Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (١٤)
أنه خبر مبتدأ محذوف، وقال بعضهم: أما باب، فهو في روايتنا بلا تنوين. قلت: ليت شعري
من هو الراوي له، فهل هو ممن يعتمد عليه في تصرفه في التراكيب، وهذا ليس لفظ
الحديث حتى يقتصر فيه على المروي، وإنما هو كلام البخاري، فالذي له يد في تحقيق
النظر في تراكيب الناس يتصرف فيه بأي وجه، يأتي معه على قاعدة أهل النحو واصطلاح
العلماء فيه، وباب هنا منون، ووجهه ما ذكرناه، ومميز: كم، محذوف أي: كم ساعة، ونحو
ذلك. قوله: ((والإقامة)) أي: إقامة الصلاة. قوله: ((ومن ينتظر الإقامة)) ليس بموجود في كثير
من النسخ، وعلى تقدير وجوده يكون عطفاً على المقدر الذي قدرناه، تقديره: ويذكر فيه من
ينتظر إقامة الصلاة.
٢٠/ ٦٢٤ _ حدّثنا إسحاقُ الوَاسِطِيُّ قال حدّثنا خالِدٌ عَنِ الجُرَيْرِيّ عنِ ابنِ بُرَيْدَةَ
عَنْ عَبْدِ الله بنِ مُغَفَّلِ المُزَنِيّ أنَّ رَسُولَ الله عَ لَّهِ قال بَيْنَ كُلّ أُذَانَيْنِ صلاةٌ ثَلاثَاً لِمَنْ
شاءَ. [الحديث ٦٢٤ - طرفه في: ٦٢٧].
مطابقته للترجمة ظاهرة، لأن معنى قوله: ((بين كل أذانين صلاة))، بين الأذان والإقامة،
وقال بعضهم: لعل البخاري أشار بذلك، أي بقوله: باب كم بين الأذان والإقامة، إلى ما روي
عن جابر رضي الله تعالى عنه: ((أن النبي عَِّ قال لبلال: إجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما
يفرغ الآكل من أكله والشارب من شربه، والمقتصر إذا دخل لقضاء حاجة)). أخرجه الترمذي
والحاكم، لكن إسناده ضعيف. قلت: هذا كلام عجيب لأنه كيف يترجم باباً ويورد فيه
حديثاً صحيحاً على شرطه ويشير بذلك إلى حديث ضعيف؟ فأي شيء هنا يدل على هذه
الإشارة؟
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: إسحاق هو ابن شاهين الواسطي، وفي الرواة إسحاق
ابن وهب العلاف الواسطي، ولكن ليست له رواية عن خالد، وإنما تميز إسحاق ههنا عن غيره
من إسحاق الحنظلي وإسحاق بن نصر السعدي وإسحاق بن منصور الكوسج بقوله:
الواسطي. الثاني: خالد بن عبد الله الطحان وقد تقدم. الثالث: الجريري، بضم الجيم وفتح
الراء الأولى وسكون الياء آخر الحروف وبالراء المهملة: هو سعيد بن إياس. الرابع: ابن
بريدة، بضم الباء الموحدة وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف وبالدال المهملة: وهو عبد
الله بن حصيب الأسلمي، قاضي مرو، مات بها. الخامس: عبد الله بن مغفل، بضم الميم
وفتح الغين المعجمة وتشديد الفاء.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة
مواضع. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: من الرواة الأولان واسطيان، والإثنان بصريان.
وفيه: أن شيخ البخاري من أفراده وأنه لم يذكره إلاَّ بنسبته إلى بلده: واسط.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الصلاة عن عبد الله
ابن يزيد المقري عن كهمس بن الحسن. وأخرجه مسلم فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن

٢٠٢
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (١٤)
أبي أسامة ووكيع، كلاهما عن كهمس به، وعن ابن أبي شيبة عن عبد الأعلى عن الجريري
به. وأخرجه أبو داود فيه عن النفيلي عن إسماعيل بن علية عن الجريري به. وأخرجه الترمذي
فيه عن هناد عن وكيع به. وأخرجه النسائي فيه عن عبيد الله بن سعيد عن يحيى بن سعيد
عن كهمس به. وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة ووكيع به.
ذكر معناه: قوله: ((بين كل أذانين)) أي: الأذان والإقامة، فهو من باب التغليب. وقال
الخطابي: حمل أحد الإسمين على الآخر شائع، كقولهم: الأسودان: للتمر والماء، والأسود
إنما هو أحدهما. وقال الكرماني: ويحتمل أن يكون الاسم لكل واحد منهما حقيقة، لأن الأذان
في اللغة الإعلام، الأذان إعلام بحضور الوقت، والإقامة إعلام بفعل الصلاة. قلت: الأذان
إعلام الغائبين، والإقامة إعلام الحاضرين. وقيل: لا يجوز حمل هذا على ظاهره، لأن الصلاة
واجبة بين كل أذاني وقتين، والحديث يخبر بالتخيير بقوله: ((لمن شاء)). قوله: ((صلاة)) أي:
وقت صلاة وموضعها. قوله: ((ثلاثاً)) أي: قالها في الثالثة: ((لمن شاء))، وفي رواية مسلم
والإسماعيلي: ((قال في الرابعة: لمن شاء)). وعند أبي داود: ((قالها مرتين))، وقال ابن الجوزي:
فائدة هذا الحديث أنه يجوز أن يتوهم أن الأذان للصلاة يمنع أن يفعل سوى الصلاة التي أذن
لها، فبين أن التطوع بين الأذان والإقامة جائز.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: جواز الصلاة بين كل أذانين، يعني بين الإقامة والأذان،
والحاصل أن الوصل بينهما مكروه، لأن المقصود بالأذان إعلام الناس بدخول الوقت ليتأهبوا
للصلاة بالطهارة، فيحضروا المسجد لإقامة الصلاة، وبالوصل ينتفي هذا المقصود، ثم اختلف
أصحابنا في حد الفصل، فذكر التمرتاشي في (جامعه): أن المؤذن يقعد مقدار ركعتين أو
أربع، أو مقدار ما يفرغ الآكل من أكله، والشارب من شربه، والحاقن من قضاء حاجته.
وقيل: مقدار ما يقرأ عشر آيات ثم يثوب ثم يقيم، كذا في (المجتبى) وفي (شرح
الطحاوي): يفصل بينهما مقدار ركعتين، يقرأ في كل ركعة نحواً من عشر آيات، وينتظر
المؤذن للناس، ويقيم للضعيف المستعجل، ولا ينتظر رئيس المحلة وكبيرها، وهذا كله إلاّ
في صلاة المغرب عند أبي حنيفة، لأن تأخيرها مكروه، فيكتفي بأدنى الفصل، وهو سكتة
يسكت قائماً ساعة ثم يقيم. فإن قلت: ما مقدار السكتة عنده؟ قلت: قدر ما يتمكن فيه من
قراءة ثلاث آيات قصار، أو آية طويلة. وروي عن أبي حنيفة: مقدار ما يخطو ثلاث خطوات.
وقال أبو يوسف ومحمد: يفصل بينهما بجلسة خفيفة مقدار الجلسة بين الخطبتين، ومذهب
الشافعي ما ذكره النووي، فإنه قال: يستحب أن يفصل بين أذان المغرب وإقامتها فصلاً يسيراً
بقعدة أو سكوت أو نحوهما، وهذا لا خلاف فيه عندنا. ونقل صاحب (الهداية) عن
الشافعي: أنه يفصل بركعتين اعتباراً بسائر الصلوات، وفيه نظر، وقال أحمد: يفصل بينهما
بصلاة ركعتين في المغرب اعتباراً بسائر الصلوات، واحتج بالحديث المذكور. قلت: روى
الدارقطني ثم البيهقي في (سننيهما): عن حبان بن عبد الله العدوي حدّثنا عبد الله بن بريدة
عن أبيه قال: قال رسول الله عَّله: ((إن عند كل أذانين ركعتين إلا المغرب)). فإن قلت: ذكر

٢٠٣
١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (١٤)
ابن الجوزي هذا الحديث في (الموضوعات) ونقل عن الفلاس أنه قال: كان حبان هذا
كذاباً؟ قلت: الحديث رواه البزار في (مسنده) فقال: لا نعلم من رواه عن ابن بريدة إلاَّ حبان
ابن عبد الله، وهو رجل مشهور من أهل البصرة لا بأس به.
٦٢٥/٢١ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قال حدّثنا غُنْدَرّ قال حدّثنا شُعْبَةُ قال سَمِعْتُ
عَمْرَو بنَ عَامِرٍ الأَنصَارِيَّ عَنْ أَنَسٍ بنِ مالِكِ قال كان المُؤَذِّنُ إِذَا أَذَّنَ قامَ ناسٌ مِن أضْحَابٍ
النَّبِيّ عَ لَهِ يَبْتَدِرُونَ السَّوَّارِيَ حَتَّى يَخْرُجَ النبيُّ عَّلهُ وهُمْ كَذَلِكَ يُصَلُّونَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ
المَغْرِبِ ولَمْ يَكُنْ بَيْنَ الأَذَانِ والإِقَامَةِ شَيْءٌ. [انظر الحديث ٥٠٣].
مطابقته للترجمة في قوله: ((وهم يصلون الركعتين قبل المغرب)) فإن صلاتهم قبل
صلاة المغرب بعد الأذان فصل بينٍ وبين الإقامة، وبهذا أخذ أحمد وإسحاق. والجواب ما
ذكرناه من استثناء المغرب في حديث بريدة المذكور آنفاً.
ذكر رجاله: وهم خمسة، ذكروا غير مرة، وبشار على وزن: فعال بالتشديد، بالباء
الموحدة والشين المعجمة، وغندر، بضم الغين المعجمة: لقب محمد بن جعفر ابن امرأة
شعبة، وعمرو، بفتح العين: ابن عامر الأنصاري، مر في باب الوضوء من غير حدث.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين والإخبار كذلك في
موضع. وفيه: السماع. وفيه؛ العنعنة في موضع. وفيه: القول في أربعة مواضع. وفيه: أن رواته
ما بين بصري ومدني وواسطي، وهو شعبة.
بيان محل تعدده ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الصلاة عن قبيصة عن
سفيان. وأخرجه النسائي فيه عن إسحاق بن إبراهيم عن أبي عامر عن سفيان عنه به نحوه،
وفي نسخة عن شعبة بدل عن سفيان.
ذكر معناه: قوله: ((كان المؤذن إذا أذن))، وفي رواية الإسماعيلي: ((إذا أخذ المؤذن في
أذان المغرب)). قوله: ((قام ناس)، وفي رواية النسائي: ((قام كبار أصحاب رسول الله عَلّ)).
قوله: ((يبتدرون))، أي: يتسارعون ويستبقون. قوله: ((السواري)) جمع سارية وهي: الأسطوانة،
وكان غرضهم بالاستباق إليها الاستتار بها ممن يمر بين أيديهم لكونهم يصلون فرادى. قوله:
((وهم كذلك))، أي: في تلك الحالة هم مبتدرون منتظرون الخروج، وفي رواية مسلم زيادة
وهي: ((فيجيء الغريب فيحسب أن الصلاة قد صليت من كثرة من يصليها)). رواها من طريق
عبد العزيز بن صهيب عن أنس. وقال الكرماني: وفي بعض الروايات: ((وهي كذلك))، بدل:
وهم، والأمران جائزان في ضمير العقلاء، نحو: الرجال فعلت وفعلوا. قوله: ((قال ولم يكن
بين الأذان والإقامة شيء))، أي: قال أنس: ولم يكن بينهما زمان أو صلاة.
فإن قلت: هذا أثر وهو ناف، والذي سبق قبله من النبي عَّله وهو مثبت، فكيف
الجمع بينهما؟ قلت: قال ابن المنير: يجمع بين الروايتين بحمل النفي المطلق على المبالغة
مجازاً، والإثبات للتعليل على الحقيقة. وقال الكرماني: وجه الجمع بينهما أن هذا خاص

٢٠٤
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (١٥)
بأذان المغرب، وذاك عام، والخاص إذا عارض العام يخصصه عند الشافعية، سواء علم تأخره
أم لا، والمراد بقوله: ((كل أذانين)) غير أذاني المغرب، وقيل: التنوين فيه للتنكير والتعظيم،
ونفي الكثير لا يستلزم نفي القليل، ويؤيد ذلك ما رواه الإسماعيلي من حديث شعبة: ((وكان
بين الأذان والإقامة قرب)). قلت: يدل عليه ما رواه عثمان بن جبلة وأبو داود عن شعبة: ((ولم
يكن بينهما إلاَّ قليل)). وقيل: حديث الباب على ظاهره، وقوله: ولم يكن بينهما شيء، يدل
على أن عموم قوله: ((بين كل أذانين صلاة)) مخصوص بالمغرب، فإنهم لم يكونوا يصلون
بينهما، بل كانوا يشرعون في الصلاة في أثناء الأذان ويفرغون مع فراغه، ويؤيد ذلك حديث
بريدة المذكور عن قريب، فإن فيه استثناء المغرب كما ذكرنا.
قلت: قول هذا القائل: ويفرغون مع فراغه، فيه نظر لأنه ما في الحديث شيء يدل
على ذلك، وشروعهم في الأذان لا يستلزم فراغهم مع فراغ الأذان، وادعى بعض المالكية
نسخهما لأن ذلك كان في أول الأمر لما نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب، ثم ندب
المبادرة إلى المغرب في أول وقتها، فلو استمرت المواظبة على الاشتغال بغيرها لكان ذلك
ذريعة إلى مخالفة إدراك أول وقتها. وقال بعضهم: دعوى النسخ لا دليل عليها. قلت:
يستأنس لتأييد قول هذا القائل بما رواه أبو داود عن طاوس، قال: سئل ابن عمر عن الركعتين
قبل المغرب؟ فقال: ما رأيت أحداً على عهد رسول الله، عَّله، يصليهما. وقال أبو بكر ابن
العربي: اختلف الصحابة فيه، ولم يفعله أحد بعد الصحابة، رضي الله تعالى عنهم. وقال
النخعي: إنها بدعة، وروي عن الخلفاء الأربعة وجماعة من الصحابة أنهم كانوا لا يصلونهما.
ء
قال عُثْمَانُ بنُ جَلَةَ وَأَبُو دَاوُد عن شُعْبَةً لَمْ يَكَنِ بَيْنَهُمَا إِلَّ قَلِيلٌ
جبلة، بفتح الجيم والباء الموحدة: ابن أبي رواد، ابن أخي عبد العزيز بن أبي رواد،
واسمه: ميمون الأزدي، مولاهم البصري وأبو داود: سليمان بن داود الطيالسي، وهو من أفراد
مسلم، ويقال أبو داود هذا: عمر بن سعيد الحفري الكوفي، وحفر بالفاء موضع بالكوفة، وهو
أيضاًمن أفراد مسلم. قال الكرماني: والظاهر أنه تعليق منه لأن البخاري كان ابن عشرة عند
وفاة الطيالسي.
١٥ - بابُ مَنِ انْتَظَرَ الإِقَامَةَ
أي: هذا باب في بيان من سمع الأذان وانتظر إقامة الصلاة، والظاهر من وضع هذا
الباب الإشارة إلى أن ذلك مختص بالإمام لأن المأموم يستحب أن يحوز الصف الأول،
ويمكن أن يشارك الإمام في ذلك من كان منزله قريباً من المسجد بحيث يسمع الإقامة من
منزله، فإنه إذا كان متهيئاً للصلاة كان انتظاره لها كانتظاره إياها وهو في المسجد.
٢٢/ ٦٢٦ - حدّثنا أَبُو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قال أخبرني عُرْوَةُ بنُ
الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ قالَتْ كان رسولُ اللهِ عَّ ◌َلَِّ إذَا سَكَتَ المُؤَذِّنُ بالأولَى مِن صلاةِ الفَجْرِ قامَ

٢٠٥
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (١٥)
فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ صلاةِ الفَجْرِ بَعْدَ أَنْ يَسْتَبِينَ الفَجْرُ ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقَّهِ الأَيْمَنِ
حَتَّى يَأْتِيهِ المُؤَذِّنُ لِلإِقَامَةِ. [الحديث ٦٢٦ - أطرافه في: ٩٩٤، ١١٢٣، ١١٦٠، ١١٧٠،
٦٣١٠].
مطابقته للترجمة في قوله: ((ثم اضطجع على شقه الأيمن ... )) إلى آخره.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: أبو اليمان الحكم بن نافع. الثاني: شعيب بن أبي
حمزة. الثالث: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. الرابع: عروة بن الزبير بن العوام.
الخامس: عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهم.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع والإخبار كذلك في
موضعين. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: القول في موضعين، وفي رواته حمصيان
ومدنیان ..
وأخرجه النسائي في الصلاة أيضاً عن عمرو بن منصور عن علي بن عياش، كلاهما
عن شعیب به.
ذكر معناه: قوله: ((إذا سكت المؤذن)) أي: إذا فرغ من الأذان بالسكوت عنه، هكذا
في رواية الجمهور المعتمدة، بالتاء المثناة من فوق. وحكى ابن التين: بالباء الموحدة، ومعناه:
صب الأذان في الآذان، جمع الأذن، واستعير الصب للإفاضة في الكلام. وقال ابن قرقول:
ورويناه عن الخطابي: ((سكب المؤذن))، بالباء الموحدة. قال: ورأيت بخط أبي علي الجياني
عن أبي مروان: سكب وسكت، بمعنى وابن الأثير لم يذكر غير الباء الموحدة، وقال: إرادة إذا
أذن فاستعير السكب للإفاضة في الكلام، كما يقال: أفرغ في أذني حديثاً أي: ألقى وصب،
وقال الصاغاني في (العباب) أيضاً: بالباء الموحدة، وذكر أن المحدثين صحفوها بالمثناة.
وقال بعضهم: وليس كما قال. قلت: لم يبين وجه الرد عليه، وليس الصاغاني ممن يرد عليه
في مثل هذا، وقال ابن بطال والسفاقسي: إن هذه رواية ابن المبارك عن الأوزاعي عن
الزهري. قالا: ولها وجه من الصواب. قلت: بل هو عين الصواب، لأن سكت بالتاء المثناة
من فوق لا يستعمل بالباء الموحدة، بل يستعمل بكلمة: من، أو: عن، وسكب بالباء الموحدة
استعمل هنا بالباء. فإن قلت: الباء تجيء بمعنى: عن، كما في قوله تعالى: ﴿فاسأل به خبيرا﴾
[الفرقان: ٥٩]. أي: عنه. قلت: الأصل أن يستعمل كل حرف في بابه، ولا يستعمل في غير
بابه إلاَّ لنكتة، وأي نكتة هنا؟ قوله: ((بالأولى))، مراده الأذان الأول، لأنه أول بالنسبة إلى
الإقامة، ولكنه أنثه باعتبار المناداة والأذان الأول يؤذن به عند دخول الوقت، وهو أول بالنسبة
إلى الإقامة، وثان بالنسبة إلى الأذان الذي قبل الفجر، ويجوز أن يؤول: الأولى، بالمرة الأولى
وبالساعة الأولى. قوله: ((بعد أن يستبين الفجر)) من الاستبانة، وهو: الظهور، ويروى: يستنير
من الاستنارة، ويروى: يستيقن. قوله: ((على شقه)) أي: على جنبه الأيمن. قال الكرماني:
والحكمة فيه أن لا يستغرق في النوم، لأن القلب من جهة اليسار متعلق حينئذ غير مستقر،

٢٠٦
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (١٥)
وإذا نام على اليسار كان في دعة واستراحة فيستغرق، وأيضاً يكون انحدار الثقل إلى سفل
أسهل وأكثر فيصير سبباً لدغدغة قضاء الحاجة فينتبه في أسرع وقت. قلت: لا يستحسن هذا
الكلام في حقه، عَّهِ، وإنما يمشي في حق غيره، والنبي عَّه كان يحب التيامن في كل
شيء، وجميع ما صدر عنه من قول وفعل كان على أحسن الوجوه وأفضلها وأكملها، وأيضاً
النوم على اليمين نوم الصالحين، وعلى اليسار نوم الحكماء، وعلى الظهر نوم الجبارين
والمتكبرين، وعلى الوجه نوم الكفار.
ذكر ما يستنبط منه فيه: استحباب التخفيف فى سنة الفجر، واستحب قوم تخفيفها،
وهو مذهب مالك والشافعي في آخرين. وقال النخعي، واختاره الطحاوي: لا بأس بإطالتها،
ولعله أراد بذلك غير محرم. وفي (مصنف) ابن أبي شيبة: عن سعيد بن جبير: ((كان رسول
الله عَّ ربما أطال ركعتي الفجر))، وقال مجاهد: لا بأس أن يطيل ركعتي الفجر، وبالغ قوم
فقالوا: لا قراءة فيها، حكاه عياض والطحاوي: والحديث الصحيح يرد ذلك، وهو: ((كان
النبي عَ لّه يقرأ في الأولى بفاتحة الكتاب و:﴿قل يا أيها الكافرون﴾ [الكافرون: ١]. وفي
الثانية بالفاتحة و﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١]. وفي رواية ابن عباس كان يقرأ فيهما:
﴿قولوا آمنا بالله﴾ [البقرة: ١٣٦]. وبقوله: ﴿قل يا أهل الكتاب﴾ [آل عمران: ٦٤ و٩٨
و٩٩، والمائدة: ٥٩ و٦٨ و٧٧]. واستحب مالك الاقتصار على الفاتحة، على ظاهر قول
عائشة: كان يخففهما حتى إني لأقول قد قرأ فيهما بأم الكتاب. وفي (فضائل القرآن العظيم)
لأبي العباس الغافقي: ((أمر رجلاً شكى إليه شيئاً أن يقرأ بفاتحة الكتاب وسورة ألم نشرح،
وفي الثانية بالفاتحة وسورة ألم تر كيف)).
وفيه: استحباب الاضطجاع على الأيمن عند النوم، وهو سنة عند البعض واجب عند
الحسن البصري، وذكر القاضي عياض: أن عند مالك وجمهور العلماء وجماعة من الصحابة
بدعة. قلت: يعني الاضطجاع بعد ركعتي الفجر، وفي (سنن أبي داود) والترمذي بإسناد
صحيح على شرط الشيخين، من حديث أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله
عَّ الله: ((إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه)). واعلم أنه ثبت في
الصحيح ((أنه عَّه كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة، فإذا فرغ منها
اضطجع على شقه حتى يأتيه المؤذن فيصلي ركعتين خفيفتين))، فهذا الاضطجاع كان بعد
صلاة الليل، وقبل صلاة ركعتي الفجر، ولم يقل أحد: إن الاضطجاع قبلهما سنة، فكذا
بعدهما. وقد روي عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، قالت: ((إن كنت مستيقظة حدثني وإلا
اضطجع)). فهذا يدل على أنه ليس بسنة، وأنه تارة كان يضطجع قبل وتارة بعد وتارة لا
يضطجع.
وفيه: استحباب إتيان المؤذن إلى الإمام الراتب وإعلامه بحضور الصلاة.
وفيه: دلالة على أن الانتظار للصلاة في البيت كالانتظار في المسجد، إذ لو لم يكن
كذلك لخرج النبي عَّ إلى المسجد ليأخذ لنفسه بحظها من فضيلة الانتظار.

٢٠٧
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (١٦)
وفيه: أن مراعاة الوقت للمؤذن وأن الإمام يجعل إليه ذلك. وقال الداودي في حديث
عائشة دلالة أن المؤذن لا يكون إلاَّ عالماً بالأوقات، أو يكون له من يعرفه بها.
وفيه: تعجيل ركعتي الفجر عند طلوع الفجر، وقد كره جماعة من العلماء منهم
أصحابنا التنفل بعد أذان الفجر إلى صلاة الفجر بأكثر من ركعتي الفجر، لما في مسلم عن
حفصة: ((كان رسول الله عٍَّ إذا طلع الفجر لا يصلي إلاَّ ركعتين خفيفتين)). وعند أبي
داود: ((عن يسار مولى ابن عمر، قال: رآني عبد الله وأنا أصلي بعد طلوع الفجر، فقال: يا
يسار إن رسول الله عَّهِ خرج علينا ونحن نصلي هذه الصلاة فقال: لا تصلوا بعد الفجر إلاّ
ركعتين)). وقال أبو عيسى: حديث غريب لا نعرفه إلاَّ من حديث قدامة بن موسى، وهذا مما
أجمع عليه أهل العلم، كرهوا أن يصلي الرجل بعد طلوع الفجر إلاَّ ركعتي الفجر، وإلى هذا
ذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد، ولأصحاب الشافعي فيه ثلاثة أوجه: أحدها: مثل الجماعة،
الثاني: لا تدخل الكراهة حتى يصلي سنة الفجر، الثالث: لا تدخل الكراهة حتى يصلي
الصبح، وقال النووي: وهو الصحيح، والله تعالى أعلم.
١٦ - بابٌ بَيْنَ كُلّ أَذَانَيْنِ صلاةٌ لِمَنْ شاءَ
أي: هذا باب بيان أن بين كل أذانين صلاة، وقد قلنا: إن المراد من الأذانين الأذان
والإقامة بطريق التغليب، كالعمرين والقمرين ونحوهما، لا يقال: هذا الباب تكرار لأنه ذكر
قبل هذا الباب، لأنا نقول: إنه قد ذكر هناك ببعض ما دل عليه لفظ حديث الباب، وهنا ذكر
بلفظ الحديث، وأيضاً لما كان بعض اختلاف في رواة الحديث وفي متنه ذكره بترجمتين
بحسب ذلك.
٢٣ /٦٢٧ - حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يَزِيدَ قال حدّثنا كَهْمَسُ عنْ عَبْدِ الله بنِ بُرَيْدَةً عَنْ
عَبْدِ الله بنِ مُغَفَّلٍ قال قال النبيُّ عَّهِ بَيْنَ كُلّ أَذَانَيْنِ صلاةٌ بَيْنَ كُلّ أَذَانَيْنِ صَلاةٌ ثُمَّ قال
في الثَّالِئَةِ لِمَنْ شاءَ. [انظر الحديث ٦٢٤].
مطابقته للترجمة لفظه كما ذكرنا، وعبد الله بن يزيد هو أبو عبد الرحمن المقري مولى
آل عمر البصري، ثم المكي، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين، روى عنه البخاري، وروى عن
علي بن المديني عنه في الأحكام، وعن محمد غير منسوب عنه في البيوع، وروى عنه
مسلم بواسطة. وكهمس، بفتح الكاف وسكون الهاء وفتح الميم وبالسين المهملة: ابن
الحسن مكبر النمري، بفتح النون والميم: القيسي، مات سنة تسع وأربعين ومائة، وباقي الرواة
وما يتعلق بالحديث قد ذكرناه.
فإن قلت: ما الفرق بين عبارة حديث ذاك الباب وعبارة حديث هذا الباب؟ قلت:
الحديث الذي هنا يفسر ذاك الحديث، والأحاديث يفسر بعضها بعضاً. وقوله هناك: ثلاثاً،
من لفظ الراوي أي: قالها ثلاث مرات، وبين ذلك رواية النسائي: ((بين كل أذانين صلاة، بين
كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة)). وقال الكرماني: فإن قلت: ما التوفيق بينه حيث قيد

٢٠٨
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (١٧)
الثالثة بقوله: لمن شاء، وبين المطلق الذي ثمة؟ قلت: هذا في المرتين الأوليين مطلق، وذاك
مقيد بقوله: ((لمن شاء)) في المرات، والمطلق يحمل على المقيد عند الأصوليين، وأيضاً
ثمة نقل الزيادة في الأوليين، وزيادة الثقة مقبولة عند المحدثين. قلت: مشيئة الصلاة مرادة
بين كل أذانين على أي وجه كان، ألا ترى أن عند الترمذي قالها مرة، وقال في الرابعة لمن
شاء؟ وعند أبي داود قالها مرتين وعند البخاري ثلاثاً وعند النسائي ثلاث مرات مكررة بغير
لفظ العدد؟ والله تعالى أعلم.
١٧ - بابُ مَنْ قَال لِيُؤَذِّن في السَّفَرِ مُؤَذِّنٌ واحِدٌ
أي: هذا باب في بيان قول: من قال ... إلى آخره،. وكأنه أشار بهذه الترجمة إلى أن
واحداً من المسافرين إذا أذن يكفي ولا يحتاج إلى أذان البقية، لأنه ربما كان يتخيل أنه لا
يكفي الأذان إلاَّ من جميعهم، لأن حديث الباب يدل ظاهراً أن الأذان في السفر لا يتكرر،
سواء كان في الصبح أو في غيره.
٢٤/ ٦٢٨ - حدّثنا مُعَلَّى بنُ أَسَدٍ قال حدّثنا وُهَيْبٌ عنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ عنْ
مالِكِ بنِ الحُوَيْرِثِ قَالَ أتَيْتُ النبيَّ عَّلَّهِ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِي فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةٌ وكانَ
رَحِيماً رَفيقاً فَلَمَّا رَأَى شَوْقَنَا إِلَى أَهَالِينَا قال ارْجِعُوا فكِونُوا فِيهِمْ وعَلِّمُوهُمْ وصَلوا فإِذَا
حَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أحَدُكُمْ وَلْيَؤُمُّكُمْ أَكْبَرُكُمْ. [الحديث ٦٢٨ - أطرافه في:
٦٣٠، ٦٣١، ٦٥٨، ٦٨٥، ٨١٩، ٢٨٤٨، ٦٠٠٨، ٧٢٤٦].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فليؤذن لكم أحدكم)).
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: معلى بن أسد، بضم الميم وفتح العين المهملة
وتشديد اللام المفتوحة: أبو الهيثم البصري العمري، أخو بهز بن أسد، مات بالبصرة في شهر
رمضان سنة ثمان عشرة ومائتين. الثاني: وهيب، مصغر وهب، ابن خالد البصري الكرابيسي،
وقد تقدم. الثالث: أيوب السختياني، وقد تقدم غير مرة. الرابع: أبو قلابة، بكسر القاف: عبد
الله بن زيد. الخامس: مالك بن الحويرث، مصغر الحارث، بالثاء المثلثة: ابن أشيم الليثي.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة
مواضع. وفيه: القول في موضعين. وفيه: أن رواته كلهم بصريون. وفيه: رواية التابعي عن
التابعي على قول من قال: إن أيوب رأى أنس بن مالك.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الصلاة عن سليمان
ابن حرب، وفي خبر الواحد عن محمد بن المثنى، وفي الأدب عن مسدد، وفي الصلاة أيضاً
عن محمد بن يوسف، وفيه وفي الجهاد عن أحمد بن يونس. وأخرجه مسلم في الصلاة
أيضاً عن زهير بن حرب، وعن أبي الربيع الزهراني، وخلف بن هشام، وعن إسحاق بن
إبراهيم وعن أبي سعيد الأشبح. وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد. وأخرجه الترمذي فيه عن
محمود بن غيلان. وأخرجه النسائي فيه عن حاجب بن الوليد وعن زياد بن أيوب وعن

٢٠٩
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (١٧)
علي بن حجر. وأخرجه ابن ماجة فيه عن بشر بن هلال الصواف.
ذكر معناه: قوله: ((في نفر))، بفتح الفاء: عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة، والنفير مثله
ولا واحد له من لفظه، وسموا بذلك لأنهم إذا حزبهم أمر اجتمعوا ثم نفروا إلى عدوهم. وفي
(الواعي): ولا يقولون عشرون نفراً ولا ثلاثون نفراً. قوله: ((من قومي)) هم: بنو ليث بن بكر
ابن عبد مناف بن كنانة. قوله: ((فأقمنا عنده)) أي: عند النبي عَّلهُ. ((عشرين ليلة)): المراد
بأيامها، بدليل الرواية الثانية في الباب: ((بعد عشرين يوماً وليلة)). قوله: ((وكان)) أي: النبي،
عَِّ. قوله: ((رحيماً) بمعنى: ذا رحمة وشفقة ورقة قلب. قوله: ((رقيقاً))، بقافين في رواية
الأصيلي، قيل: والكشميهني أيضاً، ومعناه: كان رقيق القلب، وفي رواية غيرهما: ((رفيقاً)
بالفاء أولاً ثم بالقاف، من: الرفق. وقال النووي: رواية البخاري بوجهين: بالقافين وبالفاء
والقاف، ورواية مسلم بالقافين خاصة. وقال ابن قرقول: رواية القابسي بالفاء، والأصيلي وأبي
الهيثم بالقاف.
قوله: ((إلى أهلينا))، هو جمع أهل، والأهل من النوادر حيث يجمع مكسراً نحو:
الأهالي، ومصححاً بالواو والنون نحو: الأهلون، وبالألف والتاء نحو: الأهلات. قوله:
((ارجعوا) من الرجوع لا من الرجع. قوله: ((وصلوا)) زاد في رواية إسماعيل بن علية عن
أيوب: ((كما رأيتموني أصلي)). قوله: ((فإذا حضرت الصلاة)) يعني: إذا حان وقتها. قوله:
((فليؤذن لكم أحدكم)). فإن قلت: في الرواية الآتية في الباب الذي يليه في حديث مالك بن
الحويرث أيضاً: ((إذا أنتما خرجتما فأذنا ثم أقيما))، وبينهما تعارض ظاهر؟ قلت: قيل معناه:
من أحب منكما أن يؤذن فليؤذن، وذلك لاستوائهما في الفضل، وفيه نظر. وقال الكرماني:
قد يقال: فلان قتله بنو تميم، مع أن القاتل واحد منهم، وكذا في الإنشاء يقال: يا تميم اقتلوه.
قلت: حاصله أن التثنية تذكر ويراد به الواحد، مثل قوله:
قفا نبكِ
ومراده الخطاب للواحد، وكذلك يأتي في الجمع، وقال التيمي: المراد من قوله: أذنا
الفضل وإلاّ فأذان الواحد یجزىء.
ذكر اختلاف الفاظ هذا الحديث: الرواية ههنا: ((أتيت النبي ◌ٍَّ في نفر من
قومي))، وعن خالد بن أبي قلابة في باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة: ((أتى رجلان
النبي عَّ يريدان السفر، إذا أنتما خرجتما فأذنا ثم أقيما ثم ليؤمكما أكبركما)). وفي: باب:
الإثنان فما فوقهما جماعة: ((إذا حضرت الصلاة فأذنا ... )) الحديث. وفي باب: إذا استووا في
القراءة: ((فليؤمهم أكبرهم))، قدمنا على النبي عَّله ونحن شبيبة متقاربون، وفيه: ((لو رجعتم إلى
بلادكم فعلمتموهم فليصلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا. وفي إجازة
خبر الواحد: ((فلما ظن أنا قد اشتقنا إلى أهلنا سألنا عمن تركنا بعدنا، فأخبرناه، فقال: ارجعوا
إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم، ومروهم ... وذكر أشياء أحفظها - أو لا أحفظها - وصلوا
عمدة القاري / ج٥ / م١٤

٢١٠
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (١٨)
كما رأيتموني أصلي ... )) الحديث. وفي باب رحمة الناس والبهائم، نحوه. وعند أبي داود:
((كنا يومئذ متقاربين في العلم)). وفي رواية لأبي قلابة: «فأين القران؟ قال: إنهما كانا
متقاربين)). وفي رواية ابن حزم: ((متقارنين))، بالنون في الموضعين، من: المقارنة. يقال: فلان
قرين فلان، إذا كان قرينه في السن، وكذا إذا كان في العلم. وقال القرطبي: يحتمل أن
تكون هذه الألفاظ المتعددة كانت منه في وفادتين أو في وفادة واحدة، غير أن النقل تكرر
منه، ومن النبي
ذكر ما يستفاد منه: فيه: الأمر بأذان للجماعة، وهو عام للمسافر وغيره، وكافة العلماء
على استحباب الأذان للمسافر، إلا عطاء فإنه قال: إذا لم يؤذن ولم يقم أعاد الصلاة، وإلاّ
مجاهداً فإنه قال: إذا نسي الإقامة أعاد، وأخذا بظاهر الأمر، وهو: أذنا وأقيما. وقيل: الإجماع
صارف عن الوجوب، وفيه نظر، وحكى الطبري عن مالك أنه: يعيد إذا ترك الأذان، ومشهور
مذهبه الاستحباب. وفي (المختصر) عن مالك: ولا أذان على مسافر، وإنما الأذان على من
يجتمع إليه لتأذينه، وبوجوبه على المسافر قال داود. قالت طائفة: هو مخير، إن شاء أذن
وأقام، وروي ذلك عن علي، رضي الله تعالى عنه، وهو قول عروة والثوري والنخعي. وقالت
طائفة: تجزيه الإقامة، روي ذلك عن مكحول والحسن والقاسم، وكان ابن عمر يقيم في
السفر لكل صلاة إلاَّ الصبح فإنه كان يؤذن لها ويقيم. وقال قاضيخان: من أصحابنا رجل
صلى في سفر - أو في بيته - بغير أذان وإقامة يكره. قال: فالكراهة مقصورة على المسافر،
ومن صلى في بيته فالأفضل له أن يؤذن ويقيم ليكون على هيئة الجماعة، ولهذا كان الجهر
بالقراءة في حقه أفضل. وقال القرطبي في قوله: ((ثم ليؤمكما أكبركما)) يدل على تساويهما
في شروط الإمامة، ورجح أحدهما بالسن. قلت: لأن هؤلاء كانوا مستورين في باقي
الخصال، لأنهم هاجروا جميعاً، وأسلموا جميعاً وصحبوا رسول الله عَ ليه ولازموه عشرين
ليلة، فاستووا في الأخذ عنه. فلم بيق ما يقدم به إلاَّ السن.
وفيه: حجة لأصحابنا في تفضيل الإمامة على الأذان لأنه معَّ ◌َّم قال: ((ليؤمكما
أكبر كما)) خص الإمامة بالأكبر.
وفيه: دليل على أن الجماعة تصح یامام ومأموم، وهو إجماع المسلمين.
وفيه: الحض على المحافظة على الأذان في الحضر والسفر.
وفيه: أن الأذان والجماعة مشروعان على المسافرين.
١٨ - بابُ الأَذَانِ للْمُسَافِرِينَ إِذَا كَانُوا جَمَاعَةً وَالإِقَامَةِ
أي: هذا باب في بيان حكم الأذان للمسافرين، وأشار بهذه الترجمة إلى أن للمسافر
أن يؤذن. وقوله: إذا كانوا جماعة. هو مقتضى أحاديث الباب، ولكن ليس فيها ما يمنع أذان
المنفرد. وقوله: ((للمسافرين))، بلفظ الجمع هو رواية الكشميهني، وهو مناسب لقوله: ((إذا
كانوا جماعة))، وفي رواية الباقين: ((للمسافر))، بلفظ الإفراد، فيؤول على أن تكون الألف

٢١١
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (١٨)
واللام فيه للجنس، وفيه معنى الجمع فحصلت المناسبة من هذا الوجه. قوله: ((والإقامة))،
بالجر عطفاً على الأذان.
وَكَذَلِكَ بِعَرَفَةَ وَجَمْعٍ
أي: وكذلك الأذان والإقامة بعرفة وجمع، بفتح الجيم وسكون الميم: وهو المزدلفة،
سميت بجمع لاجتماع الناس فيها ليلة العيد. وأما عرفة فإنها تطلق على الزمان، وهو التاسع
من ذي الحجة، وعلى المكان وهو الموضع المعروف الذي يقف فيه الحجاج يوم عرفة،
ولم يذكر في: جمع، حديثاً، فكأنه اكتفى بحديث ابن مسعود الذي ذكره في كتاب
الجمع، وفيه: أنه صلى المغرب بأذان إقامة، والعشاء بأذان وإقامة، ثم قال: رأيت رسول الله
عَِّ يفعله، وكذلك لم يذكر في عرفة شيئاً، وقد روى جابر في حديث طويل أخرجه مسلم،
وفيه: ((أن بلالاً أذن وأقام لما جمع النبي عَّهِ بين الظهر والعصر يوم عرفة)).
وَقَوْلِ المُؤَذِّنِ الصَّلاَةُ فِي الرَّحَالِ فِي اللَّيْلَةِ البَارِدَةِ أَوْ المَطِيرَةِ
وقول: مجرور أيضاً عطفاً على قوله: ((والإقامة))، وإلى هنا كله من الترجمة. قوله:
((الصلاة))، بالنصب أي: أدوها، ويروى بالرفع على أنه مبتدأ وخبره قوله: ((في الرحال))،
تقديره: الصلاة تصلى في الرحال. وهو جمع: رحل، ورحل الشخص: منزله. قوله: ((أو
المطيرة)) بفتح الميم، على وزن: فعيلة، بمعنى: الماطرة. وإسناد المطر إلى الليلة بالمجاز، إذ
الليل ظرف له لا فاعل، وللعلماء في: أنبت الربيع البقل، أقوال أربعة: مجاز في الإسناد، أو
في أنبت، أو في الربيع، وسماه السكاكي: استعارة بالكناية، أو المجموع مجاز عن
المقصود، وذكر الإمام الرازي أن المجاز العقلي، وإنما لم يجعل المطيرة بمعنى الممطور فيها
لأن فعيلة إنما تجعل بمعنى مفعولة إذا لم يذكر موصوفها معها، وههنا الليلة موصوفها مذكور،
فلذلك دخلها تاء التأنيث، وعند عدم ذلك لا تدخل فيها تاء التأنيث.
٦٢٩/٢٥ - حدّثنا مُسْلِمُ بنُ إبرَاهِيمَ قال حدّثنا شُعْبَةُ عنِ المُهَاجِرِ بنِ أبي الحَسَنِ
عِنْ زَيْدِ بنِ وَهَبٍ عنْ أبي ذرّ قال كُنَّ مَعَ النَّبِيّ ◌َلَّهِ فِي سَفَرٍ فَأَرَادَ المُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ فقال
لَهُ أَبْرِدْ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فقال لهُ أَبْرِدْ حَتَّى ساوَى الظّلُّ التُّلُوَلَ فقال النبيُّ عَ لِ إِنَّ شِدَّةَ
الحَرّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ. [انظر الحديث ٥٣٥ وطرفيه].
مطابقته للترجمة من حيث إن المؤذن أراد أن يؤذن فأمره النبي ګ بالإبراد ثلاث
مرات، ولم يتعرض إلى ترك الأذان، فدل على أنه أذن بعد الإبراد الموصوف، وأقام، وأنه
عَبيه مع الصحابة كانوا في سفر، فطابق الحديث الترجمة من هذه الحيثية. فإن قلت: لا دلالة
هنا على الإقامة، والترجمة مشتملة على الأذان والإقامة معاً؟ قلت: المقصود هو الدلالة في
الجملة، ولا يلزم الدلالة صريحاً على كل جزء من الترجمة، ومن لا يترك الأذان في السفر مع
كونه مظنة التخفيف لا يترك الإقامة التي هي أخف من الأذان، وهذا الحديث بعينه ولفظه قد

٢١٢
١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (١٨)
مر في: باب الإبراد بالظهر في شدة الحر، وفي الباب الذي يليه: باب الإبراد مع الظهر في
السفر، مع اختلاف يسير في الرواة والمتن، فإنه في الكل عن شعبة ... إلى آخره، غير أن
شيخه في الأول: عن محمد بن بشار عن غندر عن شعبة، وفي الثاني: عن آدم عن شعبة
وههنا، كما رأيت: عن مسلم بن ابراهيم عن شعبة، ومسلم الأزدي الفراهيدي القصاب
البصري من أفراد البخاري.
قوله: ((ساوى))، أي: صار الظل مساوياً التل. أي: مثله. وقال الكرماني: فإن قلت:
فحينئذ يكون أول وقت العصر عند الشافعية، ولا يجوز تأخير االظهر إليه؟ قلت: لا نسلم، إذ
ليس وقت الظهر مجرد كون الظل مثله، بل هو بعد الفيء وظل المثل كليهما. قلت: أول
وقت العصر عند صيرورة ظل كل شيء مثليه، وبين مساواة الظل المثل، وكون ظل كل شيء
مثلیه آنات عديدة.
٦٣٠/٢٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قال حدّثنا سُفْيَانُ عَنْ خالِدِ الحَذَّاءِ عنْ أبي
قِلاَبَةَ عَنْ مالِكِ بنِ الحُوَيْرِثِ قَال أَتَى رَجُلاَنِ النَّبِيَّ عَّ ◌ُلَّه يُرِيدانِ السَّفَرَ فقال النبيُّ عَ لّ إذَا
أَنْتُمَا خَرَجْتُمَا فَأَذِّنَا ثُمَّ أَقِيمَا ثُمَّ لِيَؤُمُّكُمَا أَكْبَرُكُمَا. [انظر الحديث ٦٢٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. فإن قلت: الترجمة لجمع المسافرين، والحديث للتثنية؟ قلت:
للتثنية حكم الجمع، وفيه الأذان والإقامة صريحان، وقد مر الكلام فيه في الباب السابق،
ومحمد بن يوسف هو الفريابي، وسفيان هو الثوري. فإن قلت: قد روى البخاري أيضاً عن
محمد بن يوسف عن سفيان بن عيينة، فمن أين إن سفيان هنا هو الثوري؟ قلت: لأن الذي
يروي عن ابن عيينة هو محمد بن يوسف البيكندي، وليست له رواية عن الثوري. فإن قلت:
الفريابي يروي أيضاً عن ابن عيينة؟ قلت: نعم، ولكن إذا أطلق سفيان فالمراد به الثوري، وأما
إذا روى عن ابن عيينة فإنه يبينه.
قوله: ((رجلان))، هما: مالك بن الحويرث ورفيقه، ولفظ البخاري في: باب سفر
الإثنين من كتاب الجهاد: ((انصرفت من عند النبي عٍَّ، أنا وصاحب لي)). قوله: ((فأذنا))، قد
قلنا في الباب الماضي: إن المراد به أحدهما، لأن الواحد قد يخاطب بصيغة التثنية، كما
ذكرنا هناك، ويدل على هذا ما رواه الطبراني من طريق حماد بن سلمة عن خالد الحذاء في
هذا الحديث: (إذا كنت مع صاحبك فأذن وأقم وليؤمكما أكبر كما)). وقال ابن القصار: أراد
به الفضل، وإلاَّ فأذان الواحد يجزىء. قلت: نظر هو إلى ظاهر اللفظ، وليس ظاهر اللفظ
بمراد، لأن المنقول عن السلف خلاف ذلك، وإن اراد أن يؤذن كل واحد، فليس كذلك
أيضاًفإن أذان الواحد يكفي الجماعة. قوله: ((ثم ليؤمكما أكبركما)) قال القرطبي: يدل على
تساويهما في شروط الإقامة، ورجح أحدهما بالسن، وقال ابن بزيزة: يجوز أن يكون أشار إلى
كبر الفضل والعلم.
٦٣١/٢٧ - حدثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قال حدّثنا عَبْدُ الوَهَّابِ قال حدّثنا أَيُّوبُ عَنْ

٢١٣
١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (١٨)
أبي قِلاَبَةً قال حدّثنا مالِكٌ قال أَتَيْنَا إِلى النَّبِيِّ عَ لِّ ونَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ
يَوْماً وَلَيْلَةً وَكَانَ رَسُولُ اللهِ عَّلِ رَحِيمَاً رَفِيقاً فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَهَيْنَا أَهْلَنَا أَوْ قَدِ اشْتَقْنَا سألَنَا
عَمِنْ تَرِكْنَا بَعْدَنَا فَأَخْبَرْنَاهُ قال ازْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وعَلِّمُوهُمْ ومُرُوهُمْ وذَكَرَ
أشْيَاءَ أخْفَظُها أو لا أخْفَظُهَا وَصَلُّوا كِمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي فَإذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَلْيُؤَذِّنْ
لَكُمْ أحَدُكُمْ وَلْيُؤُمُّكُمْ أَكْبَرُكُمْ. [انظر الحديث ٦٢٨ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، والكلام في أكثر الحديث قد مضى في الباب السابق، وعبد
الوهاب بن عبد المجيد البصري وأيوب هو السختياني، وأبو قلابة عبد الله بن زيد، ومالك
هو: ابن الحويرث. قوله: ((شببة))، على وزن: فعلة بتحريك العين وهو جمع: شاب،
((ومتقاربون))، صفته أي: في السن. قوله: ((سألنا)) بفتح اللام، قوله: ((أو قد اشتقنا)) شك من
الراوي، ويروى ((وقد اشتقنا)) بواو العطف بغير شك. قوله: ((إلى أهليكم))، ويروى: ((إلى
أهاليكم)). قوله: ((أو لا أحفظها)) شك من الراوي.
٦٣٢/٢٨ - حدثنا مُسَدَّدٌ قال أخبرنا يحيى عنْ عُبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ قال حدَّثني نافِعٌ
قال أذَّنَ ابنُ عُمَرَ فِي لَيْلَةٍ بارِدَةٍ بِضَجْنَانَ ثُمَّ قال صَلِوا في رِحَالِكُمْ فَأَخْبَرَنا أَنَّ رسولَ الله
عَِّ كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّناً يُؤَذِّنُ ثُمَّ يَقُولُ على إِثْرِهِ أَلاَ صَلُّوا في الرِّحَالِ فِي اللَّيْلَةِ البَّارِدَةِ أوِ
المَطِيرَةِ في السَّفَرِ. [الحديث ٦٣٢ - طرفه في: ٦٦٦].
مطابقته للترجمة التي هي: ((وقول المؤذن الصلاة في الرحال ... )) إلى آخره، ظاهرة،
لأن ابن عمر هذا هو الذي أذن، ثم قال: صلوا في رحالكم. قوله: ((حدّثنا يحيى)) هو
القطان. قوله: ((بضجنان))، بفتح الضاد المعجمة وسكون الجيم وبعدها نون وبعد الألف نون
أخرى: وهو جبل على بريد من مكة، وقال الزمخشري: بينه وبين مكة خمسة وعشرون ميلاً،
وبينه وبين مر تسعة أميال. وقال أبو عبيدة: ويدلك أن بين ضجنان وقديد ليلة، قول معبد
الخزاعي:
تهوي على دين أبيها الأتلد
قد نفرت من رفقتي محمد
وماء ضجنان لنا ضحى الغد
قد جعلت ماء قديد موعدي
وهو على وزن: فعلان، غير منصرف. قوله: ((وأخبرنا)) عطف على قوله: أذن، قوله:
((ثم يقول)) عطف على قوله: ((يؤذن)). قوله: ((على إثره))، بكسر الهمزة وسكون الثاء المثلثة
وفتحها: ما بقي من رسم الشيء. قوله: ((في الليلة الباردة))، ظرف لقوله: ((كان يأمر)) وقوله:
((ثم يقول)) يشعر بأن القول به كان بعد الأذان. فإن قلت: قد تقدم في باب الكلام في الأذان
أنه كان في أثناء الأذان؟ قلت: يجوز كلاهما، وهو نص الشافعي أيضاً في (الأم). ولكن
الأولى أن يقال: بعد الأذان. وقوله: ((أَلاَ)) كلمة تنبيه وتحضيض، وقد مر تفسير ((المطيرة))
وكلمة: أو، فيه للتنويع لا للشك. وفي (صحيح أبي عوانة): ليلة باردة أو ذات مطر أو ذات
ريح. وهذا يدل على أن كل واحد من هذه الثلاثة عذر في التأخر عن الجماعة. ونقل ابن

٢١٤
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (١٩)
بطال فيه الإجماع، لكن المعروف عند الشافعية أن الريح عذر في الليل فقط. وظاهر
الحديث اختصاص الثلاثة بالليل، ولكن جاء في (السنن) من طريق ابن إسحاق عن نافع في
هذا الحديث: ((في الليلة المطيرة والغداة القرة)).
٦٣٣/٢٩ - حدّثنا إسْحَاقُ قال أخبرنا جَعْفَرُ بنُ عَوْنٍ قال حدّثنا أبو العُمَيْسِ عنْ
عون بنِ أبي مُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ قال رَأَيْتُ رسولَ الله عَ لَّهِ بِالأَبْطَحِ فَجَاءَهُ بِلاَّلٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلاَةِ
ثُمَّ خَرَجَ بِلالٌ بِالْعَنَزَةِ حَتَّى رَكَزَهَا بَيْنَ يَدَيْ رسولِ اللهِ عَّهِ بِالْأَبْطَحِ وأَقَامَ الصَّلاَةَ. [انظر
الحديث ١٨٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة، لأن فيه الأذان والإقامة والنبي عَّ له مع أصحابه في السفر.
والحديث قد مر في: باب سترة الإمام سترة لمن خلفه، وقد ذكرنا هناك أنه أخرجه في
مواضع من كتاب الطهارة وكتاب الصلاة. قوله: ((إسحاق)) وقع في رواية أبي الوقت أنه
إسحاق بن منصور، وبذلك جزم خلف في الأطهار، وتردد الكلاباذي: هل هو ابن إبراهيم أو
ابن منصور؟ ورجح الجياني أنه ابن منصور، واستدل على ذلك بأن مسلماً أخرج هذا
الحديث بهذا الإسناد عن إسحاق بن منصور. قلت: فيه نظر لا يخفى، وأبو العميس، بضم
العين المهملة وفتح الميم وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره سين مهملة، وأبو جحيفة،
بضم الجيم وفتح الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الفاء، واسمه: وهب بن
عبد الله السوائي. قوله: ((بالأبطح)) وهو موضع معروف خارج مكة، ((والعنزة))، بفتح النون
أطول من العصا، وقد مر الكلام فيه وفي غيره مستوفىّ.
١٩ - بابٌ هَلْ يُتْعُ المُؤَذِّنُ فاهُ هَهنا وهَهُنَا وَهَلْ يَلْتَفِتُ فِي الأَذَانِ
أي: هذا باب يذكر فيه: هل يتبع المؤذن ... إلى آخره. قوله: ((يتبع))، بضم الياء آخر
الحروف وإسكان التاء المثناة من فوق وكسر الباء الموحدة: من الإتباع، وهو رواية الأصيلي،
و: المؤذن، مرفوع لأنه فاعل: يتبع، و: فاه، منصوب على أنه مفعول. وفي رواية غيره: يتتبع،
بفتح الياء وبالتائين المثناتين من فوق والباء الموحدة المفتوحة، من: التتبع من باب: التفعل.
وقد تكلف الكرماني وقال: لفظ: المؤذن، بالنصب موافق لقوله: ((فجعلت أتتبع فاه)). فإن
قلت: ما فاعله؟ قلت: الشخص. فإن قلت: فما وجه نصب فاه؟ قلت: بدل عن المؤذن.
انتهى. قلت: الموافقة التي ذكرها ليست بلازمة، فجعل غير اللازم لازماً تعسف. قوله: ((ههنا
وههنا)) يعني يميناً وشمالاً، وهما ظرفا مكان. وفي (صحيح مسلم) من حديث أبي جحيفة:
((فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا، يقول يميناً وشمالاً: حي على الصلاة حي على الفلاح)). وعند
أبي داود: ((فلما بلغ: حي على الصلاة حي على الفلاح، لوى عنقه يميناً وشمالاً ولم يستدر)).
وعند النسائي: ((فجعل يقول في أذانه هكذا، ينحرف يميناً وشمالاً)). وعند الطبراني: ((فجعل
يقول برأسه هكذا وهكذا يميناً وشمالاً حتى فرغ من أذانه)). وعند الترمذي مصححاً، من
حديث عبد الرزاق: حدّثنا سفيان عن عون عن أبيه. قال: ((رأيت بلالاً يؤذن ويدور ويتتبع فاه

٢١٥
١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (١٩)
يميناً وشمالاً، ههنا وههنا)). وفي رواية أبي عوانة في (صحيحه): ((فجعل يتبع بفيه يميناً
وشمالاً)). وفي رواية وكيع عن سفيان عند الإسماعيلي: ((رأيت بلالاً يؤذن يتتبع بفيه)).
ووصف سفيان يميل برأسه يميناً وشمالاً، والحاصل أن بلالاً كان يتتبع بفيه الناحيتين، وكان
أبو جحيفة ينظر إليه، فكل منهما متتبع باعتبار.
قوله: ((وهل يلتفت)) أي: هل يلتفت المؤذن في الأذان؟ نعم يلتفت، يدل عليه رواية
الإسماعيلي المذكورة، ورواية أبي داود أيضاً تدل عليه، والمراد من الالتفات أن يلوي عنقه
ولا يحول صدره عن القبلة، ولا يزيل قدميه عن مكانهما، وسواء المنارة وغيرها، وبه قال
الثوري والأوزاعي وأبو ثور وأحمد في رواية: وقال ابن سيرين: يكره الالتفات، وهو قول
مالك، إلاَّ أن يريد إسماع الناس. وقال صاحب (التوضيح) من الشافعية: الالتفات في الحيعلتين
سنة ليعم الناس بإسماعه، وخص بذلك لأنه دعاء، وفي وجه: يلتفت يميناً وشمالاً فيحيعل، ثم
يستقبل ثم يلتفت فيحيعل، وكذلك الشمال. قال: ويلتفت في الإقامة أيضاً على الأصح، ثم
ذكر أبو داود في روايه، ولم يستدر، وتمامه: قال: حدّثنا موسى بن إسماعيل حدّثنا قيس -
يعني ابن الربيع - وحدّثنا محمد بن سليمان الأنباري حدّثنا وكيع عن سفيان جميعاً عن عون
ابن أبي جحيفة عن أبيه، قال: ((أتيت النبي عَّه بمكة وهو في قبة حمراء من أدم، فخرج بلال
فأذن، فكنت أتتبع فمه ههنا وههنا، قال: ثم خرج النبي عَِّ، وعليه حلة حمراء برود يمانية
قطري))، وقال موسى: قال: ((رأيت بلالاً خرج إلى الأبطح فأذن، فلما بلغ: حي على الصلاة
حي على الفلاح، لوى عنقه يميناً وشمالاً ولم يستدر، ثم دخل فأخرج العنزة)). وساق حديثه.
وأخرج الترمذي مصححاً من حديث عبد الرزاق: حدّثنا سفيان عن عون عن أبيه، قال:
((رأيت بلالاً يؤذن ويدور ويتتبع فاه ههنا وههنا)). وفي رواية ابن ماجة، قال: ((أتيت النبي عَّم.
بالأبطح وهو في قبة حمراء، فخرج بلال فأذن فاستدار في أذانه وجعل إصبعيه في أذنيه)).
واعترض البيهقي، فقال: الاستدارة في الأذان ليست في الطرق الصحيحة في حديث أبي
جحيفة، ونحن نتوهم أن سفيان رواه عن الحجاج بن أرطأة عن عون، والحجاج غير محتج
به، وعبد الرزاق وهم في إدراجه ثم أسند عن عبد الله بن محمد بن الوليد عن سفيان به،
وليس فيه الاستدارة. وقد رويناه من حديث قيس بن الربيع عن عون، وفيه: ((ولم يستدر))،
وقال الشيخ في الإمام: أما كونه غير مخرج في الصحيح فليس بلازم، وقد صححه الترمذي
وهو من أئمة الشان. وأما عبد الرزاق وهم فيه فقد تابعه مؤمل، كما أخرجه أبو عوانة في
(صحيحه) عن مؤمل عن سفيان به نحوه، وتابعه أيضاً عبد الرحمن بن مهدي أخرجه أبو نعيم
في (مستخرجه) على كتاب البخاري، وقد جاءت الاستدارة من غير جهة الحجاج، أخرجه
الطبراني عن زياد بن عبد الله عن إدريس الأزدي عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه، قال: ((بینا
رسول الله، عَّهِ، وحضرت الصلاة، فقام بلال فأذن وجعل إصبعيه في أذنيه، وجعل يستدير
يميناً وشمالاً)). وفي (سنن الدارقطني) من حديث كامل بن أبي العلاء: عن أبي صالح عن أبي
هريرة: أمر أبو محذورة أن يستدير في أذانه.

٢١٦
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (١٩)
ويُذْكَرُ عَنْ بِلاَلٍ أَنَّهُ جَعَلَ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ
ذكر هذا التعليق بصيغة التمريض، وقد ذكرنا الآن عن ابن ماجة حديثه، وفيه جعل -
يعني بلال - إصبعيه في أذنيه. وكذا في رواية الطبراني المذكورة الآن. وفي كتاب أبي
الشيخ، من حديث عبد الرحمن بن سعد بن عمار: حدثني أبي عن أبيه عن جده: ((أن رسول
الله عَّل أمر بلالاً أن يجعل إصبعيه في أذنيه)). ومن حديث ابن كاسب: حدّثنا عبد الرحمن
ابن سعد عن عبد الرحمن بن محمد وعمير وعمار ابني حفص عن آبائهم عن أجدادهم عن
بلال: ((أن النبي عَّلّه قال: إذا أذنت فاجعل إصبعيك في أذنيك، فإنه أرفع لصوتك)). وذكر
ابن المنذر في كتاب (الأشراف): أن أبا محذورة ((جعل إصبعيه في أذنيه)) زاد في (شرح
الهداية): ضم أصابعه الأربع ووضعها على أذنيه، وفي (المصنف) لابن أبي شيبة: عن ابن
سيرين أنه كان إذا أذن استقبل القبلة وأرسل يديه، فإذا بلغ: الصلاة والفلاح، أدخل إصبعيه في
أذنيه، وفي الصلاة لأبي نعيم عن سهل بن سعد، قال: ((من السنة أن تدخل إصبعيك في
أذنيك)). وكان سويد بن غفلة يفعله، وكذا ابن جبير، وأمر به الشعبي وشريك. قال ابن
المنذر: وبه قال الحسن، وأحمد وإسحاق وأبو حنيفة ومحمد بن سيرين، قال مالك: ذلك
واسع. وقال الترمذي: عليه العمل عند أهل العلم في الأذان. وقال بعض أهل العلم: وفي
الإقامة أيضاً، وهو قول الأوزاعي. وقال ابن بطال: وهو مباح عند العلماء، وروى أبو يوسف
عن أبي حنيفة، رضي الله تعالى عنه: إن جعل إحدى يديه على أذنيه فحسن، وبه قال
أحمد. قوله: ((جعل إصبعيه في أذنيه)) مجاز عن الأنملة من باب إطلاق الكل وإرادة الجزء،
والحكمة فيه أنه يعينه على رفع صوته، ولهذا قال في حديث ابن كاسب المذكور: ((فإنه
أرفع لصوتك)). ويقال: إنه ربما لا يسمع صوته من به صمم، فيستدل بوضع إصبعيه على أذنيه
على ذلك، ولم يبين في الحديث ما هي الإصبع، ونص النووي على أنها: المسبحة، ولو
كان في إحدى يديه علة جعل الإصبع الأخرى في صماخه، وصرح الروياني: أن ذلك لا
يستحب في الإقامة لفقد المعنى الذي علل به، وعن بعضهم: أنه يستحب في الإقامة أيضاً،
کما ذكرناه عن قريب.
وكان ابنُ عُمَرَ لاَ يَجْعَلُ إِصْبَعَيْهِ في أُذُنَيْهِ
ذكر هذا التعليق بصيغة التصحيح، فكأن ميله إليه. ورواه ابن أبي شيبة عن وكيع:
حدّثنا سفيان عن نسير قال: رأيت ابن عمر يؤذن على بعير، قال سفيان: فقلت له: رأيته
يجعل أصابعه في أذنيه؟ قال: لا. ونسير، بضم النون وفتح السين المهملة: ابن ذعلوق، بضم
الذال المعجمة وسكون العين المهملة وضم اللام وفي آخره قاف: أبو طعمة.
وقال إِبْرَاهِيمُ: لاَ بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّن عَلَى غَيْرٍ وُضُوءٍ
إبراهيم هو: النخعي، وروى هذا التعليق ابن أبي شيبة في (مصنفه): عن جرير عن

٢١٧
١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (١٩)
منصور عن إبراهيم أنه قال: لا بأس أن يؤذن على غير وضوء، ثم ينزل فيتوضأ. وحدّثنا وكيع
عن سفيان عن منصور عن إبراهيم: لا بأس أن يؤذن على غير وضوء. وعن قتادة وعبد
الرحمن بن الأسود وحماد: لا بأس أن يؤذن الرجل وهو على غير وضوء، وعن الحسن: لا
بأس أن يؤذن غير طاهر، ويقيم وهو طاهر. وقال صاحب (الهداية) من أصحابنا: وينبغي أن
يؤذن ويقيم على طهر، لأن الأذان والإقامة ذكر شريف، فيستحب فيه الطهارة، فإن أذن على
غير وضوء جاز، وبه قال الشافعي وأحمد وعامة أهل العلم، وعن مالك: أن الطهارة شرط في
الإقامة دون الأذان. وقال عطاء والأوزاعي وبعض الشافعية: تشترط فيهما. وقال أصحابنا:
ويكره أن يقيم على غير وضوء لما فيه من الفصل بين الإقامة والصلاة، بالاشتغال بأعمال
الوضوء. وعن الكرخي: لا تكره الإقامة بلا وضوء، وتكره عندنا أن يؤذن وهو جنب، وذكر
محمد في (الجامع الصغير): إذا أذن الجنب أحب إلي أن يعيد الأذان، وإن لم يعد أجزأه.
وقال صاحب (الهداية): الأشبه بالحق أن يعاد أذان الجنب، ولا تعاد الإقامة، لأن تكرار
الأذان مشروع في الجملة.
وقال عَطَاءٌ الوُضُوءُ حقٌّ وَسُنَّةٌ
أي: عطاء بن أبي رباح. قوله: ((وسنة)) أي: وسنة للشرع، وهذا التعليق وصله عبد
الرزاق عن ابن جريج، قال: قال لي عطاء: حق وسنة مسنونة أن لا يؤذن المؤذن إلاَّ متوضعاً،
هو من الصلاة، هو فاتحة الصلاة، وروى ابن أبي شيبة في (مصنفه): عن محمد بن عبد الله
الأسدي، عن معقل بن عبيد الله، عن عطاء أنه كره أن يؤذن الرجل وهو على غير وضوء،
وقد جاءت هذه اللفظة مرفوعة، وذكرها أبو الشيخ عن أبي عاصم: ((حدّثنا هشام بن عمار
حدّثنا الوليد بن مسلم عن معاوية عن يحيى عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة
أن النبي عَّهِ، قال: لا يؤذن إلا متوضىء)). وقال البيهقي: كذا رواه معاوية بن يحيى الصدفي
وهو ضعيف، والصحيح رواية يونس وغيره عن الزهري مرسلاً ولما ذكر الترمذي حديث
يونس قال: هذا أصح، يعني من الحديث المرفوع الذي عنده من حديث الزهري عن أبي
هريرة، وعند أبي الشيخ من حديث عبد الجبار بن وائل عن أبيه قال: حق وسنة مسنونة أن لا
يؤذن إلاّ وهو طاهر. وقاله علي بن عبد الله بن عباس، ورواه عن أبيه أيضاً مرفوعاً، وعند ابن
أبي شيبة أمر مجاهد مؤذنه أنه لا يؤذن حتى يتوضأ.
وقَالَتْ عَائِشَةُ كَانَ النِيُّ ◌َهِ يَذْكُرُ الله عَلَى كُلِّ أَخْيَانِهِ
هذا التعليق وصله مسلم من حديث عبد الله البهي عنها، وقال فيه الترمذي: حسن
غريب. فإن قلت: ذكر البخاري هنا عن بلال وابن عمر وإبراهيم وعطاء وعائشة، رضي الله
تعالى عنهم، فما وجه ذلك في هذا الباب، وليس في الترجمة ما يشتمل على شيء من
ذلك؟ قلت: إنه لما ترجم هذا الباب بما ترجم به، وذكر فيه الاستفهام في موضعين، ولم
يجزم بشيء فيهما لأجل الاختلاف الذي ذكرناه فيهما، أشار بالخلاف الذي بين بلال وابن

٢١٨
١٠ - كِتَابُ الأَذَّانِ / باب (٢٠)
عمر، رضي الله تعالى عنهم، إلى أن هذا الذي شاهد بلالاً حين يتبعه فاه، رآه بالضرورة أنه
جعل إصبعيه في أذنيه، والذي شاهد ابن عمر لم ير منه ذلك، فكان لذكر ذلك في هذا
الباب وجه من هذه الحيثية، ثم أشار بالخلاف الذي بين إبراهيم وعطاء: إلى أن هذا المؤذن
الذي يتبع فاه أو غيره يتبع فاه كيف حاله؟ أهو في الطهارة أم لا؟ وهو أيضاً وجه ما من هذه
الحيثية، فوجدت المناسبة في ذكر هذين الشيئين، وأدنى المناسبة كافٍ، لأن المقام إقناعي
غير برهان. وأما وجه ذكر ما روي عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، ههنا فهو لبيان عدم
صحة إلحاق الأذان بالصلاة، فإن منهم من شرط فيه الطهارة، وذكر أن حكمه مخالف
لحكم الصلاة، لأنه من جملة الأذكار، فلا تشترط فيه الطهارة كما لا تشترط في سائر
الأذكار، وأشار إلى ذلك بحديث عائشة المذكور، لأن قولها: ((على كل أحيانه)) متناول
لحين الحدث، وأشار بهذا أيضاً إلى أن قوله في ذلك هو مثل قول النخعي، وهو قول
أصحابنا أيضاً. كما ذكرناه.
٦٣٤/٣٠ - حدثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قال حدّثنا سُفْيَانُ عنْ عَوْنِ بنِ أبي مُحَيْفَةَ عنْ أَبِيهِ
أَنَّهُ رَأى بِلالاً يُؤَذِّنُ فَجَعَلْتُ أَتْتَكَعُ فَاهُ هَهُنَا وَهَهُنَا بِالأَذَانِ. [انظر الحديث ١٨٧ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم أربعة: محمد بن يوسف الفريابي، وسفيان الثوري، وعون، بفتح العين: ابن
أبي جحيفة، وأبوه أبو جحيفة، بضم الجيم: واسمه وهب بن عبد الله، وقد تقدموا كلهم.
وأخرجه الغساني في الصلاة عن محمود بن غيلان عن وكيع عنه نحوه، ورواية وكيع
عن سفيان عند مسلم أتم من رواية البخاري فإنه أورده مختصراً، وفيها: ((فجعلت أتتبع فاه
ههنا وههنا يميناً وشمالاً يقول: حي على الصلاة حي على الفلاح)). وفيه تقييد الالتفات في
الأذان وأن محله عند الحيعلتين، وبوب عليه ابن خزيمة: انحراف المؤذن عند قوله: حي على
الصلاة حي على الفلاح، بفمه لا ببدنه كله. قال: وإنما يمكن الانحراف بالفم بانحراف
الوجه، ثم ساقه من طريق وكيع أيضاً بلفظ: فجعل يقول في أذانه هكذا، ويحرف رأسه يميناً
وشمالاً، وقد ذكرنا اختلاف الروايات فيه في أول الباب. والله أعلم.
٢٠ - بابُ قَوْلِ الرَّجلِ فاتَتْنَا الصلاةُ
أي: هذا باب في بيان قول الرجل: فاتتنا الصلاة، يعني: هل يكره أم لا؟
وَكَرِهَ ابْنُ سِيرِينَ أَنْ يَقُولَ فَاتَّنَا الصَّلاَةُ ولَكِنْ لِيَقُلْ لَمْ نُدْرِهْ
ابن سيرين هو محمد بن سيرين، بكسر السين المهملة، ومطابقته للترجمة ظاهرة، وهذا
التعليق وصله ابن أبي شيبة في (مصنفه): عن أزهر عن ابن عون، قال: كان محمد يكره أن
يقول: فاتتنا الصلاة، ويقول: لم أدرك مع بني فلان. قوله: ((أن يقول))، أي: الرجل. قوله:
((وليقل)»، ويروى: ((ولكن ليقل)).

٢١٩
١٠ - كِتَابُ الأُذَانِ / باب (٢٠)
وَقَوْلُ النبيِّ عَئِ أُصَخُ
((قول النبي)): كلام إضافي مبتدأ وقوله: ((أُصح)) خبره، وليس المراد منه أفعل
التفضيل، لأنه إذا أريد به التفضيل يلزم أن يكون قول ابن سيرين صحيحاً. وقول النبي معدّ ل}.
أصح منه، وليس كذلك، وإنما المراد بالأصح: لأنه قد يذكر أفعل ويراد به التوضيح لا
التفضيل. وهذا الكلام من البخاري رد على ابن سيرين، لأن الشارع جوز لفظ الفوات، وابن
سیرین كرهه.
٦٣٥/٣١ - حدثنا أبُو نُعَيْمِ قال حدّثنا شَيْبَانُ عنْ يَخْتَى عنْ عَبْدِ اللهِ بنِ أبي قَتَادَةَ عِنْ أَبِيهِ
قالَ بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ الْنَّبِيِّ ◌َهِ إِذْ سَمِعَ جَلَبَةَ الرَّجَالِ فَلَمَّا صَلَّى قَالْ مَا شَأَنْكُمْ قَالُوا
اسْتَعْجَلْنَا إِلَى الصَّلاَةِ قال فَلاَ تَفْعَلُواْ إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَعَلَيْكُمْ بِالسِكِينَةِ فَما أَذْرَكْتُمْ فَصَلوا
وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتَُّّوا.
مطابقته للترجمة في قوله: ((وما فاتكم فأتموا)).
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: أبو نعيم الفضل بن دكين. الثاني: شيبان، بفتح
الشين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف بعدها الباء الموحدة: ابن عبد الرحمن النحوي.
الثالث: يحيى بن أبي كثير. الرابع: عبد الله بن أبي قتادة. الخامس: أبو قتادة، واسمه
الحارث بن ربعي الأنصاري.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة
مواضع. وفيه: أن رواته ما بين بصري وكوفي. وفيه: القول في موضعين.
والحديث أخرجه مسلم أيضاً في الصلاة عن إسحاق بن منصور عن أبي بكر بن أبي
شيبة.
ذكر معناه: قوله: ((بينما)) أصله: بين، فزيدت فيه: الميم والألف، وربما تزاد الألف
فقط، فيقال: بينا، وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة، ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل ومبتدأ
وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى، والأفصح أن لا يكون إذ وإذا في جوابيهما.
تقول: بينا زيد جالس دخل عليه عمرو، وإذا دخل عليه عمرو، وإذا دخل عليه عمرو. وقوله:
((جلبة الرجال)) بالألف واللام في رواية الأكثرين، وفي رواية الأصيلي: ((جلبة رجال))، بدون
الألف واللام، والجلبة، بالفتحات: الأصوات، وذلك الصوت كان بسبب حركتهم وكلامهم
واستعجالهم. قوله: ((ما شأنكم؟)) الشأن بالهمزة والتخفيف أي: الحال. أي: ما حالكم حيث
وقع منكم الجلبة؟ قوله: ((لا تفعلوا)) أي: لا تستعجلوا، وذكر بلفظ الفعل لا بلفظ الاستعجال
مبالغة في النهي عنه. قوله: ((بالسكينة))، بفتح السين وكسر الكاف: التأني والهيئة، ويروى:
((فعليكم السكينة))، بدون حرف الجر، وبالنصب نحو: عليك زيداً، أي: إلزمه، ويجوز الرفع
على أنه مبتدأ وخبره هو قوله: ((عليكم)). قوله: ((فما أدركتم)) أي: القدر الذي أدركتموه في
الصلاة مع الإمام فصلوا معه، وما فاتكم منها فأتموه.

٢٢٠
١٠ - كِتَابُ الأَذَانِ / باب (٢٠)
وفي هذه اللفظة اختلاف، فعند أبي نعيم الأصبهاني: ((وما فاتكم فاقضوا))، وكذا
ذكرها الإسماعيلي من حديث شيبان عن يحيى، وفي رواية أبي داود من حديث أبي هريرة،
((فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا))، وكذا هو في أكثر روايات مسلم. وفي رواية: ((فاقض
ما سبقك))، وفي رواية لأبي داود: ((فاقضوا ما سبقكم))، وعند أحمد من حديث ابن عيينة عن
الزهري عن سعيد عنه: ((وما فاتكم فاقضوا)). وفي (المحلى): من حديث ابن جريج عن عطاء
عن أبي هريرة أنه قال: ((إذا كان أحدكم مقبلاً إلى الصلاة فليمش على رسله، فإنه في صلاة،
فما أدرك فليصل، وما فاته فليقض، بعد ما قال عطاء: وإني لا أصنعه)). وفي (مسند أبي قرة):
عن ابن جريج عن الزهري عن أبي سلمة عنه بلفظ: ((فاقضوا)). قال: وذكر سفيان عن سعد
ابن إبراهيم حدثني عمرو بن أبي سلمة عن أبيه عنه، بلفظ: ((وليقض ما سبقه)).
ذكر ما يستفاد منه: اختلف العلماء في القضاء والإتمام المذكورين: هل هما بمعنى
واحد أو بمعنيين؟ وترتب على ذلك خلاف فيما يدركه الداخل مع الإمام: هل هو في أول
صلاته أو آخرها؟ على أربعة أقوال: أحدها: أنه أول صلاته وأنه يكون بانياً عليه في الأفعال
والأقوال، وهو قول الشافعي وإسحاق والأوزاعي، وهو مروي عن علي وابن المسيب والحسن
وعطاء ومكحول، ورواية عن مالك وأحمد، واستدلوا بقوله: ((وما فاتكم فأتموا))، لأن لفظ
الإتمام واقع على باقٍ من شيء قد تقدم سائره، وروى البيهقي من حديث عبد الوهاب: عن
عطاء عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي، رضي الله تعالى عنه: ((ما أدركت
فهو أول صلاتك))، وعن ابن عمر بسند جيد مثله.
الثاني: أنه أول صلاته بالنسبة إلى الأفعال فيبني عليها، وآخرها بالنسبة إلى الأقوال
فيقضيها، وهو قول مالك. وقال ابن بطال عنه: ما أدرك فهو أول صلاته إلاَّ أنه يقضي مثل
الذي فاته من القراءة بأم القرآن وسورة، وقال سحنون: هذا الذي لم يعرف خلافه دليله ما
رواه البيهقي من حديث قتادة: أن علي بن أبي طالب قال: ((ما أدركت مع الإمام فهو أول
صلاتك، واقض ما سبقك به من القرآن)).
الثالث: أن ما أدرك فهو أول صلاته إلاَّ أنه يقرأ فيها بالحمد وسورة مع الإمام، وإذا قام
للقضاء قضى بالحمد وحدها، لأنه آخر صلاته، وهو قول المزني وإسحاق وأهل الظاهر.
الرابع: أنه آخر صلاته وأنه يكون قاضياً في الأفعال والأقوال، وهو قول أبي حنيفة
وأحمد في رواية، وسفيان ومجاهد وابن سيرين. وقال ابن الجوزي: الأشبه بمذهبنا ومذهب
أبي حنيفة أنه آخر صلاته، وقال ابن بطال: روي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وإبراهيم
النخعي والشعبي وأبو قلابة، ورواه ابن القاسم عن مالك، وهو قول أشهب وابن الماجشون،
واختاره ابن حبيب، واستدلوا على ذلك بقوله عَّ له: ((وما فاتكم فاقضوا)). ورواه ابن أبي شيبة
بسند صحيح عن أبي ذر، وابن حزم بسند مثله عن أبي هريرة، والبيهقي بسند لا بأس به
على رأي جماعة عن معاذ بن جبل، رضي الله تعالى عنه.