Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٥)
البشرية قال: ((ألهتني))، وبالنظر إلى الحالة الثانية لم يجزم به، بل قال: ((أخاف))، ولا يلزم من
ذلك الوقوع. وأيضاً فيه تنبيه لأمته ليحترزوا عن مثل ذلك في صلاتهم، لأن الصلاة المعتبرة
أن يكون فيها خشوع، وما يلهي المصلي ينافي الخشوع والخضوع.
١٥ - بابٌ إِنْ صَلَّى في ثَوْبِ مُصَلَّبٍ أوْ تصَاوِيرَ هَلْ تَفْسُدُ صَلاَتُهُ وما يُنْهَى مِنْ ذَلِكَ.
باب: منون، خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا باب يذكر فيه إن صلى شخص حال كونه
في ((ثوب مصلب)) بضم الميم وفتح اللام المشددة. قال بعضهم: أي فيه صلبان. قلت: ليس
المعنى كذلك، بل معناه: إن صلى في ثوب منقوش بصور الصلبان. قوله: ((أو تصاوير)) قال
الكرماني: أو تصاوير عطف على ثوب لا على مصلب، والمصدر بمعنى المفعول، أو: على
مصلب، لكن بتقدير أنه في معنى ثوب مصور بالصليب، فكأنه قال: مصور بالصليب، أو
بتصاوير غيره. وقال بعضهم: أو تصاوير، أي في ثوب ذي تصاوير، كأنه حذف المضاف
لدلالة المعنى عليه. قلت: جعل الكرماني: تصاوير؛ مصدراً بمعنى المفعول غير صحيح، لأن
التصاوير إسم للتماثيل، كذا قال أهل اللغة. قال الجوهري: التصاوير: التماثيل، وقد جاء
التصاوير والتماثيل والتصاليب، فكأنها في الأصل جمع: تصوير وتمثال وتصليب، ولئن سلمنا
كون التصاوير مصدراً في الأصل جمع تصوير، فلا يصح أن يقال، عند كونه عطفاً على ثوب
أن يقدر: أو إن صلى في ثوب مصورة، لعدم التطابق حينئذٍ بين الصفة والموصوف، مع أنه
شرط، والظاهر أنه عطف على: مصلب، مع حذف حرف الصلة، تقديره؛ إن صلى في ثوب
مصور بصلبان، أو ثوب مصور بتصاوير، التي هي التماثيل.
وقول بعضهم: لدلالة المعنى عليه، ولم يبين أن المعنى الدال عليه ما هو، والقول
بحذف حرف الصلة أولى من القول بحذف المضاف، لأن ذاك شائع ذائع. وفرق بعض
العلماء بين الصورة والتمثال، فقال: الصورة تكون في الحيوان، والتمثال تكون فيه وفي غيره.
ويقال: التمثال ما له جرم وشخص، والصورة ما كان رقماً أو تزويقاً في ثوب أو حائط. وقال
المنذري: قيل: التماثيل الصور، وقيل في قوله تعالى: ﴿وتماثيل﴾ [سبأ: ١٣] إنها صور
العقبان والطواويس على كرسي سليمان عليه الصلاة والسلام، وكان مباحاً. وقيل: صور
الأنبياء والملائكة، عليهم الصلاة والسلام، من رخام أو شبه لينشطوا في العبادة بالنظر إليهم.
وقيل: صور الآدميين من نحاس، والله تعالى أعلم.
قوله: ((هل تفسد صلاته؟)) استفهام على سبيل الاستفسار، جرى البخاري في ذلك
على عادته في ترك القطع في الشيء الذي فيه اختلاف، لأن العلماء اختلفوا في النهي الوارد
في الشيء، فإن كان لمعنى في نفسه فهو يقتضي الفساد فيه، وإن كان لمعنى في غيره فهو
يقتضي الكراهة أو الفساد، فيه خلاف. قوله: ((وما ينهى من ذلك)): أي: والذي ينهى عنه من
المذكور، وهو؛ الصلاة في ثوب مصور بصلبان أو بتصاوير، وفي بعض النسخ لفظة: عنه،
موجودة، وفي رواية: عن ذلك، بكلمة: عن، موضع: من، والأول أصح.

١٤٢
٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٥)
٤٠/ ٣٧٤ - حدّثنا أبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَمْرٍو قالَ حدّثنا عَبْدُ الوَارِثِ قالَ حدّثنا
عَبْدُ العَزِيزِ ابنُ صُهَيْبٍ عنْ أنَسٍ كَانَ قِرَامٌ لِعَائِشَةَ سَتَرَتْ بِهِ جانِبَ بَيْتِها فقالَ النَّبِيُّ عَ لِّ:
(أُمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هَذَا فَإِنَّهُ لاَ تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ فِي صَلاَتِي)).
وجه مطابقة الحديث للترجمة من حيث إن ستر الذي فيه التصاوير إذا نهي عنه
الشارع، فمنع لبسه بالطريق الأولى. فإن قلت: الترجمة شيئان، والحديث لا يدل إلاّ على
شيء واحد، وهو الثوب الذي فيه الصورة. قلت: يلحق به الثوب الذي فيه صور الصلبان
لا شتراکهما في أن كلاً منهما عبد من دونه الله عز وجل.
ذكر رجاله: وهم أربعة، الكل قد ذكروا: ومعمر بفتح الميم، وعبد الوارث هو ابن
سعید.
وفيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، والعنعنة في موضع واحد ورجاله
كلهم بصريون.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره. أخرجه البخاري أيضاً في اللباس. وأخرجه
النسائي بألفاظ، ففي لفظ: ((يا عائشة أخرجي هذا فإني إذا رأيته ذكرت الدنيا)). وفي لفظ:
((فإن فيه تمثال طير مستقبل البيت إذا دخل الداخل)). وفي لفظ: ((فيه تصاوير، فنزعه
رسول الله عَّهِ، فقطعه وسادتين، فكان يرتفق عليهما)). وفي لفظ: ((كان في بيتي ثوب فيه
تصاوير فجعلته إلى سهوة في البيت، فكان رسول الله عَّ هِ يصلي إليه ثم قال: يا عائشة
أخرجيه عني، فنزعته فجعلته وسائد)). وفي لفظ: ((دخل علي رسول الله عَّةٍ وقد اشتريت
بقرام فيه تماثيل، فلما رآه تلون وجهه ثم هتكه بيده، وقال؛ إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة
الذين يشبهون بخلق الله)). وفي لفظ: ((قدم النبي عَّهم من سفر وقد اشتريت بقرام على
سهوة لي فيه تماثيل فنزعه)). وفي لفظ: ((خرج رسول الله عَّ، خرجة ثم دخل وقد علقت
قراماً فيه الخيل أولات الأجنحة، فلما رآه قال: إنزعيه)).
ذكر معانيه قوله: ((قرام))، بكسر القاف وتخفيف الراء: وهو ستر رقيق من صوف ذو
ألوان. وقال أبو سعد: القرام: صوف غليظ جداً. يفرش في الهودج. وفي (المحكم): هو
ثوب من صوف ملون، والجمع: قرم. وعن ابن الأعرابي، جمعه: قروم، هو ثوب من صوف
فيه ألوان من عهن، فإذا خيط صار كأنه بيت، فهو كلة. وقال القزاز وابن دريد: هو الستر
الرقيق وراء الستر الغليظ على الهودج - وغيره. وقال الخليل: يتخذ ستراً أو يغشى به هودج
أو كلة، وزعم الجوهري أنه: ستر فيه رقم ونقوش. وقال: وكذلك المقرم والقرمة. قوله:
(أميطي) أي: أزيلي، وهو أمر من أماط يميط. قال ابن سيده: يقال: ماط عني ميطاً ومياطاً
وأماط: تنحى وبعد، وماطه عني وأماطه: نحاه ودفعه. قال بعضهم؛ مطت به وأمطته، على
حكم ما يتعدى إليه الأفعال غير المتعدية بالنقل في الغالب، وماط الأذى ميطاً وأماطه: نحاه
ودفعه. قوله: ((لا تزال تصاوير))، بدون الضمير، وفي بعض الرواية: تصاويره، بإضافته إلى

١٤٣
٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٦)
الضمير، والضمير في: فإنه للشأن. وفي الرواية التي بالضمير: يحتمل أن يرجع إلى الثوب.
قوله: ((تعرض)) بفتح التاء وكسر الراء أي: تلوح، وفي رواية الإسماعيلي. ((تعرض)). بفتح
العين وتشديد الراء، وأصله: تتعرض، فحذفت إحدى التاءين كما في ﴿ناراً تلظى﴾ [الليل:
١٤].
ذكر ما يستنبط منه: قال الخطابي: فيه: دليل على أن الصور كلها منهي عنها، سواء
كانت أشخاصاً مائلة أو غير ماثلة، كانت في ستر أو بساط أو في وجه جدار أو غير ذلك.
وقال ابن بطال: علم من الحديث النهي عن اللباس الذي فيه التصاوير بالطريق الأولى، وهذا
كله على الكراهة، فإن من صلى فيه فصلاته مجزئة، لأنه عَّ له لم يعد الصلاة، ولأنه عنّ اله
ذكر أنها عرضت له، ولم يقل: إنها قطعتها. ومن صلى بذلك أو نظر إليه فصلاته مجئزة عند
العلماء. وقال المهلب: وإنما أمر باجتناب هذا لإحضار الخشوع في الصلاة وقطع دواعي
الشغل. وقيل: إنه منسوخ بحديث سهل بن حنيف، رواه مالك بن أنس: ((عن أبي النضر عن
عبيد الله بن عبد الله أنه دخل على طلحة الأنصاري يعوده، فوجد عنده سهل بن حنيف،
فأمر أبو طلحة إنساناً ينزع نمطاً تحته، فقال له سهل: لِمَ تنزعه؟ قال: لأن فيه تصاوير، وقد
قال رسول الله عَّله: ما قد علمت! قال: ألم يقل: إلاَّ ما كان رقماً في ثوب؟ قال؛ بلى،
ولكنه أطيب للنفس)). وأخرجه النسائي عن علي بن شعيب عن معن عن مالك به، واحتج
أصحابنا بهذا أن الصور التي تكون فيما تبسط وتفترش وتمتهن خارجة عن النهي الوارد في
هذا الباب، وبه قال الثوري والنخعي ومالك وأحمد في رواية، وقال أبو عمر: ذكر أبو القاسم،
قال: كان مالك يكره التماثيل في الأسرة والقباب، وأما البسط والوسائد والثياب فلا بأس به ..
وكره أن يصلي إلى قبة فيها تماثيل. وقال الثوري: لا بأس بالصور في الوسائد لأنها توطأ
ويجلس عليها، وكان أبو حنيفة وأصحابه يكرهون التصاوير في البيوت بتمثال، ولا يكرهون
ذلك فيما يبسط، ولم يختلفوا أن التصاوير في الستور المعلقة مكروهة، وقال أبو عمر: وكره
الليث التماثيل في البيوت والأسرة والقباب والطساس والمنارات إلاَّ ما كان رقماً في ثوب،
وأما الشافعية فإنهم كرهوا الصور مطلقاً، سواء كانت على الثياب أو على الفرش والبسط
ونحوها، واحتجوا بعموم الأحاديث الواردة في النهي عن ذلك، ولم يفرقوا في ذلك، والله
تعالى أعلم.
١٦ - بابُ مَنْ صَلَّى في فَرُوجِ حَرِيرٍ ثُمَّ نَزَعَهُ
أي: هذا باب يذكر فيه من صلى، وهو لابس فروجاً من حرير ثم نزعه، وهو حكاية ما
وقع من النبي عَّه في ذلك، والفروج، بفتح الفاء وضم الراء المشددة وفي آخره جيم، وقال
أبو عبد الله: هو القباء الذي شق من خلفه، وقال يحيى بن بكير: سألت الليث بن سعد عن
الفروج، فقال: القبا، وعن ابن الجوزي بإسناده عن أبي العلاء المعري: يقال، فيه بضم الفاء
من غير تشديد على وزن: خروج، وقال القرطبي: قيد بفتح الفاء وضمها، والضم المعروف،

١٤٤
٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٦)
وأما الراء فمضمومة على كل حال مشددة، وقد تخفف. وقال ابن قرقول بفتح الفاء والتشديد
في الراء، ويقال: بتخفيفها أيضاً. وقال القرطبي: القباء والفروج كلاهما: ثوب ضيق الكمين
ضيق الوسط مشقوق من خلف يشمر فيه للحرب والأسفار، وقوله: ((حرير)» بالجر صفة
الفروج.
٣٧٥/٤١ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قالَ حدّثنا اللَّيْثُ عنْ تَزِيدَ عنْ أبي الخَيْرِ عنْ
عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ قَالَ أَهْدِيَ إِلَى النَّبِيِّ عَلِّ فَرُوجُ حَرِيرٍ فَلَبِسَهُ فَصَلَّى فِيهِ ثُمَّ انْصَرَفَ فَزَعهُ نَزْعاً
شَدِيداً كالْكَارِهِ لَهُ وقالَ لاَ يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ.
[الحديث ٣٧٥ - طرفه في: ٥٨٠١]
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله وهم خمسة: الأول: عبد الله بن يوسف التنيسي، تكرر ذكره. الثاني:
الليث بن سعد، وقال الكرماني: عرض عليه المنصور ولاية مصر فاستعفى. قلت: قد قيل: إنه
ولي مدة يسيرة وكان على مذهب أبي حنيفة، رضي الله تعالى عنه. الثالث: يزيد بن حبيب.
الرابع: أبو الخير مرثد، بفتح الميم وبالثاء المثلثة: اليزني، بفتح الياء آخر الحروف والزاي
بعدها النون المكسورة. الخامس: عقبة بن عامر الجهني رضي الله تعالى عنه، روي له
خمسة وخمسون حديثاً، للبخاري منها ثمانية، كان والياً على مصر لمعاوية، مات بها سنة
ثمان وخمسين.
ذكر لطائف إسناده. فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة
مواضع. وفيه: القول. وفيه: بعد قوله عن يزيد هو ابن أبي حبيب في رواية الأصيلي. وفيه:
أن رواته كلهم مصريون.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في اللباس عن قتيبة عن
الليث وأخرجه مسلم عن قتيبة به، وعن أبي موسى. وأخرجه النسائي في الصلاة عن قتيبة
وعیسی بن حماد، كلاهما عن اللیث به.
ذكر معناه: قوله: ((أهدي))، على صيغة المجهول من الماضي، وكان الذي أهداه إلى
النبي عٍَّ أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل، وذكر أبو نعيم أنه أسلم وأهدى إلى
النبي عَّةٍ، حلة سيراء. وقال - ابن الأثير: أهدى لرسول الله عَّله، وصالحه ولم يسلم، وهذا
الاختلاف فيه بين أهل السير، ومن قال: إنه أسلم فقد أخطأ خطأ ظاهراً، وكان نصرانياً، ولما
صالحه النبي عَ لِ عاد إلى حصنه وبقي فيه، ثم إن خالداً أسره لما حاصر دومة الجندل أيام
أبي بكر رضي الله عنه، فقتله مشركاً نصرانياً، وأكيدر، بضم الهمزة، ودومة الجندل اسم
حصن. قال الجوهري: أصحاب اللغة يقولون بضم الدال، وأهل الحديث يفتحونها، وهو اسم
موضع فاصل بين الشام والعراق على سبعة مراحل من دمشق، وعلى ثلاثة عشر مرحلة من
المدينة. قوله: ((فروج حرير)) بالإضافة كما في: ثوب خز، وخاتم فضة. ويجوز أن يكون:
حرير، صفة لفروج، والإعراب يحتمل ذلك، والكلام في الرواية، والظاهر أنها الأول. قوله:

١٤٥
٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٦)
(ثم انصرف)) أي: من صلاته. واستقبال القبلة. قوله: ((لا ينبغي هذا للمتقين)) أي: للمتقين
عن الكفر، أي: المؤمنين، أو؛ عن المعاصي كلها، أي: الصالحين فإن قلت: النساء المتقيات
يدخلن فيهم مع أن الحرير حلال لهن؟ قلت: هذه مسألة مختلف فيها، والأصح أن جمعٍ
المذكر السالم لا يدخل فيه النساء، فلا يقتضي فيه الاشتراك. ولئن سلما دخولهن فالجِلّ
لهن علم بدلیل آخر.
ذكر ما يستنبط منه من الأحكام: منها: حرمة لبس الحرير للرجال في كل الأحوال إلاَّ
في صور تستثنى: منها: في الحرب يجوز لبسها للرجال عند أبي يوسف ومحمد. ومنها:
للجرب. ومنها: لأجل البرد إذا لم يجد غيره، وقد جوز طائفة من الظاهرية لبسه للرجال
مطلقاً، وإليه ذهب عبد الله بن أبي مليكة، واحتجوا في ذلك بحديث مسور بن مخرمة
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي على ما نذكره في موضعه، وحجج
الجمهور في ذلك كثيرة. منها: الحديث المذكور، وأخرج الطحاوي في هذا الباب عن
خمسة عشر نفراً من الصحابة، وهم: عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن
عمر وعبد الله بن عمرو ومعاوية بن أبي سفيان وحذيفة بن اليمان وعمران بن الحصين والبراء
ابن عازب وعبد الله بن الزبير وأبو سعيد الخدري وأنس بن مالك ومسلمة بن مخلد وعقبة بن
عامر الجهني وأبو أمامة وأبو هريرة رضي الله تعالى عنهم. وفي الباب عن أم هانىء عن أبي
يعلى الموصلي وأبي ريحانة عند أبي داود، واسم أبي ريحانة: شمعون، وأبي موسى الأشعري
عند الترمذي، وأحاديث هؤلاء نسخت ما فيه الإباحة للبسه. فإن قلت: إذا كان حراماً على
الرجال فكيف لبسه رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ قلت: كان ذلك قبل التحريم، وقال
النووي: ولعل أول النهي والتحريم كان حين نزعه، ولهذا قال في حديث جابر الذي عند
مسلم: ((صل في قبا ديباج ثم نزعه، وقال: نهاني عنه جبريل عَّلَّ)). فيكون أول التحريم
بهذا، وجعل الكرماني هذا تخصيصاً ولم يجعله نسخاً حيث قال: شرط النسخ أن يكون
المنسوخ حكماً شرعياً، ثم قال: ولئن سلم أنه شرعي فالنسخ هو رفع الحكم عن كل
المكلفين، وهذا إنما هو عن البعض فهو تخصيص.
قلت: لبسه عَّاللّه حكم ثم نزعه حكم آخر ينسخ الأول، فكما أن الثاني حكم شرعي،
كان الأول كذلك ولكنه نسخ. وكان الثاني يعم الرجال والنساء، لكن خرجت النساء بدليل
آخر. وذهبت طائفة إلى تحريم الحرير للرجال والنساء جميعاً، واحتجوا في ذلك بما رواه
الطحاوي، قال: حدّثنا أبو بكرة، قال: حدّثنا أبو داود، قال: حدّثنا هشيم عن أبي بشر عن
يوسف بن ماهك قال: سألت امرأةٌ ابن عمر. قالت: أتحلى بالذهب؟ قال: نعم، قالت: ما
تقول في الحرير؟ فقال: يكره ذلك. قالت: ما يكره؟ أخبرني أحلال أم حرام؟ قال: كنا
نتحدث ((أن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة). وبما رواه أيضاً عن يحيى بن نصر
حدّثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن أبا عشانة المعافري حدثه أنه سمع عقبة بن
عامر الجهني يخبر: ((أن رسول الله عَّه، كان يمنع أهله الحلية والحرير، ويقول: إن كنتن
عمدة القاري /ج٤ /م١٠

١٤٦
٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٧)
تحبين حلية الجنة وحريرها فلا تلبسنها في الدنيا)). وبما رواه من حديث الأزرق بن قيس،
قال: ((سمعت عبد الله بن الزبير يخطب يوم التروية، وهو يقول: يا أيها الناس لا تلبسوا الحرير
ولا تلبسوها نساءكم ولا أبنائكم، فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة)) وأخرجه
مسلم أيضاً.
وأجاب الجمهور عن ذلك بأن ما روي عن ابن عمر محمول على الرجال خاصة، يدل
عليه ما روي عن زيد بن أرقم، قال: قال رسول الله عَّلَّهِ: ((الذهب والحرير حل الإناث
أمتي وحرام على ذكورها)). رواه الطحاوي والطبراني، وما روي أيضاً عن علي بن أبي
طالب: ((أن رسول الله عَُّلّ أخذ حريراً فجعله في يمينه، وأخذ ذهباً فجعله في شماله، ثم قال:
إن هذين حرام على ذكور أمتي))، أخرجه الطحاوي وابن ماجة، وما روي أيضاً عن أبي
موسى الأشعري عن النبي معَّ له أنه قال: ((الحرير والذهب حلال لإناث أمتي حرام على
ذكورها))، أخرجه الطحاوي والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وفي الباب أيضاً عن
عبد الله بن عمرو، وعقبة بن عامر، وبأن ما روي عن عقبة تخالفه روايته الأخرى، وهي:
(«سمعت رسول الله عَّه يقول: الحرير والذهب حرام على ذكور أمتي حِلِّ لإناثهم)). وبأن
ما روي عن ابن الزبير بأنه لم يبلغه الحديث المخصص لعموم الحرمة، في قوله: ((من لبسه
في الدنيا لم يلبسه في الآخرة)).
وقال ابن العربي: اختلف العلماء في لباس الحرير على عشرة أقوال: الأول: محرم بكل
حال. والثاني: محرم إلاَّ في الحرب. والثالث: يحرم إلاَّ في السفر. والرابع: يحرم إلاّ في
المرض. والخامس: يحرم إلاّ في الغزو. والسادس: يحرم إلاّ في العلم. والسابع: يحرم على
الرجال والنساء. والثامن: يحرم لبسه من فوق دون لبسه من أسفل، وهو الفرش، قاله أبو حنيفة
وابن الماجشون. والتاسع: مباح بكل حال. والعاشر: يحرم، وإن خلط مع غيره كالخز.
ومنها: ما احتج به بعضهم في جواز الصلاة في الثياب الحرير لكونه عَّ اللّه لم يعد
تلك الصلاة، ولا حجة لهم في ذلك، لأن ترك إعادتها لكونها وقعت قبل التحريم، أما بعده
ففيه اختلاف العلماء، فقال أصحابنا؛ تصح صلاته ولكنها تكره ويأثم لارتكابه الحرام، وبه
قال الشافعي وأبو ثور. وقال ابن القاسم، عن مالك: من صلى في ثوب حرير يعيد في الوقت
إن وجد ثوباً غيره، وعليه جل أصحابه. وقال أشهب: لا إعادة عليه في الوقت ولا في غيره،
وهو قول إصبغ، وخفف ابن الماجشون لباسه في الحرب والصلاة للترهيب على العدو
والمباهاة، وقال آخرون: إن صلى فيه وهو يعلم أن ذلك لا يجوز يعيد.
ومنها: أن فيه جواز قبول هدية المشرك للإمام لمصلحة يراها.
١٧ - بابُ الصَّلاةِ في الثَّوْبِ الأخمَرِ
أي: هذا باب في بيان حكم الصلاة في الثوب الأحمر، يعني: تجوز. وقال بعضهم:
يشير إلى الجواز، والخلاف في ذلك مع الحنفية. قلت: لا خلاف للحنيفة في جواز ذلك،

١٤٧
٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٧)
ولو عرف هذا القائل مذهب الحنفية لما قال ذلك، ولم يكتف بهذا حتى قال: وتأولوا
حديث الباب بأنها كانت حلة من برود فيها خطوط حمر، ولا يحتاج إلى هذا التأويل، لأنهم
لم يقولوا بحرمة لبس الأحمر حتى تأولوا هذا، وإنما قالوا: مكروه لحديث آخر، وهو نهيه معد له
عن لبس المعصفر، والعمل بما روي من الحديثين أولى من العمل بأحدهما، فاحتجوا بالأول
على الجواز، وبالثاني على الكراهة. وقال أيضاً: ومن أدلتهم ما أخرجه أبو داود من حديث
عبد الله بن عمرو قال: ((مر بالنبي عَّ رجل وعليه ثوبان أحمران، فسلم عليه فلم يرد عليه)).
وهو حديث ضعيف الإسناد. قلت: عرق العصبية حين تحرك حمله على أن سكت عن قول
الترمذي، عقيب إخراجه هذا الحديث: هذا حديث حسن.
٣٧٦/٤٢ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَرْعَرَةَ قالَ حدّثني عُمَرُ بِنُ أبي زَائِدَةَ عِنْ عَوْنِ ابْنٍ
أبي جُحَيْفَةَ عنْ أَبِيهِ قالَ رَأَيْتُ رسولَ اللَّهِ عَ لِ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ وَرَأيْتُ بِلاَلاً أَخَذَ وَضُوءَ
رسولِ الله عَّلَّهِ وَرَأيْتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ ذَاكَ الوَضُوءَ فَمَنْ أصابَ مِنْهُ شيئاً تَمَسَّحَ بِهِ وَمَنْ لَمْ
يُصِبْ مِنْهُ شَيْئاً أخذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صاحِبِهِ ثُمَّ رَأيْتُ بِلاَلاً أَخَذَ عَنَزَةً فَرَكَزَها وَخَرَجَ النَّبِيُّ عَ لَّه فِي
مُحُلَّةٍ حَمْرَاءَ مُشَمِّراً صَلَّى إِلَّى العَنَزَةِ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ وَرَأيْتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُونَ مِنْ بَيْنِ يَدَي
العَنَزَةِ. [انظر الحديث ١٨٧ وأطرافه].
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: محمد بن عرعرة، بالمهملتين المفتوحتين وسكون
الراء الأولى، مر في باب خوف المؤمن أن يحبط عمله. الثاني: عمر بن أبي زائدة، أخو
زكريا الهمداني الكوفي، وعمر بدون: الواو. الثالث: عون، بالنون في آخره: ابن أبي جحيفة.
الرابع: أبوه أبو جحيفة، بضم الجيم وفتح الحاء المهلة وسكون الياء آخر الحروف وفتح
الفاء وفي آخره هاء: واسمه وهب بن عبد الله السوائي، بضم السين المهملة وتخفيف الواو
وبالهمزة بعد الألف: الكوفي، مر في كتاب العلم.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع، وبصيغة الإفراد في
موضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: القول. وفيه: أن رواته ما بين كوفي وبصري.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في اللباس عن محمد بن
عرعرة عن عون به، وفي اللباس أيضاً عن إسحاق عن النضر بن شميل عنه ببعضه. وأخرجه
أيضاً في باب سترة الإمام سترة من خلفه، وبعده بقليل في باب الصلاة إلى العنزة. وأخرجه
مسلم في الصلاة عن محمد بن حاتم عن بهز عنه، وأخرجه أيضاً عن محمد بن مثنى
ومحمد بن بشار، وعن زهير بن حرب. وأخرجه أبو دادو فيه عن محمد بن سليمان الأنباري
عن وكيع. وأخرجه الترمذي فيه عن محمود بن غيلان عن عبد الرزاق. وأخرجه النسائي في
الزينة عن عبد الرحمن بن محمد بن سلام عن إسحاق الأزرق. وأخرجه ابن ماجة في الصلاة
عن أيوب بن محمد الهاشمي عن عبد الواحد بن زياد.

١٤٨
٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٧)
ذكر معانيه قوله: ((في قبة حمراء من أدم)) قال الجوهري: القبة من البناء، والجمع:
قبب وقباب قلت: المراد من القبة هنا هي التي تعمل من الجلد، وقد فسر ذلك بكلمة: من،
البيانية، والأدم، بفتح الهمزة والدال جمع: الأديم. وفي (المحكم) الأديم: الجلد ما كان،
وقيل: الأحمر، وقيل: هو المدبوغ. وقيل: هو بعد الأفيق، وذلك إذا تم واحمر، والأفيق: هو
الجلد الذي لم يتم دباغة. وقيل: هو ما دبغ بغير القرظ، قاله ابن الأثير. والأدم اسم الجمع
عند سيبويه. والأدام جمع أديم: كيتيم وأيتام، وإن كان هذا في الصفة أكثر، وقد يجوز أن
يكون جمع: أدم. وفي (المخصص): عن أبي حنيفة: إذا رشف الجلد وبسط حتى يبالغ فيه
ما قبل من الدباغ فهو حينئذٍ أديم، وأدم وأدمة. وفي (نوادر اللحياني) من خط الحافظ: الأدم
والأدم جمع الأديم، وهو الجلد. وفي (الجامع): الأديم باطن الجلد. ورؤية أبي جيحيفة النبي
عَ لٍّ كانت بالأبطح بمكة، صرح بذلك في رواية مسلم: ((أتيت النبي عَ لّه بمكة وهو
بالأبطح)). وهو الموضع العروف، ويقال له: البطحاء، ويقال: إنه إلى منى أقرب، وهو:
المحصب، وهو: خيف بني كنانة. وزعم بعضهم: أنه ذو طوى وليس كذلك، كما نبه عليه
ابن قرقول، وعند النسائي: ((وهو في قبة حمراء في نحو من أربعين رجلاً).
قوله: ((وضوء رسول الله عَ ليه)) بفتح الواو: هو الماء الذي يتوضأ به. وقوله: ((يبتدرون))
أي: يتسارعون ويتسابقون إليه تبركاً بآثاره الشريفة. وفي رواية مسلم: ((وقام الناس فجعلوا
يأخذون يديه فيمسحون بها وجوههم، قال: فأخذت بيده فوضعتها على وجهي فإذا هي أبرد
من الثلج وأطيب رائحة من المسك)). وفي رواية: ((فأخرج فضل وضوء رسول الله عَ ليه
فابتدره الناس، فنلت منه شيئاً)). قوله: ((ذلك)) ويروى: ((ذاك الوضوء)). قوله: ((من بلل يد
صاحبه)) ويروى: ((من بلال يد صاحبه)). قوله: ((عنزة)) بفتح العين المهملة والنون والزاي،
وهي مثل نصف الرمح أو أكبر شيئاً. وفيها سنان مثل سنان الرمح، والعكازة قريب منها.
قوله: ((في حلة حمراء)) في موضع النصب على الحال، والحلة: ثوبان: إزار ورداء، وقيل: أن
يكون ثوبين من جنس واحد سميا بذلك، لأن كل واحد منهما يحل على الآخر. وقيل: أصل
تسميتها بهذا إذا كان الثوبان جديدين، فما حل طيهما فقيل لهما: حلة، لهذا، ثم استمرِ
عليهما الإسم. وقال ابن الأثير: الحلة واحدة الحلل، وهي: برود اليمن، ولا تسمى حلة إلاّ
أن تكون ثوبين من جنس واحد. وقال غيره: والجمع: حلل وحلال، وحلله الحلة: ألبسه
إياها. وفي رواية أبي داود: ((وعليه حلة حمراء برود يمانية قطري)). قوله: ((برود)) جمع: برد،
مرفوع لأنه صفة للحلة. وقوله: ((يمانية)) صفة للبرود أي منسوبة إلى اليمن. قوله ((قطري))
بكسر القاف وسكون الطاء، والأصل: قطري، بفتح القاف والطاء لأنه نسبة إلى؛ قطر، بلد
بين عمان وسيف البحر، ففي النسبة خففوها وكسروا القاف وسكنوا الطاء، ويقال: القطري،
ضرب من البرود فيها حمرة، ويقال: ثياب حمر لها أعلام فيها بعض الخشونة. وقيل: حلل
جياد تحمل من قبل البحرين، وإنما لم يقل: قطرية، مع أن التطابق بين الصفة والموصوف
شرط لأنه بكثرة الاستعمال صار كالاسم. لذلك النوع من الحلل، ووصف الحلة بثلاث

١٤٩
٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٨)
صفات: الأولى: صفة الذات وهي قوله: ((حمراء)) والثانية: صفة الجنس وهي قوله: ((برود))
بين به أن جنس هذه الحلة الحمراء من البرود اليمانية. والثالثة: صفة النوع، وهي قوله:
((قطري))، لأن البرود اليمانية أنواع، نوع منها قطري بينه بقوله: ((قطري)). وقيل: إنما لبس
النبي عَّه الحلة الحمراء في السفر ليتأهب للعدو، ويجوز أن يلبس في الغزو ما لا يلبس في
غيره. قلت: فيه نظر، لأنه عَِّ لم يكن في هذا السفر للغزو، لأنه كان عقيب حجة الوداع،
ولم يبق له غزو إذ ذاك، وكأن هذا القائل نقل عن بعض الحنفية أنه ذهب إلى عدم جواز
لبس الثوب الأحمر، ثم لما أوردوا عليه ما روي في هذا الحديث أجاب بما ذكرنا. قلت: لا
النقل عنه صحيح، ولا هو مذهب الحنفية، فلا يحتاج إلى الجواب المذكور. قوله:
((مشمراً) بكسر الميم الثانية، نصب على الحال من النبي عَّله. يقال: شمر إزاره تشميراً، أي:
رفعه، وشمر عن ساقه، وشمر في أمره أي: خف، والمعنى: رفعها إلى أنصاف ساقيه، كما
جاء في رواية مسلم؛ ((كأني أنظر إلي بياض ساقيه)). قوله: ((صلى بالناس)) صلاته هذه هي
صلاة الظهر، وفي رواية مسلم: ((فتقدم فصلى الظهر ركعتين، ثم صلى العصر ركعتين، ثم لم
يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة)). قوله: ((يمرون بين يدي العنزة))، وفي رواية: ((تمر
من ورائها المرأة)). وفي لفظ: ((يمر بين يديه الحمار والكلب لا يمنع)).
ذكر استنباط الأحكام منه: فيه: جواز لبس الثوب الأحمر والصلاة فيه، والباب معقود
عليه، وقد مر الكلام فيه عن قريب. وفيه: جواز ضرب الخيام والقباب. وفيه: التبرك بآثار
الصالحين. وفيه: نصب علامة بين يدي المصلي في الصحراء. وفيه: جواز قصر الصلاة في
السفر، وهو الأفضل عند أصحابنا، والذي في مسلم يدل عليه. وفيه: جواز المرور وراء سترة
المصلي، وقال ابن بطال: فيه: أنه يجوز لباس الثياب الملونة للسيد الكبير والزاهد في الدنيا،
والحمرة أشهر الملونات وأجل الزينة في الدنيا. وفيه: طهارة الماء المستعمل. قيل: فيه حجة
على الحنفية في قولهم بنجاسة الماء المستعمل. قلت: ليس كذلك، فإن المذهب أن الماء
المستعمل طاهر حتى يجوز شربه والتعجين به، غير أنه ليس بطهور، فلا يجوز به الوضوء ولا
الاغتسال، وكونه نجساً رواية عن أبي حنيفة وليس العمل عليها، على أن حكم النجاسة في
هذه الرواية باعتبار إزالة الآثام النجسة عن البدن المذنب فيتنجس حكماً، بخلاف فضل
وضوء النبي عَِّ فإنه طاهر من بدن طاهر وهو طهور أيضاً أطهر من كل طاهر وأطيب.
١٨ - بابُ الصَّلاَةِ في السُّطُوحِ وَالمِنْبَرِ والخَشَب
أي: هذا باب في بيان حكم الصلاة في المنبر. إلى آخره، يعني: يجوز، ولما كان
فيه خلاف لبعض التابعين، وللمالكية في المكان المرتفع لمن كان إماماً لم يصرح بالجواز
وعدمه، ولكن مراده الجواز. قوله: ((في المنبر)) كان ينبغي أن يقول: على المنبر، وحديث
الباب يدل عليه، ولكن كلمة. في، تجيء بمعنى: على، كما في قوله تعالى: ﴿ولأصلبنكم
في جذوع النخل﴾ [طه: ٧١] والمنبر، بكسر الميم، من: نبرت الشيء إذا رفعته، والقياس

١٥٠
٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٨)
فيه فتح الميم لأن الكسرة علامة الآلة، ولكنه سماعي، و: ((السطوح)) جمع سطح البيت، و:
(الخشب)) بفتحتين وبضمتين أيضاً.
قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ.
هو البخاري نفسه.
وَلَم يَرَ الحَسَنُ بأساً أنْ يُصَلَّى عَلَى الْجَمَدِ والقَنَاطِرِ وإِنْ جَرَي تَخْتَهَا بَوْلٌ أَوْ فَوْقَهَا
أَوْ أمامَهَا إِذَا كانَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ.
مطابقة هذا الأثر للترجمة تأتي في القناطر، والمراد من الحسن هو: البصري.
قوله: ((على الجمد))، بفتح الجيم وسكون الميم وفي آخره دال مهملة. قال السفاقسي: الجمد،
بفتح الجيم وضمها: مكان صلب مرتفع، وزعم ابن قرقول أن في كتاب الأصيلي وأبي ذر بفتح
الميم. قال: والصواب سكونها، وهو الماء الجليد من شدة البرد. وفي (المحكم): الجمد الثلج،
وفي (المثنى) لابن عديس: الجمد، بالفتح والإسكان: الثلج. قال أبو عبد الله موسى بن جعفر:
الجمد، محرك الميم: الثلج الذي يسقط من السماء. وقال غيره: الجمد والجمد بالفتح والضم،
والجمد بضمتين: ما ارتفع من الأرض وفي (ديوان الأدب) للفارابي: الجمد ما جمد من الماء، وهو
نقيض الذوب، وهو مصدر في الأصل. وفي (الصحاح) الجمد، بالتحريك جمع؛ جامد، مثل: خادم
وخدم، والجمد والجمد مثل: عسر وعسر، مكان صلب مرتفع، والجمع: أجماد وجماد، مثل: رمح
وأرماح ورماح. قوله: ((والقناطر)) جمع قنطرة. قال ابن سيده: هي ما ارتفع من البنيان، وقال القزاز:
القنطرة معروفة عند العرب. قال الجوهري: هي الجسر قلت: القنطرة ما تبنى بالحجارة، والجسر
يعمل من الخشب أو التراب.
قوله: ((وإن جرى تحتها بول)) يتعلق بالقناطر فقط ظاهراً، قاله الكرماني. قلت: يجوز
أن يتعلق بالجمد، لأن الجمد في الأصل ماء فبشدة البرد يجمد، وربما يكون ماء النهر يجمد
فيصير كالحجر حتى يمشي عليه الناس، فلو صلى شخص عليه وكان تحته بول أو نحوه ولا
يضر صلاته. فإن قلت: على هذا كيف يرجع الضمير في (تحتها)) إلى الجمد وهو غير
مؤنث؟ قلت: قد مر أن الجوهري قال: إن الجمد جمع جامد، فإذا كان جمعاً يجوز إعادة
الضمير المؤنث إليه، وكذلك الضمير في: ((فوقها)) و ((أمامها)) يجوز أن يرجع إلى القناطر
بحسب الظاهر، وإلى الجمد بالاعتبار المذكور، والمراد من أمامها: قدامها. وقال بعضهم:
الجمد الماء إذا جمد، وهو مناسب لأثر ابن عمر الآتي أنه صلى على الثلج.
قلت: إن لم يقيد الثلج بكونه متجمداً متلبداً لا تجوز الصلاة عليه فلا يكون مناسباً
له، وفي (المحتبى): سجد على الثلج أو الحشيش الكثير أو القطن المحلوج يجوز إن اعتمد
حتى استقرت جبهته ووجد حجم الأرض وإِلاَّ فلا. وفي (فتاوى أبي حفص): لا بأس أن
يصلي على الجمد والبر والشعير والتين والذرة، ولا يجوز على الأرز لأنه لا يستمسك، ولا
يجوز على الثلج المتجافي والحشيش وما أشبهه حتى يلبده فيجمد حجمه. قوله: ((إذا كان

١٥١
٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٨)
بينهما سترة)) قال الكرماني: أي: بين القناطر والبول، أو؛ بين المصلي والبول، وهذا التقييد
مختص بلفظ: ((بأمامها)) دون ((أخويها)). قلت: المصلي غير مذكور إلاّ أن يقال: إن قوله: أن
يصلي، يدل على المصلى، والمراد من السترة أن يكون المانع بينه وبين النجاسة إذا كانت
قدامه، ولم يعين حد ذلك، والظاهر أن المراد منه أن لا يلاقي النجاسة سواء كانت قريبة منه
أو بعيدة، وقال ابن حبيب، من المالكية. إن تعمد الصلاة إلى نجاسة وهي أمامه أعاد إلاَّ أن
تكون بعيدة جداً. وفي (المدونة): من صلى وأمامه جدار أو مرحاض أجزأه.
وَصَلَّى أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى ظَهْرِ المَسْجِدِ بِصَلاَةِ الإِمَامِ.
مطابقة هذا الأثر للترجمة ظاهرة وهي في قوله: ((والسطوح)). وقوله: ((على ظهر
المسجد)» رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي: ((على سقف المسجد))، ووصل ابن أبي
شيبة هذا الأثر عن وكيع عن ابن أبي ذئب عن صالح، مولى التوءمة، قال: ((صليت مع أبي
هريرة فوق المسجد بصلاة الإمام وهو أسفل)). وصالح تلكم فيه غير واحد من الأئمة، ولكن
رواه سعيد بن منصور من وجه آخر عن أبي هريرة فتقوى بذلك، فلأجل ذلك ذكره البخاري
بصيغة الجزم، وروى ابن أبي شيبة عن أبي عامر عن سعيد بن مسلم، قال: ((رأيت سالم بن
عبد الله يصلي فوق ظهر المسجد صلاة المغرب ومعه رجل آخر يعني، ويأتم بالإمام)). وروي
عن محمد بن عدي عن ابن عون قال: سئل محمد عن الرجل يكون على ظهر بيت يصلي
بصلاة الإمام في رمضان، فقال: لا أعلم به بأساً إلاَّ أن يكون بين يدي الإمام. وقال الشافعي:
يكره أن يكون موضع الإمام أو المأموم أعلى من موضع الآخر إلاّ إذا أراد تعليم أفعال الصلاة،
أو أراد المأموم تبليغ القوم. وقال في (المهذب): إذ كره أن يعلو الإمام فالمأموم أولى، وعندنا
أيضاً يكره أن يكون القوم أعلى من الإمام. وقال ابن حزم؛ وقال مالك وأبو حنيفة: لا يجوز.
قلت: ليس مذهب أبي حنيفة هذا، ومذهبه أنه يجوز ولكن يكره. وقال شيخ الإسلام: إنما
يكره إذا لم يكن من عذر، أما إذا كان من عذر فلا يكره، كما في الجمعة إذا كان القوم
على الرف وبعضهم على الأرض، والرف، بتشديد الفاء: شبه الطاق، قاله الجوهري. وعن
الطحاوي: إنه لا يكره، وعليه عامة المشايخ.
وصَلَّى ابْنُ عُمَرَ عَلَى النَّلْجِ.
وكان الثلج متلبداً لأنه إذا كان متجافياً لا تجوز كما ذكرنا، وليس لهذا الأثر مطابقة
للترجمة إلاّ إذا شرطنا التلبد لأنه حينئذٍ يكون متحجراً فيشبه السطح أو الخشب.
٤٣/ ٣٧٧ - حدّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ حدّثنا سُفْيَانُ قال حدّثنا أبو حازِمِ قالَ
سَأَلُوا سَهْلَ بنَ سَعْدٍ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ الْمِنْبَرُ فقالَ مَا بَقِيَ بِالنَّاسِ أَعْلَمُ مِنِّي هُوَ مِنْ أَثْلِ الغَابَةِ عَمِلَهُ
فُلاَنٌ مَوْلَى فِلاَنَةَ لِرَسُولِ اللهِ عَ لَه وَقَامَ عَلَيْهِ رسولُ اللَّهِ عَلَه حِينَ عُمِلَ وَوُضِعَ فَاسْتَقْبَلَ القِبِلَةَ
كَثِّرَ وقامَ النَّاسُ خَلْفَهُ فَقَرَأَ وَرَكَعَ وَرَكَعَ النَّاسُ خَلْفِهُ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ رَجَعَ القَهْقَرَى فَسَجَدَ
عَلَى الأَرْضِ ثُمَّ عادَ إلى المِنْبَرِ ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ رَجَعَ القَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ

١٥٢
٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٨)
بِالأَرْضِ فَهَذَا شَأْتُهُ. [الحديث ٣٧٧ - أطرافه في: ٤٤٨، ٩١٧، ٢٠٩٤، ٢٥٦٩].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: علي بن عبد الله هو ابن المديني. الثاني: سفيان بن
عيينة. الثالث: أبو حازم، بالحاء المهملة وبالزاي: سلمة بن دينار. الرابع: سهل بن سعد
الساعدي، آخر من مات من الصحابة بالمدينة.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين وصيغة الإخبار كذلك
في موضع. وفيه: السؤال. وفيه: أن رواته ما بين بصري ومكي ومدني.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الصلاة عن قتيبة،
وكذلك أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن قتيبة، وأخرجه مسلم أيضاً في الصلاة عن أبي
بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب عن علي بن المديني، وأخرجه ابن ماجة فيه عن أحمد بن
ثابت الجحدري عنه به.
ذكر لغاته ومعانيه. قوله: ((من أي شيء)) أي: من أي عود، واللام في ((المنبر)) للعهد
أي: عن منبره عليه الصلاة والسلام. وفي رواية أبي داود: ((أن رجالاً أتوا سهل بن سعد
الساعدي وقد امتروا في المنبر، مم عوده؟)) أي: وقد شكوا في منبر النبي عَّه من أي شيء
كان عوده؟ قوله: ((ما بقي بالناس)) أي في الناس ويروى كذلك عن الكشميهني قوله: ((هو))،
مبتدأ وقوله: ((من أثل الغابة))، خبره وفي رواية أبي داود: ((من طرفاء الغابة))، وفسر الخطابي:
الأثل: بالطرفاء، وقال ابن سيده: الأثل يشبه الطرفاء إلا أنه أعظم منه. وقال أبو زياد: من
العضاه أثل، وهو طوال في السماء ليس له ورق ينبت مستقيم الخشبة، وخشبه جيد يحمل
إلى القرى فيبنى عليه بيوت المدر، ورقه هدي رقاق وليس له شوك، ومنه تصنع القصاع
والأواني الصغار والكبار والمكاييل والأبواب، وهو النضار. وقال أبو عمر: وهو أجود الخشب
للآنية، وأجود النضار الورس لصفرته، ومنبر رسول الله عَ لّ نضار. وفي (الواعي): الأثلة
خمصة مثل الأشنان ولها حب مثل حب التنوم ولا ورق لها وإنما هي أشنانة يغسل بها
القصارون، غير أنها ألين من الأشنان. وقال القزاز: هو ضرب من الشجر يشبه الطرفاء وليس
به، وهو أجود منه عوداً، ومنه تصنع قداح الميسر. والتنوم، بفتح التاء المثناة من فوق وضم
النون المشددة وبعد الواو الساكنة ميم: وهو نوع من نبات الأرض فيه ثمر وفي ثمره سواد
قلیل.
و: الغابة، بغين معجمة وباء موحدة: أرض على تسعة أميال من المدينة كانت إبل
النبي عَّلِ مقيمة بها للرعي وبها وقعت قصة العرنين الذين أغاروا على سرحه عَ لآه، وقال
ياقوت: بينها وبين المدينة أربعة أميال. وقال البكري: هما غابتان عليا وسفلى. وقال
الزمخشري: الغابة بريد من المدينة من طريق الشام. قال الواقدي، ومنها صنع المنبر. وفي
(الجامع): كل شجر ملتف فهو غابة. وفي (المحكم): الغابة الأجمة التي طالت ولها أطراف

١٥٣
٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٨)
مرتفعة باسقة. وقال أبو حنيفة: هي أجمة القصب، قال: وقد جعلت جماعة الشجر غاباً
مأخوذ من الغيابة، والجمع: غابات وغياب، و: الطرفاء، بفتح الطاء وسكون الراء المهملتين
ممدودة: شجر من شجر البادية واحدها: طرفة، مثل: قصبة وقصباء، وقال سيبويه: الطرفاء
واحد وجمع. قوله: ((عمله فلان)) بالتنوين لأنه منصرف، لأنه كناية عن علم المذكر بخلاف:
فلانة، فإنه كناية عن علم المؤنث، والمانع من صرفه وجود العلتين وهما: العلمية والتأنيث،
واختلفوا في اسم: فلان، الذي هو نجار منبره، ففي (كتاب الصحابة) لابن أمين الطليطلي:
إن اسم هذا النجار: قبيصة المخزومي. قال: ويقال: ميمون. وقال: وقيل: صلاح غلام العباس
ابن عبد المطلب، وقال ابن بشكوال: وقيل: ميناء. وقيل: إبراهيم. وقيل: باقوم، بالميم في
آخره. وقال ابن الأثير: كان رومياً غلاماً لسعيد بن العاص مات في حياة النبي عَ ◌ّه، وروى
أبو سعد في (شرف المصطفى) من طريق ابن لهيعة: عن عمارة بن غزية عن عباس بن سهل
عن أبيه قال: كان بالمدينة نجار واحد يقال له ميمون، فذكر قصة المنبر. وقال ابن التين:
عمله غلام لسعد بن عبادة. وقيل: لامرأة من الأنصار وقال أبو داود: حدّثنا الحسن بن علي،
قال: حدّثنا إبراهيم بن أبي داود عن نافع: ((عن ابن عمر أن النبي عَّه، لما بدا قال له تميم
الداري ألا أتخذ لك منبراً يا رسول الله تجمع أو تحمل عظامك؟. قال: بلى، فاتخذ له منبراً
مرقاتين)). وفي (طبقات ابن سعد) من حديث أبي هريرة وغيره، قالوا: ((كان النبي عَّ ◌ُلِّ،
يخطب يوم الجمعة إلى جذع فقال: إن القيام يشق عليه، فقال تميم الداري أَلاَ أعمل لك
منبراً كما رأيته بالشام؟ فشاور النبي عَّه، المسلمين في ذلك فرؤوا أن يتخذه، فقال العباس
بن عبد المطلب: إن لي غلاماً يقال له: كلاب، أعمل الناس. فقال النبي عَّ له: مره أن يعمله،
فعمله درجتين ومقعداً، ثم جاء به فوضعه في موضعه)). وعند ابن سعد أيضاً بسند صحيح:
((إن الصحابة قالوا: يا رسول الله! إن الناس قد كثروا فلو اتخذت شيئاً تقوم عليه إذا خطبت!
قال: ما شئتم؟ قال سهل: ولم يكن بالمدينة إلاَّ نجار واحد، فذهبت أنا وذاك النجار إلى
الغابتين، فقطعت هذا المنبر من أثله)). وفي لفظ: ((وحمل سهل منهن خشبة)).
قوله: ((مولى فلانة))، لم يعرف اسمها، ولكنها أنصارية، ووقع في (الدلائل) لأبي
موسى المدني، نقلاً عن جعفر المستغفري: أنه قال في أسماء النساء من الصحابة: علاثة،
بالعين المهملة وبالثاء المثلثة، ثم ساق هذا الحديث من طريق يعقوب بن عبد الرحمن عن
أبي حازم، وقال فيه: ((أرسل إلى علائة امرأة)) قد سماها سهل، ثم قال أبو موسى: صحف فيه
جعفر أو شيخه، وإنما هي فلانة. وقال الحافظ الذهبي: علائة، في حديث سهل: ((أن مري
غلامك النجار أن يعمل لي أعواداً) وإنما هي فلانة، وقال الكرماني: قيل في فلانة: اسمها
عائشة الأنصارية، وقال بعضهم: وأظنه صحف المصحف قلت: هذا الطبراني روى في
معجمه الأوسط من حديث جابر رضي الله تعالى عنه، ((أن رسول الله عليه الصلاة والسلام،
كان يصلى إلى سارية المسجد ويخطب إليها ويعتمد عليها، وأمرت عائشة فصنعت له منبره
هذا)). انتهى. وبه يستأنس أن فلانة هي: عائشة، المذكورة. ولا سيما قال قائله: الأنصارية،

١٥٤
٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٨)
ولا يستعبد هذا، وإن كان إسناد الحديث ضعيفاً فحينئذٍ إن المصحف من قال: علاثة، لا من
قال: عائشة الأنصارية. وقد جاء في الرواية في الصحيح: ((أرسل، أي: النبي عَُّلّه، إلى فلانة
- سماها سهل - مري غلامك النجار أن يعمل لي أعواداً أجلس عليهن إذا كلمت الناس،
فأمرته، فعملها من طرفاء الغابة، ثم جاء بها، فأرسلت بِها إلى رسول الله عَّله، فأمر بها
فوضعت ههنا)). وعن جابر: ((إن امرأة قالت: يا رسول الله! أَلاَ أجعل لك شيئاً تقعد عليه؟ فإن
لي غلاماً نجاراً ... )) الحديث. وفي (الإكليل) للحاكم: عن يزيد بن رومان: ((كان المنبر
ثلاث درجات، فزاد به معاوية، لعله قال: جعله ست درجات، وحوله عن مكانه فكسفت
الشمس يومئذٍ)). قال الحاكم: وقد أحرق المنبر الذي عمله معاوية، ورد منبر النبي عَ ◌ّه إلى
المكان الذي وضعه فيه. وفي (الطبقات): كان بينه وبين الحائط ممر الشاة. وقيل في
(الإكليل) أيضاً: من حديث المبارك بن فضالة. عن الحسن عن أنس رضي الله تعالى عنه
(لما كثر الناس قال النبي عَ لّه: إبنوا لي منبراً، فبنوا له عتبتين)). وقد ذكرنا عن أبي داود في
حديث ابن عمر: مرقاتين، وهي تثنية مرقاة وهي: الدرجة. فإن قلت: في (الصحيح): ثلاث
درجات، فما التوفيق بينهما؟ قلت: الذي قال: مرقاتين، كان لم يعتبر الدرجة التي كان
يجلس عليها، والذي روى له ثلاثاً اعتبرها. قوله: ((فقام عليه))، ويروى: ((فرقى عليه)). قوله:
((حين عمل ووضع))، كلاهما مجهولان. قوله: ((كبر)) بدون: الواو، لأنه جواب عن سؤال،
كأنه قيل: ما عمل بعد الاستقبال؟ قال: كبر. ويروى: ((فكبر)). وفي بعض النسخ: ((وكبر))،
بالواو. قوله: ((ثم رجع القهقرى))، أي: رجع إلى ورائه. فإذا قلت: رجعت القهقرى فكأنك
قلت: رجعت الرجوع الذي يعرف بهذا الاسم، لأن القهقري ضرب من الرجوع، فيكون
انتصابه على أنه مفعول مطلق، لكنه من غير لفظه، كما تقول: قعدت جلوساً. قوله: ((على
الأرض))، وذكر بعضه: بالأرض، وذكر الفرق بينهما من حيث إن في الأول: لوحظ معنى
الاستعلاء، وفي الثاني: معنى الإلصاق.
ذكر استنباط الأحكام منه: منها: أن فيه الدلالة على ما ترجم له وهي الصلاة على
المنبر، وقد علل، صلى الله تعالى عليه وسلم، صلاته عليه وارتفاعه على المأمومين بالاتباع
له والتعليم، فإذا ارتفع الإمام على المأموم فهو مكروه إلاَّ لحاجة. كمثل هذا فيستحب، وبه
قال الشافعي وأحمد والليث، وعن مالك والشافعي: المنع، وبه قال الأوزاعي، وحكى ابن
حزم عن أبي حنيفة المنع، وهو غير صحيح، بل مذهبه الجواز مع الكراهة، وقد مر الكلام
فيه عن قريب. وعن أصحابنا عن أبي حنيفة جوازه إذا كان الإمام مرتفعاً مقدار قامة، وعن
مالك: تجوز في الارتفاع اليسير.
ومنها: أن المشي اليسير في الصلاة لا يفسدها. وقال صاحب (المحيط): المشي في
الصلاة خطوة لا يبطلها، وخطوتين أو أكثر يبطلها، فعلى هذا ينبغي أن تفسد هذه الصلاة
على هذه الكيفية، ولكنا نقول: إذا كان لمصلحة ينبغي أن لا تفسد صلاته ولا تكره أيضاً
كما في مسألة من انفرد خلف الصف وحده، فإن له أن يجذب واحداً من الصف إليه

١٥٥
٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٨)
ويصطفان، فإن المجذوب لا تفسد صلاته ولو مشى خطوة أو خطوتين. وقال الخطابي: فيه
أن العمل اليسير لا يفسد الصلاة، وكان المنبر ثلاث مراقي، ولعله إنما قام على الثانية منها
فليس في نزوله وصعوده إلاَّ خطوتان.
ومنها: أن فيه استحباب اتخاذ المنبر، وكون الخطيب على مرتفع كمنبر أو غيره.
ومنها: أن فيه تعليم الإمام المأمومين أفعال الصلاة، وأنه لا يقدح ذلك في صلاته،
وليس من باب التشريك في العبادة، بل هو كرفع صوته بالتكبير ليسمعهم.
ومنها: أن فيه أن العالم إذا انفرد بعلم شيء يقول ذلك ليؤديه إلى حفظه.
قالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ قالَ عَلِيٍّ بنُ عَبْدِ اللَّهِ سَأَلَنْي أحْمَدُ بنُ حَنْبَل رَحِمَهُ اللَّهُ عنْ هَذَا
الحَدِيث قالَ فَأََّا أَرَدْتُ أَنَّ النَّبِيَّ عَّهِ كَانَ أَعلْى مِنَ النَّاسِ فَلاَ بَأْسَ أنْ يَكُونَ الإِمامُ أَعْلَى
مِن النَّاسِ بِهَذَا الحَدِيثِ قالَ فَقُلْتُ إِنَّ سِفْيَانَ بِنَ عُيَيْنَةَ كانَ يُسْأَلُ عنْ هَذَا كَثِيراً فَلَمْ تَسْمَعْهُ
مِنْهُ قالَ لاَ.
أبو عبد الله هو: البخاري نفسه. وعلي بن المديني الإمام الحجة شيخه، وأحمد بن
حنبل الإمام الجليل المشهورة آثاره في الإسلام المذكورة مقاماته في الدين، قال ابن راهويه:
هو حجة بين الله وبين عباده في أرضه، مات ببغداد سنة إحدى وأربعين ومائتين. قوله: ((بهذا
الحديث)) أي: بدلالة هذا الحديث، وجوز العلو بقدر درجات المنبر. وقال بعض الشافعية:
لو كان الإمام على رأس منارة المسجد، والمأموم في قعر بئر، صح الاقتداء. قوله: ((قال:
فقلت)): أي: قال علي بن المديني لأحمد بن حنبل. وفي بعض النسخ: ((قال: قلت))، بدون:
الفاء. قوله: ((إن سفيان))،، وفي بعض النسخ: ((فإن سفيان)) بالفاء. قوله: ((يسأل))، على صيغة
المجهول. قوله: ((فلم تسمع)) متضمن للاستفهام بدليل الجواب بكلمة: لا، ثم إن المنفي
هو جميع الحديث لأنه صريح في ذلك، ولا يلزم من ذلك عدم سماع البعض، والدليل على
ذلك أن أحمد قد أخرج في مسنده عن ابن عيينة بهذا الإسناد من هذا الحديث قول سهل:
كان المنبر من أثل الغابة فقط.
٣٧٨/٤٤ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قالَ حدّثنا يَزِيدُ بنُ هارُونَ قالَ أخبرنا
حُمَيْدٌ الطوِيلُ عَنْ أَنَسِ بنِ مالِكِ أنَّ رَسولَ اللَّهِ عَ الِ سَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ فَجُحِشَتْ سَاقُهُ أَوْ كَتِفُهُ
وَآَلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْراً فَجَلَّسَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ دَرَجَتُها مِنْ مُذُوعٍ فَأَتَاهُ أصْحَابُهُ يَعُودُنَهُ فَصَلَّى بِهِمْ
جالِساً وهُمْ قِيَامٌ فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ ((إَِّا جُعِلَ الإِمامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا رَكَعَ فَارْكِعُوا
وإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا وإِنْ صلى قَائِماً فَصَلُّوا قِيَاماً وَنَزَلَ لِتَسْعِ وَعِشْرِينَ فقالوا يا رسولَ اللَّهِ
إِنَّكَ آلَيْتَ شَهْراً فقالُ إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ)) [الحديث ٣٧٨ - أطرافه في: ٦٨٩،
٧٣٢، ٧٣٣، ٨٠٥، ١١١٤، ١٩١١، ٢٤٦٩، ٥٢٠١، ٥٢٨٩، ٦٦٨٤].
مطابقة الحديث للترجمة في صلاته، عليه الصلاة والسلام، بأصحابه على ألواح
المشربة وخشبها، والخشب مذكور في الترجمة، قاله ابن بطال، واعترض عليه الكرماني
بقوله: ليس في الحديث ما يدل على أنه صلى على الخشب، إذ المعلوم منه أن درجها من

١٥٦
٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٨)
جذوع النخل لا نفسها، ثم قال: ويحتمل أنه ذكره لغرض بيان الصلاة على السطح، إذ يطلق
السطح على أرض الغرفة. قلت: الظاهر أن الغرفة كانت من خشب، فذكر كون درجها من
النخل لا يستلزم أن تكون البقية من البناء، فالاحتمال الذي ذكره ليس بأقوى من الاحتمال
الذي ذكرناه.
ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: محمد بن عبد الرحيم البغدادي الحافظ المعروف
بصاعقة. الثاني: يزيد بن هارون، تكرر ذكره. الثالث: حميد، بضم الحاء: الطويل. الرابع:
أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في
موضع واحد. وفيه: أن رواته ما بين بغدادي وواسطي وبصري.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً عن عبد الله بن المثنى،
وفي المظالم عن محمد هو: ابن سلام، وفي الصوم وفي النذور عن عبد العزيز بن عبد الله،
وفي النكاح عن خالد بن مخلد، وفي الطلاق عن إسماعيل بن أبي أويس عن أخيه، وهو عبد
الحميد. وأخرجه مسلم في الصلاة عن محمد بن يحيى. وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي،
والنسائي فيه عن قتيبة، وأخرجه ابن ماجه.
ذكر لغاته ومعانيه وإعرابه: قوله: ((سقط عن فرس))، وفي رواية أبي داود: ((فصرع
عنه))، ومعناه: سقط، أيضاً وكان ذلك في ذي الحجة سنة خمس من الهجرة. قوله:
((فجحشت))، بضم الجيم وكسر الحاء المهملة: من الجحش، وهو سجح الجلد وهو
الخدش، يقال: جحشه يجحشه جحشاً: خدشه. وقيل: أن يصيبه شيء ينسجح كالخدش أو
أكبر من ذلك. وقيل: الجحش فوق الخدش. وقال الخطابي: معناه أنه قد انسجح جلده،
وقد يكون ما أصاب رسول الله عَّةٍ من ذلك السقوط مع الخدش رض في الأعضاء وتوجع،
فلذلك منعه القيام إلى الصلاة. قوله: ((أو كتفه)) على الشك من الراوي، ويروى: بالواو،
الواصلة. وفي رواية للبخاري: ((فجحش شقه الأيمن)). وفي لفظ عند أحمد عن حميد عن أنس
بسند صحيح: ((انفكت قدمه)). قوله: ((وآلى من نسائه)) أي: حلف أن لا يدخل عليهن
شهراً، وليس المراد منه الإيلاء المتعارف بين الفقهاء وهو الحلف على ترك قربان امرأته أربعة
أشهر أو أكثر منها، وعند مالك والشافعي وأحمد: لا بد من أكثر، والمولى من لا يمكنه قربان
امرأته إلاّ بشيء يلزمه، فإن وطئها في المدة كفر لأنه حنث في يمينه وسقط الإيلاء، وإلاَّ بانت
بتطليقة واحدة، وكان الإيلاء طلاقاً في الجاهلية، فغير الشرع حكمه، ويأتي حكمه في بابه
إن شاء الله تعالى. والإيلاء: على وزن إفعال، هو: الحلف. يقال: آل يؤلي إيلاءً، وتألى تألياً،
وإلالية: اليمين، والجمع أَلاَ يَا، كعطية وعطايا، وإنما عدي: آلى، بكلمة: من، وهو لا يعدى
إلا بكلمة: على، لأنه ضمن فيه معنى البعد، ويجوز أن تكون: من، للتعليل مع أن الأصل فيه
أن يكون للابتداء أي: آلى من نسائه، أي بسبب نسائه ومن أجلهن.
-

١٥٧
٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٨)
قوله: ((في مشربة)) بفتح الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الراء وضمها: وهي
الغرفة. وقيل: هي أعلى البيت، شبه الغرفة. وقيل: الخزانة، وهي بمنزلة السطح لما تحتها.
قوله: ((من جذوع النخل)) جمع جذع، بكسر الجيم وسكون الذال وجمعه جذوع وأجذاع،
قاله ابن دريد. وقال الأزهري في (التهذيب): ولا يتبين للنخلة جذع حتى يتبين ساقها. وفي
(المحكم): الجذع ساق النخلة. قوله: ((جالساً)) حال. وقوله: ((وهم قيام)) جملة إسمية
حالية، والقيام جمع قائم أو مصدر بمعنى إسم الفاعل. قوله: ((إنما جعل الإمام)) كلمة: إنما،
للحصر لأجل الاهتمام والمبالغة، والمفعول الثاني لقوله: جعل، محذوف تقديره: إنما جعل
الإمام إماماً، والمفعول الأول قائم مقام الفاعل. قوله: ((ليؤتم به)) أي ليقتدى به - ويتبع أفعاله.
قوله: ((إن صلى قائماً فصلوا قياماً) مفهومه: إن صلى قاعداً يصلي المأموم أيضاً
قاعداً، وهو غير جائز، ولا يعمل به لأنه منسوخ لما ثبت أنه عَّهِ في آخر عمره صلى قاعداً
وصلى القوم قائمين. فإن قلت: جاء في بعض الروايات: ((فإن صلى قاعداً فصلوا قعوداً)).
قلت: معناه: فصلوا قعوداً إذا كنتم عاجزين عن القيام مثل الإمام، فهو من باب التخصيص،
وهو منسوخ كما ذكرنا. قوله: ((إن الشهر)): اللام، فيه للعهد عن ذلك الشهر المعين، إذ كل
الشهور لا يلزم أن تكون تسعاً وعشرين.
ذكر استنباط الأحكام منه: منها: جواز الصلاة على السطح وعلى الخشب لأن المشربة
بمنزلة السطح لما تحتها، والصلاة فيها كالصلاة على السطح، وبذلك قال جمهور العلماء. وكره
الحسن وابن سيرين الصلاة على الألواح والأخشاب، وكذلك روي عن ابن مسعود وابن عمر رضي
الله تعالى عنهم، رواه ابن أبي شيبة بسند صحيح، وذكره أيضاً عن مسروق أنه: كان يحمل لبنة في
السفينة ليسجد عليها، وحكاه أيضاً عن ابن سیرین بسند صحيح.
ومنها: أن فيه مشروعية اليمين، لأنه عليه الصلاة والسلام، آلى أن لا يدخل على نسائه شهراً.
ومنها: أن الشهر لا يأتي كاملاً دائماً، وإن من حلف على فعل شيء أو تركه في شهر
كذا، وجاء الشهر تسعاً وعشرين يوماً، يخرج عن يمينه، فلو نذر صوم شهر بعينه فجاء الشهر
تسعة وعشرين يوماً لم يلزمه أكثر من ذلك، وإذا قال: لله علي صوم شهر من غير تعيين، كان
عليه إكمال عدد ثلاثين يوماً.
ومنها: ما احتج أحمد وإسحاق وابن حزم والأوزاعي ونفر من أهل الحديث: أن الإمام
إذا صلى قاعداً يصلي من خلفه قعوداً. وقال مالك: لا تجوز صلاة القادر على القيام خلف
القاعد لا قائماً ولا قاعداً. وقال أبو حنيفة والشافعي والثوري وأبو ثور وجمهور السلف: لا
يجوز للقادر على القيام أن يصلي خلف القاعد إلاَّ قائماً. وقال المرغيناني: الفرض والنفل
سواء. والجواب عن الحديث من وجوه.
الأول: إنه منسوخ، وناسخه صلاة النبي عليه الصلاة والسلام، بالناس في مرض موته
قاعداً وهم قيام، وأبو بكر رضي الله تعالى عنه، قائم يعلمهم بأفعال صلاته بناء على أن النبي

١٥٨
٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٨)
عليه الصلاة والسلام، كان الإمام وأن أبا بكر كان مأموماً في تلك الصلاة. فإن قلت: كيف
وجه ذا النسخ وقد وقع في ذلك خلاف، وذلك أن هذا الحديث الناسخ وهو حديث عائشة فيه
أنه عَ لَّه كان إماماً وأبو بكر مأموماً؟ وقد ورد فيه العكس كما أخرجه الترمذي والنسائي عن نعيم
بن أبي هند عن أبي وائل عن مسروق ((عن عائشة قالت؛ صلى رسول الله عَّ له في مرضه الذي
توفي فيه خلف أبي بكر قاعداً). وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وأخرجه النسائي أيضاً
عن حميد عن أنس قال: ((آخر صلاة صلاها رسول الله عَّم مع القوم، صلى في ثوب واحد
متوشحاً خلف أبي بكر رضي الله تعالى عنه)). قلت: مثل هذا ما يعارض ما وقع في الصحيح،
مع أن العلماء جمعوا بينهما، فقال البيهقي في (المعرفة): ولا تعارض بين الحديثين، فإن
الصلاة التي كان فيها النبي عَّه، إماماً هي صلاة الظهر يوم السبت أو الأحد والتي كان فيها
مأموماً هي صلاة الصبح من يوم الإثنين، وهي آخر صلاة صلاها رسول الله عَّةٍ، حتى خرج
من الدنيا. قال: هذا لا يخالف ما ثبت عن الزهري عن أنس في صلاتهم يوم الإثنين، وكشفه
عَِّ الستر ثم إرخائه، فإن ذلك إنما كان في الركعة الأولى، ثم إنه عَّم وجد في نفسه خفة
فخرج فأدرك معه الركعة الثانية. وقال القاضي عياض: نسخ إمامة القاعد بقوله عَّ له: ((لا يؤمَّنَّ
أحد بعدي جالساً)). وبفعل الخلفاء بعده، وإنه لم يؤم أحد منهم قاعداً. وإن كان النسخ لا
يمكن بعد النبي عَّهِ فمثابرتهم على ذلك تشهد بصحة نهيه عَّ لهم عن إمامة القاعد بعده.
قلت: هذا الحديث أخرجه الدارقطني ثم البيهقي في (سننيهما) عن جابر الجعفي عن الشعبي.
وقال الدارقطيني: لم يروه عن الشعبي غير جابر الجعفي وهو متروك، والحديث مرسل لا تقوم
به حجة. وقال عبد الحق في (أحكامه): ورواه عن الجعفي مجالد وهو أيضاً ضعيف.
الثاني: أنه كان مخصوصاً بالنبي عَّ لّه وفيه نظر، لأن الأصل عدم التخصيص حتى
يدل عليه دليل كما عرف في الأصول.
الثالث: يحمل قوله: ((فإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً)) على أنه إذا كان الإمام في
حالة الجلوس فاجلسوا ولا تخالفوه بالقيام، وإذا صلى قائماً فصلوا قياماً: يعني إذا كان في
حالة القيام فقوموا ولا تخالفوه بالقعود، وكذلك في قوله: ((فإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد
فاسجدوا)). ولقائل أن يقول: لا يقوى الاحتجاج على أحمد بحديث عائشة المذكور أنه عليه
الصلاة والسلام، صلى جالساً والناس خلفه قيام، بل ولا يصلح لأنه يجوز صلاة القائم خلف
من شرع في صلاته قائماً. ثم قعد لعذر، ويجعلون هذا منه، سيما وقد ورد في بعض طرق
الحديث أن النبي عَّ أخذ في القراءة من حيث انتهى إليه أبو بكر رضي الله تعالى عنه،
رواه الدارقطني في (سننه) وأحمد في (مسنده). فإن قلت: قال ابن القطان في كتابه (الوهم
والإيهام): وهي رواية مرسلة، فإنها ليست من رواية ابن عباس عن النبي عَّه وإنما رواها ابن
عباس عن أبيه العباس عن النبي عَّهِ، كذا رواه البزار في (مسنده) بسند فيه قيس بن الربيع
وهو ضعيف، ثم ذكر له مثالب في دينه. قال: وكان ابن عباس كثيراً ما يرسل. قلت: رواه
ابن ماجة من غير طريق قيس، فقال: حدّثنا علي بن محمد، حدّثنا وكيع عن إسرائيل عن أبي

١٥٩
٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٩)
إسحاق عن الأرقم بن شرحبيل عن ابن عباس: ((لما مرض رسول الله عَّهِ ... )) فذكره إلى أن
قال: ((قال ابن عباس: وأخذ رسول الله عَ ليه في القراءة من حيث كان بلغ أبو بكر رضي الله
عنه)). وقال الخطابي: وذكر أبو داود هذا الحديث من رواية جابر وأبي هريرة وعائشة، ولم
يذكر صلاة رسول الله عَّلِ آخر ما صلاها بالناس وهو قاعد والناس خلفه قيام، وهذا آخر
الأمرين من فعله عَّه، ومن عادة أبي داود فيما أنشأه من أبواب هذا الكتاب أن يذكر
الحديث في بابه، ويذكر الذي يعارضه في باب آخر على إثره، ولم أجده في شيء من
النسخ فلست أدري كيف غفل عن ذكر هذه القصة وهي من أمهات السنن، وإليه ذهب أكثر
الفقهاء. قلت: إما تركها سهواً أو غفلة أو كان رأيه في هذا الحكم مثل ما ذهب إليه الإمام
أحمد، فلذلك لم يذكر ما ينقضه. والله تعالى أعلم.
ومنها: أن في قوله: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)) دليلاً على وجوب المتابعة للإمام في
الأفعال حتى فى الموقف والنية. وقال الشافعي وطائفة: لا يضر اختلاف النية، وجعل
الحديث مخصوصاً بالأفعال الظاهرة. وقال أبو حنيفة ومالك: يضر اختلافهما، وجعلا
اختلاف النيات داخلاً تحت الحصر في الحديث. وقال مالك: لا يضر الاختلاف بالهيئة
بالتقدم في الموقف، وجعل الحديث عاماً فيما عدا ذلك.
ومنها: أن أبا حنيفة احتج بقوله: ((فكبروا)) على أن المقتدي يكبر مقارناً لتكبير الإمام
لا يتقدم الإمام ولا يتأخر عنه، لأن: الفاء، للحال. وقال أبو يوسف ومحمد: الأفضل أن يكبر
بعد فراغ الإمام من التكبير، لأن الفاء للتعقيب وإن كبر مع الإمام أجزأه عند محمد رواية
واحدة، وقد أساء. وكذلك في أصح الروايتين عن أبي يوسف، وفي رواية: لا يصير شارعاً،
ثم ينبغي أن يكون اقترانهما في التكبير على قوله كاقتران حركة الخاتم والإصبع، والبعدية
على قولهما؛ أن يوصل ألف: الله، براء: أكبر، وقال شيخ الإسلام خواهر زاده: قول أبي حنيفة
أدق وأجود، وقولهما أرفق وأحوط، وقول الشافعي كقولهما. وقال الماوردي، في تكبيرة
الإحرام قبل فراغ الإمام منها: لم تنعقد صلاته ولو ركع بعد شروع الإِمام في الركوع، فإن
قارنه أو سابقه فقد أساء ولا تبطل صلاته، فإن سلم قبل إمامه بطلت صلاته إلاّ أن ينوي
المفارقة ففيه خلاف مشهور.
ومنها: أن الفاء في قوله: ((فاركعوا)) وفي قوله: ((فاسجدوا)) تدل على التعقيب وتدل
على أن المقتدي لا يجوز له أن يسبق الإمام بالركوع والسجود حتى إذا سبقه فيهما ولم
يلحقه الإمام فسدت صلاته.
ومنها: أن فيه استحباب العبادة عند حصول الخدشة ونحوها.
ومنها: أن فيه جواز الصلاة جالساً عند العجز. والله أعلم.
١٩ - بابٌ إذَا أصابَ ثَوْبُ المصَلِّي امْرَأَتَهُ إذَا سَجَدَ
أي: هذا باب يذكر فيه إذا أصاب ثوب المصلي امرأته وهو في حالة السجود، هل

١٦٠
٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٩)
تفسد صلاته أم لا؟ وظاهر حديث الباب يدل على صحة الصلاة، وكانت عادة البخاري أن
يأتي بمثل هذه العبارة في التراجم إذا كان في الحكم اختلاف، وهذا الحكم ليس فيه
اختلاف. فإن قلت: روي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، أنه كان يؤتى بتراب
فيوضع على الخمرة فيسجد عليه. قلت: كان هذا منه على تقدير الصحة للمبالغة في
التواضع والخشوع، لا على أنه كان لا يرى الصلاة على الخمرة، وكيف هذا وقد صلى
عَّ عليها وهو أكثر تواضعاً وأشد خضوعاً؟ فإن قلت: روى ابن أبي شيبة عن عروة أنه كان
يكره على كل شيء دون الأرض. قلت: لا حجة لأحد في خلاف ما فعله النبي عَ له،
ويمكن أن يقال: إن مراده من الكراهة التنزيه، و کذا قال في کل من روي عنه مثله.
٣٧٩/٤٥ - حدثنا مُسَدَّدٌ عن خالِدٍ قالَ حدّثنا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ
شَدَّادٍ عَنْ مَيْمُونَةَ قالتْ كانَ رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ يُصَلِّي وَأَنَا حِذَاءَهُ وَأَنَا حائِضٌ وَرُّما أصابَنِي ثَوْيُهُ
إِذَا سَجَدَ قالتْ وكان يُصَلِّي عَلى الخُمْرَةِ. [انظر الحديث ٣٣٣ وأطرافه].
مطابقته للترجمة ظاهرة ذكر رجاله: وهم خمسة تقدم ذكرهم، وخالد هو ابن عبد الله
الواسطي الطحان أبو الهيثم، وسليمان هو أبو إسحاق التابعي، وعبد الله بن شداد بن الهاد،
وميمونة بنت الحارث أم المؤمنين.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة
مواضع. وفيه: أن رواته ما بين بصري وواسطي وكوفي ومدني. وفيه: رواية التابعي عن
التابعي عن الصحابية.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الطهارة عن الحسن
ابن مدرك، وفي الصلاة أيضاً عن عمرو بن زرارة وعن أبي النعمان. وأخرجه مسلم في الصلاة
عن يحيى بن يحيى، وعن أبي بكر بن أبي شيبة. وأخرجه أبو داود فيه عن عمرو بن عون.
وأخرجه ابن ماجة فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة به.
ذكر معناه وإعرابه. قوله: ((يصلي)) جملة في محل النصب على أنها خبر: كان.
قوله: ((وأنا حذاءه))، جملة إسمية وقعت حالاً أي: والحال أنا بإزائه ومحاذيه، والحذاء
والحذوة والحذة كلها بمعنى. قال الكرماني: حذاءه، نصب على الظرفية، ويروى: حذائه،
بالرفع. قلت: الصحيح الرفع على الخبرية. قوله: ((وأنا حائض)) أيضاً جملة إسمية وقعت حالاً
إما من الأحوال المترادفة أو من الأحوال المتداخلة الأولى: بالواو والضمير، والثانية: بالواو
فقط. قوله: ((وربما)) كلمة ربما تحتمل التقليل حقيقة والتكثير مجازاً. قوله: ((على الخمرة))،
بضم الخاء المعجمة وسكون الميم: سجادة صغيرة تعمل من سعف النخل وترمل بالخيوط.
قيل: سميت خمرة لأنها تستر وجه المصلي عن الأرض. ومنه سمي الخمار الذي يستر
الرأس. وقال ابن بطال: الخمرة مصلى صغير ينسج من السعف، فإن كان كبيراً قدر طول
الرجل أو أكثر فإنه يقال له حينئذٍ: حصير، ولا يقال له خمرة، وجمعها: خمر. وفي حديث