Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٢٧)
وأحْسِبُهُ قال لؤْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيْرِ سُنَّةٍ مُحَمَّدٍ عَّهِ. [الحديث ٣٨٩ - طرفاه في: ٧٩١،
٨٠٨].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله وهم خمسة: الأول: الصلت بن محمد بن عبد الرحمن الخاركي
البصري، ونسبته إلى خارك بالخاء المعجمة والراء والكاف، وهو من سواحل البصرة. الثاني:
مهدي، بلفظ المفعول: ابن ميمون أبو يحيى الأزدي، مات سنة اثنتين وسبعين ومائة. الثالث:
واصل بن حبان الأحدب. الرابع: أبو وائل شقيق بن سلمة. الخامس: حذيفة بن اليمان،
رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة
مواضع. وفيه: أن رواته ما بين بصري وكوفي، النصف الأول بصري والنصف الثاني كوفي.
وحديث حذيفة هذا معلق من أفراد البخاري.
قوله: ((لا يتم ركوعه))، جملة وقعت صفة لقوله: ((رجلاً)). قوله: ((فلما قضى صلاته))،
أي: فلما أدى صلاته، والقضاء يجيء بمعنى الأداء كما في قوله تعالى: ﴿فإذا قضيت الصلاة
فانتشروا في الأرض﴾ [الجمعة: ١٠]. قوله: ((ما صليت))، قد نفى الصلاة عنه، لأن الكل
ينتفي بانتفاء الجزء، فانتفاء إتمام الركوع مستلزم لانتفاء الركوع المستلزم لانتفاء الصلاة، وكذا
حكم السجود. قوله: ((وأحسبه)) أي: قال أبو وائل: وأحسب حذيفة قال أيضاً: لو مت ...
ويروى فيه كسر الميم من: مات يمات، وضمها من: مات يموت، والمراد من السنة الطريقة
المتناولة للفرض والنفل. وقال ابن بطال: ما صليت، يعني: صلاة كاملة، ونفى عنه العمل
لقلة التجويد فيها، كما تقول للصانع: إذا لم يجد ما صنعت شيئاً، تريد نفي الكمال، وهو
يدل على أن الطمأنينة سنة - قلت: هذا التأويل لمن يدعي أن الطمأنينة في الركوع والسجود
سنة، وهو مذهب أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف والشافعي فرض على ما يأتي بيانه،
إن شاء الله تعالى.
٢٧ - بابٌ يُبْدِي ضَبْعَيْهِ ويُجَافِي في السجُودِ
أي: هذا باب في بيان أن السنة للمصلي أن يبدي ضبعيه. قوله: ((يبدي))، بضم الياء
من الإبداء، وهو: الإظهار. قوله: ((ضبعيه)) تثنية: ضبع، بفتح الضاد وسكون الباء. وفي
(الموعب): الضبع مثال صقر: العضد، مذكر ويقال: الإبط. وقيل: ما بين الإبط إلى نصف
العضد من أعلاه. وفي (المخصص): قيل: الضبع هو إذا أدخلت يدك تحت إبطيه من خلفه
واحتملته، والعضد يذكر ويؤنث. وفي (المحكم): الضبع يكون للإنسان وغيره. وفي
(الجامع)، للقزاز و(الجمهرة) لابن دريد: الضبعان رأس المنكبين، الواحد ضبع، ساكن الباء.
وفي (الجامع) و(الصحاح): الجمع أضباع. وقال السفاقسي: الضبع ما تحت الإبط، ومعنى:

١٨٢
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٢٧)
يبدي ضبعيه، لا يلصق عضديه بجنبيه. قوله: ((ويجافي)) أي: يباعد عضديه عن جنبيه
ويرفعهما عنهما، ويجافي: من الجفاء، وهو البعد عن الشيء. يقال: جفاه إذا بعد عنه، وأجفاه
إذا أبعده ـ ويجافي بمعنى يجفي أي: يبعد جنبيه، وليست المفاعلة ههنا على بابها، كما في
قوله تعالى: ﴿وسارعوا﴾ [آل عمران: ١٣٣] أي: أسرعوا.
فإن قلت: ما المناسبة بين البابين على تقدير ثبوت هذا الباب ههنا. قلت: من حيث
إن المذكور في الباب السابق حكم الطمأنينة في السجود، وههنا إبداء الضبعين ومجافاة
الجنبين في السجود، وكلها من أحكام السجود.
٣٩٠/٥٦ _ اخْبرنا يَحيَى بنُ بُكَيْر قال حدثنا بكْرُ بنُ مُضَرَ عنْ جَعْفَرِ عنِ ابنِ هُرْمُزَ
عنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مالِكِ بن بُخَيْنَةَ أنَّ النبيَّ عَ لَّهِ كَانَ إِذَا صَلَّى فَوَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَّاضُ
إِبْطَيْهِ. [الحديث ٣٩٠ - طرفاه في: ٨٠٧، ٣٥٦٤].
مطابقة هذا الحديث للترجمة في قوله: ((كان إذا صلى)) لأن المراد من قوله: صلى:
سجد من قبيل إطلاق الكل، وإرادة الجزء. وإذا فرج بين يديه لا بد من إبداء ضبعيه
والمجافاة.
ذكر رجاله: وهم خمسة: يحيى بن بكير، بضم الباء الموحدة، وبكر، بفتح الباء
الموحدة: ابن مضر، بضم الميم وفتح الضاد المعجمة، وروي غير منصرف للعلمية والعدل،
مثل: عمر، وقال الكرماني: أما باعتبار العجمة. قلت: هذا بعيد لأنه لفظ عربي خالص من:
مضر اللبن يمضر مضوراً، وهو الذي يحذي اللسان قبل أن يروب. وقال أبو عبيد: قال أبو
الوليد: اسم مضر مشتق منه، وهو مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وجعفر هو ابن ربيعة بن
شرحبيل المصري، توفي سنة خمس وثلاثين ومائة، وابن هرمز، بضم الهاء والميم: هو عبد
الرحمن الأعرج المشهور بالرواية عن أبي هريرة، وعبد الله بن مالك بن القشب، بكسر القاف
وسكون الشين المعجمة وبالباء الموحدة: الأزدي، وبحينة، بضم الباء الموحدة وفتح الحاء
المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح النون: وهو اسم أم عبد الله، فهو منسوب إلى
الوالدين، أسلم قديماً وصحب النبي عَلآهٍ وكان ناسكاً فاضلاً يصوم الدهر، مات زمن معاوية،
وقال النووي: الصواب فيه أن ينون مالك، ويكتب: ابن، بالألف لأن: ابن بحينة، ليس صفة
لمالك، بل صفة لعبد الله اسم أبيه مالك واسم أمه بحينة فبحينة امرأة مالك وأم عبد الله فليس
الابن واقعا بين علمين متناسبين.
ذكر لطائف إسناده فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين وفيه العنعنة في ثلاثة
مواضع وفيه إن رواته ما بين مصري ومدني.
ذكر تعدد مواضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في صفة النبي عَ لّه عن
قتيبة عن بكر بن مضر. وأخرجه مسلم في الصلاة عن قتيبة به، وعن عمرو بن سواد عن ابن
وهب. وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة به.
ذكر معناه وما اختلف من ألفاظه. قوله: ((فرج بين يديه))، معناه: فرج بين يديه

١٨٣
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٢٧)
وجنبيه، وفرج الله الغمّ بالتشديد والتخفيف وهو من باب: ضرب يضرب، وهو لفظ مشترك
بين الفرج: العورة، والثغر وموضع المخافة، والحكمة فيه أنه أشبه بالتواضع وأبلغ في تمكين
الجبهة من الأرض، وأبعد من هيئات الكسالى. قوله: ((بين يديه))، على حقيقته يعني قدامه،
وأراد ببعد: قدامه من الأرض حتى يبدو بياض إبطيه ويؤيد هذا ما في رواية مسلم: ((إذا سجد
يجنح في سجوده حتى يرى وضح إبطيه))، وفي رواية الليث: ((كان إذا سجد فرج يديه عن
إبطيه حتى إني لأرى بياض إبطيه)). وعنده أيضاً، من حديث ميمونة: ((كان عَّ إذا سجد لو
شاءت بهمة أن تمر بين يديه لمرت)). وفي رواية: ((خوى بيديه))، يعني: جنح «حتى يُرى
وضح إبطيه من ورائه)). وعند الترمذي محسناً، وعند الحاكم مصححاً: عن عبد الله بن أقرم:
فكنت أنظر إلى عفرتي إبطيه عَّ له إذا سجد. وعند الحاكم مصححاً عن ابن عباس: ((أتيت
النبي عَّله من خلفه فرأيت بياض إبطيه وهو مجخ قد فرج يديه))، وعند الدارقطني ملزماً
للبخاري تخريجه، عن أحمد بن جزء أنه قال: ((كنا لنأوي لرسول الله عَ لّه، مما يجافي
مرفقيه عن جنبيه إذا سجد)). وعند أحمد، وصححه أبو زرعة الرازي وابن خزيمة عن جابر:
(كان النبي عَِّ إذا سجد جافى حتى يرى بياض إبطيه)). وعند ابن خزيمة عن عدي بن
عميرة: ((كان النبي عَّله، إذا سجد يُرى بياض إبطيه)). وفي (صحيح ابن خزيمة) أيضاً عن
البراء: ((كان النبي عٍَّ، إذا سجد جنح)). وعند الحاكم، على شرطهما عن أبي هريرة: ((إذا
سجد يُرى وضح إبطيه)) وعند مسلم من حديث أبي حميد في عشرة من الصحابة: ((إذا
سجد جافى بين يديه)). وعند أبي داود عن أبي مسعود، ووصف صلاته، عَّ له، وفيه: ((ثم
جافى بين مرفقيه حتى استقر كل شيء منه).
قوله: ((يجنح)) من التجنيح، وهو أن يرفع ساعديه في السجود عن الأرض فيصيران له
مثل جناحي الطير، فكذلك التجنح. قوله: ((وضح إبطيه)) أي: بياضهما، وهو بفتح الواو
والضاد المعجمة. قوله: ((بهمة))، بفتح الباء الموحدة، قال الجوهري: البهمة من أولاد الضأن
خاصة، وتطلق على الذكر والأنثى، والسخال أولاد المعزى. وقال أبو عبيد وغيره: البهمة
واحد البهم، وهي أولاد الغنم من الذكور والإناث، وجمع: البهم: البهام، بكسر الباء وفي
رواية الحاكم والطبراني: بهيمة بالصغيرة، وقيل: هو الصواب، وفتح الباء خطأ. قوله:
(خوى))، بالخاء المعجمة وتشديد الواو المفتوحة: أي جافى بطنه عن الأرض ورفعها، وجافى
عضديه عن جنبيه حتى يخوي ما بين ذلك. قوله: ((مجخ))، بضم الميم وكسر الجيم
وبالخاء المعجمة المشددة من: جخ، بفتح الجيم والخاء المعجمة المشددة: إذا فتح عضديه
عن جنبيه، ويروى: جخى، بالياء، وهو أشهر، وهو مثل: جخ. وقيل: كان إذا صلى جخ،
يعني: تحول من مكان إلى مكان. قوله: ((لنأوي)) أي نرق له ونرثي، يقال: أويت الرجل آوي
له: إذا أصابه شيء فرثيت له؛ العفرة، بضم العين المهملة وسكون الفاء: البياض، وزعم أبو
نعيم في (دلائل النبوة) أن بياض إبطيه عَّ له من علامات نبوته.
ذكر ما يستنبط منه فيه: التفريج بين يديه، وهو سنة للرجال، والمرأة والخنثى تضمان

١٨٤
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٢٨)
لأن المطلوب في حقهما الستر، وحكي عن بعضهم أن السنة في حق النساء التربع، وبعضهم
خيرها بين الانفراج والانضمام. وقال ابن بطال: وشرعت المجافاة في المرفق ليخف على
الأرض ولا يثقل عليها، كما روى أبو عبيدة عن عطاء أنه قال: خففوا على الأرض. وفي
(المصنف): وممن كان يجافي أنس بن مالك وأبو سعيد الخدري؛ وقاله الحسن البصري
وإبراهيم، وعلي بن أبي طالب، قال: وممن رخص أن يعتمد المصلي بمرفقيه أبو ذر وابن
مسعود وابن عمر وابن سيرين وقيس بن سعد. قال: وحدّثنا ابن عيينة عن سمي عن النعمان
ابن أبي عياش، قال: ((شكونا إلى النبي عَّله، الإدغام والاعتماد في الصلاة فرخص لهم أن
يستعين الرجل بمرفقيه على ركبتيه أو فخذيه)). وعند الترمذي عن أبي هريرة: ((أنه اشتكى
أصحاب النبي عَّه، مشقة السجود عليهم، فقال: استعينوا بالركب)). وروى أبو داود أيضاً،
ولفظه: ((اشتكى أصحاب النبي عَّةِ، إلى النبي عليه الصلاة والسلام، مشقة السجود عليهم
إذا انفرجوا، فقال: استعينوا بالركب)). وفي (المصنف): حدّثنا يزيد بن هارون عن ابن عون،
قال: ((قلت لمحمد: الرجل يسجد إذا اعتمد بمرفقيه على ركبيه؟ قال: ما أعلم به بأساً).
حدّثنا عاصم عن ابن جريج عن نافع قال: كان ابن عمر يضم يديه إلى جنبيه إذا سجد؛
حدّثنا ابن نمير، حدّثنا الأعمش عن حبيب، قال: ((سأل رجل ابن عمر: أضع مرفقي على
فخذي إذا سجدت؟ فقال: اسجد كيف تيسر عليك)). حدّثنا وكيع عن أبيه عن أشعث بن
أبي الشعثاء عن قيس بن السكن، قال: كل ذلك قد كانوا يفعلون، ويضمون ويتجافون، كان
بعضهم يضم وبعضهم يتجافى. وفي (الأم) للشافعي: يسن للرجل أن يجافي مرفقيه عن
جنبيه، ويرفع بطنه عن فخذيه، وتضم المرأة بعضها إلى بعض. وقال القرطبي: وحكم
الفرائض والنوافل في هذا سواء.
وقال اللَّيْثُ حدّثني جَعْفَرُ بنُّ رَبِيعَةً نَحْوَهُ.
هذا التعليق أخرجه مسلم في صحيحه، فقال: حدّثنا عمرو بن سواد عن ابن وهب عن عمرو
ابن الحارث، والليث بن سعد، كلاهما عن جعفر بن ربيعة به. وفي رواية عمرو بن الحارث: ((إذا
سجد یجنح في سجوده حتی یُری وضح إبطيه)). وفي رواية اللیث: ((کان إذا سجد فرج یدیه عن
إبطيه حتى إني لأرى بياض إبطيه)). وقال الكرماني: وقال الليث: عطف على بكر، أي: حدّثنا
يحيى، قال الليث: حدثني جعفر بلفظ التحديث، وما روى بكر عنه بطريق العنعنة.
٢٨ - بابُ فَضْلِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ
لما فرغ من بيان أحكام ستر العورة بأنواعها شرع في بيان استقبال القبلة على
الترتيب، لأن الذي يريد الشروع في الصلاة يحتاج أولاً إلى ستر العورة، ثم إلى استقبال
القبلة، وذكر ما يتبعها من أحكام المساجد.
يَسْتَقْبِلُ بِأَطْرَافٍ رِجْلَيْهِ قالَهُ أَبُو حُمَّيْدٍ عنِ النبيِّ
أي: يستقبل المصلي برؤوس أصابع رجليه نحو القبلة، هذا تعليق قطعة من حديث

١٨٥
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٢٨)
طويل في صفة الصلاة، رواه أبو حميد عن النبي عٍَّ، وخرجه البخاري مسنداً فيما بعد في
باب سنة الجلوس في التشهد، وجعل هذه القطعة ترجمة لباب آخر فيما بعد، حيث قال:
باب يستقبل القبلة بأطراف رجليه، قال أبو حميد عن النبي عٍَّ، واسم أبي حميد: عبد
الرحمن بن سعد الساعدي الأنصاري المدني، قيل: اسمه المنذر، غلبت عليه كنيته، مات
في آخر زمن معاوية.
فإن قلت: ما مطابقة هذه القطعة للترجمة؟ قلت: إذا عرف فرض الاستقبال وعرف
فضله عرفت المطابقة؛ أما فرضه فهو توجه المصلي بكليته إلى القبلة، وأما فضله فهو استقباله
بجميع ما يمكن من أعضائه حتى بأطراف أصابع رجليه في التشهد، وبوب عليه النسائي،
فقال: الاستقبال بأطراف أصابع القدم القبلة عند القعود للتشهد، ثم روى حديث عبد الله بن
عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: من سنة الصلاة أن تنصب القدم اليمنى، واستقباله بأصابعها
القبلة والجلوس على اليسرى. وقال بعضهم: أراد بذكره بيان مشروعية الاستقبال بجميع ما
يمكن من الأعضاء. قلت: ليس كذلك، لأن الترجمة في فضل الاستقبال لا في مشروعيته،
على ما لا يخفى.
٣٩١/٥٧ - حدّثنا عَمْرُو بنُ عَبَّاسِ قال حدّثنا ابنُ مَهْدِيٍّ قال حدّثنا مَنْصُورُ بنُ سَعْدٍ
عنْ مَيْمُونِ بنِ سِيَاهِ عنْ أَنَسِ بنِ مالِكِ قالَ قال رسولُ اللَّهِ عَ لِّ ((مَنْ صَلَّى صَلاَتَنَا وَاسْتَقْبَلَ
قِبْلَتَنَا وَأَكَلَ ذَّبِيحَتَنَا فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وذِمَّةُ رَسُولِهِ فَلاَ تُخْفِرُوا اللَّهَ فِي
ذِمَّتِهِ)). [الحديث ٣٩١ - طرفاه في: ٣٩٢، ٣٩٣].
مطابقة هذا الحديث للترجمة في قوله: ((واستقبل قبلتنا))، بيانه أنه عّ لّهِ أفرد بذكر
استقبال القبلة بعد قوله: ((من صلى صلاتنا)) مع كونه داخلاً فيها، لأنه من شرائطها، وذلك
للتنبيه على تعظيم شأن القبلة وعظم فضل استقبالها، وهو غير مقتصر على حالة الصلاة، بل
أعم من ذلك على ما لا يخفى.
ذكر رجاله وهم خمسة: الأول: عمرو، بالواو: ابن عباس، بتشديد الباء الموحدة: أبو
عثمان الأهوازي البصري، مات سنة خمس وثلاثين ومائتين. الثاني: عبد الرحمن بن مهدي
ابن حسان أبو سعيد البصري اللؤلؤي. الثالث: منصور بن سعد، وهو صاحب اللؤلؤي
البصري. الرابع: ميمون بن سياه، بكسر السين المهملة وتخفيف الياء آخر الحروف وبعد
الألف هاء، وهو بالفارسية، ومعناه: الأسود، ويجوز فيه الصرف ومنعه، أما منعه فللعلمية
والعجمة، وأما صرفه فلعدم شرط المنع، وهو أن يكون علماً في العجم. ولفظ: سياه، ليس
بعلم في العجم، فلذلك يكون صرفه أولى. وقال بعضهم: وهو فارسي، وقيل: عربي. قلت:
قوله: وقيل عربي، غير صحيح لعدم تصرف وجوه الاشتقاق فيه. الخامس: أنس بن مالك.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في
موضعین. وفیه: أن رواته کلهم بصریون.
ذكر من أخرجه غيره أخرجه النسائي في الإيمان عن حفص بن عمر عن عبد الرحمن به.

١٨٦
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٢٨)
ذكر لغاته ومعناه وإعرابه. قوله: ((من صلى صلاتنا)) أي: صلى كما نصلي، ولا
يوجد إلاَّ من معترف بالتوحيد والنبوة، ومن اعترف بنبوة محمد عَ لّه فقد اعترف بجميع ما
جاء به عن الله تعالى، فلهذا جعل الصلاة علماً لإسلامه، ولم يذكر الشهادتين لأنهما داخلتان
في الصلاة، وإنما ذكر استقبال القبلة والصلاة متضمنة له مشروطة به، لأن القبلة أعرف من
الصلاة، فإن كل أحد يعرف قبلته وإن كان لا يعرف صلاته، ولأن من أعمال صلاتنا ما هو
يوجد في صلاة غيرنا: كالقيام والقراءة، واستقبال قبلتنا مخصوص بنا، ثم لما ذكر من
العبادات ما يميز المسلم من غيره أعقبه بذكر ما يميزه عادة وعبادة: فقال: ((وأكل ذبيحتنا))،
فإن التوقف عن أكل الذبائح كما هو من العادات، فكذلك هو من العبادات الثابتة في كل
ملة. قال الطيبي: وأقول، والله أعلم، إذا أجري الكلام على اليهود سهل تعاطي عطف
الاستقبال على الصلاة بعد الدخول فيها، ويعضده اختصاص ذكر الذبيحة، لأن اليهود
خصوصاً يمتنعون من أكل ذبيحتنا، وهم الذين حين تحولت القبلة شنعوا بقولهم: ﴿ما ولاهم
عن قبلتهم التي كانوا عليها﴾ [البقرة: ١٤٢] أي: صلوا صلاتنا وتركوا المنازعة في أمر القبلة
والامتناع عن أكل الذبيحة، لأنه من باب عطف الخاص على العام، فلما ذكر الصلاة عطف
ما كان الكلام فيه وما هو مهتم بشأنه عليها، كما أنه يجب عليهم أيضاً عند الدخول في
الإسلام أن يقروا ببطلان ما يخالفون به المسلمين في الاعتقاد بعد إقرارهم بالشهادتين.
قوله: ((صلاتنا))، منصوب بنزع الخافض، وهو في نفس الأمر صفة لمصدر محذوف
أي: من صلى صلاة كصلاتنا، كما ذكرناه. قوله: ((فذلك المسلم))، جواب الشرط، وذلك،
مبتدأ وخبره: المسلم، وقوله: ((الذي)) صفته، وقوله: ((ذمة الله)، كلام إضافي مبتدأ وخبره. هو
قوله: له، والجملة صلة الموصول. قوله: ((ذمة الله))، الذمة: الأمان والعهد، ومعناه في أمان الله
وضمانه، ويجوز أن يراد بها الذمام وهو الحرمة. ويقال: الذمة الحرمة أيضاً. قال القزاز: الذمام
كل حرمة تلزمك منها مذمة، تقول: الزمني لفلان مام وذمة ومذمة، هذا بكسر الذال، وكذا
لزمتني له ذمامة، مفتوح الأول. وفي (المحكم): الذمام والمذمة: الحق، والجمع: أذمة،
والذمة: العهد والكفالة، والجمع: ذمم، وفي (الغريبين): قال ابن عرفة: الذمة الضمان وبه
سمي أهل الذمة لدخولهم في ضمان المسلمين. قال الأزهري في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ ولا ذمة﴾
أي: ولا أماناً. قوله: ((فلا تخفروا الله))، قال ثعلب في (فصيحه): خفرت الرجل إذا أجرته
وأخفرته إذا نقضت عهده. وقال كراع في (المجرد) وابن القطاع في كتاب (الأفعال) أخفرته
بعثت معه خفيراً، وقال القزاز، خفر فلان بفلان وأخفره إذا غدر به، وقال ابن سيده: خفره
خفراً وخفراً وأخفره: نقض عهده وغدره، وأخفر الذمة: لم يف بها. قلت: لا تخفروا، بضم
التاء من الإخفار، والهمزة فيه للسلب، أي: لسلب الفاعل عن المفعول أصل الفعل نحو
أشكيته، أي: أزلت شكايته، وكذلك: أخفرته، أي: أزلت خفارته. وقال الخطابي: فلا تخفروا
الله، معناه: ولا تخونوا الله في تضييع حق من هذا سبيله، وإنما اكتفى في النهي بذمة الله
وحده، ولم يذكر الرسول كما ذكر أولاً، لأنه ذكر الأصل لحصول المقصود به ولاستلزامه

١٨٧
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٢٨)
عدم إخفاره ذمة الرسول، وأما ذكره أولاً فللتأكيد وتحقيق عصمته مطلقاً، والضمير في ذمته
يرجع إلى المسلم أو إلى الله تعالى، فافهم.
ذكر ما يستنبط منه: فيه: أن أمور الناس محمولة على الظاهر دون باطنها، فمن أظهر
شعائر الدين أجريت عليه أحكام أهله ما لم يظهر منه خلاف ذلك، فإذا دخل رجل غريب في
بلد من بلاد المسلمين بدين أو مذهب في الباطن غير أنه عليه زي المسلمين حمل على ظاهر
أمره على أنه مسلم حتى يظهر خلاف ذلك. وفيه: ما يدل على تعظيم شان القبلة، وهي من
فرائض الصلاة، والصلاة أعظم قربات الدين، ومن ترك القبلة متعمداً فلا صلاة له، ومن لا صلاة
له فلا دين له. وفيه: أن استقبال القبلة شرط للصلاة مطلقاً، إلاَّ في حالة الخوف، ثم من كان
بمكة شرفها الله تعالى فالفرض في حقه إصابة عينها سواء كان بين المصلي وبين الكعبة حائل
بجدار أو لم يكن، حتى لو اجتهد وصلى فبان خطؤه، فقال الرازي: يعيد، ونقل ابن رستم عن
محمد بن الحسن: لا يعيد إذا بان خطؤه بمكة أو بالمدينة، قال: وهو الأقيس لأنه أتى بما في
وسعه، وذكر أبو البقاء أن جبريل عليه الصلاة والسلام وضع محراب رسول الله عَ له مسامت
الكعبة، وقيل: كان ذلك بالمعاينة، بأن كشف الحال وأزيلت الحوائل، فرأى رسول الله عَ ليه
الكعبة فوضع قبلة مسجده عليها، وأما من كان غائباً عن الكعبة ففرضه جهة الكعبة لا عينها،
وهو قول الكرخي وأبي بكر الرازي وعامة مشايخ الحنفية. وقال أبو عبد الله الجرجاني، شيخ
أبي الحسن القدوري الفرض إصابة عينها في حق الحاضر والغائب، وهو مذهب الشافعي. قال
النووي: الصحيح عن الشافعي فرض المجتهد مطلوبية عينها. وفي تعلم أدلة القبلة ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه فرض كفاية. الثاني: فرض عين ولا يصح. الثالث: فرض كفاية إلاَّ أن يريد سفراً.
وقال البيهقي في (المعرفة): والذي روي مرفوعاً: ((الكعبة قبلة من يصلي في المسجد الحرام،
والمسجد الحرام قبلة أهل مكة ممن يصلي في بيته أو في البطحاء، ومكة قبلة أهل الحرم،
والحرم قبلة لأهل الآفاق)). فهو حديث ضعيف لا يحتج به. وفيه: أن من جملة الشواهد بحال
المسلم أكل ذبيحة المسلمين، وذلك أن طوائف من الكتابيين والوثنيين يتحرجون من أكل
ذبائح المسلمين، والوثني الذي يعبد الوثن أي الصنم.
٣٩٢/٥٨ - حدّثنا نُعَيْمٌ قال حدّثنا ابنُ المبارَك ◌ِنْ حُمَيْدِ الطَّوِيل عنْ أَنسَ بن مالك
قال قال رسول الله عَ لَّ أَمرتُ أن أُقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقولوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ فإِذَا قَالُوها وصَلَّوْا
صَلاَتَنا واسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا وَذَبَحُوا ذَبِيحَتَنَا فَقَدْ حَرُمَتْ عَليْنَا دِماؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ إِلاَّ بِحَقِّها
وحسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ. [انظر الحديث ٣٩١ وأطرافه].
حديث أنس هذا أخرجه البخاري في هذا الباب من ثلاثة أوجه. الأول: مسند عن
عمرو بن عباس الخ، وقد مر. والثاني: فيه خلاف بين الرواة من أربعة أوجه. الأول: حدثه
البخاري عن نعيم بن حماد الخزاعي، ونعيم خرجه معلقاً من حيث قال: قال ابن المبارك،
وهو عبد الله بن المبارك، وهذا هو المذكور في نسختنا. الثاني: قال ابن شاكر راوي
البخاري عنه: قال نعيم بن حماد: فالبخاري علقه. والثالث: رواية الأصيلي وكريمة، قال ابن

١٨٨
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٢٨)
المبارك بغير ذكر نعيم: فالبخاري أيضاً علقه. والرابع: وقع مسنداً حيث قال في بعض
النسخ: حدّثنا نعيم حدّثنا ابن المبارك ... الخ. والثالث من الأوجه: التي ذكرها البخاري:
معلق موقوف على ما يأتي عن قريب.
وأخرج أبو داود هذا الحديث في الجهاد والترمذي في الإيمان عن سعيد بن يعقوب عن
ابن المبارك. وأخرجه النسائي في المحاربة عن محمد بن حاتم عن حبان عن ابن المبارك.
قوله: ((أمرت)) أي: أمرني الله تعالى، وإنما طوى ذكر الفاعل لشهرته ولتعظيمه. قوله: ((أن
أقاتل الناس)) أي: بأن أقاتل، وكملة: أن، مصدرية، وأراد بالناس: المشركين. قوله: ((حتى
يقولوا لا إله إلاَّ الله))، إنما اكتفى بذكر هذا الشرط من غير انضمام: محمد رسول الله، لأنه
عبر على طريق الكناية عن الإقرار برسالته بالصلاة والاستقبال والذبح، لأن هذه الثلاثة من
خواص دينه معَّهِ، لأن القائلين: لا إله إلا الله، كاليهود فصلاتهم بدون الركوع، وقبلتهم غير
الكعبة، وذبيحتهم ليست كذبيحتنا. وقد يجاب بأن هذا الشرط الأول من كلمة الشهادة
شعار لمجموعها، كما يقال قرأت: ﴿ألم ذلك الكتاب﴾ [البقرة: ١ - ٢] والمراد كل
السورة، لا يقال: فعلى هذا لا يحتاج إلى الأمور الثلاثة، لأن مجرد هذه الكلمة التي هي
شعار الإسلام محرمة للدماء والأموال، لأنا نقول: الغرض منه بيان تحقيق القول بالفعل
وتأكيد أمره، فكأنه قال: إذا قالوها وحققوا معناها بموافقة الفعل لها فتكون محرمة. وأما
تخصيص هذه الثلاثة من بين سائر الأركان وواجبات الدين فلكونها أظهرها وأعظمها وأسرعها
علماً بها، إذ في اليوم الأول من الملاقاة مع الشخص يعمل صلاته وطعامه، غالباً، بخلاف
نحو الصوم فإنه لا يظهر الامتياز بيننا وبينهم به ونحو الحج فإنه قد يتأخر إلى شهور وسنين،
وقد لا يجب عليه أصلاً. قوله: ((وذبحوا ذبيحتنا)) أي: ذبحوا المذبوح مثل مذبوحنا،
والذبيحة على وزن: فعيلة بمعنى: المذبوح. فإن قلت: فعيل: إذا كان بمعنى المفعول يستوي
فيه المذكر والمؤنث فلا تدخله التاء. قلت: لما زال عنه معنى الوصفية وغلبت الإسمية عليه
واستوى فيه المذكر والمؤنث فدخله التاء، وقد يقال: إن الاستواء فيه عند ذكر الموصوف
معه، وأما إذا انفرد عنه فلا. قوله: ((إلا بحقها)). أي: إلاَّ بحق الدماء والأموال، وفي حديث
ابن عمر: ((فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاَّ بحق الإسلام)). قوله: ((وحسابهم
على الله))، على سبيل التشبيه أي: هو كالواجب على الله في تحقق الوقوع، وإلاَّ فلا يجب
على الله شيء، وكان الأصل فيه أن يقال: وحسابهم الله أو إلى الله، وقد مر تحقيق الكلام
في هذا الباب مستوفىّ في باب ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ [التوبة: ٥، ١١].
وقالَ عَلِيُّ بنُ عبْدِ اللَّهِ حدّثنا خالِدُ بنُ الْحَارِثِ قال حدّثنا حُمَيْدٌ قال سَأَلَ مَيْمُونُ بْنُ
سِيَاهِ أَنَسَ بْنَ مالِكِ قال يا أبا حَمْزَةَ وما يُحَرِّمُ دَمَ الْعَبْدِ ومالَهُ فقال مَنْ شَهِدَ أنْ لا إِلهَ إلا اللَّهُ
واسْتَقْبَلَ قِلَتَنَا وَصَلَّى صَلاَتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَهْوَ الْمُسْلِمُ لهُ ما لِلْمُسْلِمِ وعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُسْلِمِ.
هذا معلق وموقوف أما التعليق فإنه قال: قال علي بن عبد الله هو ابن المديني. وفاعل

١٨٩
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٢٨)
قال الأول: هو: البخاري، وفاعل قال الثاني: ظاهر وهو شيخه علي بن المديني. وأما الوقف
فإن أنساً لم يرفعه. قوله: ((يا با حمزة)) أصله: يا أبا حمزة، فحذفت الهمزة للتخفيف، وأبو
حمزة كنية أنس. قوله: ((وما يحرم؟))، بالتشديد من التحريم، وكلمة: ما، استفهامية. فإن
قلت: و: ما يحرم، عطف على: ماذا؟ قلت: على شيء محذوف كأنه سأل عن شيء قبل
هذا، ثم قال: وما يحرم، ولم تقع: الواو، في رواية الأصيلي وكريمة. وقال بعضهم: الواو
استئنافية. قلت: الاستئناف كلام مبتدأ فعلى هذا لا يبقى مقول لقال، فيحتاج إلى تقدير. فإن
قلت: الجواب: ينبغي أن يكون مطابقاً للسؤال، والسؤال هنا عن سبب التحريم، فالجواب
كيف يطابقه؟ قلت: المطابقة ظاهرة لأن قوله: من شهد، الخ هو الجواب وزيادة، لأنه لما
ذكر الشهادة وما عطف عليها علم أن الذي يفعل هذا هو المسلم، والمسلم يحرم دمه وماله
إلا بحقه. قوله: ((له)) أي: من النفع، و: ((عليه)) أي: من المضرة، والتقديم يفيد الحصر أي:
له ذلك لا لغيره.
... / ٣٩٣ قال ابنُ أبي مَرَمَ أخْبَرَنَا يَحتَى قالَ حدّثنا حُمَيْدٌ قالَ حدّثنا أنس عن النبيِّ
عَّلِ. [انظر الحديث ٣٩١ وطرفيه].
هذا أيضاً معلق رواه ابن أبي مريم، وهو سعيد بن الحكم المصري عن يحيى بن أيوب
الغافقي المصري عن حميد الطويل عن أنس بن مالك، وقد وصله أبو نعيم: حدّثنا أبو أحمد
الجرجاني حدّثنا، إبراهيم بن موسى حدّثنا إبراهيم بن هانىء حدّثنا عمرو بن الربيع (ح)
وحدّثنا إبراهيم بن محمد حدّثنا أبو عروبة حدّثنا عمر بن الخطاب حدّثنا ابن أبي مريم، قالا:
حدّثنا يحيى بن أيوب أخبرني حميد سمع أنساً ... فذكره، وفي هذا فائدة وهي: تصريح
حميد بسماعه إياه من أنس، ولكن طعن فيه الإسماعيلي وقال: الحديث حديث ميمون وإنما
سمعه حميد منه، ولا يحتج بيحيى بن أيوب في قوله: عن حميد حدّثنا أنس قال، ويدل على
ذلك ما أخبرنا يحيى بن محمد بن البحتري حدّثنا عبيد الله بن معاذ حدّثنا أبي عن حميد
عن ميمون، قال: ((سألت أنساً ما يحرم مال المسلم ودمه؟)) الحديث
قلت: رواية معاذ لا دليل فيها على أن حميداً لم يسمعه من أنس، لأنه يجوز أن يكون
سمعه من أنس ثم استثبت فيه عن ميمون، فكأنه تارة يحدث به عن أنس لأجل العلو، وتارة
عن ميمون للاستثبات، وقد جرت عادة حميد وغيره بهذه الطريقة. فإن قلت: جاء عن أبي
هريرة: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم
وأموالهم إلا بحقها)). وجاء عن ابن عمر: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله
ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم»، وجاء عن أنس
المذكور في هذا الباب، فما التوفيق بين هذه الروايات الثلاث؟ قلت: إنما اختلفت هذه
الألفاظ فزادت ونقصت لاختلاف الأحوال والأوقات التي وقعت هذه الأقوال فيها، وكانت
أمور الشريعة تشرع شيئاً فشيئاً فخرج كل قول فيها على شرط المفروض في حينه، فصار كل
منها في زمانه شرطاً لحقن الدم وحرمة المال، ولا منافاة بين الروايات ولا اختلاف.

١٩٠
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٢٩)
٢٩ _ بابُ قِبْلَةِ أهْلِ المَدِينةِ وأهْلِ الشَّأَمِ والمَشْرِقِ لَيْسَ في المَشْرِقِ وَلاَ في المَغْرِبِ
قِبْلَة
هذا الموضع يحتاج إلى تحرير قوي، فإن أكثر من تصدى لشرحه لم يغنٍ شيئاً بل
بعضهم ركب البعاد وخرط القتاد، فنقول، وبالله التوفيق: إن قوله: باب، إما أن يضاف إلى ما
بعده أو يقطع عنه، وإن لفظة: قبلة، بعد قوله: ولا في المغرب، إما أن تكون موجودة أو لا،
ولكل واحد من ذلك وجه.
ففي القطع وعدم وجود لفظة: قبلة، يكون لفظة. باب، منوناً على تقدير: هذا باب.
ويجوز أن يكون ساكناً مثل تعداد الأسماء لأن الإعراب لا يكون إلاَّ بالعقد والتركيب، ويكون
قوله: قبلة أهل المدينة، الذي هو كلام إضافي مبتدأ، أو، قوله: وأهل الشام، بالجر عطفاً
على المضاف إليه، وكذلك قوله: والمشرق، بالجر. وقوله: ليس في المشرق، خبر
المبتدأ. ولكن لا بد فيه من تقديرين: أحدهما: أن يقدر لفظ: قبلة، الذي هو المبتدأ بلفظ:
مستقبل أهل الشام، لوجوب التطابق بين المبتدأ والخبر في التذكير والتأنيث. والثاني: أن
يؤول لفظ: المشرق، بالتشريق، ولفظ: المغرب، بالتغريب، والعرب تطلق المشرق والمغرب
لمعنى التشريق والتغريب، قاله ثعلب وأنشد.
أُبعد مغربهم بغداد ساحتها
وقال ثعلب: معناه أبعد تغريبهم؟ فإن قلت: لم لم يذكر: المغرب، بعد قوله:
والمشرق، مع أن العلة فيهما مشتركة؟ قلت: اكتفى بذلك عنه كما في قوله تعالى:
﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ [النحل: ٨١] أي: والبرد، وأما تخصيص المشرق فلأن أكثر بلاد
الإسلام في جهة المشرق.
وأما في الإضافة، وتقدير وجود لفظ: قبلة، بعد قوله: ولا في المغرب، فتقديره؛ هذا
باب في بيان قبلة أهل المدينة وقبلة أهل الشام وقبلة أهل المشرق، ثم بين ذلك بالجملة
الاستئنافية، وهي قوله: ليس في المشرق ولا في المغرب قبلة، ولهذا ترك العاطف،
والجملة الاستئنافي في الحقيقة جواب عن سؤال مقدر، وهو أنه: لما قال: باب قبلة أهل
المدينة وأهل الشام والمشرق، انتصب سائل فقال: كيف قبلة هذه المواضع؟ فقال: ليس في
المشرق ولا في المغرب قبلة. وقال السفاقسي: يريد أن قبلة هؤلاء المسلمين ليست في
المشرق منهم ولا في المغرب، بدليل أن النبي عَّهِ، أباح لهم قضاء الحاجة في جهة
المشرق منهم والمغرب. قلت: معناه: القبلة ما بينهما، لما روى الترمذي بإسناده عن أبي
هريرة، قال: قال النبي عَّ: ((ما بين المشرق والمغرب قبلة)). ثم قال: وقد روي عن غير
واحد من أصحاب النبي معَّم: ما بين المشرق والمغرب قبلة، منهم عمر بن الخطاب وعلي
ابن أبي طالب وابن عباس، وقال ابن عمر: ((إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن
يسارك فما بينهما قبلة إذا استقبلت القبلة)) وقوله عَّ ◌ُلِّ: ((ما بين المشرق والمغرب قبلة))،

١٩١
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٢٩)
ليس عاماً في سائر البلاد، وإنما هو بالنسبة إلى المدينة الشريفة، وما وافق قبلتها، وقال البيهقي
في (الخلافيات): والمراد، والله أعلم، أهل المدينة. ومن كانت قبلته على سمت أهل
المدينة. وقال أحمد بن خالد الذهبي: قول عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه: ما بين
المشرق والمغرب قبلة، قاله بالمدينة، فمن كانت قبلته مثل قبلة المدينة فهو من سعة ما بين
المشرق والمغرب، ولسائر البلدان من السعة في القبلة مثل ذلك بين الجنوب والشمال،
ونحو ذلك؛ وقال ابن بطال: تفسير هذه الترجمة يعني: وقبلة مشرق الأرض كلها إلاَّ ما قابل
مشرق مكة من البلاد التي تكون تحت الخط المار عليها من المشرق إلى المغرب، فحكم
مشرق الأرض كلها كحكم مشرق أهل المدينة والشام في الأمر بالانحراف عند الغائط،
لأنهم إذا شرقوا أو غربوا لم يستقبلوا القبلة ولم يستدبروها. قال: وأما ما قابل مشرق مكة من
البلاد التي تكون تحت الخط المار عليها من مشرقها، إلى مغربها فلا يجوز لهم استعمال
هذا الحديث، ولا يصح لهم أن يشرقوا. ولا أن يغربوا لأنهم إذا شرقوا استدبروا القبلة، وإذا
غربوا استقبلوها، وكذلك من كان موازياً بمغرب مكة إن غرب استدبر القبلة، وإن شرق
استقبلها، وإنما ينحرف إلى الجنوب أو الشمال، فهذا هو تغريبه وتشريقه.
قال: وتقدير الترجمة: باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام - والمشرق والمغرب ليس
في التشريق ولا في التغريب يعني أنهم عند الانحراف للتشريق والتغريب ليسوا مواجهين
للقبلة ولا مستدبرین لها.
لقوْلِ النَّبِيِّ عَّهِ ((لاَ تسْتَقْبِلُوا القِئْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا)).
هذا التعليق رواه النسائي موصولاً. فقال: أخبرنا منصور، قال: حدّثنا سفيان عن الزهري
عن عطاء بن يزيد عن أبي أيوب الأنصاري أن النبي عَّله، قال: ((لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا
بول ولكن شرقوا أو غربوا)). واحتج البخاري بعموم هذا الحديث، وسوى بين الصحاري
والأبنية، وجعله دليلاً للترجمة التي وضعها، واعترض عليه بأن في نفس حديثه الذي ذكره أبو
داود في (سننه) والبخاري أيضاً على ما يجيء الآن، ما يدل على عكس ما أراده وذلك أن أبا
أيوب رضي الله تعالى عنه، قال في حديثه، ((فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو
الكعبة، لكنا ننحرف عنها، ونستغفر الله عز وجل)). قلت: لا يرد عليه هذا أصلاً لأن المنع
لأجل تعظيم القبلة وهو موجود في الصحراء والبنيان، ولهذا قال أبو أيوب: ((لكنا ننحرف
عنها ونستغفر الله عز وجل))، وهذا هو الذي ذهب إليه أبو حنيفة، وبه قال أحمد في رواية،
وذهب الشافعي ومالك إلى أنه يحرم استقبال القبلة في الصحراء بالبول والغائط، ولا يحرم
ذلك في البنيان، وقد استقصينا الكلام فيه في كتاب الوضوء.
٣٩٤/٥٩ - حدثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قال حدّثنا سُفْيانُ قال حدّثنا الزُّهْرِيُّ عنْ عَطاءٍ
ابنِ يَزِيدَ عنْ أَبِي أَيُّوب الأنْصَارِيِّ أنَّ النبيَّ عَ الِه قال: ((إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلاَ تَسْتَقْبلوا القِبْلَةَ
ولَا تَسْتَذْبِرُوها ولَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا)) قال أبُو أَيُّوبَ فَقَدِمْنا الشَّأَمَ فَوَجَدْنا مَراحِيضَ يُنِيَتْ قِبَلَ
القِبْلَةِ فَنَتْحَرِفُ وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تعالى. [انظر الحديث ١٤٤].

١٩٢
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٢٩)
مطابقة هذا الحديث للترجمة في قوله: ((شرقوا أو غربوا)) لأنه قال فيها: ليس في
المشرق ولا في المغرب قبلة، فإذا لم تكن فيهما قبلة يتوجه المستنجي إليها إما يشرق وإما
یغرب.
ذكر رجاله وهم خمسة: علي بن عبد الله المديني، وسفيان هو ابن عيينة، والزهري
هو محمد بن مسلم بن شهاب، واسم أبي أيوب خالد بن زيد رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة
مواضع. وفيه: أن رواته ما بين بصري ومكي ومدني.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضاً في الطهارة عن آدم بن أبي
إياس عن ابن أبي ذئب عن الزهري، وأخرجه مسلم فيها عن يحيى بن يحيى وزهير وابن نمير،
وأبو داود فيها أيضاً عن مسدد، والترمذي أيضاً عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي،
خمستهم عن سفيان به، والنسائي أيضاً عن محمد بن منصور عن سفيان به، وابن ماجه
كذلك عن أبي الطاهر بن السرح عن ابن وهب عن يونس عن الزهري نحوه.
ذكر معناه قوله: ((الغائط))، اسم للأرض المطمئنة لقضاء الحاجة. قوله: ((فقدمنا
الشام))، وهو إقليم مشهور يذكر ويؤنث، ويقال مهموزاً ومسهلاً، وسميت بسام بن نوح عليه
الصلاة والسلام، لأنه أول من نزلها، فجعلت السين شيئاً معجمة تغييراً للفظ الأعجمي، وقيل:
سميت بذلك لكثرة قراها وتداني بعضها من بعض فشبهت بالشامات. قوله: ((مراحيض»،
بفتح الميم وبالحاء المهملة والضاد المعجمة: جمع مرحاض، بكسر الميم، وهو البيت
المتخذ لقضاء حاجة الإنسان، أي: التغوط، قوله: (قبل الكعبة))، بكسر القاف وفتح الباء
الموحدة، أي: مقابلها. قوله: ((فننحرف)) أي: عن جهة القبلة من الانحراف. ويروى:
((فنتحرف)) من التحرف. قوله: ((ونستغفر الله تعالى))، قيل: نستغفر الله لمن بناها فإن
الاستغفار للمذنبين سنة. وقيل: نستغفر الله من الاستقبال، وقيل: نستغفر الله من ذنوبه.
ويقال: لعل أبا أيوب لم يبلغه حديث ابن عمر في ذلك ولم يره مخصصاً. وحمل ما رواه
على العموم، وهذا الاستغفار لنفسه لا للناس على هذه الهيئة. فإن قلت: الغالط والساهي لم
يفعل إثماً فلا حاجة فيه إلى الاستغفار. قلت: أهل الورع والمناصب العلية في التقوى قد
يفعلون مثل هذا بناء على نسبتهم التقصير إلى أنفسهم في التحفظ ابتداء، وقد مر ما يستنبط
منه فيما مضى في كتاب الوضوء.
وعنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عَطاءٍ قال سَمِعْتُ أبا أَيُّوبَ عنِ النبيِّ عَ لِ مِثْلَهُ.
قوله: ((وعن الزهري)) عطف على قوله: ((حدّثنا سفيان عن الزهري)) يعني بالإسناد
المذكور أيضاً عن الزهري عن عطاء بن يزيد المذكور، سمعت أبا أيوب. وفائدة ذكره مكرراً
أن في الطرق الأول عنعن الزهري عن عطاء عن أبي أيوب، وفي هذا الطريق صرح عطاء
بالسماع عن أبي أيوب، والسماع أقوى من العنعنة. وقال الكرماني: السماع أقوى من العنعنة.

١٩٣
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣٠)
وهي أقوى من أن، لكن فيه ضعف من جهة التعليق عن الزهري. قلت: الظاهر مع
الكرماني، ولكن الحديث بهذا الطريق مسندًا في مسند إسحاق بن راهويه عن سفيان. إلى آخره.
والله أعلم.
٣٠ - بابُ قَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِنْرَاهِيمَ مُصَلَّى﴾
[البقرة: ١٢٥].
أي هذا باب قول الله تعالى إنما بوب بهذه الآية الكريمة لأن فيها بيان القبلة على ما
نذكره، وهذا أيضاً هو وجه المناسبة في ذكر هذا الباب بين هذه الأبواب المذكورة ههنا
المتعلقة بالقبلة وأحكامها. قوله: ((واتخذوا)) بلفظ الأمر على القراءة المشهورة. وقال
الزمخشري: واتخذوا على إرادة القول أي: وقلنا: اتخذوا منه موضع صلاة تصلون فيه، وهو
على وجه الاختيار والاستحباب دون الوجوب. وقال غيره: وقرىء بلفظ الماضي عطفاً على
﴿جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً واتخذوا﴾ [البقرة: ١٢٥] وقد اختلف المفسرون في المراد
بالمقام ما هو؟ فقال ابن أبي حاتم: حدّثنا عمرو بن شيبة النميري حدّثنا أبو خلف، يعني: عبد
الله بن عيسى، حدّثنا داود بن أبي هند عن مجاهد عن ابن عباس ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم
مصلى﴾ [البقرة: ١٢٥] قال: مقام إبراهيم الحرم كله، وروي عن مجاهد وعطاء مثل ذلك.
وقال السدي: المقام: الحجر الذي وضعته زوجة إسماعيل تحت قدم إبراهيم عليه السلام،
حتى غسلت رأسه، حكاه القرطبي وضعفه ورجح غيره، وحكاه الرازي في (تفسيره) عن
الحسن البصري وقتادة والربيع بن أنس، وقال ابن أبي حاتم: حدّثنا الحسن بن محمد بن
الصباح حدّثنا عبد الوهاب بن عطاء عن ابن جريج عن جعفر بن محمد عن أبيه سمع جابراً
يحدث عن حجة النبي عَّم قال: ((لما طاف النبي عَ لمه قال له عمر رضي الله تعالى عنه:
هذا مقام أبينا إبراهيم عليه السلام؟ قال: نعم. قال: أفلا نتخذه مصلى؟ فأنزل الله عز وجل:
﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ [البقرة: ١٢٥].
وقال عثمان بن أبي شيبة: حدّثنا أبو أسامة عن زكريا عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة،
قال: قال عمر: ((قلت: يا رسول الله هذا مقام خليل ربنا؟ قال: نعم. قال: أفلا نتخذه مصلى؟
فنزلت: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ [البقرة: ١٢٥]. وقال ابن مردويه؛ حدّثنا دعلج
ابن أحمد حدّثنا غيلان بن عبد الصمد حدّثنا مسروق بن المرزبان حدّثنا زكريا بن أبي زائدة
عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون: ((عن عمر بن الخطاب أنه مر بمقام إبراهيم عليه السلام
فقال: يا رسول الله أليس تقوم مقام خليل الله؟ قال: بلى. قال: أفلا نتخذه مصلى؟ فلم
يلبث إلاَّ يسيراً حتى نزلت: ((واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)) [البقرة: ١٢٥] وحكى ابن
بطال عن ابن عباس أنه قال: الحج كله مقام إبراهيم، وقال مجاهد: الحرم كله مقام إبراهيم،
وروى عبد الرزاق عن معمر عن ابن أبي نجيح عنه قال: هو عرفة وجمع ومنى. وقال عطاء:
مقام، إبراهيم عرفة والمزدلفة والجمار، واختلفوا في قوله: ﴿مصلى﴾ [البقرة: ١٢٥] فقال
عمدة القاري /ج٤ /م١٣

١٩٤
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣٠)
مجاهد: مدعيًّ، كأنه أخذه من: صليت، بمعنى: دعوت. وقال الحسن؛ قبلة، وقال السدي
وقتادة: أمروا أن يصلوا عنده، ولا شك أن من صلى إلى الكعبة من غير الجهات الثلاث التي
لا تقابل مقام إبراهيم فقد أدى فرضه، فالغرض إذاً البيت لا المقام، وقد صلى الشارع
خارجها، وقال: هذه القبلة، ولم يستقبل المقام حين صلى داخلها، ثم استقبل المقام فإن
المقام إنما يكون قبلة، إذا جعله المصلى بينه وبين القبلة.
٦٠ / ٣٩٥ - حدّثنا الْحُمَيْدِيُّ قال حدّثنا سُفْيانُ قال حدّثنا عَمْرُوِ بنُ دِينارِ قال سَأَلْنا
ابْنَ عُمَرَ عنْ رَجُلٍ طافَ بِالْبَيْتِ لِلْعُمْرَةِ ولمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ أَيأْتِي امْرَأَتَهُ فقال قَدِمَ
النبيُّ عَ لَّه فَطافَ بِالْبَيْتِ سَبْعاً وِصَلَّى خلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ وطافَ بيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ
﴿وقدْ كان لَكُمْ في رسولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. [الحديث ٣٩٥ - أطرافه في: ١٦٢٣،
١٦٢٧، ١٦٤٥، ١٦٤٧، ١٧٩٣].
٣٩٦ _ وسأَلْفا جابرَ بنَ عَبْدِ اللَّهِ فقال لا يَقْرَبَنَّها حَتى يَطُوفَ بيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ.
[الحديث ٣٩٦ - أطرافه في: ١٦٢٤، ١٦٤٦، ١٧٩٤].
مطابقته للترجمة في قوله: ((وصلى خلف المقام)).
ذكر رجاله: وهم خمسة. الأول: الحميدي، بضم الحاء وفتح الميم وسكون الياء
آخر الحروف. واسمه عبد الله بن الزبير القرشي الأسدي أبو بكر المكي، ونسبته إلى بطن من
قريش يقال له: حميد بن زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزى. الثاني: سفيان بن عيينة.
الثالث: عمرو بن دينار المكي. الرابع: عبد الله بن عمر بن الخطاب. الخامس: جابر بن
عبد الله الأنصاري، رضي الله تعالى عنهم.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: السؤال في
موضعين. وفيه: إن رواته الثلاثة مكيون، ولا يدخل هذا الحديث في مسند جابر لأنه لم
يرفعه، إنما هو من مسند ابن عمر، قاله خلف.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري ههنا، وفي الحج عن
الحميدي، وفي الحج أيضاً عن قتيبة وعلي بن عبد الله فرقهم، ثلاثتهم عن سفيان، وعن آدم
عن شعبة، وعن مكي بن إبراهيم عن ابن جريج. وأخرجه مسلم في الحج عن زهير بن حرب
عن سفيان، وعن يحيى بن يحيى، وعن أبي الربيع الزهراني، كلاهما عن حماد بن زيد، وعن
عبد الله بن حميد عن محمد بن بكر عن ابن جريج. وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة، ومحمد
ابن منصور وعبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهري، فرقهم، ثلاثتهم عن سفيان وعن
محمد بن بشار عن غندر عن شعبة. وأخرجه ابن ماجه فيه عن علي بن محمد، وعمرو بن
عبد الله، كلاهما عن وكيع.
ذكر معناه: قوله: ((طاف بالبيت للعمرة)، كذا هو في رواية الأكثرين وفي رواية
المستملي والحموي: ((طاف بالبيت العمرة)) بحذف: اللام، من قوله: ((للعمرة))، ولا بد من

١٩٥
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣٠)
تقديره، إذ المعنى لا يصح بدونه. قوله: ((ولم يطف))، أي: لم يسع بين الصفا والمروة فأطلق
الطواف على السعي إما لأن السعي نوع من الطواف، وإما للمشاكلة ولوقوعه في مصاحبة
طواف البيت. قوله: ((أيأتي امرأته؟) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستفسار أي: أيجوز
له الجماع؟ يعني: أحصل له التحلل من الإحرام قبل السعي بين الصفا والمروة أم لا؟ قوله:
((فقال))، أي: ابن عمر في جوابه: قدم النبي عَّلِ إلى آخره، فأجاب ابن عمر بالإشارة إلى
وجوب اتباع النبي عَّ ◌ُلِّ، لا سيما في أمر المناسك لقوله عَ لـ: ((خذوا عني مناسككم»،
والنبي عَّهِ ما تحلل قبل السعي، فيجب التأسي به، وهو معنى قوله: ((وقد كان لكم في
رسول الله أسوة حسنة)) والأسوة، بضم الهمزة وكسرها: أي قدوة. قوله: ((لا يقربنها)) جملة
فعلية مضارعية مؤكدة بالنون الثقيلة، وهذا جواب جابر بن عبد الله بصريح النهي عنه، وإنما
خص إتيان المرأة بالذكر، وإن كان الحكم سواء في جميع المحرمات، لأن إتيان المرأة من
أعظم المحرمات.
ذكر ما يستنبط منه فيه: أن السعي واجب في العمرة وهو مذهب العلماء كافة إلاَّ ما
حكاه عياض عن ابن عباس أنه جاز التحلل بعد الطواف وإن لم يسع، وهو ضعيف ومخالف
للسنة. وفيه: أن الطواف لا بد فيه من سبعة أشواط. وفيه: الصلاة ركعتين خلف المقام.
فقيل: إنها سنة، وقيل: واجبة، وقيل: تابعة للطواف إن كان الطواف سنة فالصلاة سنة، وإن
كان واجباً فالصلاة واجبة.
٦١ / ٣٩٧ - حدثنا مُسَدَّدٌ قال حدّثنا يَحْبى عنْ سَيْفٍ قال سَمِعْتُ مجاهداً: قال أُتِيَ
ابْنُ عُمَرَ فَقِيلَ لَهُ هَذَا رسولُ اللَّهِ عَلَِّ دَخَلَ الكَغْبَةَ فقال ابنُ عُمَرَ فَأَقْبَلْتُ والنبيُّ عَ لَّ قَدْ
خَرِجَ وَأَجِدُ بِلاَلاً قائِماً بَيْنَ الْبَابَيْنِ فَسَأَلْتُ بِلاَلاً فَقُلْتُ أَصَلَّى النبيُّ عَ لَّه فِي الكَعْبَةِ قال نَعَمْ
رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ عَلى يَسَارِهِ إِذَا دَخَلْتَ ثمَّ خَرَجَ فَصَلَى فِي وَجْهِ الكَعْبَةِ رَكْعَتَيْنِ.
[الحديث ٣٩٧ - أطرافه في: ٤٦٨، ٥٠٤، ٥٠٥، ٥٠٦، ١١٦٧، ١٥٩٨، ١٥٩٩،
٢٩٨٨، ٤٢٨٩، ٤٤٠٠].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فصلى في وجه الكعبة)) أي: مواجه باب الكعبة وهو مقام
إبراهيم.
ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: مسدد بن مسرهد. الثاني: يحيى القطان. الثالث:
سيف، بفح السين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره فاء: ابن سليمان أو ابن أبي
سليمان المخزومي المكي، ثبت صدوق، مات سنة إحدى وخمسين ومائة. الرابع: مجاهد
الإمام المفسر تكرر ذكره. الخامس: عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في
موضع واحد. وفيه: السماع. وفيه: أن رواته ما بين بصري ومكي.

١٩٦
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣٠)
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري في مواضع هنا عن مسدد عن
يحيى وأخرجه أيضاً عن أبي نعيم عن يحيى عن سيف، وفي الحج عن قتيبة عن الليث عن
ابن شهاب عن سالم، وحديث: إن النبي عَّهِ صلى بين العمودين أخرجه البخاري أيضاً في
الصلاة وفي (الأطراف) للمزي وفي المغازي عن إبراهيم بن المنذر، وعن ابن محمد عن ابن
المبارك، وعن عبد الله بن يوسف عن مالك، وعن موسى بن إسماعيل وعن محمد بن شريح
ابن النعمان، وفي الجهاد عن يحيى بن بكير عن الليث، وفي الصلاة عن أبي النعمان وقتيبة،
كلاهما عن حماد بن زيد. وأخرجه مسلم في الحج عن قتيبة ومحمد بن رمح، كلاهما عن
الليث، وعن حرملة وعن يحيى بن يحيى وعن أبي الربيع وعن ابن أبي عمر وعن أبي بكر بن
أبي شيبة وعن محمد بن عبد الله بن نمير، وعن زهير بن حرب وعن حميد بن مسعدة.
وأخرجه أبو داود في الحج عن القعنبي وعن عبد الله بن محمد بن إسحاق وعن عثمان بن
أبي شيبة. وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة وعن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين، وعن
يعقوب بن إبراهيم وعن أحمد بن سليمان وعن عمرو بن علي وعن محمد بن عبد الأعلى
وأخرجه ابن ماجة فيه عن عبد الرحمن بن إبراهيم.
ذكر معناه: قوله: ((أتي ابن عمر)) بضم الهمزة على صيغة المجهول. قوله: ((خرج))
أي: من الكعبة. قوله: ((وأجد)) على صيغة المتكلم وحده من المضارع، وكان المناسب أن
يقول: ووجدت بعد، قوله: ((فأقبلت)) لكنه عدل عن الماضي إلى المضارع حكاية عن الحال
الماضية واستحضاراً لتلك الحالة. قوله: ((بلالاً))، منصوب لأنه مفعول: أجد ((وقائماً)):
منصوب لأنه حال من بلال. قوله: (بين البابين) قال الكرماني: أي: مصراعي الباب إذ
الكعبة لم يكن لها حينئذٍ إلاَّ باب واحد، أو أطلق ذلك باعتبار ما كان من البابين لها في زمن
إبراهيم، عليه السلام، أو أنه كان في زمان رواية الراوي لها بابان، لأن ابن الزبير رضي الله
تعالى عنه، جعل لها بابين. وقال بعضهم: بين البابين أي: المصراعين، وحمله الكرماني على
حقيقة التثنية، وقال: أراد بالباب الثاني الباب الذي لم تفتحه قريش حين بنت الكعبة، وهذا
يلزم منه أن يكون ابن عمر وجد بلالاً في وسط الكعبة، وفيه بعد.
قلت: الكرماني فسر قوله: بين البابين، بثلاثة أوجه فأخذ هذا القائل الوجه الأول من
تفسيره ولم يعزه إليه، ثم نسب إليه ما لم تشهد به عبارته لأن عبارة الكرماني في (شرحه) ما
ذكرته الآن، ثم قال: وهذا يلزم منه أن يكون ابن عمر وجد بلالاً في وسط الكعبة. قلت:
هذه الملازمة ممنوعة لأن عبارة الكلام لا تقتضي ذلك، ثم قال: وفيه بعد. قلت: ما فيه بعد،
بل البعد في الذي اختاره من التفسير، وهو ظاهر لا يخفى. وفي رواية الحموي: ((وأجد بلالاً
قائماً بين الناس)، بالنون والسين المهملة. قوله: ((أصلى النبي عٍَّ؟)) الهمزة فيه للاستفهام.
قوله: ((قال: نعم ركعتين)) أي: نعم صلى ركعتين. قوله: ((بين الساريتين)) تثنية سارية وهي:
الأسطوانة. قوله: ((على يساره))، الضمير فيه يرجع إلى الداخل بقرينة: إذا دخلت، وفي بعض
النسخ: ((يسارك))، وهذا هو المناسب، أو كان يقول: إذا دخل. ووجه الأول أن يكون من

١٩٧
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣٠)
الالتفات، أو يكون الضمير فيه عائداً إلى البيت. قوله: ((ثم خرج)) أي: من البيت. قوله: ((في
وجه الكعبة)) أي: مواجه باب الكعبة وهو مقام إبراهيم عليه السلام، أو يكون المعنى: في
جهة الكعبة، فيكون أعم من جهة الباب. قوله: ((ركعتين)) مفعول قوله: (((فصلى)).
ذكر ما يستنبط منه فيه: جواز الدخول في البيت وفي (المغني): ويستحب لمن حج
أن يدخل البيت ويصلي فيه ركعتين كما فعل النبي عَّهِ، ولا يدخل البيت بنعليه ولا خفيه،
ولا يدخل الحجر أيضاً لأن الحجر من البيت.
وفيه: استحباب الصلاة ركعتين في البيت فإن بلالاً أخبر في هذا الحديث أنه عَ ◌ّه
صلى فيه ركعتين. قال النووي: أجمع أهل الحديث على الأخذ برواية بلال، لأنه مثبت ومعه
زيادة علم، فوجب ترجيحه. وأما نفي من نفى - كأسامة - فسببه أنهم لما دخلوا الكعبة
أغلقوا الباب واشتغلوا بالدعاء، فرأى أسامة النبي عَّللم يدعو فاشتغل هو أيضاً بالدعاء في ناحية
من نواحي البيت ورسول الله عَّهِ في ناية أخرى وبلال قريب منه، ثم صلى النبي عَ لِ فرآه
بلال لقربه، ولم يره أسامة لبعده مع خفة الصلاة وإغلاق الباب واشتغاله بالدعاء، وجاز له
نفيها عملاً بظنه. وقال بعض العلماء: يحتمل أنه عَ لِ دخل البيت مرتين، فمرة صلى فيه
ومرة دعا فلم يصل، ولم تتضاد الأخبار.
قلت: روى الدارقطني: من حديث ابن عباس قال: ((دخل رسول الله عَّل البيت فصلى بين
الساريتين ركعتين، ثم خرج فصلى بين الباب والحجر ركعتين، ثم قال: هذه القبلة، ثم دخل
مرة أخرى فقام فيه يدعو ثم خرج ولم يصل. فإن قلت: روى الطبراني من حديث ابن عباس،
قال: ((ما أحب أن أصلي في الكعبة، من صلى فيها فقد ترك شيئاً خلفه، ولكن حدثني أخي
أن رسول الله عَ للِ حين دخلها خرَّ بين العمودين ساجداً ثم قعد فدعا ولم يصل)». قلت:
هذان نفي وإثبات في روايتين، فرواية الإثبات مقدمة كما ذكرنا، وكيف وقد صرح بلال في
الحديث المذكور. بقوله: ((نعم ركعتين؟).
فإن قلت: قال الإسماعيلي: المشهور عن ابن عمر من طريق نافع وغيره عنه أنه قال:
((ونسيت أن أسأله كم صلى))، فدل على أنه أخبره بالكيفية، وهي تعيين الموقف في الكعبة
ولم يخبره بالكمية، ونسي هو أن يسأله عنها. قلت: أجيب: بأن المراد من قوله صلى
الصلاة المعهودة وأقلها ركعتان، لأنه لم ينقل عن النبي عَ ل أنه تنفل في النهار بأقل من
ركعتين، فكانت الركعتان متحققاً وقوعهما. وأصرح من هذا ما رواه عمر بن أبي شيبة في
(كتاب مكة) من طريق عبد العزيز بن أبي داود عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما،
في هذا الحديث: ((فاستقبلني بلال فقلت: ما صنع رسول الله عَّاللّ ههنا؟ فأشار بيده: أن
صلى ركعتين، بالسبابة والوسطى)، فعلى هذا يحمل قوله: ((نسيت أن أسأله كم صلى)) على
أنه لم يسأله باللفظ ولم يجبه باللفظ، وإنما استفيد منه صلاته الركعتين بالإشارة لا بالنطق،
وقد قيل: يجمع بين الحديثين بأن ابن عمر نسي أن يسأل بلالاً، ثم لقيه مرة خرى فسأل.
وقال بعضهم: فيه نظر من وجهين. أحدهما: أن القصة لم تتعد لأنه أتى في السؤال بالفاء

١٩٨
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣٠)
المعقبة في الروايتين معاً، فقال: في هذه: فأقبلت، ثم قال: فسألت بلالاً، وقال في الأخرى:
فبدرت فسألت بلالاً، فدل على أن السؤال عن ذلك كان واحداً في وقت واحد. وثانيهما:
أن راوي قول ابن عمر: ونسيت، هو نافع مولاه، ويبعد مع طول ملازمته له إلى وقت موته أن
يستمر على حكاية النسيان ولا يتعرض لحكاية الذكر أصلاً. قلت: في نظره نظر من وجوه:
الأول: أن قوله: إن القصة لم تتعدد، دعوى بلا برهان، فما المانع من تعددها؟ والثاني: أنه
علل على ذلك بالفاء لكونها للتعقيب، ولقائل أن يقول له: فلِمَ لا يجوز أن تكون الفاء ههنا
بمعنى: ثم، كما في قوله تعالى: ﴿ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة﴾ [المؤمنون:
١٤]. فإن الفاء في ﴿فخلقنا المضغة﴾ [المؤمنون: ١٤] وفي ﴿فكسونا﴾ [المؤمنون: ١٤]
بمعنى: ثم، لتراخي معطوفاتها، وتارة تكون بمعنى: الواو، كما في قول الشاعر:
بين الدخول فحومل
ولئن سلمنا أنها للتعقيب، وهو في كل شيء بحسبه، ألا ترى أنه يقال: تزوج فلان
فولد له إذا لم يكن بينهما إلا مدة الحمل؟ وإن كانت مدة متطاولة، ودخلت البصرة فبغداد
إذا لم يقم في البصرة ولا بين البلدتين؟ والثالث: أن قوله: ويبعد مع طول ملازمته ... إلى
آخره، غير بعيد، فإن الإنسان مأخوذ من النسيان. فإن قلت: قال عياض: إن قوله: ركعتين،
غلط من يحيى بن سعيد القطان لأن ابن عمر قد قال: نسيت أن أسأله كم صلى، وإنما دخل
الوهم عليه من ذكر الركعتين. قلت: لم ينفرد يحيى بن سعيد بذلك حتى يغلط، فقد تابعه أبو
نعيم عند البخاري والنسائي، وأبو عاصم عند ابن خزيمة، وعمر بن علي عند الإسماعيلي،
وعبد الله بن نمير عند أحمد عنه، كلهم عن سيف، ولم ينفرد به سيف أيضاً، فقد تابعه عليه
خصيف عن مجاهد عند أحمد، ولم ينفرد به مجاهد عن ابن عمر، فقد تابعه عليه ابن أبي
مليكة عند أحمد والنسائي، وعمر بن دينار عند أحمد أيضاً باختصار، ومن حديث عثمان بن
طلحة عند أحمد والطبراني، بإسناد قوي، ومن حديث أبي هريرة عند البزار، ومن حديث عبد
الرحمن بن صفوان، قال: ((فلما خرج سألت من كان معه؟ فقالوا: صلى ركعتين عند السارية
الوسطى)). أخرجه الطبراني بإسناد صحيح، ومن حديث شيبة بن عثمان، قال: ((لقد صلى
ركعتين عند العمودين))، أخرجه الطبراني بإسناد جيد، فإذا كان الأمر كذلك، فكيف يقدم
عياض على تغليط حافظ جهبذ من غير تأمل في بابه؟
وفيه: حجة لمن يقول: الأولى في نفل النهار ركعتان، والشافعي يقول: الأفضل في
النوافل مثنى مثنى في الليل والنهار، وهو قول مالك وأحمد. وقال أبو يوسف ومحمد: مثنى
أفضل بالليل، وقال أبو حنيفة: الأربع أفضل في الليل والنهار، واحتج في ذلك بحديث ابن
عباس حين بات عند خالته ميمونة يرقب صلاة النبي عليه الصلاة والسلام، وفيه: ((كان يصلي
أربعاً لا تسأل عن حسنهن وطولهن)).
وفيه: حجة على ابن جرير الطبري حيث قال بعدم جواز الصلاة في الكعبة فرضاً كان
أو نفلاً، وقال مالك: لا تصلى فيه الفريضة ولا ركعتا الطواف الواجب، فإن صلى أعاد في

١٩٩
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣٠)
الوقت، ويجوز أن يصلي فيه النافلة. وفي (المسالك) لابن العربي: روى محمد عن إصبغ أن
من صلى في البيت أعاد أبداً. وقال محمد: لا إعادة عليه. وقال أشهب: من صلى على ظهر
البيت أعاد أبداً، وعن أبي حنيفة: يجوز الفرض والنفل فيه، وبه قال الشافعي.
٦٢ /٣٩٨ - حدّثنا إسْحَاقُ بنُ نَصْرٍ قال حدثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أخبرنا ابنُ مجرَيْجِ عنْ
عَطاءٍ قال سَمِعْتُ ابنَ عبَّاسٍ قَال لَمَّا دَخَلَ النبيُّ عَّهِ البَيْتَ دَعا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا وَلَمْ يُصَلُ
حَتَّى خرِجَ مِنْهُ فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي قُبْلِ الكَعْبَةِ وقال: ((هَذِهِ القِبْلَة)). [الحديث ٣٩٨
- أطرافه في: ١٦٠١، ٣٣٥١، ٣٣٥٢، ٤٢٨٨].
مطابقته للترجمة في قوله: ((قبل الكعبة))، والمراد: مقابل الكعبة، وهو مقام إبراهيم عليه
الصلاة والسلام.
ذكر رجاله وهم خمسة: الأول: إسحاق بن نصر، ذكر في (أسماء رجال الصحيحين)
إسحاق بن إبراهيم بن نصر أبو إبراهيم السعدي، وكان ينزل المدينة، وروى عنه البخاري في
غير موضع في كتابه، مرة يقول: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم بن سعد، ومرة يقول: حدّثنا
إسحاق بن نصر، فينسبه إلى جده. الثاني: عبد الرزاق بن همام. الثالث: عبد الملك بن عبد
العزيز بن جريج. الرابع: عطاء بن أبي رباح. الخامس: عبد الله بن عباس.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين والإخبار بصيغة الجمع
في موضع واحد. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: السماع. وفيه: إسحاق وقع منسوباً
في الروايات كلها، وبذلك جزم الإسماعيلي وأبو نعيم وابن مسعود وآخرون، وذكر أبو العباس
في (الأطراف) له: أن البخاري أخرجه عن إسحاق غير منسوب، وأخرجه الإسماعيلي وأبو
نعيم في (مستخرجيهما) من طريق إسحاق بن راهويه عن عبد الرزاق شيخ إسحاق بن نصر
فيه بإسناده هذا، فجعله من رواية ابن عباس عن أسامة بن زيد، وكذلك رواه مسلم من طريق
محمد بن بكر عن ابن جريج، وهو الأرجح. قلت: هذا يدل على أن هذا الحديث من
مراسيل ابن عباس، وأيضاً لم يثبت أن ابن عباس دخل الكعبة مع النبي عَ لَّهِ. وفيه: أن رواته
ما بين مدني وصنعاني ومكي.
ذكر من أخرجه غيره أخرجه مسلم في المناسك عن إسحاق بن إبراهيم، وعبد بن
حميد، كلاهما عن محمد بن بكر عن ابن جريج عن عطاء به، وفيه قصة، وأخرجه النسائي
عن خشيش بن أصرم عن عبد الرزاق عن ابن جريج بإسناده، ورواه عبد المجيد بن عبد
العزيز بن أبي داود عن ابن جريج عن عطاء عن أسامة، ولم يذكر ابن عباس.
ذكر معانيه قوله: ((في نواحيه)) جمع: ناحية وهي الجهة. قوله: ((ركع)) أي: صلى،
أطلق الجزء وأراد الكل. قوله: ((في قبل الكعبة))، بضم القاف والباء الموحدة، وتضم الباء
وتسكن أي: مقابلها وما استقبلك منها. قوله: ((هذه القبلة))، الإشارة إلى الكعبة. وقال
الخطابي: معناه أن أمر القبلة قد استقر على استقبال هذا البيت فلا ينسخ بعد اليوم فصلوا إليه

٢٠٠
٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣١)
أبداً، ويحتمل أنه علمهم سنة موقف الإمام فإنه يقف في وجهها دون أركانها وجوانبها
الثلاثة، وإن كانت الصلاة في جميع جهاتها مجزئة. ويحتمل أنه دل بهذا القول على أن
حكم من شاهد البيت وعاينه خلاف حكم الغائب عنه فيما يلزمه من مواجهته عياناً دون
الاقتصار على الاجتهاد، وذلك فائدة ما قال: هذه القبلة، وإن كانوا قد عرفوها قديماً
وأحاطوا بها علماً. وقال النووي: ويحتمل معنى آخر وهو: أن معناه: هذه الكعبة هي
المسجد الحرام أمرتم باستقباله، لا كل الحرم ولا مكة ولا المسجد الذي هو حول الكعبة، بل
هي الكعبة نفسها فقط. فإن قلت: روى البزار من حديث عبد الله بن حبشي الخثعمي قال:
((رأيت رسول الله عَ لله يصلي إلى باب الكعبة وهو يقول: أيها الناس إن الباب قبلة البيت)).
قلت: هذا محمول على الندب لقيام الإجماع على جواز استقبال البيت من جميع جهاته،
کما أشرنا إليه.
ووجه التوفيق بين هذه الرواية والتي قبلها قد مر مستوفى.
٣١ _ بابُ التَّوَجُّهِ نَخْوَ القِيْلَةِ حَيْث كانَ
أي: هذا باب في بيان التوجه إلى جهة القبلة حيث كان المصلي، أي: حيث وجد
في سفر أو حضر، وكان، تامة فلذلك: اقتصر على اسمه، والمراد به: في صلاة الفريضة،
وذلك لقوله تعالى: ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ [البقرة: ١٤٤، ١٥٠].
والمناسبة بين البابين ظاهرة.
وقال أَبُو هُرَيْرَةً قال النبيُّ عَّلِ: ((اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَكَبُزْ)).
هذا التعليق طرف من حديث أبي هريرة في قصة المسيء في صلاته، ساقه البخاري
بهذا اللفظ في كتاب الاستئذان.
٣٩٩/٦٣ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَجاءٍ قال حدّثنا إسْرَائِيلُ عنْ أَبِي إِسْحَاقَ عنِ الْبَرَاءِ
ابنِ عازِبٍ رَضِي الله عنهما قال كانَ رسولُ اللَّهِ عَلِ صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِنَّةٍ عَشَرَ أَوْ
سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْراً وكانَ رسولُ اللَّهِ عَ لِ يُحِبُّ أنْ يُوَجَّهَ إِلَى الكَعبَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ قِدْ نَرَى
تَقَلَبَ وَجْهِكَ في السَّماءِ فَتَوَبَّهَ نَحْوَ الكَعْبَةِ وقال السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ وَهُمُ الْيَهُودُ مَا وَلأَّهُمْ عِنْ
قِبْلَتِهِمُ التي كانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فَصَلَّى
مَعَ النّبِيِّ عَّهِ رَجِلٌ ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَما صَلَّى فَمَرَّ عَلى قَوْمٍ مِنَ الأَنْصَارِ فِي صَلاَةِ العَضْرِ نَحْوَ
بَيْتِ المَقْدِسِ فقالَ هُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسولِ اللَّهِ عَلَهِ وَأَنَّهُ تَوَجَّ نَحْوَ الكَعْبَةِ فَتَحَرَّفَ
القَوْمُ حَتَّى تَوَجَّهُوا نَحْوَ الكَعْبَةِ. [انظر الحديث ٤٠ وأطرافه].
مطابقته للترجمة في قوله: ((فتوجه نحو الكعبة التي استقرت قبلة أبداً)) في أي حالة
كان المصلي صلاة الفرض.
ذكر رجاله وهم أربعة: الأول: عبد الله بن رجاء، بتخفيف الجيم: الغداني، بضم