Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٢٤)
في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، وذلك أدناه، وفي سجوده: سبحان ربي
الأعلى،. ثلاث مرات وذلك أدناه. وقال الطحاوي: قالوا: لا ينبغي له أن يزيد في ركوعه
على: سبحان ربي العظيم، يرددها ما أحب، ولا ينبغي له أن ينقص في ذلك من ثلاث مرات،
ولا ينبغي له أن يزيد في ركوعه على: سبحان ربي الأعلى، يرددها ما أحب، ولا ينبغي له أن
ينقص في ذلك من ثلاث مرات. قوله: ((يرددها)) أي: يكرر كلمة: سبحان ربي العظيم، ما
شاء فوق الثلاث، غير أنه إذا كان إماماً لا يزيد على الثلاث إلاّ بمقدار ما لا يحصل المشقة
على القوم قلت: هذا كله في الفرائض، وأما في النوافل فلا بأس به، لأن باب النفل أوسع.
وفي (شرح الطحاوي): يسبح الإمام ثلاثاً. وقيل: أربعاً ليتمكن المقتدي من الثلاث، وعند
الماوردي: أدنى الكمال ثلاث، والكمال إحدى عشرة أو تسع، وأوسطه خمس. وفي بعض
شروح (الهداية): إن زاد على الثلاث حتى ينتهي إلى عشرة فهو أفضل عند الإمام، وعندهما
إلى سبع، وعن بعض الحنابلة: أدنى الكمال أن يسبح مثل قيامه، وعند الشافعي: عشرة، وهو
منقول عن عمر بن الخطاب، وروى أبو داود من حديث أنس قال: ((فحزرنا في ركوعه عشر
تسبيحات)). قال صاحب (التلويح): في سنده مقال. وفي (المصنف): حدثنا أبو خالد
الأحمر عن ابن عجلان عن عون عن ابن مسعود، قال: ثلاث تسبيحات في الركوع
والسجود. وقال ابن المبارك عن محمد بن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة، قال: بلغني أن عمر،
رضي الله تعالى عنه، كان يقول في الركوع والسجود قدر خمس تسبيحات: سبحان الله
وبحمده. وحدثنا وكيع عن سفيان عن عاصم عن أبي الضحى، قال: كان علي، رضي الله
تعالى عنه، يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثاً، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى
ثلاثاً.
ثم اختلفوا في الأذكار في الركوع والسجود. فقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: هي
سنة، فلو تركها لم يأثم وصلاته صحيحة، سواء تركها سهواً أو عمداً، لكن يكره عمداً. وقال
أحمد وإسحاق: هو واجب، فإن تركه عمداً بطلت صلاته، وإن نسيه لم تبطل، زاد أحمد:
ويسجد للسهو. وفي رواية عنه: إنه سنة. وقال ابن حزم: هو فرض، فإن نسيه يسجد للسهو.
١٢٤ - بابُ ما يَقُولُ الإِمامُ ومَنْ خَلْفَهُ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ
أي: هذا باب في بيان ما يقول الإمام والذي خلفه من القوم إذا رفع الإمام رأسه من
الركوع، ووقع في شرح ابن بطال هكذا: باب القراءة في الركوع والسجود، وما يقول الإمام
ومن خلفه .. إلى آخره، والذي ذكره ابن بطال غير مشهور، فلا فائدة في ذكر غير المشهور،
ثم الاعتراض فيه. نعم ليس في الباب شيء يدل على ما يقوله من خلف الإمام، ولكن أجيب
عنه بأنه قد قدم حديث: إنما جعل الإمام ليؤتم به، ويفهم منه أنه يوافق القوم الإمام فيما يقوله
إذا رفع رأسه من الركوع، فكأنه اكتفى به عن إيراد حديث مستقل دال على ذلك صريحاً.
وقال الكرماني: الحديث لا يدل على حكم من خلف الإمام، ثم قال: يدل لكن بانضمام:
((صلوا كما رأيتموني أصلي)). قلت: كل هذا مساعدة للبخاري بضروب من التوجيهات،

١٠٢
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٢٥)
وهذا المقدار يحصل به الإقناع.
٧٩٥/١٨٣ - حدَّثنا آدَمُ قال حذَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ عنْ سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال
كانَ النبيُّ عَِّ إِذَا قال سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ قَالَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ وكَانَ النبيُّ عَله
إِذَا رَكَعَ وإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ يُكَبِّرُ وإِذَا قَامَ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ قال الله أَكْبَرُ [انظر الحديث ٧٨٥
وطرفيه].
الترجمة شيئان: أحدهما: ما يقول الإمام! والآخر: ما يقول من خلفه. وحديث الباب
لا يدل إلاّ على الجزء الأول صريحاً، وعلى الثاني بالطريق الذي ذكرناه الآن.
ذكر رجاله: وهم أربعة، قد ذكروا غير مرة، وآدم ابن أبي إياس، وابن أبي ذئب هو
محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، واسم أبي ذئب: هشام، وقد مرت مباحث هذا في:
باب التكبير إذا قام من السجود.
قوله: ((اللهم ربنا))، هكذا هو في أكثر الروايات، وفي بعضها بحذف: اللهم، والأولى
أولى لأن فيها تكرير النداء، كأنه قال: يا أ يا ربنا. قوله: ((ولك الحمد)) كذا ثبت بزيادة الواو
في أكثر الطرق، وفي بعضها بحذف الواو، وقد مضى الكلام فيه مستوفىّ. قوله: ((وإذا رفع
رأسه)) أي: من السجود لا من الركوع، وذكر البخاري هذا الحديث مختصراً، ورواه
الإسماعيلي من وجه آخر عن ابن أبي ذئب، بلفظ: ((وإذا قام من الثنتين كبر)). ورواه الطيالسي
بلفظ: ((وكان يكبر بين السجدتين))، ورواه أبو يعلى، ولفظه: ((وإذا قام من السجدتين))، كما
في رواية البخاري، يحتمل أن يراد بهما حقيقتهما، وأن يراد بهما الركعتان مجازاً. وقيل:
الظاهر منهما الركعتان، وكذا قوله: ((من الثنتين)). قوله: ((الله أكبر))، إنما قال هنا بالجملة
الإسمية، وفي قوله (يكبر)) بالجملة الفعلية المضارعية، لأن المضارع يفيد الاستمرار، والمراد
منه ههنا شمول أزمنة صدور الفعل، أي: كان تكبيره ممدوداً من أول الركوع والرفع إلى
آخرهما، منبسطاً عليهما، بخلاف التكبير للقيام فإنه لم يكن مستمراً. وقال الكرماني: فإن
قلت: لِمَ غير الأسلوب وقال هنا بلفظ: الله أكبر، وثمة بلفظ: التكبير؟ قلت: إما للتفنن، وإما
لأنه أراد التعميم، لأن التكبير يتناول: الله أكبر، بتعريف الأكبر ونحوه: وقال بعضهم: والذي
يظهر أنه من تصرف الرواة، ويحتمل أن يكون المراد تعيين هذا اللفظ دون غيره من ألفاظ
التعظيم. قلت: الذي قاله الكرماني أولى من نسبة الرواة إلى التصرف في الألفاظ التي نقلت
عن الصحابة، وهم أهل البلاغة. وقوله: ويحتمل ... إلى آخره، احتمال غير ناشىء عن دليل،
فلا عبرة به.
١٢٥ - بابُ فَضْلِ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ
أي: هذا باب في بيان فضل قول: ((اللهم ربنا لك الحمد)). وفي رواية الكشميهني:
((ربنا ولك الحمد)) بالواو، وليس فيه لفظ: باب، في رواية أبي ذر والأصيلي.
٧٩٦/١٨٤ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ سُمَيّ عن أبي صالِحٍ عنْ أبي

١٠٣
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٢٦)
هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه أنَّ رَسولَ اللهِ عَ لَّهِ قَالَ إِذَا قالَ الإِمامُ سَمِعَ اللّه لِمَنْ حَمِدَهُ
فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ فإِنَّهُ مِنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلائِكَةِ غُفِرُ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ.
[الحديث ٧٩٦ - طرفه في: ٣٢٢٨].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ورجال هذا الإسناد بعينه قد مروا في: باب جهر الإمام بآمين، غير أن هناك: عن عبد
الله بن مسلمة عن مالك، وهنا: عن عبد الله بن يوسف عن مالك، وأبو صالح هو: ذكوان
السمان، ومباحثه قد تقدمت هناك. وقال بعضهم: استدل بقوله: ((إذا قال الإمام)) على أن
الإمام لا يقول: ربنا لك الحمد، وعلى أن المأموم لا يقول: ((سمع الله لمن حمده)) لكون
ذلك لم يذكر في هذه الرواية، كذا حكاه الطحاوي، وهو قول مالك وأبي حنيفة، وفيه نظر،
لأنه ليس فيه ما يدل على النفي. قلت: لا نسلم ذلك لأنه عَِّ قسم التسميع والتحميد،
فجعل التسميع للإمام والتحميد للمأموم، فالقسمة تنافي الشركة.
فإن قلت: روى البخاري، رضي الله تعالى عنه، من حديث أبي هريرة، رضي الله تعالى
عنه: ((كان يكبر في كل صلاة ... )) الحديث، وفيه: ((ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله
لمن حمده، ثم يقول: ربنا ولك الحمد .. )) الحديث. قلت: هذا كان قنوتاً، وقد فعله ثم
تركه، وإنما قلنا: إنه كان قنوتاً لأن فيه: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش
ابن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين ... إلى آخره. فإن قلت: روى البخاري أيضاً من
حديث أبي هريرة، قال: ((كان النبي عَّ إذا قال: سمع الله لمن حمده، قال: اللهم ربنا
ولك الحمد ... )) الحديث، فهذا صريح في أنه عَّه كان يجمع بينهما، لا لعلة قنوت ولا
لغيره. قلت: يمكن أن يكون هذا من النبي عَّه، وهو منفرد، فافهم. وقال الكرماني إن النبي
عَ لَّه قالهما جميعاً، والمأموم مأمور بمتابعته، لقوله: ((صلوا كما رأيتموني أصلي))، قلت: قوله:
((قالهما جميعاً) يحتمل أن يكون ذلك وهو منفرد، كما ذكرنا، وأبو حنيفة أيضاً حمله على
حالة الانفراد، والحديث حجة عليهم، لأنهم يقولون: المأموم مأمور بمتابعة الإمام، ثم يقولون:
الإمام إذا ظهر محدثاً يتم المأموم صلاته، فأين وجدت المتابعة؟
١٢٦ - بابٌ
لم تقع لفظة: باب، في رواية الأصيلي، وعلى روايته شرح ابن بطال، ووقع في رواية
الأكثرين، لكن بلا ترجمة. وقال بعضهم: والراجح إثباته لأن الأحاديث المذكورة فيه لا دلالة
فيها على فضل: اللهم ربنا لك الحمد، إلاّ بتكلف، فالأولى أن يكون بمنزلة الفصل من الباب
الذي قبله. انتهى. قلت: لا نسلم دعوى التكلف في دلالة الأحديث المذكورة بعد لفظة
باب مجرداً عن الترجمة على فضل: اللهم ربنا لك الحمد، لأنه لا يلزم أن تكون الدلالة
صريحة، لأن الموضع الذي يكون فيه لفظ: باب، بمعنى الفصل يكون حكمه حكم الفصل،
وحكم الفصل أن تكون الأشياء المذكورة بعده من جنس الأشياء المذكورة فيما قبله، ولا

١٠٤
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٢٦)
يلزم أن يكون التطابق بينهما ظاهراً صريحاً، بل وجوده بحيثية من الحيثيات يكفي في ذلك،
وههنا كذلك، لأن المذكور بعد قوله: باب، ثلاثة أحاديث: الأول: حديث أبي هريرة،
والأصل فيه أنه صلاة كان فيها قنوت، والصلاة التي فيها القنوت قد ذكر فيها التسميع
والتحميد معاً، ويدل ذكر التحميد فيه على فضله، لأن الموضع كان موضع الدعاء، فدل هذا
الحديث المختصر من الأصل على فضيلة التحميد من حيث أنه عَّ له بيَّنهما في الدعاء،
والذي يدل على الفضل في الأصل صريحاً يدل على المختصر منه دلالة. الثاني: حديث
أنس الذي يدل على أن القنوت كان في المغرب والفجر، والكلام فيه كالكلام في حديث
أبي هريرة. الثالث: حديث رفاعة بن رافع، رضي الله تعالى عنه، وفيه الدلالة على فضيلة
التحميد صريحاً، لأن ابتدار الملائكة إنما كان بسبب ذكر الرجل إياه. فإن قلت: لفظ: باب،
هذا هل هو معرب أم مبني؟ قلت: الإعراب لا يكون إلا بعد العقد والتركيب، فلا يكون
معرباً، بل حكمه حكم أعداد الأسماء من غير تركيب. فافهم.
٧٩٧/١٨٥ - حدَّثنا مُعَاذُ بنُ فَضَالَةَ قال حدَّثنا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عنْ أَبِي سَلَمَةَ عنْ أبي
هُرَيْرَةَ قال لأُقَرْبَتَّ صَلاَةَ النبيِّ عَُّلِّ فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ يَقْنُتُ فِي الرَّكْعَةِ
الأَخْرَى مِنْ صَلاَةِ الظهْرِ وصَلاَةِ العِشَاءِ وصَلاَةِ الصُّبْحِ بَعْدَ ما يَقُولُ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ
فَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَلْعَنُ الكُفَّارَ. [الحديث ٧٩٧ - أطرافه في: ٨٠٤، ١٠٠٦، ٢٩٣٢،
٣٣٨١، ٤٥٦٠، ٤٥٩٨، ٦٢٠٠، ٦٣٩٣، ٦٩٤٠].
وجه ذكر هذا الحديث قد مضى ذكره الآن.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: معاذ بن فضالة، بفتح الفاء: أبو زيد البصري، مر
ذكره في: باب النهي عن الاستنجاء باليمين. الثاني: هشام الدستوائي. الثالث: يحيى بن أبي
كثير. الرابع: أبو سلمة بن عبد الرحمن. الخامس: أبو هريرة، رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه : العنعنة في
ثلاثة مواضع. وفيه : القول في موضعين. وفيه : أن شيخ البخاري من أفراده. وفيه : عن أبي
سلمة وفي رواية مسلم: من طريق معاذ بن هشام عن أبيه عن يحيى: حدثني أبو سلمة.
وفيه : أن رواته ما بين بصري ودستوائي ويماني ومدني.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم أيضاً في الصلاة عن محمد بن المثنى. وأخرجه
أبو داود فيه عن داود بن أمية. وأخرجه النسائي فيه عن سليمان بن مسلم البلخي.
ذكر معناه: قوله: (لأقربن صلاة النبي عَّلُ))، وفي رواية مسلم: (لأقربن لكم))، وفي
رواية الإسماعيلي ((إني لأقربكم صلاة برسول الله عَّه)، وفي رواية النسائي: ((إني لأقربكم
شبهاً بصلاة النبي عَّه)). وقال الكرماني: (لأقربن)) أي: والله لأقربكم إلى صلاة رسول الله
عَّ له، أو لأقرب صلاته إليكم. قلت: ((الأقربن)) بالباء الموحدة وبنون التأكيد، ومعناه: لآتينكم
بما يشبهها وما يقرب منها. وفي نسخة من نسخ أبي داود: ((لأقرئن، من القراءة))، ولم يظهر

١٠٥
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٢٦)
لي وجهها. وفي رواية الطحاوي: قال أبو هريرة: ((لأرينكم صلاة رسول الله عَّالغ)). قوله:
((فكان أبو هريرة ... )) إلى آخره، قيل: المرفوع من هذا الحديث وجود القنوت لا وقوعه في
الصلوات المذكورة، فإنه موقوف على أبي هريرة، والظاهر أن جميعه مرفوع، يدل عليه:
(لأقربن صلاة النبي عَّ)) وفي رواية مسلم: ((لأقربن لكم صلاة النبي عَّ))، ثم إنه فسر
ذلك بقوله: ((فكان أبو هريرة ... )) إلى آخره، و: الفاء فيه تفسيرية. قوله: ((في الركعة الآخرة)،
هذه رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: ((في الركعة الأخرى)).
ذكر ما يستفاد منه: استدل به من يرى بالقنوت في الصلوات المذكورة، وعند
الظاهرية: القنوت فعل حسن في جميع الصلوات، وعند ابن سيرين وابن أبي ليلى ومالك
والشافعي وأحمد وإسحاق: القنوت في الفجر بعد الركوع، وحكاه ابن المنذر عن أبي بكر
الصديق وعمر وعثمان وعلي، رضي الله تعالى عنهم، في قول، وعند مالك وابن أبي ليلى
وأحمد في رواية: هو قبل الركوع. وعند أبي حنيفة: القنوت في الوتر خاصة قبل الركوع.
وحكى ابن المنذر كذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وأبي موسى الأشعري والبراء بن عازب
وابن عمر وابن عباس وأنس وعمر بن عبد العزيز وعبيدة السلماني وحميد الطويل وعبد الله
ابن المبارك. وحكى ابن المنذر أيضاً التخيير قبل الركوع وبعده عن أنس وأيوب بن أبي تميمة
وأحمد بن حنبل. وقال أبو داود، قال أحمد: كل ما روى البصريون عن عمر في القنوت فهو
بعد الركوع، وروى الكوفيون قبل الركوع. وقال الترمذي: وقال أحمد وإسحاق: لا يقنت في
الفجر إلا عند نازلة تنزل بالمسلمين، فإذا نزلت نازلة فللإمام أن يدعو لجيوش المسلمين.
وقال سفيان الثوري: إن قنت في الفجر فحسن، وإن لم يقنت فحسن، واختار أن لا يقنت،
ولم ير ابن المبارك القنوت في الفجر. وقال الطحاوي: حدثنا ابن أبي داود حدثنا المقدمي
حدثنا أبو معشر حدثنا أبو حمزة عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود، قال: ((قنت رسول الله
عَّتر شهراً يدعو على عصية وذكوان، فلما ظهر عليهم ترك القنوت)). وكان ابن مسعود لا
يقنت في صلاته. ثم قال: فهذا ابن مسعود يخبر أن قنوت رسول الله عَ لَّلِ الذي كان يقنته
إنما كان من أجل من كان يدعو عليه، وأنه قد كان ترك ذلك فصار القنوت منسوخاً، فلم
يكن هو من بعد رسول الله عَ لِّ يقنت.
وكان أحد من روى عنه عَّ أيضاً عبد الله بن عمر، ثم أخبر أن الله عز وجل نسخ
ذلك حين أنزل على رسول الله عَّلَّهِ: ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم
فإنهم ظالمون﴾ [آل عمران: ١٢٨]. فصار ذلك عند ابن عمر منسوخاً أيضاً، فلم يكن هو
يقنت بعد رسول الله عَّ ر، وكان ينكر على من كان يقنت، وكان أحد من روى عنه القنوت
عن رسول الله عَّه عبد الرحمن بن أبي بكر، فأخبر في حديثه بأن ما كان يقنت به رسول
الله عَ لَّه دعاء على من كان يدعو عليه، وأن الله عز وجل نسخ ذلك بقوله: ﴿ليس لك من
الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم﴾ [آل عمران: ١٢٨]. الآية ففي ذلك أيضاً وجوب
ترك القنوت في الفجر. فإن قلت: قد ثبت عن أبي هريرة أنه كان يقنت في الصبح بعد

١٠٦
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٢٦)
رسول الله عَ لَّه، فكيف تكون الآية ناسخة لجملة القنوت؟ قلت: يحتمل أن يكون نزول
هذه الآية لم يكن أبو هريرة علمه، فكان يعمل على ما علم من فعل رسول الله عَ لّه وقنوته
إلى أن مات، لأن الحجة لم تثبت عنده بخلاف ذلك، ألا ترى إلى أن عبد الله بن عمر
وعبد الرحمن بن أبي بكر، رضي الله تعالى عنهم، لما علما بنزول هذه الآية وعلما كونها
ناسخة لما كان رسول الله عَّهِ، يفعل تركا القنوت.
٧٩٨/١٨٦ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ أبي الأسْوَدِ قال حدَّثنا إسْمَاعِيلُ عنْ خالِدِ الحَذَّاءِ عنْ
أبي قِلاَّبَةَ عنْ أنسٍ رضي الله تعالى عنهُ قالَ كانَ القُنُوتُ فِي الْمَغْرِبِ والفَجْرِ. [الحديث
٧٩٨ - طرفه في: ١٠٠٤].
قد ذكرنا وجه إيراد هذا الحديث هنا في أول باب مجرداً.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: عبد الله بن محمد بن أبي الأسود، واسم أبي
الأسود: حميد بن الأسود أبو بكر البصري، مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين. الثاني:
إسماعيل بن علية. الثالث: خالد بن مهران الحذاء. الرابع: أبو قلابة، بكسر القاف: عبد الله
ابن زيد بن عمرو الجرمي. الخامس: أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه : العنعنة في
ثلاثة مواضع. وفيه : القول في موضعين. وفيه : أن رواته كلهم بصريون. وفيه : أن شيخ
البخاري من أفراده.
والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الوتر عن مسدد عن ابن علية.
قوله: ((كان القنوت)) يعني في أول الأمر، واحتج بهذا على أن قول الصحابي: كنا
نفعل كذا، له حكم الرفع وإن لم يقيده بزمن النبي عَّ له، قاله الحاكم. ثم اعلم أن عبارة
كلام أنس تدل على أن القنوت كان في صلاة المغرب والفجر، ثم ترك. ويدل عليه ما رواه
أبو داود: حدثنا أبو الوليد حدثنا حماد بن سلمة عن أنس بن سيرين عن أنس بن مالك: ((أن
النبي عَّ ◌َلّ قنت شهراً ثم تركه)). انتهى. وقوله: ((ثم تركه)) يدل على أن القنوت كان في
الفرائض ثم نسخ. فإن قلت: قال الخطابي: معنى قوله: ((ثم تركه))، أي: ترك الدعاء على
هؤلاء القبائل المذكورة في حديث ابن عباس، أو ترك القنوت في الصلوات الأربع ولم يتركه
في صلاة الفجر؟ قلت: هذا كلام متحكم متعصب بلا دليل، فإن الضمير في تركه يرجع
إلى القنوت الذي يدل عليه لفظ: قنت، وهو عام يتناول جميع القنوت الذي كان في
الصلوات، وتخصيص الفجر من بينها بلا دليل في اللفظ يدل عليه باطل. وقوله: ((أي: ترك
الدعاء))، لا يصح، لأن الدعاء لم يمض ذكره في هذا الحديث، ولئن سلمنا فالدعاء هو عين
القنوت، وما ثم شيء غيره، فيكون قد ترك القنوت والترك بعد العمل نسخ.
فإن قلت: روى عبد الرزاق في (مصنفه): أخبرنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس
ابن مالك «قال: ما زال رسول الله عَ ◌ِّ يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا)). ومن طريق عبد

١٠٧
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٢٦)
الرزاق رواه الدارقطني في (سننه) وإسحاق بن راهويه في (مسنده). قلت: قال ابن الجوزي
في (العلل المتناهية): هذا حديث لا يصح، فإن أبا جعفر الرازي اسمه عيسى بن ماهان، وقال
ابن المديني: كان يخلط، وقال يحيى: كان يخطىء. وقال أحمد: ليس بالقوي في
الحديث. وقال أبو زرعة: كان يتهم كثيراً. وقال ابن حبان: كان ينفرد بالمناكير عن
المشاهير. انتهى. ورواه الطحاوي في (شرح الآثار) وسكت عنه، إلاّ أنه قال: وهو معارض بما
روي عن أنس، رضي الله تعالى عنه، أنه عَّ إنما قنت شهراً يدعو على أحياء من العرب ثم
تركه، وروى الطبراني في (معجمه): حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز حدثنا شيبان بن
فروخ حدثنا غالب بن فرقد الطحان قال: كنت عند أنس بن مالك شهرين فلم يقنت في
صلاة الغداة. انتهى. فهذا يدل على أن القنوت كان ثم نسخ، إذ لو لم ينسخ لم يكن أنس
يتركه. فإن قلت: قال صاحب (التنقيح على التحقيق): هذا الحديث - أعني: حديث عبد
الرزاق المذكور آنفاً - أجود أحاديثهم، وذكر جماعة وثقوا أبا جعفر الرازي. قلت: قال هو
أيضاً: وإن صح فهو محمول على أنه ما زال يقنت في النوازل، أو على أنه ما زال يطول في
الصلاة، فإن القنوت لفظ مشترك بين الطاعة والقيام والخشوع والسكوت وغير ذلك، قال الله
تعالى: ﴿إِن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً﴾ [النحل: ١٢٠]. وقال: ﴿أمن هو قانت آناء
الليل﴾ [الزمر: ٩]. وقال: ﴿ومن يقنت منكن الله ورسوله﴾ [الأحزاب: ٣١]. وقال: ﴿يا مريم
اقنتي﴾ [آل عمران: ٤٣] .. وقال: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وقال: ﴿وكل له
قانتون﴾ [البقرة: ١١٦. الروم: ٢٦]. وفي الحديث: ((أفضل الصلاة القنوت)).
٧٩٩/١٨٧ - حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مالِكِ عنْ نُعَيْمِ بنِ عَبْدِ اللهِ المُجْمِرِ عنْ
عَلِيٍّ بنِ يَحْيَى بنِ خَلاَّدٍ الزُّرَقِيّ عنْ أَبِيِهِ عنْ رِفَاعَةَ بِنِ رَافِعِ الزُّرَقِي قَالَ كُنَّا يَوْماً نُصَلِّي وَرَاءَ
النَّبِيِّ عَ لّهِ فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ سَمِعَ الله لِمَنَّ حَمِدَهُ قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ رَبَّنَا وَلَكَ
الحَمْدُ حَمْداً كَثِيراً طَيِباً مُبَارَكاً فِيهِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ مَن المُتَكَلِّمُ قال أنا قال رَأَيْتُ بِضْعَةً
وثَلاَثِينَ مَلَكاً يَتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أوَّلُ.
مطابقته للترجمة ظاهرة، وقد بيناه في أول الباب.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: عبد الله بن مسلمة القعنبي. الثاني: مالك بن أنس.
الثالث: نعيم، بضم النون، ابن عبد الله المجمر، بلفظ الفاعل من الإجمار، وقد مر ذكره في:
باب فضل الوضوء، وهو صفة لنعيم ولأبيه أيضاً. الرابع: علي بن يحيى بن خلاد، بفتح الخاء
المعجمة وتشديد اللام وبالدال المهملة: الزرقي، بضم الزاي وفتح الراء وبالقاف: الأنصاري
المدني: مات سنة تسع وعشرين ومائة. الخامس: أبوه يحيى بن خلاد بن رافع، حنكه النبي،
عَِّ. السادس: عمه رفاعة، بكسر الراء وتخفيف الفاء وبعد الألف عين مهملة: ابن رافع،
بالراء وبالفاء: ابن مالك الزرقي، شهد المشاهد، روي له أربعة وعشرون حديثاً، للبخاري
ثلاثة، مات زمن معاوية، رضي الله تعالى عنه.

١٠٨
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٢٦)
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه : العنعنة
في خمسة مواضع. وفيه : القول في موضع واحد. وفيه : عن علي بن يحيى، وفي رواية ابن
خزيمة: أن علي بن يحيى حدثه. وفيه : أن رجاله كلهم مدنيون. وفيه : رواية الأكابر عن
الأصاغر، لأن نعيماً أكبر سناً من علي بن يحيى، وأقدم سماعاً منه. وفيه : رواية ثلاثة من
التابعين في نسق واحد، وهم من بين مالك والصحابي. وفيه : من وجه رواية الصحابي عن
الصحابي، لأن يحيى بن خلاد مذكور في الصحابة، رضي الله تعالى عنهم.
والحديث أخرجه أبو داود أيضاً عن القعنبي عن مالك. وأخرجه النسائي عن محمد بن
مسلمة عن عبد الرحمن بن القاسم عن مالك به.
ذكر معناه: قوله: ((يوماً)، يعني: في يوم من الأيام. قوله: ((قال رجل وراءه)) أي: وراء
النبي، عَّه، ولفظ: وراءه، في رواية الكشميهني، وليس بموجود في رواية غيره، والمراد بهذا
الرجل هو: رفاعة بن رافع راوي الخبر، قاله ابن بشكوال، واحتج في ذلك بما رواه النسائي
وغيره: عن قتيبة عن رفاعة بن يحيى الزرقي عن عم أبيه معاذ بن رفاعة عن أبيه، قال:
((صليت خلف النبي، عَ ◌ّهِ، فعطست فقلت: الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، مباركاً
عليه كما يحب ربُّنا ويرضى. فلما صلى رسول الله عَّه، انصرف فقال: من المتكلم في
الصلاة؟ فلم يكلمه أحد، ثم قالها الثانية: من المتكلم في الصلاة؟ فقال رفاعة بن رافع: أنا يا
رسول الله. قال: كيف قلت؟ قال: الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه مباركاً عليه كما
يحب ربنا ويرضى، فقال النبي، عَّه: والذي نفسي بيده، لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكاً أيهم
يصعد بها)). انتهى. قيل : هذا التفسير فيه نظر لاختلاف القصة؟ وأجيب بأنه لا تعارض بين
الحديثين لاحتمال أنه وقع عطاسه عند رفع رأس النبي، مَّ له، ولم يذكر نفسه في حديث
الباب لقصد إخفاء عمله وطريق التجريد، ويجوز أن يكون بعض الرواة نسي اسمه وذكره
بلفظ الرجل، وأما الزيادة التي في رواية النسائي فلاختصار الراوي إياها، فلا يضر ذلك.
فإن قلت: ما هذه الصلاة التي ذكرها رفاعة بقوله: ((كنا نصلي يوماً))؟ قلت: بين ذلك
ابن بشر عمر الزهراني في روايته عن رفاعة أن هذه الصلاة كانت صلاة المغرب. قوله:
((حمداً)، منصوب بفعل مضمر دل عليه قوله: ((لك الحمد)). قوله: ((طيباً) أي: خالصاً عن
الرياء والسمعة. قوله: ((مباركاً فيه))، أي: كثير الخير. وأما قوله في رواية النسائي: ((مباركاً
عليه))، فالظاهر أنه تأكيد للأول :. وقيل: الأول بمعنى الزيادة والثاني بمعنى البقاء. قوله: ((فلما
انصرف)) أي: من صلاته. قوله: ((قال: من المتكلم؟)) أي: قال النبي عَّه من المتكلم بهذه
الكلمات؟ قوله: ((بضعة وثلاثين ملكاً)، ويروى: بضعاً وثلاثين، والبضع، بكسر الباء وفتحها:
هو ما بين الثلاث والتسع. تقول بضع سنين، وبضعة عشر رجلاً وقال الجوهري، إذا جاوزت
العشرة ذهب البضع، لا تقول: بضع وعشرون. قلت: الحديث يرد عليه لأنه عَ لَّه أفصح
الفصحاء، وقد تكلم به.
فإن قلت: ما الحكمة في تخصيص هذا العدد بهذا المقدار؟ قلت: قد استفتح علي

١٠٩
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٢٦)
ههنا من الفيض الإلهي أن حروف هذه الكلمات أربعة وثلاثون حرفاً، فأنزل الله تعالى بعدد
حروفها ملائكة، فتكون أربعة وثلاثين ملكاً في مقابلة كل حرف ملك، تعظيماً لهذه
الكلمات، وقس على هذا ما وقع في رواية النسائي التي ذكرناها الآن، وعلى هذا أيضاً ما
وقع في حديث مسلم من رواية أنس: ((لقد رأيت اثني عشر ملكاً يبتدرونها)). وفي حديث
أبي أيوب عند الطبراني: (ثلاثة عشر))، فإن قلت: هؤلاء الملائكة غير الحفظة أم لا؟ قلت:
الظاهر أنهم غيرهم، ويدل عليه حديث أبي هريرة، رواه البخاري ومسلم عنه مرفوعاً: ((ان الله
ملائكة يطوفون في الطريق ويلتمسون أهل الذكر))، وقد يستدل بهذا أن بعض الطاعات قد
يكتبها غير الحفظة. قوله: ((قال: أنا))، أي: قال الرجل: أنا المتكلم يا رسول الله. فإن قلت:
كرر عَّله سؤاله في رواية النسائي كما مر، والإجابة كانت واجبة عليه، بل وعلى غيره أيضاً
ممن سمع رفاعة، فإن سؤاله عَّم لم يكن لمعين. قلت: لما لم يكن سؤاله، لمعين لم تتعين
المبادرة بالجواب، لا من المتكلم ولا من غيره، فكأنهم انتظروا من يجيب منهم. فإن قلت:
ما حملهم على ذلك؟ قلت: خشية أن يبدو في حقه شيء، ظناً منهم أنه أخطأ فيما فعل،
ورجاء أن يقع العفو عنه، والدليل على ظنهم ذلك ما جاء في رواية ابن قانع، من حديث
سعيد بن عبد الجبار: عن رفاعة بن يحيى قال رفاعة: ((فوددت أني أُخرجت من مالي وأني
لم أشهد مع رسول الله عَ لَّ تلك الصلاة)). قوله: ((يبتدرونها)) أي: يسعون في المبادرة. يقال:
ابتدروا الصلاح أي: سارعوا إلى أخذه، وفي رواية النسائي: ((أيهم يصعد بها أول)). وفي رواية
الطبراني، من حديث أبي أيوب: أيهم، يرفعها. قوله: ((أيهم))، بالرفع على أنه مبتدأ وخبره هو
قوله: ((يكتبها))، ويجوز في: أيهم، النصب على تقدير: ينظرون أيهم يكتبها. وأي: موصولة
عند سيبويه، والتقدير: يبتدرون الذي هو يكتبها أول. قوله: ((أول))، مبني على الضم بأن
حذف المضاف إليه منه، تقديره: أولهم، يعني: كل واحد منهم يسرع ليكتب هذه الكلمات
قبل الآخر ويصعد بها إلى حضرة الله تعالى لعظم قدرها. ويروى: ((أول)) بالفتح ويكون حالاً.
فإن قلت: ما الفرق بين: يكتبها أول، وبين: يصعد بها؟ قلت: يحمل على أنهم يكتبونها ثم
يصعدون بها. وقال الجوهري: أصل أول أو آل، على وزن أفعل مهموز الوسط، فقلبت الهمزة
واواً وأدغمت الواو في الواو، وقيل: أصله: وول، على فوعل، فقلبت الواو الأولى همزة، وإذا
جعلته صفة لم تصرفه، تقول: لقيته عاماً أول، وإذا لم تجعله صفة صرفته نحو: رأيته أولاً.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: ثواب التحميد لله والذكر له. وفيه : دليل على جواز رفع
الصوت بالذكر ما لم يشوش على من معه. وفيه : دليل على أن العاطس في الصلاة يحمد
الله بغير كراهة، لأنه لم يتعارف جواباً، ولكن لو قال له آخر: يرحمك الله وهو في الصلاة
فسدت صلاته، لأنه يجري في مخاطبات الناس، فكان من كلامهم. وبعضهم خصص
الحديث بالتطوع وهو غير صحيح لما بينا أنه كان صلاة المغرب، وروي عن أبي حنيفة أن
العاطس يحمد الله في نفسه ولا يحرك لسانه، ولو حرك تفسد صلاته، كذا في (المحيط):
والصحيح خلاف هذا كما ذكرنا. وفيه : دليل على أن من كان في الصلاة فسمع عطسة

١١٠
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٢٧)
رجل لا يتعين عليه تشميته، ولهذا قلنا لو شمته تفسد صلاته.
١٢٧ - بابُ الإِطْمَأْنِينَةِ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ
أي: هذا باب في بيان الإطمئنان حين يرفع المصلي رأسه من الركوع. قوله:
((الإطمأنينة)) كذا هو في رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: ((باب الطمأنينة))، وهي
الأصح، والموجودة في اللغة كما ذكرنا في: باب حد إتمام الركوع.
وقال أبُو محُمَيْدٍ رَفَعَ النبيُّ عَلَّه فَاسْتَوَى جَالِساً حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ
مطابقته للترجمة في قوله: ((فاستوى))، معناه: فاستوى قائماً. وقوله: ((جالساً))، لم يقع
إلاّ في رواية كريمة، وليس له وجه إلّ إذا أريد بالجلوس السكون، فيكون من باب ذكر
الملزوم وإرادة اللازم، ومفعول: رفع، محذوف تقديره: رفع رأسه من الركوع، والفقار، بفتح
الفاء وتخفيف القاف جمع: فقارة الظهر، وهي خرزاته. والمعنى: حتى يعود جميع الفقار
مكانه، وهذا التعليق وصله البخاري في: باب سنة الجلوس للتشهد، على ما يأتي إن شاء الله
تعالی.
٨٠٠/١٨٨ - حدَّثنا أبُو الوَلِيدِ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنْ ثَابِتٍ قال كانَ أَنَسْ يَتْعَثُ لَنَا صَلاَةَ
النبيِّ عَ ◌ّهِ فَكَانَ يُصلِّي فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قامَ حَتَّى نَقُولَ قَدْ نَسِيَ. [الحديث ٨٠٠
- طرفه في: ٨٢١].
مطابقته للترجمة ظاهرة. وأبو الوليد: هشام بن عبد الملك الطيالسي. وهذا الحديث
تفرد به البخاري، وساقه شعبة عن ثابت مختصراً، ورواه حماد بن زيد مطولاً، كما يأتي في:
باب المكث بين السجدتين. قوله: ((ينعت))، بفتح العين: أي: يصف. قوله: ((حتى نقول))،
بالنصب: إلى أن نقول نحن قد نسي وجوب الهوي إلى السجود، هكذا فسره الكرماني.
وقال بعضهم: يحتمل أن يكون المراد أنه نسي أنه في الصلاة، وأظن أنه وقت القنوت، حيث
كان معتدلاً. أو التشهد حيث كان جالساً. قلت: هذه الظنون كلها لا تليق في حق النبي
عَّلَّهِ، وإنما كان تطويله في استوائه قائماً لأجل الطمأنينة والاعتدال.
٨٠١/١٨٩ - حدَّثنا أبو الوَلِيدِ قال حدَّثنا شُعْبَةُ عنِ الحَكَمِ عن ابنِ أبِي لَعْلَى عنِ البَرَاءِ
رضي الله تعالى عنهُ قال كانَ رُكُوُ النبيِّ وَسُجُودُهُ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَبَيْنَ
السَّجْدَتَيْنِ قَرِيباً مِنَ السَّوَاءِ. [انظر الحديث ٧٩٢ وطرفه].
مطابقه للترجمة من حيث إنه لما كان ركوعه عَّله ورفع رأسه منه قريباً من السواء،
وكان يطمئن في ركوعه وكذلك كان يطمئن في رفع رأسه من ركوعه، طابق الترجمة من
هذه الحيثية. وقد مضى هذا الحديث في: باب حد إتمام الركوع والاعتدال، غير أنه رواه
هناك: عن بدل بن المحبر عن شعبة عن الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ...
إلى آخره. وههنا: عن أبي الوليد عن شعبة .. إلى آخره. وذكر هناك. قوله: ((ما خلا القيام

١١١
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٢٧)
والقعود))، ولم يذكره ههنا. وقد ذكرنا هناك جميع ما يتعلق به من الأشياء.
٨٠٢/١٩٠ - حدَّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ أَيُّوبَ عنْ أبِي قِلاَبَةً
قال كانَ مالِكٌ بنُ الحُوَيْرِثِ يُرِينَا كَيْفَ كانَ صلاةُ النّبِيِّ عَّهِ وَذَاكَ فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلاَةٍ
فِقَامَ فَأَمْكَنَ القِيَامَ ثُمَّ رَكَعَ فَأَمْكَنَ الرُّكُوعَ ثُمَّ رفَعَ رَأْسَهُ فَانْصَبَّ هُنَيَّةٌ قال فَصَلَّى بِنَا صلاَةَ
شَيْخِنَا هَذَا أبي بُرَيْدٍ إذَا رَفَعَ رأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الآخِرَةِ استَوَى قاعِداً ثُمَّ نَهَضَ. [انظر
الحديث ٦٧٧ وطرفيه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ثم رفع رأسه فانصب هنية)). وهذا الحديث أخرجه
البخاري في: باب من صلى بالناس وهو لا يريد إلاّ أن يعلمهم عن موسى بن إسماعيل عن
وهيب عن أيوب عن أبي قلابة، وههنا: عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن أيوب
السختياني عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، ولكن في المتن اختلاف كما ترى، وقد
ذكرنا هناك ما يتعلق به من الأشياء، ونذكر ههنا ما لم نذكره هناك للاختلاف في المتن.
قوله: ((في غير وقت الصلاة)) ويروى: ((في غير وقت صلاة))، بدون الألف واللام.
قوله: ((يرينا))، بضم الياء، من الإراءة. قوله: ((وذاك)) إشارة إلى فعله عَّ من الصلاة في غير
وقتها، لأجل التعليم. قوله: ((فأمكن)) أي: مكن، يقال: مكنه الله من الشيء وأمكنه بمعنى
واحد. قوله: ((فانصب)) بفتح الصاد المهملة وتشديد الباء الموحدة. قال بعضهم: هو من
الصب. قلت: ليس كذلك، بل هو من الإنصاب كأنه كنى عن رجوع أعضائه عن الانحناء
إلى القيام بالانصباب، وهذه هي الرواية المشهورة، وهي رواية الأكثرين. وفي رواية
الكشميهني: ((فأنصت))، بالتاء المثناة من فوق من: الإنصات، وهو السكوت. وقال الكرماني:
يعني: لم يكبر للهوي في الحال، وقال بعضهم: فيه نظر، والأوجه أن يقال: هو كناية عن
سكون أعضائه، عبر عن عدم حركتها بالإنصات، وذلك دال على الطمانينة. انتهى.
قلت: الذي قاله الكرماني هو الأوجه لأن تأخير تكبير الهوي دليل على الطمأنينة، فلا
حاجة إلى جعل هذا كناية عن سكون أعضائه، ولا يصار إلى المجاز إلّ عند تعذر الحقيقة،
كما عرف في موضعه، وحكى ابن التين أن بعضهم ضبطه بالتاء المثناة من فوق المشددة، ثم
قال: أصله: انصوت، فأبدل من الواو تاء، ثم أدغمت التاء في الأخرى، وقياس إعلاله:
انصات، فتحركت الواو وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفاً. قال: ومعنى إنصات: استوت قامته بعد
الانحناء، هذا كلام من لم يذق شيئاً من الصرف. وقاعدة الصرف لا تقتضي أن تبدل من
الواو تاء، بل القاعدة في مثل: انصوت أن تقلب: الواو، ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، وقد
قال الجوهري: وقد أنصت الرجل إذا استوت قامته بعد الانحناء، كأنه أقبل شبابه. قال
الشاعر:
وتسعين أخرى ثم قوَّم فانصاتا
ونصر بن دهمان الهنيدة عاشها
وراجعه شرخ الشباب الذي فاتا
وعاد سواد الرأس بعد بياضه

١١٢
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٢٨)
وراجع أيداً، بعد ضعف وقوة
ولكنه من بعد ذا كله ماتا
وعن هذا عرفت أن ما حكاه ابن التين تصحيف، ووقع في رواية الإسماعيلي:
((فانتصب قائماً))، وهذا أظهر وأولى من الكل. قوله: ((هنية))، بضم الهاء وفتح النون وتشديد
الياء آخر الحروف: أي شيئاً قليلاً، وقد مر تحقيق هذه اللفظة في: باب ما يقول بعد التكبير.
قوله: ((قال)) أي: أبو قلابة. قوله: ((صلاة شيخنا)) أي: كصلاة شيخنا هذا، وأشار به ألى عمرو
ابن سلمة الجرمي، ولفظه في: باب من صلى بالناس وهو لا يريد إلاّ أن يعلمهم. قال: مثل
شيخنا هذا، وكان الشيخ يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض في الركعة الأولى.
قوله: ((أبي بريد)) كنيته عمرو بن سلمة، وقد ذكره في ذلك بلفظ الشيخ فقط، وههنا ذكره
بلفظ كنيته، ولم يذكر في ذاك ولا في هذا اسمه صريحاً، ثم اختلفوا في ضبط هذه الكنية،
ففي رواية الأكثرين: أبي زيد، بفتح الياء آخر الحروف بعدها الزاي، وفي رواية الحموي
وكريمة، بضم الباء الموحدة وفتح الراء، وكذا ضبطه مسلم في (الكنى) وقال الغساني: هو
بالتحتانية والزاي، من الزيادة، وهكذا روي عن البخاري من جميع الطرق، إلاّ ما ذكره أبو ذر
الهروي عن الحموي عن الفربري فإنه قال: أبي بريد، بضم الباء الموحدة. وقال عبد الغني بن
سعيد لم أسمعه من أحد، إلاّ بالزاي، لكن مسلم أعلم بأسماء المحدثين. قوله: ((فكان أبو
بريد»، ويروى: ((وكان))، بالواو قوله: ((قاعداً)، حال من الضمير الذي في ((استوى)). قوله:
((ثم نهض))، يقال: نهض ينهض نهضاً ونهوضاً: قام. ونهض النبت: استوى.
١٢٨ - بابٌ يَهْوِي بِالتَّكْبِيرِ حِينَ يَسْجُدُ
:
أي: هذا باب ترجمته: يهوي المصلي بالتكبير وقت سجدته. قوله: ((يهوي))، روي
بضم الياء وفتحها، ومعنى يهوي: ينحط، يقال: هوى يهوي هوياً، بالفتح إذا هبط، وهوى
يهوي هوياً بالضم إذا صعد. وقيل بالعكس، وفي صفته عَّ كأنما يهوي من صبب أي
ينحط. وفي حديث البراق: ((ثم انطلق يهوي)) أي: يسرع، وهو يهوَى هوىّ: إذا أحب.
وقال نافِعْ كانَ ابنُ عُمَرَ يَضَعُ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ
مطابقة هذا الأثر للترجمة من حيث اشتمالها عليه لأنها في الهوى بالتكبير إلى
السجود، فالهوي فعل، والتكبير قول، فكما أن حديث أبي هريرة المذكور في هذا الباب يدل
على القول، يدل أثر ابن عمر على الفعل، لأن للهوي إلى السجود صفتين: صفة قولية وصفة
فعلية، فأثر ابن عمر إشارة إلى الصفة الفعلية، وأثر أبي هريرة إلى الفعلية والقولية جميعاً، فهذا
هو السر في هذا الموضع. وقول بعضهم: إن أثر ابن عمر من جملة الترجمة فهو مترجم به لا
مترجم له، غير موجه، بل ولا يصح ذلك، لأنه إذا كان من جملة الترجمة يحتاج إلى شيء
يذكره يكون مطابقاً لها، وليس ذلك بموجود، ثم إن هذا الأثر المعلق أخرجه ابن خزيمة
والحاكم والدارقطني والبيهقي والطحاوي من طريق عبد العزيز الدراوردي، فقال الطحاوي:
حدثنا علي بن عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة، قال: حدثنا أصبغ بن الفرج، قال: حدثنا

١١٣
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٢٨)
الدراوردي عن عبيد الله بن عمر عن نافع ((عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما: أنه إذا كان
سجد بدأ بوضع يديه قبل ركبتيه، وكان يقول: كان النبي عَّه يفعل ذلك)). ثم قال البيهقي:
رواه ابن وهب وأصبغ بن الفرج عن عبد العزيز، ولا أراه إلاّ وهماً، فالمشهور عن ابن عمر ما
رواه حماد بن زيد وابن علية عن أيوب عن نافع. عنه قال: ((إذا سجد أحدكم فليضع یدیه،
فإذا رفع فليرفعهما فإن اليدين يسجدان كما يسجد الوجه)).
قلت: الذي أخرجه الطحاوي أخرجه ابن خزيمة في (صحيحه) والحاكم في
(مستدر كه) وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. والحديث الذي علله به فيه نظر،
لأن كلاً منهما منفصل عن الآخر. وقال الحازمي: اختلف أهل العلم في هذا الباب، فذهب
بعضهم إلى أن وضع اليدين قبل الركبتين أولى، وبه قال مالك والأوزاعي والحسن. وفي
(المغني)، وهي رواية عن أحمد وبه قال ابن حزم وخالفهم في ذلك آخرون ورأوا وضع
الركبتين قبل اليدين أولى. منهم: عمر بن الخطاب والنخعي ومسلم بن يسار وسفيان بن
سعيد والشافعي وأحمد وأبو حنيفة وأصحابه وإسحاق وأهل الكوفة. وفي (المصنف) زاد: أبا
قلابة ومحمد بن سيرين، وقال أبو إسحاق: كان أصحاب عبد الله أذا انحطوا للسجود وقعت
ركبهم قبل أيديهم، وحكاه البيهقي أيضاً عن ابن مسعود، وحكاه القاضي أبو الطيب عن عامة
الفقهاء، وحكاه ابن بطال عن ابن وهب. قال: وهي رواية ابن شعبان عن مالك، وقال قتادة:
يضع أهون ذلك عليه، وفي الأسبيجاني عن أبي حنيفة: من آداب الصلاة وضع الركبتين قبل
اليدين، واليدين قبل الجبهة، والجبهة قبل الأنف، ففي الوضع يقدم الأقرب إلى الأرض، وفي
الرفع يقدم الأقرب إلى السماء: الوجه ثم اليدان ثم الركبتان، وإن كان لابس خف يضع يديه
أولاً.
٨٠٣/١٩١ - حدَّثْنَا أَبُو اليَمَانِ قال حدَّثنا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قال أخبرني أَبُو بَكْرِ بنُ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ الحَارِثِ بنِ هِشَامٍ وَأَبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ كانَ يُكَبِّرُ في
كلِّ صَلاَةٍ مِن المَكْتُوبَةِ وغيْرِهَا فَيْ رَمَضَانَ وغَيْرِهِ فَيُكَّرُ حِينَ يَقُومُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ ثُمَّ
يَقُولُ سَمِعَ اْ لِمَنْ حَمِدَهُ ثُمَّ يَقُولُ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ قَبْلَ أنْ يَسْجُدَ ثُمَّ يَقُولُ اللهُ أكبرُ حِينَ
يَهْوِي ساجِداً ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُجُودِ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حينَ يَرْفَعُ
رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الجُلُوسِ فِي الاثْنَتَيْنِ وَيَفْعَلُ ذِلِكَ في كلِّ رَكْعَةٍ
حَتَّى يَفْرُغَ مِنَ الصَّلاةِ ثُمَّ يَقُولُ حِينَ يَنْصَرِفُ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَقْرَبُّكُمْ شَبَهاً بِصَلاةٍ
رَسُولِ اللهِ عَّلَّهِ إِنْ كانتْ هذِهِ لَصَلاتَهُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيا. [انظر الحديث ٧٨٥ وطرفيه].
٨٠٤ - قالاً وقال أبُو هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ وكانَ رَسُولُ اللهِ لّهِ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ
يَقُولُ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَّ الحَمْدُ يَدْعُو لِرِجَالٍ فَيُسَمِّيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَيَقُولُ اللَّهُمَّ
أنْجِ الوَلِيدَ بِنَ الوَلِيدَ وسِلَمَةَ بنَ هِشَامٍ وعَيَّاشَ بنَ أبِي رَبِيعَةَ والْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ اللَّهُمَّ اشْدُذْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرّ وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ وَأهْلُ
عمدة القاري / ج٦ / ٨٢

١١٤
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٢٨)
المَشْرِقِ يَوْمَئِذٍ مِنْ مُضَرَ مُخَالِفُونَ لَهُ. [انظر الحديث ٧٩٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: «ثم يقول: الله أكبر، حین یھوي ساجداً)).
ذكر رجاله: وهم ستة كلهم ذكروا غير مرة، وأبو اليمان: الحكم بن نافع وشعيب بن
أبي حمزة، والزهري هو: محمد بن مسلم بن شهاب.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار كذلك
في موضع والإخبار بصورة الإفراد في موضع. وفيه : العنعنة في موضع واحد. وفيه : ثلاثة
بالكنى. وفيه : الزهري يروي عن اثنين. وفيه : أن رواته ما بين حمصيين ومدنيين ..
والحديث أخرجه أبو داود في الصلاة عن عمرو بن عثمان بن أبيه، وأخرجه النسائي
فيه عن نصر بن علي وسوار بن عبد الله.
ذكر معناه: قوله: ((إن أبا هريرة كان يكبر))، وزاد النسائي من طريق يونس عن
الزهري: حين استخلفه مروان على المدينة. قوله: ((ثم يقول: الله أكبر)) إنما قال هنا: ((الله
أكبر)) بالجملة الإسمية وفي سائر المواضع: ((ثم يكبر))، بالجملة الفعلية المضارعية لأن سياق
الكلام يدل على ما يدل عليه عقد الباب على هذا التكبير، فأراد أن يصرح بما هو المقصود
نصاً على لفظه. قوله: ((حين ينصرف)) أي: من الصلاة. قوله: ((إن كانت هذه لصلاته))
كلمة: إن، هذه مخففة من الثقيلة، وأصلها: إنه، أي: إن الشأن. وقوله: ((هذه)) اسم كانت
إشارة إلى الصلاة التي صلاها أبو هريرة، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((لصلاته)) خبر: كانت،
واللام فيه للتأكيد، وهي مفتوحة. وقال أبو داود في (سننه) بعد أن روى هذا الحديث: هذا
الكلام الأخير يجعله مالك والزبيدي وغيرهما عن الزهري عن علي بن الحسين، رضي الله
تعالى عنه، يعني: يجعله مرسلاً، قاله بعضهم. قلت: هو قسم من أقسام المدرج، ولكن لا
يلزم من ذلك أن لا يكون الزهري رواه أيضاً عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وغيره
عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب القرشي
الهاشمي أبو الحسين، رضي الله تعالى عنهما، أو أبو الحسن المدني، وهو زين العابدين،
رضي الله تعالى عنه. وقال أحمد بن عبد الله: هو تابعي ثقة، توفي بالمدينة سنة أربع وتسعين،
روى له الجماعة.
قوله: ((قالا)) يعني: أبا بكر بن عبد الرحمن وأبا سلمة المذكورين، وهو موصول
بالإسناد المذكور إليهما. قوله: ((يدعو))، قال الكرماني: هو خبر آخر، أو هو عطف على:
((يقول)) بدون حرف العطف. قلت: الأوجه أن يكون حالاً من الضمير الذي في: يقول، من
الأحوال المقدرة. قوله: ((الرجال)) أي: من المسلمين، واللام تتعلق بقوله: ((يدعو))، قوله:
((فيسميهم)): الفاء، فيه للتفسير. قوله: ((أنج))، بفتح الهمزة، أمر من: أنجى ينجي إنجاءً،
والأمر في مثل هذا التماس وطلب. قوله: ((الوليد))، بفتح الواو وكسر اللام في اللفظين،
والوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله المخزومي أخو خالد بن الوليد، أسر يوم بدر كافراً،

١١٥
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٢٨)
فلما أفدي أسلم، فقيل له: هلا أسلمت قبل أن تفتدى؟ فقال: كرهت أن يظن بي أني
أسلمت جزءاً، فحبس بمكة ثم أفلت من إسارتهم بدعاء رسول الله، عَّله، ولحق برسول الله
عَّ له. وقال الذهبي: أسره عبد الله بن جحش يوم بدر، وذهبوا به إلى مكة فأسلم، فحبسوه
بمكة، وكان رسول الله يدعو له في القنوت، ثم إنه نجا فتوصل إلى المدينة فمات بها في
حياة رسول الله عَ ليه. قوله: ((وسلمة بن هشام))، بالنصب عطفاً على ما قبله أي: أنجٍ سلمة
ابن هشام بن المغيرة المذكور آنفاً أخو أبي جهل، وكان قديم الإسلام، وعذب في الله ومنعوه
أن يهاجر إلى المدينة. قال الذهبي: هاجر إلى الحبشة ثم قدم مكة فمنعوه من الهجرة
وعذبوه، ثم هاجر بعد الخندق وشهد مؤتة، واستشهد بمرج الصفرة. وقيل: بأجنادين. قوله:
((وعياش))، بفتح العين وتشديد الياءُ آخر الحروف وبعد الألف شين معجمة: ابن أبي ربيعة،
واسم أبي ربيعة: عمرو بن المغيرة المذكور، وهو أخو أبي جهل أيضاً لأمه، أسلم قديماً
وأوثقه أبو جهل بمكة،، قتل يوم اليرموك بالشام، وهؤلاء الثلاثة أسباط المغيرة كل واحد منهم
ابن عم الآخر. قوله: ((والمستضعفين)) أي: وأنج المستضعفين من المؤمنين، وهو من قبيل
عطف العام على الخاص، عكس قوله: ((وملائكته وجبريل)). قوله: ((أشدد))، بضم الهمزة: أمر
من شدة. قوله: ((وطأتك))، بفتح الواو وسكون الطاء المهملة وفتح الهمزة: من الوطء وهو:
الدوس بالقدم في الأصل، ومعناه ههنا: خذهم أخذاً شديداً. ومنه قول الشاعر:
:
وطأ المقيد ثابت الهرم
ووطئتنا وطأ على حنق
وكان حماد بن سلمة يرويه: اللهم أشدد وطأتك على مضر. الوطأ: الإثبات والغمز في
الأرض، ومضر، بضم الميم وفتح الضاد المعجمة: ابن نزار بن معد بن عدنان، وهو شعب
عظيم فيه قبائل كثيرة كقريش وهذيل وأسد وتميم وضبة ومزينة والضباب وغيرهم، ومضر
شعب رسول الله عَ ليه، واشتقاقه من اللبن المضير وهو الحامض، قاله ابن دريد. قوله:
((اجعلها)) أي: الوطأة. قوله: ((كسني يوسف))، أي: كالسنين التي كانت في زمن يوسف،
عليه الصلاة والسلام، مقحطة. ووجه الشبه امتداد زمان المحنة والبلاء والبلوغ غاية الشدة
والضراء، وجمع السنة بالواو والنون شاذ من جهة أنه ليس لذوي العقول، ومن جهة تغير مفردة
بكسر أوله، ولهذا جعل بعضهم حكمه كحكم المفردات، وجعل نونه متعقب الإعراب كقول
الشاعر:
لعين بنا شيباً وشيبتنا مرداً
دعاني من نجد فإن سنينه
ذكر ما يستفاد منه: فيه: إثبات التكبير في كل خفض ورفع إلا في رفعه من الركوع،
يقول: سمع الله لمن حمده، وفيه : في قوله: ((ثم يكبر حين يركع ... )) إلى آخره دليل على
مقارنة التكبير لهذه الحركات وبسطه عليها، فيبدأ بالتكبير حين يسرع في الانتقال إلى
الركوع ويمده حتى يصل إلى حد الراكعين. ثم يشرع في تسبيح الركوع، ويبدأ بالتكبير حين
يشرع في الهوي إلى السجود ويمده حتى يضع جبهته على الأرض، ثم يشرع في تسبيح

١١٦
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٢٨)
السجود. وفيه : يبدأ في قوله: سمع الله لمن حمده، حتى يشرع في الرفع من الركوع، ويمده
حتى ينتصب قائماً، ثم هل يجمع بين التسميع والتحميد؟ قد ذكرنا الخلاف فيه، وظاهر هذا
الحديث أنه يجمع بينهما، وعند أبي حنيفة يكتفي بالتسميع، إن كان إماماً، وقد مر وجهه،
وفيه : أنه يشرع في التكبير للقيام من التشهد الأول ويمده حتى ينتصب قائماً، هذا مذهب
العلماء، كافة، إلّ ما روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كان لا يكبر للقيام من الركعتين حتى
يستوي قائماً، وبه قال مالك: وقال الخطابي: فيه إثبات القنوط، وأن موضعه عند الرفع من
الركوع، وقد قلنا: إن هذا منسوخ وبينا وجهه. وقال وفيه : أن تسمية الرجال بأسمائهم فيما
يدعى لهم وعليهم لا تفسد الصلاة، قلنا: النسخ شمل الكل.
٨٠٥/١٩٢ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قال حدَّثنا سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ قال سَمِعْتُ أَنَسَ بنَ
مَالِكِ يَقُولُ سَقَطَ رسولُ اللهِ عَِّ عِنْ فَرَسٍ وَرَُّا قال سُفْيَانُ مِنْ فَرَسٍ فَجُحِشَ شَقُّهُ الأَيْمَنُ
فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ نَعُودُهُ فَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَصَلَّى بِنَا قَاعَدَاً وَفَعَدْنا. وقال سُفْيَانُ مَرَّةً صليْنَا قُعُوداً
فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ قال إنَّا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَّ بِهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وإِذَا
رَفْعَ فارْفَغوا وإِذَا قَالَ سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنا ولكَ الحَمْدُ وإِذَا سجَدَ فاسْجُدوا
قال سُفيانُ كَذا جاءَ بهِ مَعْمَرٌ قُلْتُ نَعَمْ قال لَقَدْ حَفِظَ كذَا قال الزُّهْرِيُّ وَلَكَ الحمْدُ
حَفِظْتُ مِنْ شِقِّهِ الأيَمَنُ فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ الزُّهْرِيِّ قال ابنُ مُرَيْجٍ وَأَنَا عِنْدَهُ فَجُحِشَ سَاقُهُ
الأَيَنُ. [انظر الحديث ٣٧٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة تؤخذ بالتعسف، لأن قوله: ((وإذا سجد فاسجدوا)) يقتضي أن يسجد
القوم حين يسجد الإمام، ولا يكون ذلك إلاّ بالهوي، وقد ذكرنا في أول الباب أن للهوي
صفتين: قولية وفعلية، وحديث أنس هذا يدل على الصفة الفعلية، وحديث أبي هريرة، رضي
الله تعالى عنه، السابق يدل عليهما جميعاً، وكلاهما من رسول الله عَ لّه. وقد علم أن هوي
النبي عَّ إلى السجود كان مشتملاً على الفعل والقول، وحديث أنس هذا أيضاً يدل عليهما
بهذه الطريقة، لأنه يروي عن النبي عَّ في الصلاة وأمورها. فافهم.
ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: علي بن عبد الله بن جعفر أبو الحسن المدني، يقال
له: ابن المديني البصري، وقد مر غير مرة. الثاني: سفيان بن عيينة. الثالث: محمد بن
مسلم بن شهاب الزهري. الرابع: أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه.
:
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه : العنعنة في
موضع واحد. وفيه : السماع. وفيه : القول في ثلاثة مواضع. وفيه : تأكيد رواية سفيان عن
الزهري بقوله: غير مرة، لأنه يدل على التكرار. وفيه : أن شيخ البخاري من أفراده. وفيه : أن
رواته ما بين بصري ومكي ومدني.
وقد روى البخاري هذا الحديث في: باب إنما جعل الإمام ليؤتم به، عن عبد الله بن
يوسف عن مالك عن ابن شهاب عن أنس. وأخرجه أيضاً عن عائشة، رضي الله تعالى عنها،

١١٧
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٢٩)
في هذا الباب، وقد ذكرنا فيه ما يتعلق به من الأشياء التي يحتاج إليها، ونذكر ههنا ما لم
نذكر هناك.
فقوله: ((ربما))، كلمة: ربما، في الأصل للتقليل، ولكن تستعمل كثيراً للتكثير. قوله:
((من فرس)) يعني بلفظ: من، لا بلفظ: عن، وفيه إشارة إلى محافظة علي بن عبد الله على
الإتيان بألفاظ الحديث، وتنبيه على تثبته في هذا الباب. قوله: ((فجحش))، بضم الجم وكسر
الحاء المهملة أي: خدش، ووقع في قصر الصلاة عن ابن عيينة بلفظ: ((جحش أو خدش))
على الشك. قوله: ((نعوده))، جملة وقعت حالاً. قوله: ((قعودا)، يجوز أن يكون مصدراً بمعنى:
قاعدين، ويجوز أن يكون جمع قاعد، كالركوع جمع راكع، والسجود جمع ساجد. وعلى
كل حال انتصابه على الحالية. قوله: ((قال)) أي: النبي عَّله. قوله: ((معمر))، بفتح الميمين
ابن راشد البصري، أي: قال سفيان سائلاً: من ابن المديني علي بن عبد الله المذكور مثل
الذي رويته أنا؟ أورده معمر أيضاً، وهمزة الاستفهام مقدرة قبل قوله: كذا، قوله: ((قلت: نعم))
القائل علي بن عبد الله. قوله: ((قال: لقد حفظ)) أي: قال سفيان: والله لقد حفظ معمر عن
الزهري حفظاً صحيحاً مضبوطاً. قوله: ((كذا قال الزهري)) أي: كما قال معمر قال الزهري:
((ولك الحمد)» أي: بالواو، وهذا تفسير وبيان لقوله: ((كذا قال)) أي: حفظ كما قال الزهري
بالواو، وفيه إشارة إلى أن بعض أصحاب الزهري لم يذكروا الواو في: ولك الحمد، كما وقع
في رواية الليث وغيره عن الزهري، وقد تقدم ذلك في: باب إيجاب التكبير. قوله:
((حفظت))، أي: قال سفيان: حفظت من الزهري أنه قال فجحش من شقه الأيمن، ((فلما
خرجنا من عند الزهري قال ابن جريج))، وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج: قوله:
((وأنا عنده)) أي: وأنا كنت عند الزهري، فقال: فجحش ساقه الأيمن، بلفظ الساق بدل الشق،
وقال الكرماني: ((وأنا عنده)) عطف على مقدر، أو هو جملة حالية من فاعل قال مقدراً، إذ
تقديره: قال الزهري: وأنا عنده. ويحتمل أن يكون هو مقول سفيان لا مقول ابن جريج،
والضمير حينئذ راجع إلى ابن جريج لا إلى الزهري، رضي الله تعالى عنه. قلت: يجوز
الوجهان، ولكن الوجه الثاني هو الأوجه، ومقول ابن جريج هو قوله: ((جحش ... )) إلى آخره.
٠
١٢٩ - بابُ فَضْلِ السُّجُودِ
أي: هذا باب في بيان فضل السجود.
٨٠٦/١٩٣ - حدَّثنا أبو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عنُ الزُّهْرِيِّ قال أخبرني سَعيدُ بنُ
المُسيَّبِ وعَطَاءُ بنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ أُخْبَرَهُمَّا أنَّ النَّاسَ قالُوا يا رَسُولَ اللهِ هَلْ نَرَى
رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ قال هَل ◌ُمَارُونَ في القَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ قَالُوا لا يا رَسولَ
اللهِ قال فَهَلْ تُمَارُونَ فِي الشَّمْسِ ليْسَ دُونَهَا سَحَابٌ قَالُوا لاَ قال فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ يُحْشَرُ
النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَقُولُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئاً فَلِيَتَّخِ فَمِنْهُمْ مِنْ يَتَبَعُ الشَّمْسَ ومِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ
القَمَرَ ومِنْهُمْ مَنْ يَتَبِعُ الطَّوَاغِيتَ وَتَبْقَى هَذِهِ الأَمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا فَيَأْتِيهِمُ الله فَيَقُولُ أَنَا

١١٨
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٢٩)
رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِينَا رَبُّنَا فَإِذَا جَاءَ رَبَّنَا عَرَفْنَاهُ فَيَأْتِيهِمُ الله فَيَقُولُ أَنَا
رَبُّكُمْ فَيَقُولُونَ أَنْتَ رَبُّنا فَيَدْعُوهُمْ فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ فَأَكُونُ أوَّلَ مَنْ
يَجُوزُ منَ الرُّسُلِ بِأَمَّتِهِ وَلا يتَكَلَّمُ يَوْمَئذٍ أُحَدٌ إلّ الرُّسُلُ وكَلامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذِ اللَّهُمَّ سَلِّمْ
سَلِّمْ وَفِي جَهَنَّمَ كَلَاَلِيبَ مِثْلَ شَوْكِ السَّعْدَانِ هَلْ رَأَيْتُمْ شَوِكَ السَّعْدَانَ قالُوا نَعَمْ قالَ فإِنَّهَا
مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إلّ الله تَخْطُفُ النَّاسَ بِأعْمَالِهِمْ فَمِنْهُمْ مِنْ
يُوِبَقُ بِعَمَلِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو حَقَّى إِذَا أُرَادَ اللّه رَحْمَةَ مَنْ أَرَادَ منْ أَهْلِ النَّارِ أُمَرَ
الله المَلائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّه فَيُخْرِجُونِهُمْ ويَعْرِفُونَهُمْ بِآثَارِ السُّجُودِ وحَرَّمَ الله
عَلَى النَّارِ أنْ تَأْكُلَ أثَرِ السُّجُودِ فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ فَكُلُّ ابنٍ آدَمَ تَأْكُلُهُ النَّارُ إلَّ أَثَرَ
السُّجُودِ فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امْتَحَشُوا فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ ماءُ الحَيَاةِ فَيَتْبُتُونَ كَما تَنْبُتُ
الجِبَّةُ في حَمِيلِ السَّيْلِ ثُمَّ يَفْرُغُ الله مِنَ القَضَاءِ بَيْنَ العِبَادِ ويَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ
وَهْوَ آخِرُ أهْلِ النَّارِ دُخُوَلاَ الجَنَّةَ مِقْبِلاً بِوَجْهِهِ قِبَلَ النَّارِ فَيَقُولُ يا رَبِّ اضْرِفْ وَجْهِي عَنِ
النَّارِ قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا وأخْرَقَنِي ذَكَاؤُها فَيَقُولُ هَلْ عَسَيْتَ إِنْ فُعِلَ ذَلِكَ بِكَ أَنْ تَسْألَ
غَيْرَ ذَلِكَ فَيَقُولُ لاَ وَعِزَّتِكَ فَيُعْطِي اللَّه مَا يَشَاءُ مِنْ عَهْدٍ ومِيثَاقٍ فَيَصْرِفُ اللّه وَجْهَهُ عنِ
النَّارِ فَإِذَا أَقْبَلَ بِهِ عَلَى الجَنَّةِ رَأْي بَهْجَتَهَا سَكَتَ ما شاءَ اللّه أَنْ يَسْكُتَ ثُمَّ قال يا رَبُّ
قَدِّمْنِي عِنْدَ بَابِ الجَنَّةِ فَيَقُولُ اللَّه لَهُ أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ العُهُودَ والمِيثَاقَ أنْ لا تَسْأَلَ غَيْرَ
الَّذِي كُنْتَ سَأَلَّتَ فَيَقُولُ يا رَبِّ لاَ أكُونُ أشْقَى خَلْقِكَ فَيَقُولُ فَمَا عَسِيتَ إِنْ أَعْطِيتَ
ذَلِكَ أنْ لاَ تَسْألَ غَيْرُهُ فَيَقُولِ لاَ وَعِزَّتِكَ لاَ أسْألُ غَيْرَ ذَلِكَ فَيُعْطِي رَبَّهُ ما شَاءَ مِنْ عَهْدٍ
وَمِيثَاقٍ فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الجَنَّةِ فَإِذَا بَلَغَ بابَهَا فَرَأى زَهْرَتَهَا وما فيها مِنَ النَّضْرَةِ والسُّرُورِ
فَيَسْكُتُ مَا شاءَ الله أنْ يَسْكُتَ فَيَقُولُ يَا رَبِّ أدْخِلْنِي الجَنَّةَ فَيَقُولُ اللَّه تعالى ونْحَكَ يا
ابنَ آدَمَ ما أُغْدَرَكَ أَلَيْسَ قَدْ أعْطَيْتَ العُهُودَ والمِيثَاقَ أنْ لاَ تَسْألَ غَيْرَ الَّذِي أُعْطِيتَ
فَيَقُولُ يا رَبِّ لاَ تَجْعَلْنِي أشْقَى خَلْقِكَ فَيَضْحَكُ الله عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ ثُمَّ يَأْذَنُ لَهُ فِي
دُخُولِ الجَنَّةِ فَيَقُولُ لَهُ ثَنَّ فَيَتَمَنَّى حَتَّى إذا انْقَطَعَتْ أُمْنِيَتُهُ قال الله عزَّ وجلَّ زِدْ مِن كِذَا
وكَذا أقْبَلَ يُذَكِّرُهُ رَبُّهُ عزَّ وجلَّ حَتَّى إذا انْتَهَتْ بِهِ الأمَانِيُّ قال الله تعالَى لكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ
معَهُ. قالَ أَبُو سَعِيدٍ الخُدَرِيُّ لِأَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهما إنَّ رسولَ الله عَ لَّه قال:
قال الله عزَّ وجلَّ لك ذَلِكَ وعَشرَةً أمثالِهِ قَالَ أَبُو هُرَيْرةَ لَمْ أحفَظْ مِنْ رَسولِ اللهِ عَ لَّهِ إِلاّ
قَولَهُ لكَ ذَلِكَ وَمِثلُهُ مَعهُ. قال أبُو سعِيدِ الخُذْرِيُّ إِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ لكَ وَعَشَرَةُ
أَمْثَالِهِ. [الحديث ٨٠٦ - طرفاه في: ٦٥٧٣، ٧٤٣٧].
مطابقته للترجمة في قوله: ((وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود)) إلى قوله:
«فيخرجون)).
ذكر رجاله: وهم ستة كلهم قد ذكروا غير مرة، وأبو اليمان: الحكم بن نافع،
والزهري: محمد بن مسلم.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، وبصيغة الإخبار

١١٩
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٢٩)
كذلك في موضع، وبصيغة الإفراد من الماضي في موضعين. وفيه : العنعنة في موضع. وفيه :
القول في موضعين. وفيه : أن رواته ما بين حمصيين ومدنيين. وفيه : ثلاثة من التابعين،
وهم: الزهري وسعيد وعطاء.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في صفة الجنة عن أبي
اليمان عن شعيب. وأخرجه مسلم في الإيمان عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي عن أبي
اليمان به.
ذكر معناه وإعرابه: قوله: ((هل نرى))، أي: هل نبصر، إذ لو كان بمعنى العلم لاحتاج
إلى مفعول آخر، ولما كان للتقييد بيوم القيامة فائدة. قوله: ((هل تمارون))، بضم التاء والراء،
من المماراة من باب المفاعلة، وهي: المجادلة على مذهب الشك والريبة. وفي رواية
الأصيلي، بفتح التاء والراء، وأصله: تتمارون من التماري من باب التفاعل، فحذفت إحدى
التاءين كما في: ﴿ناراً تلظى﴾ [الليل: ١٤]. أصله: تتلظى، ومعنى التماري: الشك، من
المرية بكسر الميم وضمها، وقرىء بهما في قوله تعالى: ﴿فلا تَكُ في مرية منه﴾ [هود:
١٧]. قال ثعلب: هما لغتان، وثلاثي هذا اللفظ: مرىء معتل اللام اليائي، وقال الزمخشرين:
واشتقاقه من: مرى الناقة، وقال الجوهري: مريت الناقة مرياً إذا مسحت ضرعها لتدر، وأمرت
الناقة إذا أدر لبنها. قوله: ((فإنكم ترونه)) أي: ترون الله كذلك، أي: بلا مرية ظاهراً جلياً، ولا
يلزم منه المشابهة في الجهة والمقابلة وخروج الشعاع ونحوه. لأنها أمور لازمة للرؤية عادة لا
عقلاً. قوله: ((يحشر الناس))، ابتداء كلام مستقل بذاته. قوله: ((فيقول))، أي: فيقول الله تبارك
وتعالى، أو: فيقول القائل. قوله: ((فليتبعه))، ويروى: ((فليتبع))، بلا ضمير المفعول. قوله:
((الطواغيت))، جمع طاغوت، قال ابن سيده: الطاغوت ما عبد من دون الله عز وجل، فيقع
على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، ووزنه: فعلوت، وإنما هو: طغيوت، قدمت الياء قبل
الغين وهي مفتوحة وقبلها فتحة فقلبت ألفاً. انتهى.
قلت: يعكر عليه قوله: ((فمنهم من يتبع الشمس ومنهم من يتبع القمر))، ووجه ذلك
أنه يلزم التكرار، وقال القزاز: هو فاعول من: طغوت، وأصله: طاغوه، فحذفوا وجعلوا التاء
كأنها عوض عن المحذوف، فقالوا: طاغوت، وإنما جاز فيه التذكير والتأنيث لأن العرب
تسمي الكاهن والكاهنة طوغوتاً، وسئل النبي عَ لّه، فيما رواه جابر بن عبد الله عن الطاغوت
التي كانوا يتحاكمون إليها، فقال: كانت في جهينة واحدة، وفي أسلم واحدة، وفي كل
حي واحدة. وقيل: الطاغوت الشيطان. وقيل: كل معبود من حجر أو غيره فهو جبت
وطاغوت. وفي (الغريبين): الطاغوت الصنم. وفي (الصحاح): هو كل رأس في الضلال. وفي
(المغيث): هو الشيطان أو ما زين الشيطان لهم أن يعبدوه، وفي (تفسير الطبري): الطاغوت
الساحر، قاله أبو العالية ومحمد بن سيرين، وعن سعيد بن جبير وابن جريج: هو الكاهن. وفي
(المعاني) للزجاج: الطاغوت مردة أهل الكتاب. وفي (ديوان الأدب): تاؤه غير أصلية.
قوله: ((وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها)) أي: تبقى أمة محمد عَ لّه، والحال أن فيهم

١٢٠
١٠ - كتاب الأذان / باب (١٢٩)
منافقيها، فهذا يدل على أن المنافقين يتبعون محمداً مَّ لله لما انكشف لهم من الحقيقة رجاء
منهم أن ينتفعوا بذلك، لأنهم كانوا في الدنيا متسترين بهم فتستروا أيضاً في الآخرة، واتبعوهم
زاعمين الانتفاع بهم حتى ضرب بينهم بسور له باب، باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله
العذاب. وقال القرطبي: ظن المنافقون أن تسترهم بالمؤمنين في الآخرة ينفعهم كما نفعهم
في الدنيا جهلاً منهم، فاختلطوا معهم في ذلك اليوم، ويحتمل أن يكونوا حشروا معهم لما
كانوا يظهرون من الإسلام، فحفظ ذلك عليهم حتى ميز الله الخبيث من الطيب، ويحتمل أنه
لما قيل: ليتبع كل أمة لما كانت تعبد، والمنافقون لم يعبدوا شيئاً، فبقوا هنالك حيارى حتى
ميزوا. وقيل: هم المطرودون عن الحوض المقول فيهم: سحقاً سحقاً. قوله: ((فيأتيهم الله
عز وجل)). وفي رواية أخرى: ((فيأتيهم في غير الصورة التي يعرفون فيقولون: نعوذ بالله
منك)). الإتيان هنا إنما هو كشف الحجب التي بين أبصارنا وبين رؤية الله عز وجل، لأن
الحركة والانتقال لا تجوز على الله تعالى، لأنها صفات الأجسام المتناهية، والله تعالى لا
يوصف بشيء من ذلك، فلم يكن معنى الإتيان إلاّ ظهوره عز وجل إلى أبصار لم تكن تراه
ولا تدركه، والعادة أن من غاب عن غيره لا يمكنه رؤيته إلاّ بالإتيان، فعبر به عن الرؤية
مجازاً، لأن الإتيان مستلزم للظهور على المأتي إليه. وقال القرطبي: التسليم الذي كان عليه
السلف أسلم. وقال عياض: إن الإتيان فعل من أفعال الله تعالى، سماه إتياناً، وقيل: يأتيهم
بعض ملائكته. قال القاضي: وهذا الوجه عندي أشبه بالحديث، قال: ويكون هذا الملك
الذي جاءهم في الصورة التي أنكروها من سمات الحدوث الظاهرة عليه، أو يكون معناه:
يأتيهم في صورة لا تشبه صفات الإلهية ليختبرهم، وهو آخر امتحان المؤمنين، فإذا قال لهم،
هذا الملك أو هذه الصورة: أنا ربكم، ورأوا عليه من علامات المخلوق ما ينكرونه ويعلمون
أنه ليس ربهم، فيستعيذون بالله تعالى منه، وقال الخطابي: الرؤية هي ثواب الأولياء وكرامات
لهم في الجنة غير هذه الرؤية، وإنما تعريضهم هذه الرؤية امتحان من الله تعالى ليقع التمييز
بين من عبد الله وبين من عبد الشمس ونحوها، فيتبع كل من الفريقين معبوده، وليس ينكر
أن يكون الامتحان إذ ذاك بعد قائماً، وحكمه على الخلق جارياً حتى يفرغ من الحساب،
ويقع الجزاء بالثواب والعقاب، ثم ينقطع إذا حققت الحقائق. واستقرت أمور المعاد، وأما ذكر
الصورة فإنها تقتضي الكيفية والله منزه عن ذلك، فيأول إما بأن تكون الصورة بمعنى الصفة،
كقولك: صورة هذا الأمر كذ، تريد صفته. وإما بأنه خرج على نوع من المطابقة، لأن سائر
المعبودات المذكورة لها صورة: كالشمس وغيرها.
قوله: ((هذا مكاننا)) جملة من المبتدأ والخبر، إنما قالوا: هذا مكاننا من أجل أن معهم
من المنافقين الذين لا يستحقون الرؤية وهم عن ربهم محجوبون، فلما تميزوا عنهم ارتفع
الحجاب، فقالوا عندما رأوه: أنت ربنا، وإنما عرفوا أنه ربهم حتى قالوا: أنت ربنا، إما بخلق
الله تعالى فيهم علماً به، وإما بما عرفوا من وصف الأنبياء لهم في الدنيا، وإما بأن جميع
·· العلوم يوم القيامة تصير ضرورية. قوله: ((فيأتيهم الله، عز وجل، فيقول: أنا ربكم))، إنما كرر