Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ ١٤ - كتابُ الوَثْرِ / باب (٦) الفريضة نزل فصلى)). وأخرجه أحمد في (مسنده) من حديث سعيد بن جبير ((أن ابن عمر كان يصلي على راحلته تطوعاً، فإذا أراد أن يوتر نزل فأوتر على الأرض)). وحديث حنظلة بن أبي سفيان يدل على شيئين: أحدهما فعل ابن عمر أنه كان يوتر بالأرض، والآخر أنه روى عن النبي عَ لِّ أنه كان يفعل كذلك، وحديث الباب كذلك يدل على الشيئين المذكورين فلا يتم الاستدلال للطائفتين بهذين الحديثين غير أن لأهل المقالة الثانية أن يقولوا: إن ابن عمر يحتمل أنه كان لا يرى بوجوب الوتر، وكان الوتر عنده كسائر التطوعات، فيجوز فعله على الدابة وعلى الأرض، لأن صلاته إياه على الأرض لا ينفي أن يكون له أن يصلي على الراحلة. وأما إيتاره، عَّ له، على الراحلة فيجوز أن يكون ذلك قبل أن يغلظ أمر الوتر ثم أحكم من بعد ولم يرخص في تركه، فالتحق بالواجبات في هذا الأمر بالأحاديث التي ذكرناها عن جماعة من الصحابة في الباب السابق، ووجه النظر والقياس أيضاً يقتضي عدم جوازه على الراحلة، بيان ذلك أن الأصل المتفق عدم جواز صلاة الرجل وتره على الأرض قاعداً، وهو يقدر على القيام، فالنظر على ذلك أن لا يصليه في السفر على راحلته وهو يطيق النزول. قال الطحاوي: فمن هذه الجهة عندي ثبت نسخ الوتر على الراحلة. فإن قلت: ما حقيقة النسخ في ذلك وما وجهه؟ قلت: وجه ذلك أن يكون بدلالة التاريخ، وهو أن يكون أحد النصين موجباً للمنع والآخر موجباً للإباحة، فإن التعارض بين الحديثين المذكورين ظاهر، ثم ينتفي ذلك بدلالة التاريخ، وهو أن يكون النص الموجب للمنع متأخراً عن الموجب للإباحة، فكان الأخذ به أولى وأحق. فإن قلت: كيف يكون النسخ بما ذكرت وقد صح عن ابن عمر أنه كان يوتر على راحلته بعد النبي، عَّه، ويقول: كان رسول الله، عَّه، يفعل ذلك؟ قلت: قد قلنا: إنه كان يجوز أن يكون الوتر عنده كالتطوع، فحينئذ يكون له الخيار في الصلاة على الراحلة وعلى الأرض كما في التطوع، على أن مجاهداً قد روى عنه أنه كان ينزل للوتر، على ما ذكرنا، فعلى هذا يجوز أن يكون ما فعله من وتره على الراحلة قبل علمه بالنسخ، ثم لما علمه رجع إليه وترك الوتر على الراحلة، وبهذا التقرير الذي ذكرناه بطل ما قاله ابن بطال: هذا الحديث - أي: حديث الباب - حجة على أبي حنيفة في إيجابه الوتر، لأنه لا خلاف أنه لا يجوز أن يصلي الواجب راكباً في غير حال العذر، ولو كان الوتر واجباً ما صلاه راكباً، وكذلك بطل ما قاله الكرماني. فإن قيل: روى مجاهد أن ابن عمر نزل فأوتر قلنا: نزل طلباً للأفضل، لا أن ذلك كان واجباً، وبطل أيضاً ما قاله بعضهم: إن هذا الحديث يدل على كون الوتر نفلاً، فيا للعجب من هؤلاء كيف تركوا الأحاديث الدالة على وجوب الوتر، وتركوا الإنصاف، وسلكوا طريق التعسف لترويج ما ذهبوا إليه من غير برهان قاطع. ٦ - بابُ الوِثْرِ فِي السَّفَرِ أي: هذا باب في بيان حكم الوتر في السفر، قيل: إنه أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من قال: إن الوتر لا يسن في السفر. وقال ابن بطال: الوتر سنة مؤكدة في السفر ٢٢ ١٤ - كتابُ الوَتْرِ / باب (٦) والحضر، وهذا رد على الضحاك فيما قال: إن المسافر لا وتر عليه. ١٠٠٠/٤٥ - حدَّثنا مُوسى بنُ إِسْمَاعِيلَ قال حدَّثنا بجوَيْرَةُ بنُ أسمَاءٍ عنِ ابنِ عُمَرَ قالِ كان النبيُّ عَّلِ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ يُومِىءُ إِيمَاءً صَلاَةَ اللَّيْل إلاَّ الفَرَائِضَ ويُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ. [أنظر الحديث ٩٩٩ وأطرافه]. مطابقته للترجمة في قوله: ((ويوتر على راحلته)). ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: موسى بن إسماعيل أبو سلمة المنقري التبوذكي. الثاني: جويرية - تصغير جارية بالجيم - ابن أسماء، بفتح الهمزة وبالمد على وزن: حمراء، مر في كتاب الغسل في: باب الجنب يتوضأ. الثالث: نافع مولى ابن عمر. الرابع: عبد الله ابن عمر بن الخطاب. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن شيخه بصري وشيخ شيخه أيضاً والثالث مدني، وهو من الرباعيات، وهو من أفراد البخاري. ذكر معناه: قوله: ((على راحلته)) الراحلة: الناقة التي تصلح لأن ترحل، وكذلك الرحول، ويقال: الراحلة المركب من الإبل ذكراً كان أو أنثى، قاله الجوهري. وقال ابن الأثير: الراحلة من الإبل: البعير القوي على الأسفار والأحمال، والذكر والأنثى فيه سواء، والهاء فيها للمبالغة، وهي التي يختارها الرجل لمركبه ورحله على النجابة وتمام الخلق وحسن المنظر، فإذا كانت في جماعة الإبل عرفت. قوله: ((يومىء)) جملة فعلية مضارعية وقعت حالاً، ((وإيماءً)) منصوب على المصدرية. قوله: ((صلاة الليل)) منصوب لأنه مفعول لقوله: ((يصلي)) قوله: ((إلاّ الفرائض)) استثناء منقطع أي: لكن الفرائض لم تكن تصلى على الراحلة، ولا يجوز أن يكون الاستثناء متصلاً لأنه ليس المراد استثناء فريضة الليل فقط، إذ لا تصلى فريضة أصلاً على الراحلة ليلية أو نهارية. قوله: ((ويوتر)) عطف على قوله: ((يصلي))، أراد أنه بعد فراغه من صلاة الليل يوتر على راحلته. ذکر ما يستفاد منه: وهو على وجوه: الأول: احتج به قوم على جواز صلاة الوتر على الراحلة في السفر، ومنعه آخرون، وقد مر الكلام فيه مستقصى في الباب السابق. الثاني: تجوز صلاة النفل على الراحلة بالإيماء في السفر حيث توجهت به دابته، وفي (التلويح): واختلفوا في الصلاة على الدابة في السفر الذي لا تقصر في مثله الصلاة، فقال جماعة: يصلي في قصير السفر وطويله، وعن مالك: لا يصلي أحد على دابته في سفر لا تقصر في مثله الصلاة. وقال القدوري: ومن كان خارج المصر يتنفل على دابته. وقال صاحب (الهداية): والتقييد بخارج المصر ينفي اشتراط السفر، لأنه أعم من أن يكون سفراً أو غير سفر، وروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف أن جواز التطوع على الدابة، للمسافر خاصة، ٢٣ ١٤ - كتابُ الوَثْرِ / باب (٧) والصحيح أن المسافر وغيره سواء بعد أن يكون خارج المصر، واختلفوا في مقدار البعد عن المصر، والمذكور في الأصل مقدار فرسخين أو ثلاثة، وقدر بعضهم بالميل ومنع الجواز في أقل منه، وعند الشافعي: يجوز في طويل السفر وقصيره. الثالث: لا تجوز صلاة الفرض على الدابة بلا ضرورة، وفي (خلاصة الفتاوي): أما صلاة الفرض على الدابة بالعذر فجائزة، ومن الأعذار: المطر، عن محمد: إذا كان الرجل في السفر فأمطرت السماء فلم يجد مكاناً يابساً ينزل للصلاة فإنه يقف على الدابة مستقبل القبلة ويصلي بالإيماء إذا أمكنه إيقاف الدابة، فإن لم يمكنه يصلي مستدبر القبلة، وهذا إذا كان الطين بحال يغيب وجهه فيه، وإلاّ صلى هناك. ومن الأعذار: اللص والمرض وكونه شيخاً كبيراً لا يجد من يركبه إذا نزل، والخوف من السبع. وفي (المحيط): تجوز الصلاة على الدابة في هذه الأحوال ولا تلزمه الإعادة بعد زوال العذر، وحكم السنن الرواتب كحكم التطوع، وعن أبي حنيفة: أنه ينزل لسنة الفجر، ولهذا لا يجوز فعلها قاعداً عنده لكونها واجبة عنده في رواية، وعن الشافعي وأحمد أنها آكد من الوتر. الرابع: قال بعضهم: واستدل بحديث الباب على أن الوتر ليس بفرض، وعلى أنه ليس من خصائص النبي عٍَّ وجوب الوتر عليه، قلت: نحن أيضاً نقول: إنه ليس بفرض، ولكنه واجب للدلائل التي ذكرناها، ومن لم يفرق بين الفرض والواجب فقد صادم اللغة، والمعنى اللغوي مراعى في المعنى الشرعي، وقد مر في حديث أبي قتادة التصريح بالوجوب، وفي (موطأ مالك): أنه بلغه أن ابن عمر سئل عن الوتر أواجب هو؟ فقال عبد الله: قد أوتر النبي عَّهِ والمسلمون، وفيه دلالة ظاهرة على وجوبه، إذ كلامه يدل على أنه صار سبيلاً للمسلمين، فمن تركه فقد دخل في قوله تعالى: ﴿ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾ [النساء: ١٥]. وقول هذا القائل: وعلى أنه ليس من خصائص النبي، عَّه، وجوب الوتر عليه، معناه: واستدل أيضاً على أن الوتر ليس من خصائص النبي، عَّه، وقد قال ابن عقيل: صح أنه كان واجباً عليه، وقول القرافي في (الذخيرة): الوتر في السفر ليس واجباً عليه، وصلاته إياه على الراحلة كانت في السفر قول بغير استناد إلى سنة صحيحة ولا ضعيفة. وقال ابن الجوزي: لا نعلم في تخصيص النبي عَّ له، بالوجوب حديثاً صحيحاً. قلت: عدم علمه لا يستلزم نفي علم خبره، ولكن نقول: الحديث الذي ورد به من رواية الحاكم، في مسنده أبو جناب يحبى ابن أبي حية، وهو ضعيف مدلس. قلت: أبو جناب، بفتح الجيم والنون وبعد الألف باء موحدة، وأبو حية، بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف: الكلبي الكوفي، يروي عن ابن عمر، روى عنه ابنه يحيى بن أبي حية. ٧ - بابُ القُنُوتِ قَبْلَ الرُّكُوعَ وبَعْدَهُ أي: هذا باب في بيان القنوت قبل الركوع بعد فراغه من القراءة وبعد الركوع أيضاً، وأشار به إلى أنه ورد في الحالين جميعاً، كما سنذكره إن شاء الله تعالى، وأشار بهذه ٢٤ ١٤ - كتابُ الوَثْرِ / باب (٧) الترجمة أيضاً إلى مشروعية القنوت، رداً على من قال: إنه بدعة، كابن عمر. وفي (المنتقى) لأبي عمر: عن ابن عمر وطاوس: القنوت في الفجر بدعة، وبه قال الليث ويحيى بن سعيد الأنصاري ويحيى بن يحيى الأندلسي. وفي (الموطأ): عن ابن عمر أنه لا يقنت في شيء من الصلوات، والقنوت ورد لمعان كثيرة، والمراد ههنا الدعاء إما مطلقاً وإما مقيداً بالأذكار المشهورة نحو: اللهم اهدنا فيمن هديت .. ١٠٠١/٤٦ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا حَمَّادُ بنُّ زَيْدٍ عنْ أَيُّوبَ عنْ مُحَمَّدٍ قال سُئِلَ أَنَسْ أَقَنَتَ النبيُّ عَّهِ فِي الصُّبْحِ قالَ نَعَمْ فَقِيلَ لَهُ أَوَقَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ قال قَنَتَ بَعْدَ الرُكُوعِ يَسِيراً [الحديث ١٠٠١ - أطرافه في: ١٠٠٢، ١٠٠٣، ١٣٠٠، ٢٨٠١، ٢٨١٤، ٣٠٦٤، ٣١٧٠، ٤٠٨٨، ٤٠٩٠، ٤٠٩١، ٤٠٩٢، ٤٠٩٣، ٤٠٩٤، ٤٠٩٥، ٤٠٩٦، ٦٣٩٤، ٧٣٤١]. مطابقته للترجمة في قوله: ((بعد الركوع يسيراً)، وهو الجزء الثاني للترجمة. ورجاله كلهم قد ذكروا غير مرة، وأيوب هو السختياني، وفي بعض النسخ: عن أيوب عن ابن سیرین. قوله: ((سئل أنس)) وفي رواية إسماعيل: عن أيوب عند مسلم ((قلت لأنس)). قوله: ((أقنت؟)) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار. قوله: ((فقيل له: أوقنت؟)) وفي رواية الكشميهني بغير واو، وفي رواية الإسماعيلي: ((هل قنت؟)). قوله: ((بعد الركوع يسيراً) قال الكرماني أي: زماناً يسيراً، أي: قليلاً، وهو بعد الاعتدال التام. وقال الطرقي: أراد يسيراً من الزمان لا يسيراً من القنوت، لأن أدنى القيام يسمى قنوتاً، فاستحال أن يوصف بالحقارة. وقال بعضهم: قد بين عاصم في روايته مقدار هذا اليسير حيث قال فيها: إنما قنت بعد الركوع شهراً. قلت: رواية عاصم رواها البخاري على ما يجيء عن قريب، ورواها أيضاً مسلم في (صحيحه): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا: حدثنا أبو معاوية عن عاصم ((عن أنس، قال: سألت عن القنوت بعد الركوع أو قبل الركوع؟ فقال: قبل الركوع. قال: قلت: فإن ناساً يزعمون أن رسول الله عَّ له قنت بعد الركوع؟ فقال: إنما قنت رسول الله عَ لّه شهراً يدعو على أناس قتلوا أناساً من أصحابه يقال لهم: القراء)). انتهى. فهذا صريح بأن المراد من قوله: ((يسيراً) يعني شهراً، وهو يرد على الكرماني فيما قاله. ثم اعلم أن هذا الحديث روي عن أنس من وجوه خلاف ذلك، فروى إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عنه أنه قال: ((قنت رسول الله، عَلَّهِ، ثلاثين صباحاً يدعو على رعل وذكوان وعصية)). وروى قتادة عنه نحواً من ذلك، وروى عنه حميد: أن رسول الله، عَ لِّ، إنما قنت عشرين يوماً. وروى عنه عاصم: أنه قنت شهراً وأنه قبل الركوع، وقد ذكرناه الآن عن مسلم، فهؤلاء كلهم أخبروا عن أنس خلاف ما رواه محمد بن سيرين عنه، فلم يجز لأحد أن يحتج في حديث أنس بأحد الوجهين بما روي عنه، لأن لخصمه أن يحتج عليه بما روي ٢٥ ١٤ - كتابُ الوَثْرِ / باب (٧) عنه مما يخالف ذلك. وأصرح من ذلك كله ما رواه أبو داود عن أنس فقال: حدثنا أبو الوليد حدثنا حماد بن سلمة ((عن أنس بن سيرين عن أنس بن مالك: أن النبي، عَُّلِّ، قنت شهراً ثم تركه)). فقوله: ((ثم تركه))، يدل على أن القنوت في الفرائض كان ثم نسخ. فإن قلت: قال الخطابي معنى قوله: ((ثم تركه)) أي: ترك الدعاء على هؤلاء القبائل وهي: رعل وذكوان وعصية، أو ترك القنوت في الصلوات الأربع ولم يتركه في صلاة الصبح. قلت: هذا كلام متحكم متعصب بلا توجيه ولا دليل، فإن الضمير في: تركه، يرجع إلى القنوت الذي يدل عليه لفظ قنت، وهو عام يتناول جميع القنوت الذي كان في الصلوات، وتخصيص الفجر من بينهما بلا دليل من اللفظ يدل عليه باطل، وقوله: أي ترك الدعاء، غير صحيح لأن الدعاء لم يمض ذكره، ولئن سلمنا فالدعاء هو عين القنوت وما ثم شيء غيره، فيكون قد ترك القنوط، والترك بعد العمل نسخ، وقد اختلف العلماء هل القنوت قبل الركوع أو بعده؟ فمذهب أبي حنيفة أنه قبل الركوع، وحكاه ابن المنذر عن عمر وعلي وابن مسعود وأبي موسى الأشعري والبراء بن عازب وابن عمر وابن عباس وأنس وعمر بن عبد العزيز وعبيدة السلماني وحميد الطويل وابن أبي ليلى، وبه قال: مالك وإسحاق وابن المبارك، وصحيح مذهب الشافعي: بعد الركوع، وحكاه ابن المنذر عن أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي في قول، وحكى أيضاً التخيير قبل الركوع وبعده، عن أنس وأيوب بن أبي تميمة وأحمد بن حنبل. ١٠٠٢/٤٧ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ قال حدَّثنا عاصِمٌ قال سأَلْتُ أنَسَ بنَ مالكِ عنِ القُنُوتِ قَال قَدْ كانَ القُنُوتُ قُلْتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ قال قَبْلَهُ قال فإنَّ غُلاناً أخبرني عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ بَعْدَ الرّكُوعِ فقال كَذَبَ إَِّا قَتَتَ رَسولُ اللهِ عَ لَّهِ بَعْدَ الرُّكُوع شَهْراً أُرَاهُ كَانَ بَعَثَ قَوماً يُقَالُ لَهُمُ القُرّاءُ زُهَاءَ سَبْعِينَ رجُلاً إِلَى قَوْمٍ مِنَ المُشْرِكِينَ دُونَ أُولَئِكَ وكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الرَّسُولِ عَلَّهِ عَهْدٌ فَقَنَتَ رسولُ اللهِ عَ لِّ شَهْراً يَدْعُو عَلَيْهِمْ. [أنظر الحديث ١٠٠١ وأطرافه]. مطابقته للجزء الأول للترجمة، وهو في قوله: ((قال: قبله)) أي: قبل الركوع. ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: مسدد. الثاني: عبد الواحد بن زياد، مر في: باب ﴿وما أوتيتم من العلم إلاّ قليلاً﴾ [الإسراء: ٨٥]. الثالث: عاصم بن سليمان الأحول. الرابع: أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع وفيه: السؤال. وفيه: القول في تسعة مواضع. وفيه: أن رجاله كلهم بصريون، وهو من الرباعيات. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في المغازي عن موسى بن إسماعيل، وفي الجنائز عن عمرو بن علي، وفي الجزية عن أبي النعمان محمد بن الفضل وفي الدعوات عن الحسن بن الربيع عن أبي الأحوص. وأخرجه مسلم في الصلاة عن أبي بكر وأبي كريب، كلاهما عن أبي معاوية وعن ابن أبي عمر عن ابن عيينة. ٢٦ ١٤ - كتابُ الوَثْرِ / باب (٧) ذكر معناه: قوله: ((سألت أنس بن مالك عن القنوت)) مراده من هذا السؤال أن يبين له محل القنوت، ولهذا قال: ((قلت: قبل الركوع أو بعده)) أي: بعد الركوع، فظن أنس أنه .كان يسأل عن مشروعية القنوت، فلذلك قال: قد كان القنوت، يعني: كان مشروعاً. قوله: ((قلت: فإن فلاناً) ويروى: ((قال: فإن فلاناً)) لم يعلم من هو هذا الفلان، قيل: يحتمل أن يكون محمد بن سيرين، لأن في الحديث السابق: سأل محمد بن سيرين أنساً، فقال: أوقنت قبل الركوع؟. قوله: ((قال: كذب))، أي: قال أنس: كذب فلان. قال الكرماني: فإن قلت: فما قول الشافعية حيث يقنتون بعد الركوع متمسكين بحديث أنس المذكور؟ وقد قال الأصوليون: إذا كذب الأصل الفرع لا يعمل بذلك الحديث ولا يحتج به؟ قلت: لم يكذب أنس محمد بن سيرين، بل كذب فلاناً الذي ذكره عاصم، ولعله غير محمد. انتهى. قلت: قد تعسف الكرماني في هذا التصرف، بل معنى قوله: ((كذب)): أي: أخطأ، وهي لغة أهل الحجاز، يطلقون الكذب على ما هو الأعم من العمد والخطأ، وقال ابن الأثير في (النهاية): ومنه حديث ((صلاة الوتر: كذب أبو محمد)) أي: أخطأ، سماه كذباً لأنه يشبهه في كونه ضد الصواب، كما أن الكذب ضد الصدق وإن افترقا من حيث النية والقصد، لأن الكاذب يعلم أن ما يقوله كذب والمخطىء لا يعلم، وهذا الرجل ليس بمخبر، وإنما قاله باجتهاد أداه إلى أن الوتر واجب، والاجتهاد لا يدخله الكذب، وإنما يدخله الخطأ، وأبو محمد صحابي، واسمه مسعود بن زيد، وقال الذهبي: مسعود بن زيد بن سبيع اسم أبي محمد الأنصاري القائل بوجوب الوتر. قوله: ((إنما قنت رسول الله عَ لَّه بعد الركوع شهراً) كلمة: إنما، للحصر، ويستفاد منه أن قنوته بعد الركوع كان محصوراً على الشهر، والمفهوم منه أنه لم يقنت بعد الركوع إلاّ شهراً ثم تركه، وتعسف الكرماني لتمشية مذهبه، وأخرج الكلام عن معناه الحقيقي حيث قال: معناه أنه لم يقنت إلّ شهراً في جميع الصلوات بعد الركوع، بل في الصبح فقط، حتى لا يلزم التناقض بين كلاميه، ويكون جمعاً بينهما. انتهى. قلت: لا نسلم التناقض لأن قنوت النبي عَّه بعد الركوع شهراً كان على قوم من المشركين، على ما يجيء إن شاء الله، ثم تركه، والترك يدل على النسخ. قوله: ((أراه كان؟)) أي: قال أنس، رضي الله تعالى عنه: أظن أن النبي، عَّه، كان بعث قوماً يقال لهم القراء، وهم طائفة كانوا من أوزاع الناس، نزلوا صفة يتعلمون القرآن، بعثهم رسول الله، عَّه، إلى أهل نجد ليدعوهم إلى الإسلام وليقرأوا عليهم القرآن، فلما نزلوا بئر معونة قصدهم عامر بن الطفيل في أحياء، وهم: رعل وذكوان وعصية، وقاتلوهم فقتلوهم ولم ينج منهم إلاّ كعب بن زيد الأنصاري، وكان ذلك في السنة الرابعة من الهجرة، وأغرب مكحول حيث قال: إنها كانت بعد الخندق، وقال إبن إسحاق: فأقام رسول الله، عَّآه - يعني: بعد أحد - بقية شوال وذي القعدة وذي الحجة والمحرم، ثم بعث أصحاب بئر معونة في صفر على رأس أربعة أشهر من أحد، قال موسى بن عقبة: وكان أمير القوم المنذر بن عمرو، ويقال: مرثد، وقال ابن سعد: قدم أبو براء عامر بن مالك بن ٢٧ ١٤ - كتابُ الوَتْرِ / باب (٧) جعفر الكلابي ملاعب الأسنة، وفي شعر لبيد: ملاعب الرماح، فأهدى للنبي، عَّ له، فلم يقبل منه، وعرض عليه الإسلام ولم يسلم ولم يبعد من الإسلام. وقال: يا محمد لو بعثت معي رجالاً من أصحابك إلى أهل نجد رجوت أن يستجيبوا لك؟ فقال، عَّ له، إني أخشى عليهم أهل نجد، قال: أنا لهم جار إن تعرض لهم أحد، فبعث معهم القراء وهم سبعون رجلاً. وفي مسند السراج: أربعون. وفي المعجم: ثلاثون، ستة وعشرون من الأنصار، وأربعة من المهاجرين، وكانوا يسمون القراء، يصلون بالليل حتى إذا تقارب الصبح احتطبوا الحطب واستعذبوا الماء فوضعوه على أبواب حجر رسول الله، عَّله، فبعثهم جميعاً وأمر عليهم المنذر ابن عمر وأخا بني ساعدة المعروف: بالمعتق ليموت أي: يقدم على الموت، فسارعوا حتى نزلوا بئر معونة، بالنون، فلما نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله، عَ لّه، إلى عدو الله عامر بن الطفيل، فلما أتاه لم ينظر في كتابه حتى عدا على الرجل فقتله، ثم اجتمع عليه قبائل من سليم عصية وذكوان ورعل، فلما رأوهم أخذوا سيوفهم ثم قاتلوهم حتى قتلوا عن آخرهم إلّ كعب بن زيد فإنهم تركوه وبه رمق، فعاش حتى قتل يوم الخندق، شهيداً، وكان في القوم عمرو بن أمية الضمري، فأخذ أسيراً فلما، أخبرهم أنهم من مضر أخذه عامر بن الطفيل فجز ناصيته وأعتقه، فبلغ ذلك أبا براء، فشق عليه ذلك، فحمل ربيعة بن أبي براء على عامر بن الطفيل فطعنه بالرمح فوقع في فخذه ووقع عن فرسه. قوله: ((زهاء))، بضم الزاء. وتخفيف الهاء وبالمد: أي: مقدار سبعين رجلاً. قوله: ((دون أولئك)) يعني: غير الذين دعا عليهم، وكان بين المدعو عليهم وبينه عهد فغدروا وقتلوا القراء فدعا عليهم. قوله: ((شهراً)) أي: في شهر، فافهم. ذكر ما يستفاد منه: فيه: التصريح عن أنس، رضي الله تعالى عنه، أن القنوت قبل الركوع، وأنه حين سأله عاصم قال: قبل الركوع، وأنكر على من نقل عنه أنه بعد الركوع ونسبه إلى الكذب، وقال: لم يقنت رسول الله عَّه بعد الركوع إلّ في شهر واحد يدعو على قتلة القراء المذكورين. فإن قلت: حديث أنس المذكور في الباب في مطلق الصلاة، ويدل عليه ما روى عاصم أيضاً، عن أنس أنه قال: سألت أنساً عن القنوت في الصلاة؟ أي: مطلق الصلاة، والمراد منه جميع الصلوات الفرض، ويدل عليه حديث ابن عباس أنه قال: ((قنت رسول الله عَ ليه شهراً متتابعاً في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح في دبر كل صلاة إذا قال: سمع الله لمن حمده، في الركعة الأخيرة)). رواه أبو داود في (سننه) والحاكم في (مستدركه) وقال: صحيح على شرط البخاري، وليس في حديث أنس ما يدل على أنه قنت في الوتر. قلت: روى ابن ماجه بإسناد صحيح عن أبي بن كعب: ((أن رسول الله عَ له كان يوتر فيقنت قبل الركوع)) وروى الترمذي من حديث أبي الحوراء، بالحاء المهملة: واسمه ربيعة بن شيبان، قال: ((قال الحسن بن علي، رضي الله تعالى عنهما: علمني رسول الله عَّالله كلمات أقولهن في الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، ٢٨ ١٤ - كتابُ الوَثْرِ / باب (٧) وإنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت)). وقال الترمذي: لا نعرف عن رسول الله عَ ليه في القنوت شيئاً أحسن من هذا، ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه أيضاً، وروى الدارقطني من رواية سويد بن غفلة ((عن علي، رضي الله تعالى عنه، قال: قنت رسول الله عَ لّه في آخر الوتر)). فإن قلت: وفي إسناده عمرو بن شمر الجعفي، أحد الكذابين الوضاعين؟ قلت: قال الترمذي: وفي الباب عن علي، رضي الله تعالى عنه، ولم يرد هذا، وإنما أراد - والله أعلم - ما رواه هو في الدعوات، وبقية أصحاب السنن من رواية عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن علي بن أبي طالب: ((أن النبي عَ لِ كان يقول في آخر وتره: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك ... )) ورواه الحاكم في (مستدركه) وقال: صحيح الإسناد، وروى النسائي كما روى ابن ماجه من حديث أبي بن كعب، رضي الله تعالى عنه، ((عن النبي عَّ: كان يقنت في الوتر قبل الركوع)). ورواه الدارقطني، بلفظ: ((بت مع رسول الله عَّله لأنظر كيف يقنت في وتره، فقنت قبل الركوع، ثم بعثت أمي، أم عبد، فقلت: بيتي مع نسائه فانظري كيف يقنت في وتره، فأتتني فأخبرتني أنه قنت قبل الركوع)). وروى محمد بن نصر المروزي بإسناده إلى سعيد بن عبد الرحمن بن أبزي عن أبيه قال: ((كان رسول الله عَّه يقرأ في الركعة الأولى من الوتر: بٍ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: ١]، وفي الثانية بٍ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ [الكافرون: ١]، وفي الثالثة بٍ ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] ويقنت)). قال محمد بن نصر، في رواية أخرى زاد بعد قوله: ((ويقنت قبل الركوع .. )) والحديث عند النسائي من طرق وليس في شيء من طرقه ذكر القنوت، وقال الترمذي: واختلف أهل العلم في القنوت في الوتر، فرأى عبد الله بن مسعود القنوت في الوتر في السنة كلها، واختار القنوت قبل الركوع، وهو قول بعض أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك وإسحاق. انتھی. وروى ابن أبي شيبة في (المصنف) من رواية الأسود عنه أنه: كان يختار القنوت في الوتر في السنة كلها قبل الركوع، وروى أيضاً من رواية علقمة أن ابن مسعود وأصحاب النبي عَ لِ كانوا يقنتون في الوتر قبل الركوع، ورواه محمد بن نصر عن ابن مسعود وعمر أيضاً من رواية عبد الرحمن بن أبزى، ورواه أيضاً ابن أبي شيبة ومحمد بن نصر من رواية الأسود عن عمر، وحكاه ابن المنذر عنهما وعن علي وأبي موسى الأشعري والبراء بن عازب وابن عمر وابن عباس وعمر بن عبد العزيز وعبيدة السلماني وحميد الطويل وعبد الرحمن بن أبي ليلى، رضي الله تعالى عنهم. وروى السراج: حدثنا أبو كريب حدثنا محمد بن بشر عن العلاء بن صالح حدثنا زيد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه سأله عن القنوت في الوتر؟ فقال: حدثنا البراء بن عازب قال: سنة ماضية. وفي (المصنف) وقال إبراهيم: كانوا يقولون: القنوت بعد ما فرغ من القراءة في الوتر، وكان سعيد بن جبير يفعله حدثنا وكيع عن هارون بن أبي إبراهيم عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن ابن عباس أنه كان يقول في قنوت الوتر: لك الحمد ملء ٢٩ ١٤ - كتابُ الوَثْرِ / باب (٧) السموات السبع وحدثنا وكيع عن الحسن بن صالح عن منصور عن شيخ - يكنى أبا محمد - أن الحسين بن علي، رضي الله تعالى عنهما، كان يقول في قنوت الوتر: اللهم إنك ترى ولا تُرى، وأنت بالمنظر الأعلى وإن إليك الرجعى، وإن لك الآخرة والأولى، اللهم إنا نعوذ بك من أن نذل ونخزى، وهذا الذي ذكرناه كله يدل على أن لا قنوت في شيء من الصلوات المكتوبة، إنما القنوت في الوتر قبل الركوع. ١٠٠٣ - حدّثنا أحمَدُ بنُ يُونُسَ قال حدَّثنا زَائِدَةُ عنِ التَّيْمِيِّ عن أبي مِجْلَزِ عنْ أَنَسٍ قال قَنَتَ النبيُّ عَ لَّهِ شَهْراً يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وذَكْوَانَ. [أنظر الحديث ١٠٠١ وأطرافه]. مطابقته للترجمة من حيث إن فيه مشروعية القنوت، كما في الحديث السابق، وهو في نفس الأمر من ذلك الحديث. ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: أحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي اليربوعي الكوفي. الثاني: زائدة بن قدامة أبو الصلت الكوفي. الثالث: سليمان بن طرخان التيمي البصري. الرابع: أبو مجلز، بكسر الميم. وقيل: بفتحها وسكون الجيم وفتح اللام، وفي آخره زاي: واسمه لاحق بن حميد السدوسي البصري. الخامس: أنس بن مالك. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن شيخه منسوب إلى جده. وفيه: أن أحد الرواة مذكور بنسبته. وفيه: رواية التابعي عن التابعي وهما: سليمان ولاحق، وسليمان أيضاً يروي عن أنس بلا واسطة، وهنا روى عنه بواسطة. وفيه: أن الإثنان الأولان من الرواة كوفيان والإثنان الآخران بصریان. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في المغازي عن محمد هو ابن مقاتل عن ابن المبارك. وأخرجه مسلم في الصلاة عن عبيد الله بن معاذ وأبي كريب وإسحاق بن إبراهيم ومحمد بن عبد الأعلى، أربعتهم عن معتمر بن سلمان، ثلاثتهم عن سليمان التيمي عنه به. وأخرجه النسائي فيه عن إسحاق بن إبراهيم عن جرير بن عبد الحميد عن سليمان التيمي نحوه. ذكر معناه: قوله: ((على رعل))، ورعل ورعلة جميعاً قبيلة باليمن، وقيل: هم من سليم، قاله ابن سيده. وفي (الصحاح) رعل، بالكسر، وذكوان، قبيلتان من سليم، وقال ابن دريد: رعل من الرعلة وهي: النخلة الطويلة، والجمع: رعال، وهو رد لما قاله ابن التين، ضبط بفتح الراء، والمعروف أنه بكسرها، وهو في ضبط أهل اللغة بفتحها، وقال الرشاطي: هو رعل ابن مالك بن عوف بن امرىء القيس بن بهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس غيلان بن مضر. وقال ابن دحية في (الولد): ولا أعلم في رعل وعصية صاحباً له رواية صحيحة عن النبي عَّله، وعصية هو: ابن خفاف بن امرىء القيس بن بهثة بن سليم، ذكره أبو علي الهجري في (نوادره) وذكوان، بفتح الذال المعجمة وسكون الكاف وبعد الألف ٣٠ ١٤ - كتابُ الوَثْرِ / باب (٧) نون، وقد ذكرنا أنه قبيلة من سليم بضم السين المهملة، وقال الرشاطي: ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن سليم، منهم من أصحاب النبي عَّ له: أبو عمر وصفوان بن المعطل بن وبيصة بن المؤمل بن خزاعي بن محارب بن هلال بن فالج بن ذكوان السلمي الذكواني، كذا نسبه ابن الكلبي، وعصية بن خفاف بن امرىء القيس بن بهئة بن سليم، منهم: بدر بن عمار بن مالك ابن يقظة بن عصية، والنسب إلى عصية: عصوي. ومما يستفاد منه: أن قنوته، عَّهِ، في غير الوتر كان دعاء على المشركين، وأنه إنما قنت شهراً ثم تركه. ١٠٠٤ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ قال حدَّثنا إسْمَاعِيلُ قال حدَّثنا خالِدٌ عنْ أَبِي قِلاَبَةَ عنْ أَنَسٍ قال كانَ القُنُوتُ في المَغْرِبِ والفَجْرِ. [انظر الحديث ٧٩٨]. مطابقته للترجمة مثل مطابقة الحديثين السابقين. ذكر رجاله: وهم خمسة كلهم قد ذكروا غير مرة، وإسماعيل هو ابن علية، وخالد هو الحذاء، وأبو قلابة، بكسر القاف: هو عبد الله بن زيد الجرمي. وفيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد كذلك في موضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: ثلاثة مذكورون بغير نسبة وواحد بكنيته. وفيه: أن شيخه بصري، وشيخ شيخه واسطي، والثالث بصري والرابع شامي. وأخرجه البخاري أيضاً في الصلاة عن عبد الله بن أبي الأسود عن ابن علية، واحتج الشافعي بهذا الحديث فيما ذهب إليه من القنوت في صلاة الفجر، واحتج أيضاً بما رواه أبو داود من حديث البراء: أن النبي عَِّ كان يقنت في صلاة الصبح، زاد ابن معاذ: وصلاة المغرب. وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي مشتملاً على الصلاتين واحتج أيضاً بما رواه عبد الرزاق في (مصنفه): أخبرنا أبو جعفر الراوي عن الربيع بن أنس ((عن أنس بن مالك، قال: ما زال رسول الله عَّلم يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا)). ومن طريق عبد الرزاق رواه الدارقطني في (سننه) وإسحاق بن راهويه في (مسنده) ولفظه: ((عن الربيع بن أنس قال: قال رجل لأنس بن مالك: أقنت رسول الله عَّ شهراً يدعو على حي من أحياء العرب؟ قال: فزجره أنس، وقال: ما زال رسول الله عَّه يقنت في صلاة الفجر حتى فارق الدنيا)). وفي (الخلاصة) للنووي: صححه الحاكم في (مستدركه). وقال صاحب (التنقيح): على التحقيق هذا الحديث أجود أحاديثهم، وذكر جماعة وثقوا أبا جعفر الرازي وله طرق في كتاب القنوت لأبي موسى المديني. قال. وإن صح فهو محمول على أنه ما زال يقنت في النوازل، أو على أنه ما زال يطول في الصلاة، فإن القنوت لفظ مشترك بين الطاعة والقيام والخشوع والسكوت وغير ذلك، قال الله تعالى: ﴿إِن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً﴾ [النحل: ١٢]. وقال: من هو قانت آناء الليل﴾ [الزمر: ٩]. وقال: ﴿ومن يقنت منكن الله﴾ [الأحزاب: ٣١]. وقال: ﴿يا مريم اقنتي﴾ [آل عمران: ٤٣]. وقال: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وقال: ﴿كل ٣١ ١٤ - كتابُ الوَثْرِ / باب (٧) له قانتون﴾ [البقرة: ١١٦ والروم: ٢٦]. وفي الحديث: ((أفضل الصلاة طول القنوت))، انتهى. وقد ذكر ابن العربي أن للقنوت عشرة معان. وقال شيخنا زين الدين: وقد نظمتها في بيتين بقولي: مزيداً على عشر معاني مرضية ولفظ القنوط اعدد معانيه تجده إقامتها إقرارنا بالعبودية دعاء خشوع، والعبادة طاعة كذاك دوام الطاعة الرابح القنية سكوت صلاة، والقيام، وطوله وابن الجوزي ضعف هذا الحديث، وقال في (العلل المتناهية): هذا حديث لا يصح، فإن أبا جعفر الرازي اسمه عيسى بن ماهان. وقال ابن المديني: كان يخلط. وقال يحيى: كان يخطىء. وقال أحمد: ليس بالقوي في الحديث. وقال أبو زرعة: كان يهيم كثيراً. وقال ابن حبان: كان ينفرد بالمناكير عن المشاهير، ورواه الطحاوي في (شرح الآثار)، وسكت عنه، إلاّ أنه قال: وهو معارض بما روي عن أنس، أنه، عَّلَّه، إنما قنت شهراً على أحياء من العرب، ثم تركه. انتهى. قلت: ويعارضه أيضاً ما رواه الطبراني من حديث غالب بن فرقد الطحان، قال: كنت عند أنس بن مالك شهرين فلم يقنت في صلاة الغداة، وما رواه محمد ابن الحسن في كتابه (الآثار): أخبرنا أبو حنيفة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي قال: لم ير النبي، عَّ له، قانتاً في الفجر حتى فارق الدنيا، وقال ابن الجوزي في (التحقيق): أحاديث الشافعية على أربعة أقسام، منها ما هو مطلق، وأن رسول الله، عَّ له، قنت. وهذا لا نزاع فيه، لأنه ثبت أنه قنت. والثاني: مقيد بأنه قنت في صلاة الصبح فيحمل على فعله شهراً بأدلتنا. والثالث: ما روي عن البراء بن عازب، وقد ذكرناه. وقال أحمد: لا يروى عن النبي، عَّهِ، أنه قنت في المغرب إلاّ في هذا الحديث. والرابع: ما هو صريح في حجتهم نحو ما رواه عبد الرزاق في (مصنفه)، وقد ذكرناه، انتهى. قلت: كيف تستدل الشافعية بهذا الحديث وهم لا يرون القنوت في المغرب، فيعملون ببعض الحديث ويتركون بعضه، وهذا تحكم. : وقد أورد الخطيب في كتابه الذي صنفه في (القنوت) أحاديث أظهر فيها تعصبه. فمنها: ما أخرجه عن دينار بن عبد الله خادم أنس بن مالك ((عن أنس، قال: ما زال رسول الله، عَّةٍ، يقنت في صلاة الصبح حتى مات)). قال ابن بطال الجوزي: وسكوته عن القدح في هذا الحديث واحتجاحه به وقاحة عظيمة وعصبية باردة وقلة دين، لأنه يعلم أنه باطل. وقال ابن حبان: دينار يروي عن أنس أشياء موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب إلاّ على سبيل القدح فيها، فواعجباً للخطيب، أما سمع في الصحيح: ((من حدث عني حديثاً وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين؟) وهل مثله إلاّ مثل من أنفق بهرجاً ودلسه فإن أكثر الناس لا يعرفون الصحيح من السقيم، وإنما يظهر ذلك للنقاد، فإذا أورد الحديث محدث واحتج به حافظ لم يقع في النفوس إلاّ أنه صحيح؟ ولكن عصبيته حملته على هذا، ومن نظر في كتابه الذي ٣٢ ١٤ - كتابُ الوَثْرِ / باب (٧) صنفه في (القنوت)، وكتابه الذي صنفه في (الجهر بالبسملة) ومسألة العتم، واحتجاجه بالأحاديث التي يعلم بطلانها، اطلع على فرط عصبيته وقلة دينه، ثم ذكر له أحاديث أخرى كلها عن أنس: أن النبي، عَِّ، لم يزل يقنت في الصبح حتى مات، وطعن في أسانيدها. وقال الكرماني: فإن قلت: كيف حكم القنوت في المغرب؟ قلت: كان رسول الله عَّ ◌َله، تارة يقنت في جميع الصلوات وتارة في طرفي النهار، لزيادة شرف وقتهما حرصاً على إجابة الدعاء حتى نزل: ﴿ليس لك من الأمر شيءٍ﴾ [آل عمران: ١٢٨]. فترك إلاّ في الصبح، كما روى أنس أنه عَّهِ، لم يزل يقنت في الصبح حتى فارق الدنيا. انتهى. قلت: قال الطحاوي: حدثنا ابن أبي داود حدثنا المقدمي حدثنا أبو معشر حدثنا أبو حمزة عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود، قال: ((قنت رسول الله عَّم شهراً يدعو على عصبة وذكوان، فلما ظهر عليهم ترك القنوت، وكان ابن مسعود لا يقنت في صلاته)). ثم قال: فهذا ابن مسعود يخبر أن قنوت رسول الله عَّ لِّ الذي كان إنما كان من أجل من كان يدعو عليه، وأنه قد كان ترك ذلك، فصار القنوت منسوخاً فلم يكن هو من بعد رسول الله عَ لّلم يقنت، وكان أحد من روى أيضاً عن رسول الله عَّللل عبد الله بن عمر، ثم أخبرهم أن الله عز وجل نسخ ذلك حين أنزل على رسول الله عَ له: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ [آل عمران: ١٢٨]. الآية، فصار ذلك عن ابن عمر منسوخاً أيضاً، فلم يكن هو يقنت بعد رسول الله عَ ليه، وكان ينكر على من كان يقنت، وكان أحد من روى عنه القنوت عن رسول الله عَّ له عبد الرحمن بن أبي بكر، فأخبر في حديثه بأن ما كان يقنت به رسول الله عَ لّم دعاء على من كان يدعو عليه، وأن الله عز وجل نسخ ذلك بقوله: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ [آل عمران: ١٢٨]. الآية، ففي ذلك أيضاً وجوب ترك القنوت في الفجر. انتهى. فإذا كان الأمر كذلك، فمن أين للكرماني حيث يقول: إلاّ في الصبح؟ والحديث الذي استدل به على ذلك لا يفيده؟ لأنا قد ذكرنا أن القنوت يأتي لمعان كثيرة منها: الطول في الصلاة، وقال عَّ له: ((أفضل الصلاة طول القنوت)). فإن قلت: قد ثبت عن أبي هريرة أنه كان يقنت في الصبح بعد النبي عَّةِ، فكيف تكون الآية ناسخة لجملة القنوت؟ وكذا أنكر البيهقي ذلك، فبسط فيه كلاماً في (كتاب المعرفة) فقال: وأبو هريرة أسلم في غزوة خيبر وهو بعد نزول الآية بكثير، لأنها نزلت في أحد، وكان أبو هريرة يقنت في حياته عَ لّه وبعد وفاته؟ قلت: يحتمل أن أبا هريرة لم يكن علم نزول هذه الآية، فكان يعمل على ما علم من فعل رسول الله عَّله، وقنوته إلى أن مات، لأن الحجة لم تثبت عنده بخلاف ذلك، ألا ترى أن عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر، رضي الله تعالى عنهم، لما علما بنزول الآية وعلما كونها ناسخة لما كان عَُّلم يفعله تركا القنوت؟ وعن إبراهيم بسند صحيح: أنه لا يقنت في صلاة الصبح، وعن عمرو بن ميمون والأسود أن عمر بن الخطاب لم يقنت في الفجر، وكان ابن عباس وابن عمر لا يقنتان فيه، وكذلك ابن الزبير وجده أبو بكر الصديق وسعيد بن جبير وإبراهيم. وقال الشعبي: إنما جاء القنوت في الفجر من قبل الشام، وعن ابن ٣٣ ١٤ - كتابُ الوَثْرِ / باب (٧) عمر وطاوس: القنوت في الفجر بدعة، وقد ذكرناه فيما مضى، وبه قالت جماعة، وروى الترمذي ((عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه عمر، قال: صليت خلف النبي، عَّه، فلم يقنت، وخلف أبي بكر وعمر وعثمان وعلي فلم يقنتوا، يا بني إنه محدث)). وزاد ابن منده في (كتاب القنوت): رواه جماعة من الثقات عن أبي مالك، واسم أبي مالك الأشجعي: سعد بن طارق بن أشيم، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، والحديث أخرجه النسائي وابن ماجه أيضاً. وروى الدارقطني ثم البيهقي عن ابن عباس أنه قال: القنوت في صلاة الصبح بدعة، وفي سنده أبو ليلى عبد الله بن ميسرة. قال البيهقي: متروك، وروى الطبراني في (الكبير) من رواية بشر بن حرب، قال: سمعت ابن عمر يقول: أرأيت قيامهم عند فراغ القارىء من السورة بهذا القنوت؟ إنها لبدعة ما فعلها رسول الله عد اله ورواه البيهقي، وقال بشر بن حرب: ضعيف. قلت: وثقه أيوب، ومشاه ابن عدي، وروى الطبراني في (الأوسط) من حديث إبراهيم عن علقمة والأسود ((عن عبد الله بن مسعود، قال: ما قنت رسول الله عَ لَّه في شيء من صلاته إلاّ في الوتر، وإنه كان إذا حارب يقنت في الصلوات كلهن يدعو على المشركين، ولا قنت أبو بكر ولا عمر ولا عثمان حتى ماتوا، ولا قنت علي، رضي الله تعالى عنه، حتى حارب أهل الشام، وكان يقنت في الصلوات كلهن، وكان معاوية يدعو عليه أيضاً، يدعو كل واحد منهما على الآخر)). وقال شيخنا زين الدين، رحمه الله: ابن مسعود لم يدرك محاربة علي أهل الشام، ولا موت عثمان، فإنه مات في زمن عثمان. قلت: يحتمل أن يكون قوله: ولا عثمان إلى آخره من كلام إبراهيم أو من علقمة أو من الأسود، وروى ابن ماجه من حديث أم سلمة، قالت: ((نهى رسول الله عَّ ◌ُلّه عن القنوت في الفجر)). وقد ذكرنا أن الطحاوي قد روى حديث ابن مسعود، وذكر فيه أن ما روي من القنوت في الصلوات منسوخ، وكذلك رواه أبو يعلى الموصلي، وأبو بكر البزار، والطبراني في (الكبير) والبيهقي من رواية شريك عن أبي حمزة الأعور عن إبراهيم ((عن علقمة عن عبد الله، قال: قنت رسول الله عَ ليه شهراً يدعو على عصية وذكوان، فلما ظهر عليهم ترك القنوت)). وقال البزار في روايته: ((لم يقنت النبي عَّه إلّ شهراً واحداً، لم يقنت قبله ولا بعده)). وقال: لا نعلم روى هذا الكلام عن أبي حمزة إلاّ شريك. قلت: بل قد رواه عنه أيضاً أبو معشر يوسف بن يزيد باللفظ الأول رواه أبو معين أيضاً، وقال الشيخ زين الدين: وأبو معشر البراء، وإن احتج به الشيخان، فقد ضعفه ابن معين، وأبو داود، وأبو حمزة الأعور القصاب اسمه: ميمون، ضعيف. انتهى. قلت: ما أنصف الشيخ ههنا حيث أشار بكلامه إلى تضعيف الحديث المذكور لأجل مذهبه، فإذا ضعف هذا الحديث بأبي معشر الذي احتج به الشيخان لا يبقى في (الصحيحين) حديث متفق على صحته إلّ شيء يسير، وكم من حديث فيهما ضعف ابن معين أحد رواته، وكذلك غير ابن معين، ومع هذا لم يلتفتوا إلى ذلك، فكذلك هذا. وأبو حمزة قد روى عن التابعين الكبار مثل: الحسن وسعيد بن المسيب والشعبي وإبراهيم وغيرهم، وروى عنه مثل: الثوري والحمادان ومنصور عمدة القاري / ج٧ / ٣٢ ٣٤ ١٤ - كتابُ الوَثْرِ / باب (٧) ابن المعتمر، وهو من أقرانه، وروى له الترمذي. وقال: تكلم فيه من قبل حفظه، وقال أبو حاتم: ليس بقوي يكتب حديثه، وكذلك طعن الشيخ في حديث أم سلمة الذي ذكرناه عن قريب. قال: ورواه الدارقطني وضعفه، لأن ابن ماجه رواه من رواية محمد بن يعلى عن عنبسة ابن عبد الرحمن عن عبد الله بن نافع عن أبيه عن أم سلمة، قال الدار قطني: هؤلاء ضعفاء ولا يصح لنافع سماع من أم سلمة. قلت: محمد بن يعلى وثقه أبو كريب، ولما رواه الطبراني في (الأوسط) قال: لا يروى عن أم سلمة إلاّ بهذا الإسناد تفرد به محمد بن يعلى، وأما أم سلمة، رضي الله تعالى عنهما، فإنها ماتت في شوال سنة تسع وخمسين، ونافع مات سنة ست عشرة ومائة، حكاه النسائي عن هارون بن حاتم. وقال الشيخ أيضاً: قال أكثر السلف ومن بعدهم أو كثير منهم استحباب القنوت في صلاة الصبح، سواء نزلت نازلة أم لم تنزل، ثم عد منهم: أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وأبا موسى الأشعري وأبا هريرة وابن عباس والبراء ابن عازب، وعد من التابعين: الحسن البصري وحميد الطويل والربيع بن خيثم وزياد بن عثمان وسعيد بن المسيب وسويد بن غفلة وطاوساً وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعبيدة السلماني وعبيد بن عمير وعروة بن الزبير وأبا عثمان النهدي، وعد من الأئمة: مالكاً والشافعي وعبد الرحمن بن مهدي والأوزاعي وابن أبي ليلى والحسن بن صالح وسعيد بن عبد العزيز، فقيه أهل الشام، ومحمد بن جرير الطبري وداود. قلت: قد ذكرنا فيما مضى أن أبا بكر وعمر وعثمان وعلي ابن أبي طالب وابن عباس وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن الزبير وأبا مالك الأشجعي لم يكونوا يقنتون ولا رأوا القنوت في الصلوات، وقد ذكرنا عن ابن عمر وابن عباس: أن القنوت في الصبح بدعة، وقد ذكرنا أن ابن عمر كان ينكر على من يقنت، وقد ذكرنا من التابعين الذين لا يرون القنوت: عمرو بن ميمون والأسود والشعبي وسعيد بن جبير وإبراهيم وطاوساً حتى قال طاوس: القنوت في الفجر بدعة، وحكي عن الزهري أيضاً، ومن الأئمة الذين لا يرون به الإمام أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وعبد الله بن المبارك وأحمد وإسحاق والليث بن سعد. فإن قلت: فيما ذكرت إثبات ونفي، فإذا تعارضا قدم المثبت على النافي؟ قلت: نحن لا نقول: إن ههنا تعارضاً حتى نعمل بالمثبت، بل ندعي النسخ كما ذكرنا وجهه، وممن قال بالنسخ ههنا الزهري، والله تعالى أعلم. ٣٥ ١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (١) بسم الله الرحمن الرحيم ١٥ - كتابُ الاستسقاء أي: هذه أبواب في بيان أحكام الاستسقاء، وهو طلب السقيا، بضم السين: وهو المطر. وقال ابن الأثير: هو استفعال من طلب السقيا، أي: إنزال الغيث على البلاد والعباد، يقال: سقى الله عباده الغيث، وأسقاهم، والإسم السقيا، بالضم، واستسقيت فلاناً طلبت منه أن يسقيك. وفي (المطالع): يقال: سقى وأسقى وأسقى بمعنى واحد. وقرىء: ﴿نسقيكم مما في بطونها﴾ [المؤمنون: ٢١]. بالوجهين، وكذا ذكره الخليل وابن القوطية: سقى الله الأرض وأسقاها. وقال آخرون: سقيته ناولته يشرب، وأسقيته جعلت له سقياً يشرب منه، والاستسقاء الدعاء لطلب السقيا. ١ - بابُ الاسْتِشِقَاءِ وخُرُوجِ النبيِّ مَّهِ فِي الاسْتِسْقَاءِ لما قال أولاً: أبواب الاستسقاء، شرع يبين هذه الأبواب باباً باباً، فقال: باب الاستسقاء أي: هذا باب في بيان الاستسقاء وخروج النبي عَّ له فيه، والنسخ ههنا مختلفة، فوقع للمستملي: باب الاستسقاء، وخروج النبي معَ ◌ّهِ بدون البسملة، وفي رواية الحموي والكشميهني سقط ما قبل باب، وثبتت البسملة في رواية ابن شبويه. ١٠٠٥/٤٨ - حدّثنا أَبُو نُعَيْم قال حدَّثنا سُفْيَانُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ أبِي بَكْرٍ عنْ عَبَّادِ ابن تَمِيمٍ عن عَمِّهِ قال خرَجَ النبيُّ عَّهِ يَسْتَسْقِي وحَوَّلَ رِدَاءَهُ. [الحديث ١٠٠٥ - أطرافه في: ١٠١١، ١٠١٢، ١٠٢٣، ١٠٢٤، ١٠٢٥، ١٠٢٦، ١٠٢٧، ١٠٢٨، ٦٣٤٣]. مطابقته للترجمة ظاهرة لأنها صيغت من نفس الحديث. ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: أبو نعيم، بضم النون وهو الفضل بن دكين، وقد تكرر ذكره. الثاني: سفيان الثوري. الثالث: عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، قاضي المدينة. الرابع: عباد، بفتح العين المهملة وتشديد الباء الموحدة: ابن تميم بن زيد بن عاصم الأنصاري المازني. الخامس: عمه عبد الله ابن زيد بن عاصم بن كعب بن عمر وأبو محمد الأنصاري البخاري المازني. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: أن شيخه كوفي وشيخ شيخه أيضاً كوفي والبقية مدنيون. وفيه: رواية الرجل عن عمه. وفيه: رواية التابعي عن التابعي، فإن عبد الله بن أبي بكر روى عن أنس رضي الله تعالى عنه. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في مواضع في الاستسقاء عن آدم وأبي اليمان وعلي بن عبد الله وعبد الله بن محمد وقتيبة وإسحاق عن وهب ومحمد عن عبد الوهاب، وأخرجه أيضاً في الدعوات عن موسى بن إسماعيل، وأخرجه ٣٦ ١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (١) مسلم في الصلاة عن يحيى بن يحيى عن مالك وعن يحيى بن يحيى عن سليمان بن بلال وعن أبي الطاهر ابن السرح وحرملة بن يحيى، وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي عن مالك به وعنه عن سليمان بن بلال به وعن أبي الطاهر ابن السرح وسليمان بن داود وعن أحمد بن محمد وعن محمد بن عوف وعن قتيبة عن مالك به، وعنه عن سفيان بن عيينة به، وعنه عن الدراوردي به وعن محمد بن بشار وعمرو بن علي وعن الحارث بن مسكين وعن عمرو بن عثمان وعن محمد بن رافع وعن هشام بن عبد الملك وعن محمد بن منصور. وأخرجه ابن ماجه عن محمد بن الصباح، وأخرجه أبو داود أيضاً عن أحمد بن محمد بن ثابت عن عبد الرزاق، وأخرجوه أيضاً خلا ابن ماجه، من رواية الزهري عن عباد بن تميم. وأخرجوه، خلا الترمذي، من رواية أبي بكر بن محمد كما ذكرنا. وأخرجه أيضاً أبو داود والنسائي من رواية عمارة بن غزية عن عباد بن تميم وأخرجه الترمذي عن يحيى بن موسى عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عباد. ذكر معناه: قوله: ((خرج النبي عَّلَّه)) أي: إلى المصلى. قوله: ((يستسقي)) جملة فعلية وقعت حالاً، والتقدير: خرج إلى الصحراء حال كونه مريداً الاستسقاء. قوله: ((وحول رداءه)»، عطف على: ((خرج))، قال الخطابي: اختلفوا في صفة التحويل، فقال الشافعي: بنكس أعلاه أسفله وأسفله أعلاه، ويتوخى أن يجعل ما على شقه الأيمن على الشمال، ويجعل الشمال على اليمين، وكذلك قال إسحاق، وقال الخطابي: إذا كان الرداء مربعاً يجعل أعلاه أسفله وإن كان طيلساناً مدوراً قلبه ولم ينكسه، وقال أصحابنا: إن كان مربعاً يجعل أعلاه أسفله، وإن كان مدوراً يجعل جانبه الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن. وقال ابن بزيزة: ذكر أهل الآثار أن رداءه عَّ لَّه كان طوله أربعة أذرع وشبراً في عرض ذراعين وشبر، وقال الواقدي: كان طوله ستة أذرع في ثلاثة أذرع وشبر، وإزاره من نسج عمان طوله أربعة أذرع وشبر في عرض ذراعين وشبر، كان يلبسهما يوم الجمعة والعيد، ثم يطويان. والحكمة في التحويل التفاؤل بتحويل الحال عما هي عليه. قال ابن العربي: قال محمد بن علي: حول رداءه ليتحول القحط. قال القاضي أبو بكر: هذه أمارة بينه وبين ربه لا على طريق الفأل، فإن من شرط الفأل أن لا يكون يقصد، وإنما قيل له: حول رداءك فيتحول حالك. فإن قلت: لعل رداءه سقط فرده، وكان ذلك اتفاقاً قلت: الراوي المشاهد للحال أعرف، وقد قرنه بالصلاة والخطبة والدعاء، فدل أنه من السنة، ويشهد لذلك ما رواه الحاكم في (المستدرك) على شرط مسلم، من حديث ابن زيد: أن النبي عَّلِ استسقى وعليه خميصة سوداء فأراد أن يأخذ أسفلها فيجعله أعلاها فثقلت عليه فقلبها عليه الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن. قلت: هذا يرشح قول أبي حنيفة، رضي الله تعالى عنه. ذكر ما يستفاد منه: وهو وجوه: الأول: أنه احتج به أبو حنيفة على أن الاستسقاء استغفار ودعاء وليس فيه صلاة مسنونة في جماعة، فإن الحديث لم يذكر فيه الصلاة. وقال صاحب (الهداية): فإن صلى الناس وحداناً جاز، وعند أبي يوسف ومحمد: السنة أن يصلي ٣٧ ١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (٢) الإمام ركعتين بجماعة كهيئة صلاة العيد، وبه قال مالك والشافعي وأحمد، وذكر في (المحيط) قول أبي يوسف مع أبي حنيفة، وقال النووي لم يقل أحد غير أبي حنيفة هذا القول. قلت: هذا ليس بصحيح، لأن إبراهيم النخعي قال مثل قول أبي حنيفة، فروى ابن أبي شيبة: حدثنا هشيم عن مغيرة عن إبراهيم أنه خرج مع المغيرة بن عبد الله الثقفي يستسقي، قال: فصلى المغيرة فرجع إبراهيم حيث رآه يصلي، وروى ذلك أيضاً عن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، قال ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع عن عيسى بن حفص عن عاصم عن عطاء بن أبي مروان الأسلمي عن أبيه، قال: خرجنا مع عمر بن الخطاب يستسقي فما زاد على الاستغفار. الوجه الثاني: أنه يدل على أصل الاستسقاء وأنه مشروع. الثالث: يدل على أن تحويل الرداء فيه سنة، وقال صاحب (التوضيح): تحويل الرداء سنة عند الجمهور، وانفرد أبو حنيفة وأنكره ووافقه ابن سلام . - من قدماء العلماء بالأندلس - والسنة قاضية عليه. قلت: أبو حنيفة لم ينكر التحويل الوارد في الأحاديث إنما أنكر كونه من السنة لأن تحويله عَ لّم كان لأجل التفاؤل لينقلب حالهم من الجدب إلى الخصب، فلم يكن لبيان السنة، وما ذكرناه من حديث ابن زيد الذي رواه الحاكم يقوي ما ذهب إليه أبو حنيفة، ووقت التحويل عندنا عند مضي صدر الخطبة، وبه قال ابن الماجشون، وفي رواية ابن القاسم: بعد تمامها، وقيل: بين الخطبتين، والمشهور عن مالك: بعد تمامها، وبه قال الشافعي، ولا يقلب القوم أرديتهم عندنا، وهو قول سعيد بن المسيب وعروة والثوري والليث ابن سعد وابن عبد الحكيم وابن وهب وعند مالك والشافعي وأحمد: القوم کالإمام، يعني يقلبون أرديتهم، واستثنى ابن الماجشون النساء، وفي هذا الباب وجوه كثيرة يأتي بيان ذلك عن قريب، إن شاء الله تعالى. ٢ - بابُ دُعاءِ النَّبِيِّ عَ لَّهِ اجْعَلْهَا عَلَيْهِم سِنِينَ كَسِنِي يوسُفَ أي: هذا باب في بيان دعاء النبي عَّ ◌ُلّه في القنوت على الكافرين بقوله: ((إجعلها)) أي: اجعل تلك المدة التي تقع فيها الشدة، وهي التي قال عَ له: ((اللهم اشدد وطأتك على مضر))، وهذا الضمير هو المفعول الأول لقوله: ((اجعل))، وقوله: ((سنين))، بالنصب هو المفعول الثاني، وسنين جمع: سنة، وفيه شذوذان: أحدهما: تغيير مفرده من الفتحة إلى الكسرة. والآخر: كونه جمعاً لغير ذوي العقول، وحكمه أيضاً مخالف لسائر الجموع في أنه يجوز فيه ثلاثة أوجه. الأول: أن يعرب كإعراب مسلمين. والثاني: أن تجعل نونه متعقب الإعراب منوناً. والثالث: أن يكون منوناً وغير منون، منصرفاً وغير منصرف. قوله: ((كسني يوسف)) بإضافة سنين إلى يوسف، فلذلك سقطت نون الجمع، والمراد به ما وقع في زمان يوسف، عليه الصلاة والسلام، من القحط في السنين السبع، كما وقع في القرآن. فإن قلت: ما وجه إدخال هذا الباب في أبواب الاستسقاء؟ قلت: للتنبيه على أنه كما ٣٨ ١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (٢) شرع الدعاء في الاستسقاء للمؤمنين، كذلك شرع الدعاء بالقحط على الكافرين، لأن فيه إضعافهم وهو نفع للمسلمين. ١٠٠٦/٤٩ - حدّثنا قُتَيْبَةُ قال حدَّثنا مُغِيرَةُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ عنْ أبي الزِّنَادِ عنِ الأَعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ عَلِ كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسِهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ يَقُولُ اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بنَ أبي رَبِيعَةَ اللَّهُمَّ أَنْجِ الوَلِيدَ بِنَ الوَلِيدِ اللَّهُمَّ أنْجِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينِ اللَّهُمَّ اشْدُذْ وَطْأَتَكَ عَلَىٍ مُضَرَّ اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا كَسِنِي يُوسُفَ وَأنَّ النبيَّ عَ لِّ قال غِفَارُ غَفَرَ اللّه لَهَا وأُسْلَمُ سالمَهَا الله. [أنظر الحديث ٧٩٧ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة لأنها صيغت من قوله عَ لّهِ: ((اللهم اجعلها سنين كسني يوسف))، وقد مضى حديث أبي هريرة هذا مطولاً في: باب يهوي بالتكبير حين يسجد، أخرجه البخاري، هناك: عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن وأبي سلمة: أن أبا هريرة كان يكثر الحديث، وفي آخره قال أبو هريرة: ((وكان رسول الله عَ لّ حين يرفع رأسه يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، ويدعو لرجال فيسميهم بأسمائهم. فيقول: اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة ابن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف)). وأهل المشرق يومئذ من مضر مخالفون له. انتهى. وههنا أخرج بزيادة قوله: ((وأن النبي عَّله .. )) إلى آخره عن قتيبة بن سعيد عن المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي، بكسر الحاء المهملة وتخفيف الزاي: المدني عن أبي الزناد، بالزاي والنون: عبد الله بن ذكوان عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وقد فسرنا هناك معنى الحديث مستوفىّ. قوله: ((المستضعفين)) عام بعد خاص، و: الوطأة، بفتح الواو وهو: الدوس بالقدم، وسمى بها الإهلاك لأن من يطأ على شيء برجله فقد استقصى في إهلاكه، والمعنى: خذهم أخذاً شديداً. والضمير في: ((اجعلها))، يرجع إلى الوطأة. قوله: ((كسني يوسف)) وجه الشبه غاية الشدة، وأشار به إلى قوله تعالى: ﴿ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد﴾ [يوسف: ٤٨]. وقوله: ﴿تزرعون سبع سنين﴾ [يوسف: ٤٧]. وسنين جمع سنة بالفتح وهو القحط والجدب قال الله تعالى: ﴿ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين﴾ [الأعراف: ١٣٠]. قوله: ((وأن النبي عَّطلّه ... )) إلى آخره حديث آخر، وهو عند البخاري بالإسناد المذكور، فكأنه سمعه هكذا، فأورده كما سمعه. وقد أخرجه أحمد كما أخرجه البخاري، وروى مسلم من حديث خيثم ابن عراك عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي عَّه قال: ((أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها، أما إني لم أقلها ولكن قالها الله)). وروى أيضاً عن ابن عمر قال: قال رسول الله عَ له: ((غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله، وعصية عصت الله ورسوله)). وروى أيضاً عن خفاف ابن أيماء الغفاري قال: قال رسول الله عَّ ◌ُله في صلاة: «اللهم العن بني لحيان ورعلاً وذكوان وعصية عصوا الله ورسوله، وغفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله)). وروى عن جابر أيضاً عن النبي عَّ ◌ُلّ قال: ((أسلم سالمها الله وغفار غفر الله لها)). وروى أبو داود ٣٩ ١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (٢) الطيالسي: حدثنا شعبة عن علي ابن يزيد عن المغيرة بن أبي برزة عن أبيه قال: قال رسول الله عَّ الله: ((غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله))، ورواه أبو يعلى الموصلي نحوه، وزاد في آخره: «ما أنا قلته ولكن الله، عز وجل، قاله)) وغفار، بكسر الغين المعجمة وتخفيف الفاء وبالراء: أبو قبيلة من كنانة، وهي: غفار بن مليك بن ضمرة بن بكر بن مناة بن كنانة، قال ابن دريد: هو من غفر إذا ستر، منهم أبو ذر الغفاري. وأسلم، بالهمزة واللام المفتوحتين قبيلة أيضاً من خزاعة وهي: أسلم بن أقصى، وهو خزاعة بن حارثة ابن امرىء القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، منهم: سلمة الأكوع، وفي مذحج: أسلم بن أوس الله بن سعد العشيرة بن مذحج، وفي بجيلة: أسلم بطن، هو: أسلم بن عمرو بن لؤي بن رهم بن معاوية بن أسلم بن أخمس بن الغوث بن بجلة، ذكره ابن الكلبي. وقال ابن الأثير: ((غفار غفر الله لها))، يحتمل أن يكون دعاء لها بالمغفرة، أو إخباراً بأن الله تعالى قد غفر لها، وكذلك معنى: ((أسلم سالمها الله))، يحتمل أن يكون دعاءً لها أن يسالمها الله تعالى، ولا يأمر بحربها، أو يكون إخباراً بأن الله قد سالمها ومنع من حربها، وإنما خصت هاتان القبيلتان بالدعاء لأن غفاراً أسلموا قديماً، وأسلم سالموا النبي عد ◌ّ﴾. وفيه: الدعاء بما يشتق من الاسم، كما يقال لأحمد: أحمد الله عاقبتك، وقال بعضهم: إن كانوا منتهكين لحرمة الدين يدعى عليهم بالهلاك، وإلاّ يدعى لهم بالتوبة، كما قال ◌َ له: ((اللهم اهدِ دوساً وأت بهم)). وروي أن أبا بكر وزوجته، رضي الله تعالى عنهما، كانا يدعوان على عبد الرحمن ابنهما يوم بدر بالهلاك إذا حمل على المسلمين، وإذا أدبر يدعوان له بالتوبة. قال ابنُ أبِي الزِّنَادِ عنْ أبِيهِ لهذا كُلُهُ فِي الصُّبْحِ أي: قال عبد الرحمن بن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان: هذا الحديث كله في صلاة الصبح، يعني أنه روى عن أبيه هذا الحديث بهذا الإسناد، فبين أن الدعاء المذكور كان في صلاة الصبح، ويدل على هذا قوله: ((في الركعة الآخرة من الصبح))، وقيل: كان ذلك في العشاء، وقيل: في الظهر والعشاء، وعلى كل حال قد بينا أنه منسوخ. ١٠٠٧ - حدَّثْنا عُثْمَانُ بنُ أَبِي شَيْبَةَ قال حدَّثنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ أَبِي الضُّحَى عنْ مَشْرُوقٍ قال كُنَّا عنْدَ عَبْدِ الله فقال إنَّ النّبِيَّ عَّه لَمَّا رَأَى مِنَ النَّاسِ إِذْبَاراً قال اللَّهُمَّ سَبْعاً كَسَبْعِ يُوسُفَ فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أكَلُوا الجُلُودَ وَالمَيْنَةَ وَالجِيفَ وَيَنْظُرَ أَحَدُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى الدُّخَانَ مِنَ الجُوعِ فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ يا مُحَمَّدُ إِنَّكَ تَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللهِ وَبِصِلَةِ الرَّحِمِ وَإِنَّ قَوْمَكَ قدْ هَلَكُوا فَادْعُ اللّه لَهُمْ قال الله تعالى: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]. إلَى قَوْلِهِ ﴿عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥]، ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى﴾ [الدخان: ١٦]. فالْبَطْشَةُ يَوْمَ بَدْرٍ وَقَدْ مَضَتِ الدُّخَانُ والبَطْشَةُ وَاللّزَامُ وَآيَةُ الرُومِ. [الحديث ١٠٠٧ - أطرافه في: ١٠٢٠، ٤٦٩٣، ٤٧٦٧، ٤٧٧٤، ٤٨٠٩، ٤٨٢٠، ٤٠ ١٥ - كتابُ الاستسقاء / باب (٢) ٤٨٢١، ٤٨٢٢، ٤٨٢٣، ٤٨٢٤، ٤٨٢٥]. مطابقته للترجمة في قوله: ((اللهم سبعاً كسبع يوسف)). ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: عثمان بن أبي شيبة هو عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان بن خواستي العبسي، مولاهم أبو الحسن الكوفي أخو أبي بكر بن أبي شيبة والقاسم ابن أبي شيبة، وكان أكبر من أبي بكر، مات سنة تسع وثلاثين ومائتين. الثاني: جرير بن عبد الحميد، وقد مر غير مرة. الثالث: منصور بن المعتمر أبو عباس الكوفي. الرابع: أبو الضحى، بضم الضاد المعجمة، واسمه: مسلم بن صبيح، بضم الصاد المهملة وفتح الباء الموحدة الهمداني الكوفي العطار. الخامس: مسروق بن الأجدع الهمداني أبو عائشة الكوفي. السادس: عبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنه. ذكر لطائف إسناده: فيه: الحديث بصيغة الجمع في موضعين وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: أن رواته كوفيون ما خلا جريراً فإنه رازي. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري في الاستسقاء أيضاً عن الحميدي، وعن سليمان بن حرب وعن يحيى عن أبي معاوية وعن يحيى عن وكيع وعن محمد بن كثير عن سفيان، وفي التفسير أيضاً عن بشر بن خالد، وأخرجه مسلم في التوبة عن إسحاق عن جرير وعن أبي بكر بن أبي شيبة وعن أبي سعيد الأشج وعن عثمان عن جرير وعن يحيى بن يحيى وأبي كريب، وأخرجه الترمذي في التفسير عن محمود بن غيلان، وأخرجه النسائي عن بشر بن خالد به وعن أبي كريب به وعن محمود بن غيلان. ذكر معناه: قوله: ((عند عبد الله)) يعني ابن مسعود. قوله: ((لما رأى من الناس)) أي: قريش، واللام للعهد. قوله: ((إدباراً) أي: عن الإسلام، وفي تفسير الدخان: ((أن قريشاً لما أبطأوا عن الإسلام)). قوله: ((سبعاً) منصوب بفعل مقدر أي: اجعل سنيهم سبعاً، أو ليكن سبعاً، ويروى سبع بالرفع، وارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف أي: البلاء المطلوب عليهم سبع سنين، كالسنين السبع التي كانت في زمن يوسف، وهي السبع الشداد التي أصابهم فيها القحط، أو يكون المعنى: المدعو عليهم قحط كقحط يوسف، ويجوز أن يكون ارتفاعه على أنه اسم كان التامة، تقديره: ليكن سبع. وفي الوجه الأول: كان، ناقصة. وجاء في رواية ((لما دعا قريشاً كذبوه واستعصوا عليه، فقال: اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف)) قوله: ((سنة))، بالفتح: القحط والجدب. قال الله تعالى: ﴿ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين﴾ [الأعراف: ١٣٠]. قوله: ((حصت كل شيء))، بحاء وصاد مهملتين مشددة الصاد أي: استأصلت وأذهبت النبات، فانكشفت الأرض، وفي (المحكم): سنة حصاء: جدباء قليلة النبات. وقيل: هي التي لا نبات فيها. قوله: ((حتى أكلوا))، كذا هو في رواية المستملي والحموي وعند غيرهما: ((حتى أكلنا))، والأول أشبه. قوله: ((والجيف))، بكسر الجيم وفتح الياء آخر الحروف: جمع الجيفة، وهي جثة الميت وقد أراح، فهي أخص من الميت لأنها ما