Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٦٥)
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم أيضاً في الصلاة عن يحيى بن يحيى ويحيى بن
أيوب وقتيبة وعلي بن حجر، أربعتهم عن إسماعيل بن جعفر عن شريك.
ذكر معناه: قوله: ((أخف)) صفة للإمام، وصلاة نصب على التمييز. قوله: ((وإن كان))،
إن هذه لفظة مخففة وأصلها: وأنه، والضمير فيه للشأن. قوله: ((فيخفف))، بين مسلم في
رواية ثابتة محل التخفيف، ولفظه: ((فيقرأ بالسورة القصيرة)). قوله: ((مخافة))، نصب على
التعليل مضاف إلى: أن، المصدرية. قوله: ((أن تفتتن أمه))، من الافتتان، أي: تلتهي عن
صلاتها لاشتغال قلبها ببكائه، زاد عبد الرزاق من مرسل عطاء: ((أو تتركه فيضيع)). وقاله
الكرماني: ويفتن من الثلاثي، ومن الأفعال والتفعيل. والثالث: من التفتين، والذي ذكرته من
باب الافتعال، فيكون على أربعة أوجه.
٧٠٩/٩٨ _ حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الله قال حدّثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيْع قال حدّثنا سَعِيدٌ قال حدّثنا
قَتَادَةُ أنَّ أَنَسَ بِنَ مَالِكِ حَدَّثَهُ أنَّ النبيَّ عَ لَّهِ قال إنِّي لأُدْخُلُ فِي الصَّلاَةِ وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا
فاسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيّ فَأْتَجَوَّزُ فِي صَلاَتِي مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مَنْ بُكَائِهِ.
[الحديث ٧٠٩ - طرفه في: ٧١٠].
هذا طريق آخر من حديث أنس عن علي بن عبد الله بن جعفر أبو الحسن، يقال له:
ابن المديني، عن يزيد بن زريع، بضم الزاي وفتح الراء، عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
وفيه: التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع، وبصيغة الإفراد في موضع واحد.
ورواته كلهم بصريون.
وأخرجه مسلم في الصلاة أيضاً عن محمد بن المنهال عن يزيد بن زريع. وأخرجه ابن
ماجة نيه عن نصر بن علي عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى.
قوله: ((مما أعلم))، كلمة: ما، مصدرية ويجوز أن تكون موصولة، والعائد محذوفاً.
قوله: ((وجد أمه)) الوجد: الحزن. قال ابن سيده: وجد الرجل وجداً ووجداً، كلاهما عن
اللحياني: حزن. وفي (الفصيح): ووجدت في الحزن وجداً، ومضارعه: يجد، وحكى القزاز
عن الفراء: يجد، يعني بضم الجيم. وفي (المطالع): من موجدة أمه، أي: من حبها إياه
وحزنها لبكائه. قال: وقد روي: ((من وجد أمه))، قال بعضهم: وكأن ذكر الأم خرج مخرج
الغالب، وإلاَّ فمن كان في معناها يلتحق بها، وفيه نظر، لأن غير الأم ليس كالأم في
الموجدة، ويفهم من قوله: ((وأنا أريد إطالتها))، أن من قصد في الصلاة الإتيان بشيء لا
يجب عليه الوفاء به، بل يستحب، خلافاً لأشهب، فإنه قال: من نوى التطوع قائماً ليس له
أن يتمه جالساً.
٧١٠/٩٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قال حدّثنا ابنُ أبي عَدِيٍ عنْ سَعِيدٍ عنْ قَتَادَةَ عنْ أَنَسٍ
. ابنِ مالِكِ عنِ النبيِّ عَّهِ قال إنِّي لأَدخُلُ فِي الصَّلاَةِ فَأَرِيذٌ إِطَالَتَهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ
فَأْتَجَوَّزُ مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ. [أَنظر الحديث ٧٠٩].

٣٦٢
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٦٦ و٦٧)
هذا طريق آخر من حديث أنس عن محمد بن بشار الملقب بيندار عن محمد بن أبي
عدي واسم أبي عدي: إبراهيم البصري عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
وفيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين والعنعنة في أربعة مواضع.
ورجاله كلهم بصريون. قوله: («مما أعلم))، وفي رواية الكشميهني: ((لما أعلم))، بلام
التعلیل.
وقال مُوسَى حدّثنا أبانُ قال حدّثنا قَتَادَةُ قال حدّثنا أنسٌ عن النبيِّ عَّهِ مِثْلَهُ
هذا تعليق، وموسى هو ابن إسماعيل التبوذكي، وأبان هو ابن يزيد العطار.
وفائدة هذا التعليق بيان سماع قتادة له من أنس، ووصله السراج في (مسنده)
فقال: حدّثنا عبد الله بن جرير بن جبلة حدّثنا موسى بن إسماعيل حدّثنا أبان بن يزيد
حدّثنا قتادة، فذكره بلفظ: ((إني أقوم في الصلاة وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي
فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه ببكائه)). وفي حديث حميد وعلي بن
يزيد عنه: ((إن رسول الله عَّةٍ، جوز ذات يوم في صلاة الفجر، فقلت له: جوزت يا رسول
الله! قال: سمعت بكاء صبي فكرهت أن أشغل عليه أمه)). وفي لفظ: ((سمع صوت صبي
وهو في الصلاة، فخفف الصلاة فظننا أنه خفف رحمة للصبي من أجل أن أمه في الصلاة)).
وفي حديث ثابت عنه: ((إذا سمع بكاء الصبي قرأ بالسورة الخفيفة، أو السورة القصيرة، شك
جعفر بن سليمان».
٦٦ - بابُ إِذَا صَلَّى ثُمَّ أُمَّ قَوْماً
أي: هذا باب ترجمته: إذا صلى رجل مع الإمام ثم أم قوماً ولم يذكر جواب: إذا،
جرياً على عادته في ترك الجزم بالحكم المختلف فيه، والظاهر أن ميله إلى جواز ذلك،
فحينئذ يقدر الجواب لفظ: يجوز أو يجزىء.
٧١١/١٠٠ - حدّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ وَأَبُو النَّعْمَانِ قالا حدّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ أَيُّوبَ عنْ
عَمْرٍو بنِ دِينَار عنْ جَابِرٍ قال كانَ مُعاذٍ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ عَ لِّ ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ فَيُصَلِّي بِهِمْ.
[أنظر الحديث ٧٠٠ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة ورجاله قد مروا غير مرة، وقد مر البحث فيما يتعلق به
مستوفىّ.
٦٧ - بابُ مَنْ أسْمَعَ النَّاسَ تَكْبِيرَ الإِمَامِ
أي: هذا باب في بيان حكم من أسمع الناس، وهذا بعمومه يتناول المؤذن وغيره ممن
يسمع الناس تكبير الإمام في الصلاة.
:
:
٧١٢/١٠١ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدّثنا عَبْدُ الله بنُ دَاوُدَ قالَ حدّثنا الأعْمَشُ عنْ إِبْرَاهِيمَ عنِ

٣٦٣
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٦٨)
الأسْوَدِ عنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قالَتْ لَمَّا مَرِضَ النبيُّ عَ لَِّ مَرَضَهُ الَّذِي ماتَ فِيهِ
أتاهُ بِلاَلٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلاَةِ فقالَ مُرُوا أَبًا بَكْرٍ فَلْيُصَلِ قُلْتُ إِنَّ أبا بَكْرٍ رَجُلٌ أسِيفٌ إِنْ يَقُمْ
مَقَامَكَ يَبْكِي فَلاَ يَقْدِرُ عَلى القِرَاءَةِ قال مُرُوا أبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ فَقُلْتُ مِثْلَهُ فقال في الثَّالِفَةِ أو
الرَّابِعَةِ إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ مُرُوا أبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ فَصَلَّىٍ وخَرَجَ النبيُّ عَ لَّه يُهَادِى بَيْنَ
رَبُجْلَيْنِ كانِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَخُطُّ بِرِ جْلَيْهِ الأرْضَ فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ ذَهَبَ يَتَأَُّ فَأْشَارَ إِلَيْهِ أنْ صَلِّ
فَتَأَّرَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله تعالى عنه وقَعَدَ النبيُّ عَّهِ إِلَى جَنْبِهِ وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ التَّكْبِيرَ
[أنظر الحديث ١٩٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((وأبو بكر يسمع الناس التكبير)» وقد مر الكلام فيه
مستقصىّ في: باب حد المريض أن يشهد الجمعة. وفي: باب أهل العلم والفضل أحق
بالإمامة.
قوله: ((يؤذنه)) بضم الياء من الإيذان، وهو الإعلام. قوله: ((أسيف)) أي: رقيق القلب.
قوله: ((إن يقم مقامك))، وقال ابن مالك في بعض الروايات: ((إن يقم مقامك يبكي). قوله:
((فليصل)»، أمر مجزوم، ويجوز بإثبات الياء فيه في موضعين، وهو من قبيل إجراء المعتل
مجرى الصحيح، والاكتفاء بحذف الحركة. قوله: ((يهادى)) بفتح الدال أي: يمشي بين اثنين
معتمداً عليهما. قوله: ((وأبو بكر)) الواو فيه للحال.
تابَعَهُ مُحَاضِرٌ عنِ الأَغْمَشِ
أي: تابع عبد الله بن داود محاضر عن سليمان عن الأعمش، و: محاضر، بضم الميم
وبالحاء وبعد الألف ضاد معجمة مكسورة وفي آخره راء: ابن المورع، بضم الميم وفتح الواو
وكسر الراء: الهمداني الكوفي، مات سنة ست ومائتين.
٦٨ _ بابٌّ الرَّجُلُ يَأْتُمُّ بِالإِمَامِ ويَأْتُمُّ النَّاسُ بِالمَأْمُومِ
أي: هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يقتدي بالإمام ويقتدي الناس بالمأموم الذي
اقتدى بالإمام، والذي يظهر من هذه الترجمة أن البخاري يميل إلى مذهب الشعبي في ذلك،
لأن الشعبي يرى أن الجماعة يتحملون عن بعضهم بعضاً ما يتحمله الإمام، والدليل عليه أنه
قال، فيمن أحرم قبل أن يرفع الصف الذي يليه رؤوسهم من الركعة: إنه أدركها، ولو كان
الإمام رفع قبل ذلك، لأن بعضهم لبعض أئمة، فهذا يدل على أن كل واحد من الجماعة إمام
للآخر، مع كونهم مأمومين، وأنه ليس المراد أنه يأتم بالإمام ويأتم الناس به في التبليغ فقط.
فإن قلت: ظاهر حديث الباب السابق يدل على أن الناس كانوا مع أبي بكر في مقام التبليغ
حيث قال فيه: ((وأبو بكر يسمع الناس فيه)). قلت: إسماع أبي بكر لهم التكبير جزء من أجزاء
ما يأتمون به فيه، وليس فيه نفي لغيره، والدليل عليه ما رواه الإسماعيلي من طريق عبد الله بن
داود عن الأعمش في حديث الباب السابق، وفيه: ((والناس يأتمون بأبي بكر، وأبو بكر

٣٦٤
١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٦٨)
يسمعهم)). ومما يؤكد أن ميل البخاري إلى مذهب الشعبي كونه صدر هذا الباب بالحديث
المعلق، فإنه صريح في أن القوم يأتمون بالإمام في الصف الأول، ومن بعدهم يأتمون بهم،
کما نذكره عن قريب.
ويُذْكَرُ عنِ النبيِّ ◌َ: اتْتُمُّوا بِي وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ
هذا التعليق أخرجه مسلم في (صحيحه) عن الدارمي: حدّثنا محمد بن عبد الله
الرقاشي حدّثنا بشر بن منصور عن الجريري عن أبي نضرة ((عن أبي سعيد: أن رسول الله
عَّه رأى في أصحابه تأخراً، فقال لهم: تقدموا فائتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم، ولا
يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله تعالى))، وأخرجه أبو داود أيضاً: حدّثنا موسى بن
إسماعيل ومحمد بن عبد الله الخزاعي، قالا: حدّثنا أبو الأشهب عن أبي نضرة عن أبي سعيد
الخدري ... الحديث، وأخرجه النسائي وابن ماجة أيضاً.
قوله: (ائتموا بي) خطاب لأهل الصف الأول. قوله: ((وليأتم بكم من بعدكم)) معناه
عند الجمهور: يستدلون بأفعالكم على أفعالي، لا أنهم يقتدون بهم، فإن الاقتداء لا يكون إلا
لإمام واحد، ومذهب من يأخذ بظاهره وقد ذكرناه الآن.
وفيه: جواز اعتماد المأموم في متابعة الإمام الذي لا يراه ولا يسمعه على مبلغ عنه أو
صف قدامه يراه متابعاً للإمام.
قوله: ((من))، بفتح الميم، في محل الرفع لأنه فاعل لقوله: ((وليأتم))، قوله: ((ولا يزال
قوم يتأخرون)) أي: عن الصف الأول حتى يؤخرهم الله عن عظيم فضله أو رفع منزلته أو نحو
ذلك. وقال الكرماني، ويذكر تعليق بلفظ التمريض، قال بعضهم: هذا عندي ليس بصواب
لأنه لا يلزم من كونه على غير شرطه أنه لا يصلح للاحتجاج به عنده، بل قد يكون صالحاً
للاحتجاج به عنده وليس هو على شرط صحيحه الذي هو على شروط الصحة، قلت: هذا
الذي ذكره يخرم قاعدته، لأنه إذا لم يكن على شرطه كيف يحتج به؟ وإلاّ فلا فائدة لذلك
الشرط، وأبو نضرة الذي روى الحديث المذكور عن أبي سعيد الخدري، ليس على شرطه،
وإنما يصلح عنده للاستشهاد، ولهذا استشهد به عن جابر في كتاب الشروط على ما سيأتي
إن شاء الله تعالى، وأبو نضرة، بالنون المفتوحة وسكون الضاد المعجمة وفتح الراء: واسمه
المنذر بن مالك العوفي البصري وأبو الأشهب في مسند أبي داود واسمه: جعفر بن حبان
العطاردي السعدي البصري الأعمى، وثقه يحيى وأبو زرعة وأبو حاتم، مات سنة ست وثلاثين
ومائة، روی له الجماعة.
١٠٢/ ٧١٣ - حدّثنا قُتَيِبَةُ بنُ سَعِيدٍ قال حدّثنا أبو مُعَاوِيَةً عَنِ الأعْمَشِ عنْ إِبْرَاهِيمَ عنِ الاسْوَدِ
عنْ عائِشَةَ قالَتْ لَمَا ثَقُلَ رسولُ اللهِ عَّ ◌َلِّ جاءَ بِلاَلٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلاَةِ فقال مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أنْ
يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَبَا بَكْرِ رَجُلٌ أسِيفٌ وإِنَّهُ مَتَى ما يَقُمْ مَقَامَكَ لا يُسْمِعُ
النَّاسَ فَلَوْ أمَرْتَ عُمَرَ فقال مُرُوا أبا بَكْرٍ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ قُولِي إِنَّ أبا بَكْرٍ رَجُلٌ

٣٦٥
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٦٩)
أسِيفٌ وإِنَّهُ مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ لاَ يُسْمِعُ الناسَ فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ قالَ إِنَّكُنَّ لأنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ
مُرُوا أبا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ فَلَهَّا دَخَلَ فِي الصَّلاَةِ وَجَدَ رسولُ اللهِ عََّلِ فِي نَفْسِهِ خِفَّةٌ
فقامَ يُهَادِى بَيْنَ رَجُلَيْنِ ورِجْلاَهُ يَخُطَّانِ فِي الأَرْضِ حَتَّى دَخَلَ المَسْجِدَ فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ
حِسَّهُ ذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ يَتَأْخّرُ فَأَوْماً إِلَيْهِ رسولُ الله ◌ِعَلِّ فَجَاءَ رسولُ اللهِ عَلِّ حَتَّى جَلَسَ عِنْ
يَسَارِ أبِي بَكْرٍ فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قائماً وكانَ رسولُ اللَّهِ عَلَِّ يُصلِّي قاعِداً يَقْتَدِي ◌ُبُو بَكْرٍ
بِصَلَاَةِ رسولِ اللهِ عَّهِ وَالنَّاسُ مُقْتَدُونَ بِصَلاَةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ الله عَنْهُ. [أنظر الحديث
١٩٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله عٍَّ ... )) إلى آخره، وهذا
الحديث مضى في: باب حد المريض أن يشهد الجماعة، رواه عن عمر بن حفص عن أبيه
عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، وفي: باب إنما جعل الإمام ليؤتم به، عن
أحمد بن يونس عن زائدة عن موسى بن أبي عائشة عن عبيد الله بن عبد الله عن عائشة،
وفي: باب من أسمع الناس تكبير الإمام، عن مسدد عن عبد الله بن داود عن الأعمش عن
إبراهيم عن الأسود عن عائشة، وقد مر الكلام في مباحثه مستوفىّ. قوله: ((يؤذنه)) أي: يعلمه.
قوله: ((مروا أبا بكر أن يصلي))، هذه رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: ((مروا أبا بكر
يصلي)). قوله: ((متى ما يقوم))، هكذا بإثبات الواو في رواية الأكثرين، وفي رواية
الكشميهني: ((متى ما يقم))، بالجزم هذا على الأصل، لأن: متى، من كلم المجازاة، وأما
على رواية الأكثرين فشبهت: متى بإذا فأهملت كما تشبه: إذا بمتى، فتهمل كما في قوله،
مَّةٍ: ((إذا أخذتما مضاجعكما تكبرا أربعاً وثلاثين. وتسبحا ثلاثاً وثلاثين، وتحمدا ثلاثاً
وثلاثين)). قوله: ((فلو أمرت)) لو، إما للشرط وجوابه محذوف، وإما للتمني فلا يحتاج إلى
جواب. قوله: ((تخطان في الأرض)). هذه رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: ((تخطان
الأرض)). قوله: ((حسه)) أي: صوته الخفي. قوله: ((يتأخر))، جملة حالية. قوله: ((فأومأ إليه
رسول الله عَّله)) أي: أشار إليه أن لا يتأخر. قوله: ((حتى جلس عن يسار أبي بكر)) إنما لم
يجلس عن اليمين، لأن اليسار كان من جهة حجرته، فكان أخف عليه. قوله: ((مقتدون
بصلاة أبي بكر)) على صيغة الجمع باسم الفاعل، ويروى: ((يقتدون))، بصيغة المضارع.
٦٩ - بابٌ هَلْ يَأْخُذُ الإِمَامُ إِذَا شَكّ بِقَوْلِ الناسِ
أي: هذا باب ترجمته: هل يأخذ الإمام ... إلى آخره، وفي بعض النسخ: هل يأخذ
الإمام بقول الناس إذا شك، يعني في الصلاة، وإنما لم يذكر الجواب لأنه مشى على عادته أن
الحكم فيه إذا كان مختلفاً فيه لا يذكره بالجزم. وقد اختلف العلماء في أن الإمام إذا شك
في صلاته فأخبره المأموم بترك ركعة مثلاً، هل يرجع إلى قوله أم لا؟ واختلف عن مالك في
ذلك فقال مرة: يرجع إلى قولهم: وهو قول أبي حنيفة: وقال مرة: يعمل عمل يقينه ولا يرجع
إلى قولهم، وهو مذهب الشافعي، والصحيح عند أصحابه. وقال ابن التين: يحتمل أن يكون
---

٣٦٦
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٦٩)
عٍَّ شك بإخبار ذي اليدين، فسألهم إرادة تيقن أحد الأمرين، فلما صدقوا ذا اليدين علم
صحة قوله. قال: وهو الذي أراد البخاري بتبويبه.
٧١٤/١٠٣ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عنْ مَالِكِ بنِ أَنَسٍ عنْ أَيُّوبَ بنِ أبِي تَمِيمَةً
السَّخْتِيَانِيّ عنْ مُحَمَّدٍ بنِ سِيرِينَ عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّ ◌َلَّهِ انْصَرَفَ مِنِ الْتَقَيْنِ فقال
لَهُ ذُو اليَدَيْنِ أقصُرَتِ الصَّلاةُ أم نَسِيتَ يا رَسولَ الله فقال رسولُ الله عَّهِ أَصَدَقَ ذُو الیدَيْنِ
فقال النَّاسُ نَعَمْ فَقَامَ رسولُ اللهِ عَِّ فَصَلَّى اثْتَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ثُمْ سَلَّمَ ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ
أَوْ أْوَلَ. [أنظر الحديث ٤٨٢ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إنه عَّ لِّ شك فيما قاله له ذو اليدين، فرجع فيه إلى قول
الناس، وهو السبب الظاهر في ذلك، وإن كان يحتمل تذكره عَّ له الأمر من تلقاء نفسه، فبنى
عليه لا على إخبار الناس، لأن هذا سبب خفي، والشيء إذا كان له سببان ظاهر وخفي
فيسند إلى السبب الظاهر دون الخفي.
ذكر رجاله: قد ذكروا غير مرة. وفيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد،
والعنعنة في أربعة مواضع. وفيه: ذكر مالك بنسبته إلى أبيه، وكذلك أيوب ذكر مع نسبته إلى
حرفته، واسم أبي تميمة: كيسان. وفيه: أن رواته ما بين مدني وبصري. وفيه: رواية التابعي
عن التابعي عن الصحابي. وقد ذكرنا مباحث هذا الحديث وما يتعلق به من كل شيء في:
باب تشبيك الأصابع في المسجد، وفي: باب التوجه نحو القبلة.
قوله: ((انصرف من اثنتين)) أي: ركعتين اثنتين من الصلاة الرباعية، وكانت إحدى
صلاتي العشاء، على ما جاء في لفظ البخاري: ((صلى بنا رسول الله عٍَّ إحدى صلاتي
العشاء)). قال ابن سيرين: سماها أبو هريرة، ولكن نسيت أنا. وفي رواية أيوب عن محمد:
أكبر ظني أنها الظهر، وكذا ذكره البخاري في الأدب، وفي (الموطأ): العصر. قوله: ((أصدق
ذو اليدين؟)) واسمه: الخرباق، بكسر الخاء المعجمة، والهمزة في: ((أقصرت؟)) للاستفهام عن
سبب تغيير وضع الصلاة ونقص ركعاتها. قوله: ((مثل سجوده)) ظاهره أنه سجدة واحدة،
ولكن لفظ السجود مصدر يتناول السجدة والسجدتين، والحديث الذي يأتي بعده يبين أن
المراد سجدتان.
١٠٤/ ٧١٥ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ قال حدّثنا شُعْبَةُ عنْ سَعْدِ بنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أبي سَلَمَّةً عَنْ أَبي
هُرَيْرَةً قال صَلَّى النبيُّ عَ لَِّ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ فَقِيلَ صلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ
سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. [أنظر الحديث ٤٨٢ وأطرافه].
هذا طريق آخر في الحديث المذكور عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي
عن شعبة بن الحجاج عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن عمه أبي سلمة عن
أبي هريرة وأخرجه أبو داود في الصلاة أيضاً عن عبد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة به.
وأخرجه النسائي فيه عن سليمان بن عبيد الله عن بهز عن شعبة به، وقال: لا أعلم أحداً ذكر

٣٦٧
١٠ - كِتَابُ الأذَانِ / باب (٧٠)
في هذا الحديث: ثم سجد سجدتين، غير سعد بن إبراهيم، فإن قلت: روى ابن عدي في
(الكامل): أخبرنا أبو يعلى حدّثنا ابن معين حدّثنا شعيب بن أبي مريم حدّثنا ليث وابن وهب
عن عبد الله العمري عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله عَ ل: لم يسجد يوم ذي اليدين
سجدتي السهو، قال: وكان ابن شهاب يقول: إذا عرف الرجل ما نسي من صلاته فأتمها
فليس عليه سجدتا السهو، لهذا الحديث، قلت: قال مسلم في التمييز: قول ابن شهاب، إنه
لم يسجد يوم ذي اليدين، خطأ وغلط، وقد ثبت أنه سجد سجدتي السهو من رواية الثقات
ابن سيرين وغيره.
٧٠ _ بابٌ إِذَا بَكَى الإِمامُ فِي الصَّلاةِ
أي: هذا باب ترجمته: إذا بكى الإمام في الصلاة، يعني هل تفسد أم لا؟ ولم يذكر
جواب: إذا، لما فيه من الخلاف والتفصيل على ما نذكره عن قريب، إن شاء الله تعالى.
وقال عَبْدُ الله بنُ شَدَّادٍ سَمِعْتُ نَشِيجَ عُمَرَ وأنا فِي آخِرِ الصُّفُوفِ يَقْرَأُ إِنَّا أشكُو
بَثِّي وحُزْنِي إلى الله
عبد الله بن شداد بن الهاد تابعي كبير له رواية، ولأبيه صحبة. وقال الذهبي: عبد الله
ابن شداد بن أسامة بن الهاد الكناني الليثي العثواري، من قدماء التابعين. وقال في باب الشين:
شداد بن الهاد، واسم الهاد: أسامة بن عمرو، وقيل له: الهاد، لأنه كان يوقد النار في الليل
ليهتدي إليه الأضياف. وقيل: الهاد، لقب جده عمرو، وهذا التعليق وصله سعيد بن منصور
عن ابن عيينة عن إسماعيل بن محمد بن سعد سمع عبد الله بن شداد بهذا، وزاد في صلاة
الصبح. وأخرجه ابن المنذر من طريق عبيد بن عمير، قال: ((صلى عمر، رضي الله تعالى عنه،
الفجر فافتتح سورة يوسف فقرأ ﴿وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم﴾ [يوسف: ٨٤].
فبكى حتى انقطع ثم رجع)). وقال البيهقي: أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن وأبو سعيد بن
أبي عمرو أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدّثنا محمد بن إسحاق حدّثنا حجاج، قال:
قال ابن جريج سمعت ابن أبي مليكة، يقول: أخبرني علقمة بن وقاص، قال: كان عمر بن
الخطاب، رضي الله تعالى عنه، يقرأ في العتمة بسورة يوسف، عليه الصلاة والسلام، وأنا في
مؤخر الصف، حتى إذا جاء ذكر يوسف سمعت نشيجه من مؤخر الصف. قوله: ((نشيجه))
النشيج على وزن: فعيل، بفتح النون وكسر الشين المعجمة. وفي آخره جيم من: نشج الباكي
ينشج نشجاً: إذا غص بالبكاء في حلقه، أو تردد في صدره ولم ينتحب، وكل صوت بدأ
كالنفحة فهو نشيج، ذكره أبو المعالي في (المنتهى). وفي (المحكم): النشيج: أشد البكاء،
وقيل: هي فاقة يرتفع لها النفس كالفواق، وقال أبو عبيد: النشيج هو مثل بكاء الصبي إذا ردد
صوته في صدره ولم يخرجه وفي (مجمع الغرائب): هو صوته معه توجع وتحزن. وقال
السفاقسي: أجاز العلماء البكاء في الصلاة من خوف الله تعالى وخشيته.

٣٦٨
١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٧٠)
واختلفوا في الأنين والتأوه قال ابن المبارك: إذا كان غالباً فلا بأس، وعند أبي حنيفة
إذا ارتفع تأوهه أو بكاؤه فإن كان من ذكر الجنة والنار لم يقطعها، وإن كان من وجع أو
مصيبة قطعها، وعن الشافعي وأبي ثور: لا بأس به إلاّ أن يكون كلاماً مفهوماً، وعن الشعبي
والنخعي: یعید صلاته.
٧١٦/١٠٥ - حدثنا إسْمَاعِيلُ قال حدّثنا مالِكُ بنُ أنَسِ عنْ هِشَامِ بنِ عُزْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ
عَائِشَةَ أم المُؤْمِنِينَ أَنَّ رسولَ الله عَ لَّهِ قال في مَرَضِهِ مُرُوا أَبِا بَكْرٍ يُصَلِّي بالناسِ قالَتْ
عَائِشَةُ قُلْتُ إِنَّ أَبًا بَكْرٍ إِذَا قَامَ في مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكَاءِ فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ فقال
مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ قَالَتْ عَائِشَةُ لِحَفْصَةَ قُولِي لَهُ أَنَّ أَبًّا بَكْرٍ إِذَا قامَ في مَقَامِكَ لَمْ
يُشِمِعِ الناسَ مِنَ الْبُّكَاءِ فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ فَفَعَلَتْ حَفْصَةُ فقال رسولُ اللهِعَلِ مَذْ إِنَّكُنَّ
لِأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلُّ للناسِ قالَتْ حَفْصَةُ لَعَائِشَةَ ما كُنْتُ لِأُصِيبَ
مِنْكِ خَيْراً [أنظر الحديث ١٩٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة من حيث إن عائشة أخبرت فيه أن أبا بكر إذا قام في مقام النبي،
عَّه، يبكي بكاءً شديداً حتى لا يسمع الناس قراءته من شدة البكاء. فإن قلت: هذا إخبار
عما سيقع وليس فيه ما يدل على أنه بكى، قلت: هي أخبرت عما شاهدته من بكائه في
صلاته قبل ذلك، وقاست على هذا أنه إذا قام مقام النبي، عَظله، يبكي أشد من ذلك لرؤيته
خلو مكان النبي، عَّ له، مع ما عنده من الرقة وسرعة البكاء، فإن قلت: ما في الحديث شيء
يدل على أن أبا بكر كان إماماً، فضلاً عن أنه بكى وهو إمام؟ قلت: جاء في حديث هذا
الباب عن عائشة: ((قلت: يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق، إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه)).
فثبت بهذا أنه كان يبكي إذا قرأ القرآن، وثبت أنه كان إماماً قبل أن يأتي النبي عَّةِ، وكان
قرأ قبل ذلك، والدليل عليه ما جاء فيه: فاستفتح النبي عَّ من حيث انتهى أبو بكر من
القراءة، فدل ذلك على أنه كان يبكي وهو يقرأ القرآن، وأنه كان يقرأ وهو إمام إلى وقت
مجيء النبي عَّةِ، فطابق الحديث الترجمة من هذه الحيثية. فافهم. فإن أحداً ما نبه على
ذلك.
ذكر بقية الكلام مما لم نذكره: أما رجاله فقد مر ذكرهم غير مرة، وإسماعيل بن
أويس الأصبحي المدني ابن أخت مالك بن أنس، وكلهم مدنيون. وفيه: التحديث بصيغة
الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: القول في
موضع واحد. قوله: ((من البكاء) كلمة: من، للتعليل أي: لأجل البكاء. وقال الكرماني: في
البكاء، أي: لأجل البكاء، و: في، جاء للسببية أو هو حال، أي: كائناً في البكاء، وهو من
باب إقامة بعض حروف الجر مقام بعض، قلت: هذا إنما يتوجه إذا صحت رواية: في البكاء.
قوله: ((فمر عمر فليصل))، ويروى: ((يصلي)) قوله: ((بالناس)) ويروى: ((للناس)). قوله: ((ففعلت))
أي: القول المذكور، ولم تقل: فقالت كذا وكذا اختصاراً. وقوله: ((مه)) كلمة زجر، وقد
تقدم فيما مضى.

٣٦٩
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٧١)
٧١ - بابُ تَسْويَةِ الصُّفُوف عِنْدَ الإِقَامَةِ وَبَعْدَهَا
أي: هذا باب في بيان حكم تسوية الصفوف عند الإقامة للصلاة وبعد الإقامة،
أي: بعد الفراغ من الإقامة قبل الشروع في الصلاة.
١٠٦/ ٧١٧ - حدّثنا أبُو الوَلِيد هِشَامُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ قال حدّثنا شُعْبَةُ قال أخبرني عَمْرُو بنُ
مُرّةَ قالِ سَمِعْتُ سالِمَ بِنَ الجَعْدِ قَالِ سَمِعْتُ النَّعْمَانَ بنَ بَشِيرٍ يَقُولُ قال النبيُّ عََّلَّه لَتُسَوَّنَّ
صُفُوفَكُمْ أُوْ لَهُخَالِفَنَّ اللُّ بَيْنَ وُجُومِكُمْ.
مطابقته للترجمة في لفظ التسوية ظاهرة وليس فيه ما يطابق. قوله: ((عند الإقامة
وبعدها))، ولكنه أشار بذلك إلى ما في بعض طرق الحديث ما يدل على ذلك، وقد روى
مسلم من حديث النعمان قال ذلك ما كاد أن يكبر.
ذكر رجاله: وهم خمسة قد ذكروا، وعمرو بن مرة، بضم الميم وتشديد الراء: أبو عبد
الله الجهمي، بضم الجيم: المرادي، بضم الميم وتخفيف الراء: الكوفي الأعمش، من الأئمة
العاملين، مات سنة عشرة ومائة. والجعد، بفتح الجيم، وبشير، بفتح الباء الموحدة وكسر
الشين المعجمة: مر في كتاب الإيمان في: باب فضل من استبرأ.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: السماع في
موضعين. وفيه: القول في خمسة مواضع. وفيه: أن شيخه مذكور باسمه وكنيته صريحاً.
وفيه: أن رواته ما بين بصري وكوفي.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم أيضاً في الصلاة عن أبي بكر بن أبي شيبة وابن
المثنى وابن بشار عن غندر عن شعبة.
ذكر معناه: قوله: ((لتسون))، اللام فيه للتأكيد، وقال البيضاوي: هذه اللام هي التي
يتلقى بها القسم، والقسم هنا مقدر، ولهذا أكده بالنون المشددة، وقد أبرزه أبو داود في
(سننه): حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا وكيع عن زكريا بن أبي زائدة عن أبي القاسم
الجدلي، قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: ((أقبل رسول الله عَّ له على الناس بوجهه،
فقال: أقيموا صفوفكم، ثلاثاً، والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله في قلوبكم)).
الحدث، وأصل: لتسوون، لأنه من التسوية تقول: تسوي تسويان تسوون، بضم الواو الأولى
وسكون الثانية، والنون فيه علامة الجمع، فلما دخلت عليه نون التأكيد الثقيلة حذفت نون
الجمع وإحدى الواوين لالتقاء الساكنين، فالمحذوف هو: واو الجمع، أو: واو الكلمة؟ فيه
خلاف، وقد علم في موضعه. وفي رواية المستملي: ((لتسوون))، فالنون على هذه الرواية نون
الجمع. فإن قلت: ما معنى تسوية الصفوف؟ قلت: اعتدال القائمين بها على سمت واحد،
ويراد بها أيضاً سد الخلل الذي في الصف على ما سيأتي. قوله: ((أو ليخالفن الله))، بفتح
اللام الأولى لأنها لام التأكيد، وبكسر اللام الثانية وفتح الفاء، ولفظ: الله، مرفوع بالفاعلية،
وكلمة: أو، في الأصل موضوعة لأحد الشيئين أو الأشياء، وقد تخرج إلى معنى: بل، وإلى
عمدة القاري / ج٥ / م٢٤

٣٧٠
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٧١)
معنى: الواو، وهي حرف عطف ذكر المتأخرون لها معاني كثيرة، وههنا لأحد الأمرين، لأن
الواقع أحد الأمرين إما إقامة الصفوف وإما المخالفة. والمعنى: ليخالفن الله إن لم تقيموا
الصفوف، لأنه قابل بين الإقامة وبينه، فيكون الواقع أحد الأمرين، وهذا وعيد لمن لم يقم
الصفوف بعذاب من جنس ذنبهم لاختلافهم في مقامهم، وقيل: يوقع بينكم العداوة والبغضاء
واختلاف القلوب، يقال: تغير وجه فلان علي، أي: ظهر لي من وجهه كراهية فيَّ وتغير، لأن
مخالفتهم في الصفوف مخالفة في الظاهر، واختلاف الظاهر سبب لاختلاف الباطن. وقيل:
هو على حقيقته، والمراد تشويه الوجه بتحويل خلقه عن وضعه بجعله موضع القفا، وهذا
نظير الوعيد فيمن رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار، ويؤيد حمله على
ظاهره ما رواه أحمد من حديث أبي أمامة بلفظ: ((لتسون الصفوف أو لتطمسن الوجوه)). قال
القرطبي: معناه تفترقون فيأخذ كل واحد وجهاً غير الذي أخذ صاحبه، لأن تقدم الشخص
على غيره مظنة الكبر المفسد للقلب الداعي إلى القطيعة، ويقال: المراد من الوجه إما الذات
فالمخالفة بحسب المقاصد، وإما العضو المخصوص، فالمخالفة إما بحسب الصورة الإنسانية
وغيرها، وإما بحسب الصفة، وإما بحسب القدام والوراء. قوله: ((ليخالفن))، من باب
المفاعلة، ولكن لا يقتضي المشاركة لأن معناه: ليوقعن الله المخالفة بقرينة لفظة: بين.
٧١٨/١٠٧ - حدّثنا أبُو مَعْمَرٍ قال حدّثنا عَبْدُ الوَارِثِ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ عَنْ أنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَّه
قال أَقِيمُوا الصُّفُوفَ فإِنِّي أرَاكُمْ خَلْفَ ظَهْرِي [الحديث ٧١٨ - وطرفاه في: ٧١٩، ٧٢٥].
مطابقته للترجمة من حيث إن الأمر بإقامة الصفوف هو الأمر بالتسوية، ورجاله قد مروا،
وأبو معمر، بفتح الميمين: هو عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المنقري المقعد، وعبد
الوارث بن سعيد البصري.
وأخرجه مسلم عن شيبان عن عبد الوارث، وعند النسائي: ((كان يقول: استووا استووا
فوالذي نفسي بيده إني لأراكم من خلفي كما أراكم بين يدي)).
قوله: ((أقيموا الصفوف)) أي: عدلوا، يقال: أقام العود، أي: عدله وسواه. قوله: ((فإني
أراكم خلف ظهري)) الفاء فيه للسببية، وأشار به إلى أن سبب الأمر بذلك إنما هو تحقيق
منكم خلافه، ولا يخفى ذلك على أني أرى من خلف ظهري، كما أرى من بين يدي. ثم
إن هذا يجوز أن يكون إدراكاً خاصاً بالنبي عَّ له محققاً انخرقت له العادة وخلقت له عين
وراءه فيرى بها، كما ذكر مختار بن محمد في رسالته الناصرية: أنه عَّلَّم كان بين كتفه
عينان مثل سم الخياط، فكان يبصر بهما، ولا تحجبهما الثياب. وفي حديث: كان عَلَّه يرى
في الظلام كما يرى في الضوء. وذكر بعض أهل العلم أن ذلك راجع إلى العلم، وأن معناه:
لأعلم، وهذا تأويل لا حاجة إليه، بل حمل ذلك على ظاهره أولى، ويكون ذلك زيادة في
كرامات الشارع، قاله القرطبي. وقال أحمد وجمهور العلماء: هذه الرؤية رؤية العين حقيقة ولا
مانع له من جهة العقل، وورد الشرع به فوجب القول به.

٣٧١
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٧٢)
ذكر ما يستفاد منه: فيه: الأمر بتسوية الصفوف، وهي من سنة الصلاة عند أبي حنيفة
والشافعي ومالك، وزعم ابن حزم أنه فرض، لأن إقامة الصلاة فرض، وما كان من الفرض فهو
فرض. قال عَّ له: ((فإن تسوية الصف من تمام الصلاة)). فإن قلت: الأصل في الأمر الوجوب
ولا سيما فيه الوعيد على ترك تسوية الصفوف، فدل على أنها واجبة. قلت: هذا الوعيد من
باب التغليظ والتشديد تأكيداً وتحريضاً على فعلها، كذا قاله الكرماني، وليس بسديد. لأن
الأمر المقرون بالوعيد يدل على الوجوب، بل الصواب أن يقول: فلتكن التسوية واجبة
بمقتضى الأمر، ولكنها ليست من واجبات الصلاة بحيث أنه إذا تركها فسدت صلاته أو
نقصتھا.
غاية ما في الباب إذا تركها يأثم، وروي عن عمر، رضي الله تعالى عنه، أنه كان يوكل
رجالاً بإقامة الصفوف، فلا يكبر حتى يخبر أن الصفوف قد استوت، وروي عن علي وعثمان،
رضي الله تعالى عنهما، أنهما كانا يتعاهدان ذلك ويقولان: استووا، وكان علي، رضي الله
تعالى عنه، يقول: تقدم يا فلان، وتأخر يا فلان. وروى أبو داود من حديث النعمان بن بشير،
قال: ((كان رسول الله عَ لّلم يسوي صفوفنا إذا قمنا للصلاة وإذا استوينا كبر للصلاة))، ولفظ
مسلم: ((كان يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح، حتى رأى أنا قد غفلنا عنه، خرج
يوماً حتى كاد أن يكبر، فرأى رجلاً بادياً صدره، فقال: عباد الله لتسونَّ صفوفكم ... ))
الحدیث.
٧٢ - بابُ إِقْبَالِ الإِمامِ النَّاسَ عِنْدَ تَسْوِيَّةِ الصُّفُوفِ
أي: هذا باب في بيان حكم إقبال الإمام، ولفظ الإقبال مصدر مضاف إلى فاعله،
وقوله: الناس، بالنصب مفعوله.
٧١٩/١٠٨ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ أبي رَجَاءِ قال حدّثنا مُعَاوِيَةُ بنُ عَمْرٍو قال حدّثنا زائِدَةُ بنُ
قُدَامَةَ قال حدّثنا حُمَيْدٌ الطّوِيلُ قال حدّثنا أَنَسْ قال أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَأَقْبَلَ عَلَيْنا رسولُ الله
عَِّ بِوَجْهِهِ فقال أقِيمُوا صُفُوفَكُمْ وتَرَاصُّوا فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي. [أنظر الحديث
٧١٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: أحمد بن أبي رجاء، بفتح الراء وتخفيف الجيم،
وبالمد واسم أبي رجاء: عبد الله بن أيوب أبو الوليد الحنفي الهروي، مات بهراة في سنة
اثنتين وثلاثين ومائتين، وقبره مشهد يزار. الثاني: معاوية بن عمرو بن المهلب الأزدي
البغدادي، وأصله كوفي. الثالث: زائدة بن قدامة، بضم القاف: مر في: باب غسل المذي.
الرابع: حميد الطويل، بضم الحاء. الخامس: أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في جميع الإسناد، ولم يقع مثل
هذا إلى هنا. وفيه: القول في خمسة مواضع. وفيه: أن رواته ما بين هروي وبغدادي وكوفي

٣٧٢
١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٧٣)
وبصري. وفيه: أن شيخه من أفراده. وفيه: أن معاوية بن عمرو أيضاً من شيوخ البخاري، وهو
من قدماء شيوخه، وروى له ههنا بواسطة أحمد بن أبي رجاء، والظاهر أنه لم يسمع هذا
الحديث منه. وفيه: تصريح حميد بالتحديث عن أنس، فأمن بذلك تدليسه.
ذكر معناه: قوله: ((أقيموا صفوفكم)): الخطاب للجماعة الحاضرين لأداء الصلاة مع
النبي عَّله، وإقامة الصفوف: تسويتها. قوله: ((وتراصوا))، بضم الصاد المشددة وأصله:
تراصصوا، أدغمت الصاد في الصاد لأنهما مثلان، فوجب الإدغام ومعناه: تضامنوا وتلاصقوا
حتى يتصل ما بينكم ولا ينقطع، وأصله من الرص، يقال: رص البناء يرصه رصاً إذا لصق
بعضه ببعض، ومنه قوله تعالى: ﴿كأنهم بنيان مرصوص﴾ [الصف: ٤]. وفي (سنن أبي داود)
و(صحيح ابن حبان): من حديث أنس أن رسول الله عَّ له قال: ((رصوا صفوفكم وقاربوا
بينها وحاذوا بالأعناق، فوالذي نفسي بيده أني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف،
كأنه الحذف)). والحذف، بفتح الحاء المهملة وفتح الذال المعجمة وفي آخره فاء: وهي
غنم صغار سود تكون باليمن، وفسرها مسلم: بالنقد، بالتحريك، وهي جنس من الغنم قصار
الأرجل قباح الوجوه. وقال الأصمعي: أجود الصوف صوفها. وفي رواية البيهقي: ((قيل: يا
رسول الله، وما أولاد الحذف؟ قال: ضأن جرد سود تكون بأرض اليمن)). وقال الخطابي:
ويقال: أكثر ما تكون بأرض الحجاز. قوله: ((من وراء ظهري)) أي: من خلف ظهري، وههنا
ذكر كلمة: من، بخلاف الحديث السابق، والنكتة فيه أنه إذا وجد من يكون صريحاً فإن
مبدأ الرؤية ومنشأها من خلف بأن يخلق الله حاسة باصرة فيه، وإذا عدم يحتمل أن يكون
منشؤها هذه الحاسة المعهودة، وأن تكون غيرها مخلوقة في الوراء، ولا يلزم رؤيتنا تلك
الحاسة، إذ الرؤية إنما هي بخلق الله تعالى وإرادته.
ومما يستفاد منه: جواز الكلام بين الإقامة وبين الصلاة، ووجوب تسوية الصفوف.
وفيه: معجزة النبي عَّه.
٧٣ - بابُ الصَّفِ الأوَّل
أي: هذا باب في بيان ثواب الصف الأول، واختلف في الصف الأول فقيل: المراد به
ما يلي الإمام مطلقاً. وقيل: المراد به من سبق إلى الصلاة ولو صلى آخر الصفوف، قاله ابن
عبد البر. وقيل: المراد به أول صف تام مسدود لا يتخلله شيء مثل مقصورة ونحوها. وقال
النووي: القول الأول هو الصحيح المختار، وبه صرح المحققون، والقولان الآخران غلط
صريح. قلت: القول الثاني لا وجه له، لأنه ورد في حديث أبي سعيد أخرجه أحمد: ((وأن
خير الصفوف صفوف الرجال المقدم وشرها المؤخر ... )) الحديث، والقول الثالث له وجه،
لأنه ورد في حديث أنس أخرجه أبو داود وغيره: ((رصوا صفوفكم))، وقد ذكرناه عن قريب،
وإذا تخلل بين الصف شيء ينتقض الرص، وفيه أيضاً: ((أني لأرى الشيطان يدخل من خلل
الصف)). وأما كون القول الأول هو الصحيح فوجهه أن الأول إسم لشيء لم يسبقه شيء ولا

٣٧٣
١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٧٣)
يطلق على هذا إلاَّ على الصف الأول الذي يلي الإمام مطلقاً. فإن قلت: ورد في حديث
البراء بن عازب أخرجه أحمد: ((إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول أو الصفوف
الأول)). قلت: لفظ الأول من الأمور النسبية، فإن الثاني أول بالنسبة إلى الثالث، والثالث أول
بالنسبة إلى الرابع، وهلم جرا ... ولكن الأول المطلق هو الذي لم يسبقه شيء، ثم الحكمة
في التحريض والحث على الصف الأول المطلق على وجوه: المسارعة إلى خلاص الذمة،
والسبق لدخول المسجد، والقرب من الإمام، واستماع قراءته والتعلم منه، والفتح عليه عند
الحاجة، واحتياج الإمام إليه عند الاستخلاف، والبعد ممن يخترق الصفوف، وسلامة الخاطر
من رؤية من يكون بين يديه، وخلوه موضع سجوده من أذيال المصلين.
٧٢٠/١٠٩ - حدّثنا أبُو عَاصِمٍ عَنْ مالِكِ عن سُمَيّ عن أبي صالحِ عن أبي هُرَيْرَةَ قال قال
النبيُّ عَّهِ: الشُّهَدَاءُ الغَرِقُ والْمَطْعُونُ والَتَطُونُ والهَدِمُ. [أنظر الحديث ٦٥٣ وأطرافه].
... /٧٢١ - وقَالَ وَلَوْ يَعْلَمُونَ ما فِي التَّهْجِيرِ لاسْتَبَقُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ ما فِي العَتَمَّةِ والصُّبْحِ
لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْواً ولَوْ يَعْلَمُونَ ما في الصَّفِّ الأوَّلِ لاسْتَهَمُوا [انظر الحديث وأطرافه
وطرفيه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ولو يعلمون ما في الصف الأول لاستهموا)).
ذكر رجاله: وهم خمسة: كلهم قد ذكروا، وأبو عاصم النبيل اسمه الضحاك بن
مخلد، وسمي، بضم السين المهملة وفتح الميم وتشديد الياء آخر الحروف: القرشي
المخزومي أبو عبد الله المدني، مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو
صالح ذكوان السمان.
وفيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والعنعنة في أربعة مواضع، ورواته ما
بين بصري ومدني، فالبصري شيخ البخاري والباقون مدنيون.
وأخرج البخاري من هذا الحديث في: باب فضل التهجير، عن قتيبة عن مالك عن
سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة بأتم منه، ولفظه: ((الشهداء خمس: المطعون والمبطون
والغريق وصاحب الهدم والشهيد في سبيل الله)). وفيه: ((والصف الأول))، وأخرجه في: باب
الاستهام في الأذان عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن سمي ... إلى آخره، ولفظه: «لو
يعلم الناس ما في النداء الأول والصف الأول ثم لا يجدون إلاّ أن يستهموا لاستهموا ... ))
الحديث. وليس فيه ذكر: الشهداء، وذكرنا في البابين جميع ما يتعلق به من الأشياء. قوله:
((الغرق))، بكسر الراء بمعنى: الغريق، ((والمبطون)): هو صاحب الإسهال، ((والهدم))، بكسر
الدال، وقيل: بسكونها. وقال الكرماني: هو المهدوم. قلت: المهدوم هو الذي يهدم، وأما
الهدم هو الذي يقع عليه الهدم، كما في الحديث الماضي، وصاحب الهدم، ((والتهجير)):
التبكير إلى كل شيء، ((والعتمة)) صلاة العشاء، و: الحبو، الزحف على الإست و: الاستهام:
الاقتراع، و: المقدم: ضد المؤخر، وهو أيضاً أمر نسبي، ويروى: الصف الأول، فإن أردت

٣٧٤
١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٧٤)
الإمعان في الكلام فعليك بما في البابين المذكورين.
٧٤ - بابٌ إقامةُ الصَّفِّ مِنْ ثَامِ الصَّلاَةِ
أي: هذا باب في بيان إقامة الصف، وهي تسويته من تمام الصلاة، وسنذكر ما المراد
من: تمام الصلاة.
٧٢٢/١١٠ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قال حدّثنا عَبْدُ الرَّزَّاق قال أخبرنا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ
عن أبِي هُرَيْرَةَ عَن النبيِّ عَ لَّهِ أَنَّهُ قال: إنَّا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلاَ تَخْتَلِفُوا عليه فإذا رَكَعَ
فازِكَعُوا وإِذَا قال سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ وإِذَا سِجَدَ فَاسْجُدُوا وإِذَا
صَلَّى جالساً فَصَلُّوا جُلُوساً أجْمَعُونَ وأَقِيمُوا الصَّفَّ في الصلاةِ فإنَّ إِقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ
محسنِ الصلاةِ [الحديث ٧٢٢ - طرفه في: ٧٣٤].
ذكر البخاري في الترجمة: من تمام الصلاة، وفي الحديث: ((من حسن الصلاة)) وفي
حديث أنس في الباب: ((فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة)). وفي رواية أبي داود عن أبي
الوليد الطيالسي وسليمان بن حرب، كلاهما عن شعبة عن قتادة عن أنس، قال: قال رسول
الله عَّ الله: ((سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة)). وكذا أخرجه الإسماعيلي عن
أبي خليفة والبيهقي من طريق عثمان الدارمي، كلاهما عنه، وكذا مسلم وغيره من طريق
جماعة عن شعبة، ثم توجيه المطابقة بين الترجمة وحديثي الباب من حيث إن المراد من
الحسن هو الكمال، لأن حسن الشيء زائد على حقيقته، فتعين تقدير هذا اللفظ في الترجمة
هكذا باب: إقامة الصف من كمال تمام الصلاة أو من حسن تمام الصلاة، ولا خفاء أن تسوية
الصف ليست من حقيقة الصلاة، وإنما هي من حسنها وكمالها، وإن كانت هي في نفسها
سنة أو واجبة أو مستحبة على اختلاف الأقوال. وكذلك الكلام في حديث أنس: فإن تسوية
الصفوف ليست من إقامة الصلاة؟ لأن الصلاة تقام بغيرها، والتقدير: فإن تسوية الصفوف من
كمال إقامة الصلاة، وقد تكلف بعض الشراح ههنا بكلام لا طائل تحته.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: عبد الله بن محمد بن عبد الله أبو جعفر البخاري
الجعفي المسندي، مات في ذي القعدة سنة تسع وعشرين ومائتين. الثاني: عبد الرزاق بن
همام أبو بكر الصنعاني اليماني. الثالث: معمر، بفتح الميمين: ابن راشد البصري. الرابع:
همام بن منبه اليماني. الخامس: أبو هريرة، رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه: الإخبار كذلك
في موضع. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: أن رواته ما بين بخاري وبصري ويمانيين.
وأخرجه مسلم في الصلاة أيضاً عن محمد بن رافع. وقد مضى في: باب إنما جعل
الإمام ليؤتم به نحو حديث أبي هريرة هذا في موضعين: أحدهما: عن عائشة أم المؤمنين،
لكن أوله: ((صلى رسول الله عَّه في بيته وهو شاكٍ فصلى وهو قاعد وصلى وراءه قوم قياماً،
فأشار عليهم أن اجلسوا، فلما انصرف قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا،

٣٧٥
١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٧٥)
وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى
جالساً فصلوا جلوساً أجمعون)). انتهى. والآخر: حديث أنس، رضي الله تعالى عنه، وأوله:
((أن رسول الله عَّلُ ركب فرساً فصرع عنه، فجحش عن شقه الأيمن، فصلى صلاة من
الصلوات وهو قاعد فصلينا وراءه قعوداً، فلما انصرف قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به))، إلى
قوله: ((أجمعون)). نحوه مع بعض تفاوت في المتن يظهر ذلك عند المقابلة. قوله: ((أقيموا
الصف)) أي: سووا وأعدلوا.
١١١/ ٧٢٣ - حدّثنا أبُو الوَلِيدِ قال حدّثنا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيّ عَلّه قال:
سَؤُوا صُفُوفَكُمْ فإنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلاَةِ.
۔
وجه مطابقة الحديث للترجمة قد ذكرناه.
ورجاله قد ذكروا غير مرة، وأبو الوليد هو: هشام بن عبد الملك.
وأخرجه مسلم في الصلاة أيضاً عن أبي موسى وبندار، وكلاهما عن غندر. وأخرجه
أبو داود، وفيه: عن أبي الوليد وسليمان بن حرب. وأخرجه ابن ماجه فيه عن بندار عن يحيى
وعن نصر بن علي عن أبيه وبشر بن عمر.
:
قوله: ((فإن تسوية الصفوف)) وفي رواية الأصيلي: ((الصف)) بالإفراد. قوله: ((من إقامة
الصلاة))، كذا ذكره البخاري عن أبي الوليد، وذكره غيره عنه بلفظ: ((من تمام الصلاة))،
وتمسك ابن بطال بظاهر لفظ حديث أبي هريرة، فاستدل به على أن تسوية الصف سنة. قال:
لأن حسن الشيء زيادة على تمامه، وأورد عليه رواية: من تمام الصلاة، وأجاب ابن دقيق العيد،
قال: قد يؤخذ من قوله: ((تمام الصلاة))، الاستحباب. لأن تمام الشيء في العرف أمر زائد على
حقيقته التي لا يتحقق إلاّ بها، وإن كان يطلق بحسب الوضع على بعض ما لا تتم الحقيقة
إلاَّ به. قلت: وفيه: نظر، لأن ألفاظ الشرع لا تستعمل بحسب العرف، بل الذي يدل على
الاستحباب ما ذكرناه، والله أعلم بحقيقة الحال، وهو متصف بصفة الكمال.
٧٥ - بابُ إِثْمٍ مَنْ لَمْ يُثُمّ الصُّفُوفَ
أي: هذا باب في بيان إثم من لا يتم الصفوف عند القيام إلى الصلاة.
٧٢٤/١١٢ - حدثنا مُعَاذُ بنُ أسَدٍ قال أخبرنا الفَضْلُ بنُ مُوسَى قال أخبرنا سَعِيدُ بنُ عُبَيْدٍ
الطائيُّ عَنْ بُشَيْرِ بنِ يَسَارِ الأَنْصَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ بنِ مالِكِ أنَّهُ قَدِمَ المَدِينَةَ فَقِيلَ لَهُ مَا أَنْكَرْتَ
مِنَّا مُنْذُ يَوْمٍ عَهِدْتَ رسولَ الله عَ لَّمِ قال ما أتْكَوْتُ شَيئاً إلاّ أنَّكُمْ لاَ تُقِيمُونَ الصُّفُوفَ.
مطابقة هذا الأثر للترجمة من حيث إن أنساً حصل منه الإنكار على عدم إقامتهم
الصفوف، وإنكاره يدل على أنه يرى تسوية الصفوف واجبة، فتارك الواجب آثم. وظاهر
ترجمة البخاري يدل على أنه أيضاً يرى وجوب التسوية، والصواب هذا لورود الوعيد الشديد
في ذلك. قيل: الإنكار قد يقع على ترك السنة فلا يدل ذلك على حصول الإثم. قلت:
:

٣٧٦
١٠ - كِتَابُ الأذَانِ / باب (٧٥)
الإنكار يستلزم المنكر وفاعل المنكر آثم، على أنه عَّ أمر بالتسوية. والأصل في الأمر
الوجوب إلاَّ إذا دلت قرينة على غيره، ومع ورود الوعيد على تركها وإنكار أنس ظاهر في
أنهم خالفوا ما كانوا عليه في زمن النبي عَّ له من إقامة الصفوف، فعلى هذا تستلزم المخالفة
التأثيم. وقال بعضهم: وهو ضعيف لأنه يفضي إلى أنه لا يبقى شيء مسنون لأن التأثيم إنما
يحصل من ترك واجب. قلت: قول هذا القائل ضعيف، بل هو كلام الفساد لأنا لا نسلم إن
حصول التأثيم منحصر على ترك الواجب، بل التأثيم يحصل أيضاً عن ترك السنة، ولا سيما
إذا كانت مؤكدة، ومع القول بوجوب التسوية فتركها لا يضر صلاته لأنها خارجة عن حقيقة
الصلاة، ألا ترى أن أنساً، مع إنكاره عليهم، لم يأمرهم بإعادة الصلاة، ولا يعتبر ما ذهب إليه
ابن حزم من بطلان صلاته مستدلاً بما صح عن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، أنه
ضرب قدم أبي عثمان النهدي لإقامة الصف، وبما صح عن سويد بن غفلة قال: كان بلال
يسوي مناكبنا ويضرب أقدامنا في الصلاة، فقال ابن حزم: ما كان عمر وبلال يضربان أحداً
على ترك غير الواجب. قال بعضهم: فيه نظر لجواز أنهما كانا يريان التعزير على ترك السنة
قلت: في هذا النظر نظر، لأن قائله قد ناقض في قوله حيث قال، فيما مر عن قريب: التأثيم
إنما يحصل عن ترك واجب، فإذا لم يكن تارك السنة آثماً فكيف يستحق التعزير؟ بل الظاهر
أن ضربهما كان لترك الأمر الذي ظاهره الوجوب، ولاستحقاق الوعيد الشديد في الترك.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: معاذ، بضم الميم: ابن أسد أبو عبد الله المروزي
نزل البصرة. الثاني: الفضل بن موسى المروزي السيناني، بكسر السين المهملة وسكون الياء
آخر الحروف وتخفيف النون وبعد الألف نون أخرى: نسبة إلى سينان، قرية من قرى مرو،
مات سنة إحدى أو اثنتين وتسعين ومائة. الثالث: سعيد بن عبيد الطائي أبو الهذيل الكوفي.
الرابع: بشير، بضم الباء الموحدة وفتح الشين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره
راء: ابن يسار، بفتح الياء آخر الحروف وتخفيف السين المهملة وبعد الألف راء: المدني
مولى الأنصار. الخامس: أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف أسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإخبار كذلك
في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: أن شيخ البخاري من أفراده. وفيه: بشير
المذكور ليس له في الكتب الستة عن أنس غير هذا الحديث. والحديث أخرجه أيضاً من
أفراد البخاري. وفيه: أن رواته ما بين مروزي وكوفي ومدني، وتابع الفضل أبو معاوية
وإسحاق الأزرقي عن سعيد، كما أخرجه الإسماعيلي عنهما.
ذكر معناه: قوله: ((أنه قدم المدينة))، أي: من بصرة. قوله: ((ما أنكرت))، أي: أي
شيء أنكرت منا منذ يوم عهدت؟ وقد علمت أن: منذ ومذ، حرفا جر، وهو الصحيح. وقيل:
إسمان مضافان، فيكون بمعنى: من، إن كان الزمان ماضياً وبمعنى: في، إن كان حاضراً،
وبمعنى: من وإلى جميعاً، إن كان معدوداً نحو: ما رأيته منذ يوم الخميس أو منذ يومنا أو
عامنا أو منذ ثلاثة أيام، والمعنى ههنا: ما أنكرت منا من يوم عهدت رسول الله عَ لّهِ؟

٣٧٧
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٧٦)
والمذكور في المتن رواية الكشميهني والمستملي، وفي رواية غيرهما: ((ما أنكرت منذ يوم
عهدت؟)) بغير لفظ منا. قوله: ((ما أنكرت شيئاً ... )) إلى آخره، يدل على أن إنكاره على ترك
الواجب أو السنة المؤكدة، فلذلك بوب البخاري بالترجمة المذكورة.
وقال عُقْبَةُ بنُ عُبَيْدٍ عَنْ بُشَيْرِ بنِ يَسَارٍ قَدِمَ عَلَيْنَا أنَسُ بنُ مالِكِ المَدِينَةَ بهذا
عقبة، بضم العين المهملة وسكون القاف: أخو سعيد بن عبيد، راوي الإسناد الذي
قبله، وليس للبخاري عن عقبة إلاَّ هذا المعلق، ويكنى عقبة بأبي الرحال، بفتح الراء وتشديد
الحاء المهملة، وقد وصل هذا المعلق أبو نعيم الحافظ عن أبي بكر بن مالك عن عبد الله بن
أحمد عن أبيه، قال: حدّثنا أبو معاوية ويحيى بن سعيد، قالا: حدّثنا عقبة بن عبيد فذكره
ووصله أحمد أيضاً في مسنده عن يحيى القطان عن عقبة بن عبيد الطائي، حدثني بشير بن
يسار، قال: ((جاء أنس إلى المدينة فقلنا: ما أنكرت منا من عهد رسول الله عَّ له؟ قال: ما
أنكرت منكم شيئاً غير أنكم لا تقيمون الصفوف)). وهذه المقدمة لأنس غير المقدمة التي
تقدم ذكرها في: باب وقت العصر، فإن ظاهر الحديث فيها أنه أنكر تأخير الظهر إلى أول
وقت العصر، وهذا الإنكار أيضاً غير الإنكار الذي تقدم ذكره في: باب تضييع الصلاة عن
وقتها، حيث قال: لا أعرف شيئاً مما كان على عهد النبي عَ لّمه إلا الصلاة وقد ضيعت. فإن
ذلك كان بالشام، وهذا بالمدينة، فإن قلت: ما فائدة ذكر هذا المعلق وما الفرق بين
الطريقين؟ قلت: الجواب عن الأول: أن البخاري أراد بذكر الطريق الثاني بيان سماع بشير بن
يسار له عن أنس، رضي الله تعالى عنه، وعن الثاني: أنه في الأول روى عن أنس، وفي الثاني
ما روى عنه، بل شاهد بنفسه الحال.
٧٦ - بابُ الصَاقِ المَنْكِبِ بِالمَنْكِبِ والقَدَم بالقَدَم في الصَّفِّ
أي: هذا باب في بيان إلصاق المنكب بالمنكب ... إلى آخره، وأشار بهذا إلى
المبالغة في تعديل الصفوف وسد الخلل فيه، وقد وردت أحاديث كثيرة في ذلك. منها: ما
رواه أبو داود من حديث محمد بن مسلم بن السائب صاحب (المقصور) قال: ((صليت إلى
جنب أنس بن مالك يوماً فقال: هل تدري لم صنع هذا العود؟ فقلت: لا والله. قال: كان
رسول الله عَّ م يضع يده عليه ويقول: استووا وعدلوا صفوفكم)). ثم قال: حدّثنا مسدد
حدّثنا حميد الأسود حدّثنا مصعب بن ثابت عن محمد بن مسلم عن أنس بن مالك بهذا
الحديث قال: ((إن رسول الله عَّله كان إذا قام إلى الصلاة أخذه بيمينه ثم التفت فقال:
اعتدلوا سووا صفوفكم، ثم أخذه بيساره، وقال اعتدلوا سووا صفوفكم)). وفي لفظ: ((رصوا
صفوفكم وقاربوا بينها وحاذوا الأعناق))، الحديث. وفي لفظ: ((أتموا الصف المقدم ثم الذي
يليه، فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر)). ومنها: ما رواه ابن حبان في (صحيحه):
عن البراء بن عازب ((كان رسول الله عَّلم يتخلل الصف من ناحية إلى ناحية يمسح صدورنا
ومناكبنا ويقول: لا تختلفوا فتختلف قلوبكم))، وفي لفظ: ((فيمسح عواتقنا وصدورنا))، وعند

٣٧٨
١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٧٦)
السراج: ((مناكبنا أو صدورنا))، وفي لفظ: ((كان يأتي من ناحية الصف إلى ناحيته القصوى
بين صدور القوم ومناكبهم))، وفي لفظ: ((يمسح عواتقنا - أو قال: مناكبنا، أو قال صدورنا -
ويقول: لا تختلف صدوركم فتختلف قلوبكم)). ومنها: ما رواه مسلم من حديث أبي
مسعود: ((كان يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم))
الحديث. ومنها: ما رواه أبو داود: حدثنا عيسى بن إبراهيم الغافقي حدثنا ابن وهب وحدثنا
قتيبة حدثنا الليث وحديث ابن وهب أتم من معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن كثير بن
مرة عن عبد الله بن عمر قال قتيبة عن أبي الزاهرية عن أبي شجرة لم يذكر ابن عمر أن رسول
الله عَّ الله قال: ((أقيموا الصفوف وحاذوا بين المناكب وسدوا الخلل، ولينوا بأيدي
إخوانكم ولا تذروا فرجات للشيطان، ومن وصل صفا وصله الله، ومن قطع صفاً قطعه
الله). قلت: ابن وهب هو عبد الله بن وهب وأبو الزاهرية: حدير بن كريب، بضم الحاء
المهملة، وأبو شجرة: هو كثير بن مرة. قوله: ((ولينوا بأيدي إخوانكم)) قال أبو داود: معناه
إذا جاء رجل إلى الصف فذهب يخل فيه فينبغي أن يلين له كل رجل منكبه حتى يدخل في
الصف. قوله: ((ولا تذروا)) أي: ولا تتركوا.
وقال النُّعْمَانُ بنُ بَشِيرِ رَأَيْتُ الرَّجُلَ مِنَّا يُلْزِقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِهِ
النعمان بن بشير بن سعيد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي أبو عبد الله المدني صاحب
رسول الله عَّ له وابن صاحبه، وهو أول مولود ولد في الأنصار بعد قدوم النبي عَ ◌ّه، وقال
يحيى بن معين: أهل المدينة يقولون: لم يسمع من رسول الله عَّهِ، وأهل العراق يصححون
سماعه منه، قتل فيما بين دمشق وحمص يوم راهط، وكان زبيرياً. وعن أبي مسهر: كان
عاملاً على حمص لابن الزبير، فلما تمرد أهل حمص خرج هارباً فاتبعه خالد بن عدي فقتله،
وقيل: قتل في سنة ست وستين بسلمية، وهذا التعليق طرف من حديث رواه أبو داود: حدّثنا
عثمان بن أبي شيبة حدّثنا وكيع عن زكريا بن أبي زائدة عن أبي القاسم الجدلي، قال:
سمعت النعمان بن بشير يقول: ((أقبل رسول الله عَّله، على الناس بوجهه، فقال: ((أقيموا
صفوفكم ثلاثاً، والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم. فقال: فرأيت الرجل يلزق
منكبه منكب صاحبه وركبته بركبة صاحبه وكعبه بكعبه)). وأخرجه ابن حبان أيضاً فى
(صحيحه) وأبو القاسم الجدلي: اسمه الحسين بن الحارث المنسوب إلى جديلة قيس
الكوفي. قوله: ((لتقيمن)) - بضم الميم - لأن أصله: لتقيمون، فلما دخلت عليه نون التأكيد
حذفت الواو لالتقاء الساكنين. قوله: ((أو ليخالفن الله)): اللام الأولى للتأكيد مفتوحة، والفاء
مفتوحة. قوله: ((يلزق))، بضم الياء: من الإلزاق أي: يلصق. قوله: ((كعبه بكعب صاحبه))، أي:
يلزق كعبه بكعب صاحبه الذي بحذائه.
وفيه: دليل على أن الكعب هو العظم الناتىء في مفصل الساق والقدم، وهو الذي
يمكن إلزاقه، وقال بعضهم، خلافاً لمن ذهب: إلى أن المراد بالكعب مؤخر القدم، وهو قول

٣٧٩
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٧٧)
شاذ ينسب إلى بعض الحنفية. قلت: هشام روى عن محمد بن الحسن هذا التفسير، ولكنه
ما أراد بهذا الذي في باب الوضوء، وإنما مراده الذي في باب الحج، فنسبة هذا إلى بعض
الحنفية على هذا غير صحيحة.
٧٢٥/١١٣ - حدّثنا عَمْرُو بنُ خَالِدٍ قال حدّثنا زُهَيْرٌ عَنْ محُمَيْدٍ عن أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَ لَ﴾.
قال أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي وكانَ أحَدُنَا يُلْزِقُ مَنْكَبَهُ بِمَنْكِبٍ صاحِبِهِ
وقَدَمَهُ بِقَدَمِهِ. [أنظر الحديث ٧١٨ وطرفه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. ورجاله قد مضوا غير مرة، وعمرو بن خالد بن فروخ الحراني
الجزري سكن مصر، وزهير بن معاوية، وحميد الطويل، ورواه سعيد بن منصور عن هشيم
فصرح فيه بتحديث أنس لحميد، وفيه الزيادة التي في آخره، وهي قوله: وكان أحدنا ... إلى
آخره. وصرح بأنها من قول أنس. وأخرجه الإسماعيلي من رواية معمر عن حميد بلفظ: قال
أنس: فلقد رأيت أحدنا ... إلى آخره، وزاد معتمر في روايته: ((ولو فعل ذلك بأحدهم اليوم
لنفر كأنه بغل شموص)).
٧٧ _ بابٌ إذا قامَ الرَّجُلُ عَنْ يَسَارِ الإِمَامِ وَحَوَّلَهُ الإِمامُ خَلْفَهُ إِلَى يَِهِ ثَّتْ صلائُهُ
أي: هذا باب ترجمته: إذا قام ... إلى آخره. وقوله: ((تمت صلاته))، جواب: إذا، يعني:
لا يضر صلاته. وقوله: ((خلفه»، منصوب بالظرفية، أي: في خلفه، أو بنزع الخافض أي: من
خلفه، والضمير راجع إلى الإمام. قال الكرماني: أو إلى الرجل، لا يقال: الإمام أقرب، فهو
أولى، لأن الفاعل، وإن تأخر لفظاً، لكنه مقدم رتبة، فلكل منهما قرب من وجه، فهما
متساويان. قلت: الأولى أن يكون الضمير للإمام، لأنه هو الذي يحوله من خلفه، ويحترز به
من أن يحوله من بين يديه، ولا معنى لتحويله من خلف الرجل. وقوله: ((تمت صلاته)) أي:
صلاة المأموم، لأنه كان معذوراً حيث لم يكن يعلم في ذلك الوقت موقفه، ويحتمل أن
يكون الضمير للإمام فلا تفسد صلاته، لأن تحويله إياه لم يكن عملاً كثيراً مع أنه كان في
مقام التعليم والإرشاد، وقد مر قبل هذا الباب بعشرين باباً: باب إذا قام الرجل عن يسار الإمام
فحوله الإمام إلى يمينه، لم تفسد صلاتهما، وهذه الترجمة مثل ترجمة هذا الباب الذي هنا،
غير أنه لم يذكر لفظ: خلفه، هناك وفيها قال: لم تفسد صلاتهما، وهذا يدل على جواز
رجوع الضمير في قوله: ((تمت صلاته)) إلى المأموم وإلى الإمام، كما ذكرنا.
٧٢٦/١١٤ - حدثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قال حدّثنا دَاوُدُ عَنْ عَمْرِو بنِ دِينَارٍ عن كُرَيْبٍ مَوْلى
ابنِ عَبَّاسٍ عنِ ابنِ عباسٍ رضي الله تعالى عنهما قال صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ عَ لِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقُمْتُ
عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَ رسولُ اللهِ عَّهِ بِرَأْسِي مِنْ وَرَائِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ فَصَلَّى وَرَقَدَ فَجَاءَهُ
المُؤَذِّنُ فَقَامَ وصَلَّى ولَمْ يَتَوضَّأْ. [أنظر الحديث ١١٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فقمت عن يساره ... )) إلى آخره، وقد تكرر هذا الحديث
فيما مضى وههنا في عدة مواضع، أولها: في كتاب العلم في: باب السمر بالعلم، ومباحث

٣٨٠
١٠ - كِتَابُ الأذانِ / باب (٧٨)
هذا الحديث قد مر في الأبواب التي تقدمت، وأكثرها في كتاب العلم وفي: باب تخفيف
الوضوء، وداود المذكور في الإسناد هو ابن عبد الرحمن العطار، ويقال: داود بن عبد الله،
يكنى أبا سليمان، مات سنة خمس وتسعين ومائة.
٧٨ - بابٌ المَرْأَةُ وَحْدَهَا تَكُونُ صَفّاً
أي: هذا باب في بيان أن المرأة تكون صفاً، اعترض الإسماعيلي فقال: الواحد
والواحدة لا تسمى صفاً إذا انفرد، وإن جازت صلاته منفرداً خلف الصف، وأقل ما يسمى إذا
جمع بين اثنين على طريقة واحدة، ورد عليه بأنه قيل في قوله تعالى: ﴿يوم يقوم الروح
والملائكة صفاً﴾ [النبأ: ٣٨]. أن الروح وحده صف، والملائكة صف، وأجاب الكرماني:
بأن المراد أنها لا تقف في صف الرجال، بل تقف وحدها، ويكون في حكم صف. أو أن
جنس المرأة غير مختلطة بالرجال تكون صفاً.
٧٢٧/١١٥ - حدّثنا عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ قال حدّثنا سُفْيَانُ عَنْ إِسْحَاقَ عَنْ أَنَسِ بنِ مالِكِ
قال صَلَّيْتُ أنا ويَتِيمٌ في بَيْتِنَا خَلْفَ النبيِّ عَ لَّه وَأُمِّي أُمُ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا. [أنظر الحديث ٣٨٠
وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((وأمي أم سليم خلفنا))، لأنها وقفت خلفهم وحدها،
فصارت في حكم الصف. وعبد الله بن أبي محمد هو الجعفي المعروف بالمسندي،
وسفيان هو ابن عيينة وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة. وفي رواية الحميدي عند أبي نعيم
وعلي بن المدني عند الإسماعيلي، كلاهما عن سفيان حدّثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي
طلحة: أنه سمع أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه.
وأخرجه النسائي أيضاً عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري. وأخرج البخاري
هذا الحديث مطولاً في: باب الصلاة على الحصير، عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن
إسحاق بن عبد الله، وقد ذكرنا مباحثه هناك مستوفاة.
قوله: ((صليت أنا ويتيم)، ذكر لفظة: أنا، ليصح العطف على الضمير المرفوع، وهو
مذهب البصريين، والكوفيون لم يشترطوا ذلك، واليتيم هو: ضميرة بن أبي ضميرة، بضم
الضاد المعجمة، له ولابنه صحبة. قوله: ((وأمي أم سليم)) وأمي، عطف على: يتيم، و: أم
سليم، عطف بيان، وكانت مشتهرة بهذه الكنية، واسمها: سهلة، وقيل: رميلة أو رميثة أو
الرميصاء أو الغميضاء، زوجة أبي طلحة، وكانت فاضلة دينة.
ذكر ما يستفاد منه: من ذلك: أن النساء إذا صلين مع الرجال يجوز، ولكن يقفن في
آخر الصفوف، لما روي عن ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه: ((أخروهن من حيث أخرهن
الله)). أخرجه عبد الرزاق في (مصنفه) عن سفيان الثوري عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي
معمر عن ابن مسعود، ومن طريقه رواه الطبراني في (معجمه). وكلمة: حيث، عبارة عن
المكان، ولا مكان يجب تأخيرهن فيه إلاّ مكان الصلاة، فالمأمور بالتأخير الرجال، فإذا