Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
١٠ - أبواب صفة الصلاة / باب (٨٩)
عطاء عن ابن عباس: ((أن النبي عَّه لم يزل يجهر في السورتين: ببسم الله الرحمن الرحيم،
حتى قبض)). قلت: هذا لا يجوز الاحتجاج به، فإن عمر بن حفص هذا ضعيف، وقال ابن
الجوزي في (التحقيق): أجمعوا على تركه.
وأما حديث أنس رضي الله تعالى عنه، فأخرجه الحاكم والدارقطني من حديث
محمد بن أبي المتوكل بن أبي السري، قال: ((صليت خلف المعتمر بن سليمان من
الصلوات ما لا أحصيها الصبح والمغرب، فكان يجهر: بسم الله الرحمن الرحيم، قبل فاتحة
الكتاب وبعدها)) قال المعتمر: ما آلو أن اقتدي بصلاة أبي، وقال أبي: ما آلو أقتدي بصلاة
أنس، وقال أنس: ما أكره أن أقتدي بصلاة رسول الله عَّله. قلت: الجواب أن هذا معارض بما
رواه ابن خزيمة في (مختصره) والطبراني في (معجمه): عن معتمر بن سليمان عن أبيه عن
أنس: ((أن رسول الله عَّله كان يسر: ببسم الله الرحمن في الصلاة)) وزاد ابن خزيمة وأبو بكر
وعمر في الصلاة (فإن قلت) روى الحاكم من طريق آخر عن محمد بن أبي السري حدثنا
مالك عن حميد عن أنس قال صليت خلف النبي عَّه وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي
الله تعالى عنهم وكلهم كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم)) قال الحاكم وإنما ذكرته
شاهداً (قلت) قال الذهبي في مختصره أما يستحي الحاكم أن يورد في كتابه مثل هذا الحديث
الموضوع فأنا أشهد بالله أنه لكذب وقال ابن عبد الهادي سقط منه لا وقد روى الحاكم عن
عبد الله بن عثمان ابن خيثم حديثاً آخر عن أنس أنه قال: صلى معاوية بالمدينة صلاة فجهر
فيها بالقراءة، فبدأ: ببسم الله الرحمن الرحيم .. الحديث مطولاً، وفيه مقال كثير. وروى
الخطيب أيضاً عن ابن أبي داود عن ابن أخي ابن وهب عن عمه عن العمري ومالك وابن
عيينة عن حميد عن أنس أن رسول الله عَّه: ((كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، في
الفريضة)). وجوابه ما قاله ابن عبد الهادي: سقط منه: لا، كما رواه الباغندي وغيره عن ابن
أخي ابن وهب هذا هو الصحيح.
وأما حديث علي، رضي الله تعالى عنه، فما رواه الحاكم في (مستدركه): عن سعيد
ابن عثمان الخراز حدّثنا عبد الرحمن بن سعد المؤذن حدّثنا قطر بن خليفة عن أبي الطفيل
عن علي وعمار: ((أن النبي عَّ كان يجهر في المكتوبات: ببسم الله الرحمن الرحيم))،
وقال: صحيح الإسناد، ولا أعلم في رواته منسوباً إلى الجرح. قلت: قال الذهبي في
(مختصره): هذا خبر واهٍ كأنه موضوع،، لأن عبد الرحمن صاحب مناكير، ضعفه ابن معين،
إن كان الكريزي، فهو ضعيف. وإلاّ فهو مجهول، وقال ابن عبد الهادي هذا حديث باطل.
وأما حديث سمرة بن جندب، رضي الله تعالى عنه، فأخرجه البوشنجي: ((كان للنبي
عَِّ سكتتان: سكتة إذا فرغ من القراءة، وسكتة إذا قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم)). فأنكر
ذلك عمران بن حصين، فكتبوا إلى أبي بن كعب فكتب: أن صدق سمرة. فال الدارقطني
والبيهقي، ورجال إسناده ثقات، وصححه أبو شامة وغيره. قلت: هذا لا يدل على الجهر، بل
هو دليل لنا على الإخفاء.

٤٢٢
١٠ - أبواب صفة الصلاة / باب (٨٩)
وأما حديث عمار، فقد ذكرناه مع حديث علي، رضي الله تعالى عنه.
وأما حديث عبد الله بن عمر، فأخرجه الدارقطني: حدّثنا عمر بن الحسن بن علي
الشيباني، حدّثنا جعفر بن محمد بن مروان حدّثنا أبو طاهر أحمد ابن عيسى حدّثنا ابن أبي
فديك عن ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر، قال: ((صليت خلف النبي عَ له وأبي بكر
وعمر فكانوا يجهرون: بسم الله الرحمن الرحيم)). قلت: هذا باطل من هذا الوجه لم يحدث
به ابن أبي فديك قط، والمتهم به أحمد بن عيسى أبو طاهر القرشي، وقد كذبه الدارقطني،
فيكون كاذباً في روايته عن مثل هذا الثقة، وشيخ الدارقطني ضعيف، وهو أيضاً ضعفه،
والحسن بن علي وجعفر بن محمد تكلم فيه الدارقطني، وقال: لا يحتج به، وله طريق آخر
عند الخطيب: عن عبادة بن زياد الأسدي، حدّثنا يونس بن أبي يعفور العبدي عن المعتمر بن
سليمان عن أبي عبيدة عن مسلم بن حيان، قال: ((صليت خلف ابن عمر فجهر: ببسم الله
الرحمن الرحيم، في السورتين فقيل له، فقال: صليت خلف رسول الله عَّ له حتى قبض
وخلف أبي بكر حتى قبض وخلف عمر حتى قبض فكانوا يجهرون بها في السورتين فلا أدع
الجهر بها حتى أموت)). قلت: هذا أيضاً باطل، وعبادة بن زياد، بفتح العين: كان من رؤوس
الشيعة. قاله أبو حاتم، وقال الحافظ محمد النيسابوري: هو مجمع علی کذبه، وشیخه يونس
ابن يعفور ضعفه النسائي وابن معين. وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به عندي، ومسلم
ابن حيان مجهول.
وأما حديث النعمان بن بشير فأخرجه الدارقطني في (سننه): عن يعقوب بن يوسف
ابن زياد الضبي، حدّثنا أحمد بن حماد الهمداني عن قطر بن خليفة عن أبي الضحى عن
النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله عَّله: ((أمني جبريل عند الكعبة فجهر؛ ببسم الله
الرحمن الرحيم)). قلت: هذا حديث منكر بل موضوع، وأحمد بن حماد ضعفه الدارقطني،
ويعقوب بن يوسف ليس بمشهور، وسكوت الدارقطني والخطيب وغيرهما من الحفاظ عن
مثل هذا الحديث بعد روايتهم له قبيح جداً.
وأما حديث الحكم بن عمير: فأخرجه الدارقطني: حدّثنا أبو القاسم الحسين بن
محمد بن بشر الكوفي حدّثنا أحمد بن موسى بن إسحاق الجمار حدّثنا إبراهيم بن حبيب
حدّثنا موسى بن أبي حبيب الطائي عن الحكم بن عمير وكان بدرياً، قال: ((صليت خلف
النبي عَّ ◌َلِ فجهر: ببسم الله الرحمن الرحيم، في صلاة الليل وصلاة الغداة وصلاة الجمعة)).
قلت: هذا من الأحاديث الغريبة المنكرة، بل هو حديث باطل، لأن الحكم بن عمير ليس
بدرياً ولا في البدريين أحد اسمه الحكم بن عمر، بل لا تعرف له صحبة، له أحاديث منكرة.
وقال الذهبي: الحكم بن عمير - وقيل: عمرو الثمالي الأزدي - له أحاديث ضعيفة الإسناد
إليه، وموسى بن حبيب الراوي عنه لم يلق صحابياً، بل هو مجهول لا يحتج بحديثه. وذكر
الطبراني في (معجمه الكبير) الحكم بن عمير، ثم روى له بضعة عشر حديثاً منكراً. وإبراهيم
ابن حبيب وهم فيه الدارقطني فقال: الضبي، بالضاد المعجمة والباء الموحدة المشددة.

-
٤٢٣
١٠ - أبواب صفة الصلاة / باب (٨٩)
وأما حديث معاوية فأخرجه الحاكم في (مستدركه): عن عبد الله بن عثمان بن خيثم
أن أبا بكر بن حفص بن عمر أخبره أن أنس بن مالك قال: ((صلى معاوية بالمدينة صلاة
فجهر فيها بالقراءة فبدأ: بسم الله الرحمن الرحيم، لأم القرآن ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها
حتى قضى تلك الصلاة، ولم يكبر حين يهوي حتى قضى تلك الصلاة، فلما سلم ناداه من
سمع ذاك من المهاجرين والأنصار ومن كان على مكان: يا معاوية! أسرقت الصلاة أم
نسيت؟ أين: بسم الله الرحمن الرحيم؟ وأين التكبير إذا خفضت وإذا رفعت؟ فلما صلى بعد
ذلك، قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، للسورة التي بعد أم القرآن، وكبر حين يهوي ساجداً).
قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ورواه الدارقطني، وقال: رواته كلهم ثقات. وقد
اعتمد الشافعي على حديث معاوية هذا في إثبات الجهر. وقال الخطيب: هو أجود ما يعتمد
عليه في هذا الباب. قلت: مداره على عبد الله بن عثمان، فهو - وإن كان من رجال مسلم -
لكنه متكلم فيه من يحيى، أحاديثه غير قوية. وعن النسائي: لين الحديث ليس بالقوي فيه،
وعن ابن المديني: منكر الحديث، وبالجملة فهو مختلف فيه فلا يقبل ما تفرد به مع أن
إسناده مضطرب، بيناه في (شرح معاني الآثار) و(شرح سنن أبي داود) وهو أيضاً شاذ معلل
فإنه مخالف لما رواه الثقات الأثبات عن أنس، وكيف يرى أنس بمثل حديث معاوية محتجاً
به وهو مخالف لما رواه عن النبي عَّ وعن الخلفاء الراشدين، ولم يعرف أحد من أصحاب
أنس المعروفين بصحبته أنه نقل عنه مثل ذلك؟
ومما يرد حديث معاوية هذا أن أنساً كان مقيماً بالبصرة، ومعاوية لما قدم المدينة لم
يذكر أحد علمناه أن أنساً كان معه، بل الظاهر أنه لم يكن معه. وأيضاً إن مذهب أهل
المدينة قديماً وحديثاً ترك الجهر بها، ومنهم من لا يرى قراءتها أصلاً. قال عروة بن الزبير،
أحد الفقهاء السبعة: أدركت الأئمة وما يستفتحون القراءة إلاّ: بالحمد لله رب العالمين، ولا
يحفظ عن أحد من أهل المدينة بإسناد صحيح أنه كان يجهر بها إلّ بشيء يسير، وله
محمل، وهذا عملهم يتوارثه آخرهم عن أولهم، فكيف ينكرون على معاوية ما هو سنتهم وهذا
باطل؟
وأما حديث بريدة بن الحصيب فأخرجه الدارقطني والحاكم في (الإكليل): ((قال لي
رسول الله عَّ له: بأي شيء تفتح القرآن إذا افتحت الصلاة؟ قال: قلت: ببسم الله الرحمن
الرحيم. قال: هي هي)). قلت: أسانيده واهية عن عمر بن شمر عن الجعفي، ومن حديث
إبراهيم بن المحشر وأبي خالد الدلاني وعبد الكريم أبي أمية.
وأما حديث جابر فأخرجه الحاكم في (الإكليل): ((قال لي رسول الله عَّه: كيف
تقرأ إذا قمت في الصلاة؟ قلت: أقول: الحمد لله رب العالمين. قال: قل: بسم الله الرحمن
الرحيم)). قلت: هذا لا يدل على الجهر.
وأما حديث أبي سعيد الخدري، رضي الله تعالى عنه، فأخرجه الحافظ البوشنجي:
((أن النبي عَِّ صلى بهم المغرب وجهر ببسم الله الرحمن الرحيم)). قلت: في إسناده نظر.

٤٢٤
١٠ - أبواب صفة الصلاة / باب (٨٩)
وأما حديث طلحة بن عبيد الله فأخرجه الحاكم في (الإكليل) من حديث سليمان
ابن مسلم المكي عن نافع عن ابن عمر عن ابن أبي مليكة عنه بلفظ: ((من ترك من أم القرآن:
بسم الله الرحمن الرحيم، فقد ترك آية من كتاب الله). قلت: لا يدل على الجهر.
وأما حديث عبد الله بن أبي أوفى فأخرجه الدارقطني بإسناد فيه ضعف، قال: ((جاء
رجل إلى النبي عَِّ فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئاً، فعلمني ما يجزيني منه،
فقال: بسم الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)). قلت: ضعيف، ولا يدل على إثبات
الجهر.
وأما حديث أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، فأخرجه الحافظ أبو القاسم
الغافقي الأندلسي في كتابه (المسلسل) بسند فيه مجاهيل أنه قال: ((عن النبي عَ لّم عن
جبريل، عليه الصلاة والسلام، عن إسرافيل، عليه الصلاة والسلام، عن رب العزة عز وجل،
فقال: من قرأ بسم الله الرحمن الرحيم متصلة بفاتحة الكتاب في صلاته غفرت ذنوبه)). قلت:
ضعيف ولا يدل على إثبات الجهر.
وأما حديث مجالد بن ثور، وبشر بن معاوية فأخرجه الخطيب بسند فيه مجهولون:
أنهما كانا من الوفد الذين قدموا على رسول الله عَّلل فعلمهما يس، وقرأ: الحمد لله رب
العالمين، والمعوذات الثلاث، وعلمهما الابتداء: ببسم الله الرحمن الرحيم، والجهر بها في
الصلاة.
وأما حديث الحسين بن عرفطة الأسدي فأخرجه أبو موسى المديني في (كتاب
المستفاد بالنظر وبالكتابة في معرفة الصحابة) قال: كان اسمه: حسيلاً، فسماه سيدنا رسول
الله عَّلِ: حسيناً، ثم ذكر بسند فيه مجاهيل: أن النبي عَّ له قال له إذا قمت إلى الصلاة
فقل: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، حتى تختمها ببسم الله الرحمن
الرحيم قل هو الله أحد إلى آخرها.
وأما حديث أبي موسى الأشعري فأخرجه البوشنجي بإسناده عن أبي بردة عنه أن
النبي عٍَّ كان يجهر بسم الله الرحمن الرحيم. قلت: في إسناده نظر.
وأحاديث الجهر وإن كثرت رواتها فكلها ضعيفة، وأحاديث الجهر ليست مخرجة في
(الصحاح) ولا في (المسانيد) المشهورة، ولم يرو أكثرها إلاّ الحاكم والدارقطني. فالحاكم
قد عرف تساهله وتصحيحه الأحاديث الضعيفة، بل الموضوعة. والدارقطني: فقد ملأ كتابه
من الأحاديث الغريبة والشاذة والمعللة، وكم فيه من حديث لا يوجد في غيره، وفي رواتها:
الكذابون والضعفاء والمجاهيل الذين لا يوجدون في كتب التواريخ ولا في كتب الجرح
والتعديل: كعمرو بن شمر، وجابر بن الجعفي، وحصين بن مخارق، وعمر بن حفص المكي
وعبد الله بن عمرو بن حسان، وأبي الصلت الهروي الملقب بجراب الكذب، وعمر بن
هارون البلخي، وعيسى بن ميمون المدني وآخرون. وكيف يجوز أن يعارض برواية هؤلاء ما

٤٢٥
١٠ - أبواب صفة الصلاة / باب (٨٩)
رواه البخاري ومسلم في (صحيحيهما) من حديث أنس الذي رواه عنه غير واحد من الأئمة
الثقات الأثبات. ومنهم قتادة الذي كان أحفظ أهل زمانه؟ ويرويه عنه شعبة الملقب بأمير
المؤمنين في الحديث. وتلقاه الأئمة بالقبول؟ وهذا البخاري مع شدة تعصبه وفرط تحمله
على مذهب أبي حنيفة لم يودع في (صحيحه) منها حديثاً واحداً، وقد تعب كثيراً في
تحصيل حديث صحيح في الجهر حتى يخرجه في صحيحه فما ظفر به، وكذلك مسلم لم
يذكر شيئاً من ذلك ولم يذكروا في هذا الباب إلّ حديث أنس الدال على الإخفاء. فإن
قلت: إنهما لم يلتزما أن يودعا في (صحيحيهما) كل حديث صحيح، فيكونان قد تركا
أحاديث الجهر في جملة ما تركاه من الأحاديث الصحيحة؟ قلت: هذا لا يقوله إلّ كل
مكابر أو سخيف، فإن مسألة الجهر من أعلام المسائل ومعضلات الفقه، ومن أكثرها دوراناً
في المناظرة وجولاناً في المصنفات، ولو حلف الشخص بالله أيماناً مؤكدة أن البخاري لو
اطلع على حديث منها موافق لشرطه أو قريب منه لم يخل منه كتابه، ولئن سلمنا فهذا أبو
داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، مع اشتمال كتبهم على الأحاديث السقيمة والأسانيد
الضعيفة، لم يخرجوا منها شيئاً، فلولا أنها واهية عندهم بالكلية لما تركوها. وقد تفرد النسائي
منها بحديث أبي هريرة، وهو أقوى ما فيها عندهم، وقد بينا ضعفه من وجوه.
فإن قلت: أحاديث الجهر تقدم على أحاديث الإخفاء بأشياء: منها: كثرة الرواة، فإن
أحاديث الإخفاء رواها اثنان من الصحابة وهما: أنس بن مالك وعبد الله بن مغفل، وأحاديث
الجهر فرواها أكثر من عشرين صحابياً كما ذكرنا. ومنها: أن أحاديث الإخفاء شهادة على
نفي، وأحاديث الجهر شهادة على إثبات والإثبات مقدم على النفي. ومنها: أن أنساً قد روي
عنه إنكار ذلك في الجملة فروى أحمد والدارقطني من حديث سعيد بن زيد أبي سلمة،
قال: سألت أنساً أكان رسول الله عَظلم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين؟
قال: إنك لتسألني عن شيء ما أحفظ، أو ما سألني أحد قبلك! قال الدارقطني: إسناده
صحيح. قلت: الجواب عن الأول: أن الاعتماد على كثرة الرواة إنما تكون بعد صحة الدليل،
وأحاديث الجهر ليس فيها صحيح صريح، بخلاف حديث الإخفاء فإنه صحيح صريح ثابت
مخرجه في الصحيح، والمسانيد المعروفة والسنن المشهورة، مع أن جماعة من الحنفية لا
يرون الترجيح بكثرة الرواة. وعن الثاني: أن هذه الشهادة، وإن ظهرت في صورة النفي،
فمعناها الإثبات على أن هذا مختلف فيه، فعند البعض هما سواء، وعند البعض النافي مقدم
على المثبت، وعند البعض على العكس. وعن الثالث: أن إنكار أنس لا يقاوم ما ثبت عنه
في الصحيح، ويحتمل أن يكون أنس نسي في تلك الحال لكبر سنه، وقد وقع مثل هذا
كثيراً، كما سئل يوماً عن مسألة فقال: عليكم بالحسن فاسألوه فإنه حفظ ونسينا، وكم ممن
حدث ونسي، ويحتمل أنه ربما سأله عن ذكرها في الصلاة أصلاً لا عن الجهر بها وإخفائها.
فإن قلت: يجمع بين الأحاديث بأن يكون أنس لم يسمعه لبعده وأنه كان صبياً يومئذ،
قلت: هذا مردود لأنه عَِّ هاجر إلى المدينة، ولأنس يومئذ عشر سنين، ومات وله عشرون
٠

٤٢٦
١٠ - أبواب صفة الصلاة / باب (٨٩)
سنة، فكيف يتصور أن يكون يصلي خلفه عشر سنين فلا يسمعه يوماً من الدهر يجهر؟ هذا
بعيد بل مستحيل، ثم قد روي في زمن رسول الله عَّه، فكيف وهو رجل في زمن أبي بكر
وعمر، وكهل في زمن عثمان مع تقدمه في زمانهم وروايته للحديث؟ وقال الحازمي في
(الناسخ والمنسوخ): إن أحاديث الجهر، وإن صحت، فهي منسوخة بما أخبرنا، وساق من
طريق أبي داود: حدّثنا عباد بن موسى حدّثنا عباد بن العوام عن شريك عن سالم عن سعيد
ابن جبير، قال: ((كان رسول الله عَ لم يجهر: بسم الله الرحمن الرحيم، بمكة. قال: وكان أهل
مكة يدعون مسيلمة الرحمن، وقالوا: إن محمداً يدعو إله اليمامة، فأمر رسول الله عَ ليه
فأخفاها، فما جهر بها حتى مات)). فإن قلت: هذا مرسل؟ قلت: نعم، ولكنه يتقوى بفعل
الخلفاء الراشدين، لأنهم كانوا أعرف بأواخر الأمور، والعجب من صاحب (التوضيح) كيف
يقول: وردت أحاديث كثيرة في الجهر ولم يرد تصريح بالإسرار عن النبي عَ ◌ّةٍ إلّ روايتان
إحداهما: عن ابن مغفل وهي ضعيفة، والثانية: عن أنس وهي معللة بما أوجب سقوط
الاحتجاج بها، وهل هذا إلاّ من عدم البصيرة وفرط شدة العصبية الباطلة؟ وقد عرفت فيما
مضى ظلم المتعصبين الذين عرفوا الحق وغمضوا أعينهم عنه، وأعجب من هذا بعضهم من
الذين يزعمون أن لهم يداً طولى في هذا الفن كيف يقول: يتعين الأخذ بحديث من أثبتت
الجهر؟ فكيف يجترىء هذا ويصدر منه هذا القول الذي تمجه الأسماع؟ فأي حديث صح
في الجهر عنده حتى يقول هذا القول؟
النوع الخامس: في كونها من القرآن أم لا؟ وفي أنها من الفاتحة أم لا؟ ومن أول
كل سورة أم لا؟ والصحيح من مذهب أصحابنا أنها من القرآن، لأن الأمة أجمعت على أن ما
كان مكتوباً بين الدفتين بقلم الوحي فهو من القرآن، والتسمية كذلك، وينبني على هذا أن
فرض القراءة في الصلاة يتأدى بها عند أبي حنيفة إذا قرأها على قصد القراءة دون الثناء عند
بعض مشايخنا، لأنها آية من القرآن. وقال بعضهم: لا يتأدى، لأن في كونها آية تامة احتمال،
فإنه روي عن الأوزاعي أنه قال: ما أنزل الله في القرآن: بسم الله الرحمن الرحيم إلا في سورة
النمل وحدها، وليست بآية تامة، وإنما الآية من قوله: ﴿إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن
الرحيم﴾ [النمل: ٣٠]. فوقع الشك في كونها آية تامة، فلا يجوز بالشك، وكذلك يحرم
قراءتها على الجنب والنفساء والحائض على قصد القرآن. أما على قياس رواية الكرخي
فظاهر، لأن ما دون الآية يحرم عليهم، وأما على رواية الطحاوي لاحتمال أنها آية تامة فيحرم
عليهم احتياطاً، وهذا القول قول المحققين من أصحاب أبي حنيفة، وهو قول ابن المبارك
وداود وأتباعه، وهو المنصوص عن أحمد. وقالت طائفة: ليست من القرآن إلا في سورة
النمل، وهو قول مالك وبعض الحنفية وبعض الحنابلة، وقالت طائفة: إنها آية من كل سورة أو
بعض آية، كما هو المشهور عن الشافعي ومن وافقه. وقد نقل عن الشافعي: أنها ليست من
أوائل السور غير الفاتحة، وإنما يستفتح بها في السور تبركاً بها.
وقال الطحاوي: لما ثبت عن رسول الله عَّالله ترك الجهر بالبسملة ثبت أنها ليست من

٤٢٧
١٠ - أبواب صفة الصلاة / باب (٨٩)
القرآن، ولو كانت من القرآن لوجب أن يجهر بها كما يجهر بالقرآن سواها، ألا ترى أن: بسم
الله الرحمن الرحيم، التي في النمل يجب أن يجهر بها كما يجهر بغيرها من القرآن لأنها من
القرآن؟ وثبت أن يخافت بها كما يخافت بالتعوذ والافتتاح وما أشبهها، وقد رأيناها أيضاً.
مكتوبة في فواتح السور في المصحف في فاتحة الكتاب وفي غيرها، ولما كانت في غير
فاتحة الكتاب ليست بآية ثبت أيضاً انها في فاتحة الكتاب ليست بآية. فإن قلت: إذا لم
تكن قرآناً لكان مدخلها في القرآن كافراً. قلت: الاختلاف فيها يمنع من أن تكون آية، ويمنع
من تكفير من يعدها من القرآن، فإن في الكفر لا يكون إلاّ بمخالفة النص والإجماع في أبواب
العقائد، فإن قيل: نحن نقول: إنها آية في غير الفاتحة، فكذلك إنها آية من الفاتحة. قلت:
هذا قول لم يقل به أحد، ولهذا قالوا: زعم الشافعي أنها آية من كل سورة، وما سبقه إلى هذا
القول أحد، لأن الخلاف بين السلف إنما هو في أنها من الفاتحة أو ليست بآية منها، ولم
يعدها أحد آية من سائر السور، والتحقيق فيه أنها آية من القرآن حيث كتبت، وأنها مع ذلك
ليست من السور، بل كتبت آية في كل سورة، ولذلك تتلى آية مفردة في أول كل سورة،
كما تلاها النبي عَّ حين أنزلت عليه: ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ [الكوثر: ١]. وعن هذا قال
الشيخ حافظ الدين النسفي: وهي آية من القرآن أنزلت للفصل بين السور، وعن ابن عباس:
كان النبي عَّمِ لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه: بسم الله الرحمن الرحيم، وفي رواية:
لا يعرف انقضاء السورة، رواه أبو داود والحاكم، وقال: إنه على شرط الشيخين. فإن قلت:
لو لم تكن من أول كل سورة لما قرأها النبي عَ لَّه بالكوثر. قلت: لا نسلم أنه يدل على
أنها من أول كل سورة، بل يدل على أنها آية منفردة، والدليل على ذلك ما ورد في حديث
بدء الوحي: ((فجاءه الملك فقال له: إقرأ. فقال: ما أنا بقاريء ثلاث مرات، ثم قال له: ﴿اقرأ
باسم ربك الذي خلق﴾ [العلق: ١]. فلو كانت البسملة آية من أول كل سورة لقال: إقرأ بسم
الله الرحمن الرحيم ﴿اقرأ باسم ربك﴾ [العلق: ١]. ويدل على ذلك أيضاً ما رواه أصحاب
السنن الأربعة: عن شعبة عن قتادة عن عياش الجهني عن أبي هريرة عن النبي عَّله، قال: ((إن
سورة من القرآن شفعت لرجل حتى غفر له وهي: ﴿تبارك الذي بيده الملك﴾ [الملك: ١].
وقال الترمذي: حديث حسن، ورواه أحمد في (مسنده) وابن حبان في (صحيحه) والحاكم
في (مستدركه)، ولو كانت البسملة من أول كل سورة لافتتحها عَّمه بذلك.
١٣٢/ ٧٤٤ - حدّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قال حدّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ بنُ زِيَادٍ قال حدّثنا عُمَارَةُ
ابنُ القَعْقَاعِ. قال حدّثنا أبو زُرْعَةَ قال حدّثنا أبو هُرَيْرَةَ قال كانَ رسولُ الله عَ لَّه يَسْكُتُ بَيْنَ
التَّكْبِيرِ وبَيَّنَ القِرَاءَةِ إِسْكَانَةً قال أخْسِبُهُ قال هُنَيَّةً فَقُلْتُ بِأبِي وَأُمِّي يا رسولَ اللهِ إسْكَاتُكَ بَيْنَ
التَّكْبِيرِ والقِرَاءَةِ ما تَقُولُ قال أَقُولُ اللَّهُمَّ باعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَّا باعَدْتَ بَيْنَ
المَشْرِقِ والمَغْرِبِ اللَّهُمَّ نَقْذِي مِنَ الخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ اللَّهُمَّ
اغْسِلْ خَطَايَايَ بالماءِ وَالثُّلْجِ والبَرَدِ.
مطابقته للترجمة من حيث إن الحديث يتضمن أنه عَ لّم كان يقول بين التكبير والقراءة

٤٢٨
١٠ - أبواب صفة الصلاة / باب (٨٩)
هذا الدعاء المذكور، فيصدق عليه القول: بعد التكبير، وهذا ظاهر في رواية: ما يقول بعد
التكبير، وأما على رواية ما يقرأ بعد التكبير فيحمل على معنى ما يجمع بين الدعاء والقراءة
بعد التكبير، لأن أصل هذا اللفظ الجمع، وكل شيء جمعته فقد قرأته، ومنه سمي القرآن قرآناً
لأنه جمع بين القصص والأمر والنهي والوعد والوعيد. والآيات والسور بعضها إلى بعض،
وقول من قال: لما كان الدعاء والقراءة يقصد بهما التقرب إلى الله تعالى، استغنى بذكر
أحدهما عن الآخر كما جاء:
علفتها تبنا وماءً بارداً
غير سديد، وكذا قول من قال: دعاء الافتتاح يتضمن مناجاة الرب والإقبال عليه
بالسؤال، وقراءة الفاتحة تتضمن هذا المعنى، فظهرت المناسبة بين الحديثين غير موجه، لأن
المقصود وجود المناسبة بين الترجمة وحديث الباب لا وجود المناسبة بين الحديثين.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: موسى بن إسماعيل أبو سلمة المنقري المعروف
بالتبوذكي. الثاني: عبد الواحد بن زياد العبدي أبو بشر البصري. الثالث: عمارة، بضم العين
المهملة وتخفيف الميم: ابن القعقاع بن شبرمة الضبي الكوفي. الرابع: أبو زرعة، هو عمرو
ابن جرير البجلي، واختلف في اسمه فقيل: هرم، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل:
عمرو، وقيل: جرير. الخامس: أبو هريرة.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في جميع الإسناد، وهذا نادر
فلذلك اختار البخاري رواية عبد الواحد. وفيه: القول في خمسة مواضع. وفيه: الإثنان
الأولان من الرواة بصريان، واثنان بعدهما كوفيان.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الصلاة أيضاً عن زهير بن حرب، وعن أبي
بكر بن أبي شيبة وعن محمد بن عبد الله بن نمير، وعن أبي كامل، وأخرجه أبو داود عن أبي
كامل الجحدري به، وعن أحمد بن أبي شعيب الخزاعي. وأخرجه النسائي فيه عن محمود بن
غيلان عن سفيان عنه مختصراً، وفي الطهارة عن علي بن حجر عن جرير بتمامه. وأخرجه
ابن ماجه في الصلاة عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد الطنافسي، وروى البزار بسند
جيد من حديث خبيب بن سليمان بن سمرة عن أبيه عن جده أن رسول الله عَ لّه قال: ((إذا
صلى أحدكم فليقل: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب،
اللهم إني أعوذ بك أن تصدعني بوجهك يوم القيامة، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى
الثوب الأبيض من الدنس، اللهم أحيني مسلماً وأمتني مسلماً). وخبيب، بضم الخاء
المعجمة: وثقه ابن حبان، وكذلك وثق أباه سليمان، ورد ابن القطان هذا الحديث بجهل
حالهما غير جيد، وقال الإشبيلي: الصحيح في هذا فعل النبي عَّله، يعني حديث أبي هريرة
لا أمره.
ذکر معناه: قوله: ((یسکت))، بفتح الياء من: سكت يسكت سكوتاً، ویروی: يسكت،

٤٢٩
١٠ - أبواب صفة الصلاة / باب (٨٩)
بضم الياء من أسكت يسكت إسكاتاً. قال الكرماني: الهمزة للصيرورة. قلت: معناها: صيرورة
الشيء إلى ما اشتق منه الفعل، كأغد البعير أي: صار ذا غدة، ومعناه هنا: يصير ذا سكوت،
ويجوز أن يكون بمعنى الدخول في الشيء، تقديره: كان يدخل في السكوت بين التكبير وبين
القراءة. قوله: ((إسكاته)) بكسر الهمزة على وزن: إفعالة، قال بعضهم: إسكاتة من السكوت.
قلت: لا بل من أسكت، والسكوت من سكت، وهذا الوزن للمرة والنوع من الثلاثي المزيد
فيه، ومن المجرد يجيء على: سكتة، بالفتح للمرة، وبالكسر للنوع، والأصل في المزيد فيه
من الثلاثي والرباعي المجرد والمزيد أن مصدرها إذا كان بالتاء فالمرة والنوع على مصدرها
المستعمل والفارق القرائن نحو: استقامة ودحرجة واحدة أو حسنة، وإن لم يكن بالتاء فللبناء
على مصدره مزيداً فيه التاء، نحو: انطلاقة وتدحرجة واحدة أو حسنة. وشذ قولهم: أتيته
إتيانة، ولقيته لقاء، لأنهما من الثلاثي المجرد الذي لا تاء في مصدره، إذ مصدرهما إتيان
ولقاء. والقياس: إتية ولقية، وقال الخطابي: معناه سكوتاً يقتضي بعده كلاماً أو قراءة مع قصر
المدة، وأريد بهذا النوع من السكوت ترك رفع الصوت بالكلام. ألا تراه يقول: ما تقول في
إسكاتك؟ وانتصاب إسكاته على أنه مفعول مطلق أما على رواية: يسكت، بضم الياء فظاهر
لأنه على الأصل، وأما على رواية: يسكت، بفتح الياء فعلى خلاف القياس، لأن القياس
سكوتاً كما جاء بالعكس في قوله تعالى: ﴿والله أنبتكم من الأرض نباتاً﴾ [نوح: ١٧].
والقياس: إنباتاً.
قوله: ((أحسبه قال هنية)) أي: قال أبو زرعة: قال أبو هريرة بدل إسكاته: هنية، هذه
رواية عبد الواحد بن زياد بالظن، ورواه جرير عند مسلم وغيره وابن فضيل عند ابن ماجه
وغيره بلفظ: ((سكت هنية))، وأما هنيئة ففيه أوجه: الأول: بضم الهاء وفتح النون وسكون
الياء آخر الحروف وفتح الهمزة، وقال ابن قرقول: كذا عند الطبري، ولا وجه له، وقال: وعند
الأصيلي وابن الحذاء وابن السكن: هنيهة، بالهاء المفتوحة موضع الهمزة، وهو الوجه الثاني:
قلت: هو رواية الكشميهني، ورواية إسحاق والحميدي في مسنديهما عن جرير. الوجه
الثالث: قاله النووي، هنية، بضم الهاء وفتح النون وتشديد الياء بغير همزة، ومن همزها فقد
أخطأ، قلت: ذكر عياض والقرطبي أن أكثر رواة مسلم بالهمزة، وقال النووي أصلها: هنوة،
فلما صغرت صارت: هنيوة، فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو
ياء، وأدغمت الياء في الياء. وفي (الموعب) لابن التياني: هنية هي اليسيرة من الشيء ما
كان.
قوله: ((بأبي وأمي)) الباء تتعلق بمحذوف إما إسم: فيكون تقديره: أنت مندى بأبي
وأمي، وإما فعل: فالتقدير: فديتك بأبي، وحذف تخفيفاً لكثرة الاستعمال، وعلم المخاطب
به، وفيه تفدية الشارع بالآباء والأمهات. وهل يجوز تفدية غيره من المؤمنين؟ فيه مذاهب
أصحها: نعم بلا كراهة. وثانيها: المنع، وذلك خاص به. وثالثها: يجوز تفدية العلماء
الصالحين الأخيار دون غيرهم. قوله: ((إسكاتك)) بكسر الهمزة، قال بعضهم: وهو بالرفع على

٤٣٠
١٠ - أبواب صفة الصلاة / باب (٨٩)
الابتداء ولم يبين خبره، والصحيح أنه بالنصب على أنه مفعول: فعل، مقدر أي: أسألك
إسكاتك ما تقول فيه؟ أو منصوب بنزع الخافض، أي: ما تقول في إسكاتك؟ ووقع في رواية
المستملي والسرخسي بفتح الهمزة وضم السين على الاستفهام، وفي رواية الحميدي: ((ما
تقول في سكتتك بين التكبير والقراءة؟» ولمسلم: ((أرأيت سكوتك؟)) وكذا في رواية أبي
داود، ومعناه: أخبرني سكوتك. قوله: ((ما تقول؟)) أي: فيها. قيل: السكوت مناف، للقول
فكيف يصح أن يقال ما تقول في سكوتك؟ وأجيب: بأنه يحتمل أنه استدل على أصل القول
بحركة الفم، كما استدل به على قراءة القرآن في الظهر والعصر باضطراب اللحية. قوله:
((باعد» بمعنى: أبعد، قال الكرماني: أخرجه إلى صيغة المفاعلة للمبالغة. قلت: لم يقل أهل
التصريف إلاّ للتكثير، نحو: ضاعفت، بمعنى ضعفت .. وفي المبالغة معنى التكثير. قوله:
((خطاياي))، جمع خطية كالعطايا جمع عطية، يقال: خطأ في دينه خطأ إذا أثم فيه، والخطأ
بالكسر الذنب والإثم، وأصل خطايا خطابىء، فقلبوا الياء همزة كما في قبائل جمع قبيلة،
فصار خطأيء بهمزتين، فقلبوا الثانية ياءً فصار: خطائي، ثم قلبت الهمزة ياء مفتوحة فصارت:
خطابي، فقلبت الياء فصار: خطايا: إن كان يراد بها اللاحقة فمعناه إذا قدر لي ذنب فبعد
بيني وبينه، وإن كان يراد بها السابقة فمعناه المحو والغفران، ويقال: المراد بالمباعدة محو
ما حصل منها والعصمة عما سيأتي منها، وهذا مجاز، لأن حقيقة المباعدة إنما هي في الزمان
والمكان.
قوله: ((كما باعدت)) كلمة: ما، مصدرية تقديره: كتبعيدك بين المشرق والمغرب،
ووجه الشبه أن التقاء المشرق والمغرب لما كان مستحيلاً شبه أن يكون اقترابه من الذنب
كاقتراب المشرق والمغرب. وقال الكرماني: كرر لفظ: البين، في قوله: ((وباعد بيني وبين
خطاياي))، ولم يكرر: بين المشرق والمغرب، لأنه إذا عطف على المضمر المجرور أعيد
الخافض. قلت: يرد عليه قوله: بين التكبير وبين القراءة. قوله: ((نقني)) بتشديد القاف وهو أمر
من: نقى ينقي تنقية، وهو مجاز عن إزالة الذنوب ومحو أثرها. قوله: ((من الدنس)) بفتح
النون وهو: الوسخ. قوله: ((كما ينقى الثوب الأبيض))، وإنما شبه به لأن الثوب الأبيض أظهر
من غيره من الألوان. قوله: ((والبرد)) بفتح الراء، وهو حب الغمام. قال الكرماني: الغسل البالغ
إنما يكون بالماء الحار، فلم ذكر كذلك؟ فأجاب ناقلاً عن محي السنة: معناه طهرني من
الذنوب، وذكرهما مبالغة في التطهير، وقال الخطابي: هذه أمثال، ولم يرد بها أعيان هذه
المسميات، وإنما أراد بها التوكيد في التطهير من الخطايا والمبالغة في محوها عنه، والثلج
والبرد ماءان لم تمسهما الأيدي ولم يمتهنهما استعمال، فكان ضرب المثل بهما أوكد في بيان
معنى ما أراده من تطهير الثوب.
وقال التوربشتي: ذكر أنواع المطهرات المنزلة من السماء التي لا يمكن حصول
الطهارة الكاملة إلّ بأحدها، بياناً لأنواع المغفرة التي لا تخلص من الذنوب إلاّ بها، أي:
طهرني بأنواع مغفرتك التي هي في تمحيص الذنوب بمثابة هذه الأنواع الثلاثة في إزالة

٤٣١
١٠ - أبواب صفة الصلاة / باب (٨٩)
الأرجاس ورفع الأحداث. وقال الطيبي: يمكن أن يقال: ذكر الثلج والبرد بعد ذكر الماء
لطلب شمول الرحمة بعد المغفرة والتركيب من باب: رأيته متقلداً سيفاً ورمحاً، أي: إغسل
خطاياي بالماء أي: اغفرها، وزد على الغفران شمول الرحمة. طلب أولاً المباعدة بينه وبين
الخطايا، ثم طلب تنقية ما عسى أن يبقى منها شيء تنقية تامة، ثم سأل ثالثاً بعد الغفران غاية
الرحمة عليه بعد التخلية. وقال الكرماني: والأقرب أن يقول: جعل الخطايا بمنزلة نار جهنم
لأنها مستوجبة لها بحسب وعد الشارع، قال تعالى: ﴿ومن يعص الله ورسوله فإن له نار
[الجن: ٢٣]. فعبر عن إطفاء حرارتها بالغسل تأكيداً في الإطفاء، وبالغ فيه باستعمال
جهـ
المبردات ترقياً عن الماء إلى أبرد منه، وهو الثلج ثم إلى أبرد من الثلج وهو البرد، بدليل
جموده لأن ما هو أبرد فهو أجمد. وأما تثليث الدعوات فيحتمل أن يكون نظراً إلى الأزمنة
الثلاثة، فالمباعدة للمستقبل والتنقية للحال والغسل للماضي.
ذكر ما يستنبط منه: ذكر البخاري لهذا الحديث في هذا الباب دليل على أنه يرى
الاستفتاح بهذا، وقد اختلف الناس فيما يستفتح به الصلاة. فأبو حنيفة وأحمد يريان الاستفتاح
بما رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه. فأبو داود عن حسين بن عيسى: حدّثنا طلق بن غنام
حدّثنا عبد السلام بن حرب الملائي عن بديل بن ميسرة عن أبي الجوراء عن عائشة، رضي
الله تعالى عنها، قالت: ((كان رسول الله عَّ له إذا استفتح الصلاة قال: (سبحانك اللهم
وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك)). والترمذي وابن ماجة من حديث حارثة
ابن أبي الرجال: عن عمرة عن عائشة؛ ((أن النبي عَّ لم كان إذا استفتح الصلاة قال: سبحانك
اللهم ... )) إلى آخره، نحوه، وأبو الجوراء، بالجيم والراء: واسمه أوس بن عبد الله الربعي
البصري.
فإن قلت: قال أبو داود: هذا الحديث ليس بالمشهور عن عبد السلام بن حرب، ولم
يروه إلاّ طلق بن غنام، وقد روى قصة الصلاة جماعة غير واحد عن بديل لم يذكروا فيه شيئاً
من هذا. وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه، وحارثة قد تكلم فيه قلت:
قد أخرجه الحاكم في المستدرك بالإسناد: أعني إسناد أبي داود وإسناد الترمذي. وقال:
صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ولا أحفظ في قوله: ((سبحانك اللهم وبحمدك)) في الصلاة
أصح من هذا الحديث. وقد صح عن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، أنه كان يقوله.
ثم أخرجه عن الأعمش عن الأسود عن عمر قال: وقد أسنده بعضهم عن عمر ولا يصح.
وأخرجه مسلم في (صحيحه) عن عبدة وهو ابن أبي لبابة: أن عمر بن الخطاب كان يجهر
بهؤلاء الكلمات يقول: ((سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك)).
وقال المنذري وعبدة: لا يعرف له سماع من عمر، وإنما سمع من ابنه عبد الله، ويقال: إنه
رأى عمر رؤية. وقال صاحب (التنقيح): وإنما أخرجه مسلم في (صحيحه) لأنه سمعه مع
غيره. وقال الدارقطني في كتابه (العلل): وقد رواه إسماعيل بن عياش عن عبد الملك بن
حميد بن أبي غنية عن أبي إسحاق السبيعي عن الأسود عن عمر عن النبي عَّهِ، وخالفه

٤٣٢
١٠ - أبواب صفة الصلاة / باب (٨٩)
إبراهيم النخعي فرواه عن الأسود عن عمر.
قوله: وهو الصحيح، وروى الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري، قال: ((كان النبي
عٍَّ إذا قام إلى الصلاة كبر ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك
ولا إله غيرك، ثم يقول: الله أكبر كبيراً، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان
الرجيم من همزه ونفخه ونفثه)). ثم قال: وفي الباب عن علي وعبد الله بن مسعود وعائشة
وجابر وجبير بن مطعم وابن عمر، ثم قال، وحديث أبي سعيد أشهر حديث في هذا الباب.
وقد أخذ قوم من أهل العلم بهذا الحديث. وأما أكثر أهل العلم فقالوا: إنما روي عن النبي
عَ له أنه كان يقول: ((سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك)»،
وهكذا روي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنهما، والعمل على
هذا عند أكثر أهل العلم من التابعين وغيرهم.
قلت: أما حديث علي فأخرجه إسحاق بن راهويه في أول كتاب (الجامع) عن الليث
ابن سعد عن سعيد بن يزيد عن الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي بن أبي طالب عن
النبي عَّ له أنه كان يجمع في أول صلاته بين: سبحانك اللهم وبحمدك، وبين وجهت وجهي
إلى آخرهما. قال إسحاق: والجمع بينهما أحب إلي. وفي كتاب (العلل) لابن أبي حاتم:
سئل أحمد بن سلمة، أي: عن هذا الحديث، فقال: حديث موضوع باطل لا أصل له، أرى
أن هذا من رواية خالد بن القاسم المدايني، وقد كان خرج إلى مصر فسمع من الليث ورجع
إلى المدائن فسمع منه الناس، فكان يوصل المراسيل ويضع لها أسانيد. فخرج رجل من أهل
الحديث إلى مصر فكتب، كتب الليث هنالك، ثم قدم بها بغداد فعارضوا بتلك الأحاديث،
فيان لهم أن أحاديث خالد مفتعلة. وقد روى مسلم حديث علي منفرداً بقوله: ((وجهت
وجهي))، فقط أخرجه في التهجد من رواية عبيد الله بن أبي رافع عن علي بن أبي طالب:
((أن رسول الله عَّ اللّه كان إذا قام إلى الصلاة قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات
والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب
العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين)). وفي رواية لمسلم: ((وأنا أول
المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلاّ أنت)). الحديث.
وأما حديث عبد الله بن مسعود فأخرجه الطبراني في معجمه من حديث أبي
الأحوض عن عبد الله قال: كان رسول الله عَ لَّه إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك اللهم
وبحمدك ... إلى آخره.
وأما حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، فقد ذكرناه عن قريب.
وأما حديث جابر، رضي الله تعالى عنه، فأخرجه الدارقطني عنه: ((كان رسول الله
عَ ◌ّلِ يستفتح الصلاة، بسبحانك اللهم وبحمدك ... )) إلى آخره، وبعده ابن قدامة: رجال إسناده
كلهم ثقات، وطعن فيه أبو حاتم الرازي.

٤٣٣
١٠ - أبواب صفة الصلاة / باب (٨٩)
وأما حديث جبير بن مطعم فأخرجه أبو داود عن ابن جبير بن مطعم عن أبيه أنه:
رأى رسول الله عَّلم يصلي صلاة، قال عمر: ولا أدري أي صلاة هي، قال: ((الله أكبر كبيراً
الله أكبر كبيراً الله أكبر كبيراً والحمد لله حمداً كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلاً ثلاثاً، أعوذ
بالله من الشيطان الرجيم من نفخه ونفثه وهمزه).
وأما حديث ابن عمر فأخرجه الطبراني في (معجمه) من حديث محمد بن المنكدر:
عن عبد الله بن عمر، قال: ((كان رسول الله عَ للٍ إذا افتتح الصلاة قال: وجهت وجهي للذي
فطر السموات والأرض حنيفاً. وما أنا من المشركين، سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك
اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا
شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين)). وقد ذكرنا عن مسلم أنه أخرج عن علي:
((وجهت وجهي ... )) إلى آخره.
قلت: وفي الباب أيضاً عن أنس أخرجه الدارقطني من حديث حميد عن أنس، قال:
((كان رسول الله عَ ل إذا افتتح الصلاة كبر ثم رفع يديه حتى يحاذي بإبهاميه أذنيه ثم يقول:
سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك)). ثم قال: ورجال إسناده
كلهم ثقات. وعن الحكم بن عمير الثمالي أخرجه الطبراني عنه، قال: ((كان رسول الله
عَّلم يعلمنا: إذا قمتم إلى الصلاة فارفعوا أيديكم ولا تخالف آذانكم. ثم قولوا: سبحانك
اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، وإن لم تزيدوا على التكبير
أجزاكم)). وعن واثلة أخرجه الطبراني عنه: أن رسول الله عَّ له ((كان يقول إذا افتتح الصلاة:
سبحانك اللهم وبحمدك .. )) إلى آخره. وعن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، أخرجه
الدارقطني عن نافع عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب: كان النبي، عَّه، إذا كبر للصلاة
قال: ((سبحانك اللهم وبحمدك .. )) إلى آخره، وقال الدارقطني، والمحفوظ أنه موقوف على
عمر، رضي الله تعالى عنه، وقد مر الكلام فيه مستوفى عن قريب. واستحب الشافعي
الاستفتاح بحديث علي من عند مسلم، وقد مضى عن قريب. وقال ابن الجوزي: كان ذلك
في أول الأمر أو النافلة.
قلت: كان في النافلة، والدليل عليه ما رواه النسائي من حديث محمد بن مسلمة:
(أن رسول الله عَ لّم كان إذا قام يصلي تطوعاً قال: وجهت وجهي ... )) إلى آخره. ولكن في
(صحيح ابن حبان): كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة .. )) قاله، وقال ابن قدامة: العمل به
متروك، فإنا لا نعلم أحداً استفتح بالحديث كله، وإنما يستفتحون بأوله. وقال ابن الأثير في
(شرح المسند): الذي ذهب إليه الشافعي في (الأم) أنه يأتي بهذه الأذكار جميعاً من أولها
إلى آخرها في الفريضة والنافلة، وأما المزني فروى عنه أنه يقول: وجهت وجهي ... إلى قوله:
من المسلمين. قال أبو يوسف: يجمع بين قول: سبحانك اللهم وبحمدك، وبين قول: وجهت
وجهي، وهو قول أبي إسحاق المروزي وأبي حامد الشافعيين. وفي (المحيط): يستحب
قول: وجهت وجهي قبل التكبير، وقيل: لا يستحب لتطويل القيام مستقبل القبلة من غير
عمدة القاري / ج٥ / ٢٨٢

٤٣٤
١٠ - أبواب صفة الصلاة / باب (٨٩)
صلاة. وقال ابن بطال: إن الشافعي قال: أحب للإمام أن يكون له سكتة بين التكبير والقراءة
ليقرأ المأموم فيها، ثم قال: وحديث أبي هريرة يرد العلة التي علل بها الشافعي هذه السكتة،
لأن أبا هريرة سأل الشارع عنها، فقال: أقول: اللهم باعد ... إلى آخره، ولو كان ليقرأ من وراء
الإمام فيها لذكر ذلك، فبين أن السكتة لغير ما قاله الشافعي.
وقال صاحب (التوضيح): هذا الذي قاله عن الشافعي غلط من أصله، فإن الذي
استحبه الشافعي السكتة فيها لأجل قراءة المأموم الفاتحة إنما هي السكتة الثالثة بعد قوله:
آمين، ورده ابن المنير أيضاً بأنه: لا يلزم من كونه أخبره بصفة ما يقول أن لا يكون سبب
السكوت ما ذكر، وقيل: هذا النقل من أصله غير معروف عن الشافعي ولا عن أصحابه، إلاّ
أن الغزالي قال في (الإحياء): إن المأموم يقرأ الفاتحة إذا اشتغل الإمام بدعاء الافتتاح، وخولف
في ذلك، بل أطلق المتولي وغيره تقديم المأموم قراءة الفاتحة على الإمام. وفي وجه إن
فرغها قبله بطلت صلاته، والمعروف أن المأموم يقرؤها إذا سكت الإمام بين الفاتحة والسورة،
وهو الذي حكاه عياض وغيره عن الشافعي.
وقد نص الشافعي على أن المأموم يقول دعاء الافتتاح كما يقوله الإمام قلت: قال
المزني: وهو في حق الإمام فقط، وقال بعضهم: والسكتة التي بين الفاتحة والسورة ثبت فيها
حديث سمرة عند أبي داود وغيره. قلت: قال أبو داود: حدّثنا يعقوب بن إبراهيم حدّثنا
إسماعيل عن يونس عن الحسن قال: قال سمرة: حفظت سكتتين في الصلاة، سكتة إذا كبر
الإمام حين يقرأ، وسكتة إذا فرغ من فاتحة الكتاب، وسورة عند الركوع. قال: فأنكر ذلك
عليه عمران بن الحصين، قال: فكتبوا في ذلك إلى المدينة، إلى أبي، فصدق سمرة. قوله:
((سكتة إذا كبر الإمام)) فيه دليل لأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل، والجمهور إنه
يستحب دعاء الافتتاح. وقال مالك: لا يستحب دعاء الافتتاح بعد تكبيرة الافتتاح. قوله:
((وسكتة إذا فرغ))، أي: عند فراغ الإمام من فاتحة الكتاب وسورة، وقال الخطابي: وهذه
السكتة ليقرأ من خلف الإمام ولا ينازعه في القراءة، وهو مذهب الشافعي، وعند أصحابنا: لا
يقرأ المقتدي خلف الإمام، فتحمل هذه السكتة عندنا على الفصل بين القراءة والركوع
بالتأني وترك الاستعجال بالركوع بعد الفراغ من القراءة، ولكن حد هذه السكتة قدر ما يقع به
الفصل بين القراءة والركوع، حتى إذا طال جداً، فإن كان عمداً يكره، وإن كان سهواً يجب
عليه سجدة السهو، لأن فيه تأخير الركن.
وقال أبو داود: وكذا قال حميد: وسكتة إذا فرغ من القراءة، وقد حمل البعض هذه
السكتة على ترك رفع الصوت بالقراءة دون السكوت عن القراءة، وقال أبو داود: حدّثنا
القعنبي، قال مالك: لا بأس بالدعاء في الصلاة في أوله وفي أوسطه وفي آخره في الفريضة
وغيرها. قلت: وكذا روي عن الشافعي، وقال البغوي: وبأي دعاء من الأدعية الواردة في هذا
الباب استفتح حصلت سنة الافتتاح، وعندنا: لا يستفتح إلاّ بسبحانك اللهم .. إلى آخره، وأما
الأدعية المذكورة في هذا الباب فإن أراد يدعو بها في آخر صلاته بعد الفراغ من التشهد في

٤٣٥
١٠ - أبواب صفة الصلاة / باب (٨٩)
الفرض، وأما باب النفل فواسع، وكل ما جاء في هذه الأدعية فمحمول على صلاة الليل.
وقال ابن بطال: لو كانت هذه السكتة فيما واظب عليه الشارع لنقلها أهل المدينة عياناً
وعملاً، فيحتمل أنه عَّلِّ فعلها في وقت ثم تركها، فتركها واسع. وقال صاحب (التوضيح):
الحديث ورد بلفظ: ((كان إذا قام إلى الصلاة)) وبلفظ: ((كان إذا قام يصلي تطوعاً)). وبلفظ:
((كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة قاله)). وكان، هنا يشعر بالمداومة عليه قلت: إذا ثبتت
المداومة يثبت الوجوب، ولم يقل به أحد.
٧٤٥/١٣٣ - حدّثنا ابنُ أبي مَرْيَمَ قال أخبَرَنَا نافِعُ بنُ عُمَرَ قال حدَّثني ابن أبي مُلَيْكَةَ
عَنْ أسْمَاءَ بنتِ أبِي بَكْرٍ أنَّ النَّبِيَّ عَلِ صِلَّى صَلاَةَ الكُشُوفِ فِقَامَ فأطالَ القِيَامَ ثُمَّ رَكَعَ
فأطَالَ الرُّكُوعَ ثُمَّ قَامَ فأطَّالَ القِيَامَ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ ثمّ رفَعَ ثُمَّ سجَدَ فَأَطَالَ الشُّجُودَ
ثُمَّ رَفَعَ ثمَّ سَجَدَ فأطَالَ السُّجُودَ ثُثُم قامَ فأطالَ القِيَامَ ثم رَكَعَ فأطالَ الرُّكُوعَ ثُمَّ رَفَعَ فأطالَ
القِيامَ ثُمَّ ركعَ فأطَالَ الركوعَ ثُمَّ رَفَعَ فَسَجدَ فأطَالَ السُّجُودَ ثُمَّ انصَرفَ فقالَ قَدْ دَنَتْ منِّي
الجَنَّةُ حَتى لَوِ اجْتَرَأْتُ عَيْهَا لَجِئْتُكُمْ بِقِطَافٍ مِنْ قِطَافِهَا ودَنَتْ مِنِّي النَّارُ حَتَّى قُلْتُ أَيْ
ربِّ أَوَأْنَا مَعَهُمْ فَإِذَا امْرَأَةٌ حَسِبْتُ أنَّهُ قال تَخْدِشُهَا هِرَّةٌ قُلْتُ ما شَأْنُ هَذِهِ قَالُوا حَبَسَتْهَا
حَتَّى مَاتَتْ جُوعاً لا أطْعَمَتْهَا ولا أُرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ. قال نافِعٌ حَسِبْتُ أَنْهُ قال مِنْ خَشِيش
الأرْضِ أَوْ خِشَاشِ. [الحديث ٧٤٥ - طرفه في: ٢٣٦٤].
لم يقع بين هذا الحديث والحديث الذي قبله شيء من لفظة: باب، مجردة ولا
بترجمة في رواية أبي ذر، وأبي الوقت، وكذا لم يذكره أبو نعيم، ولا ذكره ابن بطال في
(شرحه). ووقع في رواية الأصيلي وكريمة لفظة: باب، بلا ترجمة، وكذا ذكره الإسماعيلي
لفظة: باب، بلا ترجمة. ثم على تقدير عدم وقوع شيء من ذلك بين الحديثين يطلب من
وجه المطابقة بين هذا الحديث وبين الترجمة، فقال بعضهم: فعلى هذا مناسبة الحديث غير
ظاهرة للترجمة قلت: ظاهرة، وهي في قوله: ((فقام فأطال القيام)). لأن إطالة النبي عَّ له القيام
بحسب الظاهر كانت مشتملة على قراءة الدعاء وقراءة القرآن، وقد علم أن الدعاء عقيب
الافتتاح قبل الشروع في القراءة، فصدق عليه: باب ما يقول بعد التكبير، وهي مطابقة ظاهرة
جداً. وقد قال الكرماني: لما كانت قراءة دعاء الافتتاح مستلزمة لتطويل القيام، وهذا فيه
تطويل القيام، ذكره ههنا من جهة هذه المناسبة. قلت: هذا غير سديد، لأن الترجمة: باب ما
يقول بعد التكبير، وليست في تطويل القيام، وقال بعضهم: وأحسن منه ما قاله ابن رشيد:
يحتمل أن تكون المناسبة في قوله: ((حتى قلت أي رب أوأنا معهم؟)) لأنه، وإن لم يكن فيه
دعاء ففيه مناجاة واستعطاف، فيجمعه مع الذي قبله جواز دعاء الله ومناجاته بكل ما فيه
خضوع، ولا يختص بما ورد في القرآن، خلافاً للحنفية. انتهى. قلت: هذا كلام طائح، أما
أولاً فلأنه لا يدل أصلاً على المقصود على ما لا يخفى على من له ذوق من طعم تراكيب
الكلام. وأما ثانياً فلأن العبد يناجي ربه ويستعطفه وهو ساكت، ومقام المناجاة والاستعطاف
يكون بكل ذكر يليق لذاته وصفاته. والحال أن الله حث عبيده في غير موضع من القرآن،

٤٣٦
١٠ - أبواب صفة الصلاة / باب (٨٩)
وحث نبيه عَّلم في غير موضع من حديثه بذكره ومدح الذاكرين والذاكرات، و کل ذلك
باللسان، وهو ترجمان القلب. ومجرد الخضوع لا يغني عن الذكر، والحسن في الخضوع
مع الذكر. وأما ثالثاً فكيف يقول: ولا يختص بما ورد في القرآن؟ أفيليق للعبد أن يقول في
صلاته، وهي محل المناجاة والخضوع: اللهم اعطني ألف دينار مثلاً؟ أو: زوجني امرأة
فلانية؟ وهذا ينافي الخضوع والخشوع؟ وكيف وقد قال عَّه: ((إن صلاتنا هذه لا يصلح
فيها شيء من كلام الناس ... )) الحديث؛ وأما على تقدير وقوع لفظة: باب، بين الحديثين
فهي بمنزلة الفصل من الباب الذي قبله، وتكون المناسبة بينهما تعلقاً ما، والذي ذكره
الكرماني هو هذا التعلق. فافهم.
ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: سعيد بن محمد بن الحكم ابن أبي مريم الجمحي
مولاهم البصري. الثاني: نافع بن عمر بن عبد الله الجمحي القرشي، من أهل مكة، ذكر
الطبري أنه: مات بمكة سنة تسع وستين ومائة. الثالث: عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي
مليكة. وأبو بكر. ويقال: أبو محمد، واسم أبي مليكة، بضم الميم: زهير بن عبد الله التيمي
الأحول المكي القاضي على عهد ابن الزبير، رضي الله تعالى عنهم. الرابع: أسماء بنت أبي
بكر الصديق، أم عبد الله بن الزبير، وهي التي يقال لها: ذات النطاقين، أخت عائشة أم
المؤمنين، ماتت بمكة سنة ثلاث وسبعين، وكانت بنت مائة سنة.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد وبصيغة الإفراد
في موضع. وفيه: الإخبار بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه: العنعنة في موضع. وفيه:
القول في موضعين، وفيه: أن رواته ما بين بصري ومكي، وفيه: رواية التابعي عن الصحابية.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الشرب عن سعيد بن
أبي مريم. قلت: أخرجه في: باب فضل سقي الماء. حدّثنا ابن أبي مريم حدّثنا نافع بن عمر
عن ابن أبي مليكة: ((عن أسماء بنت أبي بكر: إن النبي عَّه صلى صلاة الكسوف، فقال:
دنت مني النار حتى قلت: إي رب أوأنا معهم؟ فإذا امرأة حسبت أنه قال: تخدشها هرة،
قال: ما شأن هذه؟ قالوا: حبستها حتى ماتت جوعاً). انتهى. فسنده بعين سند حديث هذا
الباب، إلاّ أن في المتن اقتصاراً وبعض اختلاف. وأخرجه النسائي في الصلاة: عن إبراهيم بن
يعقوب عن موسى بن داود. وأخرجه ابن ماجه فيه عن محرز بن سلمة، ثلاثتهم عن نافع بن
عمر عن ابن مليكة به.
وصلاة الكسوف رويت عن أربعة وعشرين نفساً من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم،
وهم: أسماء بنت أبي بكر، أخرجه الستة خلا الترمذي فاتفق عليه الشيخان من رواية فاطمة
بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر. وأخرج أبو داود منه في الأمر بالعتاقة في كسوف
الشمس، وأخرج البخاري ومسلم وابن ماجه من رواية ابن أبي مليكة عن أسماء بنت أبي
بكر، ورواه مسلم من رواية صفية بنت شيبة عن أسماء. وابن عباس: أخرج حديثه مسلم عن
محمد بن المثنى، وأبو داود عن مسدد والترمذي عن بندار والنسائي عن محمد بن المثنى

٤٣٧
١٠ - أبواب صفة الصلاة / باب (٨٩)
وأخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة والنسائي عن يعقوب بن إبراهيم واتفق عليه
الشيخان، وأبو داود والنسائي من رواية عطاء بن يسار عن ابن عباس. وعلي بن أبي طالب:
أخرج حديثه أحمد من رواية حنش عنه. وعائشة: أخرج حديثها الأئمة الستة فالبخاري عن
عبد الله بن محمد، واتفق عليه الشيخان وأبو داود والنسائي من رواية الأوزاعي، والنسائي من
رواية عبد الرحمن بن أبي بكر. وأخرجه خلا الترمذي من رواية يونس بن يزيد، ورواه مسلم
والنسائي من رواية شعيب بن أبي حمزة وعلقه البخاري من رواية سليمان بن كثير، وسفيان
ابن حسين، ستتهم عن الزهري، وقد وصل الترمذي رواية سفيان بن حسين، واتفق عليه
الشيخان وأبو داود والنسائي من رواية هشام بن عروة عن أبيه، وأبو داود من رواية سليمان بن
يسار عن عروة، ورواه مسلم وأبو داود والنسائي من رواية هشام بن عروة عن أبيه، وأبو داود
من رواية عبيد بن عمير، وفي رواية لمسلم عن عبيد بن عمير عن عائشة. وعبد الله بن
عمرو: أخرج حديثه البخاري ومسلم والنسائي من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبد
الله بن عمرو، وله حديث آخر رواه أبو داود من رواية عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله
ابن عمرو وسكت عليه. والنعمان بن بشير: أخرج حديثه أبو داود والنسائي من رواية أبي
قلابة عن النعمان بن بشير. والمغيرة بن شعبة: أخرج حديثه الشيخان من رواية زياد بن
علاقة. وأبو مسعود: أخرج حديثه الشيخان والنسائي وابن ماجه من رواية قيس بن أبي حازم،
قال: سمعت أبا مسعود ... الحديث. وأبو بكرة: أخرج حديثه البخاري والنسائي من رواية
الحسن عن أبي بكرة. وسمرة بن جندب: أخرج حديثه أصحاب السنن من رواية ثعلبة بن
عباد، بكسر العين وتخفيف الباء الموحدة. وابن مسعود: أخرج حديثه أحمد من طريق ابن
إسحاق. وابن عمر، رضي الله تعالى عنهما: أخرج حديثه الشيخان والنسائي من رواية القاسم
ابن محمد بن أبي بكر عن ابن عمر. وقبيصة الهلالي: أخرج حديثه أبو داود والنسائي من
رواية أبي قلابة عنه. وجابر: أخرج حديثه مسلم وأبو داود والنسائي من رواية هشام الدستوائي
عن أبي الزبير عن جابر. وأبو موسى: أخرج حديثه الشيخان والنسائي من رواية يزيد بن عبد
الله. وعبد الرحمن، بن سمرة: أخرج حديثه مسلم وأبو داود والنسائي. وأبي بن كعب:
أخرج حديثه أبو داود من رواية أبي حفص الرازي. وبلال: أخرج حديثه البزار والطبراني في
(الكبير) و(الأوسط) من رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بلال. وحذيفة: أخرج حديثه
البزار من رواية محمد بن أبي ليلى. ومحمود بن لبيد: أخرج حديثه أحمد من رواية عاصم
ابن عمرو بن قتادة عنه. وأبو الدرداء: أخرج حديثه الطبراني في (الكبير) من رواية زياد بن
صخر عنه. وأبو هريرة: أخرج حديثه النسائي من رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن
أبي هريرة. وأم سفيان: أخرج حديثها الطبراني في (الكبير) من رواية موسى بن عبد الرحمن
عنها. وعقبة بن عامر: أخرج حديثه الطبراني في (الكبير) بلفظ: ((لما توفي إبراهيم عليه
السلام، كسفت الشمس ... )) الحديث.
ذكر معناه: قوله: ((صلاة الكسوف))، روى جماعة أن الكسوف يكون في الشمس

٤٣٨
١٠ - أبواب صفة الصلاة / باب (٨٩)
والقمر، وروى جماعة فيهما: بالخاء، وروى جماعة: في الشمس بالكاف وفي القمر بالخاء،
والكثير في اللغة، وهو اختيار الفراء: أن يكون الكسوف للشمس والخسوف للقمر. يقال:
كسفت الشمس، وكسفها الله عز وجل وانكسفت، وخسف القمر وخسفه الله وانخسف.
وذكر ثعلب في (الفصيح): انكسفت الشمس وخسف القمر أجود الكلام. وفي (التهذيب)
لأبي منصور: خسف القمر وخسفت الشمس: إذا ذهب ضوؤها. وقال أبو عبيدة معمر بن
المثنى: خسف القمر وكسف واحد: ذهب ضوؤه وقيل: الكسوف أن يكسف ببعضهما،
والخسوف أن يخسف بكلهما. قال تعالى: ﴿فخسفنا به وبداره الأرض﴾ [القصص: ٨١].
وقال ابن حبيب في (شرح الموطأ): الكسوف تغير اللون والخسوف انخسافهما، وكذلك
تقول في عين الأعور: إذا انخسفت وغارت في جفن العين وذهب نورها وضوؤها. وقال
القزاز: وكسف الشمس والقمر تكسف كسوفاً فهي كاسفة، وكسفت فهي مكسوفة، وقوم
يقولون: انكسفت، وهو غلط. وقال الجوهري: والعامة تقول: إنكسفت، وفي (المحكم):
كسفها الله وأكسفها. والأول أعلى. والقمر كالشمس. وقال اليزيدي: كسف القمر وهو
يخسف خسوفاً فهو خسف وخسيف وخاسف، وانخسف انخسافاً. قال: وانخسف أكثر في
ألسنة الناس. وفي (شرح الفصيح): كسفت الشمس أي: اسودت في رأي العين من ستر القمر
إياها عن الأبصار، وبعضهم يقول: كسفت على ما لم يسم فاعله، وانكسفت. قوله: ((ثم
انصرف)) أي: من الصلاة بعد أن فرغ منها على هذه الهيئة. قوله: ((دنت)) أي: قربت من
الدنو. قوله: ((لو اجترأت)) من الجراءة، وهو الجسارة، وإنما قال ذلك لأنه لم يكن مأذوناً من
عند الله بأخذه. قوله: ((بقطاف))، بكسر القاف: قال الجوهري: القطف، بالكسر: العنقود،
وبجمعه جاء القرآن: ﴿قطوفها﴾[الحاقة: ٢٣]، والقطاف، بالكسر وبالفتح: وقت القطف،
بالفتح. يقال: قطفت العنب قطفاً. وقال ابن الأثير: القطف، بالكسر: اسم لكل ما يقطف،
كالذبح والطحن، ويجمع على: قطاف وقطوف، وأكثر المحدثين يرويه بفتح القاف، وإنما هو
بالكسر.
قوله: ((أَوَأَنَا معهم؟)) بهمزة الاستفهام بعدها واو عاطفة في رواية الأكثرين، وبحذف
الهمزة في رواية كريمة. وهي مقدرة. وقال الكرماني: عطف: الواو، على مقدر بعد الهمزة،
يدل عليه السياق، ولم يبين ذلك ولا غيره الذي أخذ منه، وفي رواية ابن ماجه: «وأنا فيهم)).
وقال الإسماعيلي: والصحيح: ((أوأنا معهم)) قوله: ((فإذا امرأة)) كلمة إذا، للمفاجأة، فتختص
بالجمل الإسمية، ولا تحتاج إلى جواب، ومعناها الحال لا الاستقبال، نحو: خرجت فإذا
الأسد بالباب. قوله: ((حسبت أنه قال)) جملة معترضة بين قوله: ((امرأة))، وبين قوله:
((تخدشها) أي: قال أبو هريرة: حسبت أن رسول الله عَّ له قال، هكذا. فسره الكرماني. وقال
غيره: قائل ذلك هو نافع بن عمر راوي الحديث، والضمير في: أنه، لابن أبي مليكة، وذكر
أن الإسماعيلي بينه كذا. قوله: ((تخدشها)) من الخدش، بفتح الخاء المعجمة وسكون الدال
المهملة وفي آخره شين معجمة: وهو خدش الجلد وقشره بعود أو نحوه، وهو من باب:

٤٣٩
١٠ - أبواب صفة الصلاة / باب (٨٩)
ضرب يضرب. قوله: ((هرة) بالرفع فاعل لقوله: ((تخدشها)). قوله: ((لا أطعمتها)) أي: لا
أطعمت المرأةُ الهرة، هذه رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: ((لا هي أطعمتها))، بالضمير
الراجع إلى المرأة. قوله: ((تأكل))، من الأحوال المنتظرة. قوله: ((قال نافع)) وهو: ابن عمر
راوي الحديث. قوله: ((حسبت أنه قال)) فاعل: حسبت، هو نافع، والضمير في: أنه، يرجع
إلى ابن أبي مليكة.
قوله: ((من خشيش الأرض أو خشاش الأرض)) كذا وقع في هذه الرواية بالشك، و:
الخشيش، بفتح الخاء المعجمة: وهو حشرات الأرض وهوامها، والخشاش، بكسر الخاء: هو
الحشرات أيضاً. وقال ابن الأثير: تأكل من خشاش الأرض. وفي رواية: من خشيشها، وهي
بمعناه. ويروى بالحاء المهملة، وهو: يابس النبات، وهو وهم. وقيل: إنما هو خشيش، بضم
الخاء المعجمة تصغير: خشاش، على الحذف أو: خشيش، بغير حذف. وقال الخطابي ليس
بشيء، وإنما هو الخشاش مفتوحة الخاء وهو: حشرات الأرض.
ذكر ما يستنبط منه: وهو على وجوه: الأول: أن صلاة الكسوف أجمع العلماء على
أنها سنة وليست بواجبة وهو الأصح، وقال بعض مشايخنا: إنها واجبة للأمر بها، ونص في
الأسرار على وجوبها. قلت: الأمر بها هو قوله عَ لَّه: ((إذا رأيتم شيئاً من هذه الأفزاع فافزعوا
إلى الصلاة)). وثبوتها بالكتاب وهو قوله تعالى: ﴿وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً﴾
[الإسراء: ٥٩]، والكسوف آية من آيات الله تعالى يخوف الله به عباده ليتركوا المعاصي
ويرجعوا إلى طاعة الله تعالى التي فيها فوزهم، وبالسنة وهو ما ذكرناه، وبالإجماع: فإن الأمة
قد اجتمعت عليها من غير إنكار من أحد.
الوجه الثاني: أن يصلي بها في المسجد الجامع: أو في مصلى العيد، قاله
الطحاوي: وقالت الشافعية والحنابلة: السنة في المسجد لأن النبي عَّ الّ فعلها فيه، ولأن
وقت الكسوف يضيق عن الخروج إلى المصلى.
الوجه الثالث: في وقت أدائها فأما أولها فوقت يجوز فيه أداء النافلة، وفيه خلاف
يأتي وآخرها، فعن مالك: لا يصلي بعد الزوال، رواه ابن القاسم. وفي رواية ابن وهب: يصلي
وإن زالت الشمس، وعنه: لا يصلي بعد العصر، ومذهب أبي حنيفة إن طلعت مكسوفة لا
يصلي حتى يدخل وقت الجواز، قال ابن المنذر: وبه أقول خلافاً للشافعي. وفي (المحيط):
لا يصلي في الأوقات الثلاثة، وذكر ابن عمر في الاستذكار، قال الليث بن سعد: حججت
سنة ثلاث عشرة ومائة، وعلى الموسم سليمان بن هشام، وبمكة شرفها الله عطاء بن أبي رباح
وابن شهاب وابن أبي مليكة وعكرمة بن خالد وعمرو بن شعيب وأيوب بن موسى، وكسفت
الشمس بعد العصر، فقاموا قياماً يدعون الله في المسجد، فقلت لأيوب: ما لهم لا يصلون؟
فقال: النهي قد جاء عن الصلاة بعد العصر فلذلك لا يصلون، إنما يذكرون حتى تنجلي
الشمس، وهو مذهب الحسن بن أبي الحسن وابن علية والثوري، وقال إسحاق: يصلون بعد
العصر ما لم تصفر الشمس، وبعد صلاة الصبح، ولا يصلون في الأوقات الثلاثة، فلو كسفت

٤٤٠
١٠ - أبواب صفة الصلاة / باب (٨٩)
عند الغروب لم يصل إجماعاً، وقال ابن قدامة: إذا كان الكسوف في غير وقت صلاة جعل
بمكان الصلاة شرعاً هذا ظاهر المذهب، لأن النافلة لا تفعل أوقات النهي، سواء كان لها
سبب أو لم يكن، روي ذلك عن الحسن وأبي بكر بن محمد بن عمر بن حزم وأبي حنيفة
ومالك وأبي ثور، ونص عليه أحمد، روى قتادة قال: انكسفت الشمس ونحن بمكة، شرفها
الله تعالى، بعد العصر فقاموا قياماً يدعون، فسألت عطاء عن ذلك، فقال: هكذا يصنعون.
وروى إسماعيل بن سعد عن أحمد: أنهم يصلونها في أوقات النهي، قال أبو بكر بن عبد
العزيز: وبالأول أقول، وهذا أظهر القولين.
الوجه الرابع: في صفتها، وهي كهيئة النافلة عندنا بغير أذان ولا إقامة مثل صلاة
الفجر والجمعة في كل ركعة ركوع واحد، وبه قال النخعي والثوري وابن أبي ليلى، وهو
مذهب عبد الله بن الزبير، رواه ابن أبي شيبة في (مصنفه) عن ابن عباس، وروي ذلك أيضاً
عن ابن عمر وأبي بكرة وسمرة بن جندب وعبد الله بن عمرو، وقبيصة الهلالي والنعمان بن
بشير وعبد الرحمن بن سمرة، وعند الشافعي ومالك وأحمد وأبي ثور وعلماء الحجاز: صلاة
الكسوف ركعتان، في كل ركعة ركوعان وسجودان، وعن أحمد وإسحاق. في كل ركعة
ثلاث ركوعات واحتج الشافعي ومن معه بحديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، أخرجه
الأئمة الستة في كتبهم على ما سيأتي في بابه إن شاء الله تعالى، وحديث: الثلاث ركوعات
في كل ركعة أخرجه مسلم عن عطاء عن جابر، ((قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله
عَّالله فصلى ست ركعات بأربع سجدات)). وذكر في (الخلاصة الغزالية) إذا انكسفت
الشمس في وقت مكروه أو غير مكروه، ونودي: الصلاة جامعة، وصلى الإمام بالناس في
المسجد ركعتين، وركع في كل ركعة ركوعين وأوائلها أطول من أواخرها، ثم ذكر قراءة
الطوال الأربع في أول القرآن في القيام الأربع، ثم قال: ويسبح في الركوع الأول قدر مائة
آية، وفي الثاني قدر ثمانين، وفي الثالث قدر سبعين، وفي الرابع قدر خمسين آية. وعند
طاوس بن كيسان وحبيب بن أبي ثابت وعبد الملك بن جريج: صلاة الكسوف ركعتان في
كل ركعة أربع ركوعات وسجدتان، ويحكى هذا عن علي وابن عباس، رضي الله تعالى
عنهم، واحتجوا في ذلك بحديث ابن عباس، أخرجه مسلم عن طاوس عن ابن عباس عن
النبي ◌َّل: أنه صلى في كسوف قرأ ثم ركع ثم قرأ ثم ركع ثم قرأ ثم ركع ثم قرأ ثم ركع
ثم سجد. قال: والأخرى مثلها. وقال قتادة وعطاء بن أبي رباح وإسحاق وابن المنذر: صلاة
الكسوف ركعتان في كل ركعة ثلاث ركوعات وسجدتان وعند سعيد بن جبير وإسحاق بن
راهويه في رواية، ومحمد بن جرير الطبري وبعض الشافعية: لا توقيت في الركوع في صلاة
الكسوف بل يطيل أبداً يركع ويسجد إلى أن تنجلي الشمس. وقال القاضي عياض: قال
بعض أهل العلم: إنما ذلك على حسب مكث الكسوف، فما طال مكثه زاد تكرير الركوع
فيه، وما قصر اقتصر فيه وما توسط اقتصد فيه. قال: وإلى هذا نحى الخطابي وابن راهويه
وغيرهما، وقد يعترض عليه بأن طولها ودوامها لا يعلم في أول الحال ولا في الركعة الأولى.