Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٩٩)
أي: باب في بيان حكم الصلاة إلى السرير، ومراده: على السرير، لأن لفظ الحديث:
((فيتوسط السرير فيصلي))، فهذا يدل على أنه يصلي على السرير، على أن في بعض
النسخ: باب الصلاة على السرير، نبه عليه الكرماني، وقال: حروف الجر يقام بعضها مقام
البعض. فإن قلت: قوله: ((فيتوسط السرير))، يشمل ما إذا كان فوقه أو أسفل منه. قلت: لا
نسلم ذلك لأن معنى قوله: ((فيتوسط السرير)) يجعل نفسه في وسط السرير. فإن قلت: ذكر
البخاري في الإستئذان حديث الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عائشة، رضي الله تعالى
عنها: ((كان يصلي والسرير بينه وبين القبلة)). فهذا يبين أن المراد من حديث الباب أسفل
السرير. قلت: لا نسلم ذلك لاختلاف العبارتين مع احتمال كونهما في الحالتين، فإذا علمت
هذا علمت أن قول الإسماعيلي: بأنه دال على الصلاة على السرير لا إلى السرير، غير وارد،
يظهر ذلك بالتأمل.
١٥٧/ ٥٠٨ - حدّثنا عَثْمانُ ابنُ أبي شَيْبَةَ قال حدّثنا جَرِيرٌ عنْ منْصُورٍ عنْ إِبْرَاهيمَ عنِ
الأَسْوَدِ عنْ عَائِشَةَ قَالَتْ أَعْدَلْتُمُونا بِالكَلْبِ والحِمَارِ لَقَدْ رَأيْتُنِي مُضْطَجِعَةٌ عَلى الشَّرِيرِ فَيَجِيءُ
النبيُّ عَّهِ فَيَتَوَسَّطُ السَّرِيرَ فَيُصَلِّي فَأكْرَهُ أنْ أَسَنِّحَهُ فَأَنْسَلٌ مِنْ قِبَلِ رِجْلَي السَّرِير حَتَّى أَنْسَلْ
مِنْ لحَافِي. [انظر الحديث ٣٨٢ وأطرافه].
وجه مطابقته للترجمة قد ذكرناه الآن.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: عثمان بن أبي شيبة، وهو عثمان بن محمد بن أبي
شيبة، واسم أبي شيبة إبراهيم بن عثمان أبو الحسن العبسي الكوفي، أخو أبي بكر بن أبي
شيبة، مات في المحرم سنة تسع وثلاثين ومائتين، وهو أكبر من أبي بكر بثلاث سنين.
كوفى الأصل. الثالث: منصور بن
الثاني: جرير، بفتح الجيم: ابن عبد الحميد الرازي،
المعتمر السلمي الكوفي. الرابع: إبراهيم بن يزيد النخعي الكوفي. الخامس: الأسود بن يزيد
النخعي الكوفي، خال إبراهيم المذكور. السادس: أم المؤمنين عائشة، رضي الله تعالى عنها.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في أربعة
مواضع. وفيه: أن رواته كلهم كوفيون. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابية.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضاً بعد خمسة أبواب عن عمر
ابن حفص بن غياث عن أبيه عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة. وأخرجه مسلم
في الصلاة أيضاً عن إسحاق بن إبراهيم عن جرير، وأخرجه فيه أيضاً عن عمرو الناقد وأبي
سعيد الأشج وعمر بن حفص بن غياثه.
ذكر معناه) قوله: ((أعدلتمونا؟)) الهمزة فيه للإستفهام على سبيل الإنكار، أي: لِمَ
عدلتمونا؟ وقالت ذلك حيث قالوا: يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة. قوله: ((لقد رأيتني))
بضم التاء المثناة من فوق. وقال الكرماني: رأيتني بلفظ المتكلم وكون ضميري الفاعل
والمفعول عبارتين عن شيء واحد من جملة خصائص أفعال القلوب. قلت: المعنى: رأيت

٤٢٢
٨ - كتاب الصلاة / باب (١٠٠)
نفسي لا يقال: فيه كون الفاعل والمفعول واحداً. قوله: ((مضطجعة))، نصب على الحال لأن
الرؤية هنا من رؤية العين. قوله: ((أن أسنحه)) بفتح النون والحاء المهملة. وقال الخطابي:
وهو من قولك: سنح لي الشيء: إذا عرض، تريد: إني أكره أن أستقبله ببدني في صلاته.
ومن هذا: سوانح الظباء، وهو ما يعترض المسافرين فيجيء عن مياسرهم ويجوز إلى ميامنهم.
وقال ابن الجوزي وغيره: السانح عند العرب ما يمر بين يديك عن يمينك، وكانوا يتيمنون به،
ومنهم من قال: عن يسارك إلى يمينك، لأنه أمكن للرمي. و: البارح، عكسه، والعرب تتطير
به. وقال صاحب (العين): أسنحه أي: أظهر له، كل ما عرض لك فقد سنح. قوله: ((فأنسل))،
بصيغة المتكلم من المضارع عطفاً على: أكره، أي: أخرج بخفة أو برفق. قوله: ((من قبل))،
بكسر القاف، ((ورجلي)) بلفظ التثنية مضافاً إلى: السرير.
ذكر ما يستفاد منه) فيه: جواز الصلاة على السرير. وفيه: دلالة على أن مرور المرأة
بين يدي المصلي لا يقطع صلاته لأن أنسلالها من لحافها كالمرور بين يدي المصلي، وقد
استوفينا الكلام فيه فيما مضى.
١٠٠ - بابٌ بِرُدُّ المُصَلِّي مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ
أي: هذا باب ترجمته: يرد المصلي من مر بين يديه، وسنبين هل الرد إذا مر بين يديه
في موضع سجوده؟ أو يرده مطلقاً؟ أو له حد معلوم؟ وأن الرد واجب أم سنة أم مستحب؟
وأنه مقيد بمكان مخصوص أو في جميع الأمكنة؟ على ما نذكره مفصلاً إن شاء الله تعالى.
ورَدَّ ابْنُ عُمَرَ المَارَّ بَيْنَ يَدَيْهِ في الَّشَهُّدِ وَفِي الْكَعْبَةِ وقال إنْ أتَى إلاَّ أنْ تُقَاتِلَهُ فَقَاتِلْهُ
الكلام فيه على أنواع: الأول في وجه مطابقته للترجمة وهي ظاهرة لأن ابن عمر رد
المار من بين يديه وهو في الصلاة.
الثاني في معنى التركيب: فقوله: ورد ابن عمر، أي: رد عبد الله بن عمر بن
الخطاب المارَّ بين يديه حال كونه في التشهد، وكان هذا المار هو: عمرو بن دينار، نبه عليه
عبد الرزاق وابن أبي شيبة في مصنفيهما. قوله: ((في الكعبة)) أي، ورد أيضاً في الكعبة. قال
الكرماني: هو عطف على مقدر، أي: رد المار بين يديه عند كونه في الصلاة وفي غير
الكعبة وفي الكعبة أيضاً، ويحتمل أن يراد به كون الرد في حالة واحدة جمعاً بين كونه في
التشهد وفي الكعبة، فلا حاجة إلى مقدر. وقال أبو محمد الإشبيلي في كتابه(الجمع بين
الصحيحين): كذا وقع، وفي الكعبة. وقال ابن قرقول: ورد ابن عمر في التشهد وفي الكعبة.
وقال القابسي: وفي الركعة، بدلاً من: الكعبة، أشبه. وكذا وقع في بعض الأصول: الركعة.
وقال صاحب (التلويح): والظاهر أنه: وفي الكعبة، وهو الصواب كما في كتاب الصلاة لأبي
نعيم: حدّثنا عبد العزيز بن الماجشون عن صالح بن كيسان، قال: رأيت ابن عمر يصلي في
الكعبة فلا يدع أحداً يمر بين يديه يبادره. قال بردة: حدّثنا مطر بن خليفة حدّثنا عمرو بن
دينار قال: مررت بابن عمر بعده ما جلس في آخر صلاته حتى أنظر ما يصنع، فارتفع من

٤٢٣
٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٠٠)
مكانه، فدفع في صدري. وقال ابن أبي شيبة: أخبرنا ابن فضيل عن مطر عن عمرو بن دينار،
قال: مررت بين يدي ابن عمر وهو في الصلاة فارتفع من قعوده ثم دفع في صدري، وفي
كتاب (الصلاة) لأبي نعيم: فانتهزني بتسبيحة، وقال بعضهم: رواية الجمهور متجهة،
وتخصيص الكعبة بالذكر لئلا يتخيل أنه يغتفر فيها المرور لكونها محل المزاحمة. قلت:
الواقع في نفس الأمر ان ابن عمر في الرد في غير الكعبة، وفي الكعبة أيضاً فلا يقال: فيه
التخصيص، والتعليل فيه بكون محل المزاحمة غير موجه لأن في غير الكعبة أيضاً توجد
المزاحمة، سيما في أيام الجمع في الجوامع ونحو ذلك. قوله: ((وقال)) أي: ابن عمر: ((إن
أبى)) أي: المار، أي: امتنع بكل وجه إلاّ بأن يقاتل المصلي المار قاتله. قوله: ((إلا أن يقاتله))
وقوله: قاتله، على وجهين: أحدهما: أن يكون لفظ: قاتله، بصيغة الفعل الماضى، وهذا عند
كون لفظ ((إلا أن يقاتله)) بصيغة الفعل المضارع المعلوم، والضمير المرفوع فيه يرجع إلى
المار الذي هو فاعل لفظة: أبي، والمنصوب يرجع إلى المصلي، والضمير المرفوع في:
قاتله، يرجع إلى المصلي والمنصوب يرجع إلى: المار، والوجه الآخر: أن يكون لفظة ((إلاّ
أن تقاتله)) بصيغة المخاطب: أي إلاَّ أن تقاتل المار ((فقاتله)) بكسر التاء وسكون اللام على
صيغة الأمر للحاضر، وهذه رواية الكشميهني، والأول رواية الأكثرين. فإن قلت: لفظة: قاتله،
في الوجه الثاني جملة أمرية، والجملة الأمرية إذا وقعت جزاء للشرطية فلا بد فيها من الفاء.
قلت: تقدير الكلام: فأنت قاتله، قال الكرماني: ويجوز حذف الفاء منها نحو:
من يفعل الحسنات الله یشکرها
قلت: حذف الفاء منها لضرورة الوزن فلا يقاس عليه، ويروى: فقاتله بالفاء على الأصل.
النوع الثالث في أن المروي عن ابن عمر ههنا على سبيل التعليق بثلاثة أشياء: الأول:
رده المار في التشهد، وقد وصله أبو نعيم وابن أبي شيبة كما ذكرناه عن قريب. الثاني: رده
في الكعبة، وقد وصله أبو نعيم أيضاً كما ذكرناه، وفي حديث يزيد الفقير: صليت إلى جنب
ابن عمر بمكة فلم أر رجلاً أكره أن يمر بين يديه منه. الثالث: أمره بالمقاتلة عند عدم امتناع
المار من المرور بين يدي المصلي، وقد وصله عبد الرزاق، ولفظه عن ابن عمر قال: لا تدع
أحداً يمر بين يديك وأنت تصلي، فإن أبي إلاَّ أن تقاتله فقاتله. وهذا موافق لرواية الكشميهني.
٥٠٩/١٥٨ - حدّثنا أبُو مَعْمَرٍ قال حدّثنا عَبْدُ الوَارِثِ قال حدّثنا يُونُسُ عنْ محمَّيْدِ بنِ
هِلالٍ عنْ أبي صالِحِ أنَّ أَبَا سعِيدٍ قال قال النبيُّ عَّه (ح) وحدثنا آدَمُ بنُ أبي إياسٍ قال حدّثنا
سُلَيْمَانُ بنُ المُغِيرَةِ قَال حدّثنا حُمَيْدُ بنُ هِلاَلِ الْعَدَوى قال حدّثنا أبُو صالِحِ السَّمَّانُ قال رَأيْتُ
أبا سَعِيدِ الخُدْرِيَّ فِي يَوْم ◌ُمُعَةٍ يُصَلِّي إلى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ فَأَرَادَ شَابٌّ منِ بَني أبي
مُعَيْطِ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَدَفَعَ أَبُو سَعِيدٍ فِي صَدْرِهِ فَنَظَرَ الشَّابُّ فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغَاً إِلاَّ بَيْنَ يَدَيْهِ
فَعادَ لِيَجْتَازَ فَدَفَعَهُ أَبُو سَعِيدٍ أَشَدَّ مِنَ الأُولَى فَنَالَ مِنْ أبي سَعِيدٍ ثُمَّ دَخَلَ عَلَى مَزْوَانَ فَشَكًا
إِلَيْهِ مَا لَقِيَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ ودَخَلَ أَبُو سَعيدٍ خَلْفَهُ عَلى مَرْوانَ فقال ما لَكَ وَلاِئْنٍ أَخِيكَ يا أبًا
سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْت النبيَّ عَلِ يَقُولُ إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ فَأَرَادَ أحدٌ أنْ

٤٢٤
٨ - كتاب الصلاة / باب (١٠٠)
يَجْتَازَ بَيْنَ يدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فإِنِمَا هُوَ شَيْطَانٌ. [الحديث ٥٠٩ - طرفة في:
٣٢٧٤].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله وهم ثمانية: الأول: أبو معمر، بفتح الميمين: واسمه عبد الله بن عمرو بن
أبي الحجاج المقعد البصري، مات بالبصرة سنة أربع وعشرين ومائتين، وقد تقدم في باب
قول النبي عَّم: اللهم علمه الكتاب. الثاني: عبد الوارث بن سعيد، تقدم أيضاً في هذا
الباب. الثالث: يونس بن عبيد، بالتصغير: ابن دينار أبو عبد الله البصري، مات سنة تسع
وثلاثين ومائتين. الرابع: حميد، بضم الحاء: تصغير الحمد بن هلال، بكسر الهاء وتخفيف
اللام: العدوي، بفتح العين والدال المهملتين: التابعي الجليل. الخامس: أبو صالح ذكوان
السمان، وقد تكرر، ذكره. السادس: آدم بن أبي إياس. السابع سليمان بن المغيرة القيسي
البصري. الثامن: أبو سعيد الخدري، رضي الله تعالى عنه، واسمه: سعد بن مالك.
وذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع من الماضي في سبعة مواضع.
وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول والرؤية. وفيه: رواية التابعي عن الصحابي. وفيه: أن
رواته كلهم بصريون إلاَّ أبا صالح فإنه مدني، وآدم فإنه عسقلاني. وفيه: أن آدم من أفراد
البخاري. وفيه: أن البخاري لم يخرج لسليمان بن المغيرة شيئاً موصولاً إلاَّ هذا الحديث،
ذكره أبو مسعود وغيره. وفيه: التحويل من إسناد إلى إسناد آخر قبل ذكر الحديث، وعلامته
حرف: الحاء، المفردة. وفيه: في الإسناد الأول: حميد عن أبي صالح أن أبا سعيد، وفي
الثاني: قال أبو صالح: رأيت أبا سعيد. والثاني أقوى. وفيه: أن في الثاني ذكر قصة ليست
في الأول، وقد ساق البخاري هذا الحديث في كتاب بدء الخلق بالإسناد الذي ساقه هناك
من رواية يونس بعينه، وههنا من لفظ سليمان بن المغيرة لا من لفظ يونس.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضاً عن أبي معمر في صفة
إبليس. وأخرجه مسلم في الصلاة أيضاً عن شيبان بن فروخ. وأخرجه أبو داود فيه عن موسی
ابن اسماعيل.
ذكر معناه قوله: ((فأراد شاب من بني أبي معيط)) ووقع في (كتاب الصلاة) لأبي
نعيم الفضل بن دكين، قال: حدّثنا عبد الله بن عامر عن زيد بن أسلم، قال: ((بينما أبو سعيد
قائم يصلي في المسجد فأقبل الوليد بن عقبة بن أبي معيط، فأراد أن يمر بين يديه فرده، فأبى
إلاَّ أن يمر فدفعه ولكمه)). فهذا يدل على أن هذا الشاب هو الوليد بن عقبة، وفي (المصنف)
لابن أبي شيبة: حدّثنا أبو معاوية عن عاصم عن ابن سيرين، قال: ((كان أبو سعيد قائماً يصلي
فجاء عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام يمر بين يديه فمنعه، فأبى إلاَّ أن يجيء فدفعه أبو
سعيد فطرحه. فقيل له: تصنع هذا بعبد الرحمن؟ فقال: والله لو أبى إلا أن آخذ بشعره
لأخذت)). وروى عبد الرزاق حديث الباب عن داود بن قيس عن زيد بن أسلم عن عبد
٠

٤٢٥
٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٠٠)
الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه فقال فيه: إذ جاء شاب، ولم يسمعه. وعن معمر عن زيد بن
أسلم فقال فيه: فذهب ذو قرابة لمروان. ومن طريق أبي العالية عن أبي سعيد فقال فيه: فمر
رجل بين يديه من بني مروان، والنسائي من وجه آخر فمر ابن لمروان، وسماه عبد الرزاق من
طريق سليمان بن موسى داود بن مروان، ولفظه: أراد داود بن مروان أن يمر بين يدي أبي
سعيد، ومروان يومئذ أمير بالمدينة، فذكر الحديث وبه جزم ابن الجوزي، وهذا كما رأيت
الاختلاف في تسمية المبهم الذي في الصحيح، والأحسن أن يقال بتعدد الواقعة لأبي سعيد
مع غير واحد، لأن في تعيين واحد من هؤلاء مع كون اتحاد الواقعة نظراً، لا يخفى.
قوله: ((من بني أبي معيط))، بضم الميم وفتح العين المهملة وسكون الياء آخر
الحروف وفي آخره طاء مهملة. وأبو معيط في قريش واسمه: أبان بن أبي عمرو ذكوان بن
أمية الأكبر هو والد عقبة بن أبي معيط الذي قتله رسول الله عَ لَه صبراً. ومعيط تصغير:
أمعط، وهو الذي لا شعر عليه، والأمعط والأمرط سواء. قوله: ((أن يجتاز))، بالجيم من الجواز.
قوله: ((فلم يجد مساغاً)، بفتح الميم وبالغين المعجمة أي: طريقاً يمكنه المرور منها. يقال:
ساغ الشراب في الحلق إذا نزل من غير الضرر، وساغ الشيء طاب. قوله: ((من الأولى)) أي:
من المرة الأولى أو الدفعة الأولى. قوله: ((فنال من أبي سعيد)) بالنون أي: أصاب من عرضة
بالشتم، وهو من النيل، وهو الإصابة. قوله: ((ثم دخل على مروان))، وهو مروان بن الحكم،
بفتح الكاف: الأموي أبو عبد الملك، يقال: إنه رأى النبي عَّه، قاله الواقدي ولم يحفظ عنه
شيئاً، توفي النبي عَّله، وهو ابن ثمان سنين، مات بدمشق لثلاث خلون من رمضان سنة
خمس وستين وهو ابن ثلاث وستين سنة، وقد تقدم ذكره في باب البزاق والمخاط. قوله:
((فقال: مالك؟)) أي فقال مروان، فكلمة: ما مبتدأ و: لك خبره. ((و: لابن أخيك)) عطف عليه
بإعادة الخافض، وأطلق الأخوة باعتبار أن المؤمنين أخوة، وفيه تأييد لقول من قال إن المار
بين يدي أبي سعيد الذي دفعه غير الوليد، لأن أباه عقبة قتل كافراً. فإن قلت: لِمَ لَمْ يقل:
ولأخيك، بحذف الأبن. قلت: نظراً إلى أنه كان شاباً أصغر منه.
قوله: ((فليدفعه))، وفي رواية مسلم: ((فليدفع في نحره)). قال القرطبي: أي بالإشارة،
ولطيف المنع. قوله: ((فليقاتله))، بكسر اللام الجازمة وبسكونها. قوله: ((فإنما هو شيطان))،
هذا من باب التشبيه حذف منه أداة التشبيه للمبالغة أي: إنما هو كشيطان، أو يراد به شيطان
الإنس، وإطلاق الشيطان على المارد من الإنس سائغ شائع، وقد جاء في القرآن قوله تعالى:
﴿شياطين الإنس والجن﴾ [الأنعام: ١١٢] وقال الخطابي: معناه أن الشيطان يحمله على
ذلك ويحركه إليه، وقد يكون أراد بالشيطان المار بين يديه نفسه، وذلك أن الشيطان هو
المارد الخبيث من الجن والإنس. وقال القرطبي: ويحتمل أن يكون معناه: الحامل له على
ذلك الشيطان، ويؤيده حديث ابن عمر عند مسلم: ((لا يدع أحداً يمر بين يديه فإن أبى
فليقاتله فإن معه القرين)). وعند ابن ماجه: ((قال: القرين))، وقال المنكدري: فإنه معه العزى
وقيل: معناه: إنما هو فعل الشيطان لشغل قلب المصلي، كما يخطر الشيطان بين المرء

٤٢٦
٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٠٠)
ونفسه.
ذكر ما يستنبط منه من الأحكام وهو على وجوه. الأول: فيه اتخاذ السترة للمصلي،
وزعم ابن العربي أن الناس اختلفوا في وجوب وضع السترة بين يدي المصلي على ثلاثة
أقوال. الأول: أنه واجب، فإن لم يجد وضع خطاً، وبه قال أحمد، كأنه اعتمد حديث ابن
عمر الذي صححه الحاكم: ((لا تصلي إلاَّ إلى سترة ولا تدع أحداً يمر بين يديك)). وعن أبي
نعيم في (كتاب الصلاة): حدّثنا سليمان، أظنه عن حميد بن هلال، قال عمر بن الخطاب:
لو يعلم المصلي ما ينقص من صلاته ما صلى إلا إلى شيء يستره من الناس، وعند ابن أبي
شيبة، عن ابن مسعود: ((إنه ليقطع نصف صلاة المرء المرور بين يديه)). الثاني: أنها
مستحبة، ذهب إليه أبو حنيفة ومالك والشافعي. الثالث: جواز تركها، وروي ذلك عن مالك.
قلت: قال أصحابنا: الأصل في السترة أنها مستحبة. وقال إبراهيم النخعي: كانوا يستحبون
إذا صلوا في الفضاء أن يكون بين أيديهم ما يسترهم. وقال عطاء، لا بأس بترك السترة،
وصلى القاسم وسالم في الصحراء إلى غير سترة، ذكر ذلك كله ابن أبي شيبة في (مصنفه).
واعلم أن الكلام في هذا على عشرة أنواع: الأول: أن السترة واجبة أو لا؟ وقد مر
الآن. الثاني: مقدار موضع يكره المرور فيه، فقيل: موضع سجوده، وهو اختيار شمس الأئمة
السرخسي وشيخ الإسلام قاضيخان، وقيل: مقدار صفين أو ثلاثة، وقيل: بثلاثة أذرع، وقيل:
بخمسة أذرع. وقيل: بأربعين ذراعاً، وقدر الشافعي وأحمد بثلاثة أذرع، ولم يحد مالك في
ذلك حداً إلاّ أن ذلك بقدر ما يركع فيه ويسجد ويتمكن من دفع من مر بين يديه. والثالث:
أنه يستحب لمن صلى في الصحراء أن يتخذ أمامه سترة، وروى أبو داود من حديث أبي
هريرة أن رسول الله عَ لّه قال: ((إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً، فإن لم يجد
فلينصب عصاً، فإن لم يكن له عصاً، فليخط خطا ولا يضره ما مر أمامه)). وخرجه ابن حبان
في (صحيحه) وذكر عبد الحق أن ابن المديني وأحمد بن حنبل صححاه، وقال عياض: هذا
الحديث ضعيف وإن كان قد أخذ به أحمد. وقال سفيان بن عيينة: لم نجد شيئاً نشد به
هذا الحديث. وكان إسماعيل بن أمية إذا حدث بهذا الحديث يقول: عندكم شيء تشدون
به، وأشار الشافعي إلى ضعفه. وقال النووي: فيه ضعف وأضطراب. وقال البيهقي: ولا بأس
به في مثل هذا الحكم.
الرابع: مقدار السترة، قد ورد: قدر ذراع، وقد ذكرنا الكلام فيه مستوفى فيما مضى
عن قريب. والخامس: ينبغي أن يكون في غلظ الإصبع لأن ما دونه لا يبدو للناظر من بعيد.
والسادس: يقرب من السترة، وقد مر الكلام فيه مستوفىّ في باب سترة الإمام سترة لمن
خلفه. والسابع: أن يجعل السترة على حاجبه الأيمن، أو على الأيسر، وأخرج أبو داود من
حديث المقداد بن الأسود، قال: ((ما رأيت رسول الله عَّله يصلي إلى عود ولا عمود ولا
شجرة إلاَّ جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولا يصمد له صمداً)، يعني لم يقصده قصداً
بالمواجهة، والصمد هو القصد في اللغة. والثامن: أن سترة الإمام سترة للقوم، وقد مر الكلام

٤٢٧
٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٠٠)
فيه. والتاسع: ذكر أصحابنا أن المعتمد الغرز دون الإلقاء، والخط، لأن المقصود هو الدرء فلا
يحصل بالإلقاء ولا بالخط، وفي (مبسوط) شيخ الإسلام: إنما يغرز إذا كانت الأرض رخوة،
فإذا كانت صلبة لا يمكنه فيضع وضعاً. لأن الوضع قد وري كما روي الغرز، لكن يضع طولاً
لا عرضاً. وروى أبو عصمة عن محمد: إذا لم يجد سترة؟ قال: لا يخط بين يديه، فإن الخط
وتركه سواء، لأنه لا يبدو للناظر من بعيد. وقال الشافعي بالعراق: إن لم يجد ما يخط خطأً
طولاً، وبه أخذ بعض المتأخرين. وفي (المحيط): الخط ليس بشيء. وفي (الذخيرة)
للقرافي: الخط باطل، وهو قول الجمهور، وجوزه أشهب في (العتبية) وهو قول سعيد بن
جبير والأوزاعي والشافعي بالعراق، ثم قال بمصر: لا يخط، والمانعون أجابوا عن حديث أبي
هريرة المذكور أنه ضعيف. وقال عبد الحق: ضعفه جماعة ابن حزم في (المحلى): لم يصح
في الخط شيء ولا يجوز القول به. والعاشر: أن السترة إذا كانت مغصوبة فهي معتبرة عندنا
وعن أحمد تبطل صلاته، ومثله الصلاة في الثوب المغصوب عنده.
الثاني من الأحكام أن الدرء، وهو: دفع المار بين يدي المصلي هل هو واجب أو
ندب؟ فقال النووي: هذا الأمر، أعني قوله: ((فليدفعه))، أمر ندب متأكد ولا أعلم أحداً من
الفقهاء أوجبه. قلت: قال أهل الظاهر بوجوبه لظاهر الأمر، فكأن النووي ما أطلع على هذا، أو
اعتد بخلافهم. وقال ابن بطال: اتفقوا على دفع المار إذا صلى إلى سترة، فأما إذا صلى إلى
غير السترة فليس له، لأن التصرف والمشي مباح لغيره في ذلك الموضع الذي يصلي فيه،
فلم يستحق أن يمنعه إلاَّ ما قام الدليل عليه، وهي السترة التي وردت السنة بمنعها.
الثالث: إنه يجوز له المشي إليه من موضعه ليرده، وإنما يدافعه ويرده من موضعه، لأن
مفسدة المشي أعظم من مروره بين يديه، وإنما أبيح له قدر ما يناله من موقفه، وإنما يرده إذا
كان بعيداً منه بالإشارة والتسبيح، ولا يجمع بينهما. وقال إمام الحرمين: لا ينتهي دفع المار
إلى منع محقق، بل يومىء ويشير برفق في صدره من يمر به، وفي الكافي للروياني يدفعه
ويصر على ذلك، وإن أدى إلى قتله. وقيل: يدفعه دفعاً شديداً أشد من الدرء، ولا ينتهي إلى
ما يفسد صلاته، وهذا هو المشهور عند مالك وأحمد. وقال أشهب في (المجموعة) إن
قرب منه درأه ولا ينازعه، فإن مشى له ونازعه لم تبطل صلاته، وإن تجاوزه لا يرده لأنه مرور
ثان، وكذا رواه ابن القاسم من أصحاب مالك، وبه قال الشافعي وأحمد. وقال أبو مسعود
وسالم: يرده من حيث جاء، وإذا مر بين يديه ما لا تؤثر فيه إلا الإشارة كالهرة. قالت
المالكية: دفعه برجله أو ألصقه إلى الستر.
الرابع: هل يقاتله؟ فيه: فإن أبى فليقاتله. قال عياض: أجمعوا على أنه لا تلزمه مقاتلته
بالسلاح، ولا بما يؤدي إلى هلاكه فإن دفعه بما يجوز فهلك من ذلك فلا قود عليه باتفاق
العلماء، وهل تجب ديته أم تكون هدراً؟ فيه مذهبان للعلماء، وهما قولان في مذهب مالك.
قال ابن شعبان: عليه الدية في ماله كاملة، وقيل: هي على عاقلته، وقيل: هدر، ذكره ابن
التين. واختلفوا في معنى: فليقاتله، والجمهور على أن معناه: الدفع بالقهر لا جواز القتل،

٤٢٨
٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٠١)
والمقصود: المبالغة في كراهة المرور. وأطلق جماعة من الشافعية أن له أن يقاتله حقيقة، ورد
ابن الغربي ذلك، وقال: المراد بالمقاتلة المدافعة. وقال بعضهم: معنى فليقاتله، فليلعنه. قال
الله تعالى. ﴿قتل الخراصون﴾ [الذاريات: ١٠] أي: لعنوا وأنكره بعضهم وقال ابن المنذر:
يدفع في نحره أول مرة، ويقاتله في الثانية، وهي المدافعة. وقيل: يؤاخذه على ذلك بعد إتمام
الصلاة ويؤنبه. وقيل: يدفعه دفعاً أشد من الرد منكراً عليه. وفي (التمهيد): العمل القليل في
الصلاة جائز، نحو قتل البرغوث، وحك الجسد، وقتل العقرب بما خف من الضرب ما لم
تكن المتابعة والطول، والمشي إلى الفرج إذا كان ذلك قريباً، ودرء المصلي وهذا كله ما لم
یکثر، فإن کثر فسد.
الخامس: فيه أن المار كالشيطان، في أنه يشغل قلبه عن مناجاة ربه.
السادس: فيه أنه يجوز أن يقال للرجل إذا فتن في الدين: إنه شيطان.
السابع: فيه أن الحكم للمعاني لا للأسماء، لأنه يستحيل أن يصير المار شيطاناً بمروره
بین یدیه.
الثامن: فيه أن دفع الأسوأ إنما بالأسهل فالأسهل.
التاسع: فيه أن في المنازعات لا بد من الرفع إلى الحاكم ولا ينتقم الخصم بنفسه.
العاشر: فيه أن رواية العدل مقبولة وإن كان الراوي له منتفعاً به.
١٠١ - بابُ إِثْمِ المَارِ بَيْنَ يَدَيِ المصَلِّي
أي هذا باب في بيان إثم المار بين يدي المصلي، وأصل المار: مارر، فاسكنت الراء
الأولى وادغمت الثانية، والإدغام في مثله واجب.
٥١٠/١٥٩ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ أخْبَرَنا مالِكٌ عن أبي النَّضُرِ مَوْلَى عُمَرَ بنِ
عُبَيْدِ اللهِ عنْ بُشرِ بنِ سعِيد أنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ أَرْسَلَهُ إِلَى أبي جُهَيْمٍ يَسْأَلُهُ ماذَا سَمِعَ مِن رَسُولٍ
الهِ عَّه فِي الْمَارِ بَيْنَ يَدَي الْمُصَلِّي فقال أبُو ◌ُجُهَيْم قال رَسُولُ اللهِ عَلِ لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ
يَدَي الْمُصَلّي ماذَا لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَزْبَعِينَ خَيراً لَّهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ قال أَبُو النَّضْرِ لاَ
أدْرِي أقال أَرْبَعِينَ يَوْماً أُوْ شَهْراً أَوْ سَنَةً.
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله وهم ستة قد ذكروا. وأبو النضر، بفتح النون وسكون الضاد المعجمة:
اسمه سالم ابن أبي أمية، و: بسر، بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة: الحضرمي
المدني الزاهد، مات سنة مائة، ولم يخلف كفناً. وزيد بن خالد الجهني الصحابي، وأبو
جھیم، بضم الجيم وفتح الهاء: واسمه عبد الله بن جھیم.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار كذلك.
وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: تابعي وصحابيان. وفيه: أبو جهيم، بالتصغير مر في باب

٤٢٩
٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٠١)
التيمم في الحضر، وقال ابن عبد البر: راوي حديث المرور هو غير راوي حديث التيمم،
وقال الكلاباذي: أبو جهيم، ويقال: أبو جهم بن الحارث، روى عنه البخاري في الصلاة
والتيمم. وقال النووي: أبو جهيم راوي حديث المرور وحديث التيمم غير أبي الجهم
مكبر المذكور في حديث الخميصة والأنبجانية، لأن اسمه: عبد الله، وهو أنصاري، واسم
ذلك عامر، وهو عدوي وقال الذهبي: أبو الجهيم، يقال: أبو الجهم بن الحارث بن الصمة،
كان أبوه من كبار الصحابة، ثم قال: أبو جهيم عبد الله بن جهيم جعله، وابن الصمة واحداً
أبو نعيم وابن مندة، وكذا قاله مسلم في بعض كتبه، وجعلهما ابن عبد البر اثنين وهو أشبه،
لکن متن الحدیث واحد.
ذكر من أخرجه غيره أخرجه بقية الستة، قال ابن ماجة: حدّثنا هشام بن عمار حدّثنا
ابن عيينة عن أبي النضر عن بسر، قال: ((أرسلوني إلى زيد بن خالد أسأله عن المرور بين
يدي المصلي فأخبرني عن النبي، عليه الصلاة والسلام، قال: لأن يقوم أربعين خير له من أن
يمر بين يديه. قال سفيان. ولا أدري أربعين سنة أو شهراً أو صباحاً أو ساعة)). وفي (مسند
البزار): أخبرنا أحمد بن عبدة حدّثنا سفيان به، وفيه: ((أرسلني أبو جهيم إلى زيد بن خالد.
فقال: لأن يقوم أربعين خريفاً خير له من أن يمر بين يديه)). وقال أبو عمر في (التمهيد): رواه
ابن عيينة مقلوباً، والقول عندنا قول مالك، ومن تابعه، وقال ابن القطان في حديث البزار
خطىء فيه ابن عيينة وليس خطؤه بمتعين لاحتمال أن يكون أبو جهيم بعث بسراً إلى زيد،
وزيد بعثه إلى أبي جهيم يستثبت كل واحد ما عند الآخر، فأخبر كل منهما بمحفوظه فشك
أحدهما وجزم الآخر. واجتمع ذلك كله عند أبي النضر. قلت: قول مالك في (الموطأ) لم
يختلف عليه فيه أن المرسل هو زيد، وأن المرسل إليه هو أبو جهيم، وتابعه سفيان الثوري
عن أبي النضر عند مسلم وابن ماجه وغيرهما، وخالفهما ابن عيينة عن أبي النضر فقال: عن
بسر بن سعيد، قال: ((أرسلني أبو جهيم إلى زيد بن خالد أسأله)) فذكر هذا الحديث: قلت:
هذا عكس متن (الصحيحين) لأن المسؤول فيهما هو أبو جهيم، وهو الراوي عن النبي، عليه
الصلاة والسلام، وعند البزار المسؤول زيد بن خالد.
ذكر معناه. قوله: ((ماذا عليه))، أي: من الإثم والخطيئة، وفي رواية الكشميهني: ((ماذا
عليه من الإثم))، وليست هذه الزيادة في شيء من الروايات غيره، وكذا في (الموطأ) ليست
هذه الزيادة، وكذا في سائر المسندات. وفي المستخرجات، غير أنه وقع في (مصنف ابن
أبي شيبة): ماذا عليه، يعني من الإثم، وعيب على المحب الطبري حيث عزا هذه الزيادة في
الأحكام للبخاري. قوله: ((بين يدي المصلي)) أي: أمامه بالقرب منه، وعبر باليدين لكون
أكثر الشغل يقع بهما. قوله: ((أن يقف أربعين))، وقد ذكرنا أن في رواية ابن ماجه: ((أربعين
سنة أو شهراً أو صباحاً أو ساعة)). وفي رواية البزار: ((أربعين خريفاً) وفي (صحيح ابن حبان):
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله عَ ليه: لم يعلم أحدكم ما له في أن يمر بين يدي أخيه
معترضاً في الصلاة كان لأن يقيم مائة عام خيراً له من الخطوة التي خطأ)). وفي (الأوسط)

٤٣٠
٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٠١)
للطبراني: عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً: ((إن الذي يمر بين يدي المصلي عمداً يتمنى يوم
القيامة أنه شجرة يابسة)). وفي المصنف عن عبد الحميد، عامل عمر بن عبد العزيز، قال
عَّله: ((لو يعلم المار بين يدي المصلي ما عليه لأحب أن ينكسر فخذه ولا يمر بين يديه)).
وقال ابن مسعود: ((المار بين يدي المصلي أنقص من الممر عليه، وكان إذا مر أحد بين يديه
التزمه حتى يرده)). وقال ابن بطال: قال عمر، رضي الله عنه: ((لكان يقوم حولاً خير له من
مروره)). وقال كعب الأحبار: ((لكان أن يخسف به خيراً له من أن يمر بين يديه)). قوله: ((قال
أبو النضر)) قال الكرماني: إما من كلام مالك فهو مسند، وإما تعليق من البخاري. قلت: هو
كلام مالك وليس هو من تعليق البخاري لأنه ثابت في (الموطأ) من جميع الطرق، وكذا
ثبت في رواية الثوري وابن عيينة. قوله: ((أقال؟)) الهمزة فيه للإستفهام، وفاعله: بسر أو رسول
الله عَ لّه كذا قاله الكرماني. قلت: الظاهر أنه بسر بن أمية.
ذكر إعرابه) قوله: ((ماذا عليه؟)) كلمة ما: استفهام ومحله الرفع على الابتداء، وكلمة:
ذا، إشارة خبره، والأولى أن تكون: ذا موصولة بدليل افتقاره إلى شيء بعده لأن تقديره: ماذا
عليه من الإثم، ثم إن: ماذا عليه، في محل النصب على أنه سد مسد المفعولين لقوله: ((لو
يعلم))، وقد علق عمله بالإستفهام. قوله: ((لكان)) جواب: لو، وكلمة: أن، مصدرية، والتقدير:
لو يعلم المار ما الذي عليه من الإثم من مروره بين يدي المصلي لكان وقوفه أربعين خيراً له
من أن يمر؟ أي: من مروره بين يديه. وقال الكرماني: جواب: لو، ليس هو المذكور، إذ
التقدير: لو يعلم ماذا عليه لوقف أربعين، لو وقف أربعين لكان خيراً له. قلت: لا ضرورة إلى
هذا التقدير وهو تصرف فيه تعسف، وحق التركيب ما ذكرناه. قوله: ((خيراً)) فيه روايتان:
النصب والرفع. أما النصب فظاهر لأنه خبر: لكان، واسم، كان، هو قوله: أن يقف، لأنا قلنا:
إن كلمة: ن، مصدرية، وأن التقدير: لكان وقوفه أربعين خيراً له. وأما وجه الرفع، فقد قال ابن.
العربي: هو اسم: ولم يذكر خبر ما هو، وخبر هو قوله: أن يقف، والتقدير: لو يعلم المار ماذا
عليه لكان خير وقوفه أربعين، وتعسف بعضهم فقال: يحتمل أن يقال: اسمها ضمير الشأن
والجملة خبرها.
قوله: ((أقال: أربعين يوماً أو شهراً أو سنة؟)) لأنه ذكر العدد أعني أربعين، ولا بد من
مميز، لأنه لا يخلو عن هذه الأشياء، وقد أبهم ذلك ههنا. فإن قلت: ما الحكمة فيه؟ قلت:
قال الكرماني: وأبهم الأمر ليدل على الفخامة، وأنه مما لا يقدر قدره ولا يدخل تحت
العبارة. انتهى. قلت: الإبهام ههنا من الراوي، وفي نفس الأمر العدد معين، ألا ترى كيف تعين
فيما رواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة ((لكان أن يقف مائة عام؟)) الحديث؟ كما ذكرنا،
وكذا عين في مسند البزار من طريق سفيان بن عيينة: ((لكان أن يقف أربعين خريفاً). وقال
الكرماني: فإن قلت: هل للتخصيص بالأربعين حكمة معلومة؟ قلت: أسرار أمثالها لا يعلمها
إلاَّ الشارع، ويحتمل أن يكون ذلك لأن الغالب في أطوار الإنسان أن كمال كل طور بأربعين،
كاطوار النطفة، فإن كل طور منها بأربعين، وكمال عدل الإنسان في أربعين سنة، ثم الأربعة

٤٣١
٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٠٢)
أصل جميع الأعداد، لأن أجزاءه وهي عشرة، ومن العشرات المآت، ومنها الألوف، فلما أريد
التكثير ضوعف كل إلى عشرة أمثاله. انتهى. قلت: غفل الكرماني عن رواية المائة حيث
قصر في بيان الحكمة على الأربعين، وقال بعضهم، في التنكيت على الكرماني: بأن هذه
الرواية تشعر بأن إطلاق الأربعين للمبالغة في تعظيم الأمر لا لخصوص عدد معين. قلت: لا
ينافي رواية المائة عن بيان وجه الحكمة في الأربعين، بل ينبغي أن يطلب وجه الحكمة في
كل منهما، لأن لقائل أن يقول: لِمَ أطلق الأربعين للمبالغة في تعظيم الأمر. ولِمَ لَمْ يذكر
الخمسين أو ستين أو نحو ذلك؟ والجواب الواضح الشافي في ذلك أن تعيين الأربعين للوجه
الذي ذكره الكرماني، وأما وجه ذكر الطحاوي أنه قيد بالمائة بعد التقييد بالأربعين للزيادة في
تعظيم الأمر على المار، لأن المقام مقام زجر وتخويف وتشديد. فإن قلت: من أين علم أن
التقييد بالمائة بعد التقييد بالأربعين؟ قلت: وقوعهما معاً مستعبد، لأن المائة أكثر من
الأربعين، وكذا وقوع الأربعين بعد المائة لعدم الفائدة، وكلام الشارع كله حكمة وفائدة،
والمناسبة أيضاً تقتضي تأخير المائة عن الأربعين. فإن قلت: قد علم فيما مضى وجه الحكمة
في الأربعين، فما وجه الحكمة في تعيين المائة؟ قلت: المائة وسط بالنسبة إلى العشرات
والألوف، وخير الأمور أوسطها، وهذا مما تفردت به.
ذكر ما يستفاد منه من الأحكام فيه: أن المرور بين يدي المصلي مذموم، وفاعله
مرتكب الإثم. وقال النووي: فيه دليل على تحريم المرور، فإن في الحديث النهي الأكيد
والوعيد الشديد، فيدل على ذلك. قلت: فعلى ما ذكره ينبغي أن المرور بين يدي المصلي
من الكبائر، ويعد من ذلك، واختلف في تحديد ذلك، فقيل: إذا مر بينه وبين مقدار سجوده
وقيل: بينه وبين الساتر ثلاث أذرع. وقيل: بينهما قدر رمية بحجر، وقد مر الكلام فيه
مستوفىّ. وفيه: قال ابن بطال: يفهم من قوله: ((لو يعلم)) أن الإثم يختصر بمن يعلم بالمنهي
وارتكبه. قال بعضهم: فيه: بعد قلت: ليس فيه بعد لأن: لو، للشرط فلا يترتب الحكم
المذكور إلاَّ عند وجوده. وفيه: عموم النهي لكل مصلٌ وتخصيص بعضهم بالإمام والمنفرد
لا دليل عليه. وفيه: طلب العلم والإرسال لأجله. وفيه: جواز الإستنابة. وفيه: أخذ العلماء
بعضهم من بعض. وفيه: الإقتصار على النزول مع القدرة على العلو لإرسال زيد بن خالد بسر
ابن سعيد إلى جهيم، ولو طلب العلو لسعى هو بنفسه إلى أبي جهيم. وفيه: قبول خبر الواحد.
١٠٢ - بابُ اسْتِقْبَالِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ وهو يُصَلِّي
أي: هذا باب في بيان استقبال الرجل الرجل، والحال أنه يصلي يعني: هل يكره أم
لا؟ والرجل الأول مضاف إليه للاستقبال والرجل الثاني منصوب لأنه مفعول. وقال الكرماني:
وفي بعض النسخ باب استقبال الرجل صاحبه أو غيره، وفي بعضها استقبال الرجل وهو
يصلي، وفي بعضها لفظ: الرجل مكرر، ولفظ: هو، يحتمل عوده إلى الرجل الثاني، فيكون
الرجلان متواجهين، وإلى الأول فلا يلزم التواجه.

٤٣٢
٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٠٢)
وكَرِهَ عُثْمَانُ أَنْ يُسْتَقْبَلَ الرَّجُلُ وَهُوَ يُصَلّي.
مطابقته للترجمة ظاهرة وعثمان هو ابن عفان أحد الخلفاء الأربعة الراشدين. قوله:
((يستقبل))، بضم الياء على صيغة المجهول، و: ((الرجل)) مرفوع لنيابته عن الفاعل، ويجوز
فتح الياء على صيغة المعلوم، ولا مانع من ذلك، والكرماني اقتصر على الوجه الأول. قوله:
((وهو يصلي)) جملة إسمية وقعت حالاً عن: الرجل، وقال بعضهم: ولم أر هذا الأثر عن
عثمان إلى الآن، وإنما رأيته في (مصنف) عبد الرزاق وابن أبي شيبة وغيرهما: من طريق هلال
ابن يساف عن عمر أنه زجر عن ذلك، وفيهما أيضاً عن عثمان ما يدل على عدم كراهة ذلك،
فليتأمل، لاحتمال أن يكون فيما وقع في الأصل تصحيف عن عمر إلى عثمان. قلت: لا يلزم
من عدم رؤية هذا الأثر من عثمان أن لا يكون منقولاً عنه، فليس بسديد زعم التصحيف
بالاحتمال الناشيء عن غير دليل. فإن قلت: رواية عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن عثمان
بخلاف ما ذكره البخاري عنه دليل الاحتمال. قلت: لا نسلم ذلك لاحتمال أن يكون
المنقول عنه آخراً بخلاف ما نقل عنه أولاً لقيام الدليل عنده بذلك.
وَإِنَّمَا هَذَا إذا اشْتَغَلَ بِهِ فأمَّا إذَا لَمْ يَشْتَغِلْ فَقَدْ قال زَيْدُ بنُ ثابِتٍ ما بالبَيْتُ إِنَّ الرَّجُلَ
لا يَقْطَعُ صَلاَةَ الرَّجُلِ.
قال صاحب (التوضيح): هذا من كلام البخاري يشير به إلى أن مذهبه ههنا بالتفصيل،
وهو أن استقبال الرجل الرجل في الصلاة إنما يكره إذا اشتغل المستقبل المصلي، لأن علة
الكراهة في كف المصلي عن الخشوع وحضور القلب، وأما إذا لم يشغله فلا بأس به،
والدليل عليه قول زيد بن ثابت الأنصاري النجاري الفرضي، كاتب رسول الله عَ له: ما
باليت، أي: بالاستقبال المذكور. يقال: لا أباليه أي: لا أكترث له. قوله: ((إن الرجل)) بكسر:
إن لأنه استئناف ذكر لتعليل عدم المبالاة. وروى أبو نعيم في (كتاب الصلاة): حدّثنا مسعر،
قال: أراني أول من سمعه من القاسم قال: ضرب عمر رجلين: أحدهما مستقبل والآخر
يصلي. وحدّثنا سفيان حدّثنا رجل عن سعيد بن جبير أنه: أن يصلي وبين يديه مخنث
محدث، وحدّثنا سفيان عن أشعث بن أبي الشعثاء عن ابن جبير. قال: إذا كانوا يذكرون الله
تعالى فلا بأس، وقال ابن بطال: أجاز الكوفيون والثوري والأوزاعي الصلاة خلف المتحدثين،
وكرهه ابن مسعود، وكان ابن عمر لا يستقبل من يتكلم إلاّ بعد الجمعة. وعن مالك: لا بأس
أن يصلي إلى ظهر الرجل، وأما إلى جنبه فلا، وروى عنه التخفيف في ذلك. وقال: لا تصلوا
إلى المتحلقين، لأن بعضهم يستقبله. قال: وأرجو أن يكون واسعاً، وذهبت طائفة من العلماء
إلى أن الرجل يستر إلى الرجل إذا صلى. وقال الحسن وقتادة يستره إذا كان جالساً. وعن
الحسن: يستره ولم يشترط الجلوس ولا تولية الظهر، وأكثر العلماء على كراهة استقباله
بوجهه. وقال نافع: كان ابن عمر إذا لم يجد سبيلاً إلى سارية المسجد قال لي: ظهرك، وهو
قول مالك. وقال ابن سيرين: لا يكون الرجل سترة للمصلي.
٥١١/١٦٠ - حدّثنا إِسْمَاعيلُ بنُ خَلِيلٍ قال حدّثنا عَليَّ بنُ مُشْهِرٍ عنِ الأَعْمَشِ عَنْ

٤٣٣
٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٠٢)
مُسْلِمٍ يَعْنِي ابْنَ صُبَيْحِ عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَها ما يَقْطَعُ الصَّلاَةَ فَقالُوا يَقْطَعُها
الْكَلْبَ والحِمَارُ والمَرْأَةُ قالَتْ لَقَدْ جَعَلْتُمُونا كِلاَباً لَقَدْ رَأيْتُ النبيَّ عَّهِ يُصَلِّي وإِنِّ لَبَيْنَهُ
وَبَيْنُ القِئْلَةِ وأنا مضْطَجِعَةٌ عَلَى السَّرِيرِ فَتَكُونُ لِيَ الحَاجَةُ فَأْرَهُ أنْ أُسْتَقْبِلَهُ فَأَنْسَلُ انْسِلاَلاً.
[انظر الحديث ٣٨٢ وأطرافه].
وجه مطابقة هذا الحديث للترجمة على وجوه: الأول: ما قاله الكرماني: حكم الرجال
والنساء واحد في الأحكام الشرعية إلاَّ ما خصه الدليل. قلت: بيان ذلك أن عائشة كانت
مضطجعة على السرير، وكانت بين يدي النبي عَّ له وبين القبلة، فيكون استقبال الرجل المرأة
في الصلاة ولم تكن تشغل النبي معَّهِ، فدل على عدم الكراهة. ولا يقال: الترجمة استقبال
الرجل الرجل، وفيما ذكر استقبال الرجل المرأة، لأنا نقول: حكم الرجال والنساء واحد إلى
آخر ما ذكرنا، وقد ذكرنا أن الترجمة رويت على ثلاثة أوجه، وهذا الذي ذكرناه في الوجه
الواحد، وهو: باب استقبال الرجل الرجل، وهو يصلي. وأما في الوجهين الآخرين فالتطابق
ظاهر فلا يحتاج إلى التكلف. الوجه الثاني: ذكره ابن المنير فقال: لأنه يدل على المقصود
بطريق الأولى، وإن لم يكن تصريح بأنها كانت مستقبلة، فلعلها كانت منحرفة أو مستدبرة.
الوجه الثالث: ذكره ابن رشد فقال: قصد البخاري: أن شغل المصلي بالمرأة إذا كانت في
قبلته، على أي حالة كانت، أشد من شغله بالرجل، ومع ذلك فلم يضر صلاته، عليه الصلاة
والسلام، لأنه غير مشتغل بها، فكذلك لا تضر صلاة من لم يشتغل بها، وبالرجل من باب
أولى.
ذكر رجاله وهم ستة: كلهم قد ذكروا، وإسماعيل بن خليل أبو عبد الله الخراز
الكوفي، تقدم في باب مباشرة الحائض، وكذلك علي بن مسهر، والأعمش: هو سليمان
الكوفي، ومسلم: هو البطين ظاهراً، قاله الكرماني. قلت: الظاهر أنه مسلم بن صبيح أبو
الضحى، ومسروق بن الأجدع.
والكلام فيه قد مر في باب الصلاة إلى السرير، لأنه أخرجه هناك من أوجه أخر. قوله:
((كلابا)) أي: كالكلاب في حكم قطع الصلاة. قوله: ((رأيت)) أي: أبصرت. قوله: ((وإني
لبينه) أي: لبين النبي، عَّه، وهذه الجملة في محل النصب على الحال، وكذلك: وأنا
مضطجعة. قوله: ((وأكره)) كذا هو بالواو في رواية الأكثرين، وفي رواية الكشمهيني: ((فأكره))
بالفاء. قوله: ((فأنسل)) أي فأخرج بالخفية.
وَعنِ الأَعْمَش عنْ إِبْراهِيمَ عن الأُسْوَدِ عنْ عَائِشَةَ نَحْوَهُ.
أي وروي عن سليمان الأعمش عن إبراهيم النخعي عن الأسود بن يزيد النخعي عن
عائشة، رضي الله تعالى عنها، قال الكرماني: هذا يحتمل التعليق وكونه من كلام ابن مسهر
أيضاً. قلت: خرجه بعد البابين في باب من قال لا يقطع الصلاة شيء، والحاصل أن هذا
معطوف على الإسناد الذي قبله، ونبه به على أن علي بن مسهر قد روى هذا الحديث عن
الأعمش باسنادين إلى عائشة. أحدهما: عن مسلم عن مسروق عن عائشة باللفظ المذكور.
والآخر: عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، بالمعنى. وأشار إليه بقوله.
عمدة القاري /ج٤ /م٢٨

٤٣٤
٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٠٣)
(«نحوه)) وهو بالنصب. فإن قلت: كيف يقول: نحوه، ولفظ النحو يقتضي المماثلة بينهما
من كل الوجوه وههنا ليس كذلك؟ قلت: لا نسلم أنه كذلك، بل يقتضي المشاركة في
أصل المعنى المقصود فقط.
١٠٣ - بابُ الصَّلاَةِ خَلْفَ النَّائِمِ
أي هذا باب في بيان الصلاة خلف النائم، يعني: يجوز ولا يكره على ما سنبينه إن
شاء الله تعالى.
١٦١/ ٥١٢ - حدثنا مُسدَّدٌ قالّ حَدَّثنا يحيى قال حدّثنا هِشَامٌ قال حدّثني أبي عنْ
عائشةَ قالتْ كانَ النبيُّ عَُّلِّ يُصَلِّي وأنا رَاقِدَهُ مُعْتَرِضَةٌ عَلَى فِرَاشِهِ فَإِذَا أَرَادَ أنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِي
فأوْتَرْتُ. [انظر الحديث ٣٨٢ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة. فإن قلت: كيف الظهور والترجمة خلف النائم والحديث
خلف النائمة. قلت: قد ذكرنا أن الرجال والنساء واحد في الأحكام الشرعية إلاَّ ما خصه
الدليل، أو أنه إذا جاز خلف النائمة فخلف النائم بالطريق الأولى، أو أراد بالنائم الشخص
النائم ذكراً كان أو أنثى.
ذكر رجاله) وهم خمسة، كلهم قد ذكروا: ويحيى هو القطان، وهشام بن عروة.
وأخرجه النسائي أيضاً في الصلاة عن عبد الله بن سعيد القطان به.
ذكر معناه) قوله: ((كان النبي، عَّ لم يصلي)) مثل هذا التركيب يفيد التكرار. قوله:
((وأنا راقدة)) جملة حالية. قوله: ((معترضة))، صفة بعد صفة. قوله: ((أن يوتر)) أي: إذا راد أن
يصلي الوتر. قوله: ((أيقظني))، من الإيقاظ.
ذكر ما يستفاد منه من الأحكام قال ابن بطال: الصلاة خلف النائم جائزة، إلا أن
طائفة كرهتها خوف ما يحدث من النائم فيشتغل المصلي به أو يضحكه فتفسد صلاته. وقال
مالك: لا يصلى إلى نائم إلاَّ أن يكون دونه سترة، وهو قول طاوس. وقال مجاهد: أن أصلي
وراء قاعد أحب إلي من أن أصلي وراء نائم. فإن قلت: روى أبو داود عن ابن عباس أن
النبي، عَّه، قال: ((لا تصلوا خلف النائم ولا المتحدث)). وأخرجه ابن ماجة أيضاً، وروى
البزار عنه أن النبي، عليه الصلاة والسلام، قال: ((نهيت أن أصلي إلى النائم والمتحدث)).
وروى ابن عدي عن ابن عمر نحوه، وروى الطبراني في (الأوسط) عن أبي هريرة نحوه.
قلت: قال أبو داود: طرق حديث ابن عباس كلها واهية وقال الخطابي. هذا الحديث - يعني
حديث ابن عباس لا يصح عن النبي، عَّهِ، لضعف سنده. قلت: وفي (مسند) أبي داود
رجل مجهول، وفيه عبد الله بن يعقوب لم يسم من حدثه. قلت: وفي مسند ابن ماجه أبو
المقدام هشام بن زياد البصري لا يحتج بحديثه، وحديث ابن عمر وأبي هريرة واهيان أيضاً،
وروى البزار أيضاً من حديث أحمد بن يحيى الكوفي حدّثنا إسماعيل بن صبيح حدّثنا
إسرائيل عن عبد الأعلى الثعلبي عن محمد بن الحنفية عن علي، رضي الله تعالى عنه: ((أن

٤٣٥
٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٠٤ - ١٠٥)
رسول الله عَّ له رأى رجلاً يصلي إلى رجل فأمره أن يعيد الصلاة، قال: يا رسول الله إني
صليت وأنت تنظر إلي))، قال: هذا حديث لا يحفظ إلاّ بهذا الإسناد، وكأن هذا المصلي
كان مستقبل الرجل ولم يتنح عن حياله. وقال أبو بكر بن أبي شيبة حدّثنا إسماعيل بن علية
عن ليث عن مجاهد يرفعه قال: ((لا يأتم بنائم ولا محدث). وقال وكيع: حدّثنا سفيان عم
عبد الكريم أبي أمية عن مجاهد: ((أن النبي عَّلِ نهى أن يصلي خلف النوام والمتحدثين))،
وعبد الكريم متروك الحديث.
وفيه: استحباب إيقاظ النائم للطاعة. وفيه: أن الوتر يكون بعد النوم.
١٠٤ - بابُ التَّطَوّعِ خَلْفَ المَرأةِ
أي: هذا باب في بيان حكم صلاة التطوع خلف المرأة يعني يجوز.
١٦٢/ ٥١٣ - حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ أَبي النَضَرِ مَوْلَى عُمَرَ
ابنِ عُبَيْدَ اللهِ عنْ سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ عنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النِبِيِّ عَّلَّهِ أَنَّهَا قَالَتْ كُنْتُ أنام بَيْنَ
يَدَيْ رسولِ اللهِ عَّهِ وَرِجْلايَ فِي قِبْلَتِهِ فَإذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ فَإِذَا قامَ بَسَطْتُهُما
قالتْ وَالبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيها مصابيحٌ.
[انظر الحديث ٣٨٢ وأطرافه].
هذا الحديث بعينه بهذا الإسناد مر في باب الصلاة على الفراش، غير أن هناك أخرجه
عن إسماعيل عن مالك، وههنا عن عبد الله بن يوسف عن مالك، وأبو النضر سالم مولى عمر
بدون الواو، وأبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، وقد تكلمنا هناك فيما يتعلق به
مستوفى مستقصىّ، ومطابقته للترجمة ظاهرة. قال الكرماني: كيف دلالته على التطوع إذ
الصلاة أعم منه؟ ثم أجاب بأنه: قد علم من عادته عَّلّ أن الفرائض كان يصليها في
المسجد وبالجماعة. وقال أيضاً: لفظ الحديث يقتضي أن يكون ظهر المرأة إلى المصلي فما
وجه دلالة الحديث عليه؟ ثم أجاب بقوله لا نسلم ذلك الاقتضاء، ولئن سلمنا فالسنة للنائم
التوجه إلى القبلة، والغالب من حال عائشة أنها لا تتركها.
١٠٥ - بابُ منْ قال لا يَقْطَعُ الصَّلاَةَ شَيْءٌ
أي: هذا باب في بيان قول من قال لا يقطع الصلاة شيء ومعناه من فعل غير
المصلي.
٥١٤/١٦٣ - حدّثنا عُمَرُ بنُ خَفْصٍ قالَ حدَّثنا أبي قال حدّثنا الأَعْمَشُ قال حدّثنا
إبْرَاهِيمُ عَنِ الأسْوَد عنْ عَائِشَةَ قال الأعْمَشُ وحدّثني مُسْلِمٌ عنْ مَشْرُوقٍ عنْ عَائِشَةَ ذُكِرَ
عِنْدَها ما يَقُطَعُ الصَّلاَةَ الكَلْبُ والحِمَارُ وَالمَرْأَةُ فقالَتْ شَبَهْتُمُونا بالحُمُرِ والكِلابِ واللهِ لَقَدْ
رَأيْتُ النبيَِّعَّهِ يُصَلِّي وإنّي عَلَى السَّرِيرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ مُضْطَجِعَةٌ فَتَبْدُو لِي الحَاجَةُ فَأَكْرَهُ
أَنْ أَجْلِسَ فَأَوْذِيَ النبيَّ عَِّ فَأَنْسَلٌ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ. [انظرا لحديث ٣٨٢ وأطرافه].

٤٣٦
٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٠٥)
مطابقة هذا الحديث للترجمة من حيث إنه يدل على أن الصلاة لا يقطعها شيء، بيان
ذلك أن عائشة أنكرت على من ذكر عندها أن الصلاة يقطعها الكلب والحمار والمرأة بكونها
كانت على السرير بين النبي عَّه وبين القبلة وهي مضطجعة، ولم يجعل النبي عَِّ ذلك
قطعاً لصلاته، فهذه الحالة أقوى من المرور، فإذا لم تقطع في هذه ففي المرور بالطريق
الأولى، ثم المرور عام من أي حيوان كان، لأن الشارع جعل كل ما بين يدي المصلي
شيطاناً، وذلك في حديث أبي سعيد الخدري، أخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك.
وأبو داود عن القعنبي عن مالك عن زيد بن أسلم عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري
عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله عَ لَّهِ قال: ((إذا كان أحدكم يصلي فلا يدعن أحداً يمر
بين يديه، وليدراه ما استطاع فإن أبي فليقاتله فإنما هو شيطان)). وهو بعمومه يتناول بني آدم
وغيرهم، ولم يجعل نفس المرور قاطعاً، وإنما ذم المار حيث جعله شيطاناً من باب التشبيه.
ذكر رجاله وهم ثمانية قد ذكروا كلهم، والأعمش هو سليمان، وإبراهيم هو النخعي،
والأسود هو ابن يزيد النخعي، ومسلم هو أبو الضحى، ومسروق هو ابن الأجدع.
ذكر لطائف إسناده) فيه: التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع، وبصيغة الإفراد
في موضع واحد. وفيه: العنعنة في أربعة مواضع. وفيه: إسنادان: أحدهما: عن عمر بن حفص
ابن غياث عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، والآخر: عن الأعمش عن مسلم
عن مسروق عن عائشة، وأشار إليه بقوله، وقال الأعمش: حدثني مسلم، قال الكرماني: هذا
إما تعليق وإما داخل تحت الإسناد الأول، وهذا تحويل سواء كان بكلمة(ح) كما في بعض
النسخ، أو لم يكن. وقال بعضهم: قال الأعمش، وهو مقول حفص بن غياث وليس بتعليق.
قلت: أراد به الرد على الكرماني وليس له وجه، لأنه ذكر التعليق بالنظر إلى ظاهر الصورة،
وذكر أيضاً أنه داخل تحت الإسناد الأول. وهذا الحديث قد تكرر ذكره مطولاً ومختصراً
بوجوه شتى وطرق مختلفة، ذكر في باب الصلاة على الفراش، وفي باب الصلاة على
السرير، وفي باب استقبال الرجل الرجل في الصلاة، وفي باب الصلاة خلف النائم، وفي باب
التطوع خلف المرأة، وفي هذا الباب في موضعين.
ذكر معناه وإعرابه قوله: ((ذكر عندها)) أي: إنه ذكر عند عائشة. قوله: ((ما يقطع))،
كلمة: ما، موصولة، ويجوز فيه وجهان: الأول: أن تكون مبتدأ وخبره قوله: الكلب، والجملة
في محل النصب لأنه مفعول ما لم يسم فاعله، وهو قوله: ذكر، على صيغة المجهول.
الوجه الثاني: أن يكون: ما، مفعول ما لم يسم فاعله، ويكون قوله: الكلب، بدلاً منه. قوله:
((وأنا على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة))، ثلاثة أخبار مترادفة، قاله الكرماني، وقال
أيضاً: أو خبران وحال، أو: حالان وخبر، وفي بعضها مضطجعة بالنصب، فالأولان خبران، أو
أحدهما حال والآخر خبر. قلت: التحقيق فيه أن قوله: وأنا على السرير، جملة اسمية وقعت
حالاً من عائشة، وكذا: بينه وبين القبلة، حال. وقوله: مضطجعة، بالرفع خبر مبتدأ محذوف
تقديره: وأنا مضطجعة. وعلى التقديرين تكون هذه الجملة أيضاً حالاً، ويجوز أن يكون:

٤٣٧
٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٠٥)
مضطجعة، بالرفع خبراً لقوله: وأنا أي: والحال أنا مضطجعة على السرير، فعلى هذا لا يحتاج
إلى تقدير مبتدأ. وأما وجه النصب في: مضطجعة، فعلى أنه حال من: عائشة، أيضاً، ثم يجوز
أن يكون هذان الحالان مترادفين، ويجوز أن يكونا متداخلين. قوله: ((شبهتمونا بالحمر
والكلاب))، وفي رواية للبخاري: ((لقد جعلتمونا كلابا))، وهي في استقبال الرجل وهو يصلي،
وفي رواية مسلم: ((قالت: عدلتمونا بالكلاب والحمر)). وفي رواية أخرى له: ((لقد شبهتمونا
بالحمير والكلاب))، وفي رواية الطحاوي: ((لقد عدلتمونا بالكلاب والحمير)). وقد أخرج
الطحاوي هذا الحديث من سبع طرق صحاح، وفي رواية سعيد بن منصور: ((قالت عائشة:
ياأهل العراق قد عدلتمونا)). الحديث، وقد أخرج أهل العراق حديثاً عن أبي ذر أخرجه مسلم،
وقال: حدّثنا ابن أبي شيبة، قال: حدّثنا إسماعيل بن علية وحدثني زهير بن حرب، قال:
حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم عن يونس عن حميد بن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر، قال
رسول الله عَّله: ((إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل،
فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب
الأسود. قلت: يا أبا ذر: ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر ومن الكلب الأصفر؟
قال: يا ابن أخي، سألت رسول الله عَ لَّه كما سألتني، فقال: الكلب الأسود شيطان)).
وأخرجه الأربعة أيضاً مطولاً ومختصراً، وقيد الكلب في روايته بالأسود، وروى ابن ماجه
من حديث ابن عباس عن النبي عَّهِ، قال: ((يقطع الصلاة الكلب الأسود والمرأة الحائض)). وقيد
المرأة في روايته بالحائض. قوله: ((فتبدو لي الحاجة)) أي: تظهر، وفي (مسند) السراج: ((فيكون
لي حاجة)). قوله: ((فأكره أن أجلس)) أي: مستقبل رسول الله عَّه، وذكر في باب الصلاة على
السرير: ((فأكره أن أسنحه)). وفي باب استقبال الرجل: ((فأكره أن أستقبله))، والمقصود من ذلك
كله واحد، لكن باختلاف المقامات اختلفت العبارات. قوله: ((فأوذي)) بلفظ المتكلم من
المضارع وفاعله الضمير فيه: ((والنبي)) بالنصب مفعوله، وفي النسائي: من طريق شعبة عن منصور
عن الأسود عن عائشة في هذا الحديث: ((فأكره أن أقوم فأمر بين يديه)). قوله: ((فأنسل)) بالرفع
عطفا على قوله: ((فأكره)، وليس بالنصب عطفاً على: ((فأوذي)). ومعنى: ((فأنسل)): أي: أمضي
بتأن وتدريج. وقد ذكرنا مرة وفي رواية الطحاوي: ((فأنسل انسلالاً). وكذا في رواية للبخاري.
ذكر ما يستفاد منه: قال الطحاوي: دل حديث عائشة على أن مرور بني آدم بين يدي
المصلي لا يقطع الصلاة، وكذلك دل حديث أم سلمة وميمونة بنت الحارث، فأخرج
الطحاوي حديث أم سلمة عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة، قالت: ((كان يفرش لي
حيال مصلى رسول الله عَّهِ، كان يصلي وأنا حياله)). وأخرجه أحمد في (مسنده) نحوه،
غير أن في لفظه: ((حيال مسجد رسول الله عَّةٍ))، أي: تلقاء وجهه. وأخرج الطحاوي أيضاً
حديث ميمونة: عن عبد الله بن شداد، قال: حدثتني خالتي ميمونة بنت الحارث، قالت:
((كان فراشي حيال مصلى رسول الله عَّ ◌ُلّه، فربما وقع ثوبه علي وهو يصلي)). وأخرجه أبو
داود، ولفظه: ((كان رسول الله عَّه يصلي وأنا حذاءه، وأنا حائض، وربما أصابني ثوبه إذا

٤٣٨
٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٠٥)
سجد وكان يصلي على الخمرة)). قوله: ((مصلى رسول الله عَلٍ))، بفتح اللام، وهو الموضع
الذي كان يصلي فيه عَّله في بيته، وهو مسجده الذي عينه للصلاة فيه، و: الخمرة، بضم
الخاء المعجمة: حصير صغير يعمل من سعف النخل وينسج بالسيور والخيوط، وهي على
قدرها ما يوضع عليها الوجه والأنف، فإذا كبرت عن ذلك تسمى حصيراً. وقال الطحاوي: فقد
تواترت هذه الآثار عن رسول الله عَّلِّ بما يدل على أن بني آدم لا يقطعون الصلاة، وقد جعل
مل ما بين يدي المصلي في حديث ابن عمر وأبي سعيد شيطاناً، وأخبر أبو ذر: أن الكلب
الأسود إنما يقطع الصلاة لأنه شيطان، فكانت العلة التي جعلت لقطع الصلاة قد جعلت في بني
آدم أيضاً، وقد ثبت عن النبي عَّلهم أنهم لا يقطعون الصلاة، فدل على أن كل مار بين يدي
المصلي، مما سوى بني آدم، كذلك أيضاً لا يقطع الصلاة، والدليل على صحة ما ذكرنا أن ابن
عمر، مع روايته ما ذكرنا عنه عَّهِ من قوله، قد وري عنه من بعده ما حدّثنا يونس، قال: حدّثنا
سفيان عن الزهري عن سالم، قال: قيل لابن عمر: إن عبد الله بن عياش بن ربيعة، يقول: يقطع
الصلاة الكلب والحمار، فقال ابن عمر: لا يقطع صلاة المسلم شيء وقد دل هذا على ثبوت
نسخ ما كان سمعه من رسول الله عَِّ حتى صار ما قال به من ذلك، وقال بعضهم، وتعقب
على كلام ذلك، لأن مثل ابن عمر، بعدما روى أن المرور يقطع، قال: لا يقطع صلاة المسلم
شيء، فلو لم يثبت عنده نسخ ذلك لم يقل بما قال من عدم القطع، ومن الدليل على ذلك أن
ابن عباس، الذي هو أحد رواة القطع، وري أنه حمله على الكراهة.
وقال البيهقي: روى سماك عن عكرمة، قيل لابن عباس: أتقطع الصلاة المرأة والكلب
والحمار؟ فقال: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ [فاطر: ١٠] فما يقطع هذا،
ولكن يكره. وقال الطحاوي: وقد روى عن نفر من أصحاب رسول الله عَّهِ: أن مرور بني آدم
وغيرهم بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة، ثم أخرج عن سعيد بن المسيب بإسناد صحيح أن
علياً وعثمان، رضي الله تعالى عنهما، قالا: ((لا يقطع صلاة المسلم شيء وادرؤا ما استطعتم)).
وأخرجه أيضاً ابن أبي شيبة في (مصنفه): عن ابن المسيب عن علي وعثمان، قالا: ((لا يقطع
الصلاة شيء فادرؤوهم عنكم ما استطعتم)). وأخرج الطحاوي: عن كعب بن عبد الله عن حذيفة
ابن اليمان يقول: ((لا يقطع الصلاة شيء». وأخرجه ابن أبي شيبة أيضاً. وأخرج الطبراني من
حديث علي، رضي الله عنه، مرفوعاً: ((لا يقطع الصلاة شيء إلاَّ الحدث)). وقال الكرماني:
القائلون يقطع بمرورهم، من أين قالوا به؟ قلت: إما باجتهادهم، ولفظ: شبهتمونا، يدل عليه، إذ
نسبت التشبيه إليهم، وإما بما ثبت عندهم من قول النبي عَّله.
قلت: هذا السؤال سؤال من لم يقف على الأحاديث التي فيها القطع، وأحد شقي
الجواب غير موجه لأنه لا مجال للإجتهاد عند وجوب النصوص. ثم قال الكرماني: فإن قال
الرسول به فلِمَ لا يحكم بالقطع؟ قلت: إما لأنها رجحت خبرها على خبرهم من جهة أنها
صاحبة الواقعة، ومن جهة أخرى، أو لأنها أولت القطع بقطع الخشوع ومواطأة القلب اللسان
في التلاوة، لا قطع أصل الصلاة، أو جعلت حديثها وحديث ابن عباس مرور الحمار الأتان

٤٣٩
٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٠٥)
ناسخين له، وكذا حديث أبي سعيد الخدري حيث قال: ((فليدفعه وفليقاتله))، من غير حكم
بانقطاع الصلاة بذلك. فإن قلت: لِمَ لَمْ يعكس بأن يجعل الأحاديث الثلاثة منسوخة؟ قلت:
للإحتراز عن كثرة النسخ، إذ نسخ حديث واحد أهون من نسخ ثلاثة، أو لأنها كانت عارفة
بالتاريخ وتأخر عنه.
٥١٥/١٦٤ - حدثنا إسْحَاقُ قال أخبرنا يَعْقُوبُ بنُ برَاهِيمَ قال حدّثني ابنُ أخِي ابنٍ
شِهَابٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَمَّهُ عن الصَّلاَةِ يَقْطَعُهَا شِيءٌ فقالَ لاَ يَقْطَعُهَا شَيءٌ أخبرنيٍ عُزْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ
عائِشَةَ زَوْجَ النبيّ عَّ لّ قَالَتْ لَقَدْ كانَ رسولُ الله عَّهِ يَقُومُ فَيُصلِّي منَ اللَّيْلِ وإني لِمُعْتَرِضَةٌ
بَيْنَهُ وبَيْنَ القِبْلَةِ عَلَى فِرَاشِ أهْلِهِ. [انظر الحديث ٣٨٢ وأطرافه].
مطابقة الحديث للترجمة صريحة من قول الزهري.
ذكر رجاله وهم ستة: الأول: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، هذه
رواية أبي ذر، وفي رواية غيره وقع إسحاق غير منسوب، وزعم أبو نعيم أنه: إسحاق بن
منصور الكوسج، وجزم ابن السكن بأنه: ابن راهوية، وقال: كل ما في البخاري عن إسحاق
غير منسوب فهو ابن راهوية. وقال الكلاباذي: إسحاق ابن إبراهيم. وإسحاق بن منصور
وكلاهما يرويان عن يعقوب. الثاني: يعقوب بن إبراهيم، وقد مر. الثالث: ابن أخي ابن
شهاب هو محمد بن عبد الله بن مسلم، تقدم في باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة.
الرابع: عمه، هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. الخامس: عروة بن الزبير. السادس:
أم المؤمنين عائشة، رضي الله تعالى عنها.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد. وفيه: الإخبار
كذلك في موضعين وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: السؤال والقول. وفيه: رواية الرجل عن
عمه، وفيه: رواية التابعي عن الصحابية. وفيه: أن رواته مدنيون ما خلا إسحاق فإنه مروزي.
ذكر معناه قوله: ((لا يقطعها))، أي: لا يقطع الصلاة شيء، وهذا عام مخصوص بالأمور
الثلاثة التي وقع النزاع فيها، لأن القواطع في الصلاة كثيرة مثل القول الكثير وغيرهما، وما
من عام إلاّ وقد خص إلاّ: ﴿والله بكل شيء عليم﴾ [البقرة: ٢٣١، ٢٨٢ - النساء: ١٧٦ -
المائدة: ٩٧ - الأنفال: ٧٥ - التوبة: ١١٥ - النور: ٣٥، ٦٤ - العنكبوت: ٦٢ -
الحجرات: ١٦ - المجادلة: ٧٠ - التغابن: ١١]ونحوه. قوله: ((أخبرني))، من تتمة مقول ابن
شهاب. قوله: ((وإني لمعترضة))، جملة اسمية مؤكدة: بأن، واللام في موضع النصب على
الحال. قوله: ((على فراش أهله))، كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي: ((على
فراش))، وعلى الروايتين هو متعلق: بقوم، مع أن الرواية الأولى يحتمل تعلقها بلفظ: يصلي،
أيضاً.
ذكر ما يستفاد منه به استدلت عائشة والعلماء بعدها على أن المرأة لا تقطع صلاة
الرجل. وفيه: جواز صلاة الرجل إليها، وكراهة البعض لغير النبي، عليه الصلاة والسلام،

٤٤٠
٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٠٦)
ولخوف الفتنة بها وبذكرها واشتغال القلب بها بالنظر إليها، والنبي، عَظّه، منزه عن ذلك
كله، مع أنه كان في الليل والبيوت يومئذ ليست فيها مصابيح. وفيه: إستحباب صلاة الليل.
وفيه: جواز الصلاة على الفراش.
١٠٦ _ بابٌ منْ حَمَلَ جَارِيَةً صَغِيرَةً على عُنقِهِ في الصَّلاَةِ
أي: هذا باب في بيان من حمل جارية صغيرة على عنقه، يعني: لا تفسد صلاته.
وقال ابن بطال: أدخل البخاري هذا الحديث هنا ليدل أن حمل المصلي الجارية على العنق
لا يضر صلاته، لأن حملها أشد من مرورها بين يديه، فلما لم يضر حملها كذلك لا يضر
مرورها. قلت: فلذلك ترجم هذا الباب بهذه الترجمة، وبينه وبين الأبواب التي قبله مناسبة من
هذا الوجه.
٥١٦/١٦٥ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ عامِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ
الزُّبَيْرِ عِنْ عَمْرو بنِ سُلَيْمِ الزُّرقِيِّ عن أبي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ أنَّ رسولَ اللهِ عَ لَّهِ كانَ يُصَلِّي وَهُوَ
حامِلٌ أَمامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِثْتَ رسولِ اللهِ عَّهِ ولأبي العَاصِ بنِ رَبِيعَةَ بنِ عَبْدِ شمْسٍ فَإِذَا سَجَدَ
وَضَعَها وَإِذَا قام حَمَلَها. [الحديث ٥١٦ - طرفة في: ٥٩٩٦].
مطابقته للترجمة ظاهرة. فإن قلت: أين الظهور وقد خصص الحمل بكونه على العنق،
ولفظ الحديث أعم من ذلك؟ قلت: كأنه أشار بذلك إلى أن الحديث له طرق أخرى منها
المسلم من طريق بكير بن الأشج عن عمرو بن سليم، وصرح فيه: ((على عنقه))، وكذا في
رواية أبي داود له: ((فيصلي رسول الله عَّه وهي على عاتقه)، وفي رواية لأحمد من طريق
ابن جريج: ((على رقبته)).
ذكر رجاله وهم خمسة: الأول: عبد الله بن يوسف التنيسي. الثاني: مالك بن أنس.
الثالث: عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام. الرابع: عمرو بن سليم، بضم السين: الزرقي،
بضم الزاي وفتح الراء، وهو في الأنصار نسبة إلى زريق بن عامر بن زريق بن عبد حارثة بن
مالك بن عصب بن جشم بن الخزرج. الخامس: أبو قتادة الأنصاري واسمه الحارث بن
ربعي السلمي، وقال ابن الكلبي وابن إسحاق: اسمه النعمان. قال الهيثم بن عدي: إن علياً
صلى عليه بالكوفة في سنة ثمان وثلاثين.
:
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع، والإخبار كذلك في
موضع، والعنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: في رواية عبد الرزاق: عن مالك سمعت أبا قتادة،
وكذا في رواية أحمد من طريق ابن جريج: عن عامر عن عمرو بن سليم أنه سمع أبا قتادة.
وفيه: أن رواته كلهم مدنيون ما خلا شيخ البخاري. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن
الصحابي.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضاً في الأدب عن أبي الوليد
الطيالسي. وأخرجه مسلم في الصلاة عن القعنبي ويحيى بن يحيى وقتيبة، ثلاثتهم عن مالك