّا
المُنَافِقُ أَوِ المُرْتَابُ لاَ أَدْرِي أَيَّتُهُمَا قَالَتْ أسْمَاءُ فَيَقُولِ لاَ أَدْرِي سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئاً
فَقُلْتُهُ. [انظر الحديث ٨٦ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فإذا الناس قيام يصلون وإذا هي قائمة تصلي))، وقد مر
هذا الحديث في: باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس، في كتاب العلم. وأخرجه هناك
عن موسى بن إسماعيل عن وهيب عن هشام عن فاطمة عن أسماء، وقد ذكرنا هناك أن
البخاري أخرجه في مواضع. وأخرجه مسلم أيضاً في الكسوف، وقد ذكرنا ما يتعلق به هناك
مستقصىّ، وفاطمة بنت المنذر بن الزبير بن العوام، وأسماء بنت أبي بكر الصديق، هي جدة
فاطمة وهشام لأبويهما.
قوله: ((فأشارت أي نعم)) وفي رواية الكشميهني: ((أن نعم))، بالنون بدل الياء آخر
الحروف. والله أعلم.
١١ - بابُ من أحَبَّ العَتَاقَةَ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ
أي: هذا باب في بيان من أحب العتق في حالة كسوف الشمس، والعتاقة بفتح العين:
الحرية: أي: من أحب عتق الرقيق سواء صدر الإعتاق منه أو من غيره. فإن قلت: ما فائدة

١٢٤
١٦ - کِتَابُ الكُشوفِ / باب (١٢)
تقييد حب العتاقة في الكسوف، وهو عمل محبوب في كل حال؟ قلت: لأن أسماء بنت
أبي بكر هي التي روت قصة كسوف الشمس، وهذا قطعة منه، إما أن يكون هشام بن عروة
حدث به هكذا، فسمعه منه زائدة بن قدامة، أو يكون زائدة اختصره.
١٠٥٤/٩٢ - حدّثنا رَبِيعُ بنُ يَخْيَّى قال حدَّثنا زَائِدَةُ عنْ هِشَامٍ عنْ فاطِمَةَ عنْ
أسْمَاءَ قالَتْ لَقَدْ أَمَرَ النبيُّ عَّ له بِالعَاقَةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ. [أنظر الحديث ٨٦ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إنه عَّلَّ أمر بالعتاقة في الكسوف، وكل ما أمر به فهو
محبوب.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: ربيع بن يحيى أبو الفضل البصري، مات سنة أربع
وعشرين ومائتين، ويجوز فيه اللام وتركه كما في الحسن. الثاني: زائدة بن قدامة، وقد مر.
الثالث: هشام بن عروة بن الزبير. الرابع: فاطمة بنت المنذر بن الزبير وهي زوجة هشام.
الخامس: أسماء بنت أبي بكر الصديق، جدة فاطمة.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في
ثلاثة مواضع. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن شيخ البخاري من أفراده. وفيه: أن أول
الرواة بصري والثاني كوفي والثالث مدني. وفيه: رواية التابعي عن التابعية عن الصحابية.
وفيه: رواية الرجل عن امرأته، ورواية المرأة عن جدتها.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الكسوف عن موسى بن مسعود وفي العتق عن
محمد بن أبي بكر المقدمي. وأخرجه أبو داود في الصلاة عن زهير بن حرب عن معاوية عن
زائدة.
قوله: ((لقد أمر)) وفي رواية أبي داود: ((كان النبي عَّ ◌ُلّه يأمر))، وفي رواية الإسماعيلي:
((كان النبي عَّمِ يأمرهم))، والظاهر أن الأمر للاستحباب ترغيباً للناس في فعل البر.
١٢ - بابُ صَلاَةِ الكُسُوفِ فِي المَسْجَدَ
أي: هذا باب في بيان صلاة الكسوف في المسجد.
١٠٥٥/٩٣ - حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قال حدَّثني مالِكٌ عنْ يَحيى بن سعِيدٍ عنْ عَمْرَةَ
بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمنِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها أنَّ يَهُودِيَّةٌ جاءَتْ تَسْألُهَا فقالَتْ أَعَاذَكِ
الله مِنْ عَذَابِ القَبْرِ فَسَأْلَتْ عَائِشَةُ رسولَ اللهِ عَ لَّهِ أَيُعَذَّبُ النَّاسُ فِي قُبُورِهِمْ فقال رسُولُ اللهِ
عَّ الَّلِ عَائِذاً باللهِ منْ ذُلِكَ. [أنظر الحديث ١٠٤٩ وطرفيه].
١٠٥٦ - ثم رَكِبَ رسولُ اللهِ عَ لِّ ذَاتَ غَدَاةٍ مَرْكَباً فَكَسَفَتِ الشَّمْسُ فَرَجَعَ
ضُحىّ فَمَرّ رسولُ اللهِ عَُّلَّهِ بَيْنَ ظَهْرَانَي الحُجَرِ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى وقامَ النَّاسُ وَرَاءَهُ فقامَ قِيَاماً
طَوِيلاً ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ سُجُوداً طَوِيلاً ثُمَّ قامَ فقامَ قِياماً طَوِيلاً وَهْوَ
دُونَ القِيَامِ الأوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ ثُمَّ قامَ قِيَاماً طَوِيلاً وَهْوَ

١٢٥
١٦ - كِتَابُ الكُشُوفِ / باب (١٣)
دُونَ القِيَامِ الأوَّلِ ثُمَّ ركَعَ رُكُوعاً طَوِيلاً وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ ثُمَّ سَجَدَ وَهْوَ دُونَ السُّجُودِ
الأوَّلِ ثُمَّ اَنْصَرَفَ فَقالَ رسولُ اللهِ عَ لَّه ما شاءَ اللهُ أنْ يَقُولَ ثُمَّ أُمَرَهُمْ أنْ يَتَعَوَّذُوا مِنْ عَذَابٍ
القَبْرِ. [انظر الحديث ١٠٤٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((فصلى رسول الله عٍَّ)، يعني في المسجد، وقد
صرح مسلم بذكر المسجد في روايته هذا الحديث، وفيه: ((فخرجت في نسوة بين ظهراني
الحجر في المسجد فأتى النبي عَّهِ من مركبه حتى انتهى إلى مصلاه الذي كان يصلي
فيه))، والأحاديث يفسر بعضها بعضاً. وقد ذكر البخاري هذا الحديث في: باب التعوذ من
عذاب القبر، قبل هذا الباب بأربعة أبواب، وقد مضى الكلام فيه هناك مستوفى. والمركب
الذي كان النبي عَّ له فيه بسبب موت ابنه إبراهيم، عليه السلام، والله أعلم.
١٣ - بابٌ لاَ تَنْكَسِفُ الشَّمْسُ لِمَوْتٍ أُحِدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ
أي: هذا باب يذكر فيه لا تنكسف الشمس. لموت أحد ولا لحياته.
رَوَاهُ أَبُو بَكْرَةَ وَالمُغِيرَةِ وأَبُو مُوسى وابنُ عَّاسٍ وابنُ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهم
أي: روی الکلام المذ کور وهو قوله: ((لا تنکسف الشمس لموت أحد ولا لحياته»،
هؤلاء الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، وهم أبو بكرة نفيع بن الحارث، والمغيرة بن شعبة،
وأبو موسى عبد الله بن قيس، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر. أما حديث أبي بكرة
فقد رواه في أول أبواب الكسوف. وأما حديث المغيرة، فمضى في أول أبواب الكسوف،
وعن قريب يأتي في: باب الدعاء في الكسوف أيضاً. وأما حديث أبي موسى الأشعري
فكذلك يأتي في: باب الذكر في الكسوف. وأما حديث ابن عباس فقد مضى في باب صلاة
الكسوف جماعة. وأما حديث ابن عمر فقد مضى في أول أبواب الكسوف، وقد ذكر
البخاري أيضاً في هذا الباب حديث ابن مسعود، وحديث عائشة. وفي الباب مما لم يذكره
عن جابر عند مسلم وعن عبد الله بن عمرو والنعمان بن بشير وقبيصة وأبي هريرة، كلها عند
النسائي وغيره، وعن ابن مسعود وسمرة بن جندب ومحمود بن لبيد عند أحمد، وغيره، وعن
عقبة بن عمرو وبلال عند الطبراني وغيره، فهذه كلها تكذب من زعم أن الكسوف لموت
أحد أو لحياة أحد.
١٠٥٧/٩٤ - حدَّثنا مُسَدَّد قال حدَّثنا يَحيى عنْ إسْمَاعِيلَ قال حدَّثني قَيْسٌ عنْ
أبِي مَسْعُودٍ قال قال رسولُ اللهِ عَلِ الشَّمْسُ والقمَرُ لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتٍ أحدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ
وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ الله فإِذَا رَأيْتُمُوهُمَا فصَلُّوا. [أنظر الحديث ١٠٤١ وطرفه].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: مسدد وقد تكرر ذكره. الثاني: يحيى بن سعيد
القطان البصري الأحول. الثالث: إسماعيل بن أبي خالد الأخمسي الكوفي. الرابع: قيس بن
أبي حازم الكوفي. الخامس: أبو مسعود عقبة بن عامر الأنصاري البدري.

١٢٦
١٦ - كِتَابُ الكُشْوفِ / باب (١٤)
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في
موضع، وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في أربعة مواضع. وفيه: أن النصف الأول من
الرواة بصري والنصف الثاني كوفي. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي. وفيه: أن
الرواة الأربعة ذكروا بلا نسبة، والخامس ذكر بكنيته.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الكسوف عن شهاب
ابن عباد وفي بدء الخلق عن أبي موسى عن يحيى. وأخرجه مسلم في الخسوف عن يحيى
ابن يحيى وعن عبيد الله بن معاذ وعن يحيى بن حبيب وعن أبي بكر بن أبي شيبة وعن
إسحاق بن أبراهيم وعن ابن أبي عمر. وأخرجه النسائي فيه عن يعقوب بن إبراهيم عن يحيى
القطان به، وأخرجه ابن ماجه عن محمد بن عبد الله بن نمير عن أبيه به.
١٠٥٨/٩٥ - حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ قال حدَّثنا هِشَامٌ قال أخبرنا مَعْمَرٌ عِنْ
الزُّهْرِيِّ وَهِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عنْ عُرْوَةَ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ كَسَفَتِ الشَّمْسُ
عَلَى عَهْدِ رسولِ اللهِ عَ لَّهِ فَقَامَ النّبِيُّ عَّهِ فَصَلَّى بِالنَّاسِ فَأَطَالَ القِرَاءَةَ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ
الرُّكُوعَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأْطَالَ القِرَاءَةَ وَهْيَ دُونَ قِرَاءَتِهِ الأولى ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ دُونَ
رُكُوعِهِ الأَوَّلِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ قَامَ فصَنَعَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذُلِكَ ثُمَّ قَامَ
فقالَ إِنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ لاَ يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدَ ولاَ لِحَيَاتِهِ ولَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ
يُرِيهِمَا عِبَادَهُ فإِذَا رَأَيْتُمْ ذُلِكَ فافْزَعُوا إلى الصَّلاَةِ. [أنظر الحديث ١٠٤٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، ورجاله قد ذكروا غير مرة، وهشام هو ابن يوسف الصنعاني
معمر بن راشد. قوله: ((وهشام ابن عروة))، بالجر عطفاً على الزهري.
١٤ - بابُ الذِّكْرِ في الكسوفِ
أي: هذا باب في بيان الذكر عند كسوف الشمس.
رَوَاهُ ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما
أي: روى الذكر في الكسوف عبد الله بن عباس عن النبي عَّله، وقد تقدم في حديثه
في: باب صلاة الكسوف جماعة، وفيه: ((فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله)).
١٠٥٩/٩٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلاَءِ قال حدَّثنا أَبُو أسامَةَ عنْ بُرَيْدِ بنِ عَبْدِ اللهِ
عنْ أبي ثُؤْدَةَ عنْ أَبِي مُوسى. قال خَسَفَتِ الشَّمْسُ فقامَ النبيُّ عَ لَّهِ فَِعاً يَخْشَى أَنْ تكُونَ
السَّاعَةُ فأتى المَسْجِدَ فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ ورُكُوعٍ وَسُجُودٍ رَأيْتُهُ قَط يَفْعَلُهُ وقال لهُذِهِ الآياتُ
الَّتِي يُرسِلُ اللّه عَزَّ وَجَلَّ لاَ تَكُونُ لِمَوْتِ أحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ وَلْكِنْ يُخَوِّفُ الله بِهِ عِبَادَهُ فإذَا
رَأَيْتُمْ شَيْئاً مِنْ ذُلِكَ فَافْرَعُوا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ.
مطابقته للترجمة في قوله: ((فافزعوا إلى ذكر الله)).
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: محمد بن العلاء بن كريب الهمداني الكوفي.

١٢٧
١٦ - كِتَابُ الكُسُوفِ / باب (١٤)
الثاني: أبو أسامة حماد بن زيد القرشي الكوفى. الثالث: بريد، بضم الباء الموحدة وفتح الراء:
ابن عبد الله ابن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري الكوفي. الرابع: جده أبو بردة اسمه
الحارث بن أبي موسى، ويقال: عامر بن أبي موسى، ويقال: اسمه كنيته. الخامس: عبد الله
ابن قيس الأشعري.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في
ثلاثة مواضع. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن رجال إسناده كوفیون. وفيه: ثلاثة مکیون،
وفيه: رواية الرجل عن جده وجده عن أبيه.
والحديث أخرجه مسلم أيضاً عن عبد الله بن براد وأبي كريب، وأخرجه النسائي عن
موسى بن عبد الرحمن.
ذكر معناه: قوله: ((فزعاً)) بكسر الزاي صفة مشبهة، ويجوز أن يكون بفتح الزاي
ويكون مصدراً بمعنى الصفة. قوله: ((يخشى)) جملة في محل النصب على الحال. قوله: ((أن
يكون))، في محل النصب على أنه مفعول: يخشى. قوله: ((الساعة))، بالنصب والرفع، أما
النصب فعلى أن يكون خبر: يكون ناقصة، والضمير الذي فيه يرجع إلى الخسف الذي يدل
عليه: ((خسفت))، وأما الرفع فعلى أن يكون تكون تامة، قال الكرماني، وهذا تمثيل من الراوي
كأنه قال: فزعا كالخاشي، أن تكون القيامة، وإلاّ فكان النبي عَ لِّ عالماً بأن الساعة لا تقوم،
وهو بين أظهرهم، وقد وعده الله إعلاء دينه على الأديان كلها، ولم يبلغ الكتاب أجله. وقال
النووي: قد يستشكل هذا من حديث أن الساعة لها مقدمات كثيرة لا بد من وقوعها:
كطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة والدجال وغيرها، وكيف الخشية من قيامها حينئذ،
ويجاب بأنه: لعل هذا الكسوف كان قبل إعلامه عَّلِّ بهذه العلامات، أو لعله خشي أن تكون
بعض مقدماتها أو أن الراوي ظن أن النبي عَّ خشي أن تكون الساعة، وليس يلزم من ظنه
أن يكون عَّه خشي حقيقة، بل ربما خاف وقوع عذاب الأمة، فظن الراوي ذلك.
قلت: كل واحد من هذه الأجوبة لا يخلو عن نظر، إذا تأمله الناظر، والأوجه في ذلك
ما قاله الكرماني، أو أنه عَّ جعل ما سيقع كالواقع إظهاراً لتعظيم شأن الكسوف وتنبيهاً
لأمته أنه إذا وقع بعده يخشون أمر ذلك ويفزعون إلى ذكر الله والصلاة والصدقة، لأن ذلك
مما يدفع الله به البلاء. قوله: ((رأيته قط يفعله)) كلمة: قط، لا تقع إلاّ بعد الماضي المنفي،
وهنا وقعت بدون كلمة: ما، مع أن في كثير من النسخ وقعت على الأصل، وهو: ((ما رأيته
قط يفعله))، ووجه ذلك: إما أن يقدر حرف النفي، كما في قوله تعالى: ﴿تالله تفتؤ تذكر
يوسف﴾ [يوسف: ٨٥]. وإما أن لفظ: أطول، فيه معنى عدم المساواة أي: بما لم يساو قط
قياماً رأيته يفعله، وإما أن يكون قط بمعنى: حسب، أي: صلى في ذلك اليوم فحسب بأطول
قيام رأيته يفعله، أو يكون بمعنى: أبداً، وينبغي أن تكون لفظة: قط، في النسخة التي ما تقدمها
حرف النفي بفتح القاف، وسكون الطاء، لأنه حينئذ يكون بمعنى: حسب، فلا يقتضي حرف
النفي. وأما إذا كان على بابه فهو بفتح القاف وضمها وتشديد الطاء وتخفيفها، وبفتحها
:

١٢٨
١٦ - كِتَابُ الكُشوفٍ / باب (١٥)
وكسر الطاء المخففة. قوله: ((هذه الآيات)) أشار بها إلى الآيات التي تقع مثل: الكسوف
والخسوف والزلزلة وهبوب الريح الشديدة ونحوها، ففي كل واحدة منها تخويف الله تعالى
لعباده، كما في قوله تعالى: ﴿وما نرسل بالآيات إلاّ تخويفاً﴾ [الإسراء: ٥٩]. ويفهم من هذا
أن المبادرة والذكر والدعاء لا يختص بالكسوفين، وبه قال أصحابنا، وحكى ذلك عن أبي
موسى، وقال بعضهم: لم يقع في هذه الرواية ذكر الصلاة فلا حجة فيه لمن استحبها عند
كل آية. قلت: لم تنحصر الحجة بهذه الرواية بل في قوله: ((افزعوا إلى ذكر الله)) حجة لمن
قال ذلك، لأن الصلاة يطلق عليها: ذكر الله، لأن فيها أنواعاً من ذكر الله تعالى، وقد ورد
ذلك في (صحيح مسلم): ((إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي
التسبيح والتكبير وقراءة القرآن)).
١٥ - بابُ الدُّعَاءِ في الخُشُوفِ
أي: هذا باب في بيان الدعاء في الكسوف، وفي رواية كريمة وأبي الوقت: باب
الدعاء في الخسوف.
قالَهُ أَبُو مُوسى وَعَائِشَةُ رضي الله تعالى عنهما عنِ النَّبِيِّ سَلِّ
أي: قال ما ذكر من الدعاء في الكسوف أبو موسى الأشعري، وهو في حديثه
المذكور قبل هذا الباب، وهو قوله: ((فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره))، وأما حديث عائشة
فقد تقدم في الباب الثاني، وهو: باب الصدقة في الكسوف، ولفظها: ((فإذا رأيتم ذلك فادعو
الله)).
١٠٦٠/٩٧ - حدّثنا أبُو الوَلِيدِ قال حدَّثنا زَائِدَةُ قال حدَّثنا زيادُ بن عِلاَقَة قال
سَمِعْتُ المُغِيرَةَ بنَ شُعْبَةَ يَقُولِ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ ماتَ إبْرَاهِيمُ فقالَ النَّاسُ انْكَسَفَتْ
لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ فقالَ رسولُ اللهِ عَ لّهِ إِنَّ الشَّمْسَ وِالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ لا یَنْكَسِفَانِ
لِمَوْتٍ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ فإذَا رَأيْتُمُوهُمِا فادْعُوا اللَّه وَصَلّوا حَتَّى تَنْجَلِيَ. [أنظر الحديث
١٠٤٣ وطرفه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، وقد تقدم في الباب الأول، أخرجه عن عبد الله بن محمد عن
هاشم بن القاسم عن شيبان بن معاوية عن زياد بن علاقة عن المغيرة، وهذا من الخماسيات،
والذي في هذا الباب من الرباعيات، وهناك: عن زياد عن المغيرة، وهنا: التصريح بسماعه من
المغيرة، وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي.
قوله: ((رأيتموها)) أي: الآية ويروى ((رأيتموهما)) بتثنية الضمير، يرجع إلى الشمس
والقمر باعتبار كسوفهما. قوله: ((حتى تنجلي)» ويروى بالتذكير، والتأنيث، ووجههما ظاهر.
١٦ - بابُ قَوْلِ الإِمام فِي خُطْبَةِ الكُسوفِ أَمَّا بَعْدُ
١٠٦١ - وقالَ أَبُو أسامَةَ حدَّثنا مِشَامٌ قال أُخْبَرَتْنِي فاطِمَة بنْتُ المُنْذِرِ عنْ أَسْمَاءَ

١٢٩
١٦ - كِتَابُ الكُشُوفِ / باب (١٧)
قالَتْ فَانْصَرَفَ رسولُ اللهِ عَ لَّهِ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ فَخَطَبَ فَحَمِدَ اللّهَ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمّ قالَ
أُمَّا بَعْدُ. [أنظر الحديث ٨٦ وأطرافه].
مطابقة هذا للترجمة ظاهرة، وقد ذكره في: باب من قال في الخطبة بعد الثناء أما
بعد، في كتاب الجمعة. وقال محمود: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثنا هشام بن عروة، قال:
أخبرتني فاطمة بنت المنذر ((عن أسماء بنت أبي بكر الصديق، قالت: دخلت على عائشة
والناس يصلون ... )) الحديث بطوله، وفيه: ((وقد تجلت الشمس .. )) إلى أن قال: ((أما بعد))،
وقال مسلم: ((عن أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، وأبي كريب عن أبي أسامة فذكره، وقال
أبو علي الجياني: وقع في رواية ابن السكن في إسناد هذا الحديث وهم، وذلك أنه زاد في
الإسناد رجلاً أدخل بين هشام وفاطمة عروة بن الزبير، والصواب: هشام عن فاطمة، والله
أعلم، وقد تكلمنا فيه هناك بما فيه الكفاية.
١٧ - بابُ الصَّلاَةِ فِي كُشُوفِ القَمَرِ
أي: هذا باب في بيان الصلاة في كسوف القمر.
١٠٦٢/٩٨ - حدَّثنا مَحْمُودٌ قال حدَّثنا سَعِيدُ بنُ عامِر عنْ شَعْبَةً عنْ يُونْسَ عن
الحَسَنُ عنْ أبي بَكْرَةَ رضي الله تعالى عنه قالَ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رسولِ اللهِ عَله
فصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. [أنظر الحديث ١٠٤٠ وأطرافه].
أشار الكرماني إلى وجه مطابقة هذا الحديث للترجمة بأن معرفة الصلاة في كسوف
الشمس تغني عن معرفة الصلاة في كسوف القمر، فمن ذلك حصل الاستغناء بذكر أحدهما
عن الآخر، فلذلك ذكر كسوف الشمس وترجم عليه: الصلاة في كسوف القمر. قلت: هذا
ليس بسديد، وحكى ابن التين أنه: وقع في رواية الأصيلي في هذا الحديث: انكسف القمر
بدل الشمس، فإن صحت هذه الرواية فالمطابقة ظاهرة، واستبعد هذا بعضهم، بأنه تغيير لا
معنى له، فلما عسرت عليه المطابقة غير الشمس بالقمر.
قلت: استبعاده بعيد، لأن الذي نقل هذا نسبه إلى رواية الأصيلي، والذي قاله إنما
يتوجه لو عرف المغير ووقع إطباقهم على تغييره، على أنه لا فساد فيه من جهة المعنى ولا
من جهة اللفظ، وقيل: هذا الحديث ليس فيه ذكر القمر لا بالتنصيص ولا بالإجمال. وأجاب
بعضهم بأن هذا الحديث مختصر من مطوله الذي كان فيه: ((فإذا كان ذلك فصلوا)) بعد
قوله: ((إن الشمس والقمر ... )) الحديث، ويؤخذ المقصود منه. قلت: هذا أيضاً فيه ما فيه،
وليس هناك بين الحديث والترجمة مطابقة أصلاً ظاهراً إلاّ إذا اعتمدنا على ما نقله ابن التين
عن الأصيلي، أو يكون الناسخ بدل لفظ الشمس بالقمر في الترجمة واستمر عليه، ومحمود
ابن غيلان، بفتح الغين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف، مر في: باب النوم قبل العشاء،
وسعيد بن عامر أبو محمد الضبعي، بضم الضاد المعجمة وفتح الباء الموحدة: أحد الأعلام
البصري وشعبة بن الحجاج ويونس بن عبيد والحسن هو البصري وأبو بكرة نفيع بن
عمدة القاري / ج٧ / ٩٢

١٣٠
١٦ - كِتَابُ الكُشُوفِ / باب (١٨)
الحارث، وقد مضى الكلام بأنواعه في هذا الحديث.
١٠٦٤/٩٩ - حدّثنا أبُو مَعْمَرٍ قال حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ قال حدَّثنا يُونُسُ عنِ
الحَسَنِ عِنْ أَبِي بَكْرَةَ قالَ حَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رسول الله عَ لَّهِ فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ
حَتَّى انْتَهَى إلى المَسْجِدِ وَثابَ النَّاسُ إِلَيْهِ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ فانْجَلَتِ الشَّمْسُ فقالَ إِنَّ
الشمْسَ والقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ الله وإِنَّهُما لاَ يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ وإِذَا كانَ ذاكَ فَصَلُّوا
وَادْعُوا حَتَّى يُكْشَفَ ما بِكُمْ وَذَاكَ أَنَّ ابناً للنبيِّ عَ لِّ مَاتَ يُقالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ فَقالَ النَّاسُ في
ذَلِكَ. [أنظر الحديث ١٠٤٠ وأطرافه].
هذا طريق آخر في حديث أبي بكرة، وقد ذكرنا الكلام فيه مستقصىّ، ومطابقته
للترجمة يمكن أن تؤخذ من قوله: ((فإذا كان ذلك)) أي: الخسف في الشمس والقمر، وأبو
معمر، بفتح الميمين: عبد الله بن المنقري المقعد البصري، وعبد الوارث ابن سعيد. قوله:
((وثاب إليه الناس)) بالثاء المثلثة أي: اجتمع، وحديث أبي بكرة هذا بطرقه حجة للحنفية
كما ذكرنا في أول أبواب الكسوف.
بابُ صَبِّ المَرْأةِ عَلَى رَأْسِهَا المَاءَ إِذَا أَطَالَ الإِمَامُ القِيامَ فِي الرَّكْعَةِ الأولَى
قيل: وقعت هذه الترجمة للمستملي وليس فيه حديث مطابق لها، وقال صاحب
(التوضيح): لم يذكر البخاري فيه حديثاً فكأنه اكتفى بحديث أسماء الذي مضى في: باب
صلاة النساء مع الرجال في الكسوف. قلت: ما أبعد هذا عن القبول والأوجه ما قيل فيه: إن
المصنف ترجم بها، وأخلى بياضاً ليذكر لها حديثاً أو طريقاً كما جرت عادته فلم يحصل
غرضه، وكان الأليق بهذه الترجمة حديث أسماء المذكور قبل سبعة أبواب فإنه نص فيه،
ووقع في رواية أبي علي بن شبويه عن الفربري هكذا: باب صب المرأة إلى آخره: وقال في
الحاشية: ليس فيه حدیث، ثم ذکر.
١٨ - بابٌّ الرَّكْعَةُ الأولى فِي الكُسُوفِ أَطْوَلُ
أي: هذا باب في بيان أن الركعة الأولى في صلاة الكسوف أطول من الركعة الثانية،
وهذه الترجمة هكذا وقعت للكشميهني والحموي، وليس في غالب نسخ البخاري الترجمة
الأولى موجودة.
١٠٦٤/١٠٠ - حدّثنا مَحْمُودٌ قال حدّثنا أَبُو أحمَدَ قال حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ يَحْيِى
عنْ عَمْرَةَ عنْ عائِشَةَ رضي الله تعالى عنها أنَّ النبيَّ عَّهِ صلَّى بِهِمْ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ
أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ في سَجْدَتَيْنِ الأوَّلُ أْوَلُ مِنَ الثَّانِي [أنظر الحديث ١٠٤٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، ومحمود هو: ابن غيلان المذكور عن قريب، وأبو أحمد هو:
محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي الكوفي وليس من ولد الزبير بن العوام، قال بندار: ما
رأينا مثله أحفظ منه. وقال غيره: كان يصوم الدهر، مات سنة ثلاث ومائتين، وسفيان هو
الثوري ويحيى هو ابن سعيد الأنصاري، وهذا الحديث قطعة من الحديث الطويل الذي في:

١٣١
١٦ - كِتَابُ الكُشوفِ / باب (١٩)
باب صلاة الكسوف في المسجد، وكأنه مختصر منه بالمعنى، فإنه قال فيه: ((ثم قام قياماً
طويلاً وهو دون القيام الأول)). وقال في هذا: ((أربع ركعات في سجدتين الأولى أطول))،
وأراد بقوله: ((أربع ركعات أربع ركوعات))، وأراد بقوله: ((في سجدتين))، يعني: ركعتين،
وأطلق على الركعة سجدة من باب إطلاق الجزء على الكل، وهذا كما جاء في قوله: عَ لّه.
((من أدرك من الصلاة سجدة فقد أدركها)) أي: ركعة.
قوله: ((فالأولى))، ويروى: ((الأولى))، بدون الفاء أي: الركعة الأولى أطول، أي: من
الركعة الثالية، ويروى ((الأول أطول من الثاني)) أي: الركوع الأول أطول من الركوع الثاني.
وقال صاحب (التوضيح): وهذا كله حجة على أبي حنيفة في أن صلاة الكسوف ركعتان
كسائر النوافل. قلت: ليت شعري لِمّ لا يذكر حديث أبي بكرة الذي هو حجة عليه، على
أنه لا خلاف بين أبي حنيفة والشافعي في أن صلاة الكسوف ركعتان، وإنما الخلاف في
تكرار الركوع، كما مر تحقيقه فيما مضى، وفي مثل هذا لا يقال: هذا حجة على فلان
وذاك على فلان، وإنما هذا اختيار، فأبو حنيفة اختار حديث أبي بكرة وغيره من الأحاديث
التي ذكرناها عند الاحتجاج له، والشافعي اختار حديث عائشة وما أشبهه من الأحاديث
الأخر، فأبو حنيفة لم يقل إذا كرر الركوع أن صلاته تفسد، والشافعي: لم يقل أنه إذا ترك
التكرار تفسد، ولكن حمية العصبية توقع بعضهم في أكثر من هذا.
١٩ - بابُ الجَهْرِ بِالقِرَاءَةِ فِي الْكُسُوفِ
أي: هذا باب في بيان الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف، سواء كان الكسوف
للشمس أو للقمر.
١٠٦٥/١٠١ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ مَهْرَانَ قال حدَّثنا الوَلِيدُ قال أخبرنا ابنُّ ◌َمِرٍ سَمِعَ
ابنُ مُسْلِمٍ بنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها جَهَرَ النبيُّ عَ لَه فِي صَلاةِ
الخُسُوفِ بِقِرَاءتِهِ فإِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ كَبَّرَ فَرَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرَّكْعَةِ قالَ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ
حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ ثُمَّ يُعَاوِدُ القِرَاءَةَ فِي صَلاةِ الكُسُوفِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ
سَجَدَاتٍ. [انظر الحديث ١٠٤٤ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: محمد بن مهران، بكسر الميم: أبو جعفر الجمال
الرازي، قال البخاري: مات أول سنة تسع وثلاثين ومائتين أو قريباً منه. الثاني: الوليد بن
مسلم القرشي الأموي مولاهم الدمشقي، مات سنة أربع وتسعين ومائة راجعاً من مكة قبل أن
يصل إلى دمشق. الثالث: عبد الرحمن بن نمر، بفتح النون وكسر الميم الدمشقي. الرابع:
محمد بن مسلم بن شهاب. الخامس: عروة بن الزبير بن العوام. السادس: عائشة أم
المؤمنين، رضي الله تعالى عنها.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والإخبار كذلك في
7

١٣٢
١٦ - کِتابُ الگُشوفِ / باب (١٩)
موضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: السماع في موضع. وفيه: القول في ثلاثة مواضع.
وفيه: رواية التابعي عن التابعية عن الصحابية. وفيه: ابن نمر المذكور وليس له في
(الصحيحين) غير هذا الحديث، وضعفه ابن معين، لكن تابعه الأوزاعي وغيره.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الكسوف عن محمد بن مهران مختصراً.
وأخرجه أبو داود فيه: عن عمرو بن عثمان عن الوليد به مختصراً. وأخرجه النسائي فيه عن
عمرو بن عثمان بطوله وهو أتم الروايات وعن إسحاق بن إبراهيم عن الوليد به مختصراً.
وأخرجه الترمذي عن محمد بن أبان عن إبراهيم بن صدقة عن سفيان بن حسين عن الزهري
عن عروة ((عن عائشة: أن النبي، عَُّلّهِ، صلى صلاة الكسوف وجهر بالقراءة فيها)). قال: هذا
حديث حسن صحيح، واحتج بهذا الحديث مالك وأحمد وإسحاق في أن صلاة الكسوف
يجهر فيها بالقراءة، حكى الترمذي ذلك عنهم، ثم حكى عن الشافعي مثل ذلك. وقال النووي
في (شرح مسلم): إن مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة والليث بن سعد وجمهور الفقهاء
أنه: يسر في كسوف الشمس ويجهر في خسوف القمر، قال: وقال أبو يوسف ومحمد بن
الحسن وأحمد وإسحاق: يجهر فيهما وحكى الرافعي عن الصيدلاني أن مثله يروى عن أبي
حنيفة، وقال محمد بن جرير الطبري: الجهر والإسرار سواء، وما حكاه النووي عن مالك هو
المشهور عنه بخلاف ما حكاه الترمذي، فقد حكي عن مالك الإسرار، كقول الشافعي ابن
المنذر في (الأشراف) وابن عبد البر في (الاستذكار). وقال أبو عبد الله المازري أن ما حكاه
الترمذي عن مالك من الجهر بالقراءة رواية شاذة ما وقفت عليها في غير كتابه. قال: وذكرها
ابن شعبان عن الواقدي عن مالك، وقال القاضي عياض في (الإكمال) والقرطبي في
(المفهم): أن معن بن عيسى والواقدي رويا عن مالك الجهر، قالا: ومشهور قول مالك
الإسرار فيها، وقال ابن العربي: روى المصريون أنه يسر، وروى المدنيون: أنه يجهر، قال:
والجهر عندي أولى.
فإن قلت: الحديث المذكور لا يدل على أن الخسوف للشمس، ولذلك لم ير
بالجهر حمله على كسوف القمر. قلت: قد روى الإسماعيلي هذا الحديث من وجه آخر عن
الوليد بلفظ: ((كسفت الشمس في عهد رسول الله عَ لّه))، فذكر الحديث، وروى إسحاق بن
راهويه أيضاً عن الوليد بن مسلم بإسناده إلى عائشة، رضي الله تعالى عنها: ((أن النبي عَ لَّه.
صلى بهم في كسوف الشمس وجهر بالقراءة)، وقد احتج من قال: إنه يسر بالقراءة فيها
بحديث سمرة بن جندب، قال: ((صلى بنا النبي عَّهِ في كسوف الشمس لا نسمع له
صوتاً))، رواه الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه، والطحاوي: أخرجه من أربع طرق
صحاح، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، واحتجوا أيضاً بحديث ابن عباس قال:
(ما سمعت من النبي عَّله في صلاة الكسوف حرفاً))، رواه الطحاوي والبيهقي، وأجاب من
قال بالجهر بأنه، يجوز أن يكون ابن عباس وسمرة لم يسمعا من النبي عَ له في صلاته تلك
حرفاً، والحال أنه معَِّ قد جهر فيهما، ولكنهما لم يسمعا ذلك لبعدهما عن النبي عَ له.

١٣٣
١٦ - كِتَابُ الكُشْوفِ / باب (١٩)
فحكيا على ما شاهداه من ذلك، فإذا كان كذلك فهذا لا ينافي جهره عَ لَّهِ بالقراءة فيهما،
وكيف وقد ثبت الجهر عنه عَ لّ فيهما.
فإن قلت: روى الشافعي ((عن ابن عباس أنه قال: قمت إلى جنب النبي، عَّه، في
خسوف الشمس فما سمعت منه حرفاً). قلت: روى البيهقي هذا من ثلاث طرق كلها
ضعيفة فرواه من رواية ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عكرمة ((عن ابن عباس، قال:
صليت مع النبي ◌َّغم صلاة الكسوف فلم أسمع منه حرفاً)، ورواه من رواية الواقدي عن عبد
الحميد بن جعفر عن يزيد بن أبي حبيب، فذكر نحوه، قال: وبمعناه رواه الحكم بن أبان عن
عكرمة، ثم قال: وابن لهيعة، وإن كان غير محتج به في الرواية، وكذلك الواقدي والحكم بن
أبان، فهم عدد. قال: وإنما روي الجهر عن الزهري فقط، وهو وإن كان حافظاً فيشبه أن
يكون العدد أولى بالحفظ من الواحد. قلت: ليس في الطرق التي ذكرها البيهقي أن ابن
عباس قال أنه كان إلى جنب النبي، عَّه، ولم يصح ذلك عن ابن عباس، ولو صح يحمل
علی فعله في وقت دون وقت، وروايات الجهر أصح.
١٠٦٦ - وقال الأوْزَاعِيُّ وغَيْرُهُ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ عنْ عُزْوَةَ عنْ عائِشَةَ رضي الله
تعالى عنها أنَّ الشَّمْسَ خسفَتْ عَلَى عَهْدِ رسولِ اللهِ عَّ ◌ُلِّ فِبَعَثَ مُنَادِياً بِالصَّلاَةِ جامِعَةٌ فَتَقَدَّمَ
فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ. [أنظر الحديث ١٠٤٤ وأطرافه].
قال الكرماني: ((وقال الأوزاعي))، عطف على: حدثنا ابن نمر، لأنه مقول الوليد. قلت:
لأنه يشير بذلك إلى أنه موصول، وقد وصله مسلم: حدثنا محمد بن مهران الرازي، قال:
حدثنا الوليد بن مسلم قال: قال الأوزاعي بن عمرو وغيره: سمعت ابن شهاب الزهري يخبر
عن عروة ((عن عائشة: أن الشمس خسفت على عهد رسول الله عَّ له، فبعث منادياً ينادي:
الصلاة جامعة، فاجتمعوا وتقدم فكبر وصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات)). قوله:
((وأربع سجدات)) بالنصب على ((أربع ركعات)) قيل: لا يستدل برواية عبد الرحمن بن نمر في
الجهر لأنه ضعيف، وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي - وإن كان تابعه - فإنه لم يذكر في
روايته الجهر. وأجيب: بأن من ذكر حجة على من لم يذكره، ولا سيما الذي لم يذكره
يتعرض لنفيه، وقد ثبت الجهر في رواية الأوزاعي عند أبي داود، قال: حدثنا العباس بن الوليد
ابن مزيد أخبرني أبي أخبرنا الأوزاعي أخبرني الزهري أخبرني عروة بن الزبير ((عن عائشة: أن
رسول الله عَّل قرأ قراءة طويلة، فجهر بها)) يعني في صلاة الكسوف.
قال الوَلِيدُ وأخبرني عَبْدُ الرَّحْمُنِ بنُ ثَرِ سَمِعَ ابنَ شِهَابٍ مِثْلَهُ
أعاد البخاري الإسناد المذكور إلى الوليد بن مسلم، وأدخل الواو فيه ليعطف على ما
سبق منه، كأنه قال، الوليد: أخبرني عبد الرحمن بن نمر كذا، وأخبرني أنه سمع محمد بن
مسلم بن شهاب الزهري مثله، أي: مثل الحديث الأول.
قال الزُّهْرِيُّ فَقُلْتُ ما صَنَعَ أخُوكَ ذُلِكَ عَبْدُ اللهِ بنُ الزُّبَيْرِ ما صَلَّى إِلاَّ رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ

١٣٤
١٦ - كِتَابُ الكُشُوفِ / باب (١٩)
الصُّبْحِ إِذْ صَلَّى بِالمَدِينَةِ قال أجَلْ إِنَّهُ أخطأ السُنَّةَ
أي: قال الزهري، وهو يخاطب عروة بن الزبير: ما صنع أخوك ذلك، وأشار به إلى ما
فعله أخوه في صلاة الكسوف حيث صلى ركعتين مثل صلاة الصبح بلا تكرار الركوع، وقد
مر هذا مستقصىّ في: باب خطبة الإمام في الكسوف.
قوله: ((عبد الله بن الزبير)) بالرفع عطف بيان لقوله: ((أخوك))، وهو مرفوع لأنه فاعل:
((صنع). قوله: ((إذا صلى)) أي: حين صلى عبد الله بالمدينة النبوية بركعتين مثل الصبح.
قوله: ((قال: أجل)) أي: قال عروة: نعم إنه صلى كذا، لكنه أخطأ السنة. وفي رواية
الكشميهني: ((من أجل أنه أخطأ السنة))، فعلى هذه الرواية بفتح همزة أنه للإضافة، وعلى
رواية غيره بكسر الهمزة، لأنه ابتداء كلام.
تابَعَهُ سُفْيَانُ بنُ حُسَيْنٍ وسُلَيْمَانُ بنُ كَثِيرٍ عنِ الزّهْرِيِّ فِي الجَهْرِ
أي: تابع عبد الرحمن بن نمر في روايته عن الزهري سليمان بن كثير - ضد قليل -
العبدي، بالباء الموحدة. وأخرج هذه المتابعة موصولة أحمد عن عبد الصمد بن عبد الوارث
عنه بلفظ: ((خسفت الشمس على عهد النبي عَّةٍ، فأتى النبي عَّهِ فكبر فكبر الناس ثم قرأ
فجهر بالقراءة))، الحديث. قوله: ((وسفيان)) بالرفع عطفاً على سليمان، أي: تابع عبد الرحمن
ابن نمر أيضاً سفيان بن حبيبين عن الزهري، وقد انفرد الواسطي في روايته عن الزهري، وأخرج
هذه المتابعة موصولة الترمذي: حدثنا أبو بكر محمد بن أبان حدثنا إبراهيم بن صدقة عن
سفيان بن حسين عن الزهري عن عروة ((عن عائشة: أن النبي عَ لّه صلى صلاة الكسوف
وجهر بالقراءة فيها)). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وقال شيخنا زين الدين:
حديث عائشة له طرق، ولكن الذي ذكر فيه الجهر بالقراءة ثلاث طرق: رواية سفيان بن
حسين عن الزهري، وقد انفرد الترمذي بوصلها وذكرها البخاري تعليقاً، ورواية عبد الرحمن
بن نمر عن الزهري، وقد اتفق على إخراجها البخاري ومسلم، ورواية الأوزاعي عن الزهري
وقد انفرد بها أبو دود.
قلت: له طرق أربعة أخرجها الطحاوي: عن عقيل بن خالد الأيلي قال: حدثنا ابن أبي
داود، قال: حدثنا عمرو بن خالد، قال: حدثنا ابن لهيعة عن عقيل بن شهاب عن عروة ((عن
عائشة: أن رسول الله عَّلِ جهر بالقراءة في كسوف الشمس))، وله طريق خامسة أخرجها
الدارقطني عن إسحاق بن راشد عن الزهري، وهذه طرق متعاضدة يحصل بها الجزم في
ذلك، فحينئذ لا يلتفت إلى تعليل من أهله بسفيان بن حسين وغيره، فلو لم تكن في ذلك
إلّ رواية الأوزاعي لكانت كافية، وقد روي الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف عن علي بن
أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، رواه الطحاوي: حدثنا علي بن شيبة حدثنا قبيصة، قال:
حدثنا سفيان عن الشيباني عن الحكم ((عن حنش: أن علياً، رضي الله تعالى عنه، جهر
بالقراءة في كسوف الشمس)). وأخرجه ابن خزيمة أيضاً، وقال الطحاوي: وقد صلى علي،

١٣٥
١٦ - كِتَابُ الكُشُوفِ / باب (١٩)
رضي الله تعالى عنه، فيما رويناه عن فهد بن سليمان عن أبي نعيم الفضل بن دكين عن زهير
عن الحسن بن الحر، قال: ((وحدثنا الحكم عن رجل يدعى حنشاً عن علي، رضي الله تعالى
عنه، أنه صلى بالناس في كسوف الشمس كذلك، ثم حدثهم أن النبي عَِّ كذلك فعل))،
ولو لم يجهر النبي، عَ له، حين صلى علي معه لما جهر علي أيضاً، لأنه علم أنه السنة فلم
يترك الجهر، والله أعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم
١٧ - كتابُ سُجُودِ القُرْآن
١ - أبْوَابُ سُجُودُ القُرآن
أي: هذه أبواب في سجود القرآن، هكذا وقع في رواية المستملي، وفي رواية غيره:
(باب ما جاء في سجود القرآن وسنتها)) أي: سنة سجدة التلاوة، ووقع للأصيلي: ((وسنته))،
بتذكير الضمير أي: سنة السجود، وليس في رواية أبي ذر ذكر البسملة.
١٠٦٧/١٠٢ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قال حدَّثنا غُنْدُرٌ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ أبي
إِسْحَاقَ قال سَمِعْتُ الأسودَ عنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله تعالى عنهُ قال قَرَّأ النبيُّ عَ لَّهِ النَّجْمَ بِمَكّةً
سْجَدَ فِيهَا وسَجَدَ مَنْ مَعَهُ غَيْرُ شَيْخِ أخَذَ كَفَّاً منْ حَصّى أَوْ تُرَابٍ فَرَفَعَهُ إِلى جَبْهَتِهِ وقال
يَكْفِيني لهذا فَرَأْتِتُهُ بَعْدَ ذُلِكَ قُتِلَ كَافِراً. [الحديث ١٠٦٧ - أطرافه في: ١٠٧٠، ٣٨٥٣،
٣٩٧٢، ٤٨٦٣].
مطابقته للترجمة من حيث إن الترجمة فيما جاء في سجود القرآن وهذه السورة أعني -
سورة النجم - مما جاءت فيها السجدة.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: محمد بن بشار، بفتح الباء الموحدة وتشديد الشين
المعجمة: الملقب ببندار البصري وقد تكرر ذكره. الثاني: غندر، بضم الغين المعجمة
وسكون النون وفتح الدال المهملة على الأصح وبالراء: وهو لقب محمد ابن جعفر، مر في:
باب ظلم دون ظلم. الثالث: شعبة بن الحجاج. الرابع: أبو إسحاق السبيعي، واسمه: عمرو
ابن عبد الله الكوفي. الخامس: الأسود بن زيد النخعي. السادس: عبد الله بن مسعود.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في
موضعين. وفيه: السماع. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن شيخه بصري وغندر بصري
أيضاً وشعبة واسطي وأبو إسحاق والأسود كوفيان. وفيه: غندر مذكور بلقبه، وأبو إسحاق
بكنيته، وشعبة والأسود مذكوران بغير نسبة، وكذلك عبد الله. وفيه: من يروي عن زوج أمه
وهو: غندر، لأنه ابن امرأة شعبة.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في هذا الباب عن حفص
ابن عمر الحوضي، وفي مبعث النبي عَّهِ عن سليمان بن حرب، وفي المغازي عن عبد الله
عن أبيه، وفي التفسير عن نصر بن علي، وأخرجه مسلم في الصلاة عن محمد بن المثنى
وبندار، كلاهما عن غندر به. وأخرجه أبو داود فيه عن الحوضي به. وأخرجه النسائي فيه
وفي التفسير عن إسماعيل بن مسعود عن خالد عن شعبة به مختصراً قرأ النجم فسجد فيها.
ذكر معناه: قوله: ((قرأ النجم) أي: سورة والنجم. قوله: ((بمكة)) أي: في مكة،
ومحلها النصب على الحال. قوله: ((وسجد من معه)) أي: مع النبي عَّه، وكلمة: من،
١٣٦

:
١٣٧
١٧ - كتابُ سُجُودِ القُرْآن / باب (١)
موصولة بمعنى: الذي. قوله: ((غير شيخ)) سماه في تفسير سورة النجم من طريق إسرائيل عن
أبي إسحاق بن أمية بن خلف، ووقع في سير ابن إسحاق أنه الوليد بن المغيرة، وفيه نظر،
لأنه لم يقتل، وقيل: عتبة بن ربيعة، وقيل: أبو أحيحة سعيد بن العاص، وفي النسائي: ((عن
المطلب بن أبي وداعة قال: رأيت النبي معَّهِ سجد في النجم وسجد الناس معه، قال
المطلب فلم أسجد معهم وهو يومئذ مشرك))، وفي لفظ: ((فأبيت أن أسجد معهم، ولم يكن
يومئذ أسلم، فلما أسلم قال: لا أدع السجود فيها أبداً». وقال ابن بزيزة: كان منافقاً، وفيه
نظر، لأن السورة مكية وإنما المنافقون في المدينة، وفي (المصنف) بسند صحيح ((عن أبي
هريرة، قال: سجد النبي عَّةِ والمسلمون في النجم إلاّ رجلين من قريش، أراد بذلك
الشهرة)). قوله: ((فرأيته)) الرائي هو عبد الله بن مسعود، أي: رأيت الشيخ المذكور ((بعد ذلك
قتل كافراً) ببدر، ويروى: ((فرأيته بعدُ قتل كافراً) بضم الدال، أي: بعد ذلك.
ذكر ما يتعلق بحكم هذا الباب: وهو على وجوه: الأول: في أن سبب وجوب
سجدة التلاوة، التلاوة في حق التالي والسماع في حق السامع، وقال بعض أصحابنا: لا
خلاف في كون التلاوة سبباً، وإنما الاختلاف في سببية السماع، فقال بعضهم: هو سبب
لقولهم السجدة على من سمعها، وهو اختيار شيخ الإسلام خواهر زاده، وقال بعضهم: ليس
السماع بسبب، وقال الوبري: سبب وجوب سجدة التلاوة ثلاثة: التلاوة والسماع والاقتداء
بالإمام وإن لم يسمعها ولم يقرأها، وللشافعية ثلاثة أوجه: الأول: أنه في حق السامع من غير
قصد يستحب، وهو الصحيح المنصوص في البويطي وغيره، ولا يتأكد في حقه. الوجه
الثاني: هو كالمستمع. والثالث: لا يسن له، وبه قطع أبو حامد والبندنيجي.
الثاني: أن سجدة التلاوة أسنة أم واجبة؟ فذهب أبو حنيفة إلى وجوبها على التالي
والسامع، سواء قصد سماع القرآن، أو لم يقصد، واستدل صاحب (الهداية) على الوجوب
بقوله عَّ له: ((السجدة على من سمعها، السجدة على من تلاها)). ثم قال كلمة: على،
للإيجاب، والحديث غير مقيد بالقصد. قلت: هذا غريب بم يثبت، وإنما روى ابن أبي شيبة
في (مصنفه) ((عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، أنه قال: السجدة على من سمعها)). وفي
البخاري ((قال عثمان: إنما السجود على من استمع)). واستدل أيضاً بالآيات: ﴿فما لهم لا
يؤمنون وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون﴾ [الانشقاق: ٢١،٢٠]. ﴿فاسجدوا لله
واعبدوا﴾ [النجم: ٦٢]. ﴿واسجد واقترب﴾ [العلق: ١٩]. وقالوا: الذم لا يتعلق إلاّ بترك
واجب، والأمر في الآيتين للوجوب، وروى بن أبي شيبة ((عن حفص عن حجاج عن إبراهيم
ونافع وسعيد ابن جبير: أنهم قالوا: من سمع السجدة فعليه أن يسجد)). وعن إبراهيم بسند
صحيح: ((إذا سمع الرجل السجدة وهو يصلي فليسجد))، وعن الشعبي: ((كان أصحاب عبد
الله إذا سمعوا السجدة سجدوا، في صلاة كانوا أو غيرها)). وقال شعبة: ((سألت حماداً عن
الرجل يصلي فيسمع السجدة؟ قال: يسجد)). وقال الحكم مثل ذلك، وحدثنا هشيم: أخبرنا
مغيرة عن إبراهيم أنه كان يقول في الجنب: ((إذا سمع السجدة يغتسل، ثم يقرؤها فيسجدها،

١٣٨
١٧ - كتابُ سُجُودِ القُرْآن / باب (١)
فإن كان لا يحسنها قرأ غيرها ثم يسجد)). وحدثنا حفص ((عن حجاج عن فضيل عن إبراهيم
وعن حماد وسعيد بن جبير قالوا: إذا سمع الجنب السجدة اغتسل ثم سجد)). وحدثنا عبيد
الله بن موسى عن أبان العطار عن قتادة عن سعيد بن المسيب ((عن عثمان في الحائض تسمع
السجدة؟ قال: تومىء برأسها، وتقول: اللهم لك سجدت)). ((وعن الحسن في رجل نسي
السجدة من أول صلاته فلم يذكرها حتى كان في آخر ركعة من صلاته، قال: يسجد فيها
ثلاث سجدات، فإن لم يذكرها حتى يقضي صلاته غير أنه لم يسلم معه، قال: يسجد
سجدة واحدة ما لم يتكلم، فإن تكلم استأنف الصلاة)). وعن إبراهيم: ((إذا نسي السجدة
فليسجدها متى ما ذكرها في صلاته))، وسئل مجاهد في رجل شك في سجدة وهو جالس
لا يدري سجدها أم لا؟ قال مجاهد: إن شئت فاسجدها، فإذا قضيت صلاتك فاسجد
سجدتين وأنت جالس، وإن شئت فلا تسجدها واسجد سجدتين وأنت جالس في آخر
صلاتك)). وذهب الشافعي ومالك في أحد قوليه وأحمد وإسحاق والأوزاعي وداود إلى: أنها
سنة، وهو قول عمر وسلمان وابن عباس وعمران بن الحصين، وبه قال الليث وداود. وفي
(التوضيح): وعند المالكية خلاف في كونها سنة أو فضيلة، واحتجوا بحديث عمر، رضي
الله تعالى عنه، الآتي: ((إن الله لم يكتب علينا السجود إلاّ أن نشاء))، وهذا ينفي الوجوب.
قالوا: قال عمر هذا القول والصحابة حاضرون، والإجماع السكوتي حجة عندهم، واحتجوا
أيضاً بحديث زيد بن ثابت الآتي، ((قال: قرىء على النبي عَّه والنجم فلم يسجد فيها)).
وبحديث الأعرابي: ((هل علي غيرها؟ قال: لا، إلاّ أن تطوع)). أخرجه البخاري ومسلم،
وبحديث سلمان، رضي الله تعالى عنه؛ ((أنه دخل المسجد وفيه قوم يقرأون فقرأوا السجدة،
فسجدوا فقال له صاحبه: يا أبا عبد الله لولا أتينا هؤلاء القوم؟ فقال ما لهذا غدونا)). رواه ابن
أبي شيبة.
واستدلوا بالمعقول من وجوه: الأول: أنها لو كانت واجبة لما جازت بالركوع
كالصلبية. الثاني: أنها لو كانت واجبة لما تداخلت. الثالث: لما أديت بالإيماء من راكب
يقدر على النزول. الرابع: أنها تجوز على الراحلة، فصار كالتأمين. الخامس: لو كانت واجبة
لبطلت الصلاة بتركها كالصلبية.
الجواب عن حديث زيد بن ثابت أن معناه: أنه لم يسجد على الفور، ولا يلزم منه أنه
ليس في النجم سجدة، ولا فيه نفي الوجوب. وعن حديث الأعرابي: أنه في الفرائض،
ونحن لم نقل: إن سجدة التلاوة فرض، وما روي عن سلمان وعمر، رضي الله تعالى عنهما،
فموقوف وهو ليس بحجة عندهم.
والجواب: عن دليلهم العقلي. أما عن الأول: فلأن أداءها في ضمن شيء لا ينافي
وجوبها في نفسها، كالسعي إلى الجمعة يتأدى بالسعي إلى التجارة. وعن الثاني: إنما جاز
التداخل لأن المقصود منها إظهار الخضوع والخشوع، وذلك يحصل بمرة واحدة. وعن
الثالث: لأنه أداها كما وجبت، فإن تلاوتها على الدابة مشروعة فكان كالشروع على الدابة

١٣٩
١٧ - كتابُ سُجُودِ القُرْآن / باب (١)
في التطوع. وعن الرابع: كانت تلاوتها مشروعة على الراحلة فلا ينافي الوجوب. وعن
الخامس: أن القياس على الصلبية فاسد، لأنها جزء الصلاة، وسجدة التلاوة ليست بجزء
الصلاة.
الثالث: في أنهم اختلفوا في عدد سجود القرآن على اثني عشر قولاً: الأول: مذهبنا
أنها: أربع عشرة سجدة: في آخر الأعراف، والرعد، والنحل، وبني إسرائيل، ومريم، والأولى
في الحج، والفرقان، والنمل، وآلم تنزيل، وص، وحم السجدة، والنجم، وإذا السماء انشقت،
واقرأ باسم ربك. الثاني: إحدى عشرة، بإسقاط الثلاث من المفصل، وبه قال الحسن وابن
المسيب وابن جبير وعكرمة ومجاهد وعطاء وطاوس ومالك في ظاهر الرواية، والشافعي في
القديم، وروي عن ابن عباس وابن عمر، رضي الله تعالى عنهم. الثالث: خمس عشرة، وبه
قال المدنيون عن مالك، فكملتها: ثانية الحج، وهو مذهب عمر وابنه عبد الله والليث
وإسحاق وابن المنذر، ورواية عن أحمد، واختاره المروزي وابن شريح الشافعيان. الرابع: أربع
عشرة، بإسقاط ص وهو أصح قولي الشافعي وأحمد. الخامس: أربع عشرة بإسقاط سجدة
النجم، وهو قول أبي ثور. السادس: ثنتا عشرة، بإسقاط: ثانية الحج، وص، والانشقاق، وهو
قول مسروق، رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عنه. السابع: ثلاث عشرة، بإسقاط ثانية
الحج والإنشقاق، وهو قول عطاء الخراساني. الثامن: أن عزائم السجود خمس: الأعراف،
وبنو إسرائيل، والنجم، والإنشقاق، واقرأ باسم ربك، وهو قول ابن مسعود رواه ابن أبي شيبة
عن هشيم عن مغيرة عن إبراهيم عنه. التاسع: عزائمه أربع: آلم تنزيل، وحم تنزيل، والنجم،
واقرأ باسم ربك، وهو مروي عن علي، رضي الله تعالى عنه، رواه ابن أبي شيبة عن عفان عن
حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن عبد الله بن عباس عنه. العاشر:
ثلاث، قاله سعيد بن جبير، وهي: آلم تنزيل، وحم تنزيل، والنجم، واقرأ باسم ربك، رواه ابن
أبي شيبة عن داود يعني ابن أبي إياس عن جعفر عنه. الحادي عشر: عزائم السجود: آلم
تنزيل، والأعراف، وحم تنزيل، وبنو إسرائيل، وهو مذهب عبد بن عمير. الثاني عشر: عشر
سجدات، قالته جماعة.
قال ابن أبي شيبة: حدثنا أسامة حدثنا ثابت بن عمارة عن أبي تميمة الهجيمي أن
أشياخاً من الهجيم بعثوا رسولاً لهم إلى المدينة وإلى مكة يسأل لهم عن سجود القرآن،
فأخبرهم أنهم أجمعوا على عشر سجدات، وذهب ابن حزم إلى أنها تسجد للقبلة ولغير القبلة،
وعلى طهارة وعلى غير طهارة، قال: وثانية الحج لا نقول بها أصلاً في الصلاة، وتبطل
الصلاة بها، يعني: إذا سجدت. قال لأنها لم تصح بها سنة عن رسول الله عَّه ولا أجمع
عليها، وإنما جاء فيها أثر مرسل. قلت: الظاهر أنه غفل وذهل، بل فيها حديث صحيح رواه
الحاكم، ((عن عمرو بن العاص: أن رسول الله عَّ له أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن
العظيم، منها ثلاثة في المفصل. الرابع: السجدة في آخر الأعراف: ﴿إن الذين عند ربك لا
يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون﴾ [الأعراف: ٢٠٦]. وفي الرعد عند: ﴿ولله

١٤٠
١٧ - كتابُ سُجُودِ القُرْآن / باب (٢)
يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدو والآصال﴾ [الرعد: ١٥].
وفي النحل عند قوله: ﴿ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم
لا يستكبرون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ [النحل: ٤٩]. وفي بني إسرائيل
عند قوله: ﴿ويخرون للأذقان بيكون ويزيدهم خشوعاً﴾ [الإسراء: ١٠٩]. وفي مريم عند قوله:
﴿إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكيا﴾ [مريم: ٥٨]. وفي الأولى في الحج عند
قوله: ﴿ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض﴾ إلى قوله: ﴿إن الله يفعل
ما يشاء﴾ [الحج: ٨٠]. وفي الفرقان عند قوله: ﴿وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن﴾ إلى قوله:
﴿نفوراً﴾ [الفرقان: ٦٠]. وفي النمل عند قوله: ﴿ويعلم ما تخفون وما تعلنون﴾ [النمل:
٢٥]. وقال الشافعي ومالك عند قوله: ﴿رب العرش العظيم﴾ [النمل: ٢٦]. وفي آلم تنزيل
عند قوله: ﴿إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا﴾ إلى ﴿لا يستكبرون﴾ [السجدة: ١٥]. وفي
ص عند قوله: ﴿فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب﴾ [ص: ٢٤]. وبه قال الشافعي ومالك، وروى
عن مالك عند قوله: ﴿وحسن مآب﴾ [ص: ٢٥]. وفي حم السجدة عند قوله: ﴿فإن
استكبروا فالذين عند ربك﴾ إلى ﴿وهم لا يسأمون﴾ [فصلت: ٣٨]. وبه قال الشافعي في
الجديد، وأحمد، وقال في القديم عند قوله: ﴿إن كنتم إياه تعبدون﴾ [فصلت: ٣٧]. وبه قال
مالك. وفي النجم عند قوله: ﴿فاسجدوا الله﴾ [النجم: ٦٢]. وفي ﴿إذا السماء انشقت﴾
[الانشقاق: ١]. عند قوله: ﴿فما لهم لا يؤمنون وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون﴾
[الانشقاق: ٢١]. وعند ابن حبيب المالكي في آخر السورة وفي: ﴿اقرأ باسم ربك﴾ [العلق:
١]. عند قوله: ﴿واسجد واقترب﴾ [العلق: ١٩]. وفي مختصر البحر لو قرأ: ﴿واسجد﴾
[العلق: ١٩]. وسكت، ولم يقل: ﴿واقترب﴾ [العلق: ١٩]. تلزمه السجدة.
٢ - بابُ سَجْدَةِ تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ
أي: هذا باب في بيان سجدة ألم تنزيل السجدة.
١٠٦٨/١٠٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قال حدَّثنا سُفْيَانُ عنْ سَعْدِ بنِ إِبْرَاهِيمَ
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ قال كانَ النبيُّ عَلَّهِ يَقْرَأُ فِي الجُمُعَةِ
فِي صَلاَةِ الفَجْرِ الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةُ وَهَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ. [أنظر الحديث ٨٩١].
مطابقته للترجمة غير ظاهرة لأن الحديث يدل على أنه عَّلم يقرأ في صلاة الفجر في
يوم الجمعة هاتين السورتين، ولكن لا يفهم منه أنه كان يسجد فيها أو لا، مع أنه ذكر هذا
الحديث في: باب ما يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة، ورواه عن أبي نعيم عن سفيان إلى
آخره نحوه، وسفيان هو الثوري وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وقد مضى الكلام فيه هناك
مستوفىّ.
قوله: ((ألم تنزيل السجدة)) وفي رواية الإسماعيلي ﴿ألم تنزيل﴾ و﴿هل أتاك﴾، وقال
زاد الحسن حديث الغاشية، وقال: لم يذكر السجدة.