Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٦٨)
أحمد بن صالح عن عبد الرزاق به. وأخرجه النسائي في الصلاة، وفي اليوم والليلة عن قتيبة
ومحمد بن منصور فرقهما، كلاهما عن منصور عن سفيان به، وأخرجه أيضاً عن خمسة
أنفس، وأخرجه أيضاً في القضاء عن محمد بن عبد الله بن بزيغ عن يزيد بن زريع عن شعبة
عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب عن حسان بن ثابت قال: قال لي رسول الله عد له:
((اهجهم - أو: هاجهم))، يعني المشركين، ((وجبرائيل معك))، رواه سفيان بن حبيب عن
شعبة فجعله من مسند البراء رضي الله تعالى عنه.
ذكر معناه وإعرابه قوله: ((يستشهد أبا هريرة)) أي: يطلب منه الشهادة. ومحلها
النصب على الحال من حسان، فإن قيل: لا بد في الشهادة من نصاب فكيف ثبت غرض
حسان بشهادة أبي هريرة فقط؟ أجيب: بأن هذه رواية حكم شرعي، ويكتفى فيها عدل
واحد. وأطلق الشهادة على سبيل التجوز لأنه في الحقيقة إخبار، فيكفي فيه عدل واحد،
كما بين ذلك في موضعه. قوله: ((أنشدك الله))، بفتح الهمزة وضم الشين: معناه سألتك بالله.
قال الجوهري: نشدت فلاناً أنشده نشداً إذا قلت له: نشدتك الله، أي: سألتك بالله، كأنك
ذكرته، إياه، فنشد أي تذكر. وقال ابن الأثير: يقال: نشدتك الله وأنشدك الله وبالله،
وناشدتك الله أي: سألتك وأقسمت عليك، ونشدته نشدة ونشداناً ومناشدة، وتعديته إلى
مفعولين إما لأنه بمنزلة دعوت، حيث قالوا: نشدتك الله وبالله، كما قالوا: دعوت زيداً وبزيد،
أو لأنهم ضمنوه معنى ذكرت. وأما: أنشدتك بالله فخطأ.
قوله: ((أجب عن رسول الله عَّ) وفي رواية سعيد: ((أجب عني))، ومعنى الأول: أجب
الكفار عن جهة رسول الله عَّله، ولفظ: جهة، مقدر، ويجوز أن يضمن: أجب معنى: إدفع،
والمعنى: إدفع عن رسول الله عَّله. ويحتمل أن يكون الأصل رواية سعيد، وهي: أجب عني، ثم نقل
حسان ذلك بالمعنى. وزاد فيه لفظة؛ رسول الله عَُّلِّ، تعظيماً له، ويحتمل أن تكون تلك لفظة
رسول الله عَ لّه، بعينه لأجل المهابة وتقوية لداعي المأمور، كما قال تعالى: ﴿فإذا عزمت فتوكل على
الله﴾ [آل عمران: ١٥٩] وكما يقول الخليفة: أمير المؤمنين يرسم لك، لأن فيه تعظيماً له، وتقوية
للمأمور ومهابة بخلاف، قوله؛ أنا أرسم. والمراد بالإجابة: الرد على الكفار الذين هجوا رسول الله عَ ليه
قوله: ((اللهم أيده)) هذا دعاء من رسول الله عَّ ◌ُلَّه، لحسان، دعا له بالتأييد، وهو القوة
على الكفار. قوله: ((بروح القدس)): الباء: فيه تتعلق بقوله: أيده، والمراد: بروح القدس، هنا
جبريل عليه السلام، يدل عليه ما رواه البخاري أيضاً من حديث البراء بلفظ: وجبريل معك.
والقدس، بضم القاف والدال بمعنى: الطهر، وسمي جبريل بذلك لأنه خلق من الطهر. وقال
كعب: القدس الرب، عز وجل، ومعنى: روح القدس روح الله، وإنما سمي بالروح لأنه يأتي
بالبيان عن الله تعالى فتحيي به الأرواح. وقيل: معنى القدس البركة، ومن أسماء الله تعالى:
القدوس، أي: الطاهر المنزه عن العيوب والنقائص، ومنه الأرض المقدسة، وبيت المقدس،
لأنه الموضع الذي يتقدس فيه، أي: يتطهر فيه من الذنوب.
ذكر ما يستنبط منه من الأحكام الأول: فيه الدلالة على أن الشعر الحق لا يحرم في
عمدة القاري /ج٤ /م٢١

٣٢٢
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٦٨)
المسجد، والذي يحرم فيه ما فيه الخناء والزور والكلام الساقط، يدل عليه ما رواه الترمذي
مصححاً من حديث عائشة: ((كان رسول الله عَ لّه ينصب لحسان منبراً في المسجد فيقوم
عليه ويهجو الكفار)). فإن قلت: روى ابن خزيمة في صحيحه عن عبد الله بن سعيد حدّثنا أبو
خالد الأحمر عن ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ((نهى رسول الله عَّ.
عن تناشد الأشعار في المساجد))، وحسنه الحافظان: الطوسي والترمذي، وروى أبو داود من
حديث صدقة بن خالد عن محمد بن عبد الله الشعبي عن زفر بن وثيمة عن حكيم بن حزام
مرفوعاً: ((نهى النبي عَّ أن يستقاد في المسجد، وأن تنشد فيه الأشعار، وأن تقام فيه
الحدود)). وروى عبد الرزاق في (مصنفه) من حديث ابن المنكدر: عن أسيد بن عبد
الرحمن: ((أن شاعراً جاء النبي عَّ له وهو في المسجد، قال: أنشدك يا رسول الله؟ قال: لا،
قال: بلى، فقال له النبي عَّله: فاخرج من المسجد، فخرج فأنشده فأعطاه رسول الله عَ لَه
ثوباً)). وقال: هذا بدل ما مدحت به ربك. قلت: أما حديث عمرو: فمنهم من يقول: إنه
صحيفة، حتى قال ابن حزم: لا يصح هذا، لكن يقول: من يصحح نسخته يصحح حديثه.
وأما حديث حكيم بن حزام فقال أبو محمد الأشبيلي: إنه حديث ضعيف. وقال ابن القطان:
لم يبين أبو محمد من أمره شيئاً، وعلته الجهل بحال زفر، فلا يعرف. قلت: أما زفر فإنه ليس
كما قال، بل حاله معروفة. قال عثمان بن سعيد الدارمي: سألت يحيى عنه، فقال: ثقة،
وذكره ابن حبان في (كتاب الثقات)، وصحح له الحاكم حديثاً عن المغيرة بن شعبة. وأما
حديث أسيد ففي سنده ابن أبي يحيى شيخ الشافعي. وفيه كلام شديد، وقد جمع ابن خزيمة
في (صحيحه) بين الشعر الجائز إنشاده في المسجد وبين الممنوع من إنشاده في المسجد
وبين الممنوع من إنشاده فيه. وقال أبو نعيم الأصبهاني في (كتاب المساجد): نهى عن
تناشد أشعار الجاهلية والمبطلين فيه، فأما أشعار الإسلام والمحقين فواسع غير محظور.
وقد اختلف العلماء أيضاً في جواز إنشاد الشعر مطلقاً، فقال الشعبي وعامر بن سعد
البجلي ومحمد بن سيرين وسعيد بن المسيب والقاسم والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة ومالك
والشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد: لا بأس بإنشاد الشعر
الذي ليس فيه هجاء، ولا نكب عرض أحد من المسلمين، ولا فحش. وقال مسروق بن
الأجدع وإبراهيم النخعي وسالم بن عبد الله والحسن البصري وعمرو بن شعيب: تكره رواية
الشعر وإنشاده، واحتجوا في ذلك بحديث عمر بن الخطاب عن رسول الله عَ لَّه قال: ((لأن
يمتلىء جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلىء شعراً). ورواه ابن أبي شيبة والبزار
والطحاوي، وروى مسلم عن سعد بن أبي وقاص عن النبي عَ لّه قال: (لأن يمتلىء جوف
أحدكم قيحاً يريه خير من أن يمتلىء شعراً)). وأخرجه ابن ماجة أيضاً، وأخرجه البخاري عن
ابن عمر عن النبي عَ لَّه نحو رواية ابن أبي شيبة، وأخرجه مسلم أيضاً عن أبي هريرة نحو
روايته عن سعد، وأخرجه أيضاً عن أبي سعيد الخدري، وأخرجه الطحاوي أيضاً عن عوف بن
مالك عن النبي عَّه، وأخرجه الطبراني أيضاً عن أبي الدرداء عن النبي عَ لَّه، وأجاب الأولون

٣٢٣
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٦٩)
عن هذا وقالوا: إنما هذه الأحاديث وردت على خاص من الشعر، وهو أن يكون فيه فحش
وخناء، وقال البيهقي عن الشعبي: المراد به الشعر الذي هجي به النبي عَّ له، وقال أبو عبيدة:
الذي فيه عندي غير ذلك، لأن ما هجي به رسول الله عٍَّ لو كان شطر بيت لكان كفراً،
ولكن وجهه عندي أن يمتلىء قلبه حتى يغلب عليه فيشغله عن القرآن والذكر. قيل: فيما قاله
أبو عبيدة نظر، لأن الذين هجوا النبي عَّلَّه كانوا كفاراً، وهم في حال هجوهم موصوفون
بالكفر من غير هجو، غاية ما في الباب: قد زاد كفرهم وطغيانهم بهجوهم، والذي قاله
الشعبي أوجه. قلت: قال الطحاوي: قال قوم: لو كان أريد بذلك ما هجي به رسول الله عَ ليه.
من الشعر لم يكن لذكر الامتلاء معنىّ، لأن قليل ذلك وكثيره كفر، ولكن ذكر الامتلاء ليس
فيما دونه. قالوا: فهو عندنا على الشعر الذي يملأ الجوف فلا يكون فيه قرآن ولا تسبيح ولا
غيره، فأما من كان في جوفه القرآن والشعر مع ذلك، فليس ممن امتلأ جوفه شعراً، فو خارج
من قول رسول الله عَّ له: ((لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحاً يريه خير له من أن يمتلىء
شعراً)). وقال أبو عبد الملك: كان حسان ينشد الشعر في المسجد في أول الإسلام، وكذا
لعب الحبش فيه، وكان المشركون إذ ذاك يدخلونه، فلما كمل الإسلام زال ذلك كله.
قلت: أشار بذلك إلى النسخ، ولم يوافقه أحد على ذلك. قوله: ((قيحاً)) نصب على التمييز،
وهو: الصديد الذي يسيل من الدمل والجرح، قوله: ((يريه)) من الوري، وهو الداء يقال: ورى
يوري فهو موري إذا أصاب جوفه الداء وقال الجوهري: وروى القيح جوفه يريه ورياً: أكله،
وقال قوم: معناه حتى يصيب ريته. قلت: فيه نظر.
الثاني من الأحكام: جواز الاستنصار من الكفار. قال العلماء: ينبغي أن لا يبدأ
المشركون بالسب والهجاء مخافة من سهم الإسلام وأهله، قال تعالى: ﴿ولا تسبوا الذين
يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً﴾ [الأنعام: ١٠٨] ولتنزيه ألسنة المسلمين عن الفحش،
إلاَّ أن تدعو إلى ذلك ضرورة کابتدائهم به، فكيف إذا هم أو نحوه كما فعله ملێ.
الثالث: فيه استحباب الدعاء لمن قال شعراً، مثل قصة حسان.
الرابع: فيه الدلالة على فضيلة حسان رضي الله تعالى عنه.
٦٩ _ بابُ أصْحَابِ الحِرَابِ في المَسْجِدِ
أي: هذا باب في بيان جواز دخول أصحاب الحراب في المسجد، والمراد من
أصحاب الحراب هنا هم الذين يتشاققون بالسلاح كالحراب ونحوها للاشتداد والقوة على
الحرب مع أعداء الدين، وقال المهلب: المسجد موضوع لأمر جماعة المسلمين، وكل ما
كان من الأعمال التي تجمع منفعة الدين وأهله واللعب بالحراب من تدريب الجوارح على
معاني الحروب فهو جائز في المسجد وغيره، و: الحرب، بكسر الحاء: جمع حربة،
كالقصاع: جمع قصعة. والحراب، أيضاً مصدر من: حارب يحارب محاربة وحراباً، والمراد
هنا الأول.

٣٢٤
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٦٩)
١١٤ / ٤٥٤ - حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قال حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحِ عنِ
ابنِ شِهَابٍ قال أخبرني عُرْوَةُ بنُ الزَّبِيْرِ أنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ لَقَدْ رَأيْتُ رسولَ اللَّهِ عَ لَّه يَوْماً عَلَى
بابِ حُجْرَتِي والحَبَشةُ يَلْعَبُونَ فِي المَسْجِدِ ورسولُ اللَّهِ عَ لَّه يَسْتُوني بِرِدَائِهِ أَنْظُرُ إِلَى لَعِيِهِمْ.
[الحديث ٤٥٤ - أطرافه في: ٤٥٥، ٩٥٠، ٩٨٨، ٢٩٠٦، ٣٥٢٩، ٣٩٣١، ٥١٩٠،
٥٢٣٦].
... / ٤٥٥ _ زادَ إبْرَاهِيمُ بنُ المُنْذِرِ حدّثنا ابنُ وَهْبٍ أخبرني يُونُسُ عنِ ابنِ شِهِابٍ
عنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ رَأيْتُ النبيَّ عَّ ◌ِلّهِ وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ. [انظر الحديث ٤٥٤
وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((والحبشة يلعبون بحرابهم)).
ذكر رجاله وهو تسعة: الأول: عبد العزيز بن عبد الله بن يحيى أبو القاسم القرشي
العامري المدني. الثاني: إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. الثالث:
صالح ابن كيسان أبو محمد مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز. الرابع: محمد بن مسلم بن
شهاب الزهري. الخامس: عروة بن الزبير ابن العوام. السادس: إبراهيم بن المنذر الحزامي،
مر في كتاب العلم وهو شيخ البخاري. السابع: عبد الله بن وهب. الثامن: يونس بن يزيد
الأيلي. التاسع: عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والإخبار بصيغة
الإفراد في موضعين، والعنعنة في أربعة مواضع. وفيه: أن عبد العزيز من أفراد البخاري. وفيه:
ثلاثة من التابعين وهم: صالح وابن شهاب وعروة. وفيه: أن رواته ما بين مدني ومصري
وأيلي. وفيه: أن قوله: ((زاد ابن المنذر)) يحتمل التعليق، قاله الكرماني: قلت: وهو تعليق بلا
احتمال، وقد وصله الإسماعيلي من طريق عثمان بن عمر عن يونس، والذي زاده هو لفظ:
((بحرابهم)).
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضاً في العيدين وفي مناقب
قريش. وأخرجه مسلم في العيدين أيضاً عن أبي الطاهر بن السرح.
ذكر معناه وإعرابه قوله: ((لقد رأيت رسول الله عَ لَّه)) أي: والله لقد أبصرت، فهم
معنى القسم من: اللام، ولفظة: قد، اللتان تدلان على التأكيد، و: رأيت، بمعنى: أبصرت،
فلذلك اقتصر على مفعول واحد. قوله: ((يوماً))، نصب على الظرف. قوله: ((والحبشة
يلعبون))، جملة حالية، و: الحبشة. والحبش: جنس من السودان مشهور. قوله: ((ورسول الله
يسترني) جملة حالية أيضاً، وهذا يدل على أنه كان بعد نزول الحجاب. قوله: ((أنظر)) أيضاً،
جملة حالية. قوله: ((إلى لعبهم))، بفتح اللام وكسر العين وبكسر اللام وسكون العين. قوله:
((زاد))، فعل ماض وفاعله: ابن المنذر، وهو فاعل: قال، أيضاً، ومفعوله الذي زيد هو قوله:
«بحرابھم» کما ذ کرنا.

٣٢٥
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٧٠)
ذكر ما يستنبط منه من الأحكام فيه: جواز اللعب بالحراب في المسجد على الوجه
الذي ذكرناه في أول الباب، وحكى ابن التين عن أبي الحسن اللخمي: أن اللعب بالحراب
في المسجد منسوخ بالقرآن والسنة، أما القرآن فقوله تعالى: ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع﴾
[النور: ٣٦]. وأما السنة في حديث واثلة بن الأسقع الذي أخرجه ابن ماجه: ((جنبوا
مساجدكم صبيانكم ومجانينكم))، ورد بأن الحديث ضعيف، وليس فيه ولا في الآية تصريح
بما ادعاه، ولا عرف التاريخ حتى يثبت النسخ. وفيه: جواز النظر إلى اللعب المباح. وقال
الكرماني: وقد يمكن أن يكون ترك النبي عَ ◌ّهِ عائشة لتنظر إلى لعبهم لتضبط السنة في ذلك،
وتنقل تلك الحركات المحكمة إلى بعض من يأتي من أبناء المسلمين وتعرفهم بذلك. وفيه:
من حسن خلقه الكريم وجميل معاشرته لأهله. وفيه: جواز نظر النساء إلى الرجال ووجوب
استتارهن عنهم. وفيه: فضل عائشة وعظم محلها عند رسول الله عَ ◌ّه.
٧٠ _ بابُ ذِكْرِ البَيْعِ والشّرَاء عَلَى المِثْبَرِ في المسْجِدِ
أي: هذا باب في بيان ذكر البيع والشراء يعني في الإخبار عن وقوعهما على المنبر
في المسجد لا عن وقوعهما على المنبر، وفي بعض النسخ: على المنبر والمسجد، قيل:
على هذه النسخة يكون التقدير: وعلى المسجد، ولا تدخل عليه كلمة الاستعلاء، والأصل
أن يقال: وفي المسجد. أجيب: بأن هذا عكس ما عمل في قوله تعالى: ﴿ولأصلبنكم في
جذوع النخل﴾، والأصل أن يقال: على جذوع النخل، ولكن الحروف ينوب بعضها عن
بعض. وقال الكرماني: يجوز أن يكون من باب:
علفتها: تبناً وماءً بارداً
قلت: تقديره: وسقيتها ماءً بارداً، لأنه لا يعلف بالماء.
٤٥٦/١١٥ - حدثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قال حدّثنا سُفْيَانُ عنْ يَحْيَى عِنْ عَمْرَةً عنْ
عائِشَةَ قالَتْ أَتَتْها بَرِيرَةُ تَسْأَلُها فِي كِتَابَتِها فقالَتْ إِنْ شِئْتِ أعْطَيْتُ أهْلَكِ وَيَكُونُ الوَلاَءُ لِي
وقال أهْلُها إِنْ شِئْتِ أعْطَيْتِها ما بَقِيَ. وقال سُفْيانُ مَرَّةً إِنْ شِئْتِ أَعْتَقْتِها وَيَكُونُ الوَلاءُ لَنَا فَلَمَّا
جاءَ رسولُ اللَّهِ عَ لَلِّ ذَكَّرَتْهُ ذَلِكَ فقال النبيُّ عَلِ ابْتَاعِيها فَأَعْتِقيها فَإِنَّ الوَلاَءَ لِمَنْ أَعْتَقَ ثُمَّ
قامَ رسولُ اللَّهِ عَلِّ عَلَى المِنْبَرِ. وقال سُفْيانُ مرَّةً فَصَعِدَ رسولُ اللَّهِ عَلّ عَلَى المِنْبَرِ
فقال ما بالُ أقْوَامِ يشْترِطُونَ شُرَوطاً لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطاً لَيْسَ فِي
كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ وإِنَ اشْتَرَطَ مائَةَ مَرَّةٍ قال عَلِيٌّ قال يَحْيَّى وَعَبْدُ الوَهابِ عنْ يَحْيَى عنْ
عَمْرَةَ. وقال جَعْفَرُ بنُ عَوْنَ عنْ يَخْتَى قال سَمِعْتُ عَمرَةَ قالتْ سَمِعْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها
وَرَوَاهُ مالِكٌ عَنْ يَخْيَى عِنْ عَمْرَةِ أَن بَرِيرَة وَلَمْ يَذْكُرْ صَعِدَ المِنْبَرَ. [الحديث ٤٥٦ - أطرافه
في: ١٤٩٣، ٢١٥٥، ٢١٦٨، ٢٥٣٦، ٢٥٦٠، ٢٥٦١، ٢٥٦٣، ٢٥٦٤، ٢٥٦٥،
٢٥٧٨، ٢٧١٧، ٢٧٢٦، ٢٧٢٩، ٢٧٣٥، ٥٠٩٧، ٥٢٧٩، ٥٢٨٤، ٥٤٣٠، ٦٧١٧،
٦٧٥١، ٦٧٥٤، ٦٧٥٨، ٦٧٦٠].

٣٢٦
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٧٠)
مطابقة الحديث للترجمة تعلم من قوله عَّ له: ((ما بال أقوام يشترطون ... )) إلى آخره،
فإنه عَِّ ذكره هنا عقيب قضية مشتملة على بيع وشراء وعتق وولاء، فإنه عَِّ لما قال:
((ابتاعيها فأعتقيها فإن الولاء لمن أعتق)، قبل صعوده على المنبر، دل على حكم هذه
الأشياء، ثم لما قال على المنبر: ((ما بال أقوام ... )) الخ، أشار به إلى القضية التي وقعت،
فكانت إشارته إليها كوقوعها على المنبر في المسجد، وهذا هو الوجه، لا ما ذكره أكثر
الشراح مما تنفر عنه الطباع وتمج عنه الأسماع، وسيعلم ذلك من يقف عليه.
ذكر رجاله وهم خمسة: الأول: علي بن عبد الله المديني. الثاني: سفيان بن عيينة.
الثالث: يحيى بن سعيد الأنصاري. الرابع: عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية المدنية، وقد
تكرر ذكرهم. الخامس: عائشة، رضي الله تعالى عنها.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وعلى رواية الحميدي
في (مسنده) في ثلاثة مواضع، لأن في روايته: حدّثنا سفيان حدّثنا يحيى. وفيه: العنعنة في
ثلاثة مواضع. وفيه: أن رواته ما بين مديني ومكي ومدني. وفيه: رواية التابعي عن التابعية عن
الصحابية.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري في مواضع عديدة: في الزكاة
في باب الصدقة على موالي أزواج النبي عَّهِ. وفي العتق والمكاتب والهبة والبيوع
والفرائض والطلاق والشروط والأطعمة وكفارة الأيمان، وأخرجه في الطلاق من حديث ابن
عباس، وفي الفرائض من حديث ابن عمر، وأخرج مسلم طرفاً من حديث أبي هريرة.
وأخرجه البخاري أيضاً في باب البيع والشراء مع النساء من طريق عروة عن عائشة، وفي
باب إذا اشترط في البيع شروطاً من حديث هاشم عن أبيه عنها. وأخرجه مسلم أيضاً
مطولاً ومختصراً. وأخرجه أبو داود في العتق عن القعنبي وقتيبة من حديث الزهري عن
عروة عن عائشة. وأخرجه الترمذي في الوصايا عن قتيبة به. وأخرجه النسائي في البيوع عن
قتيبة به، وفيه: وفي العتق عن يونس بن عبد الأعلى. وأخرجه النسائي أيضاً عن عمرة عن
عائشة في الفرائض عن أحمد بن سليمان وموسى بن عبد الرحمن ومحمد بن إسماعيل وهو
ابن علية، ثلاثتهم عن جعفر بن عون به، وعن الحارث بن مسكين عن ابن أبي القاسم عن
مالك به، وفي العتق وفي الشروط عن محمد بن منصور عن سفيان به، وفي الشروط أيضاً
عن إسحاق بن إبراهيم عن سفيان ببعضه. وأخرجه ابن ماجة أيضاً في العتق عن أبي بكر بن
أبي شيبة وعلي بن محمد، قالا: حدّثنا وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة زوج
النبي عَّ أن بريرة أتتها وهي مكاتبة قد كاتبها أهلها على تسع أواق، فقالت لها: إن شاء
أهلك عددت لهم عدة واحدة وكان الولاء لي. قال: فأتت أهلها فذكرت ذلك لهم فأبوا إلاَّ
أن يشترط الولاء لهم، فذكرت عائشة ذلك للنبي عَّ له فقال: إفعلي. قال: فقام النبي عَّ.
فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((ما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في
كتاب الله، كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، كتاب الله أحق،

٣٢٧
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٧٠)
وشرط الله أوثق، والولاء لمن أعتق)).
ذكر اعرابه ومعناه قوله: ((قال: أتتها بريرة))، فاعل: قالت، يحتمل أن يكون: عمرة،
ويحتمل أن يكون: عائشة، فإذا كانت: عائشة، ففيه التفات من الحاضر إلى الغائب، وبريرة،
بفتح الباء الموحدة وكسر الراء الأولى وفتح الثانية بينهما ياء آخر الحروف ساكنة، وزعم
القرطبي أن وزنها. فعيلة، من البر، ويحتمل أن تكون بمعنى مفعولة أي: مبرورة، كأكيلة السبع أي
مأكولته ويحتمل أن تكون بمعنى: فاعلة، كرحيمة بمعنى: راحمة، وهي بنت صفوان، كانت لقوم
من الأنصار، أو مولاة لأبي حمد بن جحش، وقيل: مولاة لبعض بني هلال، وكانت قبطية.
وقال الكرماني: بريرة مولاة لعائشة كانت لعتبة بن أبي لهب، قلت: ذكرها الذهبي في
الصحابيات، وقال: يقال: إن عبد الملك بن مروان سمع منها، وفي (معجم الطبراني): من
حديث عبد الملك بن مروان، قال: ((كنت أجالس بريرة بالمدينة فكانت تقول لي: يا عبد
الملك! إني أرى فيك خصالاً وإنك لخليق أن تلي هذا الأمر، فإن وليته فاحذر الدنيا، فإني
سمعت رسول الله عَّ يقول: إن الرجل ليدفع عن باب الجنة بعد أن ينظر إليها بملىء
محجمة من دم یریقه من مسلم بغير حق)). انتهى.
وعبد الملك اختلف في مولده، فقال حنيفة بن خياط: سنة ثلاث، وقال أبو حسان
الزيادي: سنة خمس، وقال محمد بن سعد سنة خمس، وقال محمد بن سعد. سنة ست
وعشرين، وولاه معاوية ديوان الخراج وعمره ستة عشر سنة، فعلى هذا تكون بريرة موجودة
بعد سنة أربعين. وقد اختلف في اسم زوج بريرة ففي (الصحيح): مغيث، بضم الميم وكسر
الغين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره ثاء، مثلثة، وعن الصريفيني عن
العسكري: معتب، بعين مهملة وكسر التاء المثناة من فوق وفي آخره باء موحدة، وعند أبي،
موسى الأصبهاني اسمه: مقسم، والله تعالى أعلم.
قوله: ((تسألها في كتابتها))، جملة حالية وقعت حالاً عن بريرة، والأصل في السؤال
أن يعدى: بعن، كما في قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأنفال﴾ [الأنفال: ١] ولكن لما كان
سؤالها بمعنى الاستعطاء، بمعنى: تستعطيها في أمر كتابتها، عدي بكلمة الظرف، ويجوز أن
يكون معنى: تسأل، تستعين بالتضمين، على أن في رواية جاءت هكذا، والكتابة في اللغة
مصدر: كتب من الكتب، وهو الجمع، ومنه كتبت القربة إذا خرزتها، وسمي هذا العقد؛
كتابة ومكاتبة، لأن فيه ضم حرية اليد إلى حرية الرقبة، أو لأن فيه جمعاً بين نجمين فصاعداً،
أو لأن كلاً منهما يكتب الوثيقة، وفي الشرع: تحرير المملوك يداً في الحال، ورقبة في
المآل، لأن المكاتب لا يتحرر رقبة إلاّ إذا أدى المال، وهو بدل الكتابة، وأما في الحال فهو
حر من جهة اليد فقط حتى يكون أحق بكسبه، ويجب على المولى الضمان بالجناية عليه أو
على ماله، ولهذا قيل: المكاتب طار عن ذل العبودية ولم ينزل في ساحة الحرية، فصار
كالنعامة أن استطير تباعر، وان استحمل تطاير. قوله: ((فقالت: إن شئت)) أي: قالت عائشة
مخاطبة لبريرة: إن شئت، وهو بكسر التاء. قوله: ((أعطيت))، بلفظ المتكلم. قوله:
((أهلك)) المراد به: مواليها، وهو منصوب على أنه مفعول أول لأعطيت، ومفعوله الثاني

٣٢٨
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٧٠)
محذوف وهو: ثمنك، لدلالة الكلام عليه. قوله: ((ويكون الولاء لي)) بفتح الواو، وهو فيٍ
عرف الفقهاء عبارة عن تناصر يوجب الإرث، والعقد والولاء في اللغة. النصرة والمحبة، إلاّ
أن اختص في الشرع: بولاء العتق، والموالاة واشتقاقه من الولي وهو: القرب، وحصول الثاني
بعد الأول من غير فصل. قوله: ((وقال أهلها)) أي: بريرة. قوله: ((إن شئت اعطيتها)) مقول
القول، اللتاء: في شئت وأعطيت، مكسورة لأنها خطاب لعائشة. قوله: ((ما بقي)) أي: الذي
بقي من مال الكتابة في ذمة بريرة، ومحل هذه الجملة النصب لأنها وقعت مفعولاً ثانياً لقوله؛
أعطيتها، ومفعوله الأول الضمير المنصوب في: أعطيتها. قوله: ((وقال سفيان))، هو ابن عيينة
أحد الرواة المذكورين في الحديث، وأشار به إلى أن سفيان حدث به. على وجهين: فمرة
قال: إن شئت أعطيتها ما بقي، ومرة قال: إن شئت أعتقتها، ويكون الولاء لنا، يعني في
الوجهين، و: التاء، في أعتقتها مكسورة لأنها خطاب لعائشة. وقوله: ((قال سفيان)) داخل في
الموصول غير معلق. فافهم فإن قلت: كم كان مال الكتابة على بريرة؟ قلت: ذكر في باب
الكتابة من حديث يونس عن الزهري عن عروة: ((عن عائشة قالت: إن بريرة دخلت عليها
تستعينها في كتابتها وعليها خمس أواق نجمت عليها في خمس سنين ... )) الحديث فإن
قلت: ذكر في باب سؤال الناس: ((كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية أعينيني،
فقال: خذيها فأعتقيها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق))، فبين الروايتين تعارض.
قلت: هذا الحديث أصح لاتصاله ولانقطاع ذاك، ولأن راوي هذا عن أمه وهو أعرف بحديث
أمه وخالته، وقيل: يحتمل أن تكون هذه الخمسة الأواق التي قد استحقت عليها بالنجوم من
جملة التسعة، أو أنها أعطت نجوماً وفضل عليها خمسة، قلت: هذا يرده ما رواه البخاري في
الشروط: في البيع، ولم تكن قضت من كتابتها شيئاً. والأواق جمع: أوقية، بضم الهمزة
وتشديد الياء، والجمع يشدد ويخفف مثل: أثفية وأنافي وأثافٍ، وربما يجيء في الحديث:
وقية، وليست بالعالية وهمزتها زائدة، وكانت الأوقية قديماً عبارة عن أربعين درهماً، ثم أنها
تختلف باختلاف اصطلاح البلاد. قوله: ((ذكرته))، قال الكرماني: ذكرته، بلفظ التكلم،
والمتكلم به عائشة، والراوي نقل لفظها بعينه، وبالغيبة: كأن عائشة جردت من نفسها شخصاً
فحكت عنها، فالأول: حكاية الراوي عن لفظ عائشة، والثاني: حكاية عائشة عن نفسها.
انتهى. وقال بعضهم: ((ذكرته ذلك))، كذا وقع هنا بتشديد الكاف، فقيل: الصواب ما وقع في
رواية مالك وغيره بلفظ: ذكرت، لأن التذكير يستعدي سبق علم بذلك، ولا يتجه تخطئة
هذه الرواية لاحتمال السبق على وجه الإجمال قلت: لم يبين أحد منهما راوي التشديد ولا
راوي التخفيف، واللفظ يحتمل أربعة أوجه. الأول: ذكرته، بالتشديد وبالضمير المنصوب.
والثاني: ذكرت، بالتشديد بدون الضمير المنصوب. والثالث: ذكرت، على صيغة الماضي
للمؤنثة الواحدة بالتخفيف بدون الضمير. والرابع: ذكرته بالتخفيف، والضمير لأن ذكر
بالتخفيف يعدى يقال: ذكرت الشيء بعد النسيان، وذكرته بلساني وبقلبي وتذكرته وأذكرته
غيري وذكرته، بمعنى. قوله: ((فقال ابتاعيها)) أي: قال النبي عَ لّه لعائشة: اشتريها، أي: بريرة.

٣٢٩
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٧٠)
قوله: ((وقال سفيان مرة فصعد رسول الله عَ لّ)) أراد أنه روي بوجهين: مرة قال: ثم قام
رسول الله عَّ ◌ُلّ على المنبر، ومرة قال: فصعد رسول الله عَّه على المنبر، وذكر في باب
الشراء والبيع مع النساء، قال لي النبي عَ له: ((اشتري واعتقي فإنما الولاء لمن أعتق، ثم قام من
العشي فأثنى على الله بما هو أهله ... )) الحديث.
قوله: ((ما بال أقوام؟)) أي: ما حالهم؟ وفي باب الشراء والبيع مع النساء: ((ما بال أناس
يشترطون شروطاً ... ؟)) الحديث. قوله: ((ليست في كتاب الله تعالى))، أي: الشروط،
ويروى: ليس، بالتذكير، ووجهه إما باعتبار جنس الشرط، أو باعتبار المذكور. وقال الكرماني:
إما باعتبار الاشتراط. قلت: فيه نظر لا يخفى، والمراد: من كتاب الله، قال الشيخ تقي الدين:
يحتمل أن يريد بكتاب الله، حكم الله، ويراد بذلك نفي كونها في كتاب الله بواسطة أو بغير
واسطة، فإن الشريعة كلها في كتاب الله، أما بغير واسطة كمالنصوصات في القرآن من
الأحكام، وأما بواسطة قوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ [الحشر: ٧] ﴿وأطيعوا الله
وأطيعوا الرسول﴾ [المائدة: ٩٢، والنور: ٢٥٤، والتغابن: ١٢] قال الخطابي: ليس المراد أن
ما لم ينص عليه في كتاب الله فهو باطل، فإن لفظ: ((الولاء لمن أعتق))، من قوله عَ لّه،
لكن الأمر بطاعته في كتاب الله، فجاز إضافة ذلك إلى الكتاب انتهى. ويجوز أن يكون المراد
بكتاب الله: حكم الله سواء ذكر في القرآن أو السنة، وقيل: المراد من الكتاب: المكتوب،
يعني المكتوب في اللوح المحفوظ. قوله: ((فليس له)) أي: ذلك الشرط، أي: لا يستحقه.
وفي رواية النسائي: ((من شرط شرطاً ليس في كتاب الله لم يجز له)).
قوله: ((وإن اشترط مائة مرة))، ذكر المائة للمبالغة في الكثرة، لا أن هذا العدد بعينه
هو المراد. وقال بعضهم؛ لفظ مائة للمبالغة، فلا مفهوم له، قلت: لم يدر هذا القائل أن
مفهوم اللفظ في اللغة هو معناه، فعلى قوله يكون هذا اللفظ مهملاً وليس كذلك، وإن كان
قال ذلك على رأي الأصوليين حيث فرقوا بين مفهوم اللفظ ومنطوقه، فهذا الموضع ليس
محله، وفي رواية للبخاري في باب الشراء والبيع مع النساء: ((وإن اشترط مائة شرط، وشرط
الله أحق وأوثق))، وكذا في رواية ابن ماجه أيضاً. قوله: ((ورواه مالك))، معلق وصله في باب
المكاتب: عن عبد الله بن يوسف عنه، ورواه النسائي في الفرائض عن الحارث بن مسكين
عن ابن القاسم عن مالك، كما ذكره مرسلاً، ورواه الشافعي عن مالك. ولفظه: ((واشرطي لهم
الولاء))، بغير: تاء. قال الطحاوي: معناه أظهري، لأن الإشراط: الإظهار. وقال القرطبي: وهي
رواية تفرد الشافعي عن مالك بها. قوله: ((قال علي)) يعني ابن عبد الله المديني المذكور في
أول الباب. قوله: ((قال يحيى)) هو ابن سعيد القطان و: ((عبد الوهاب))، هو ابن عبد المجيد
الثقفي، يريد بذلك أن الحديث من طريق هذين الرجلين مرسل، يوضحه قول الإسماعيلي:
ليس فيما عندنا من حديث يحيى بن سعيد وعبد الوهاب عن يحيى ذلك المنبر وصعوده،
وحديثهما مرسل. حدّثنا أبو القاسم حدّثنا بندار حدّثنا يحيى بن سعيد، قال: وأنبأنا القاسم
أنبأنا بندار حدّثنا عبد الوهاب، قال: قال: سمعنا يحيى يقول: أخبرتني عمرة به. قوله: ((عن

٣٣٠
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٧٠)
عمرة نحوه)) يعني: نحو رواية مالك. قوله: ((وقال جعفر بن عون ... )) الخ، أفاد به تصريح
يحيى بسماعه له عن عمرة، وكذا سماع عمرة عن عئاشة، وخرجه النسائي عن أحمد بن
سلیمان وموسی بن عبد الرحمن ومحمد بن إسماعيل بن جعفر عن عون عن یحیی بن سعید،
فذكره فأمن بذلك ما فيه من الإرسال المذكور، واعلم أن التعليق عن مالك متأخر في رواية
كريمة عن طريق جعفر بن عون.
ذكر ما يستنبط منه من الأحكام الأول: فيه دليل على جواز الكتابة، فإذا كاتب رجل
عبده أو أمته على مال شرط عليه وقبل العبد ذلك صار مكاتباً، والدليل عليه أيضاً قوله تعالى:
﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً﴾ [النور: ٣٣] ودلالة هذا على مشروعية العقد لا تخفى
على العارف بلسان العرب، سواء كان الأمر للوجوب أو لغيره، وهذا ليس بأمر إيجاب
بإجماع بين الفقهاء سوى ما ذهب إليه داود الظاهري ومن تبعه، وروي نحوه عن عمرو بن
دينار وعطاء وأحمد في رواية، وروى صاحب (التقريب) عن الشافي نحوه، فإن قلت: ظاهر
الأمر للوجوب كما ذهب إليه هؤلاء قلت: هذا في الأمر المطلق المجرد عن القرائن، وهنا
مقيد بقوله: ﴿إِن علمتم فيهم خيراً﴾ [النور: ٣٣] فيكون أمر ندب، وذهب بعض أصحابنا
إلى أنه أمر إباحة، وهو غير صحيح، لأن في الحمل على الإباحة إلغاء الشرط إذ هو مباح
بدونه بالاتفاق، وكلام الله منزه عن ذلك، والمراد بالخير المذكور أن لا يضر المسلمين
بعد العتق، فإن كان يضرهم فالأفضل أن لا يكتاتبه، وإن كان يصح. وعن ابن عباس وابن عمر
وعطاء: الخير الكسب خاصة، وروي عن الثوري والحسن البصري أنه الأمانة والدين خاصة.
وقيل؛ هو الوفاء والأمانة والصلاح، وإذا فقد الأمانة والكسب والصلاح لا يكره عندنا، وبه قال
مالك والشافعي. وقال أحمد وإسحاق وأبو الحسين بن القطان من الشافعية؛ يكره ولا يعتق
المكاتب إلا بأداء الكل عند جمهور الفقهاء، لما روى أبو داود وغيره من حديث عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده عن النبي عَّ أنه قال: ((المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته
درهم)) وروى الشافعي في (مسنده) أخبرنا ابن أبي عيينة عن ابن نجيح عن مجاهد أن زيد
ابن ثابت قال في المكاتب: ((هو عبد ما بقي عليه درهم))، واختاره لمذهبه، وهو مذهب
أصحابنا، وفيه اختلاف الصحابة. فمذهب ابن عباس أنه يعتق كما أخذ الصحيفة من مولاه
يعني؛ يعتق بنفس العقد وهو غريم المولى بما عليه من بدل الكتابة، ومذهب ابن مسعود أنه
يعتق إذا أدى قيمة نفسه، ومذهب زيد ما ذكرناه، وإنما اختاره الأربعة لأنه مؤيد بالحديث
المذكور.
الثاني من الأحكام: جواز تزويج الأمة المزوجة، لأن بريرة كانت مزوجة وقد ذكرنا
اسمه والاختلاف فيه فإن قلت: كان زوجها حراً أو عبداً. قلت: في رواية البخاري ((عن ابن
عباس قال: رأيته عبداً)) يعني: زوج بريرة، ((كأني أنظر إليه يتبعها في سكك المدينة يبكي
عليها ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي عَِّ لعمه العباس: ألا تعجب من حب مغيث
بريرة ومن بغض بريرة مغيثاً؟ فقال النبي عَ له: لو راجعتيه! قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال:

٣٣١
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٧٠)
إنما أنا أشفع. قالت: فلا حاجة لي فيه)). فإن قلت: ذكر في الفرائض، قال الحكم: كان
زوجها حراً قلت: قال: وقول الحكم مرسل، وذكر في باب ميراث السائبة، قال الأسود:
وكان زوجها حراً. قال: وقول الأسود منقطع، وقول ابن عباس أصح. وفي مسلم أيضاً قال
عبد الرحمن. وكان زوجها عبداً.
الثالث: في ثبوت الولاء للمعتق عن نفسه، فهذا لا خلاف فيه للحديث المذكور،
واختلفوا فيمن أعتق على أن لا ولاء له وهو المسمى بالسائبة، فمذهب الجمهور أن الشرط
باطل والولاء لمن أعتق، ومذهب أحمد أنه لم يكن له الولاء عليه، فلو أخذ من ميراثه شيئاً
رده في مثله. وقال مالك ومكحول وأبو العالية والزهري وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه:
يجعل، ولاؤه لجميع المؤمنين، كذا فعله بعض الصحابة.
الرابع: فيه دليل على تنجم الكتابة، لقولها: (( كاتبت أهلي على تسع أواق، في كل
عام أوقية)). وقال الشيخ تقي الدين: وليس فيه تعرض للكتابة الحالة فيتكلم عليه. قلت:
يجوز عند أصحابنا أن يشترط المال حالاً ومنجماً لظاهر قوله تعالى: ﴿فكاتبوهم إن علمتم﴾
[النور: ٣٣] من غير شرط التنجم والتأجيل، فلا يزاد على النص بالرأي، وبه قال مالك. وفي
(الجواهر): قال أبو بكر: ظاهر قول مالك: إن التنجيم والتأجيل شرط فيه، ثم قال: وعلماؤنا
النظار يقولون: إن الكتابة الحالية جائزة ويسمونها قطاعة، وهو القياس. وقال الشافعي: لا
يجوز حالاً. ولا بد من نجمين، وبه قال أحمد في ظاهر روايته.
الخامس: اشتراط الولاء للبائع هل يفسد العقد؟ فيه خلاف، فظاهرا لحديث أنه لا
يفسده لما قال في هذا الحديث: ((واشترطي لهم الولاء)). ولا يأذن النبي عَ لّه، في عقد
باطل. وقال الشيخ تقي الدين: إذا قلنا إنه صحيح فهل يصح الشرط؟ فيه اختلاف في مذهب
الشافعي، والقول ببطلانه موافق لألفاظ الحديث. فإن قلت: كيف يأذن النبي عَ لّه في البيع
على شرط فاسد؟ وكيف يأذن في البيع حتى يقع على هذا الشرط ويقدم البائع عليه ثم يبطل
اشتراطه؟ قلت: أجيب: عنه، بأجوبة: الأول: ما قاله الطحاوي: وهو أنه لم يوجد اشتراط
الولاء في حديث عائشة إلاَّ من رواية مالك عن هشام، فأما من سواه وهو: الليث بن سعد
وعمرو بن الحارث فإنهما رويا عن هشام عن السؤال لولاء بريرة إنما كان من عائشة لأهلها
بأداء مكاتبتها إليهم، فقال عَّهِ: ((لا يمنعك ذلك عنها: ابتاعي وأعتقي وإنما الولاء لمن
اعتق)). وهذا خلاف ما رواه مالك عن هاشم: ((خذيها واشرطي، فإنا الولاء لمن أعتق))، مع
أنه يحتمل أن يكون معنى: أشرطي: أظهري، لأن الإشراط في كلام العرب الإظهار، ومنه قول
أوس بن حجر.
فأشرط فيها نفسه وهو معصم
أي: أظهر نفسه، أي: أظهري الولاء الذي يوجب إعتاقك إنه لمن يكون العتاق منه
دون من سواه. الثاني: أن معنى: ((واشترطي لهم)) أي: عليهم، كقوله تعالى: ﴿إن أحسنتم
أحسنتم لأنفسكم وإن أسأم فلها﴾ [الإسراء: ٧] قيل: فيه نظر، لأن سياق الحديث وكثيراً

٣٣٢
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٧٠)
من ألفاظه ينفيه، ورد بأن القرينة الحالية تدل على هذا مع أن مجيء: اللام، بمعنى: على، كثير في
القرآن والحديث والأشعار، على ما لا يخفى. الثالث: أنه على الوعيد الذي ظاهره الأمر وباطنه
النهي، كما في قوله تعالى: ﴿اعملوا ما شئتم﴾ [فصلت: ٤٠] وقوله: ﴿واستفزز من استطعت
منهم﴾ [الإسراء: ٦٤] ألا ترى أنه صعد المنبر وخطب وقال: ما بال رجال ... إلى آخره.
الرابع: أنه عَّالله قد كان أخبرهم بأن الولاء لمن. اعتق، ثم أقدموا على اشتراط ما
يخالف هذا الحكم الذي علموه، فورد هذا اللفظ على سبيل الزجر والتوبيخ والنكير
لمخالفتهم الحكم الشرعي. الخامس: أن إبطال هذا الشرط عقوبة ونكال لمعاندتهم في
الأمر الشرعي، فصار هذا من باب العقوبة بالمال كحرمان القاتل من الميراث، وكان عَ له.
بين لهم حكم الولاء، وأن هذا الشرط لا يحل، فلما ألحوا وعاندوا أبطل شرطهم. السادس:
أن هذا خاص بهذه القضية عام في سائر الصور، ويكون سبب التخصيص بإبطال هذا الشرط
المبالغة في زجرهم عن هذا الاشتراط المخالف للشرع، كما أن فسخ الحج إلى العمرة كان
خاصاً بتلك الواقعة، مبالغة في إزالة ما كانوا عليه من منع العمرة في أشهر الحج. وقال
القاضي: المشكل في هذا الحديث ما وقع من طريق هشام هنا، وهو قوله عدَ ◌ّةٍ: ((اشتريها
وأعتقيها واشترطي لهم الولاء))، كيف أمرها رسول الله عَ ◌ّةٍ، بهذا وفيه عقد بيع على شرط
لا يجوز، وتغرير بالبائعين إذا شرط لهم ما لا يصح؟ ولما صعب الانفصال عن هذا على بعض
الناس أنكر هذا الحديث أصلاً، فحكي ذلك عن يحيى بن أكتم وقد وقع في كثير من
الروايات سقوط هذه اللفظة، وهذا الذي شجع يحبى على إنكارها.
السادس من الأحكام: ما قاله الخطابي: إن فيه دليلاً على جواز بيع المكاتب، رضي
به أو لم يرض، عجز عن أداء نجومه أو لم: يعجز، أدى بعض النجوم أم لا. وقال الشيخ تقي
الدين: اختلفوا في بيع المكاتب على ثلاثة مذاهب: المنع، والجواز، والفرق بين أن يشتري
للعتق فيجوز أو للاستخدام فلا. أما من أجاز بيعه فاستدل بهذا الحديث، فإنه ثبت أن بريرة
كانت مكاتبة، وهو قول عطاء والنخعي وأحمد ومالك في رواية، وقال أبو حنيفة والشافعي
ومالك في رواية: لا يجوز بيعه، وهو قول ابن مسعود وربيعة. قلت: مذهب أبي حنيفة
وأصحابه أنه لا يجوز بيع المكاتب ما دام مكاتبها حتى يعجز، ولا يجوز بيع مكاتبه بحال،
وهو قول الشافعي بمصر، وكان بالعراق يقول: يجوز بيعه. وقال النووي: وقال بعض العلماء:
يجوز بيعه للعتق لا للاستخدام.
السابع: ما قاله الخطابي: فيه جواز بيع الرقبة بشرط العتق، لأن القوم قد تنازعوا الولاء
ولا يكون الولاء إلاَّ بعد العتق، فدل أن العتق كان مشروطاً في البيع. قلت: إذا اشترط البائع
على المبتاع إيقاع معنى من معاني البر فإن اشترط عليه من ذلك ما يتعجل كالعتق المعجل
فذلك جائز عند الشافعي، ولا يجوز عند أبي حنيفة. فإن امتنع البائع من إنفاذ العتق؟ فقال
أشهب: يجبر على العتق. وقال ابن كنانة: لو رضي البائع بذلك لم يكن له ذلك ويعتق عليه.
وقال ابن القاسم: إن كان اشتراه على إيجاب العتق فهو حر، وإن كان اشتراه من غير إيجاب

٣٣٣
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٧٠)
عتق لم يجبر على عتق، والإيجاب أن يقول: إن اشتريته منك فهو حر، وإن لم يقل ذلك،
وإنما اشترط أن يستأنف عتقه بعد كمال ملكه فليس بإيجاب. وقال الشافعي: البيع فاسد
ويمضي العتق اتباعاً للسنة، وروي عنه: البيع جائز والشرط باطل، وروى المزني عنه: لا يجوز
تصرف المشتري بحال في البيع الفاسد، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، واستحسن أبو حنيفة
ومحمد بن الحسن أن ينجز له العتق ويجعل عليه الثمن، وإن مات قبل أن يعتقه كانت عليه
القيمة. وقال أبو يوسف: العتق جائز وعليه القيمة، والحجة لأبي حنيفة في هذا الباب وأمثاله
حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ◌َّله: أنه نهى عن بيع وسلف وعن شرطين في
بيعة، وعنه أيضاً: لا يحل سلف ولا بيع ولا شرطان في بيع، أخرجه الأربعة والطحاوي
بأسانيد صحاح، وفسروا قوله عَّله: وعن شرطين في بيع، بأن البيع في نفسه شرط، فإذا
شرط فيه شرط آخر فقد صار شرطين. وقول الخطابي: فدل أن العتق كان مشروطاً في البيع
لا دليل له فيه ظاهراً، والحكم به عى جواز البيع بالشرط غير صحيح، لأنه مخالف لظاهر
الحديث الصحيح.
الثامن: ما قاله الخطابي فيه أيضاً: إنه ليس كل شرط يشترط في بيع كان قادحاً في
أصله ومفسداً له، وإن معنى ما ورد من النهي عن بيع وشرط منصرف إلى بعض البيوع وإلى نوع
من الشروط، وقال عياض: الشروط المقارنة للبيع ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون من مقتضى
العقد: كالتسليم وجواز التصرف في المبيع، وهذا لا خلاف في جواز اشتراطه لأنه يقضي به
وإن لم يشترط. والثاني: أن لا يكون من مقتضاه، ولكنها من مصلحته: كالتحميل والرهن
واشتراط الخيار، فهذا أيضاً يجوز اشتراطه لأنه من مصلحته فأشبه ما كان من مقتضاه. والثالث:
أن يكون خارجاً عن ذلك مما لا يجوز اشتراطه في العقود، بل يمنع من مقتضى العقد أو يوقع
فيه غرراً أو غير ذلك من الوجوه الممنوعة، فهذا موضع اضطراب العلماء. والله تعالى أعلم.
قلت: عند أصحابنا البيع بالشرط على ثلاثة أوجه. الأول: البيع والشرط كلاهما
جائزان، وهو على ثلاثة أنواع: أحدها: أن كل شرط يقتضيه العقد ويلائمه فلا يفسده بأن
يشتري أمة بشرط أن تخدمه أو يغشاه، أو دابة بشرط أن يركبها ونحو ذلك. النوع الثاني:
كل شرط لا يقتضيه العقد ولكن يلائمه بأن يشترط أن يرهنه بالثمن رهناً، وسماه أن يعطيه
كفيلاً وسماه والكفيل حاضر فقبله، وكذلك الحوالة، جاز استحساناً خلافاً لزفر. النوع
الثالث: كل شرط لا يقتضيه العقد ولا يلائمه، ولكن ورد الشرع بجوازه: كالخيار والأجل، أو
لم يرد الشرع به ولكنه متعارف متعامل بين الناس بأن اشترى نعلاً على أن يحذوه البائع، أو
قلنسوة بشرط أن يبطنه. جاز استحساناً خلافاً لزفر. الوجه الثاني: البيع والشرط كلاهما
فاسدان، وهو كل شرط لا يقتضيه العقد ولا يلائمه، وفيه منفعة لأحدهما أو للمعقود عليه.
بأن اشترى حنطة على أن يطحنها البائع، أو عبداً على أن لا يبيعه، وكذا على أن لا يعتقه
خلافاً للشافعي فيه، فإن أعتقه ضمن الثمن استحساناً عند أبي حنيفة، وعندهما قيمته. الوجه
الثالث: البيع جائز والشرط باطل، وهو على ثلاثة أنواع: الأول: كل شرط لا يقتضيه العقد

٣٣٤
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٧٠)
وليس فيه منفعة بل فيه مضرة بأن باع ثوباً أو دابة بشرط أن لا يبيعه ولا يهبه، أو طعاماً بشرط أن لا
يأكل ولا يبيع، جاز البيع وبطل الشرط. الثاني: كل شرط لا يقتضيه العقد وليس فيه منفعة ولا
مضرة لأحد، بن باع طعاماً بشرط أن يأكله جاز البيع وبطل الشرط. الثالث: كل شرط يوجب منفعة
لغير المتعاقدين والمبيع نحو: البيع بشرط أن يقرض أجنبياً لا يفسد البيع.
التاسع: قال الخطابي: فيه دليل على أنه لا ولاء لمن أسلم على يديه، ولا لمن
حالف إنساناً على المناصرة، وقال الشيخ تقي الدين: فيه حصر الولاء للمعتق فيقضتي ذلك
أن لا ولاء بالحلف والموالاة وبإسلام الرجل على يد الرجل ولا بالتقاطه للقيط، وكل هذه
الصور فيها خلاف بين الفقهاء، ومذهب الشافعي: لا ولاء في شيء منها للحديث. قلت:
الولاء عند أصحابنا نوعان: أحدهما: ولاء العتاقة، والآخر: ولاء الموالاة، وقد كانت العرب
تتناصر بأشياء: بالقرابة والصداقة والمؤاخاة والحلف والعصبة، وولاء العتاقة وولاء الموالاة،
وقرر رسول الله عَ لَّم تناصرهم بالولاء بنوعين وهما: العتاقة وولاء الموالاة، وقال عَّله: ((إن
مولى القوم منهم وحليفهم منهم)). رواه أربعة من الصحابة، فأحمد في (مسنده): من
حديث إسماعيل بن عبيد بن رفاعة بن رافع الزرقي عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله
عَّ اللّه: ((مولى القوم منهم، وابن أختهم منهم، وحليفهم منهم)). والبزار في (سننه): من
حديث أبي هريرة عن النبي عَّهِ، قال: ((حليف القوم منهم وابن أختهم منهم)). والدارمي
في (مسنده): من حديثٍ عمرو بن عون أن رسول الله عَّ له، قال: ((ابن أخت القوم منهم
وحليف القوم منهم)). والطبراني في (معجمه): من حديث عتبة بن غزوان عن النبي عَّه.
نحوه، والمراد بالحليف مولى الموالاة لأنهم كانوا يؤكدون الموالاة بالحلف.
العاشر: أنه يستحب للإمام عند وقوع بدعة أن يخطب الناس ويبين لهم حكم ذلك
وینکر علیھا.
الحادي عشر: فيه أنه يستحب للإمام أن يحسن العشرة مع رعيته، أَلاَ ترى أنه عَ لَّهِ،
لما خطب لم يواجه صاحب الشرط بعينه، لأن المقصود يحصل له ولغيره بدون فضيحة
وشناعة علیه.
الثاني عشر: فيه المبالغة في إزالة المنكر والتغليظ في تقبيحه.
الثالث عشر: في جواز كتابة الأمة دون زوجها.
الرابع عشر: فيه أن زوج الأمة ليس له منعها من السعي في كتابتها، وقال أبو عمر: لو
استدل مستدل من هذا المعنى بأن الزوجة ليس عليها خدمة زوجها كان حسناً.
الخامس عشر: فيه دليل على أن العبد زوج الأمة له منعها من الكتابة التي تؤول إلى
عتقها وفراقها له، كما أن لسيد الأمة عتق أمته تحت العبد، وإن أدى ذلك إلى إبطال نكاحه،
وكذلك له أن يبيعها من زوجها الحر وإن كان في ذلك بطلان عقده.
السادس عشر: فيه دليل على أن بيع الأمة ذات الزوج ليس بطلاق لها، لأن العلماء

٣٣٥
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٧١)
قد اجتمعوا ولم يختلف في تلك الأحاديث أيضاً أن بريرة كانت حين اشترتها عائشة ذات
الزوج، وإنما اختلفوا في زوجها: هل كان حراً أو عبداً؟ وقد اجتمع علماء المسلمين على أن
الأمة إذا أعتقت وزوجها عبد أنها تخير، واختلفوا إذا كان زوجها حراً هل تخير أم لا؟.
السابع عشر: فيه دليل على جواز أخذ السيد نجوم المكاتب من مسألة الناس، لترك
النبي عليه الصلاة والسلام، زجرها عن مسألة عائشة إذا كانت تستعينها في أداء نجمها، وهذا
يرد قول من كره كتابة المكاتب الذي يسأل الناس، وقال: يطعمني أوساخ الناس.
الثامن عشر: فيه دليل على جواز نكاح العبد الحرة لأنها إذا خيرت فاختارته بقيت
معه وهي حرة وهو عبد.
التاسع عشر: قالوا: فيه ما يدل على ثبوت الولاء في سائر وجوه العتق: كالكتابة
والتعليق بالصيغة وغير ذلك.
العشرون: فيه دليل على قبول خبر العبد والأمة، لأن بريرة أخبرت أنها مكاتبة،
فأجابتها عائشة بما أجابت.
٧١ - بابُ التقاضي والمُلاَزَمَة في المَسْجِدِ
أي: هذا الباب في بيان حكم التقاضي، أي في مطالبة الغريم بقضاء الدين. قوله:
((والملازمة)) أي: وحكم ملازمة الغريم في طلب الدين. قوله: ((في المسجد)) يتعلق
بالتقاضي وبالملازمة أيضاً بالتقدير، لأنه معطوف عليه.
١١٦ / ٤٥٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ مُحَمَّدٍ قال حدّثنا عُثْمانُ بنُ عُمَرَ قال أخبرنا يُونُسُ
عنِ الزهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ كَعْبٍ بنِ مالِكِ عَنْ كَعْبٍ أَنَّهُ تَقَاضَى ابنَ أبي حَدْرَدِ دَيْناً كانَ لهُ
عليهِ فِي المَسْجِدٍ فَارْتَفَعتَ أصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ عَ لَّه وهوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَّ إِلَيْهِمَا
حَتىٍ كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ فَنَادَى يا كَعْبُ قال لَبَيْكَ يا رَسولَ اللَّهِ قال ضَعْ مِن دَيْنِكَ هَذَا
وأوْمَأَ إِليْهِ أي الشَّطْرَ قال لَقَدْ فَعَلْتُ يا رسولَ اللَّهِ قالَ قُمْ فَاقْضِهِ. [الحديث ٤٥٧ - أطرافه
في: ٤٧١، ٢٤١٨، ٢٤٢٤، ٢٧٠٦، ٢٧١٠].
وجه مطابقته للترجمة في التقاضي ظاهر، وأما في الملازمة فبوجهين. أحدهما: أن
كعباً لما طلب ابن أبي حدرد بدينه في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، لازمه إلى أن
خرج النبي عليه السلام، وفصل بينهما. والآخر: أنه أخرج هذا الحديث في عدة مواضع كما
سنذكرها، فذكر في باب الصلح وفي باب الملازمة عن عبد الله بن كعب عن أبيه أنه كان
له على عبد الله بن أبي حدرد مال فلزمه ... الحديث، فكأنه أشار بلفظ الملازمة هنا، إلى
الحديث المذكور، على أن ما ذكره في عدة مواضع كلها حديث واحد، وله عادة في بعض
المواضع يذكر التراجم بهذه الطريقة.
ذكر رجاله وهم ستة: الأول: عبد الله بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن اليمان، أبو

٣٣٦
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٧١)
جعفر الجعفي البخاري المعروف بالمسندي، مات يوم الخميس لست ليالٍ بقين من ذي
القعدة سنة تسع وعشرين ومائتين. الثاني: عثمان بن عمر، بضم العين: ابن فارس البصري.
الثالث: يونس بن يزيد. الرابع: محمد بن الزهري. الخامس: عبد الله بن كعب بن مالك
الأنصاري السلمي المدني. السادس: أبو كعب ابن مالك الأنصاري الشاعر، أحد الثلاثة
الذين تاب الله عليهم وأنزل الله فيهم: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ [التوبة: ١١٨] روي له
ثمانون حديثاً، للبخاري منها أربعة، مات بالمدينة سنة خمسين، وكان ابنه عبد الله قائده حين
عمي.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين والإخبار بصيغة الجمع
أيضاً في موضع واحد. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: شيخ البخاري من أفراده. وفيه:
رواية الابن عن الأب. وفيه: أن رواته ما بين بخاري وبصري ومدني.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضاً في الصلح وفي الأشخاص
عن عبد الله بن محمد وأخرجه أيضاً في الملازمة وفي الصلح أيضاً عن يحيى بن بكير عن
الليث. وأخرجه مسلم في البيوع عن حرملة عن ابن وهب بن وعن إسحاق بن إبراهيم عن
عثمان بن عمر به. وأخرجه أبو داود في القضايا عن أحمد بن صالح عن ابن وهب به.
وأخرجه النسائي فيه عن أبي داود سليمان بن سيف عن عثمان بن عمر به، وعن الربيع بن
سليمان عن شعيب بن الليث عن أبيه، وعن محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر عن
الزهري عن كعب بن مالك مرسلاً. وأخرجه ابن ماجة في الأحكام عن محمد بن يحيى
الذهلي.
ذكر معناه وإعرابه قوله: ((إنه تقاضي)) أي: أن كعباً تقاضي أي: طالب ابن أبي حدرد
بالدين، و: تقاضى، على وزن: تفاعل، وأصل هذا الباب لمشاركة أمرين فصاعداً نحوه:
تشاركاً، قال الكرماني: هو متعد إلى مفعول واحد وهو الابن. قلت: إذا كان تفاعل من فاعل
المتعدي إلى مفعول واحد: كضارب، لم يتعدَّ وإن كان من المتعدي إلى مفعولين: كجاذبته
الثوب، يتعدى إلى واحد. وقال الكرماني: ديناً، منصوب بنزع الخافض أي: بدين قلت: إنما
وجه بهذا لأنا قلنا: إن تفاعل إذا كان من المتعدي إلى مفعولين لا يتعدى إلا إلى مفعول
واحد. قوله: ((ابن أبي حدرد))، اسم ابن أبي حدرد: هو عبد الله بن أبي سلامة: كما صرح
به البخاري في أحد رواياته على ما ذكرنا، وهو صحابي على الأصح، شهد الحديبية وما
بعدها، مات سنة إحدى أو اثنتين وسبعين عن إحدى وثمانين سنة. وقال الذهبي: عبد الله بن
سلامة بن عمير هو ابن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، أمر على غير سرية. وقال في باب
الكنى: أبو حدرد الأسلمي سلامة بن عمير، روى عنه ابنه عبد الله ومحمد بن إبراهيم
وغيرهما، وحروف حدرد كلها مهملة، والحاء مفتوحة وكذا الراء والدال ساكنة. قال
الجوهري ثم الصنعاني: حدرد اسم رجل لم يأت من الأسماء على فعلع بتكرير العين غيره.
قوله: ((كان له عليه)) جملة في محل النصب لأنها صفة لقوله: ((دينا)). قوله: ((في مسجد))

٣٣٧
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٧١)
يتعلق بقوله: ((تقاضى)). قوله: ((أصواتهما))، من قبيل قوله تعالى: ﴿فقد صغت قلوبكما﴾
[التحريم: ٤] ويجوز اعتبار الجمع في: صوتيهما باعتبار أنواع الصوت. قوله: ((وهو في
بيته)) جملة اسمية في محل النصب على الحال من رسول الله عَ ليه. قوله: ((فخرج إليهما))
وفي رواية الأعرج: ((فمر بهما النبي عَ ل)). فإن قلت: كيف التوفيق بين الروايتين لأن الخروج
غير المرور؟ قلت: وفق قوم بينهما بأنه يحتمل أن يكون مر بهما أولاً ثم إن كعباً لما أشخص
خصمه للمحاكمة فتخاصما وارتفعت أصواتهما فسمعهما النبي عَ لَّه وهو في بيته فخرج
إليهما. وقال بعضهم: فيه بعد، لأن في الطريقين أنه عَّلَّهِ أشار إلى كعب بالوضيعة، وأمر
غريمه بالقضاء، فلو كان أمره بذلك تقدم لما احتاج إلى إعادته. قلت: الذي استبعد فقد أبعد،
لأن إعادته بذلك قد تكون للتأكيد، لأن الوضيعة أمر مندوب والتأكيد بها مطلوب، ثم قال
هذا القائل: والأولى فيما يظهر لي أن يحمل المرور على أمر معنوي لا حسي. قلت: إن أراد
بالأمر المعنوي الخروج ففيه إخراج اللفظ عن معناه الأصلي بلا ضرورة، والأولى أن يكون
اللفظ على معناه الحقيقي، ويكون المعنى أنه معَّه: لما سمع صوتهما خرج من البيت
لأجلهما ومر بهما. والأحاديث يفسر بعضها بعضاً، ولا سيما في حديث واحد روي بوجوه
مختلفة. وفي رواية الطبراني: من حديث زمعة بن صالح عن الزهري عن ابن كعب بن مالك
عن أبيه: ((أن النبي عَّ مر به وهو ملازم رجل في أوقيتين، فقال له النبي عَّ: هكذا يضع
الشطر، وقال الرجل: نعم يا رسول الله، فقال: أدّ إليه ما بقي من حقه)).
قوله: ((سجف حجرته))، بكسر السين المهملة وفتحها بعدها جيم ساكنة، وقال ابن
سيده: هو الستر، وقيل: هو الستران المقرونان بينهما فرجة، وكل باب ستر بسترين مقرونين
فكل شق منه سجف، والجمع أسجاف وسجوف، وربما قالوا: السجاف والسجف والسجيف
إرخاء السجف. زاد في (المخصص) و(الجامع): وبيت مسجفٍ. وفي (الصحاح): أسجف
الستر أي أرسلته. وقال عياض وغيره: لا يسمى سجفاً إلاّ أن يكون مشقوق الوسط
كالمصراعين. قلت: الذي قاله ابن سيده يرده. قوله؛ ((لبيك))، تثنية. للبًّا، وهو الإقامة وهو
مفعول مطلق يجب حذف عامله، وهو من باب الثنائي الذي للتأكيد والتكررا ومعناه: لباً بعد
لب أي: أنا مقيم على طاعتك. قوله: ((ضع))، على وزن: فع، أمر من: وضع يضع. قوله:
((أي الشطر)) تفسير لقوله: هذا، أي: ضع عنه الشطر أي: النصف. وجاء لفظ: النصف،
مصرحاً في رواية الأعرج على ما يجيء إن شاء الله تعالى، وهو منصوب لأنه تفسير
للمنصوب، وهو قوله: هذا، لأنه منصوب بقوله: ضع. قوله: ((لقد فعلت)) مبالغة في امتثال
الأمر لأنه أكد فعلت: باللام، وكلمة؛ قد، وفيه معنى القسم أيضاً. قوله: ((قم))، خطاب لابن
أبي حدرد. قوله: ((فاقضه)) أمر على جهة الوجوب، لأن رب الدين لما أطاع بوضع ما أمر به
تعين على المديان أن يقوم بما بقي عليه لئلا يجتمع على رب الدين وضيعة ومطل.
ذكر ما يستنبط منه من الأحكام فيه: إشارة إلى أنه لا يجتمع الوضيعة والمطل، لأن
صاحب الدين يتضرر كما ذكرنا. وفيه: المخاصمة في المسجد في الحقوق، والمطالبة
عمدة القاري /ج٤/م٢٢

٣٣٨
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٧٢)
بالديون، قاله ابن بطال. وفيه: دليل على إباحة رفع الصوت في المسجد ما لم يتفاحش لعدم
الإنكار منه عليه الصلاة والسلام، وقد أفرد له البخاري باباً يأتي عن قريب، إن شاء الله تعالى
فإن قلت: قد ورد في حديث واثلة من عند ابن ماجه يرفعه: ((جنبوا مساجدكم صبيانكم
وخصوماتكم))، وحديث مكحول من عند أبي نعيم الأصبهاني عن معاذ مثله، وحديث جبير
ابن مطعم، ولفظه: ((ولا ترفع فيه الأصوات))، وكذا حديث ابن عمر من عند أبي أحمد.
قلت: أجيب: بأن هذه الأحاديث ضعيفة، فبقي الأمر على الإباحة من غير معارض، ولكن
هذا الجواب لا يعجبني لأن الأحاديث الضعيفة تتعاضد وتتقوى إذا اختلفت طرقها
ومخارجها، والأولى أن يقال: أحاديث المنع محمولة على ما إذا كان الصوت متفاحشاً،
وحديث الإباحة محمول على ما إذا كان غير متفاحش. وقال مالك: لا بأس أن يقضي الرجل
في المسجد ديناً، وأما التجارة والصرف فلا أحبه. وفيه: جواز الاعتماد على الإشارة لقوله:
هكذا، أي: الشطر، وأنها بمنزلة الكلام إذا فهمت لدلالتها عليه، فيصح على هذا يمين الأخرس
وشهادته ولعانه وعقوده إذا فهم عنه ذلك. وفيه: إشارة الحاكم إلى الصلح على جهة
الإرشاد، وههنا وقع الصلح على الإقرار المتفق عليه، لأن نزاعهما لم يكن في الدين وإنما
كان في التقاضي. وأما الصلح على الإنكار فأجازه أبو حنيفة ومالك، وهو قول الحسن. وقال
الشافعي: هو باطل، وبه قال ابن أبي ليلى. وفيه: الملازمة للاقتضاء. وفيه: الشفاعة إلى
صاحب الحق والإصلاح بين الخصوم وحسن التوسط بينهم. وفيه: قبول الشفاعة في غير
معصية. وفيه: إرسال الستور عند الحجرة.
٧٢ - بابُ كَنْسِ المَسْجِدِ والْتِقَاطِ الخِرَقِ والقَذَى وَالعِيدَانِ مِنْهُ
أي: هذا باب في بيان فضل كنس المسجد، وهو إزالة الكناسة منه، والالتقاط هو أن
تعثر على شيء من غير قصد وطلب، و: الخرق، بكسر الخاء وفتح الراء جمع: خرقة، و:
القذى، بفتح القاف والذال المعجمة جمع: قذاة، وجمع الجمع: أقذية. قال الجوهري:
القذى في العين والشراب: ما يسقط فيه، قلت: المراد منه ههنا كسر الأخشاب والقش ونحو
ذلك، و: العيدان، جمع: عود، وهو الخشب. قوله: ((منه)) ليس في أكثر النسخ، ولكن بقدر
فيه، وهو يتعلق بالالتقاط.
١١٧/ ٤٥٨ - حدّثنا سُلَيْمَانْ بِنُ حَرْبٍ قال حدّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أبي
رَافِعِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلاً أَسْوَدَ أو امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَ يَقُمُّ المَسْجِدَ فَمَاتَ فَسَأَلَ النِبِيُّ عَ لَّه
عنةٌ فَقالُوا ماتَ قالَ أَفَلاَ كُنْتُم آذَنْتُمُونِي بِهِ دُونِي عَلَى قَبْرِهِ أَوْ قال عَلَى قَبْرِها فَأَتَّى قَبْرَهُ
فَصَلَّى عَلَيْها. [الحديث ٤٥٨ - طرفاه في: ١٣٣٧.٤٦٠].
مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((كان يقم المسجد)) أي: يكنسه، فإن قلت:
التقاط الخرق إلى آخره من جملة الترجمة، وليس في الحديث ما يدل على ذلك، قلت: قال
الكرماني: لعل البخاري حمله بالقياس على الكنس، والجامع بينهما: التنظيف. وقيل: أشار

٣٣٩
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٧٢)
البخاري بذلك كله إلى ما ورد في بعض طرقه صريحاً: ((وكانت تلتقط الخرق والعيدان من
المسجد))، رواه ابن خزيمة، وفي حديث بريدة عن أبيه: ((كانت مولعة بلفظ القذى من
المسجد)).
ذكر رجاله. وهم خمسة: الأول: سليمان بن حرب الواشحي، بكسر الشين المعجمة
وبالحاء المهملة، نسبة إلى: واشح، بطن من الأزد، البصري. الثاني: حماد بن زيد، وقد
ذكر غير مرة. الثالث: ثابت البناني. الرابع: أبو رافع: نفيع، بضم النون وفتح الغاء وسكون
الياء آخر الحروف: الصائغ التابعي الكبير، ولقد وهم من قال: إنه أبو رافع الصحابي، وقال:
وهو من رواية صحابي عن صحابي، وليس كما قال. فإن ثابتاً البناني لم يدرك أبا رافع
الصحابي. الخامس: أبو هريرة.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة
مواضع. وفيه: أن رواته ما بين بصري ومدني.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره. أخرجه البخاري أيضاً في الصلاة عن أحمد بن
واقد، وفي الجنائز عن محمد بن الفضل. وأخرجه مسلم أيضاً في الجنائز عن أبي الربيع
الزهراني، وأبي كامل الجحدري. وأخرجه أبو داود فيه عن سليمان بن حرب ومسدد،
وأخرجه ابن ماجه فيه عن أحمد بن عبدة.
ذكر معناه وإعرابه قوله: ((أو امرأة سوداء»، الشك فيه إما من ثابت أو من أبي
رافع، ولكن الظاهر أنه من ثابت لأنه رواه عنه جماعة هكذا، وأخرج البخاري أيضاً عن
حماد بهذا الإسناد. قال: ولا آراه، إلاَّ امرأة. وأخرجه ابن خزيمة من طريق العلاء بن عبد
الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة، فقال: ((امرأة سوداء))، من غير شك فيها، ووقع في رواية
البيهقي: من حديث ابن بريدة عن أبيه: أن اسم المرأة أم محجن.
وفائدة أخرى فيه أن الذي أجاب النبي عَُّ لِّ عن سؤاله عنها أبو بكر الصديق. قوله:
((كان يقم))، من: قم، الشيء يقم قماً، من باب: نصر ينصر نصراً، ومعناه: كنسه، والقمامة،
بضم القاف: الكناسة. قاله ابن سيده: وقال اللحياني: قمامة البيت ما كنس منه فألقي بعضه
على بعض، وهي لغة حجازئة، والمقمة، بكسر الميم: المكنسة. وفي (الصحاح) والجمع:
القمام. قوله: ((سئل عنه))، أي عن حاله، ومفعول: سأل، محذوف أي: سأل الناس عنه. قوله:
((أفلا كنتم؟)) لا بد من مقدر بعد الهمزة، والتقدير: أدفنتم؟ فلا كنتم آذنتموني: بالمد، أي:
أعلمتموني بموته حتى أصلي عليه. وإنما قال ذلك لأن صلاته عَّ له رحمة ونور في قبورهم،
على ما جاء في رواية مسلم: ((إن امرأة أو شاباً ... )) الحديث، وزاد في آخره: ((إن هذه القبور
مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله تعالى ينورها لهم بصلاتي عليهم)). قيل: إن البخاري لم
يخرج هذه الزيادة لأنها مدرجة في هذا الإسناد، وهي من مراسيل ثابت، بين ذلك غير واحد
من أصحاب حماد بن زيد. قلت: قال البيهقي، الذي يغلب على القلب أن هذه الزيادة في
غير رواية أبي رافع عن أبي هريرة، فإما أن يكون عن ثابت عن النبي عَِّ مرسلاً، كما رواه

٣٤٠
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٧٣)
أحمد بن عبدة ومن تابعه، أو عن ثابت عن أنس عن النبي عَّ كما رواه غير حماد بن زيد
عن ثابت عن أبي رافع، فلم يذكرها. وروى ابن حبان من حديث خارجة بن زيد بن ثابت
عن عمه يزيد بن ثابت، قال: ((خرجنا مع النبي ◌َّله، فلما ورد البقيع إذ مر بقبر جديد، فسأل
عنه، فقيل: فلانة. فعرفها، وقال: ألا آذنتموني بها؟ قالوا: كنت قائلاً صائماً فكرهنا أن
نؤذيك. قال: فلا تفعلوا لأعرفن، ما مات فيكم ميت ما كنت بين أظهر كم إلاَّ آذنتموني به،
صلاتي عليه رحمة له، ثم أتى القبر فصفقنا خلفه فكبر عليه أربعاً)). انتهى. كذا ذكره في
صحيحه، وقال صاحب (التلويح): وهو يحتاج إلى تأمل ونظر، وذلك أن يزيد قتل باليمامة
سنة ثنتي عشرة، وخارجة توفي سنة مائة أو أقل من ذلك، وسنه سبعون سنة، فلا يتجه سماعه
منه بحال.
ذكر ما يستنبط منه من الأحكام فيه: فضل تنظيف المسجد، وقال ابن بطال. وفيه:
الحض على كنس المساجد وتنظيفها لأنه معَّ له إنما رخصه بالصلاة عليه بعد دفنه من أجل
ذلك، وقد روي عن النبي عَّم أنه كنس المسجد. وفيه: خدمة الصالحين والسؤال عن الخادم
والصديق إذا غاب وافتقاده. وفيه: المكافأة بالدعاء والترحم على من وقف نفسه على نفع
المسلمين ومصالحهم. وفيه: الرغبة في شهود جنائز الصالحين. وفيه: جواز الصلاة على القبر،
وهي مسألة خلافية جوزها طائفة، منهم: علي وأبو موسى وابن عمر وابن مسعود وعئاشة رضي
الله تعالى عنهم، وهو قول الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق. ومنعه: النخعي والحسن
البصري والثوري. وهو قول أبي حنيفة والليث ومالك، ومنهم من قال: إنما يجوز إذا لم يصل
الولي والوالي، ثم اختلف من قال بالجواز إلى كم يجوز؟ فقيل: إلى شهر، وقيل: ما لم يبل
جسده، وقيل: أبداً، وسيأتي مزيد الكلام فيه في الجنائز، إن شاء الله تعالى. وفيه: استحباب
الإعلام بالموت. وقال الكرماني: وفيه: أن على الراوي التنبيه على شكه فيما رواه مشكوكاً.
٧٣ _ بابُ تخرِيمِ تِجَارَةِ الخَمْرِ فِي المسْجِدِ
أي: هذا باب في بيان تحريم تجارة الخمر، ولا بد فيه من تقدير مضاف، لأن المراد
بيان ذلك، وتبين أحكامه وليس المراد بأن تحريمها مختص بالمسجد لأنها حرام، سواء
كانت في المسجد أو في غيره، وقوله: في المسجد، يتعلق بالتحريم لا بالتجارة. وقال
صاحب (التوضيح): أخذ من كلام ابن بطال: وغرض البخاري هنا في هذا الباب، والله أعلم،
أن المسجد لما كان للصلاة ولذكر الله تعالى منزهاً من الفواحش، والخمر والربا من أكبر
الفواحش يمنع من ذلك، فلما ذكر الشارع تحريمها في المسجد، ذكر أنه لا بأس بذكر
المحرمات والأقذار في المسجد على وجه النهي عنها، والمنع منها. انتهى. وأخذ بعضهم
من كلامه: فقال: باب تحريم تجارة الخمر في المسجد، أي: جواز ذكر ذلك. قلت: كل
هذا خارج عن المهيع أو تصرفات بغير تأمل، لأنه لا فائدة في بيان جواز ذكر ذلك في
المسجد، إذ هو مبين من الخارج، وليس غرض البخاري ذلك، وإنما غرضه بيان أن تحريم