Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٢) صلاته، وإن لم يكن عنده أحد. وقال بعضهم، بعد قوله، وقول الله عز وجل: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف: ٣١] يشير بذلك إلى تفسير طاوس في قوله تعالى: ﴿خذوا زينتكم﴾ [الأعراف: ٣١] قال: الثياب. قلت: هذا تخمين وحسبان، وليس عليه برهان، وقد اتفق العلماء على أن المراد منه ستر العورة، وعن مجاهد: وار عورتك ولو بعباءة، وفي مسلم من حديث أبي سعيد مرفوعاً: ((لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة)). وعن المسور، قال له النبي عَّ له: ((ارجع إلى ثوبك فخذه ولا تمشوا عراة)). وفي (صحيح ابن خزيمة)، عن عائشة يرفعه: ((لا يقبل الله صلاة امرأة قد حاضت إلا بخمار)). وقال ابن بطال: أجمع أهل التأويل على أن نزولها في الذين كانوا يطوفون بالبيت عراة، وقال ابن رشد: من حمله على الندب قال: المراد بذلك الزينة الظاهرة من الرداء وغيره من الملابس التي هي زينة، مستدلاً بما في الحديث أنه كان رجال يصلون مع النبي عَ لَّه عاقدي أزرهم على أعناقهم كيهئة الصبيان، ومن حمله على الوجوب استدل بحديث مسلم عن ابن عباس: ((كانت المرأة تطوف بالبيت عريانة فتقول: من يعيرني تطوافاً؟ وتقول: اليوم يبدو وبعضه أو كله) فنزلت ﴿خذوا زينتكم﴾ [الأعراف: ٣١]. وَيُذْكَرُ عَنْ سَلَمَة بِنِ الأَْوَعِ أنَّ النبيَّ عَّهِ قال: ((يَزُرُّهُ ولَوْ بِشَوْكَةٍ)). هذا أخرجه أبو داود: حدّثنا القعنبي حدّثنا عبد العزيز يعني ابن محمد عن موسى بن إبراهيم عن سلمة بن الأكوع قال: ((قلت: يا رسول الله إني رجل أصيد أفأصلي في القميص الواحد؟ قال: نعم، وإزاره ولو بشوكة)) وأخرجه النسائي أيضاً قوله: ((أفأصلي))؟ الهمزة فيه للاستفهام، فلذلك قال في جوابه: نعم، أي: صل. قوله: ((ولو بشوكة)) الباء فيه تتعلق بمحذوف تقديره: ولو أن تزره بشوكة، وهذه اللفظة فيما ذكره البخاري بالإدغام على صيغة المضارع، وفي رواية أبي داود بالفك على صيغة الأمر، من زريزر، من باب نصر ينصر، ويجوز في الأمر الحركات الثلاث في الراء، ويجوز الفك أيضاً فهي أربعة أحوال، كما في مد الأمر، ويجوز في مضارعه الضم والفتح والفك. وقال ابن سيده: الزر الذي يوضع في القميص، والجمع أزرار وزرور، وأزر القميص جعل له زراً وأزره شد عليه أزراره. وقال ابن الأعرابي: زر القميص إذا كان محلولاً فشده، وزر الرجل شد زره، وأورد البخاري هذا للدلالة على وجوب ستر العورة، وللإشارة إلى أن المراد بأخذ الزينة في الآية السابقة لبس الثياب لا تزيينها وتحسينها، إنما أمر بالزر ليأمن من الوقوع عن بدنه، ومن وقوع نظره على عورته من زيقه حالة الركوع، ومن هذا أخذ محمد بن شجاع - من أصحابنا - أن من نظر إلى عورته من زیقه تفسد صلاته، كما ذكرناه عن قريب. وفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ. أي: وفي إسناد الحديث المذكور نظر، وجه النظر من موسى بن إبراهيم، وزعم ابن عمدة القاري /ج٤ /م٦ ٨٢ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٢) القطان أنه موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، وهو منكر الحديث، فلعل البخاري أراده. فلذلك قال: في إسناده نظر، وذكره معلقاً بصيغة التمريض، ولكن أخرجه ابن خزيمة في (صحيحه) عن نصر بن علي عن عبد العزيز عن موسى بن إبراهيم، قال: سمعت سلمة، وفي رواية: ((وليس عليَّ إلاَّ قميص واحد، أو جبة واحدة، فأزره؟ قال: نعم ولو بشوكة)). ورواه ابن حبان أيضاً في (صحيحه): عن إسحاق بن إبراهيم حدّثنا ابن أبي عمر حدّثنا عبد العزيز بن محمد عن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن ربيعة عن سلمة بن الأكوع، ((قلت: يا رسول الله إني أكون في الصيد، وليس عليَّ إلاَّ قميص واحد! قال: فأزرره ولو بشوكة)). رواه الحاكم في (مستدركه) قال: وهذا حديث مدني صحيح، فظهر بهذه الرواية أن موسى ههنا غير موسى ذاك الذي ظنه ابن القطان، وفيه ضعف أيضاً، لكنه دون ذاك وروى الطحاوي: حدّثنا ابن أبي داود، قال: حدّثنا ابن قتيبة، قال: أخبرنا الداراوردي عن موسى بن محمد بن إبراهيم عن أبيه عن سلمة بن الأكوع، وهذا اختلاف آخر. وقال بعضهم: من صحح هذا الحديث فقد اعتمد على رواية الدراوردي. قلت: يجوز أن يكون وجه ذلك اعتماداً على رواية موسى بن إبراهيم المخزومي، لا على رواية موسى بن إبراهيم التيمي، والمخزومي هو موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، وهذا هو الوجه في تصحيح من صححه، ويشهد لما قلنا رواية ابن حبان، ولا يبعد أن يكون كل واحد من المخزومي والتيمي روى هذا الحديث عن سلمة بن الأكوع، وحمل عنهما الدراوردي ورواه، وقال هذا القائل: ذكر محمد فيه شاذ. قلت: حكمه بشذوذه إن كان من جهة انفراد الطحاوي به فليس بشيء، لأن الشاذ من ثقة مقبول. ومَنْ صَلَّى فِي الثَّوْبِ الَّذِي يُجَامِعُ فِيهِ مَا لَمْ يَرَ فِيهِ أَذْىٌ. قال الكرماني: هو من تتمة الترجمة، وقال صاحب (التوضيح): وهذا منه دال على الاكتفاء بالظن فيما يصلي فيه لا القطع، وقال بعضهم، يشير، إلى ما رواه أبو داود والنسائي، وصححه ابن خزيمة وابن حبان من طريق معاوية بن أبي سفيان: ((أنه سأل اخته أم حبيبة: هل كان رسول الله عَّم يصلي في الثوب الذي يجامع فيه؟ قالت: نعم إذا لم ير فيه أذىّ)). قلت: لما قاله الكرماني وجه لأنه اقتبس هذا من الحديث المذكور، وأراد به إدخاله في ترجمة الباب، وهذا كما رأيته قد أخذ من ثلاثة أحاديث وأدخلها في ترجمة الباب. الأول: حديث سلمة بن الأكوع، وقد مر. والثاني: حديث أم حبيبة، أخرجه أبو داود، وقال: حدّثنا عيسى بن حماد المصري، قال: حدّثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن سويد بن قيس عن معاوية بن خديج عن معاوية بن أبي سفيان: ((أنه سأل أخته أم حبيبة، زوج النبي عَِّ، هل كان رسول الله عَّ ◌ُلّه، يصلي في الثوب الذي يجامعها فيه؟ فقالت: نعم إذا لم ير فيه أذىّ)). وأخرجه النسائي وابن ماجه. والثالث: حديث أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، على ما نذكره عن قريب. قوله: ((ما لم ير فيه أذىّ))، سقط لفظة: فيه، من رواية المستملي ٨٣ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٢) والحموي، وفي رواية: ((إذا لم ير فيه دماً)) والأذى: النجاسة. وَأَمَرَ النبيُّ عَلَّهِ أَنْ لاَ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُزيانٌ. وفي بعض النسخ: وأمر النبي عَّهِ، هذا أيضاً اقتباس من حديث أبي هريرة، وقد وصله البخاري في الباب الثامن بعد هذا الباب، قال: ((بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين يوم النحر نؤذن بمنىّ: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان)). واستدل به على اشتراط ستر العورة في الصلاة لأنه إذا كان شرطاً في الطواف الذي هو يشبه الصلاة، فاشتراطه في الصلاة أولى وأجدر. وقال بعضهم: أشار بذلك إلى حديث أبي هريرة. ولكن ليس فيه التصريح بالأمر. قلت: قد ذكرت لك أن هذا اقتباس، والاقتباس ههنا اللغوي لا الاصطلاحي، لأن الاصطلاحي هو أن يضمن الكلام شيئاً من القرآن أو الحديث، لا على أنه منه، وههنا ليس كذلك، بل المراد ههنا أخذ شيء من الحديث والاستدلال به على حكم، كما كان يستدل به من الحديث المأخوذ منه، فحديث أبي هريرة المذكور يدل على اشتراط ستر العورة في الصلاة بالوجه الذي ذكرناه، وهو يتضمن أمر أبي بكر، وأمر أبي بكر بذلك من أمر النبي عَّه. وأخذ البخاري من ذلك المتضمن صورة أمر، فقال: وأمر رسول الله عَ ليه أن لا يطوف بالبيت عريان، واقتصر من الحديث على هذا لأنه هو الذي يطابق ترجمة الباب. فافهم. فإنه دقيق لم ينبه عليه أحد من الشراح. قوله: ((أن لا يطوف)) بالنصب لأنه في الحديث المأخوذ منه عطف على المنصوب. وهو قوله: ((أن لا يحج بعد العام مشرك)). ٣٥١/١٧ - حدّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ قال حدّثنا يَزِيدُ بنُ إبراهيمَ عنْ مُحَمدٍ عن أُمّ عَطِيَّة قالَتْ أُمِرْنا أنْ نُخْرِجَ الخُيَّضَ يَوْمَ العِيدَيْنِ وَذَوَاتِ الخُدُورِ فَيَشْهْدْنَ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وَدَعْوَتَهُمْ وَيَعْتَزِلُ الخُيَّضُ عَنْ مُصَلاَّهُنَّ قَالَتِ امْرَأَةٌ يا رسولَ اللَّهِ إِحْدَانَا لَيْسَ لَهَا جِلْبَابٌ قال (لتُلِْسْها صَاحِبَتُها مِنْ جِلْبَابِها)). [انظر الحديث ٣٢٤]. مطبابقته للترجمة في قوله: ((لتلبسها صاحبتها من جلبابها)) لأنه عَّ اللّ أكد باللبس حتى بالعارية للخروج إلى صلاة العيدين، فإذا كان للخروج إلى العيد هكذا، فلأجل الفرض يكون بالطريق الأولى، وقد مر هذا الحديث في كتاب الطهارة في باب شهود الحائض العيدين بأتم من هذا، وتقدم الكلام فيه متسوفيّ. ويزيد بن إبراهيم هو: التستري أبو سعيد البصري، مات سنة إحدى وستين ومائة، ومحمد هو ابن سيرين، ورجال الإسناد كلهم بصريون. قوله: ((أمرنا)) بضم الهمزة، ولمسلم من طريق هشام عن حفصة: ((عن أم عطية قالت: أمرنا رسول الله عَ لَه)). قوله: ((الحيض)) بضم الحاء وتشديد الياء، جمع حائض. قوله: ((يوم العيدين))، وفي رواية المستملي والكشميهني: ((يوم العيد)) بالإفراد. قوله: ((عن مصلاهن))، أي: عن مصلى النساء اللاتي لسن بحيض، وفي رواية المستملي؛ ((عن مصلاهم))، بالتذكير على التغليب، وفي رواية الكشميهني؛ ((عن المصلى)) بالإفراد، وهو، بضم الميم وفتح اللام: موضع الصلاة. قوله: ((قالت امرأة)) هذه المرأة هي أم عطية، وكنت به عن نفسها، وفي رواية: ((قلت: يا رسول الله إحدانا)). قوله: ((إحدانا)) مبتدأ، أي: بعضنا، وخبره. قوله: ((ليس لها ٨٤ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣) جلباب))، وهو بكسر الجيم: الملحفة. قوله: ((لتلبسها))، بالجزم. وقال عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَجاءٍ حدّثنا عِمْرانُ حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ سِيرِينَ حدثتنا أُمّ عَطِيَّةَ سَمِعْتُ النبيَّ عَ ◌ّهِ بِهَذَا .. هذا التعليق وصله الطبراني: حدّثنا علي بن عبد العزيز عن عبد الله بن رجاء، فذكره. وفائدته: تصريح محمد بن سيرين بتحديث أم عطية له، وبطل بهذا زعم بعضهم من أن محمداً إنما سمعه من أخته حفصة عن أم عطية، وعبد الله بن رجاء - بالمد - هو الغداني، بضم الغين المعجمة وتخفيف الدال المهملة وبعد الألف نون: نسبة إلى غدانة، وهو أشرس بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، هكذا وقع في أكثر الروايات: عبد الله بن رجاء، بدون النسبة، ولكن المراد منه: الغداني، وقد وهم من قال: إنه عبد الله بن رجاء المكي وعمران المذكور هو القطان، والله أعلم. ٣ - بابُ عَقْدِ الإِزَارِ عَلَى القَفَا فِي الصَّلاةِ أي: هذا باب في بيان، عقد المصلي إزاره على قفاه، والحال أنه داخل في الصلاة، والقفا: مقصور، مؤخر العنق يذكر ويؤنث، والجمع قفي، مثل؛ عصي جمع عصا. وقد جاء أقفية، على غير قياس. ووجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله وبين الأبواب الخمسة عشر التي بعده ظاهر، لأن الكل في أحكام الثياب، غير أنه تخلل فيها خمسة أبواب ذكرها وهي غير متعلقة بأحكام الثياب. وهي: باب ما يذكر في الفخذ. وباب الصلاة في المنبر والسطوح والخشب. وباب: الصلاة على الحصير. وباب: الصلاة على الخمرة. وباب: الصلاة على الفراش. أما مناسبة باب الفخذ بالباب الذي قبله، هو أن المذكور فيه هو الصلاة في ثوب ملتحفاً به لستر العورة، والمذكور في الذي بعده حكم الفخذ، وهو أنه عورة، فإذا كان عورة يجب ستره، والستر إنما يكون بالثياب فتحققت المناسبة بينهما من هذا الوجه. وأما مناسبة باب الصلاة في المنبر بالباب الذي قبله هي: أن الثوب فيه مستعل على الذي يصلي عليه، فالمناسبة من حيث الاستعلاء متحققة، وإن كان الاستعلاء في نفسه مختلفاً. وأما: المناسبة بين الأبواب الثلاثة، وهي: باب الصلاة على الحصير، وباب الصلاة على الخمرة والفراش، فظاهرة جداً. وبقي وجه: تخلل باب إذا أصاب ثوب المصلي امرأته إذا سجد، ووجه ذلك أن السجدة فيه كانت على الخمرة، وفي الباب الذي قبله كان على المنبر أو السطوح، وكل منهما مسجد - بفتح الميم - فالمناسبة من هذه الجهة موجودة. على أنا نقول: إن هذه الوجوه التي ذكرناها إقناعية ولسيت بيرهانية، والاستئناس في مثل هذا بأدنى شيء كافٍ. وقال أبُو حازِمٍ عَنْ سَهْلٍ صَلَّوْا مَعَ النبيِّ عَ لَّهِ عَاقِدِي أُزْرِهِمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ. ٨٥ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣) هذا تعليق أخرجه المصنف مسنداً في الباب الثالث، وهو باب إذا كان الثوب ضيقاً: عن مسدد حدّثنا يحيى عن سفيان، قال: حدّثنا أبو حازم عن سهل. ومطابقته للترجمة ظاهرة، وإنما ذكر بعض هذا الحديث ههنا معلقاً، مع أنه ذكره بتمامه في الباب الثالث، لأجل الترجمة المذكورة، وذكر هذه الترجمة لتأكيد ستر العورة، لأنه إذا عقد إزاره في قفاه وركع لم تبد عورته. وقال ابن بطال: عقد الإزار على القفا إذا لم يكن مع الإزار سراويل، وأبو حازم، بالحاء المهملة والزاي: اسمه سلمة بن دينار الأعرج الزاهد المدني، وسهل هو ابن سعد الساعدي أبو العباس الأنصاري الخزرجي، وكان اسمه حزناً فسماه رسول الله عَّةٍ سهلاً، مات سنة إحدى وتسعين، وهو آخر من مات من الصحابة في المدينة. قوله: ((صلوا))، فعل ماض: ((وعاقدي أزرهم)) أصله: عاقدين أزرهم، فلما أضيف سقطت منه النون، وهي جملة حالية، وفي رواية الكشميهني: ((عاقدوا أزرهم))، فعلى هذا هو خبر مبتدأ محذوف أي: صلوا وهم عاقدو أزرهم، والأزر، بضم الهمزة وسكون الزاي: جمع إزار. وفي (المحكم) الإزار: الملحفة، والجمع أزرة وأزر حجازية، وأزر، تميمية، وهو يذكر ويؤنث. قال الداودي: سمي إزاراً لأنه يشد به الظهر. قال تعالى: ﴿فآزره﴾ [:] وهو المئزر واللحاف والقرام والمقرم، والعوائق جمع العاتق وهو موضع الرداء من المنكبين فيذكر ويؤنث. ٣٥٢/١٨ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ قال حدّثنا عاصِمُ بنُ مُحَمَّدٍ قال حدّثني وَاقِدُ بنُ مُحَمِدٍ عَنْ مُحَمَّدٍ بنِ المُنْكَدِرِ قال صَلَّى جَابِرٌ فِي إِزَارٍ قَدَ عَقَدَهُ مِنْ قِبَلِ قَفَاهُ وثِيَابُهُ مَوُضُوعَةٌ عَلَى الِمِشْجَبِ قال لَهُ قَائِلٌ تصَلِّي فِي إِزَارٍ وَاحِدٍ فقالَ إِنَا صَنَعْتُ ذَلِكَ لِيَرَانِي أَحْمَقُ مِثْلُكَ وَأَيُّنَا كانَ لَهُ ثَوْبَانِ عَلَى عَهْد النبيِّ عَِّ. [الحديث ٣٥٢ - أطرافه في: ٣٥٣، ٣٦١، ٣٧٠]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة. ذكر رجاله: وهم خمسة: الأول: أحمد بن يونس، هو: أحمد بن عبد الله بن يونس ابن عبد الله بن قيس التميمي اليربوعي أبو عبد الله الكوفي، وينسب إلى جده، مات بالكوفة في ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين، وهو ابن أربع وتسعين، وقد تقدم ذكره في باب من قال إن الإيمان هو العمل. الثاني: هو عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب. الثالث: واقد بن محمد أخو عاصم بن محمد، وهو بكسر القاف وبالدال المهملة: القريشي العدوي العمري المدني. الرابع: محمد بن المنكدر التابع المشهور، تقدم في باب صب النبي عَ له وضوءه. الخامس: جابر بن عبد الله الأنصاري. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: القول في ثلاثة مواضع. وفيه: أن رواته ما بين كوفي ومدني. وفيه: رواية الأخ عن الأخ، وهما عاصم وواقد فإنهما أخوان ابنا محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، كما ذكرناه. وفيه: رواية التابعي عن التابعي من طبقة واحدة وهما: واقد ومحمد بن المنكدر، وهذا الطريق انفرد به البخاري. ٨٦ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٣) ذكر لغاته وإعرابه قوله: ((من قبل قفاه))، بكسر القاف وفتح الباء الموحدة، بمعنى: الجهة، كلمة: من، تتعلق بقوله: ((عقده)) وهذه الجملة في محل الجر لأنها صفة الإزار. وقوله: ((وثيابه موضوعة)) جملة إسمية وقعت حالاً. قوله: ((المشجب))، بكسر الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الجيم وفي آخره باء موحدة: وهو ثلاث عيدان يعقد رؤوسها ويفرج بين قوائمها تعلق عليها الثياب. وفي (المحكم): الشجاب: خشبات موثقة منصوبة توضع عليها الثياب، والجمع: شجب، والمشجب كالشجاب، وهو الخشبات الثلاث التي يعلق عليها الراعي دلوه وسقاه. وفي كتاب (المنتهى في اللغة) يقال فلان مثل المشجب من حيث أممته وجدته. قلت: المشجب يقال له السيبة في لغة أهل الحضر، وهي بكسر السين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة وفي آخره هاء. قوله: ((فقال له قائل))، ويروى: ((قال له))، بدون:( الفاء، ووقع في مسلم أنه: عباد بن الوليد بن الصامت. قوله: ((تصلي في إزار وحد؟)) التقدير: أتصلي؟ بهمزة الاستفهام على سبيل الإنكار. قوله: ((إنما صنعت هذا))، ويروى: ((إنما صنعت ذلك))، وأشار به إلى ما فعله من صلاته وإزاره معقود على قفاه، وثيابه موضوعة على المشجب. قوله: ((ليراني)) أي: لأن يراني. وقوله: ((أحمق))، بالرفع فاعله، ومعناه: الجاهل، وهو صفة مشبهة من الحمق، بضم الحاء وسكون الميم، هو قلة العقل، وقد حمق الرجل، بالضم، حماقة فهو أحمق. وحمق أيضاً بالكسر يحمق حمقاً، مثل: غنم غنماً، فهو حمق، وامرأة حمقاء، وقوم ونسوة حمق وحمقى، وأحمقت الرجل إذا وجدته أحمق، وحمقته تحميقاً نسبته إلى الحمق، وحامقته إذا ساعدته على حمقه واستحمقته أي: عددته أحمق، وتحامق فلان إذا تكلف الحماقة. وقال ابن الأثير: وحقيقة الحمق وضع الشيء في غير موضعه مع العلم بقبحه. قوله: ((مثلك)) بالرفع صفة أحمق، ولفظة: مثل، وإن أضيفت إلى المعرفة لا يتعرف لتوغله في التنكير إلا إذا أضيفت بما اشتهر بالمماثلة، وههنا ليس كذلك، فلذلك وقعت صفة لنكرة، وهو قوله: ((أحمق)). فإن قلت: اللام في قوله: ((ليراني)) للتعليل والغرض، فكيف وجه جعل إراءته الأحمق غرضاً؟ قلت: الغرض بيان جواز ذلك الفعل فكأنه قال: صنعته ليراني الجاهل فينكر علي بجهله فأُظهر له جوازه، وإنما أغلظ عليه نسبته إلى الحماقة لإنكاره على فعله؛ بقوله: ((تصلي في إزار واحد؟)) لأن همزة الإنكار فيه مقدرة على ما ذكرنا. قوله: ((وأينا)) استفهام يفيد النفي، ومقصوده بيان إسناد فعله إلى ما تقرر في عهد رسول الله عَ ليه. ذكر ما يستنبط منه: فمن ذلك جوازه الصلاة في الثوب الواحد لمن يقدر على أكثر منه، وهو قول جماعة الفقهاء، وروي عن ابن عمر خلاف ذلك، وكذا عن ابن مسعود، فروى ابن أبي شيبة عنه: ((لا يصليّنَّ في ثوب وإن كان أوسع مما بين السماء والأرض)). وقال ابن بطال. إن ابن عمر لم يتابع على قوله. قلت: فيه نظر لأنه روي عن ابن مسعود مثل قول ابن عمر كما ذكرنا، وروي عن مجاهد أيضاً أنه للا يصلي في ثوب واحد إلاَّ إن لا يجد غيره، نعم عامة الفقهاء على خلافه، وفيه الأحاديث الصحيحة عن جماعة من الصحابة جابر وأبي ٨٧ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٤) هريرة وعمرو بن أبي سلمة. وسلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنهم. ومن ذلك أن العالم يأخذ بأيسر الشيء مع قدرته على أكثر منه توسعة على العامة ليقتدى به. ومن ذلك: لا بأس للعالم أن يصف أحداً بالحمق إذا عاب عليه ما غاب عنه علمه من السنة. وفيه: جواز التغليظ في الإنكار على الجاهل. ١٩/ ٣٥٣ - حدّثنا مُطَرِّفٌ أَبُو مُضْعَبٍ قال حدّثنا عَبْدُ الرَّحمْنِ بنُ أَبِي المَوَالِي عَنْ مُحَمَّدٍ بِنِ المُنْكَدِرِ قال رَأَيْتُ جابِرَ بنَ عَبْدِ اللَّهِ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وقال رَأَيْتُ النبيَّ عَله يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ. [انظر الحديث ٣٥٢ وأطرافه]. هذه طريقة أخرى لحديث جابر رضي الله تعالى عنه، وفيها الرفع إلى النبي عَ ◌ّه وأن الصلاة في ثوب واحد وقعت من النبي عليه الصلاة والسلام، كما ذكرها لأنها أوقع في النفس وأصرح في الرفع من الطريقة الأولى. وقال الكرماني: فإن قلت: كيف دلالة هذا الحديث على الترجمة؟ قلت: إما أنه مخروم من الحديث السابق، وإما أنه يدل عليه بحسب الغالب، إذ لولا عقده على القفا لما ستر العورة غالباً، وأنكر بعضهم على الكرماني في هذا السؤال وجوابه، وقال: ولو تأمل لفظه وسياقه بعد ثمانية أبواب لعرف اندفاع احتماليه، فإنه طرف من الحديث المذكور هناك لا من السابق، ولا ضرورة لما ادعاه من الغلبة، فإن لفظه: ((وهو يصلي في ثوب ملتحفاً به))، وهي قصة أخرى كان الثوب فيها واسعاً، فالتحف به. وكان في الأول ضيقاً فعقده. قلت: لا هو مخروم من الحديث السابق، ولا هو طرف من الحديث المذكور في الباب الثامن، بل كل واحد حديث مستقل بذاته. ومطرف، بضم الميم وفتح الطاء وكسر الراء المهملتين وفي آخره فاء: ابن عبد الله بن سليمان الأصم أبو مصعب المدني مولى أم المؤمنين وهو صاحب مالك، مات سنة عشرين ومائتين. وعبد الرحمن: هو ابن زيد بن أبي الموالي، بفتح الميم على وزن: الجواري، وفي بعض النسخ: الموال، بدون الياء. ٤ - بابُ الصَّلاةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ مُلْتَحِفاً بهِ أي: هذا باب في بيان صلاة من يصلي في الثوب الواحد حال كونه ملتحفاً به. الالتحاف، لغة: التغطي، وكل شيء تغطيت به فقد التحفت به، وقال الليث: اللحف تغطيتك الشيء باللحاف، وقال غيره: لحفت الرجل ألحفه لحفاً: إذا طرحت عليه اللحاف، أو غطيته بشيء، وتلحفت: اتخذت لنفسي لحافاً. قال الزُّهْرِيُّ في حَدِيثِهِ المُلتَحِفُ المُتَوَشِّحُ وَهْوَ المُخَالِفُ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عاتِقَيْهِ وَهْوَ الاشْتِمَالُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ. أي: قال محمد بن مسلم بن شهاب الزهري في حديثه الذي رواه في الالتحاف عن سالم بن عمر عن عبد الله بن عمر، قال: ((رأى عمر بن الخطاب رجلاً يصلي ملتحفاً، فقال له عمر، رضي الله تعالى عنه، حين سلم: لا يصلينَّ أحدكم ملتحفاً، ولا تشبهوا باليهود)). 1 ٨٨ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٤) رواه الطحاوي عن ابن أبي داود عن عبد الله بن صالح عن الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن سالم به، ورواه ابن أبي شيبة في (مصنفه): حدّثنا عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر: ((أن عمر بن الخطاب رأى رجلاً يصلي ملتحفاً، فقال: لا تشبهوا باليهود، من لم يجد منكم إلاَّ ثوباً واحداً فليتزر به)). وكذا في حديثه الذي رواه عن سعيد عن أبي هريرة، رواه أحمد وغيره. قوله: ((المتوشح)) اسم فاعل من باب التفعل، من: توشح يتوشح، والتوشح بالثوب: التغشي به، والأصل فيه من الوشاح، وهو شيء ينسج عريضاً من أديم، وربما رصع بالجواهر والخرز، وتشده المرأة بين عاتقيها وكشحيها. ويقال فيه: وشاح وإشاح، وقال ابن سيده: التوشح أن يتوشح بالثوب ثم يخرج الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم يعقد طرفيها على صدره، وقد وشحه الثوب. قوله: ((وهو المخالف)) أي: المتوشح هو الذي يخالف بين طرفي الثوب، وأوضح ذلك بقوله: ((وهو الاشتمال على منكبيه))، والضمير يرجع إلى التوشح الذي يدل عليه قوله: ((المتوشح))، كما في قوله تعالى: ﴿أعدلوا هو أقرب﴾ [المائدة: ٨] والظاهر أن الزهري لما فسر الملتحف بالمتوشح عند رواية حديثه فيه، أوضحه البخاري بقوله: وهو المخالف. إلى آخره. قال: قالَتْ أُمُّ هَانِىءٍ: التَحَفَ النبيُّ عَ لّهِ بِقَوَبٍ وخالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عاتِقَيْهِ. هذا التعليق رواه البخاري موصولاً في هذا الباب، ولكن ليس فيه. ((وخالف بين طرفيه))، وفائدة ذكر هذا هي الإشارة إلى أن أم هانىء فسرت التحاف النبي عَ لّم بثوب بقولها: ((وخالف بين طرفيه)) وقال ابن بطال: وفائدة هذه المخالفة في الثوب أن لا ينظر المصلي إلى عورة نفسه إذا ركع. قلت: يجوز أن تكون الفائدة أيضاً أن لا يسقط إذا ركع وإذا سجد. وأم هانىء، بالنون وبالهمزة: بنت أبي طالب القريشية الهاشمية، أخت علي بن أبي طالب، اسمها فاختة، وقيل: هند وقد تقدم ذكرها. ٢٠/ ٣٥٤ - حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ موسَى قال حدّثنا هِشَامُ بنُ عُزْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ ابن أبي سَلَمَةَ أنَّ النبيَّ عَّهِ صَلَّى فِي ثَوْبٍ واحدٍ قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ. [الحديث ٣٥٤ - طرفاه في: ٣٥٥، ٣٥٦]. مطابقة هذا للترجمة ظاهرة لأن قوله: ((قد خالف بين طرفيه)) هو الالتحاف الذي هو التوشح، والاشتمال على المنكبين. ذكر رجاله: وهم أربعة. الأول: عبيد الله، بتصغير العبد: بن موسى بن باذام أبو محمد العبسي، مولاهم الكوفي، قال البخاري: مات في سنة ثلاث عشرة ومائتين، وقد مر في باب دعاؤكم إيمانكم. الثاني: هشام بن عروة. الثالث: عروة بن الزبير بن العوام. الرابع: عمر ابن أبي سلمة، بضم العين، واسم أبي سلمة: عبد الله المخزومي أبو حفص، ربيب رسول الله ٨٩ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٤) عَّهِ، ولد بأرض الحبشة في السنة الثانية من الهجرة، وقبض زمان عبد الملك بن مروان بالمدينة سنة ثلاث وثمانين. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: أن رواته ما بين كوفي ومدني. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي لأن هشاماً تابعي روى عن أبيه وهو تابعي وروى هو عن صحابي، وهذا سند عال جداً يشبه سند الثلاثيات، ولو كان هشام يرويه عن صحابي لكان ثلاثياً حقيقة. لأنه يكون حينئذٍ بين البخاري وبين الصحابي اثنين، فيكون: ثلاثياً، وهنا بينه وبين الصحابي: ثلاثة، فيشبه الثلاثي من جهة العلو، وليس بثلاثي حقيقة. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره. أخرجه البخاري من ثلاثة طرق عن عبيد الله ابن موسى، وعن محمد بن المثنى، وعن عبيد الله بن إسماعيل. وأخرجه مسلم في الصلاة أيضاً عن يحيى بن يحيى، وعن أبي كريب، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم. وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة عن الليث، والنسائي عن قتيبة عن مالك، وابن ماجة عن أبي بكر ابن أبي شيبة عن وكيع، الكل عن هشام بن عروة عن أبيه به. وبقية الكلام ظاهرة. ٢١/ ٣٣٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قال حدّثنا يَحْتَى قال حدّثنا هِشَامٌ قالَ حدّثني أبي عَنْ عُمَرَ بنِ أبي سَلَمَة أَنَّهُ رَأَى النبيَّ عَلَّهُ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فِي بَيْتِ أُمَّ سَلَمَةَ قَدْ أَلْقَى طَرَفَيْهِ عَلَى عاتِقَيْهِ. [انظر الحديث ٣٥٤ وطرفيه]. هذه طريقة أخرى في الحديث المذكور، ولكنها أنزل درجة من الطريقة الأولى، وفائدة هذه الطريقة أن فيها التصريح عن عمر بن أبي سلمة أنه رأى النبي عَ لَّه يصلي في ثوب واحد، وفيها زيادة وهي قوله: ((في بيت أم سلمة)). وفائدة هذه الزيادة تعيين المكان الذي يؤيد التصريح المذكور. ورجاله المذكورون قد مروا غير مرة، ويحيى هو القطان، وأم سلمة أم المؤمنين واسمها هند بنت أبي أمية. وقد مرت غير مرة، وهي أم عمر بن أبي سلمة المذكور. ٣٥٦/٢٢ - حدّثنا عُبَيْدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ قال حدّثنا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامِ عَنْ أبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بِنَ أَبِي سَلَمَّةَ أَخْبِرَهُ قال رَأَيْتُ رسولَ اللَّهِ عَلَّهِ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ واحِدٍ مُشْتَمِلاً بِهِ فِي بَيْتِ أُمّ سَلَمَة قَدْ أَلْقَى طَرَفَيْهِ عَلَى عاتَقَيْهِ. [انظر الحديث ٣٥٤ وطرفيه]. هذه طريقة أخرى في الحديث المذكور بالنزول عن عبيد، بضم العين مصغراً. ابن إسماعيل، ويقال: اسمه عبد الله ويعرف بعبيد أبو محمد الهباري، بفتح الهاء وتشديد الباء الموحدة: الكوفي، مات سنة خمس ومائتين، يروي عن أبي أسامة حماد بن أسامة، وقد تقدم في باب فضل من علم. وفي هذه الطريقة فائدتان ليستا في الطريقتين الأوليين. إحداهما: أن فيها تصريح هشام عن أبيه بأن عمر أخبره، وفي الطريقتين الأوليين العنعنة. والأخرى: فيها .. ٩٠ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٤) ذكر لفظ الاشتمال، وهو في الحقيقة تفسير قوله: ((قد خالف بين طرفيه وألقى طرفيه على عاتقيه)). وأخرج الطحاوي هذا الحديث من أربع طرق صحاح: الأولى: عن أبي بكرة، قال: حدّثنا روح بن عبادة، قال: حدّثنا هشام بن حسان وشعبة عن عروة عن أبيه عن عمر بن أبي سلمة: ((أنه رأى رسول الله عَّه يصلي في ثوب واحد في بيت أم سلمة)). الثانية: عن يونس عن ابن وهب عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه: ((عن عمر بن أبي سلمة أنه رأى رسول الله عَّهِ يصلي في ثوب واحد في بيت أم سلمة واضعاً طرفيه على عاتقيه)). الثالثة: عن ابن أبي داود، قال: حدّثنا ابن أبي مريم وعبد الله بن صالح، قال: حدّثنا الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد عن أبي أمامة بن سهل عن عمر بن أبي سلمة، قال: ((رأيت النبي عَّ اله يصلي في ثوب واحد ملتحفاً به))، وأخرجه أبو داود عن قتيبة بن سعيد، قال: حدّثنا الليث عن يحيى بن سعيد إلى آخره، ولفظه في آخره: ((مخالفاً بين طرفيه على منكبيه)). الرابعة: مثل رواية أبي داود: عن علي بن عبد الرحمن، حدّثنا عبد الله بن صالح حدثني الليث، قال: حدثني يحيى بن سعيد عن أبي أمامة بن أبي سلمة، قال: ((رأيت رسول الله عَ لّه يصلي في ثوب واحد ملتحفاً به مخالفاً بين طرفيه على منكبيه)). قوله: ((يصلي في ثوب واحد)) جملة فعلية في محل النصب على أنها مفعول ثان لقوله: ((رأيت)). قوله: ((مشتملاً)) بالنصب على الحال من الرسول، هذه رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي والحموي بالجر أو الرفع، فوجه الجر للمجاورة، ووجه الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: وهو مشتمل به. قوله: ((في بيت أم سلمة)) إما ظرف لقوله: يصلي، وإما للاشتمال، وإما لهما. وقال ابن بطال: التوشح نوع من الاشتمال تجوز الصلاة به، والفقهاء مجمعون على جواز الصلاة في ثوب واحد، وقد روي عن ابن مسعود خلاف ذلك. قلت: ذهب طاوس وإبراهيم النخعي وأحمد في رواية، وعبد الله بن وهب من أصحاب مالك ومحمد بن جرير الطبري إلى: أن الصلاة في ثوب واحد مكروهة إذا كان قادراً على ثوبين، وإن لم يكن قادراً إلاَّ على ثوب واحد يكره أيضاً أن يصلي به ملتحفاً مشتملاً به، بل السنة أن يأتزر به. واحتجوا في ذلك بما رواه الطحاوي. قال: حدّثنا ابن أبي داود، قال: حدّثنا زهير بن عباد، قال: حدثنا حفص بن ميسرة عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر، قال: قال رسول الله عَّله: ((إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه، فإن الله أحق من تزين له، فإن لم يكن له ثوبان فليتزر إذا صلى ولا يشتمل أحدكم في صلاته اشتمال اليهود)». ورواه البيهقي أيضاً. وذهب جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين إلى أن الصلاة في ثوب واحد تجوز، والذين ذهبوا إلى ذلك جماعة من الصحابة، وهم: ابن عباس وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري وعلي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وأنس بن مالك وخالد بن الوليد وجابر بن عبد الله وعمار بن ياسر وأبي بن كعب وعائشة وأسماء وأم هانىء، رضي الله تعالى عنهم، ومن ٩١ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٤) التابعين: الحسن البصري ومحمد بن سيرين والشعبي وسعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن ومحمد بن الحنفية وعطاء بن أبي رباح وعكرمة وأبو حنيفة، رضي الله تعالى عنهم، ومن الفقهاء: أبو يوسف ومحمد ومالك والشافعي وأحمد في رواية إسحاق بن راهويه وآخرون كثيرون، واحتجوا في ذلك بالأحاديث المذكورة في هذا الباب. وقال الطحاوي: تواترت الأحاديث وتتابعت بجواز الصلاة في الثوب الواحد متوشحاً به في حال وجود غيره من الثياب، وأخرج في ذلك عن أحد عشر صحابياً، وهم؛ أبو هريرة وطلق بن علي وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمرو وعمر بن أبي سلمة وسلمة بن الأكوع وعبد الله بن عباس وأبي ابن كعب وأبو سعيد الخدري وأنس بن مالك وأم هانىء، رضي الله تعالى عنهم. ولما أخرج الترمذي حديث عمر بن أبي سلمة في الصلاة في ثوب واحد قال: وفي الكتاب عن أبي هريرة وجابر وسلمة بن الأكوع وأنس وعمرو بن أبي أسد وأبي سعيد وكيسان وابن عباس وعائشة وأم هانىء وعمار بن ياسر وطلق بن علي وعبادة بن الصامت، رضي الله تعالى عنهم. قلت: وفي الباب أيضاً عن حذيفة وعبد الله بن أبي أمية وعبد الله بن أبي أنيس وعبد الله بن سرجس وعبد الله بن عبد الله بن المغيرة المخزومي وعلي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل ومعاوية بن أبي سفيان وأبي أمامة وأبي عبد الرحمن حاضن عائشة وأم حبيبة وأم الفضل ورجل لم يسم؛ فحديث أبي هريرة عند البخاري وأبي داود؛ وحديث طلق ابن علي عند أبي داود والطحاوي، وحديث جابر عند الطحاوي والبزار، وحديث عبد الله بن عمر عند الطحاوي، وحديث عمر بن أبي سلمة عند البخاري وغيره، وحديث سلمة بن الأكوع عند أبي داود والطحاوي، وحديث أم هانيء عند البخاري وغيره، وحديث عبد الله ابن عباس عند الطحاوي، وحديث أبي بن كعب عند ابن أبي شيبة والطحاوي، وحديث أبي سعيد الخدري عند ابن ماجه والطحاوي، وحديث أنس بن مالك عند أحمد والطحاوي، وحديث عمرو بن أبي أسد عند البغوي في (معجم الصحابة) والحسن بن سفيان في مسنده، وحديث كيسان عند ابن ماجة، وحديث عائشة عند أبي داود وحديث عمار بن ياسر عند(١)، وحديث عبادة بن الصامت عند الطبراني في (الكبير)، وحديث حذيفة عند أحمد، وحديث عبد الله بن أبي أمية عند الطبراني في (الكبير) وحديث عبد الله بن أبي أنيس عند الطبراني أيضاً، وحديث عبد الله بن سرجس عنده أيضاً، وحديث عبد الله بن عبد الله المغيرة عند أحمد، وحديث علي بن أبي طالب عند الطبراني، وحديث معاذ عنده أيضاً، وحديث معاوية عنده أيضاً، وحديث أبي أمامة عنده أيضاً، وحديث عبد الرحمن حاضن عائشة عنده أيضاً في (الأوسط) وحديث أم حبيبة عند أحمد، وحديث أم الفضل عنده أيضاً، وحديث الرجل الذي لم يسم عنده أيضاً، فمن أراد أن يقف على متون أحاديثهم بأسانيدها فعليه بشرحنا (شرح معاني الآثار). (١) هنا بياض في جميع الأصول. ٩٢ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٤) وأما الجواب عما احتجت به الطائفة الأولى من حديث عبد الله بن عمر فهو أن ابن عمر روى عن النبي عَّهِ، إباحة الصلاة في ثوب واحد، أخرجه الطحاوي عن أبي بكرة عن روح عن زمعة بن صالح، قال: سمعت ابن شهاب يحدث عن سالم عن أبيه عن النبي عَّه، مثل ما روى البخاري عن جابر، رضي الله تعالى عنه، فظهر من هذا أن حديثه ذاك في استعمال الأفضل، فبهذا يرتفع الخلاف بين روايتيه، وكذلك كل ما روي في هذا الباب من منع الصلاة في ثوب واحد فهو محمول على الأفضل لا على عدم الجواز، وقيل: هو محمول على التنزيه لا على التحريم. ٢٣/ ٣٥٧ - حدّثنا إسماعيلُ بنُ أبي أُوَيْسٍ قال حدّثني مالِكُ بنُ أنِسٍ عَنْ أبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أنَّ أَبَا مُؤَّةً مَوْلَى أَمَّ هانِىءٍ بِنْتِ أبي طالِبٍ أُخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَّ هانِىءٍ بِنْتَ أبي طالِبٍٍ تَقُولُ ذَهَبْتُ إِلَى رسولِ اللهِ عَُّله عامَ الفَتْحِ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وفاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُهُ قَالَتْ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فقالَ مَنْ هَذِهِ فَقُلْتُ أنا أُمُّ هَانِيءٍ بِنْتُ أبي طالِبٍ فقالَ مَرْحَباً بِأُمّ هَانِىءٍ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسُلِهِ قامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَجِفاً فِي ثَوْبٍ واحِدٍ فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ يا رسولَ اللَّهِ زَعَمَ ابِنُ أُمِّي أنَّهُ قاتِلٌ رَجُلاً قَدْ أَجَرْتُهُ فُلاَنَ بنَ هُبَيْرَةَ فَقال رسولُ الله عَِّ قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يا أُمُّ هَانِىءٍ قَالَتْ أَمّ هَانِيٍ وذَكَ ضُحّى. [انظر الحديث ٢٠ وطرفيه]. مطابقته للترجمة ظاهرة. ذكر رجاله: وهم خمسة ذكروا غير مرة، وأبو النضر، بفتح النون وسكون الضاد المعجمة: واسمه سالم بن أبي أمية مولى عمر بن عبيد الله بن معمر القريشي التيمي، مات سنة تسع وعشرين ومائة، وأبو مرة، بضم الميم وتشديد الراء: اسمه يزيد. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، وبصيغة الإفراد في موضع. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: الإخبار بصيغة الإفراد. وفيه: السماع. وفيه: القول. وفيه: أن رواته مدنيون. وفيه: أن أبا مرة مولى أم هانىء، وذكر في باب العلم مولى عقيل، وهو في نفس الأمر مولى أم هانيء، ونسب إلى ولاء عقيل مجازاً لإكثاره الملازمة لعقيل. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الطهارة وفي الأدب عن القعنبي. وأخرجه مسلم في الطهارة، وفي الصلاة عن يحيى بن يحيى عن مالك به، وفي · الطهارة أيضاً عن محمد بن رمح، عن أبي كريب، وفي الصلاة أيضاً عن حجاج بن الشاعر. وأخرجه الترمذي في الاستئذان عن إسحاق بن موسى عن معن عن مالك به، وفي السير عن أبي الوليد الدمشقي. وأخرجه النسائي في الطهارة عن يعقوب بن إبراهيم عن ابن مهدي عن مالك، وفي السير عن إسماعيل بن مسعود. وأخرجه ابن ماجة في الطهارة عن محمد بن رمع. ٩٣ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٤) ذكر معانيه وإعرابه قوله: ((عام الفتح)) أي: فتح مكة. قوله: ((يغتسل)) جملة حالية. وقوله: ((وفاطمة تستره))، جملة إسمية حالية أيضاً. قوله: ((فقلت أنا)). ويروى: ((قلت)). بدون: الفاء. قوله: ((مرحبا))، منصوب بفعل مقدر تقديره: لقيت رحبا وسعة. قوله: ((ثماني ركعات)) بكسر النون وفتح الياء، قال الكرماني: ثمان ركعات، بفتح النون. قلت: حينئذٍ يكون منصوباً بقوله: فصلى، وقال الجوهري: هو في الأصل منسوب إلى الثمن، لأنه الجزء الذي صير السبعة ثمانية فهو ثمنها، ثم إنهم فتحوا أوله لأنهم يغيرون في النسب، وحذفوا منه إحدى يائي النسبة وعوضوا منها الألف، كما فعلوا في المنسوب إلى اليمني، فثبتت ياؤه عند الإضافة كما ثبتت ياء القاضي تقول: ثماني نسوة، وتسقط مع التنوين عند الرفع والجر، وتثتب عند النصب لأنه ليس بجمع. قوله: ((ملتحفاً))، نصب على الحال من الضمير الذي في: صلى. قوله: ((فلما انصرف)) أي: من الصلاة. قوله: ((زعم))، معناه هنا: قال أو ادعى. قوله: ((ابن أمي)) وفي رواية الحموي: ((ابن أبي))، ولا تفاوت في المقصود لأنها أخت علي، رضي الله تعالى عنه، من الأب والأم، ولكن الوجه في رواية: ((ابن أمي)) تأكيد الحرمة والقرابة والمشاركة في البطن، وذلك كما في قوله تعالى، حكاية عن هارون لموسى، عليهما الصلاة والسلام: ﴿قال يا ابن أمي لا تأخذ بلحيتي﴾ [طه: ٩٤]. قوله: ((إنه قاتل)) لفظ قاتل اسم فاعل لا ماضٍ من باب المفاعلة، والمعنى أنه عازم لقتله، لأنه لم يكن قاتلاً حقيقة في ذلك الوقت، ولكن لما عزم على التلبس بالفعل أطلقت عليه القاتل. قوله: ((رجلاً)) منصوب بقوله: قاتل. قوله: ((قد أجرته)) جملة في محل النصب لأنها صفة لرجل، وهو بفتح الهمزة بدون المد، ولا يجوز فيه المد لأنه إما من الجور فتكون الهمزة فيه للسلب. والإزالة يعني لسلب الفاعل على المفعول أصل الفعل، نحو: أشكيته، أي: أزلت شكايته. وإما من الجوار بمعنى: المجاورة. قوله: ((فلان بن هبيرة)) يجوز فيه الرفع والنصب، أما الرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف، وأما النصب فعلى أنه بدل من: رجلاً، أو من الضمير المنصوب في أجرته. وهبيرة، بضم الهاء وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وبالراء: ابن أبي وهب بن عمر بن عائد بن عمران المخزومي زوج أم هانىء بنت أبي طالب، شقيقة علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، وهي أسلمت عام الفتح، وكان لهبيرة أولاد منها وهم: عمر، وبه كان يكنى، وهانيء ويوسف وجعدة، وقد ذكرنا أن اسم أم هانىء: فاختة، وكنيت بهانىء أحد أولادها المذكورين. ثم قولها؛ فلان ابن هبيرة، فيه اختلاف كثير من جهة الرواية ومن جهة التفسير، ففي (التمهيد) من حديث محمد بن عجلان عن سعيد بن أبي سعد عن أبي مرة: ((عن أم هانىء قالت: أتاني يوم الفتح حموان لي فاجرتهما، فجاء علي يريد قتلهما فأتيت النبي عَّ ◌ُلّه وهو في قبة بالأبطح بأعلى مكة)). الحديث، وفيه: ((أجرنا من أجرت وأمَّنَّا من أمنت)). وفي (معجم الطبراني) ((إني أجرت حموي)). ٩٤ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٤) وفي رواية: ((حموي ابن هبيرة)). وفي رواية: ((حموي ابني هبيرة)). وقال أبو عمر: في حديث أبي النضر ما يدل على أن الذي أجرته كان واحداً، وفي هذا اثنين: وأما من جهة التفسير فقال أبو العباس ابن سريج: الرجلان هما: جعدة بن هبيرة، ورجل آخر، وكانا من الشرذمة الذين قاتلوا خالداً، رضي الله تعالى عنه، ولم يقبلوا الأمان ولا ألقوا السلاح، فأجارتهما أم هانيء، وكانا من أحمائها، وروى الأزرقي بسند فيه الواقدي في حديث أم هانيء هذا: أنهما الحارث بن هاشم، وابن هبيرة بن أبي وهب، وجزم ابن هشام في (تهذيب السيرة) بأن اللذين أجارتهما أم هانىء هما: الحارث بن هاشم وزهير بن أبي أمية المخزوميان. وقال الكرماني: أرادت أم هانىء ابنها من هبيرة أو ربيبها، كما أن الإبهام فيه محتمل أن يكون من أم هانيء، وأن يكون إِلراوي نسي اسمه فذكره بلفظ: فلان، قال الزبير بن بكار: فلان بن هبيرة هو: الحارث بن هاشم المخزومي، وقال بعضهم؛ الذي يظهر لي أن في رواية الباب حذفاً، لأنه كان فيه فلان بن عم هبيرة، فسقط لفظ: عم، أو كان فيه: فلان قريب هبيرة، فتغير لفظ: قريب، بلفظ: ابن، وكل من الحارث بن هشام، وزهير بن أبي أمية، وعبد الله بن أبي ربيعة يصح وصفه بأنه: ابن عم هبيرة. وقريبه، لكون الجميع من بني المخزوم. قلت: الأصوب والأقرب أن يقول في توجيه رواية أبي النضر. فلان بن هبيرة، أن يكون المراد من فلان هو؛ ابن هبيرة من غير أم هانيء: فنسي الراوي اسمه وذكره بلفظ: فلان، ويدل على صحة هذا رواية ابن عجلان في (التمهيد) وروايات الطبراني، فإنها تدل على أن الذي أجارته أم هانيء هو حموها. فإن قلت: المذكور في رواية أبي النضر واحد، وفي هذه الروايات اثنان. قلت: لا يضر ذلك لأنه يحتمل أن يكون الراوي اقتصر على ذكر واحد منهما نسياناً، كما أبهم اسمه نسياناً، وقال ابن الجوزي: إن كان ابن هبيرة منها فهو جعدة، وجوز أبو عمر أن يكون من غيرها وهو الأصوب لما ذكرنا. فإن قلت: قال بعضهم: نقل أبو عمر، من أهل النسب أنهم لم يذكروا لهبيرة ولداً من غيرها. قلت: لا يلزم من عدم ذكرهم ذلك أن لا يكون له ابن من غيرها. فإن قلت: قال هذا القائل: جعدة معدود فيمن له رواية ولم يصح له صحبة، وقد ذكره من حيث الرواية في التابعين: البخاري وابن حبان وغيرهما، فكيف يتهيأ لمن هذه سبيله في صغر السن أن يكون عام الفتح مقاتلاً حتى يحتاج إلى الأمان؟ ثم لو كان ولد أم هانىء لم يهم، علي رضي الله عنه، بقتله لأنها كانت قد أسلمت وهرب زوجها وترك ولدها عندها؟ قلت: كونه تابعياً أو صحابياً على ما فيه الاختلاف لا ينافي ما ذكرناه فيما قبل ذلك، وقوله: فكيف يتهيأ إلى آخره؟ مجرد دعوى فيحتاج إلى برهان، فظهر مما ذكرنا أن قول الكرماني: أرادت أم هانىء ابنها من هبيرة أو ربيبها أقرب إلى الصواب وأوجه. وقول بعضهم: والذي يظهر لي ... الخ بعيد من ذلك، وتصرف من عنده بغير وجه لأن فيه ارتكاب الحذف والمجاز والتقدير بشيء بعيد غير مناسب، ومخالف لما ذكره هؤلاء المذكورون آنفاً، وهذا كله خلاف الأصل، ومما يمجه من له يد في التصرف في الكلام. ٩٥ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٤) قوله: ((وذلك ضحى)) ويروى: ((وذاك ضحى))، وهو إشارة لما ذكرته من قولها: ((فصلى ثماني ركعات)) أي: كان ذلك وقت ضحى، والدليل عليه ما في رواية أحمد في هذا الحديث، وذلك يوم فتح مكة ضحى، ويجوز أيضاً أن يقال: وذلك صلاة ضحى، والدليل عليه ما في رواية أبي حفص بن شاهين أن أم هانىء قالت: يا رسول الله؟ ما هذه الصلاة؟ قال: ((الضحى))، وما رواه ابن أبي شيبة: ((ثم صلى الضحى ثماني ركعات))، وهذا الوجه هو الأصح، وهذا أيضاً يمنع التحرض في ذلك بأن قال بعضهم هي: صلاة الفتح، وبعضهم: صلاة الإشراق، والدليل على ذلك ما في رواية مسلم: ((ثم صلى ثماني ركعات سبحة الضحى)). ذكر استنباط الأحكام منه: منها: جواز تستر الرجال بالنساء. ومنها: جواز السلام من وراء حجاب. ومنها: عدم الاكتفاء بلفظ: أنا، في الجواب، بل يوضح غاية التوضيح كما في ذكر الكنية والنسب ههنا. ومنها: استحباب الترحيب بالزائر وذكر كنيته. ومنها: أنه يدل على صلاة الضحى وأنها ثماني ركعات. ومنها: جواز أمان رجل حر أو امرأة حرة لكافر واحد أو جماعة، ولم يجز بعد ذلك قتالهم إلاَّ أن يكون في ذلك مفسدة، ولا يجوز أمان ذمي لأنه متهم بهم، ولا أسير ولا تاجر يدخل عليهم، ولا أمان عبد عند أبي حنيفة إلاَّ أن يأذن له مولاه في القتال. وقال محمد: يجوز، وهو قول الشافعي وأبي يوسف في رواية، وفي رواية أخرى عنه. مثل قول أبي حنيفة، ولو أمن الصبي وهو لا يعقل لا يصح، كالمجنون. وإن كان يعقل وهو محجور عن القتال فعلى الخلاف، وإن كان مأذوناً له في القتال فالأصح أنه يصح بالاتفاق. ٢٤ / ٣٥٨ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عَنِ ابنِ شِهَابٍ عنْ سَعِيدِ ابنِ المُسَيِّبِ عَنْ بِي هُرَيْرَةَ أنّ سَائِلاً سألَ رسولَ اللَّهِ عَ لِ عَنِ الصَّلاَةِ فِي ثوبٍ واحِدٍ فقال رسولُ اللَّهِ عَلِ أَوَ لِكُلِّكُمْ قَوْبَانٍ. [الحديث ٣٥٨ - طرفه في: ٣٦٥]. مطابقته للترجمة ظاهرة لأن السؤال فيه عن الصلاة في الثوب الواحد، والجواب في الحقيقة أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة على ما تقرر عن قريب. ذكر رجاله وهم خمسة قد ذكروا غير مرة، ومالك هو ابن أنس، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري. ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد والإخبار كذلك. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. ذكر من أخرجه غيره. أخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك عن ابن شهاب. إلى آخره، نحوه. وقال: حدثني حرملة بن يحيى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، وحدثني عبد الملك بن شعيب بن الليث، قال: حدثني أبي عن جدي قال: حدثني عقيل بن خالد، كلاهما عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي ٩٦ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٤) هريرة عن النبي عَّةٍ، وأخرجه أبو داود عن القعنبي عن مالك، والنسائي عن قتيبة بن سعيد عن مالك. وأخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وهشام بن عمار، كلاهما عن سفيان ابن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة. وأخرجه الطحاوي من ستة طرق، وأحمد والدارمي والبيهقي، وروى ابن حبان هذا الحديث من طريق الأوزاعي عن ابن شهاب، لكن قال في الجواب: ((ليتوشح به ثم ليصل فيه)). وأخرجه أبو داود عن مسدد: حدّثنا ملازم ابن عمرو الحنفي حدّثنا عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق عن أبيه قال: ((قدمنا على نبي الله مَّلِ فجاء رجل فقال: يا نبي الله! ما ترى في الصلاة في الثوب الواحد؟ قال: فأطلق رسول الله عَ لّهِ إزاره وطارق له رداءه فاشتمل بهما، ثم قام فصلى بنا رسول الله عَ لِّ، فلما أن قضى الصلاة قال: أَوَ كلكم يجد ثوبين؟)) وأخرجه الطبراني، وفي روايته طابق، قوله: ((طارق)). من قولهم: طارق الرجل بين الثوبين: إذا ظاهر بينهما، أي لبس أحدهما على الآخر، وكذلك معنى: طابق. وأخرج الطحاوي حديث طلق بن علي هذا من طريقين أحدهما نحو حديث أبي هريرة سواء. ذكر معناه قوله: ((أن سائلاً)) وفي رواية الطحاوي عن أبي هريرة قال: ((قام رجل فقال: يا رسول الله أَوَنصلي في ثوب واحد؟ قال: نعم. فقال: أو كلكم يجد ثوبين»؟ وفي رواية ابن أبي شيبة عن أبي هريرة؟ قال: ((سئل النبي عَُّلّم عن الصلاة في الثوب الواحد فقال: أو لكلكم ثوبان؟)) وعلى كل تقدير السائل مجهول. قوله: ((أو لكلكم ثوبان؟)) الهمزة فيه للاستفهام. (وقال الكرماني): فإن قلت: ما المعطوف عليه بالواو؟ قلت: مقدر، أي: أأنت سائل عن مثل هذا الظاهر؟ ومعناه: لا سؤال عن أمثاله ولا ثوبين لكلكم، إذ الاستفهام مفيد لمعنى النفي بقرينة المقام، وهذا التقدير على سبيل التمثيل. قلت: اللفظ، وإن كان لفظ الاستفهام، ولكن المعنى بالإخبار عما كان يعلمه عَّ له من حالهم في العدم وضيق الثياب، يقول: فإذا كنتم بهذه الصفة وليس لكل واحد منكم ثوبان، والصلاة واجبة عليكم، فاعلموا. أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة. وقال القاضي عياض: وقول النبي عَّ: أو لكلكم ثوبان؟ أو؛ يجد ثوبين؟ صيغته صيغة الاستفهام، ومعناه التقرير والإخبار عن معهود حالهم، وفي ضمنه دليل على الرخصة وتنبيه على أن الثوب أفضل وأتم، وهو المهفوم منه عند أكثر العلماء. قلت: ذهب الطحاوي والباجي أيضاً إلى أن مفهومه التسوية بين الصلاة في الثوب الواحد مع وجود غيره وعدمه في الإجزاء. وقال الخطابي: لفظه استخبار ومعناه استخبار ومعناه الإخبار عن الحال التي كانوا عليها من ضيق الثياب والتقتير لما عندهم، وقد وقعت في ضمنه الفتوى من طريق الفحوي، كأنه استزادهم في هذا علماً وفقهاً. يقول: إذا كان ستر العورة واجباً على كل واحد منكم، وكانت الصلاة لازمة له، وليس لكل واحد منكم ثوبان، فكيف لم تعلموا أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة؟ وقال الطحاوي: لو كانت الصلاة مكروهة في الثوب الواحد لكرهت لمن لا يكون له إلاَّ ثوب واحد، لأن حكم الصلاة في الثوب الواحد لمن يجد ثوبين، كهو في الصلاة لمن لا يجد غيره. وقال بعضهم: وهذه ٩٧ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٥) الملازمة في مقام المنع للفرق بين القادر وغيره، والسؤال إنما كان عن الجواز وعدمه، لا عن الكراهة. قلت: أخذ هذا القائل صدر الكلام من كلام الطحاوي ثم غمز فيه، ولو أخذ جميع كلامه لما كان يجد إلى ما قاله سبيلاً. ٥ - بابٌ إِذَا صَلَّى فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ فَلْيَجْعَلْ عَلَى عاتِقَيْهِ أي: هذا باب فيه إذا صلى الرجل إلى آخره أي: فليجعل بعضه على عاتقيه، وفي بعض النسخ على عاتقه بالإفراد، وفي بعضها فليجعل على عاتقه شيئاً. وفي (المخصص): ومن المنكبين إلى أصل العنق عاتقان. وقال أبو عبيد: هو مذكر وقد أنث، وقد قال أبو حاتم: وليس يثبت، وزعموا أن هذا البيت مصنوع، وهو: لا صلح بيني فاعلموه ولا بينكم ما حـمــت عاتقي والجمع: عتق وعواتق، وزاد في (المحكم): وعتق، وعن اللحياني: هو مذكر لا غيره، وفي (الموعب): صفح العنق من موضع الرداء من الجانبين جميعاً يقال له: العاتق. وقال أبو حاتم: روى من لا أثق به التأنيث، وسألت بعض الفصحاء فأنكر التأنيث، وقد أنشدني من لا أثق به بيتاً ليس بمعروف ولا عن ثقة. ((لا صلح بيني)) ... إلى آخره. وقال ابن التياني: قال أبو عبيد: قال الأحمر: العاتق يذكر ويؤنث، وأنشدنا. ((لا صلح بيني)). الخ. وقال ابن الأنباري عن الفراء مثله، وفي (الجامع): هو مذكر وبعض العرب يؤنث، وأنكره بعضهم، وقال: هذا لا يعرف، وأما يعقوب بن السكيت فذكره مذكراً ومؤنثاً من غير تردد، وتبعه على ذلك جماعة منهم: أبو نصر الجوهري، وقد أنشد ابن عصفور في ذكر الأعضاء التي تذكر وتؤنث: يؤنث أحياناً وحينا يذكر وهاك من الأعضاء ما قد عددته وعاتقه والمتن والضرس يذكر لسان الفتى والعنق والإبط والقفا وعجز الفتى ثم القريض المحبر وعندي ذراع والكراع مع المعا سوى سيبويه وهو فيهم مكبر كذا كل نحوي حكى في كتابه أتى وهو للتذكير في ذاك منكر يرى أن تأنيث الذراع هو الذي وقال صاحب (دستور اللغة): بديع الزمان: باب الأسماء الخالية من علامات التأنيث، والأسماء التي اشترك فيها التذكير والتأنيث، وهي حدود مائتي اسم ونيف، وعلامة المشترك يجمعها قوله نظماً: ل أذن سن معا رِمجل يد عين يمين عضد كف شكا زعجز ساق كراع كبد قتب ذراع أصبع ناب عجو ـر زندها ذكاء طاغوت يد وحش جراد رجلها أروى سعيـ خيل اتان وصف أنثى المفرد ذود طباع خنصر روح شبا عمدة القاري /ج٤ /م٧ ٩٨ ٨ - كتاب الصلاة / باب (٥) وذكر بعد هذا أحد عشر بيتاً على قافية الباء الموحدة، وسبعة أبيات أخرى على قافية اللام. ٣٥٩/٢٥ - حدّثنا أبُو عاصِم عَنْ مالِكِ عَنْ أبي الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحمْنِ الأَعْرَجِ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَال قال النبيُّ عَّهِ لاَ يُصَلِّي أحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عاتِقَيْهِ شَيْءٌ. [الحديث ٣٥٩ - طرفه في: ٣٦٠]. مطابقته للترجمة ظاهرة. ورجاله: قد تقدموا غير مرة، وأبو عاصم هو: الضحاك بن مخلد، بفتح الميم: البصري المشهور بالنبيل، وأبو الزناد، بكسر الزاي وتخفيف النون: وهو عبد الله بن ذكوان. قوله: ((لا يصلي)) بإثبات الياء لأنه نفي، لأن لا نافية، ولا النافية لا تسقط شيئاً، ولكن معناه النهي، ونص ابن الأثير على إثبات الياء في (الصحيحين) ورواه الدارقطني في (غرائب مالك) بلفظ: ((لا يصل)) بغير: ياء، على أن كلمة: لا، ناهية. ورواه النسائي، وقال: أخبرنا محمد بن منصور، قال: حدّثنا سفيان، قال: حدّثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ ليه: ((لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء)) بزيادة: نون التوكيد في: ((لا يصلي))، ورواه الإسماعيلي من طريق الثوري عن أبي الزناد بلفظ: ((نهى رسول الله عَّه))، ورواه أبو داود قال: حدّثنا مسدد حدّثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَّ: ((لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على منكبه منه شيء)) وأخرج الطحاوي هذا الحديث من أربع طرق، وذلك بعد أن قال: تواترت الآثار عن النبي عَّم بالصلاة في الثوب الواحد متوشحاً به في حال وجود غيره، ثم قال: فقد يجوز أن يكون ذلك على ما اتسع من الثياب خاصة لا على ما ضاق منها، ويجوز أن يكون على كل الثياب ما ضاق منه وما اتسع، فنظرنا في ذلك فإذا عبد الرحمن بن عمر الدمشقي قد حدّثنا، قال: حدّثنا أبو نعيم، قال: حدّثنا فطر بن خليفة عن شرحبيل بن سعد، قال: ((حدّثنا جابر أن رسول الله عَ ليه كان يقول: إذا اتسع الثوب فتعطف به على عاتقك، وإذا ضاق فاتزر به ثم صل)). فثبت بهذا الحديث أن الاشتمال هو المقصود، وأنه هو الذي ينبغي أن يفعل في الثياب التي يصلي فيها، فإذا لم يقدر عليه لضيق الثوب اتزر به. واحتجنا أن ننظر في حكم الثوب الواسع الذي يستطيع أن يتزر به ويشتمل، هل يشتمل به أو يتزر؟ فكيف يفعل؟ فإذا يونس قد حدّثنا قال: حدّثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي عَِّ، قال: ((لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء)) فنهى عليه الصلاة والسلام، في حديث أبي الزناد عن الصلاة في الثوب الواحد متزراً به. وقد جاء عنه عَ لَّم أيضاً: ((أنه نهى أن يصلي الرجل في السراويل وحده ليس عليه غيره)). حدّثنا عيسى بن إبراهيم الغافقي، قال: حدّثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني زيد بن الحباب عن أبي المنيب عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن رسول الله عد اله بذلك، فهذا مثل ذلك، وهذا عندنا على الوجود معه غيره، وإن كان لا يجد غيره فلا بأس ٩٩ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٥) بالصلاة فيه، كما لا بأس بالصلاة في الثوب الصغير متزراً به، فهذا تصحيح معاني هذه الآثار المروية عن رسول الله عَ ليه في هذا الباب. قوله: ((ليس على عاتقه شيء)) جملة حالية بدون الواو، ويجوز في مثل هذا: الواو، تركه. (قال الكرماني) هذا النهي للتحريم أم لا؟ قلت: ظاهر النهي يقتضي التحريم، لكن الإجماع منعقد على جوز تركه، إذ المقصود ستر العورة، فبأي وجه حصل جاز. قلت: فيه نظر، لأن الإجماع ما انعقد على جواز تركه، وهذا أحمد لا يجوز صلاة من قدر على ذلك وتركه، ونقل ابن المنذر عن محمد بن علي عدم الجواز، ونقل بعضهم وجوب ذلك عن نص الشافعي، رحمه الله، واختاره، مع أن المعروف في كتب الشافعية خلافه. وقال الخطابي: هذا نهي استحباب وليس على سبيل الإيجاب، فقد ثبت أنه عَّ صلى في ثوب كان بعض طرفيه على بعض نسائه، وهي نائمة، ومعلوم أن الطرف الذي هو لابسه من الثوب غير متسع لأن يتزر به، ويفضل منه ما يكون لعاتقه، إذ لو كان لا بد أن يبقى من الطرف الآخر منه القدر الذي يسترها، وفي حديث جابر الذي يتلو هذا الحديث أيضاً جواز الصلاة من غير شيء على العاتق. ٣٦٠/٢٦ - حدّثنا أبُو نُعَيْم قال حدّثنا شَيْبَانُ عَنْ يَخْتَى بنِ أبي كَثِيرٍ عَنْ عِكْرَمَة قال سَمِعْتُهُ أَوْ كُنْتُ سَأَلْتُهُ قال سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ رسولَ الله عَُّلَّه يَقُولُ مَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ واحِدٍ فَلْيُخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ. [انظر الحديث ٣٥٩]. وجه مطابقة هذا الحديث للترجمة من حيث إن المخالفة بين طرفي الثوب لا يتيسر إلا بجعل شيء من الثوب على العاتق. وقال بعضهم: في بعض طرق هذا الحديث: فليخالف بين طرفيه على عاتقيه، وهو عند أحمد من طريق معمر عن يحيى، وعند الإسماعيلي وأبي نعيم من طريق حسين عن شيبان، ثم ادعى أن هذا أولى في مطابقة الترجمة، لأن فيه التصريح بالمراد، فالمصنف أشار إليه كعادته. قلت: دعوى الأولوية غير صحيحة، لأن الدلالة على المراد من الطريق الذي للمصنف من نفس الكلام المسوق أولى من الكلام الأجنبي عنه. ذكر رجاله: وهم خمسة. الأول: أبو نعيم، بضم النون: الفضل بن دكين، بضم الدال. الثاني: شيبان بن عبد الرحمن. الثالث: يحيى بن أبي كثير، ضد قليل. الرابع: عكرمة مولى ابن عباس. الخامس: أبو هريرة رضي الله تعالى عنه. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: الشك من يحيى بين السماع والسؤال حيث قال أولاً: سمعته، أي سمعت عكرمة، ثم قال: أو كنت سألته يعني: سمعت منه إما بسؤالي أو بغير سؤالي، لا أحفظ كيفية الحال. وأخرجه الإسماعيلي عن مكي بن عبدان عن حمدان السلمي عن أبي نعيم بلفظ: سمعته أو كتب به إلي، والشك هنا بين السماع والكتابة. وقال الإسماعيلي: لا أعلم أحداً ١٠٠ ٨ - كتاب الصلاة/ باب (٦) ذكر فيه سماع يحيى عن عكرمة. ورواه هشام وحسين المعلم ومعمر وزيد بن سنان، كل قال: عن عكرمة لم يذكر خبراً ولا سماعاً. وأخرجه أبو داود من حديث يحيى عن عكرمة عن أبي هريرة بالعنعنة من غير شك، ولفظه: ((إذا صلى أحدكم في ثوب فليخالف بطرفيه على عاتقيه)). وفيه: الشهادة والسماع من أبي هريرة حيث قال: أشهد أني سمت رسول الله عَّ الله، وذلك إشارة إلى حفظه وإتقانه واستحضاره. ذكر معناه قوله: ((في ثوب واحد))، لفظ: واحد، في رواية الكشميهني وفي رواية غيره: ((في ثوب))، بدون ذكر لفظ: واحد. قوله: ((فليخالف بين طرفيه))، أي: بين طرفي الثوب، والمخالفة بطرفيه على عاتقيه هو التوشح وهو الاشتمال على منكبيه، وإنما أمر بذلك لستر أعالي البدن وموضع الزينة. وقال ابن بطال: وفائدة المخالفة في الثوب أن لا ينظر المصلي إلى عورة نفسه إذا ركع - قلت: فائدة أخرى وهي أن لا يسقط إذا ركع، وهذا الأمر للندب عند الجمهور، حتى لو صلى وليس على عاتقه شيء صحت صلاته. ويقال: إذا لم يخالف بين طرفيه ربما يحتاج إلى إمساكه بيده فيشتغل بذلك وتفوته سنة وضع اليد اليمنى على اليسرى، واحتج أحمد بظاهر الحديث، وشرط الوضع على عاتقه عند القدرة، وعنه أنه: تصح صلاته ولكنه يأثم بتركه. ٦ - بابٌ إذَا كانَ الثَّوْبُ ضَيَّقاً أي: هذا باب فيه كيف يفعل المصلي إذا كان الثوب ضيقاً، والضيق، بفتح الضاد وتشديد الياء، وجاز فيه تخفيف الياء: وهو صفة مشبهة، واسم الفاعل من هذه المادة: ضائق، على وزن: فاعل، والفرق بينهما: أن الصفة المشبهة تدل على الثبوت، واسم الفاعل يدل على الحدوث. ٣٦١/٢٧ - حدّثنا يَحْيِی بنُّ صالِحِ قال حدّثنا فُلَيْحُ بنُ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدِ بنِ الحارِثِ قال سَألْنَا جابِرَ بنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الصَّلاَةِ فِي النَّوْبِ الوَاحِدِ فقال خَرَجْتُ مَعَ النَّبيِّ عَّهِ فِي بَعْضِ أسْفَارِهِ فَجِئْتُ لَيْلَةٌ لِبَعْضِ أَمْرِي فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي وَعَليَّ ثَوْبٌ واحِدٌ فاشْتَمَلْتُ بِهِ وَصَلَّيْتُ إلى جانِهِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَال ما الشُّري يا جابِرُ فَأَخْبِرْتُهُ بِحاجَتِي فَلَمَّا فَرَغْتُ قال ما هَذَا الاشْتِمَالُ الَّذِي رَأيْتُ قُلْتُ كان ثَوْباً يَعْنِي ضاقَ قالَ فإن كانَ وَاسِعاً فالْتَحِفْ بِهِ وَإِنْ كانَ ضَيِّقاً فَاتِّزِزْ بِهِ. [انظر الحديث ٣٥٢ وطرفيه]. مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: ((فإن كان واسعاً)) إلى آخره. ذكر رجاله: وهم أربعة: الأول: يحيى بن صالح أبو زكريا الوحاظي، بضم الواو وتخفيف الحاء المهملة وبالظاء المعجمة: الحمصى الحافظ الفقيه، مات سنة اثنتين وعشرين ومائتين. الثاني: فليح، بضم الفاء وفتح اللام وسكون الياء آخر الحروف وبالحاء المهملة: تقدم في أول كتاب العلم. الثالث: سعيد بن الحارث الأنصاري قاضي المدينة. الرابع: جابر بن عبد الله، رضي الله تعالى عنه.