Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٦) ذكر لطائف إسناده. وفيه: التحديث بصيغة الإفراد في موضع، وبصيغة الجمع في موضع. وفيه: العنعنة في موضع. وفيه: السؤال. وفيه: أن رواته ما بين حمصي ومدني. ذكر من أخرجه غيره: هذا الحديث من أفراد البخاري، من طريق سعيد بن الحارث. وأخرجه مسلم من حديث عبادة عن جابر مطولاً، وفيه: ((إذا كان واسعاً فخالف بين طرفيه، وإن كان ضيقاً فاشدده على حقوك)). وأخرجه أبو داود كذلك. قوله: ((على حقوك)) بفتح الحاء المهملة وكسرها: الإزار، والأصل فيه معقد الإزار، ثم سمي به الإزار للمجاورة وجمعه: أحق وأحقاء. ذكر معناه وإعرابه: قوله: ((في بعض أسفاره)) عينه مسلم في روايته: ((غزوة بواط))، بضم الباء الموحدة وتخفيف الواو وبعد الألف طاء مهملة. قال الصغاني: بواط جبال جهينة من ناحية ذي خشب، وبين بواط والمدينة ثلاثة برد أو أكثر. وقال ابن إسحاق: جميع ما غزا رسول الله عَ ليه بنفسه الكريمة سبع وعشرون غزوة. ودان: وهي غزوة الأبواء، وغزوة بواط من ناحية رضوى، ثم عد الجميع. قوله: ((فجئت)) أي: إلى رسول الله عَّله. قوله: ((لبعض أمري)) أي: لأجل بعض حوائجي والأمر هو واحد الأمور لا واحد الأوامر. قوله: ((يصلي)) في محل النصب على أنه مفعول ثان: لوجدت. قوله: ((وعلى ثوب واحد)) جملة إسمية في محل النصب على الحال. قوله: ((وصليت إلى جانبه)) كلمة إلى في الأصل للانتهاء، فالمعنى صليت منتهياً إلى جانبه، ويجوز أن تكون بمعنى: في، لأن حروف الجر يقوم بعضها مقام بعض، ويجوز أن يقال: فيه تضمين معنى الانضمام أي: صليت منضماً إلى جانبه. قوله: ((فلما انصرف)) أي: من الصلاة واستقبال القبلة. قوله: ((فقال: ما السري؟)) بضم السين مقصوراً. وهو: السير بالليل، وهو استفهام عن سبب سراه بالليل، والسؤال ليس عن نفس السري بل عن سببه. قوله: ((ما هذا الاشتمال؟)) كأنه استفهام إنكار، وسبب الإنكار أن الثوب كان ضيقاً، وأنه خالف بين طرفيه وتواقص، أي: انحني عليه حتى لا يسقط، فكأنه عند المخالفة بين طرفي الثوب لم يصر ساتراً إذا انحنى ليستتر، فأعلمه، عليه الصلاة والسلام، بأن محل ذلك فيما إذا كان الثوب واسعاً، وأما إذا كان ضيقاً فإنه يجزيه أن يتزر به، لأن المقصود هو ستر العورة، وهو يحصل بالاتزار، ولا يحتاج إلى الانحناء المغاير للاعتدال المأمور به. قوله: ((كان ثوباً)) أي: كان المشتمل به ثوباً، فيكون انتصاب: ثوباً، على أنه خبر: كان. وفي رواية أبي ذر وكريمة: ((كان ثوب))، بالرفع وجهه أن تكون: كان، تامة فلا تحتاج إلى الخبر. وفي رواية الإسماعيلي: ((كان ثوباً ضيقاً). قوله: ((فاتزر به)) أمر. وقال الكرماني: بإدغام الهمزة المقلوبة تاء في التاء، وقول التصريفيين: اتزر، خطأ هو الخطأ، قلت: تحقيق هذه المادة أن أصل الفعل: أزر، على ثلاثة أحرف، فلما نقل إلى باب الافتعال صار: إنتزر، على وزن: افتعل، بهمزتين. أولاهما: مكسورة وهي همزة الافتعال، والأخرى: ساكنة وهي همزة الفعل، ثم يجوز فيه الوجهان. أحدهما: أن تقلب الهمزة ياء آخر الحروف، فيقال: ايتزر، والآخر: أن تقلب تاء مثناة من ١٠٢ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٦) فوق وتدغم التاء في التاء، وهو معنى قول الكرماني بإدغام الهمزة المقلوبة تاء في التاء، ولفظ الحديث على الوجه الأول. ذكر استنباط الحكم منه: قال الخطابي: الاشتمال الذي أنكره النبي عَّ له هو اشتمال الصماء، وهو أن يجلل نفسه بثوبه ولا يرفع شيئاً من جوانبه ولا يمكنه إخراج يديه إلاّ من أسفله، فيخاف أن تبدو عورته عند ذلك، وقال ابن بطال: حديث جابر هذا تفسير حديث أبي هريرة الذي في الباب المتقدم، وهو: ((لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء»، في أنه أراد الثوب الواسع الذي يمكن أن يشتمله، وأما إذا كان ضيقاً فلم يمكنه أن يشتمل به فليتزر به. وقال الكرماني: فإن قيل: الحديث السابق فيه نهي عن الصلاة في الثوب الواحد متزراً به، وظاهره يعارض: ((وإن كان ضيقاً فاتزر به))، وأجاب الطحاوي بأن النهي عنه للواجد لغيره، وأما من لم يجد غيره فلا بأس بالصلاة فيه، كما لا بأس بالصلاة في الثوب الضيق متزراً. ومما يستنبط منه جواز طلب الحوائج بالليل من السلطان لخلاء موضعه، وجواز مجيء الرجل إلى غيره بالليل لحاجته. ومن ذلك أن الثوب إذا كان واسعاً يخالف بين طرفيه، وإن كان ضيقاً يتزر به. ٣٦٢/٢٨ - حدّثِنا مُسَدَّدٌ قالَ حدّثنا يحيى عنْ سُفْيَانَ قالَ حدّثني أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ قالَ كَانَ رِجَالٌ يُصُلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ عَ لَّه عَاقِدي أَزْرِهِمْ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ كَهَيئَةِ الصِّبْيَانِ. [الحديث ٣٦٢ - طرفاه في: ٨١٤، ١٢١٥]. ذكر البخاري هذا الحديث في أول باب عقد الإزار على القفا معلقاً حيث قال: وقال أبو حازم عن سهل: ((صلوا مع النبي عَُّلِّ عاقدي أزرهم على عواتقهم)). وأخرجه ههنا مسنداً عن مسدد بن مسرهد عن يحيى القطان عن سفيان الثوري عن أبي حازم، بالحاء المهملة: سلمة بن دينار عن سهل بن سعد الساعدي، رضي الله تعالى عنه، إلى آخره، وأخرجه أيضاً عن محمد بن كثير. وأخرجه مسلم في الصلاة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع به. وأخرجه أبو داود فيه عن محمد بن سليمان الأنباري عن وكيع به. وأخرجه النسائي فيه عن عبيد الله بن سعيد عن يحيى به، ولفظ أبي داود: عن سهل بن سعد، قال: ((رأيت الرجال عاقدي أزرهم في أعناقهم من ضيق الأزر خلف رسول الله عَ لَّه في الصلاة كأمثال الصبيان، فقال قائل: يا معشر النساء لا ترفعن رؤوسكن حتى يرفع الرجال)). ذكر معناه وإعرابه قوله: ((عن سفيان)) قد ذكرنا أنه الثوري، وقال الكرماني: يحتمل أن يكون سفيان بن عيينة لأنهما يرويان عن أبي حازم. قلت: نص المزي في (الأطراف) أنه سفيان الثوري. قوله: ((كان رجال)) قال الكرماني: التنكير فيه للتنويع أو للتبعيض، أي: بعض الرجال، ولو عرفه لأفاد الاستغراق، وهو خلاف المقصود، وتبعه بعضهم في شرحه فقال: التنكير فيه للتنويع، وهو يقتضي أن بعضهم كان بخلاف ذلك وهو كذلك. قلت: ما في رواية أبي داود المذكورة يرد ما ذكراه، لأن في روايته: رأيت الرجال، بالتعريف. قوله: ١٠٣ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٧) ((يصلون)) خبر: كان قوله: ((عاقدي أزرهم)) أصله: عاقدين أزرهم، فلما أضيف سقطت النون، وهي حال. ويجوز أن يكون انتصابه على أنه خبر: كان، ويكن. قوله: ((يصلون)) في محل النصب على الحال. قوله: ((كهيئة الصبيان))، وفي رواية أبي دادو: ((كأمثال الصبيان))، كما ذكرنا. والمعنى قريب. ومما يستنبط منه أن الثوب إذا كان يمكن الالتحاق به كان أولى من الاتزار به، لأنه أبلغ في الستر. وَيُقالُ لِلنِّسَاءِ لاَ تَرْفَعْنَ رُؤُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرَّجَالُ مُجُلُوساً. قال الكرماني: أي: قال رسول الله عَّله، وفي رواية أبي داود ((فقال قائل: يا معشر النساء))، كما ذكرناه الآن، وهذا القائل أعم من أن يكون النبي عَّ أو غيره، ويؤيده رواية الكشميهني: ((ويقال للنساء)). وفي رواية النسائي: ((فقيل للنساء))، وروى أبو داود ثم البيهقي من حديث أسماء بنت أبي بكر: ((سمعت رسول الله عٍَّ يقول: من كان منكن تؤمن بالله واليوم الآخر فلا ترفع رأسها حتى يرفع الرجال رؤوسهم كراهية أن ترين عورات الرجال)). وهذا فيه التصريح بأن القائل رسول الله عَّله. قوله: ((لا ترفعن)) أي: من السجود. قوله: (جلوساً) إما جمع: جالس، كالركوع جمع. راكع، وإما مصدر بمعنى: جالسين، وعلى كل حال انتصابه على الحال. وإنما نهى عن رفع رؤوسهن قبل جلوس الرجال خشية أن يلمحن شيئاً من عورات الرجال عند الرفع منه. ٧ - بابُ الصَّلاَةِ فِي الْجُبَّةِ الشَّامِيَّةِ أي: هذا باب في بيان حكم الصلاة في الجبة الشامية، والجبة، بضم الجيم وتشديد الباء الموحدة. هي التي تلبس، وجمعها جباب، والشامية. نسبة إلى الشام، وهو الإقليم المعروف دار الأنبياء عليهم السلام. ويجوز فيه الألف والهمزة الساكنة، والمراد بالجبة الشامية هي: التي تنسجها الكفار، وإنما ذكره بلفظ الشامية مراعاة للفظ الحديث. وكان هذا في غزوة تبوك، والشام إذ ذاك كانت بلاد كفر، ولم تفتح بعد، وإنما أولنا بهذا لأن الباب معقود لجواز الصلاة في الثياب التي تنسجها الكفار ما لم تتحقق نجاستها. وقالَ الحَسَنُ في النِّيَّابِ يَنْسُجُهَا المُجُوسُ لَمْ يَرَ بِهَا بَأَساً. الحسن: هو البصري، ووصله نعيم بن حماد، وعن معتمر عن هشام عنه. ولفظه: ((لا بأس بالصلاة في الثوب الذي ينسجه المجوس قبل أن يغسل)). وروى أبو نعيم الفضل بن دكين في كتاب (الصلاة) تأليفه: عن الربيع، ((عن الحسن: لا بأس بالصلاة في رداء اليهودي والنصراني)). قوله: ((المجوس)) جمع المجوسي، وهو معرفة سواء كان محلى بالألف واللام أم لا، والأكثر على أنه يجري مجرى القبيلة لا مجرى الحي في باب الصرف، وفي بعض النسخ: ينسجها المجوسي، بالياء، والجملة صفة للثياب، والمسافة بين النكرة والمعرفة بلام ١٠٤ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٧) الجنس قصيرة، فلذلك وصفت المعرفة بالنكرة. كما وصف اللئيم بقوله: يسبني في قول الشاعر: ولقد أمر على اللئيم يسبني وفي بعض النسخ: ((في ثياب ينسجها المجوس)) بتنكير الثياب، وعلى هذه النسخة لا يحتاج إلى ما ذكرنا، وينسج من باب: ضرب يضرب، ومن باب: نصر ينصر، وقال ابن التين: قرأناه بكسر السين. قوله: ((لم ير))، على صيغة المعلوم أي: لم ير الحسن. وقال الكرماني: ((لم ير)) بلفظ المجهول، أي: القوم، فعلى الأول يكون من باب التجريد، كأنه جرد عن نفسه شخصاً فأسند إليه. وقَالَ مَعْمَرٌ رَأَيْتُ الزُّهْرِيَّ يَلْبَسُ مِن ثِيَّابِ الْيَمَنِ ما صُبِغَ بِالبَوْلِ. معمر، بفتح الميم: هو ابن الراشد، والزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب، ووصله عبد الرزاق في (مصنفه) عنه. قوله: ((بالبول)) إن كان المراد منه جنس البول فهو محمول على أنه كان يغسله قبل لبسه، وإن كان المراد منه البول المعهود، وهو بول ما يؤكل لحمه فهو طاهر عند الزهري. وَصَلَّى عَلِيٌّ فِي ثَوْبٍ غَيْرَ مَقْصُورٍ. علي: هو ابن أبي طالب، وأراد: بغير مقصور الخام. والمراد أنه كان جديداً لم يغسل. وقال ابن التين: غير مقصور، أي: غير مدقوق. يقال: قصرت الثوب إذا دققته، ومنه القصار. قلت: القصر ليس مجرد الدق، والدق لا يكون إلاَّ بعد الغسل الذي يبالغ فيه. وقال الداودي: أي لم يلبس بعد، وروى ابن سعد من طريق عطاء بن محمد. قال: ((رأيت علياً رضي الله تعالى عنه، صلى وعليه قميص كرابيس غير مغسول)). وعلم من هذه الآثار الثلاثة جواز لبس الثياب التي ينسجها الكفار، وجواز لبس الثياب التي تصبغ بالبول بعد الغسل، وجواز لبس الثياب الخام قبل الغسل. وقال ابن بطال: اختلفوا في الصلاة في ثياب الكفار، فأجاز الشافعي والكوفيون لباسها، وإن لم تغسل حتى تتبين فيها النجاسة. وقال مالك: يستحب أن لا يصلي على الثياب إلا من حر أو برد أو نجاسة بالموضع، وقال مالك أيضاً: تكره الصلاة في الثياب التي ينسجها المشركون، وفيما لبسوه، فإن فعل يعيد فى الوقت. وقال إسحاق جميع ثيابهم طاهرة. فإن قلت: ما مناسبة أثر الزهري وعلي للترجمة؟ قلت: لما ذكر أثر الحسن المطابق للترجمة ذكر الأثرين الآخرين استطراداً. ٣٦٣/٢٩ - حدّثنا يَحْيِى قالَ حدّثنا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِم عَنْ مَسْرُوقٍ عِنْ مُغِيَرَةَ ابنِ شُعْبَةَ قالَ كُنْتُ مَعَ النبيِّ عَُّلَّهِ فِي سَفَرٍ فَقَالَ يَا مُغِيرَةُ خُذِ الإِدَاوَةَ فَأَخَذْتُها فَانْطَلَقَ رسولُ اللهِ عَّالِ حَتى تَوَارَى عَنِّي فَقَضَى حاجَتَهُ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ فَذَهَبَ لِيُخْرِجَ يَدَهُ مِنْ كُمِّهَا فَضَاقَتْ فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ أَسْفِلِهَا فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ فَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ وَمَسَحَ عَلَى ١٠٥ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٧) خُقَّيْهِ ثُمَّ صَلَّى. [انظر الحديث ١٢ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة. ذكر رجاله: وهم ستة. الأول: يحيى بن موسى أبو زكريا البلخي، يعرف بخت، بفتح الخاء المعجمة وتشديد التاء المثناة من فوق. وقال الغساني في (التقييد): قال البخاري في باب الصلاة في الجبة الشامية وفي الجنائز وفي تفسير سورة الدخان: حدّثنا يحيى حدّثنا أبو معاوية، فنسب ابن السكن الذي في الجنائز بأنه يحيى بن موسى البلخي، وأهمل الموضعين الآخرين، ولم أجدهما منسوبين لأحد من شيوخنا. وقال الكرماني: وأنا وجدته في بعض النسخ منسوباً إلى جعفر ابن أبي زكريا البخاري البيكندي، ويحتمل أن يكن يحيى بن معين: لأنه روى عن أبي معاوية، والبخاري يروي عنه. الثاني: أبو معاوية محمد بن خازم، بالمعجمتين. الثالث: سليمان بن مهران الأعمش. الرابع: مسلم بن صبيح، بضم الصاد: أبو الضحى العطار، وتردد الكرماني في هذا، فقال: مسلم بن عمران البطين، بفتح الباء الموحدة، أو مسلم بن صبيح، وكذا تردد في أبي معاوية. وقال محمد بن خازم: ويحتمل أن يراد به أبو معاوية شيبان النحوي، ثم قال: وأمثال هذه الترددات لا تقدح في صحة الحديث ولا في إسناده، لأن أياً كان منهم فهو عدل ضابط بشرط البخاري، بدليل أنه قد روى في (الجامع) عن كل منهم. وقال بعضهم: لم يرو يحيى عن شيبان. قلت: هذا نفي لا يعارض الإثبات. الخامس: مسروق بن الأجدع الهمداني، سمي به لأنه سرق في صغره. السادس: المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه. 1 ۔ ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: أن رواته ما بين بلخي وكوفي. تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الجهاد عن موسى بن إسماعيل، وفي اللباس عن قيس بن حفص، كلاهما عن عبد الواحد بن زياد، وعن إسحاق ابن نصر عن أبي أسامة مختصراً. وأخرجه مسلم في الطهارة عن أبي بكر وأبي كريب، كلاهما عن أبي معاوية. وعن إسحاق بن إبراهيم وعلي بن خشرم، كلاهما عن عيسى بن يونس أربعتهم عن الأعمش عن أبي الضحى مسلم بن صبيح عنه به. وأخرجه النسائي فيه عن علي بن خشرم به، وفي الزينة عن أحمد بن حرب عن أبي معاوية نحوه. وأخرجه ابن ماجه في الطهارة عن هشام بن عمار عن عيسى به. ذكر معناه. قوله: ((الإداوة)) بكسر الهمزة: المطهرة. قوله: ((حتى توارى)) أي: غاب وخفي. قوله: ((فضاقت))، أي: الجبة. وفيه جواز أمر الرئيس غيره بالخدمة، والتستر عن أعين الناس عند قضاء الحاجة، والإعانة على الوضوء، والمسح على الخف. وقد مر الكلام فيه مستوفىّ في باب المسح على الخفين. ١٠٦ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٨) ٨ - بابُ كرَّاهِيَةِ التعرِّي في الصَّلاَةِ وَغَيْرِها وفي رواية الكشميهني والحموي: باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها، أي: هذا باب في بيان كراهة التعري في نفس الصلاة وغيرها أي: غير الصلاة. ٣٦٤/٣٠ - حدّثنا مَطَرُ بنُ الْفَضْلِ قالَ حدّثنا رَوْحٌ قَالَ حدّثنا زَكَرِيَّاءُ بنُ إِسْحَاقَ قَالَ حدّثنا عَمْرُو بنُ دِينارٍ قالَ سَمِعْتُ جابِرَ بَنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ أنَّ رسولَ اللَّهِ عَ لِّ كَانَ يَنْقُلُ مَعَهُمْ الْحِجَارَةَ لِلْكَعْبَةِ وَعَلَيْهِ إِزَارُهُ فقالَ لَهُ العَبَّاسُ عَمُّهُ يا ابنَ أَخِي لَوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ فَجَعَلْتَ عَلَى مَنْكِبَيْكَ دُونَ الْحِجَارَةِ قَالَ فَحَلَّهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ فَسَقَطَ مَغْشِيّاً عَلَيْهِ فَمَا رُؤِيَ بَعْدَ ذَلِكَ عُزياناً عَ ظله. [الحديث ٣٦٤ - طرفاه في: ١٥٨٢، ٣٨٢٩]. مطابقة هذا الحديث للترجمة من حيث عموم قوله: ((فما رؤي بعد ذلك عرياناً))، لأن ذلك يتناول ما بعد النبوة كما يتناول ما قبلها، ثم بعمومه يتناول حالة الصلاة وغيرها. ذكر رجاله وهم خمسة: الأول: مطر بن الفضل المروزي. الثاني: روح، بفتح الراء وسكون الواو: ابن عبادة التنيسي، مر في باب اتباع الجنائز من الإيمان. الثالث: زكريا بن إسحاق المكي. الرابع: عمرو بن دينار الجمحي، تقدم في باب كتاب العلم. الخامس: جابر بن عبد الله. ذكر لطائف إسناده. فيه: التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع. وفيه: السماع. وفيه: التحديث بصيغة الإفراد والمضارع. وفيه: أن رواته ما بين تنيسي ومروزي ومكي، وهذا الحديث من مراسيل الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، فإن جابراً لم يحضر القضية. وهي حجة، خلافاً لطائفة قد شذوا فيه، ففي نفس الأمر لا يخلو إما أن يكون سمع ذلك من رسول الله عَ ليه بعد ذلك، أو من بعض من حضر ذلك من الصحابة، والأقرب أنه سمعه من العباس، لأنه حدث به عنه أيضاً، وسياقه أتم. أخرجه الطبراني، وفيه؛ ((فقام وأخذ إزاره، وقال: نهيت أن أمشي عرياناً)). ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره. أخرجه البخاري أيضاً في بنيان الكعبة. وأخرجه مسلم في الطهارة عن زهير بن حرب عن روح بن عبادة عنه به. ذكر معناه: قوله: ((كان ينقل معهم)) أي: مع قريش. قوله: ((للكعبة)) أي: لبناء الكعبة. وقال الزهري: لما بنت قريش الكعبة لم يبلغ النبي عليه الصلاة والسلام، الحلم. وقال ابن بطال وابن التين: كان عمره خمس عشرة سنة. وقال هشام: بين بناء الكعبة والمبعث خمس سنين. وقيل: إن بناء الكعبة كان في سنة ست وثلاثين من مولده عَ لّه، وذكر البيهقي بناءا الكعبة قبل تزوجه عَّلّ خديجة رضي الله تعالى عنها، والمشهور أن بناء قريش الكعبة بعد تزوج خديجة بعشر سنين، فيكون عمره معَّلل إذ ذاك خمسة وثلاثين سنة. وهو الذي نص عليه محمد بن إسحاق، وقال موسى بن عقبة: كان بناء الكعبة قبل المبعث بخمس عشرة سنة، وهكذا قاله مجاهد وغيره، وفي (سيرة ابن إسحاق) أنه عٍَّ إن يحدث عما كان الله . . ١٠٧ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٨) يحفظه في صغره أنه قال: ((لقد رأيتني في غلمان قريش بنقل الحجارة لبعض ما تلعب به الغلمان، كلنا قد تعرى وأخذ إزاره وجعل على رقبته يحمل عليها الحجارة، فإني لأقبل معهم كذلك وأدبر إذ لكمني لا كم، ما أراه إلاَّ لكمة وجيعة، ثم قال شد عليك إزارك. فأخذته فشددته علي ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي وإزاري علي من بين أصحابي)). وقال السهيلي: وحديث ابن إسحاق هذا إن صح فهو محمول على أن هذا الأمر كان مرتين، في حال صغره. وعند بنيان الكعبة. قوله: ((وعليه إزار)) ويروى: ((عليه إزاره)، بالضمير، وهذه الجملة حال بالواو، وفي بعض النسخ بلا واو. قوله: ((عمه)) مرفوع لأنه عطف بيان. قوله: ((لو حللت))، جواب: لو، محذوف إن كانت شرطية، وتقدير: لو حللت إزارك لكان أسهل عليك، ويجوز أن تكون: لو، للتمني فلا تحتاج إلى جواب حينئذٍ. قوله: ((فجعلت)) أي الإزار، وفي رواية الكشميهني: ((فجعلته))، بالضمير. وجاء في رواية غير (الصحيحين): ((إن الملك نزل عليه فشد إزاره)). قوله: ((قال: فحله))، يحتمل أن يكون مقول جابر أو مقول من حدثه. قوله: ((فسقط)) أي: رسول الله عَ لَّه مغشياً عليه، أي مغمى عليه، وذلك لانكشاف عورته. قوله: ((فما رؤي))، بضم الراء بعدها همزة مكسورة ويجوز كسر الراء بعدها ياء آخر الحروف ساكنة ثم همزة مفتوحة. وفي رواية الإسماعيلي: ((فلم يتعرَّ بعد ذلك))، قوله: ((عرياناً)) نصب على أنه مفعول ثان الرؤي. ذكر ما فيه من الفوائد منها: أن النبي عَِّ كان في صغره محميماً عن القبائح، وأخلاق الجاهلية، منزهاً عن الرذائل والمعايب قبل النبوة وبعدها. ومنها: أنه كان عَِّ جبله الله تعالى على أحسن الأخلاق والحياء الكامل حتى كان أشد حياء من العذراء في خدرها، فلذلك غشي عليه، وما رؤي بعد ذلك عرياناً. ومنها: أنه لا يجوز التعري للمرء بحيث تبدو عورته لعين الناظر إليها، والمشي عرياناً بحيث لا يأمن أعين الآدميين إلاَّ ما رخص فيه من رؤية الحلائل لأزواجهن عراة. قالوا: وقد دل حديث العباس المذكور أنه لا يجوز التعري في الخلوة، ولا لأعين الناس. وقيل: إنما مخرج القول منه للحال التي كان عليها، فحيث كانت قريش رجالها ونساؤها تنقل معه الحجارة، فقال: نهيت أن أمشي عرياناً في مثل هذه الحالة، لو كان ذلك نهياً عن التعري في كل مكان لكان قد نهاه عنه في غسل الجنابة في الموضع الذي قد أمن أن يراه فيه أحد، ولكنه نهاه عن التعري بحيث يراه فيه أحد، والقعود بحيث يراه من لا يحل له أن يرى عورته في معنى المشي عرياناً، ولذلك نهى الشارع عن دخول الحمام بغير إزار فإن قلت: روى القاسم عن أبي أمامة مرفوعاً: ((لو أستطيع أن أواري عورتي من شعاري لواريتها)). وقال علي رضي الله تعالى عنه: ((إذا كشف الرجل عورته أعرض عنه الملك)). وقال أبو موسى الأشعري: ((إني لأغتسل في البيت المظلم فما أقيم صلبي حياء من ربي)). قلت: كل ذلك محمول على الاستحباب لاستعمال الستر، لا على الحرمة، وفي (التوضيح): إذا أوجبنا الستر في الخلوة فهل يجوز أن ينزل في ماء النهر والعين بغير مئزر؟ وجهان: أحدهما: لا، للنهي عنه، والثاني: نعم، لأن الماء يقوم مقام المئزر في ستر العورة، والله أعلم. ٦ ١٠٨ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٩) ٩ - باب الصَّلاَةِ فِي القَمِيصِ والسَّرَاوِيلِ والسُّبَّانِ والقَبَاءِ أي: هذا باب في بيان حكم الصلاة في القميص إلى آخره. القميص معروف، وجمعه: قمصان وأقمصة، وقمصه تقميصاً وتقمصة أي؛ لبسه: والسراويل أعجمي عرّب، نقل سيبويه عن يونس، وزعم ابن سيده أنه فارسي معرب يذكر ويؤنث، ولم يعرف الأصمعي فيها إلا التأنيث، والجمع سراويلات، وقال سيبويه: لا تكسر لأنه لو كسر لم يرجع إلاّ إلى لفظ الواحد فترك. ويقال. هو جمع سروالة. وقال أبو حاتم السجستاني: السراويل، مؤنث لا يذكرها أحد علمناه، وبعض العرب يظن السراويل جماعة، وسمعت من الأعراب من يقول: الشروال بالشين المعجمة. قلت: ولما استعملته العرب بدلوا الشين سيناً ثم جمعوه على سراويل، وقد يقال فيه: سراوين، بالنون موضع اللام، وفي (الجامع) للقزاز: سراويل وسروال وسرويل، ثلاث لغات. والتبان، بضم التاء المثناة من فوق وتشديد الباء الموحدة. قال في (المحكم): التبان يشبه السراويل يذكر. وفي (الصحاح): التبان سراويل صغير مقدار شبر يستر العورة المغلظة، فقد يكون للملاحين. قلت: وهو عند العجم من جلد بلا رجلين يلبسه المصارعون. والقبا، بفتح القاف والباء الموحدة المخففة. قال الكرماني: ممدود، وتبعه على ذلك بعضهم. قلت: لم يذكر غيره، بل الظاهر أنه مقصور. وفي كتاب الجواليقي: قال بعضهم: هو فارسي معرب، وقيل: عربي واشتقاقه من: القبو، وهو الضم والجمع وقال أبو علي: سمي قباء لتقبضه، وقبوت الشيء: جمعته، وقال أبو عبيد: هو اليلمق، فارسي معرب، والقردماني. وقال السرافي: قباء محشو، وقال في (الجامع): سمي قباء لأنه يضم لابسه. وفي (الصحاح): تقبيت إذا لبست قباء، وفي (المحكم): قبا الشيء قبواً جمعه بأصابعه، والقبوة انضمام ما بين الشفتين، والقباء من الثياب مشتق من ذلك لانضمام أطرافه، والجمع: أقبية، وفي (مجمع الغرائب) للفارسي، عن كعب: أول من لبس القباء سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام، فكان إذا أدخل رأسه في الثياب لنصت الشياطين، يعني: فصلت أنوفها. وزعم أبو موسى في (المغيث) بالسين: لنست. ٣٦٥/٣١ - حدّثنا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ قالَ حدّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ أَيُّوبَ عنْ مُحَمَّدٍ عِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قامَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ عَلَّهِ فَسَأَلَهُ عِنِ الصَّلاَةِ في الثَّوْبِ الوَاحِدِ فَقَالَ أَوَ كُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ ثُمَّ سأَلَ رَجُلٌ عُمَرَ فَقَالَ إِذَا وَسَّعَ اللَّهُ فَأَوْسِعُوا جَمَّعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثيابَهُ صَلَّى رَبُجُلٌ في إزَارٍ وَرِدَاءٍ في إِزَارٍ وَقَمِيصٍ في إزَارٍ وَقَباءٍ في سَراوِيلَ وَرِدَاءٍ في سَرَاوِيلَ وَقَمِيصٍ في سَرَاوِيلَ وَقَبَاءٍ فِي تُكَّانٍ وَقَمِيصٍ قَالَ وَأَحْسِبُهُ قَالَ فِي تُبَّانٍ وَرِداءٍ. [انظر الحديث ٣٥٨]. مطابقة هذا للترجمة ظاهرة لأنها في ذكر الصلاة في الأشياء الأربعة المذكورة، وصدرُ هذا الحديث، أعني المرفوع منه، قد تقدم الكلام فيه في آخر باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفاً به، لأنه رواه هناك عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن ١٠٩ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٩) المسيب عن أبي هريرة: ((أن سائلاً سأل رسول الله عَ لٍ عن الصلاة في ثوب واحد، فقال رسول الله عَّله: أو لكلكم ثوبان؟)). وههنا عن سليمان بن حرب الخ. وأيوب: هو السختياني، ومحمد هو ابن سيرين، وقد تقدموا غير مرة. قوله: ((أو لكلكم؟)) بهمزة الاستفهام وواو العطف، أي: لا يجد كل واحد ثوبين، فلهذا تصح الصلاة في الثوب الواحد. قوله: ((ثم سأل رجل عمر)) أي: سأل عن الصلاة في ثوب واحد، ولم يسم الرجل في الموضعين، وقال بعضهم: يحتمل أن يكون ابن مسعود، لأنه اختلف هو وأبي بن كعب رضي الله تعالى عنهما؛ في ذلك. فقال أبي: الصلاة في الثوب الواحد، يعني لا تكره. وقال ابن مسعود: إنما كان ذلك وفي الثياب قلة، فقال عمر: القول ما قال أبي، ولم يأل ابن مسعود أي: لم يقصر. قلت: اختلاف أبي وابن مسعود في ذلك لا يدل على أن السائل من عمر هو ابن مسعود بعينه، ويحتمل أن يكون أبي، والاحتمال موجود فيهما، مع أنه حدس وتخمين. وأما اختلافهما في ذلك فقد أخرجه عبد الرزاق عن ابن عيينة عن عمر وعن الحسن قال: اختلف أبي بن كعب وابن مسعود في الصلاة في ثوب واحد، فقال أبي: لا بأس به، وقال ابن مسعود: إنما كان ذلك إذ كان الناس لا يجدون ثياباً. فأما إذا وجدوها فالصلاة في ثوبين. فقام عمر على المنبر فقال: الصواب ما قال أبي لا ما قال ابن مسعود. قوله: ((فقال: إذا وسع الله)) أي: فقال عمر في جواب الرجل الذي سأله عن الصلاة في الثوب الواحد. قوله: ((جمع رجل عليه)) الخ من بقية قول عمر. وتتمة كلامه، والضمير في: عليه، يرجع إلى الرجل: أي جمع رجل على نفسه ثيابه، ولفظه: جمع، وإن كانت صيغة الماضي ولكن المراد منها الأمر، وكذلك قوله: ((صلى)). فلذلك قال ابن بطال: يريد ليجمع عليه ثيابه وليصل فيها، ذكره بلفظ الماضي ومراده المستقبل، كقوله تعالى: ﴿وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس﴾ [المائدة: ١١٦] والمعنى: يقول الله، يدل عليه قول عيسى عليه الصلاة والسلام: ﴿ما قلت لهم إلاّ ما أمرتني به﴾ [المائدة: ١١٧]. قوله: ((صلى رجل)). أي: ليصل رجل في إزار ورداء، وهذه تسع صور. الأولى: هذه، والفرق بين الإزار والرداء بحسب العرف، لأن الإزار للنصف الأسفل، والرداء للنصف الأعلى. الثانية: من الصور: هي قوله: ((في إزار وقميص)) أي: ليصل في إزار وقميص. الثالثة: قوله: ((في إزار وقباء))، أي: ليصل فيهما، وإنما قدم هذه الثلاة لأنها أستر وأكثر استعمالاً. الرابعة: قوله: ((في سراويل ورداء)) أي: ليصل فيهما. الخامسة: قوله: ((في سراويل وقميص)). السادسة: قوله: ((في سراويل وقباء)). السابعة: قوله: ((في تبان وقباء)). الثامنة: قوله: ((في تبان وقميص)). التاسعة: قوله: ((في تبان ورداء». ولم يقصد بذلك العدد الحصر، بل ألحق بذلك ما يقوم مقامه. فإن قلت: كان المناسب أن يقول: أو كذا أو كذا. بحرف العطف. فلم ترك حرف العطف؟ قلت: أخرج هذا على سبيل التعداد فلا حاجة إلى ذكر حرف العطف، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: ((تصدق امرؤ من ديناره من درهمه من صاع تمره)). ويجوز أن يقال: ١١٠ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٩) حذف حرف العطف على قول من يجوز ذلك من النحاة، والتقدير حينئذٍ: صلى رجل في إزار ورداء، أو في إزار وقميص، أو في إزار وقباء. إلى آخره كذلك، وقال الكرماني: هو من باب الإبدال. قلت: كأنه أشار بذلك إلى ما قاله ابن المنير: إنه كلام في معنى الشرط، كأنه قال: إن جمع رجل عليه ثيابه فحسن، ثم فصل الجمع بصور على البدلية. قوله: ((قال وأحسبه)) أي: قال أبو هريرة: وأحسب عمر قال: في ثياب ورداء. فإن قلت: كيف يدخل حرف العطف بين قوله ومقوله؟ قلت: هو عطف على مقدر تقديره: بقي شيء من الصور المذكورة، وأحسبه قال: في تبان ورداء. فإن قلت: كيف لم يجزم به أبو هريرة، بل ذكره بالحسبان؟ قلت: لإمكان أن عمر أهمل ذلك، لأن التبان لا يستر الغورة كلها بناءً على أن الفخذ من العورة، فالستر به حاصل مع القباء ومع القميص، وأما الرداء فقد لا يحصل. ورأى أبو هريرة أن انحصار القسمة يقتضي ذكر هذه الصور، وأن الستر قد يحصل بها إذا كان الرداء سابغاً. وقال ابن بطال: اللازم من الثياب في الصلاة ثوب واحد ساتر للعورة، وقول عمر رضي الله تعالى عنه؛ إذا وسع الله، يدل عليه، وجمع الثياب فيها اختيار واستحسان. ويقال: ذكر صوراً تسعاً: ثلاثة منها سابغة: الرداء ثم القميص ثم القباء، وثلاثة ناقصة: الإزار ثم السراويل ثم التبان، وأفضلها: الإزار ثم السراويل، ومنهم من عكس. واختلف أصحاب مالك فيمن صلى في سراويل وهو قادر على الثياب، ففي (المدونة): لا يعيد في الوقت ولا في غيره. وعن ابن القاسم مثله، وعن أشهب عليه الإعادة في الوقت، وعنه أن صلاته تامة إن كان ضيقاً. وأخرج أبو داود من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه، قال: ((نهى رسول الله عَّهِ، أن يصلي في لحاف ولا يوشح به)). والآخر: أن تصلي في سراويل ليس عليك رداء، وبظاهره أخذ بعض أصحابنا. وقال: تكره الصلاة في السراويل وحدها، والصحيح أنه إذا ستر عورته لا تكره الصلاة فيه. ٣٦٦/٣٢ - حدّثنا عاصِمُ بنُ عَلِيٍّ قالَ حدّثنا ابنُ أبِي ذِئْبٍ عنِ الزُّهْرِيِّ عنْ سَالِمٍ عنِ ابنِ عُمَرَ قالَ سَألَ رَجُلٌ رسولَ الله عَ لَّهِ فِقالَ ما يَلْبَسُ المُخرِمُ فقالَ لاَ يَلْبَسُ القَمِيصَْ ولاَ الشَّرَاويلَ ولا البُرنُسَ وَلاَ ثَوْباً مَسَّهُ الزَّغْفَرَانُ وَلا وَرْسٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَیْنِ فَلْیلْتَسِ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَينِ. [انظر الحديث ١٣٤ وأطرافه]. مطابقة هذا الحديث للترجمة من حيث جواز الصلاة بدون القميص والسراويل. وأخرج البخاري هذا الحديث في آخر العلم عن عاصم بن علي أيضاً. وأخرجه في العلم، وفي اللباس أيضاً عن آدم عنه به. وأخرجه أيضاً في الحج عن أحمد بن عبد الله بن يونس عنه به، وسيجيء البحث فيه في كتاب الحج مستوفىّ، إن شاء الله تعالى. وعاصم بن علي بن عاصم أبو الحسين الواسطي، مات سنة إحدى وعشرين ومائتين بواسط. وابن أبي ذئب هو: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب. والزهري هو: محمد بن مسلم. ١١١ ٨ - كتاب الصلاة / باب (١٠) قوله: ((فقال)) الفاء فيه تفسيرية إذ هو نفس: سأل. قوله: ((ولا ثوبا)) روي بالنصب والرفع، وتقدم بيان جوازه في آخر كتاب العلم. قوله: ((حتى يكونا)) بصورة التثنية، وفي رواية الحموي والمستملي: ((حتى يكون))، بالإفراد على تقدير كل واحد منهما. وَعَنْ نَافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ عنِ النبيِّ عَّ ◌ُلِ مِثْلَهُ. أي: روي عن نافع مولى ابن عمر عنه عن النبي عَّه مثل حديث سالم. وقال الكرماني: هذا تعليق من البخاري، ويحتمل أن يكون عطفاً على سالم، فيكون متصلاً. وشنع بعضهم عليه. وقال: التجويزات العقلية لا يجوز استعمالها في الأمور النقلية. قلت: هذا تشنيع غير موجه، لأن الكرماني إنما قال: هذا تعليق بالنظر إلى ظاهر الصورة، ولم يجزم بذلك، ولهذا قال: ويحتمل إلى آخره، ثم إنه قال: عطفا عل سالم، وقال بعضهم: وعن نافع، عطف على قوله: عن الزهري، قلت: قصده بذلك إظهار المخالفة بأي وجه يكون، وإلاَّ فلا فساد في المعنى، بل كلاهما بمعنى واحد. ورواية نافع هذه أخرجها البخاري في آخر كتاب العلم عن آدم عن ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر عن النبي عَّدٍ، وعن الزهري عن سالم ((عن ابن عمر عن النبي عَ له أن رجلاً سأله: ما يلبس المحرم؟ ... )) الحديث، فتقدم طريق نافع وعطف عليه طريق الزهري، وههنا عكس ذاك حيث قدم طريق الزهري وعطف عليه طريق نافع. ١٠ - بابُ ما يَسْتُرُ مِنَ الْعَوْرَةِ أي: هذا باب في بيان ستر العورة، وكلمة: ما، مصدرية، ويجوز أن تكون موصولة، والتقدير: باب في بيان الشيء الذي يستر، أي: الذي يجب ستره، وكلمة؛ من، بيانية في الوجهين، ثم هذا أعم من أن يكون في الصلاة أو خارجها، وقيد بعضهم قوله: أي خارج الصلاة فكأنه أخذ ذلك من لفظ الأحتباء الذي في حديث الباب، فإنه قيد النهي فيه بقوله: ليس على فرجه منه شيء، وهذا ليس فيه تخصيص بخارج الصلاة، بل النهي أعم من أن يكون في الصلاة أو خارج الصلاة، ثم قول هذا القائل: والظاهر من تصرف المصنف أنه يرى أن الواجب ستر السوءتين ليس بشيء، لأن الذي، يدل على ذلك، أي: تصرف منه ههنا. وإن كان مذهبه ذلك، والعورة: سوءة الإنسان و کل ما يستحی منه. ٣٦٧/٣٣ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدّثنا لَيْثّ عنِ ابن شِهَابٍ عنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُثْبةَ عنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ أَنَّهُ قال نَهَى رسولُ الله عَلَّهِ عَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرجلُ في ثَوْبٍ واحِدٍ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ. [الحديث ٣٦٧ - أطرافه في: ١٩٩١، ٢١٤٤، ٢١٤٧، ٥٨٢٠، ٥٨٢٢، ٦٢٨٤]. مطابقته للترجمة في قوله: ((ليس على فرجه منه شيء)) فإن النهي فيه أن يكون الفرج مكشوفاً، فهو يدل على أن ستر العورة واجب، والباب في ستر العورة. ذكر رجاله: وهم خمسة قد ذكروا غير مرة، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري، وأبو سعيد اسمه سعيد بن مالك. ١١٢ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٠) ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: قول الصحابي عن نهي النبي عَّهِ. وفيه: أن رواته ما بين بلخي وبصري ومدني. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في اللباس عن محمد عن مخلد عن ابن جريج عن الزهري عنه، وأخرجه في البيوع عن سعد بن عفير عن الليث، وفي اللباس أيضاً عن يحيى بن بكير عن الليث، وأخرجه أيضاً في البيوع عن عباس عن عبد الأعلى عن معمر، وفي الاستئذان عن علي بن عبد الله عن سفيان. وأخرجه مسلم في البيوع عن سعيد بن عفير عن الليث، وفي اللباس عن يحيى بن بكير عن الليث، وعن عمرو الناقد عن يعقوب بن إبراهيم. وأخرجه أبو داود في البيوع عن أحمد بن صالح وعن قتيبة وأبي الطاهر بن السرح، كلاهما عن سفيان به. وأخرجه النسائي في البيوع عن يونس بن عبد الأعلى، وعن أبي داود الحراني، وعن إبراهيم بن يعقوب، وأخرجه في الزينة أيضاً عن قتيبة به، وأخرجه في البيوع أيضاً عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق به، وعن الحسين بن حريث عن سفيان بالنهي عن البيعتين فيه، وبالنهي عن اللبستين في الزينة. وأخرجه ابن ماجة في التجارات عن أبي بكر بن أبي شيبة، وسهل بن أبي سهل الرازي كلاهما عن سفيان. ذكر معناه. قوله: ((عن اشتمال الصماء)) بالصاد المهملة والمد، واختلف في تفسيره، ففي (الصحاح): هو أن يجلل جسده كله بالإزار أو بالكساء، فيرده من قبل يمينه على يده اليسرى. وعاتقه الأيسر، ثم يرده ثانياً من خلفه على يده اليمنى وعاتقه الأيمن فيغطيهما جميعاً. وفي (النهاية) لابن الأثير: هو التجلل بالثوب وإرساله من غير أن يرفع جانبه، وفي كتاب (اللباس): هو أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب، وعن الأصمعي: هو أن يشتمل بالثوب حتى يجلل به جسده لا يرفع منه جانباً فلا يبقى ما يخرج منه يده، وعن أبي عبيد: إن الفقهاء يقولون: هو أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على أحد منكبيه فيبدو منه فرجه. وقال الكرماني: فإذا قلت اشتمل فلان الصماء كأنك قلت: اشتمل الشملة التي تعرف بهذا الاسم، لأن الصماء ضرب من الاشتمال. انتھی. قلت: تحقيق هذه الكملة أن الاشتمال مضاف إلى الصماء، والصماء في الأصل صفة، يقال: صخرة صماء إذا لم يكن فيها خرق ولا منفذ، ومعنى النهي عن اشتمال الصماء نهي عن اشتمال الثوب كاشتمال الصخرة الصماء، واشتمالها كون عدم الخرق والمنافذ فيها، وتشبيه الاشتمال المنهي بها كونه يسد المنافذ كلها، والذي ذكره الكرماني ليس تفسير ما في لفظ الحديث على ما لا يخفى. قوله: ((وأن يحتبي الرجل)) أي: ونهي أيضاً عن أن يحتبي الرجل، وكلمة: إن مصدرية والتقدير: وعن احتباء الرجل في ثوب واحد، والاحتباء أن يقعد الإنسان على إليتيه وينصب ساقيه ويحتبي عليهما بثوب أو نحوه أو بيده، واسم هذه القعدة تسمى: الحبوة، بضم الحاء وكسرها، وكان هذا الاحتباء عادة العرب في أنديتهم ومجالسهم، وإن انكشف معه شيء من عورته فهو حرام. وقال الخطابي: الاحتباء هو أن ١١٣ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٠) يحتبي الرجل بالثوب ورجلاه متجافيتان عن بطنه، فيبقى هناك، إذا لم يكن الثوب واسعاً قد أسبل شيئاً منه على فرجه، فرجة تبدو منها عورته. قال: وهو منهي عنه إذا كان كاشفاً عن فرجه. وقال في موضع آخر: الاحتباء أن يجمع ظهره ورجليه بثوب. ذكر ما يستنبط منه وهو حكمان: الأول: اشتمال الصماء، وقد نهى عنه رسول الله عَّ له، قالوا: على تفسير أهل اللغة: اشتمال الصماء إنما يكره لئلا تعرض له حاجة من دفع بعض الهوام ونحوها أو غير ذلك، فيعسر أو يتعذر عليه إخراج يده، فيلحقه الضرر. وعلى تفسير الفقهاء: يحرم الاشتمال المذكور إن انكشف به بعض العورة، وإلا فيكره. والثاني: النهي عن الاحتباء الذي فيه كشف العورة، وهو حرام مطلقاً، سواء كان في الصلاة أو خارجها. ٣٤ / ٣٦٨ - حدّثنا قَبِيصَةُ بن عُقْبَةَ قالَ حدّثنا سُفْيَانُ عنْ أبي الزّنَادِ عنِ الأَعْرَجِ عنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ نَهَى النبيُّ عَ لَّهِ عِنْ بَيْعَتَيْنِ عن اللّمَاسِ والنّبَاذِ وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحدٍ. [الحديث ٣٦٨ - أطرافه في: ٥٨٤، ٥٨٨، ١٩٩٢، ٢١٤٥، ٢١٤٦، ٥٨١٩، ٥٨٢١]. مطابقته للترجمة ظاهرة. ذكر رجاله وهم خمسة: الأول: قبيصة، بفتح القاف: بن عقبة، بضم العين وسكون القاف. الثاني: سفيان الثوري. الثالث: أبو الزناد، بكسر الزاي وبالنون: عبد الله بن ذكوان. الرابع: عبد الرحمن بن هرمز الأعرج. الخامس: أبو هريرة. ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: القول بالحكاية. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي، وأبو الزناد راوية الأعرج، وعن البخاري أصح الأسانيد كلها: مالك عن نافع عن ابن عمر، وأصح أسانيد أبي هريرة: أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. وفيه: أن رواته ما بين كوفي ومدني. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري في مواضع: هنا عن قبيصة، وفي الصلاة عن عبيد بن إسماعيل عن أبي أسامة وعن محمد عن عبدة بن سليمان، وفي اللباس عن محمد بن بشار عن عبد الرحمن الثقفي، ثلاثتهم عن عبيد الله بن عمر عن حبيب ابن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن أبي هريرة. وأخرجه مسلم بهذا الطريق عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عبد الله بن نمير وأبي أسامة، وعن محمد بن عبد الله بن نمير عن أبيه، وعن محمد بن المثنى عن عبد الوهاب الثقفي، ثلاثتهم عن عبيد الله بن عمر، وأخرجه أيضاً في البيوع عن أبي كريب وابن أبي عمر، كلاهما عن وكيع عن سفيان به. وأخرجه الترمذي فيه عن أبي كريب ومحمود بن غيلان. وأخرجه النسائي أيضاً فيه من طريق حفص بن عاصم. وأخرجه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة به منقطعاً في الصلاة وفي التجارات وفي اللباس. عمدة القاري /ج ٤ / م٨ ١١٤ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٠) ذكر معناه قوله: ((عن بيعتين)) تثنية: بيعة، بفتح الباء الموحدة وكسرها، والفرق بينهما أن؛ الفعلة، بالفتح، للمرة وبالكسر للحالة والهيئة. قوله: ((عن اللماس)) بكسر اللام، وهو مصدر من: لامس، من باب: فاعل. وقد علم أن مصدره يأتي على: مفاعلة، مثل: ملامسة. وعلى: فعال، مثل: لماس. وكذلك الكلام في ((النباذ))، بكسر النون وبالذال المعجمة، يأتي من بابه: فعال، مثل: نباذ، و: مفاعلة، مثل: منابذة. وفسر: اللماس، في كتاب البيع بأنه لمس الثوب بلا نظر إليه، والنباذ: بأن الرجل يطرح ثوبه بالبيع قبل أن يقلبه أو ينظر إليه. وقال النووي: إن لأصحابنا في الملامسة تأويلات. أحدها: أن يأتي بثوب مطوي أو في ظلمة، فيلمسه المستام، فيقول صاحبه: بعتكه بكذا بشرط أن يقوم لمسك مقام نظرك، ولا خيار لك إذا رأيته. الثاني: أن يجعلا نفس اللمس بيعاً، فيقول إذا لمسته فهو مبيع لك. الثالث: أن يبيعه شيئاً على أنه متى لمسه انقطع خيار المجلس. وفي المنابذة أيضاً ثلاثة أوجه، أن يجعل نفس. النبذ بيعاً، وأن يقول: إذا نبذته إليك انقطع الخيار. وإن يراد به نبذ الحصا، وله أيضاً تأويلات أن يقول: بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه الحصاة التي أرميها، وأن يقول: لك الخيار إلى أن أرمي بهذه الحصاة، وأن يجعلا نفس الرمي بالحصاة بيعاً، فيقول: إذ رميت هذا الثوب بالحصاة فهو مبيع بكذا. وقال أصحابنا: الملامسة والمنابذة وإلقاء الحجر كانت بيوعاً في الجاهلية، وكان الرجلان يتساومان المبيع، وإذا ألقى المشتري عليه حصاة، أو نبذه البائع إلى المشتري، أو لمسه المشتري: لزم البيع، وقد نهى الشارع عن ذلك. قوله: ((وأن يشتمل)) عطف على قوله: ((عن بيعتين)) أي: ونهى أيضاً أن يشتمل. و: أن، مصدرية أي؛ وعن اشتمال الصماء، وكذلك الكلام في: ((أن يحتبي)) وتفسيرهما قد مر، والمطلق في الاحتباء هنا محمول على المقيد في الحديث الذي قبله. ٣٦٩/٣٥ - حدثنا إسْحَاقُ قالَ حدّثنا يَعْقُوبُ بنُ إِبْرَاهِيمَ قالَ حدّثنا ابنُ أخِي ابنِ شِهابٍ عنْ عَمِّهِ قال أخبرَني حُمَيْدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ قَالَ بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ في تِلْكَ الحَّةِ فِي مُؤَذِّنِينَ يَوْمَ النَّخْرِ تُؤَذِّنُ بِمِنىٌ أَلَّ يُحُجَّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ وَلاَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيانٌ قالَ حُمَيْدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ثُمَّ أَرْدَفَ رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ عَلِيًّا فَأَمَرَهُ أنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةٌ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فأذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ في أَهْلِ مِنىّ يَوْمَ النَّخْرِ لاَ يَحْجِ بَعْدَ العَامِ مُشْرٌِّ وَلاَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيانٌ. [الحديث ٣٦٩ - أطرافه في: ١٦٢٢، ٣١٧٧، ٤٣٦٣، ٤٦٥٥، ٤٦٥٦، ٤٦٥٧]. مطابقته للترجمة في قوله: ((ولا يطوف بالبيت عريان)). فإن منع الطواف عارياً يدل على وجوب ستر العورة، وقد تقدم الكلام في هذا الجزء من هذا الحديث في باب وجوب الصلاة في الثياب. ذكر رجاله: وهم ستة. الأول: إسحاق بن إبراهيم، ووقع في رواية الأكثرين إسحاق مجرداً غير منسوب، فلذلك تردد فيه الحفاظ، فمنهم من قال: إسحاق بن منصور، ومنهم من قال إسحاق بن إبراهيم المشهور بابن راهويه، لأن كلاً منهما يروي عن يعقوب بن إبراهيم، والنسخة التي فيها إسحاق بن إبراهيم هي الأصح. وقال الكرماني: قوله: إسحاق، أي ابن ١١٥ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٠) إبراهيم المشهور بابن راهويه في آخر باب فضل من علم. وقال بعضهم: ووقع في نسختي من طريق أبي ذر: إسحاق بن إبراهيم، فتعين أنه ابن راهويه، إذ لم يرو البخاري عن إسحاق ابن أبي إسرائيل - واسمه إبراهيم - شيئاً قلت: وقوع إسحاق منسوباً في نسخته إنما علم أنه ابن راهويه من جهة أبي ذر لا من جهة نسخته، وأيضاً فإنه قال: أولاً وردده الحفاظ بين ابن منصور وبين ابن راهويه، فكيف يعلل بعد هذا بقوله: إذ لم يرو البخاري عن إسحاق بن أبي إسرائيل؟ الثاني: يعقوب بن إبراهيم بن سعد، سبط عبد الرحمن بن عوف. الثالث: ابن أخي ابن شهاب، هو: محمد بن عبد الله ابن أخي الزهري، والزهري محمد بن مسلم بن شهاب. الرابع: عمه، وهو الزهري. الخامس: حميد، بضم الحاء؛ ابن عبد الرحمن بن عوف، رضي الله تعالى عنه. السادس: أبو هريرة. ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: الإخبار بصيغة الإفراد. وفيه: أربعة زهريون، وهم: يعقوب إلى أبي هريرة. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الجزية عن أبي اليمان، وفي المغازي عن أبي الربيع الزهراني، وفي الحج عن يحيى بن بكير، وفي التفسير عن سعيد ابن عفير وعن عبد الله بن يوسف، وعن إسحاق بن منصور، وعن يعقوب بن إبراهيم عن أبيه عن صالح بن كيسان. وأخرجه مسلم في الحج عن هارون بن سعيد، وعن حرملة بن يحيى. وأخرجه أبو داود فيه عن محمد بن يحيى بن فارس. وأخرجه النسائي عن أبي داود الحراني. ذكر معانيه قوله: ((في تلك الحجة))، أي التي أمّر رسول الله عَّلِ الصديق على الحاج، وهي قبل حجة الوداع بسنة، وهي السنة التاسعة كما ذكر في (المغازي). قوله: ((في مؤذنين)) أي: في رهط يؤذنون في الناس يوم النحر، كأنه مقتبس مما قال الله تعالى: ﴿وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر﴾ [التوبة: ٣] وفي رواية أبي داود، يوم الحج الأكبر يوم النحر، والحج الأكبر: قلت: الحج الأصغر العمرة. قوله: ((أَلاَّ يحج))، أصله: أن لا يحج، فادغمت النون في: لا، فصار: ألاَّ، بفتح الهمزة وتشديد اللام وهذه رواية الأكثرين. وفي رواية الكشميهني: ((ألا لا يحج))، بأداة الاستفتاح قبل حرف النفي. وقال بعضهم: بحرف النهي، وليس كذلك، بل هو حرف النفي. وقال الكرماني: هل يكون ذلك العام داخلاً في ذلك الحكم أم لا؟ قلت: الظاهر أن المراد بعد خروج هذا العام لا بعد دخوله. ينبغي أن يدخل هذا العام أيضاً بالنظر إلى التعليل. قوله: ((قال حميد بن عبد الرحمن ثم أردف رسول الله عٍَّ)) هذا مرسل من قبيل مراسيل التابعين، لأن حميداً ليس بصحابي حتى يقال: إنه شاهده بنفسه. وقال الكرماني: ولفظ: قال حميد، وقال أبو هريرة، يحتمل أن يكون كل منهما تعليقاً من البخاري، وأن يكونا داخلين تحت الإسناد لكن ظاهر أن مسألة الإرداف لم يسندها حميد، وفي (التوضيح): وقول حميد: ثم أردف رسول الله عَّةٍ ... إلى آخره، يحتمل أن يكون تلقاه من أبي هريرة وأن يكون الزهري رواه ١١٦ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (١١) عنه موصولاً عند البخاري، قلت: الوجه هو الذي ذكرته، كما نص عليه المزي وغيره. قوله: (ثم أردف رسول الله عَِّ علياً)) أي: ثم أرسل رسول الله عَلَّهِ علي بن طالب وراء أبي بكر، فأمره أن يؤذن براءة. قال ابن عبد البر: أمر رسول الله عَ ليه، أبا بكر بالخروج إلى الحج وإقامته للناس، فخرج أبو بكر ونزل صدر براءة بعده، فقيل: يا رسول الله لو بعثت بها إلى أبي بكر يقرؤها على الناس في الموسم؟ فقال: إنه لا يؤديها عني إلاّ رجل من أهل بيتي، ثم دعا علياً فقال: أخرج بهذه القصة من صدر براءة، وأذن بها في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا في منىّ، فخرج على ناقة رسول الله عَ لَّه، العضباء، حتى أدرك أبا بكر الصديق فقيل: بذي الخليفة، وقيل: بالعرج فوصل بالسحر، فسمع أبا بكر رغاء ناقة رسول الله عَّهِ فإذا علي، فقال أبو بكر: استعملك رسول الله عَّه على الحج؟ قال: لا، ولكن بعثني أن أقرأ براءة على الناس. فقال أبو بكر: أمير أو مأمور؟ فقال: بل مأمور. وقال: لا يذهب بها إلاّ رجل من أهل بيتي)). وفي لفظ: ((فرجع أبو بكر، فقال: يا رسول الله نزل في شيء؟ قال: لا، ولكن جبريل، عليه الصلاة والسلام، جاءني فقال: لن يؤدي عنك إلاَّ أنت أو رجل منك)). فإن قلت: ما الحكمة في إعطاء علي براءة؟ قلت: لأن براءة تضمن نقض العهد، وكانت سيرة العرب أن لا يحل العقد إلاَّ الذي عقده أو رجل من أهل بيته، فأراد عليه الصلاة والسلام، أن يقطع ألسنة العرب بالجحد، وأرسل ابن عمه الهاشمي، حتى لا يبقى لهم متكلم. وقيل: إن في سورة براءة ذكر الصديق يعني قوله تعالى: ﴿ثاني اثنين إذ هما في الغار﴾ [التوبة: ٤٠] فأراد عَّ أن غيره يقرؤها فإن قلت: علي كان مأموراً بالتأذين ببراءة، فيكف قال؛ فأذن معناه بأنه لا يحج؟ قلت: إما لأن ذلك داخل في سورة براءة، وإما أن معناه أنه أذن فيه أيضاً معناه بعد تأذينه ببراءة. ذكر ما يستنبط منه هو أنه عَّه أبطل ما كانت الجاهلية عليه من الطواف عراة، واستدل به على أن ستر العورة واجب، وهو الموافق لترجمة الباب. وقال الكرماني: واستدل به على أن الطواف يشترط له ستر العورة. قلت: إذا طاف الحج عريانا فلا يعتد به عندهم، وعندنا يعتد، ولکن یکره. ١١ - بابُ الصَّلاَةِ بِغَيْرِ رِدَاءٍ أي: هذا باب في بيان حكم الصلاة بغير رداء. ٣٧٠/٣٦ - حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ حدّثني ابنُ أَبِي المَوالِي عَنْ مُحَمَّدٍ ابنِ المنْكَدِرٍ قالَ دخَلْتُ عَلَى جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَهْوَ يُصَلّى فِي ثَوبٍ مُلْتحِفاً بِهِ وَرِدَاؤُهُ مَوْضُوعٌ فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْنَا يا أبا عَبْدِ اللَّهِ تُصَلّي ورِدَاؤُكَ مَوْضُوعَ قالَ نَعَمْ أَحْبَبْتُ أنْ يَرَانِي الْجُهَّالُ مِثْلُكُمْ رَأيْتُ النبيُّ عَلَِّ يُصَلّي هَكَذَا. [أنظر الحديث: ٣٥٢ وأطرافه]. مطابقته للترجمة ظاهرة، وتقدم في حديث جابر هذا في باب عقد الإزار على القفا، وهناك أخرجه عن أحمد بن يونس عن عاصم بن محمد عن واقد بن محمد عن محمد بن المنكدر. قال: ((صلى جابر في إزار ... )) الخ، وأخرجه أيضاً هناك عن مطرف عن عبد ١١٧ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٢) الرحمن بن أبي الموالي عن محمد بن المنكدر، قال: ((رأيت جابراً يصلي في ثوب ... )) الحديث، وههنا أخرجه عن عبد العزيز بن عبد الله الأويسي عن عبد الرحمن بن أبي الموالي، بفتح الميم. وقد تكلمنا هناك بما فيه الكفاية. ولنتكلم ههنا بما لم نتكلم هناك. فقوله: ((وهو يصلي)) جملة حالية. قوله: ((ملتحفاً)) بالنصب، حال، وهو رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي والحموي: ((ملتحف)) بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو ملتحف. وقال بعضهم: وفي نسختي عنهما بالجر على المجاورة. قلت: نسخته ليست بعمدة حتى يسلم الجر، ثم يقال: المجاورة. قوله: ((ورداؤه موضوع))، جملة إسمية وقعت حالاً، أي: موضوع على شيء، وهناك: موضوعة على المشجب. قوله: ((فلما انصرف)) أي: من الصلاة. قوله: ((قلنا: يا أبا عبد الله)) أصله: يا أبا عبد الله، بالهمزة فحذفت تخفيفاً، وهو كنية جابر رضي الله تعالى عنه. قوله: ((أحببت أن يراني الجهال))، وهناك: ((ليراني أحمق مثلك)) سبب تغليظه القول فيه كونه فهم من كلام السائل إنكاره عليه، والغرض في محبته لرؤية الجهال أن يقع السؤال والجواب فيستفاد منه بيان الجواز. قوله: ((مثلكم)) بالرفع، صفة: للجهال، وهو بضم الجيم وتشديد الهاء، جمع: جاهل، وهناك ذكرنا أن لفظ: مثل، متوغل في النكرة فلا يتعرف، وإن أضيف إلى المعرفة، فلذلك وقع صفة للنكرة. وهو قوله: ((أحمق))، وأما ههنا فإنه وقع صفة للمعرفة، فوجهه أنه إذا أضيف إلى ما هو مشهور بالمماثلة يتعرف، وههنا كذلك، على أن التعريف في: الجهال، للجنس فهو في حكم النكرة. و: المثل، بمعنى: المثيل، على وزن: فعيل، فيستوي فيه المذكر والمؤنث والمفرد والجمع، فلذلك ما طابق الجهال مع أن التطابق بين الصفة والموصوف في الإفراد والجمع شرط، أو تقول: هو اكتسب الجمعية من المضاف إليه أو هو جنس يطلق على المفرد والمثنى والجمع. قوله: ((يصلي كذا)) وفي رواية الكشميهني: ((هكذا)). ١٢ - بابُ ما يُذْكَرُ فِي الفَخِذِ أي: هذا باب ما يذكر في حكم الفخذ، يجوز في: خاء، الفخذ الكسر والسكون معاً. وقد ذكرنا وجه إدخال هذا الباب بين الأبواب التي في حكم الثياب، ووجه مناسبته بما قبله. قالَ أَبُو عَبْدُ الله. هو البخاري، وذكر نفسه بكنيته وليس هذا بموجود في غالب النسخ. وَيُزْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَرْهَدٍ ومُحَمَّدٍ بنِ جَحْشٍ عَنِ النِبِيِّ عَ لَّهِ الفَخِذُ عَوْرَةٌ. هذا تعليق بصيغة التمريض ذكره عن ثلاثة أنفس. الأول: عن عبد الله بن عباس، وهو عند الترمذي موصول، أخرجه عن واصل بن عبد ١١٨ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٢) الأعلى عن يحيى بن آدم عن إسرائيل بن يونس عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس أن النبي عَِّ قال: ((الفخذ عورة)). وقال: هذا حديث حسن غريب، وأبو يحيى القتات ضعيف وهو مشهور بكنيته، واختلف في اسمه على سبعة أقوال: قيل: مسلم، وقيل: زاذان، وقيل: عبد الرحمن بن دينار، وقيل: يزيد، وقيل: زيان، وقيل: عمران، وقيل: دينار وهو المشهور، والقتات، بتفح القاف وتشديد التاء المثناة من فوق. وأما حديث جرهد فأخرجه مالك في (الموطأ) عن ابن النضر عن زرعة بن عبد الرحمن بن جرهد عن أبيه عن جده، قال: وكان جدي من أهل الصفة، قال: ((جلس رسول الله عَّلِ عندي وفخذي مكشوفة، فقال: خمّر عليك! أما علمت أن الفخذ عورة)). قال الدارقطني: روى هذا الحديث أصحاب (الموطأ): ابن بكير وابن وهب ومعن وعبد الله بن يوسف، وهو عند القعنبي خارج (الموطأ) في الزيادات عن مالك، ولم يذكره ابن القاسم في (الموطأ) ولا ابن عفير ولا أبو مصعب، ورواه عن مالك ابن مهدي وإبراهيم بن طهمان وعمرو بن مرزوق وأبو قرة وإسحاق بن عدي ومطرف وإسماعيل بن أبي أويس، وفي رواية ابن بكير وابن طهمان ومطرف وغيرهم، زرعة بن عبد الرحمن عن أبيه، من غير ذكره جده، وعن ابن عساكر: رواه عبد الله بن نافع عن مالك عن أبي النضر عن زرعة بن عبد الرحمن ابن جرهد عن أبيه عن جده، ورواه قبيصة عن الثوري عن أبي النضر عن زرعة بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده جرهد، لم يذكر أباه، ورواه ابن أبي عمر عن ابن عيينة عن أبي النضر عن زرعة بن مسلم بن جرهد عن أبيه عن جده. وأخرجه ابن حبان في (صحيحه) من حديث أبي عاصم: عن سفيان عن أبي الزناد عن زرعة بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده. ورواه الترمذي عن ابن أبي عمر قال: حدّثنا سفيان عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن زرعة بن مسلم بن جرهد الأسلمي عن جده جرهد قال: ((مر النبي عَّ ◌ُلِّ، بجرهد في المسجد وقد انكشف فخذه، وقال: إن الفخذ عورة))، هذا حديث حسن ما أرى إسناده بمتصل. وقال: حدّثنا الحسن بن علي، قال: حدثني عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن أبي الزناد، قال: أخبرني ابن جرهد عن أبيه: ((أن النبي عَِّ، مر به وهو كاشف عن فخذه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: غط فخذك فإنها من العورة)). هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه عن واصل من حديث ابن عباس أيضاً، وقد ذكرناه ورواه الشافعي عن سفيان عن أبي الزناد عن آل جرهد، ولما ذكره ابن القطان أعله بالاضطراب وبجهالة حال الراوي عن جرهد، ولما ذكره البخاري في (تاريخه) من حديث ابن أبي الزناد عن زرعة عن عبد الرحمن عن جده قال: ورواه صدقة عن ابن عيينة عن أبي الزناد عن آل جرهد، وعن سالم أبي النضر عن زرعة بن مسلم بن جرهد عن جرهد، قال البخاري؛ ولا يصح. وقال ابن الحذاء: إنما لم يخرجه البخاري في مصنفه لهذا الاختلاف، و: جرهد، بفتح الجيم وسكون الراء وفتح الهاء، وفي آخره دال مهملة. وفي (التهذيب): جرهد الأسلمي هو ابن رزاح بن عدي، وقيل: غير ذلك، له صحبة، عداده في أهل المدينة، له عن النبي عَّهِ، حديث واحد: ((الفخذ عورة)) ١١٩ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٢) وفي إسناد حديثه اختلاف كثير، يقال: إنه مات سنة إحدى وستين. وقال أبو عمر: جعل ابن أبي حاتم: جرهد بن خويلد غير جرهد بن رزاح، ثم قال: هذا وهم، وهو رجل واحد من أسلم لا يكاد يسلم، له صحبة. وأما حديث محمد بن جحش فرواه الطبراني عن يحيى بن أيوب عن سعيد بن أبي مريم عن محمد بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبي كثير، مولى محمد بن جحش، عنه قال: ((كنت أصلي مع النبي عَّله، فمر على معمر وهو جالس عند داره بالسوق وفخذاه مكشوفتان فقال: يا معمر! غط فخذيك فإن الفخذين عورة)). وقال ابن حزم: رواية أبي كثير مجهولة، وذكره البخاري في (تاريخه) وأشار إلى الاختلاف فيه، ورواه أحمد في (مسنده) والحاكم في (مستدركه) من طريق إسماعيل بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبي كثير مولى محمد بن جحش عنه، ومحمد بن جحش هو محمد بن عبد الله بن جحش، نسب إلى جده، له ولأبيه عبد الله صحبة، وزينب بنت جحش أم المؤمنين هي عمته، وكان محمد صغيراً في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، وقد حفظ عنه. وقال الواقدي: كان مولده قبل الهجرة لخمس سنين، هاجر مع أبيه إلى المدينة، له صحبة. والله أعلم. وأما معمر المذكور في الحديث المذكور فهو ابن عبد الله بن فضلة العدوي، وقد أخرج ابن نافع هذا الحديث من طريقه أيضاً. وقَالَ أَنَشّ حَسَرَ النَّبِيُّ عَّلِ عِنْ فَخِذِهِ. هذا أيضاً تعليق، ولكنه قد وصله في هذا الباب كما يأتي قريباً، وحسر، بفتح حروفها المهملات، ومعناه: کشف، وسنتكلم فیه مستقصی عن قريب. وَحَدِيثُ أَنَسٍ أَسْنَدُ، وَحَدِيثُ جَرْهَدٍ أُخْوَطُ، حَتَّى نَخْرُجَ مِن اخْتِلاَفِهِمْ. لما وقع الخلاف في الفخذ: هل، هو عورة أم لا؟ فذهب قوم إلى أنه ليس بعورة، واحتجوا بحديث أنس، وذهب آخرون إلى أنه عورة، واحتجوا بحديث جرهد، وبما روي مثله في هذا الباب، كأن قائلاً قال؛ إن الأصل أنه إذا روي حديثان في حكم أحدهما أصح من الآخر فالعمل يكون بالأصح، فههنا حديث أنس أصح من حديث جرهد ونحوه، فكيف وقع الاختلاف؟ فأجاب البخاري عن هذا بقوله: ((وحديث أنس أسند)) إلى آخرِه تقديره: أن يقال: نعم، حديث أنس أسند، يعني أقوى وأحسن سنداً من حديث جرهد، إلاَّ أن العمل بحديث جرهد لأنه الأحوط، يعني أكثر احتياطاً في أمر الدين، وأقرب إلى التقوى، للخروج عن الاختلاف، وهو معنى قوله: ((حتى نخرج من اختلافهم)) أي: من اختلاف العلماء، وهو على صيغة جماعة المتكلم من المضارع، بفتح النون وضم الراء. ولأجل هذه النكتة لم يقل البخاري: باب الفخذ عورة، ولا قال أيضاً: باب الفخذ ليس بعورة، بل قال: باب ما يذكر في الفخذ، أما القوم الذين ذهبوا إلى أن الفخذ ليس بعورة فهم: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب وإسماعيل بن علية ومحمد بن جرير الطبري وداود ١٢٠ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (١٢) الظاهري وأحمد، في رواية، ويروى ذلك أيضاً عن الإصطخري من أصحاب الشافعي حكاه الرافعي عنه، وقال ابن حزم في (المحلى): والعورة المفروض سترها عن الناظر وفي الصلاة من الرجال الذكر وحلقة الدبر فقط، وليس الفخذ منه عورة، وهي من المرأة جميع جسدها حاشا الوجه والكفين فقط، الحر والعبد والحرة والأمة سواء في ذلك، ولا فرق. ثم قال، بعد أن روى حديث أنس الذي أخرجه البخاري: ((إن رسول الله عليه الصلاة والسلام، غزا خيبر ... ) وفيه: (( ... ثم حسر الإزار عن فخذه حتى إني أنظر إلى بياض فخذ النبي عليه الصلاة والسلام)). فصح أن الفخذ من الرجل ليس بعورة، ولو كان عورة لما كشفها الله تعالى من رسوله المطهر المعصوم من الناس في حال النبوة والرسالة، ولا أراها أنس بن مالك ولا غيره، وهو تعالى عصمه من كشف العورة في حال الصبا، وقبل النبوة. وأما الآخرون الذين هم خالفوهم وقالوا: الفخذ عورة، فهم جمهور العلماء من التابعين ومن بعدهم، منهم: أبو حنيفة ومالك في أصح أقواله والشافعي وأحمد في أصح روايتيه وأبو يوسف ومحمد وزفر بن الهذيل، حتى قال أصحابنا: إن الصلاة مكشوف العورة فاسدة. وقال الأوزاعي: الفخذ عورة إلاّ في الحمام، وقال ابن بطال: أجمعوا على أن من صلى مكشوف العورة لا إعادة عليه. قلت: دعوى الإجماع غير صحيحة، فيكون مراده إجماع أهل مذهبه. وفي (التوضيح): حاصل ما في عورة الرجل عندنا خمسة أوجه. أصحها وهو المنصوص أنها: ما بين السرة والركبة، وهما ليستا بعورة، وهو صحيح مذهب أحمد بن حنبل، وقال به زفر ومالك. وثانيها: أنهما عورة، كما هو رواية عن أبي حنيفة. وثالثها: السرة من العورة. ورابعها: عكسه. وخامسها: للإصطخري: القبل والدبر، وهو شاذ. انتهى. وفي (الوبري): السرة من العورة عند أبي حنيفة. وفي (المفيد): الركبة مركبة من عظم الفخذ والساق، فاجتمع الحظر والإباحة فغلب الحظر احتياطاً. وأما الجواب عن حديث أنس فهو أنه محمول على غير اختيار الرسول عَّ له فيه بسبب ازدحام الناس، يدل عليه مس ركبة أنس فخذه عَّةِ. وقال القرطبي: ويرجح حديث جرهد وهو أن تلك الأحاديث المعارضة له قضايا معينة في أوقات وأحوال مخصوصة، يتطرق إليها الاحتمال ما لا يتطرق لحديث جرهد، فإنه أعطى حكماً كلياً، فكان أولى. وبيان ذلك أن تلك الوقائع تحتمل خصوصية النبي عَّ بذلك، أو البقاء على البراءة الأصلية، أو كأن لم يحكم عليه في ذلك الوقت بشيء، ثم بعد ذلك حكم عليه بأنه عورة. فإن قلت: روى الطحاوي، وقال؛ حدّثنا ابن مرزوق، قال: حدّثنا أبو عاصم عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو خالد عن عبد الله بن سعيد المديني، قال: حدثتني حفصة بنت عمر قالت: ((كان رسول الله عَّم ذات يوم قد وضع ثوبه بين فخذيه، فجاء أبو بكر فاستأذن فأذن له النبي عَ ◌ّمه على هيئته، ثم جاء عمر بمثل هذه الصفة، ثم جاء أناس من أصحابه والنبي ◌َّهِ على هيئته، ثم جاء عثمان فاستأذن عليه فأذن له ثم أخذ رسول الله عَّ له ثوبه فجلله، فتحدثوا ثم خرجوا. فقلت: يا رسول الله! جاء أبو بكر وعمر وعلي وأناس من أصحابك وأنت على هيئتك، فلما جاء عثمان جللت بثوبك؟ فقال: ((أو لا أستحي ممن تستحي منه الملائكة؟» قالت: