Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
٧ - كتاب التيمم/ باب (٦)
وإن كانت تامة بمعنى: واحد، فلا تحتاج إلى خبر، فقوله: أول، يكن اسمه، ويكون قوله؛
فلان، بدلاً منه. قوله: ((يسميهم أبو رجاء)) جملة من الفعل والفاعل والمفعول، أي: يسمي
المستيقظين، وليس بإضمار قبل الذكر، لأن قوله: ((استيقظ))، يدل عليه. فإن قلت: ما موقع
هذه الجملة من الإعراب؟ قلت: الأقرب أن تكون حالاً، وهذه الجملة والتي بعدها، وهي
قوله: ((فنسي عوف))، ليس من كلام عمران بن حصين، وإنما هي من كلام الراوي، وعوف
هو، عوف الأعرابي المذكور في الإسناد. وقوله: ((الرابع))، مرفوع لأنه صفة عمر رضي الله
تعالى عنّه، وعمر، مرفوع لأنه معطوف على مرفوع، وهو قوله: ثم فلان. وقال بعضهم:
ويجوز نصبه على خبر. كان قلت: لم يبين هذا القائل أي كان هذا، والأقرب أن يكون مقدراً
تقديره: ثم كان عمر بن الخطاب الرابع، يعني من المستيقظين. وقال الكرماني: وفي بعضها
هو الرابع، وقد سمى البخاري في (علامات النبوة) أول من استيقظ، ولفظه: ((فكان أول من
استيقظ أبو بكر رضي الله تعالى عنه)) فعلى هذا فأبو بكر هو أحد المستيقظين من الأربعة
أولاً، والرابع هو عمر بن الخطاب، وبقي اثنان من الذين عدهم أبو رجاء ونسيهم عوف
الأعرابي، وبعضهم عين الثاني والثالث بالاحتمال، فقال: يشبه أن يكون الثاني عمران، راوي
القصة، والثالث؛ من شارك عمران في رواية هذه القصة، وهو: ذو مخبر، فإنه قال في حديث
عمر بن أمية، رواه الطبراني: ((فما أيقظني إلاَّ حر الشمس))، وهذا تصرف بالحدث والتخمين.
قوله: ((وكان النبي عَّ إذا نام لم نوقظه)) بنون المتكلم، والضمير المنصوب يرجع
إلى النبي عَ لَّه، وفي بعض النسخ: ((لم يوقظ))، على صيغة المجهول المفرد. فإن قلت: هذا
النوم في هذه القصة هل كان مثل نوم غيره أم لا؟ قلت: قد يكون نومه كنوم البشر في بعض
الأوقات، ولكن لا يجوز عليه الإضغاث لأن رؤيا الأنبياء، صلوات الله على نبينا وعليهم
وحي. فإن قلت: ما تقول في نومه يوم الوادي، وقد قال: ((إن عيني تنامان ولا ينام قلبي))؟
قلت: نعم، هذا حكم قلبه عند نومه وعينيه في غالب الأوقات، وقد يندر منه غير ذلك كما
يندر من غيره بخلاف عادته، والدليل على صحة هذا في الحديث نفسه: ((أن الله قبض
أرواحنا)). وفي الحديث الآخر: ((لو شاء الله لأيقظنا)). ولكن أراد أن يكون لمن بعدكم،
ويكون هذا منه لأمر يريده الله تعالى من إثبات حكم وإظهار شرع. وجواب آخر: أن قلبه لا
يستغرقه النوم حتى يكون منه الحدث فيه، لما روي أنه كان محروساً، وأنه كان ينام حتى
ينفخ وحتى يسمع غطيطه، ثم يصلي ولا يتوضأ. فإن قلت: في حديث ابن عباس المذكور:
فيه وضوءه عند قيامه من النوم! قلت: النوم فيه نومه مع أهله فلا يمكن الاحتجاج به على
وضوئه بمجرد النوم إذا صلى ذلك لملامسته الأهل، أو حدث آخر، ألا ترى في آخر
الحديث: ((نام حتى سمعت غطيطه، ثم أقيمت الصلاة فصلى ولم يتوضأ)). وقيل: لا ينام
قلبه من أجل الوحي، وأنه يوحى إليه في النوم، وليس في قصة الوادي إلاَّ نوم عينيه عن رؤية
الشمس، وليس هذا من فعل القلب. وقد قال عَ له: ((إِن الله قبض أرواحنا، ولو شاء لردها
إلينا)). في حين غير هذا. فإن قلت: فلولا عادته من استغراق النوم لما قال لبلال: ((إِكلأ لنا

٤٢
٧ - كتاب التيمم/ باب (٦)
الصبح!)) قلت: كان من شأنه عَ لِّ التغليس بالصبح، ومراعاة أول الفجر، ولا يصح هذا ممن
نامت عينه، إذ هو ظاهر يدرك بالجوارح الظاهرة، فوكل بلالاً بمراعاة أوله ليلعلمه بذلك، كما
لو شغل بشغل غير النوم عن مراعاته. فإن قلت: هل كان نومهم عن صلاة الصبح مرة أو
أكثر؟ قلت: قد جزم الأصيلي بأن القصة واحدة، ورد عليه القاضي عياض أن قصة أبي قتادة
مغايرة لقصة عمران بن حصين، لأن في قصة أبي قتادة. لم يكن أبو بكر وعمر رضي الله
تعالى عنهما، مع النبي عَّليه لما نام، وفي قصة عمران: إن أول من استيقظ أبو بكر، ولم
يستقيظ النبي عَّه حتى أيقظه عمر رضي الله تعالى عنه. ومن الذي يدل على تعدد القصة
اختلاف مواطنها، كما ذكرناها، ولقد تكلف أبو عمر في الجمع بينهما بقوله: إن زمان
رجوعهم كان قريباً من زمان رجوعهم من الحديبية، وإن طريق مكة يصدق عليهما، وفيه
تعسف. على أن رواية عبد الرزاق بتعيين غزوة تبوك يرد عليه، ثم إن أبا عمر زعم أن نوم
النبي عَّلم كان مرة واحدة، وقال القاضي أبو بكر بن العربي: ثلاث مرات. إحداهما: رواية
أبي قتادة، ولم يحضرها أبو بكر وعمر؛ الثانية: حديث عمران وحضراها. الثالثة: حضرها أبو
بكر وبلال. وقال عياض: حديث أبي قتادة غير حديث أبي هريرة. وكذلك حديث عمران،
ومن الدليل على أن ذلك وقع مرتين أنه قد روي أن ذلك كان زمن الحديبية، وفي رواية:
بطريق مكة، والحديبية كانت في السنة السادسة، وإسلام عمران وأبي هريرة - الراوي حديث
قفوله من خيبر - كان في السنة السابعة بعد الحديبية، وهما كانا حاضرين الواقعة. قلت: فيه
نظر، لأن إسلام عمران كان بمكة، ذكره أبو منصور الماوردي في (كتاب الصحابة)، وقال
ابن سعد وأبو أحمد العسكري والطبراني في آخرين: كان إسلامه قديماً.
قوله: ((ما يحدث له))، بضم الدال: من الحدوث أي: ما يحدث له من الوحي، وكانوا
يخافون انقطاعه بالإيقاظ. قوله: ((ما أصاب الناس)) أي: من فوات صلاة الصبح، وكونهم على
غير ماء. قوله: ((فلما استيقظ عمر))، جواب: لما، محذوف تقديره: فلما استيقظ كبر.
وقوله: ((فكبر)) يدل عليه. قوله: ((جليداً))، بفتح الجيم: من جلد الرجل بالضم، فهو جلد
وجليد أي: بين الجلادة بمعنى القوة والصلابة. وزاد مسلم هنا: ((أجوف)) أي: رفيع الصوت
يخرج صوته من جوفه. قوله: ((فكبر)) أي: عمر رضي الله تعالى عنه، وإنما رفع صوته بالتكبير
لمعيين: أحدهما: أن استعمال التكبير لسلوك طريق الأدب والجمع بين المصلحتين، والآخر:
اختصاص لفظ التكبير لأنه أصل الدعاء إلى الصلاة. قوله: ((حتى استيقظ النبي عێ))،
فالنبي، مرفوع لأنه فاعل: استيقظ، وهو لازم بمعنى: تيقظ. قوله: ((لصوته)) أي؛ لأجل صوته
ويروى: ((بصوته)) أي: بسبب صوته. قوله: ((قال: لا ضير))، ويروى. ((فقال: لا ضير))، أي: لا
ضرر، من ضاره يضوره ويضيره ضوراً وضيراً. أي ضره. قال الكسائي: سمعت بعضهم يقول:
لا يمنعني ذلك ولا يضورني. قوله: ((أو لا يضير))، شك من عوف الأعرابي، وقد صرح بذلك
البيهقي في روايته، ولأبي نعيم في (مستخرجه): لا يسوء ولا يضير، وإنما قال ذلك عَ له
لتأنيس قلوبهم لما عرض لهم من الأسف على فوات الصلاة من وقتها، لأنهم لم يتعمدوا

٤٣
٧ - كتاب التيمم/ باب (٦)
ذلك. قوله: ((ارتحلوا)) بصيغة الأمر للجماعة المخاطبين من الصحابة. قوله: ((فارتحلوا)) بصيغة
الجمع من الماضي، أي: ارتحلوا عقيب أمر النبي عَّ له بذلك، ويروى: ((فارتحل)) أي النبي
عَّ له فإن قلت: ما كان السبب في أمره عَّ له بالارتحال من ذلك المكان؟ قلت: بين ذلك
في رواية مسلم عن أبي حازم عن أبي هريرة: ((فإن هذا منزل حضر فيه الشيطان)). وقيل:
كان ذلك لأجل الغفلة. وقيل: لكون ذلك وقت الكراهة، وفيه نظر، لأن في حديث الباب:
((لم يستيقظوا حتى وجدوا حر الشمس)). وذلك لا يكون إلا بعد أن يذهب وقت الكراهة.
وقيل: الأمر بذلك منسوخ. بقوله عليه الصلاة والسلام: ((من نام عن صلاة أو نسيها
فليصلها إذا ذكرها)). وفيه نظر، لأن الآية مكية والقصة بعد الهجرة. قوله: ((فسار غير بعيد))
يدل على أن الارتحال المذكور وقع على خلاف سيرهم المعتاد. قوله: ((فدعا بالوضوء))،
بفتح الواو. وقوله: ((ونودي بالصلاة)) المراد من النداء هو التأذين، لأنه صرح في رواية مسلم
من حديث أبي قتادة التصريح بالتأذين.
قوله: ((إذا هو برجل))، لم يعلم اسمه. وقال صاحب (التوضيح): هو خلاد بن رافع بن
مالك الأنصاري، أخو رفاعة، وفيه نظر. لأن ابن الكلبي قال: هو شهد بدراً وقتل يومئذٍ، فوقعة
البدر مقدمة على هذه القصة. فاستحال أن يكون هو إياه. وقيل: له رواية، فإذا صح هذا
يكون قد عاش بعد النبي عَّله. قلت: لا يلزم من روايته عيشه بعد النبي عَّ لاحتمال
انقطاعها أو نقلها عنه صحابي آخر. قوله: ((معتزل))، أي: منفرد عن الناس. قوله: ((ولا ماء))قال
بعضهم بفتح الهمزة أي: معي. قلت: تفسيره تفسير من لم يمس شيئاً من علم العربية، لأن
كلمة: لا، على قوله لنفي جنس الماء، فأي شيء يقدر خبرها بقوله: معي؟ وعدم الماء عنده
لا يستلزم عدمه عن غيره، فحينئذٍ لا يستقيم نفي جنس الماء، ويجوز أن تكون: لا، ھهنا
بمعنى: ليس، فيرتفع الماء حينئذٍ، ويكون المعنى: ليس ماء عندي. قوله: ((عليك بالصعيد))،
كلمة: عليك، من أسماء الأفعال، ومعناه: الزم، والألف واللام في: الصعيد، للعهد المذكور
في الآية الكريمة، وفي رواية سلم بن زرير: ((فأمره أن يتيمم بالصعيد)). قلت: سلم، بفتح
السين وسكون اللام، وزرير، بفتح الزاي المعجمة وبرائين مهملتين بينهما ياء آخر الحروف
أولاهما مكسورة. قوله: ((يكفيك)) أي: لإباحة الصلاة، والمعنى: يكفيك للصلاة ما لم
تحدث. قوله: ((فاشتكى الناس إليه)) أي: إلى النبي عَّه، ويروى: ((فاشتكوا الناس))، من
قبيل: أكلوني البراغيث. قوله؛ ((فدعا فلان)) هو: عمران بن الحصين راوي الحديث، ويدل
على ذلك قوله في رواية ابن زرير: ((ثم عجلني النبي ◌َّ له في ركب بين يديه فطلب الماء))،
وهذه الرواية تدل على أنه كان هو وعلي رضي الله تعالى عنه، فقط، لأنهما خوطبا بلفظ
التثنية، وهو قوله: ((إذهبا فابتغيا الماء)). فإن قلت: في رواية ابن زرير. في ركب، فهذا يدل
على الجماعة. قلت: يحتمل أن يكون معهما غيرهما، ولكنهما خُصَّا بالخطاب لأنهما تعينا
مقصودين بالإرسال. قوله: ((فابتغيا)) من الابتغاء، وهو الطب يقال: بغيت الشيء وابتغيته وتبغيته:
إذا طلبته. وابتغيتك الشيء: جعلتك طالباً له. وفي رواية الأصيلي: ((فابغيا))، ولأحمد:

٤٤
٧ - كتاب التيمم/ باب (٦)
((فابغيانا))، قوله: ((فتلقيا)). ويروي: ((فلقيا)). ويروي: ((فلقيا)). قوله: ((بين مزادتين))، المزادة،
بفتح الميم وتخفيف الزاي: الرواية، ويجمع على مزاد ومزائد، وسميت مزادة لأنها يزاد فيها
جلد آخر من غيرها، ولهذا قيل: إنها أكبر من القربة، وتسمى أيضاً السطيحة، بفتح السين
وكسر الطاء. وقال ابن سيده: السطيحة: المزادة التي بين الأديمين قوبل أحدهما بالآخر، وفي
(الجامع): هي إداوة تتخذ من جلدين، وهي أكبر من القربة. قوله: ((أو سطيحتين)). شك من
الراوي، وقال بعضهم؛ شك من عوف قلت: تعيينه به من أين وفي رواية مسلم: ((فإذا نحن
بامرأة سادلة)) أي: مدلية رجليها بين مزادتين؟ قوله: ((أمس)) هو عند الحجازيين مبني على
الكسر، ومعرب غير منصرف للعدل والعلمية عند التميميين، فعلى هذا هو بضم السين. فإن
قلت: ما موقعه، من الإعراب؟ قلت: مرفوع على أنه خبر المبتدأ أو هو قوله: ((عهدي)). قوله:
((هذه الساعة))، منصوب بالظرفية، وقال ابن مالك: أصله: في مثل هذه الساعة، فحذف
المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
قوله: ((ونفرنا)) وفي (المحكم): النفر والنفر والنفير والنفور: ما دون العشرة: من
الرجال، والجمع أنفار، وفي (الواعي) النفر ما بين الثلاثة إلى العشرة، والعرب تقول: هؤلاء
نفرك، أي: رهطك ورجالك الذين أنت معهم، وهؤلاء عشرة نفر، أي: عشرة رجال، ولا
يقولون عشرون نفراً ولا ثلاثون نفراً. تقول العرب: جاءنا في نفره ونفيره ونفرته، كلها بمعنى،
سموا بذلك لأنهم إذا حزبهم أمر اجتمعوا ثم نفروا إلى عدوهم. وقال الخطابي: لا واحد له.
قوله: ((خلوف))، بضم الخاء جمع الخالف، أي: المسافر، نحو: شاهد وشهود، ويقال: حي
خلوف أي: غيب. وقال ابن عرفة: الحي خلوف أي: خرج الرجال وبقيت النساء. وقال
الخطابي: هم الذين خرجوا للأسفار وخلفوا النساء والأثقال، وارتفاع: خلوف، على أنه خبر،
وفي رواية المستملي والحموي: ((خلوفاً)، بالنصب. وقال الكرماني: أي: كان نفرنا خلوفاً.
وقال بعضهم منصوب على الحال السادة مسد الخبر. قلت: ما الخبر هنا حتى تسد الحال
مسده؟ والأوجه ما قاله الكرماني إنه منصوب بكان المقدر. قوله: ((الصابىء))، بالهمزة
وبغيرها، فالأول: من: صبأ إذا خرج من دين إلى دين. والثاني: من: صبا يصبو، إذا مال،
وسنوسع الكلام فيه عند تفسير البخاري في آخر هذا الحديث.
٠٠
قوله؛ ((تعنين))، أي: تريدين، من عنى يعني: إذا قصد. قوله: ((قالا هو الذي تعنين»،
فيه حسن الأدب وحسن التخلص، إذ لو قالا؛ لا، لفات المقصود، ولو قالا: نعم، لم يحسن
ذلك، لأن فيه تقرير ذلك. قوله: ((فاستنزلوها)) من الاستنزال، وهو طلب النزول، وإنما ذكر فيه
بلفظ الجمع لأنه كان مع عمران وعلي من تبعهما ممن يعينهما ويخدمهما. قوله: ((ودعا
النبي عَّ لَه))، فيه حذف تقديره: فأتوا بها إلى النبي عَّه وأحضروها بين يديه، ودعا النبي
عَّةٍ. قوله: ((ففرغ))، من التفريغ. وفي رواية الكشميهني: ((فأفرغ))، من: الإفراغ، وزاد
الطبراني والبيهقي: ((فمضمض في الماء وأعاده في أفواه المزادتين))، وبهذه الزيادة تظهر
الحكمة في ربط الأفواه بعد فتحها، وبهذا حصلت البركة لاختلاط ريقه المبارك للماء،
..

٤٥
٧ - كتاب التيمم/ باب (٦)
والأفواه جمع: فم، لأن أصله: فوه، فحذفوا: الواو، لأنها لا تحتمل التنوين عند الإفراد،
وعوضوا من: الهاء: ميماً. فإن قلت: لكل مزادة فم واحد، فكيف جمع؟ قلت: هذا من قبيل قوله
تعالى: ﴿فقد صغت قلوبكما﴾ [التحريم: ٤]. قوله: ((وأوكأ)) أي؛ شد، وهو فعل ماض من: الإيكاء،
وهو: شد الوكاء، وهو ما يشد به رأس القربة. ((وأطلق العزالي))، أي: فتحها، وهو جمع: العزلاء،
بفتح العين وبالمد، وهو، فم المزادة الأسفل. قال الجوهري: العزالي، بكسر اللام، وإن شئت فتحت
مثل الصحاري والصحاري، ويقال: العزلاء: منصب الماء من الرواية والقربة. وفي (الجامع): عزلاء
القربة: مصب يجعل في أحد يديها ليستفرغ منه ما فيها، وإنما سميت: عزالي السحاب، تشبيهاً بها.
وقال السفاقسي: رويناه بالفتح، وهو أفواه المزادة السفلى. وقال الداودي: العزالي: الجوانب الخارجة
لرجلي الزق الذي يرسل منها الماء. وقال الداودي: ليس في أكثر الروايات أنهم فتحوا أفواه
المزادتين أو السطيحتين، ولا أنهم أطلقوا العزالي، وإنما شقوا المزادتين، وهو معنى: صبوا منهما. قال:
ثم أعاده فيهما ان كان هو المحفوظ.
قوله: ((اسقوا واستقوا)) كل منهما أمر، فالأول من: السقي، والثاني من: الاستقاء.
والفرق بينهما أن السقي لغيره، والاستقاء لنفسه. ويقال أيضاً: سقيته لنفسه، وأسقيته لماشيته.
قوله: ((وكان آخر ذلك أن أعطى)) يجوز في: آخر، النصب والرفع، أما النصب على أنه خبر:
كان، مقدماً على اسمها، وهو: أن أعطى، لأن أن، مصدرية تقديره: وكان إعطاؤه للرجل
الذي أصابته الجنابة آخر ذلك. ويروى: ذاك. وأما الرفع فظاهر، وهو أن يكون اسم: كان،
وأن أعطى، خبره، والأمران جائزان. وقال أبو البقاء: والأول أولى. قلت: وجه الأولوية لكون:
آخر، مضافاً إلى المعرفة، فهو أولى بالإسمية، وعندي كلاهما سواء، لأن: كُلاَّ، معرفة. قوله:
((الذي أصابته الجنابة))، وهو الرجل المعتزل المذكور. قوله: ((فأفرغه)) بقطع الهمزة. قوله:
((وهي قائمة)) أي: المرأة المذكورة قائمة تشاهد ذلك، وهي جملة إسمية وقعت حالاً على
الأصل. قوله: ((وأيم الله))، بوصل الهمزة، وقال الجوهري: أيمن الله، اسم وضع للقسم، هكذا
بضم الميم والنون وألفه ألف الوصل عند الأكثرين، ولم يجيء في الأسماء: ألف وصل
مفتوحة غيرها، وهو مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف، والتقدير: أيمن الله قسمى، وربما حذفوا
منه النون، فقالوا: أيم الله. وقال أبو عبيد: كانوا يحلفون ويقولون: يمين الله لا أفعل، فجمع
اليمين على أيمن، ثم كثر في كلامهم فحذفوا النون منه، وألفه ألف قطع، وهو جمع. وإنما
طرحت الهمزة في الوصل لكثرة استعمالهم إياها. قلت: فيها لغات جمع منها النووي في
(تهذيبه) سبع عشرة، وبلغ بها غيره عشرين. قوله: ((أقلع)) بضم الهمزة من الإقلاع، يقال: أقلع
عن الأمر: إذا كف عنه. قوله: ((أشد ملأة)) بكسر الميم وفتحها وسكون اللام بعدها همزة
مفتوحة، وفي رواية للبيهقي: ((أملأ منها))، معناه: أنهم يظنون أن ما بقي فيها من الماء أكثر
مما كان أولاً. قوله: ((من بين عجوة))، العجوة: تمر من أجود التمر بالمدينة، وقال ابن التين:
العجوة نوع من تمر المدينة أكبر من الصيحاني، وتسمى: اللينة، وهي من أجود تمر المدينة.
قوله: ((ودقيقة وسويقة)) بفتح أولهما، وفي رواية كريمة بضم الدال مصغراً. وقال الكرماني:
دقيقة وسويقة، رويا مكبرين ومصغرين. قوله: ((حتى جمعوا لها طعاماً))، وزادا أحمد في

٤٦
٧ - كتاب التيمم/ باب (٦)
روايته: ((كثيراً))، والطعام في اللغة: ما يؤكل، قاله الجوهري. وقال: وربما خص الطعام بالبر،
وفي حديث أبي سعيد: ((كنا نخرج صدقة الفطر على عهد رسول الله عَليه، صاعاً من طعام
أو صاعاً من شعير)). وقال بعضهم: فيه إطلاق لفظ الطعام على غير الحنطة والذرة، خلافاً
لمن أبى ذلك. قلت: هذا القول منه يخالف قول أهل اللغة، والمراد ههنا من الطعام غير ما
ذكر من العجوة، وهو أعم من أن يكون حنطة أو شعيراً أو كعكاً أو نحو ذلك. قوله:
((فجعلوه في ثوب))، ويروى: ((فجعلوها))، قال الكرماني الضمير في: جعلوه، يرجع إلى
الطعام، وفي: جعلوها، إلى الأنواع المذكورة. قلت: لم يجعل الطعام وحده في الثوب حتى
يرجع الضمير إليه وحده، والصواب أن الضمير فيه يرجع إلى كل واحد باعتبار المذكور.
قوله: ((قال لها))، ويروى: ((قالوا لها))، وهي رواية الأصيلي، وفي رواية الإسماعيلي: ((قال لها
رسول الله عَّله)). ووجه رواية الأصيلي أنهم قالوا لها ذلك بأمره عَّله. قوله: ((وحملوها)) أي:
المزادة. قوله: ((بين يديها)) أي: قدامها. قوله: ((تعلمين))، بفتح التاء والعين وتشديد اللام،
كذا ضبطه بعضهم، ثم قال: أي إعلمي. قلت: لا حاجة إلى هذا التعسف، وإنما هو مفرد
مخاطب مؤنث من باب: علم يعلم.
قوله: ((ما رزئنا من مائك شيئاً) بفتح الراء وكسر الزاي، أي: ما نقصنا. قال الكرماني:
وفي بعضها بفتحها، يعني بفتح الزاي. قلت: الكسر هو الأشهر. يقال: ما رزأته ماله، وما رزئته -
بالكسر - ماله، أي: ما نقيصته. وارتزاً الشيء انتقص. قوله: ((أسقانا))، ويروي؛ ((سقانا)). قوله:
((العجب))، مرفوع بفعل مقدر تقديره: حبسني العجب، وهو الأمر الذي يتعجب منه لغرابته،
وكذلك العجيب والعجاب بالضم والتخفيف، والعجاب بالتشديد أكثر منه، وكذلك الأعجوبة.
ولا يجمع: عجب ولا عجيب. ويقال: جمع عجيب عجائب، مثل: تبيع وتبائع، وأعاجيب:
جمع أعجوبة كأحاديث جمع أحدوثة، وعجبت من كذا وتعجبت منه واستعجبت، كلها بمعنى.
وأعجبني هذا الشيء لحسنه، وعجبت غيري تعجيباً، والعجب، بضم العين وسكون الجيم: اسم
من أعجب فلان بنفسه فهو معجب برأيه وبنفسه. قوله: ((من بين هذه وهذه)) تعني من بين
السماء والأرض. قيل: كان المناسب أن يقول في: بين، بلفظة: في وأجيب بأن: من، بيانية مع
جواز استعمال حروف الجر بعهضا مكان بعض. قوله: ((وقالت بأصبعها)) أي: أشارت بأصبعها،
وهو من إطلاق القول على الفعل، وقد مر نظير هذا غير مرة. قوله: ((السبابة))، يعني المسبحة.
قوله: ((يغيرون)) بضم الياء، من الإغارة بالخيل في الحرب، قوله: ((الصرم)) بكسر
الصاد المهملة، وهو أبيات من الناس مجتمعة، والجمع: أصرام. وقال ابن سيده: الصرم
الأبيات المجتمعة المنقطعة من الناس، والصرم أيضاً الجماعة بين ذلك، والجمع أصرام
وأصاريم، وصرمان، والأخيرة عن سيبويه. قوله: ((فقالت يومها لقومها: ما أرى أن هؤلاء
يدعونكم عمداً)). هذه رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذر: ((ما أرى أن هؤلاء القوم)). وقال
ابن مالك وقع في بعض النسخ: ((ما أدري أن هؤلاء» كلمة: أرى، بضم الهمزة بمعنى: أظن،
وبفتحها بمعنى: أعلم: وما، موصولة. قوله: ((يدعونكم)) بفتح: الدال، أي یتر کونکم، والمعنى:

٤٧
٧ - كتاب التيمم/ باب (٦)
ظني أنهم يتركونكم عمداً لاستئلافكم لا سهواً منهم، وغفلة عنكم، وقيل: ما، نافية و: أن،
بمعنى لعل. وقيل: ما نافية و: ان، بالكسر، ومعناه: لا أعلم حالكم، في تخلفكم عن
الإسلام، مع أنهم يدعونكم عمداً. قوله: ((فهل لكم)) أي: رغبة.
ذكر استبناط الأحكام منه: الأول: فيه استحباب سلوك الأدب مع الأكابر، كما في
فعل عمر رضي الله تعالى عنه، في إيقاظ النبي عَّ له. الثاني: فيه إظهار التأسف لفوات أمر
من أمور الدين. الثالث: فيه لا حرج على من تفوته صلاة لا بتقصير منه لقوله عَ له: ((لا
ضير)). الرابع: فيه أن من أجنب ولم يجد ماء فإنه يتيمم لقوله عَّهِ: ((عليكم بالصعيد)).
الخامس: فيه أن العالم إذا رأى أمراً مجملاً يسأل فاعله عنه ليوضحه فيوضح له هو وجه
الصواب. السادس: فيه استحباب الملاطفة والرفق في الإنكار على أحد فيما فعله. السابع:
فيه التحريض على الصلاة بالجماعة. الثامن: فيه الإنكار على ترك الشخص الصلاة بحضرة
المصلين بغير عذر. التاسع: فيه أن قضاء الفوائت واجب ولا يسقط بالتأخير ويأثم بتأخيره
بغير عذر. العاشر: فيه أن من حلت به فتنة في بلد فليخرج منه وليهرب من الفتنة بدينه، كما
فعل الشارع بارتحالة عن بطن الوادي الذي تشاءم به لأجل الشيطان. الحادي عشر: فيه أن
من ذكر صلاته فائتة له أن يأخذ ما يصلحه من وضوء وطهارة، وابتغاء بقعة تطمئن نفسه
للصلاة عليها، كما فعل الشارع بعد أن ذكر الفائتة، فارتحل بعد الذكر، ثم توضأ وتوضأ
الناس. الثاني عشر: فيه استحباب الآذان للفائتة. الثالث عشر: فيه جواز أداء الفائتة
بالجماعة. الرابع عشر: فيه طلب الماء للشرب والوضوء. الخامس عشر: فيه أخذ الماء
المملوك لغيره لضرورة العطش بعوض، وفيه أن العطشان يقدم على الجنب عند صرف الماء
إلى الناس. السادس عشر: فيه جواز المعاطاة في الهبات والإباحات من غير لفظ من
الجانبين. السابع عشر: فيه تقديم مصلحة شرب الآدمي والحيوان على غيره كمصلحة
الطهارة بالماء. فإن قلت: قد وقع في رواية سلم بن زرير: ((غير أنا لم نسق بعيراً). قلت: هذا
محمول على أن الإبل لم تكن محتاجة إذ ذاك إلى السقي. الثامن عشر: فيه جواز الخلوة
بالأجنبية عند أمن الفتنة في حالة الضرورة الشرعية. التاسع عشر: فيه جواز استعمال أواني
المشركين ما لم يتيقن فيها نجاسة. العشرون: فيه جواز أخذ مال الناس عند الضرورة بثمن
إن كان له ثمن، كذا استدل به بعضهم، وفيه نظر. الحادي والعشرون: فيه جواز اجتهاد
الصحابة بحضرة النبي عَّهِ، وفيه خلاف مشهور وقد ذكرناه عن قريب. الثاني والعشرون:
فيه جواز تأخير الفائتة عن وقت ذكرها إذا لم يكن عن تغافل أو استهانة، وذلك من قوله:
(ارتحلوا) بصيغة الأمر. فافهم. الثالث والعشرون: فيه مراعاة ذمام الكافر والمحافظة به،
كما حفظ النبي عَّلِ هذه المرأة في قومها وبلادها، فراعى في قومها ذمامها وإن كانت من
صميمهم. الرابع والعشرون: فيه جواز الحلف من غير الاستحلاف. الخامس والعشرون:
فيه جواز الشكوى من الرعايا إلى الإمام عند حلول أمر شديد. السادس والعشرون: فيه
استحباب التعريش للمسافر إذا غلبه النوم. السابع والعشرون: فيه مشروعية قضاء الفائت

٤٨
٧ - كتاب التيمم/ باب (٦)
الواجب وأنه لا يسقط بالتأخير. الثامن والعشرون: فيه جواز الأخذ للمحتاج برضى المطلوب
منه، وبغير رضاء إن تعين. التاسع والعشرون: فيه جواز النوم على النبي عَّه كنوم أحد منافي
بعض الأوقات، وقد مر التحقيق فيه. الثلاثون: فيه إباحة السفر من غير أن يعين يوماً أو شهراً.
فوائد: فيه: من دلائل النبوة حيث توضؤوا وشربوا وسقوا واغتسل الجنب مما سقط
من العزالي، وبقيت المزادتان مملوءتان ببركته وعظيم برهانه عَّةِ، وكانوا أربعين نص عليهم
في رواية سلم بن زرير، وأنهم ملأوا كل قربة معهم. وقال القاضي عياض: وظاهر هذه الرواية
أن جملة من حضر هذه القصة كانوا أربعين، ولا نعلم مخرجاً لرسول الله عَ ◌ّ يخرج في هذا
العدد، فلعل الركب الذين عجلهم بين يديه لطلب الماء، وأنهم وجدوا المرأة، وأنهم اسقوا
لرسول الله عَ لَّهِ قبل الناس وشربوا ثم شرب الناس بعدهم. وفيه: أن جميع ما أخذوه من الماء
مما زاده الله وأوجده، وأنه لم يختلط فيه شيء من ماء تلك المرأة في الحقيقة، وإن كان في
الظاهر مختلطاً، وهذا أبدع وأغرب في المعجزة. وفيه: دلالة أن عمر رضي الله تعالى عنه،
أجلد المسلمين وأصلبهم في أمر الله تعالى.
وفيه أسئلة: الأول: إن الاستيلاء على الكفار بمجرده يبيح رق نسائهم وصبيانهم، وإذا
كان كذلك فقد دخلت المرأة في الرق باستيلائهم عليها، وكيف وقع إطلاقها وتزويدها؟
وأجيب بأنها أطلعت لمصلحة الاستئلاف الذي جر دخول قومها أجمعين في الإسلام،
ويحتمل أنها كان لها أمان قبل ذلك، أو كانت من قوم لهم عهد.
الثاني: كيف جوزوا التصرف حينئذٍ في مالها؟ وأجيب: بالنظر إلى كفرها، أو لضرورة
· الاحتياج إليه، والضروريات تبيح المحظورات.
الثالث: إن النبي عَّمِ نهى عن التشاؤم، وههنا ارتحل عن الوادي الذي تشاءم به؟
وأجيب: بأنه عَّ كان يعلم حال ذلك الوادي ولم يكن غيره يعلم به، فيكون خاصاً به
عَّله، وأخذ بعض العلماء بظاهر ما وقع منه، عليه السلام، من رحيله من ذلك الوادي أن من
انتبه من نوم عن صلاة فائتة في سفر فإنه يتحول عن موضعه، وإن كان بوادٍ فليخرج عنه،
وقيل: إنما يلزم بذلك الوادي بعينه، وقيل: هو خاص بالنبي عَِّ كما ذكرنا.
قالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ صَبَّأَ خَرَجٌ مِنْ دِينٍ إِلَى غَيْرِهِ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَّةِ الصَّابِئِينَ فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ
الْكِتَاب يَقْرَؤُونَ الزَّبُورَ.
هذا إلى آخره رواية المستملي وحده، وأبو عبد الله هو البخاري نفسه، وأراد بإيراد
هذه الإشارة إلى الفرق بين الصبائي المراد في هذا الحديث، والصبائي المنسوب إلى الطائفة
الذين بينهم أبو العالية رفيع بن مهران الرباحي. أما الصابىء الذي هو المراد في هذا الحديث
في قول المرأة المذكورة الذي قال له: الصابىء، فهو من: صبا إلى الشيء يصبو: إذا مال،
وهو غير مهموز، وكانت العرب تسمي النبي عَّ الصابىء، لأنه خرج من دين قريش إلى
دين الإسلام، ويسمون من يدخل في دين الإسلام: مصبواً، لأنهم كانوا لا يهمزون، ويسمون
المسلمين: الصباة، بغير همزة، جمع: صاب غير مهموز، كقاض وقضاة، وغاز وغزاة، وقد

٤٩
٧ - كتاب التيمم/ باب (٧)
يقال: صبا الرجل إذا عشق وهوى، وقد يقال: صابىء، بالهمز من: صبا يصبو، بغير همز، وأما
الصابئون الذين ذكرهم أبو العالية فأصله من صبأ يصبأ صبأ وصبوءاً إذا خرج عن دين إلى
آخر، وهذه الطائفة يسمون الصابئين، واختلف في تفسيره، فقال أبو العالية: هم فرقة من أهل
الكتاب يقرأون الزبور، وقد وصل هذا التعليق ابن أبي حاتم من طريق الربيع بن أنس عنه،
وعن مجاهد: ليسوا بيهود ولا نصارى ولا دين لهم، ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم،
وكذا روي عن الحسن وابن نجيح، وقال ابن زيد: الصابئون أهل دين من الأديان كانوا
بالجزيرة، جزيرة الموصل، يقولون: لا إله إلا الله، وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي، ولم
يؤمنوا بالنبي عَّهِ. وعن الحسن قال: أخبر زياد أن الصابئين يصلون إلى القبلة ويصلون
الخمس. قال: فأراد أن يضع عليهم الجزية فأخبر بعد أنهم يعبدون الملائكة. وعن قتادة وأبي
جعفر الرازي: هم قوم يعبدون الملائكة ويصلون إلى القبلة ويقرأون الزبور، وفي الكتاب
(الزاهر) لابن الأنباري: هم قوم من النصارى قولهم، ألين من قول النصارى، قال الله تعالى:
﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين﴾ [البقرة: ٦٢] فيقال: الذين آمنوا هم:
المنافقون، أظهروا الإيمان وأضمروا الكفر، والذين هادوا: اليهود المغيرون المبدلون، والنصارى
المقيمون على لكفر بما يصفون به عيسى عليه الصلاة والسلام، من المحال. والصابئون:
الكفار أيضاً المفارقون للحق. ويقال: الذين آمنوا المؤمنون حقاً، والذين هادوا الذين تابوا أو
لم يغيروا، والنصارى: نصار عيسى عليه الصلاة والسلام، والصابئون الخارجون من الباطل إلى
الحق، من آمن بالله معناه: من دام منهم على الإيمان بالله تعالى فله أجره، وفي كتاب
الرشاطي: الصابي نسبة إلى: صابى بن متوشلخ بن خنوخ بن برد بن مهليل بن فتين بن يالش
بن شيث بن آدم، عليه الصلاة والسلام. وقال أبو المعالي في كتابه (المنتهى): هم جنس من
أهل الكتاب يزعمون أنهم من ولد صاب بن إدريس النبي عليه الصلاة والسلام، وقيل:
نسبتهم إلى: الصابىء بن ماري، وكان في عصر إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وقال النسفي
في منظومته:
في حكم حل العقد والذكاة
الصابئيات كالكتابيات
وشرحه: أن أبا حنيفة يقول: إنهم يعتقدون نبياً، ولهم كتاب، فتحل مناكحة نسائهم،
وتؤكل ذبائحهم. وقال أبو يوسف ومحمد: هم يعتقدون الكواكب، فلا تحل مناكحة نسائهم
ولا تؤكل ذبائحهم.
٧ - باب إِذَا خافَ الجُنُبُ على نَفْسِهِ المَرَضَ أَوَ المَوْتَ أوْ خَافَ الْعَطَشَ تيمَّم
:
أي: هذا باب يذكر فيه إذا خاف الجنب: الخ. وقد ذكر فيه حكم ثلاث مسائل.
الأولى: إذا خاف الجنب على نفسه المرض يباح له التيمم مع وجود الماء، وهل
يلحق به خوف الزيادة؟ فيه قولان للعلماء والشافعي، والأصح عنده: نعم، وبه قال مالك وأبو
حنيفة والثوري، وعن مالك رواية بالمنع، وقال عطاء والحسن البصري في رواية: لا يستباح
عمدة القاري /ج ٤ /م٤

٥٠
٧ - كتاب التيمم/ باب (٧)
التيمم بالمرض أصلاً وكرهه طاوس، وإنما يجوز له التيمم عند عدم الماء، وأما مع وجوده
فلا، وهو قول أبي يوسف ومحمد، ذكره في (التوضيح). وفي (شرح الوجيز): أما مرض
يخاف منه زيادة العلة وبطء البرء، فقد ذكروا فيه ثلاث طرق، أظهرها أن في جواز التيمم له
قولان: أحدهما المنع، وهو قول أحمد، وأظهرهما الجواز وهو قول الإصطخري وعامة
أصحابه، وهو قول مالك وأبي حنيفة. وفي (الحلية): وهو الأصح. وإن كان مرض لا يلحقه
باستعمال الماء ضرر كالصداع والحمى لا يجوز له التيمم، وقال داود: يجوز، ويحكى ذلك
عن مالك، وعنه أنه لا يجوز. ولو خاف من استعمال الماء شيئاً في المحل، قال أبو العباس؛
لا يجوز له التيمم على مذهب الشافعي، وقال غيره إن كان الشين كأثر الجدري والجراحة
ليس لهم التيمم، وإن كان يشوه من خلقه ويسود من وجهه كثيراً فيه قولان. والثاني من
الطرق أنه: لا يجوز قطعاً، والثالث: أنه يجوز قطعاً.
الثانية: إذا خاف الجنب على نفسه الموت يجوز له التيمم بلا خلاف، وفي
قاضيخان: الجنب الصحيح في المصر إذا خاف الهلاك للبرد جاز له التيمم، وأما المسافر،
إذا خاف الهلاك من الاغتسال جاز له التيمم بالاتفاق، وأما المحدث في المصر فاختلفوا فيه
على قول أبي حنيفة، فجوزه شيخ الإسلام، ولم يجوزه الحلواني.
الثالثة: أنه إذا خاف على نفسه العطش يجوز له التيمم، وكذا عندنا إذا خاف على
رفيقه أو على حيوان معه نحو دابته وكلبه وسنوره وطيره. وفي (شرح الوجيز): لو خاف على
نفسه أو ماله من سبع أو سارق فله التيمم، ولو احتاج إلى الماء لعطش في الحال أو توقعه
في المآل، أو العطش رفيقه أو لعطش حيوان محترم جاز له التيمم. وفي (المغني) لابن قدامة؛
أو كان الماء عند جمع فساق فخافت المرأة على نفسها الزنا جاز لها التيمم.
قوله: ((أو خاف العطش))، غير مقتصر على الجنب الذي يخاف العطش، بل الجنب
والمحدث فيه سواء.
وجه المناسبة بين هذا الباب والذي قبله والذي بعده ظاهر، لأن هذه الأبواب كلها في
حكم التيمم.
وَيُذْكَرُ أنَّ عَمرَو بِنَ الْعاصِ أَجْنَبَ فِي لَيْلةٍ بَارِدَةٍ فَتَيَمَّمَ وَثَلاَ ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ
اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ [النساء: ٢٩] فَذُكِرَ للَّبِيّ عَ لَّهِ فَلَمْ يُعَنِّفْهُ.
عمرو بن العاص القريشي السهمي أبو عبد الله، قدم على النبي عَّه في سنة ثمان قبل
الفتح مسلماً، وهو من زهاد قريش، ولاه النبي عَّه على عمان ولم يزل عليها حتى قبض
النبي ◌َّه روي له سبعة وثلاثون حديثاً، للبخاري ثلاثة، مات بمصر عاملاً عليها سنة ثلاث
وأربعين على المشهور يوم الفطر، صلى عليه ابنه عبد الله، ثم صلى العيد بالناس. قوله : .
((ويذكر))، تعليق بصيغة التمريض، ووصله أبو داود وقال: حدّثنا ابن المثنى، قال: حدّثنا وهب
بن جرير، قال: حدّثنا أبي، قال: سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب عن

٥١
٧ - كتاب التيمم/ باب (٧)
عمران بن أبي أنس عن عبد الرحمن بن جبير عن عمرو بن العاص، قال: ((احتلمت في ليلة
باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي
الصبح، فذكروا ذلك للنبي عَّه، فقال: يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فأخبرته
بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله تعالى يقول: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله
كان بكم رحيماً﴾ [النساء: ٢٩] فضحك نبي الله عليه الصلاة والسلام، ولم يقل شيئاً)).
ورواه الحاكم أيضاً. قوله: ((في غزوة ذات السلاسل))، وهي وراء وادي القرى، بينها وبين
المدينة عشرة أيام. وقيل: سميت بها لأنها بأرض جذام يقال له السلسل، وكانت في جمادي
الأولى سنة ثمان من الهجرة. قوله: ((فأشفقت)) أي: خفت. قوله: ((فلم يعنفه)) أي: لم يعنفه
النبي عَّ لّه، يعني لم ينكر عليه، كذا لم يعنفه بالضمير في رواية الكشميهني، وفي رواية
غيره: ((فلم يعنف))، بدون الضمير حذف للعلم به، وعدم تعنيفه إياه دليل الجواز والتقرير، وبه
علم عدم إعادة الصلاة التي صلاها بالتيمم في هذه الحالة، وهو حجة على من يأمره
بالإعادة، ودل أيضاً على جواز التيمم لمن يتوقع من استعمال الماء الهلاك، سواء كان للبرد
أو لغيره، وسواء كان في السفر أو في الحضر، وسواء كان جنباً أو محدثاً. وفيه دلالة على
جواز الاجتهاد في عصره عَ له.
١١/ ٣٤٥ _ حدّثنا بِشْرُ بنُ خالِدٍ قالَ حَدَّثَنَا محَمَّدٌ هُوَ غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَة عَنْ سُلَيْمَانَ
عَنْ أَبِي وَائِلٍ قال قالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ إِذَا لَمْ يَجِدِ المَاءَ لاَ يُصَلِّ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ
لَوْ رَخَّصْتُ لَهُمْ فِي هَذَا كانَ إِذَا وَجَدَ أَحَدُهُمُ الْبَرْدَ قَالَ هَكَذَا يَغْنِي تَيَمَّمَ وَصَلَّى قَالَ قُلْتُ
فَأَيْنَ قَوْلُ عَمَّارٍ لِعُمَرَ قالَ إِنِّي لَمْ أَرَ عُمَرَ قَنِعَ بِقَولِ عَمَّارٍ. [انظر الحديث ٣٣٨ - وأطرافه].
مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((يعني تيمم وصلى)).
ذكر رجاله وهم سبعة. الأول: بشر بن خالد العسكري، أبو محمد الفرائضي، مات
سنة ثلاث وخمسين ومائتين. الثاني: محمد بن جعفر البصري الملقب بغندر، بضم الغين
المعجمة وسكون النون وفتح الدال على الأشهر. الثالث: شعبة بن الحجاج. الرابع: سليمان
المشهور بالأعمش. الخامس: أبو وائل شقيق بن سلمة. السادس: أبو موسى الأشعري؛ عبد
الله بن قيس. السابع: عبد الله بن مسعود، والكل تقدموا.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصفة الجمع مرتين. وفيه: العنعنة في ثلاثة
مواضع. وفيه: القول. وقوله: هو غندر، ليس في رواية الأصيلي. قوله: ((عن شعبة))، وفي
رواية الأصيلي: ((حدّثنا شعبة). وفيه: أن قوله؛ هو غندر، من عند البخاري وليس هو من لفظ
شيخه، وفيه: إن الأعمش ذكر باسمه وشهرته بلقبه، وقلت: رواية يذكر فيها كذا سليمان
مجرداً. وفيه: محاورة صحابيين جليلين.
ذكر معناه: قوله: ((إذا لم يجد الماء)) هذا على سبيل الاستفهام، والسؤال من أبي
موسى الأشعري عن عبد الله بن مسعود يعني: إذا لم يجد الجنب الماء لا يصلي. وقوله:

٥٢
٧ - كتاب التيمم/ باب (٧)
((لم يجد))، بصيغة الغائب، وكذلك: ((لا يصلي)) بصيغة الغائب، وهي رواية كريمة. وفي
رواية غيرها بصيغة الخطاب في الموضعين، فأبو موسى يخاطب عبد الله، وكذا في رواية
الاسماعيلي ما يدل على هذا، ولفظه: ((فقال عبد الله: نعم إذا لم أجد الماء شهراً لا أصلي)).
قوله: ((لو رخصت))، أي: قال عبد الله لأبي موسى: لو رخصت لهم في هذا، أي: في جواز
التيمم للجنب إذا وجد أحدهم البرد، وفي رواية الحموي: ((إذا وجد أحدكم البرد)). قوله:
((قال هكذا))، فيه إطلاق القول على الفعل، ثم فسره بقوله: يعني تيمم وصلى، وهو مقول
قول أبي موسى. قوله: ((قال: قلت)) أي: قال أبو موسى: قلت لعبد الله: فأين قول عمار بن
ياسر لعمر بن الخطاب؟ وهو قوله: ((كنا في سفر فأجنبت فتمعكت في التراب فذكرت
لرسول الله عَّ فقال: يكفيك الوجه والكفين))؟ قوله: ((قال)) أي: قال ابن مسعود: إني لم
أرَ عمر بن الخطاب قنع بقول عمار بن ياسر، وإنما لم يقنع عمر بقوله لأنه كان حاضراً معه
في تلك السفرة، ولم يتذكر القصة، فارتاب في ذلك ولم يقنع بقوله، وهذا وقع هكذا
مختصراً في رواية شعبة ويأتي الآن في رواية عمر بن حفص، ثم في رواية أبي معاوية أتم
وأكمل.
٣٤٦/١٢ - حدّثنا عُمَرُ بنُ حَفْصٍ قالَ حَدَّثَنَا أبي قالَ حدّثنا الأَعْمَشُ قَالَ سَمِعْتُ
شَقِيقَ بنَ سَلَمَةَ قالَ كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ وَأبي مُوسَى فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى أَرَأَيْتَ يا أبا عَبْدِ
الرَّحْمَنِ إِذَا أَجْتَبَ فَلَمْ يَجِدْ مَاءَ كَيْفَ يَصْنَعُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لا يُصَلِّي حَتَّى يَجِدَ المَاءَ فَقَالَ أَبُو
مُوسَى فَكَيْفَ تصْنَعُ بِقَوْلٍ عَمَّارٍ حِين قالَ لهُ النَّبِيُّ عَ لَِّ كَانَ يَكْفِيكَ قالَ أَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَغْ
◌ِذَلِكَ فَقَالَ أَبُو مُوسَى فَدَعْنَا مِنْ قَوْلٍ عَمَّارٍ كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَمَا دَرَى عَبْدُ اللَّهِ مَا يَقُولُ
فَقَالَ إِنَّا لَوْ رََخَّصْنَا لَهُمْ فِي هَذَا لَأَوْشَكَ إِذَا بَرَدَ عَلَى أَحَدِهِمْ المَاءُ انْ يَدَعَهُ وَيَتَيَّمَّمَ فَقُلْتُ
لِشَقِيقٍ فَأَّا كَرِهَ عَبْد اللَّهِ لِهَذَا قالَ نَعَمْ. [انظر الحديث ٣٣٨ - وأطرافه].
وهذا طريق آخر في الحديث المذكور عن عمر بن حفص بن غياث عن أبيه عن
سليمان الأعمش، وفي رواية أبي ذر وأبي الوقت: حدّثنا الأعمش، وفيه فائدة تصريح سماع
الأعمش من شقيق. قوله: ((أرأيت)) أي: أخبرني. قوله: ((يا با عبد الرحمن)) أصله: يا أبا عبد
الرحمن، فحذفت الهمزة فيه تخفيفاً، وأبو عبد الرحمن: كنية عبد الله بن مسعود. قوله: ((إذا
أجنب)) أي: الرجل: ((فلم يجد الماء))، ويروى: ((إذا أجنبت فلم تجد)). بتاء الخطاب فيهما.
قوله: ((كيف يصنع؟)) بياء الغيبة، أي: كيف يصنع الرجل؟ وعلى رواية الخطابي: ((كيف
تصنع؟)) بتاء الخطاب أيضاً، والرواية بالغيبة أشهر وأوجه بدليل قوله: ((فقال عبد الله لا
يصلي)) أي: لا يصلي الرجل الذي لا يجد الماء حتى يجد، أي: إلى أن يجد الماء. قوله:
(كان يكفيك)) أي: مسح الوجه والكفين. قوله: ((فدعنا من قول عمار)) أي: أتركنا، وكلمة:
دع، أمر من: يدع، وأمات العرب ماضيه، والمعنى: إقطع نظرك عن قول عمار، فما تقول فيما
ورد في القرآن؟ هو قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً﴾ [النساء: ٤٣، والمائدة:
٦] وهو معنى قوله: ((كيف تصنع بهذه الآية)) وهي قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا﴾ [النساء: ٤٣،

٥٣
٧ - كتاب التيمم/ باب (٨)
والمائدة: ٦] الآية. قوله: ((فما درى عبد الله ما يقول)) أي: فلم يعرف عبد الله ما يقول في
توجيه الآية على وفق فتواه، ولعل المجلس ما كان يقتضي تطويل المناظرة، وإلاّ فكان لعبد
الله أن يقول: المراد من الملامسة في الآية تلاقي البشرتين فيما دون الجماع، وجعل التيمم
بدلاً من الوضوء فقط، فلا يدل على جواز التيمم للجنب. قوله: ((في هذا))، أي: في التيمم
للجنب. قوله: ((لأوشك)) أي: قرب وأسرع، وهذا رد على من زعم أنه لا يجيء من باب:
يوشك أوشك ماضياً، ولا يستعمل إلاَّ مضارعاً. قوله: ((إذا برد)) بفتح الباء والراء، وقال
الجوهري. بضم الراء، والمشهور الفتح، وقال الكرماني: فإن قلت: ما وجه الملازمة بين
الرخصة في تيمم الجنب وتيمم المتبرد، حتى صح أن يقال: لو رخصنا لهم في ذلك لكان
إذا وجد أحدهم البرد تيمم؟ قلت: الجهة الجامعة بينهما اشتراكهما في عدم القدرة على
استعمال الماء، لأن عدم القدرة إما بفقد الماء، وإما بتعذر الاستعمال. قوله: ((فقلت)) أي: قال
الأعمش: قلت لشقيق. قوله: ((لهذا)) أي: لأجل هذا المعنى، وهو احتمال أن يتيمم المتبرد،
وقال الكرماني: فإن قلت: الواو، لا تدخل بين القول ومقوله، فلم قال: وإنما تكره قلت: هو
عطف على سائر مقولاته المقدرة أي قلت؛ كذا وكذا أيضاً. انتهى. قلت: كأنه اعتمد على
نسخة فيها، وإنما بواو العطف، والنسخ المشهورة: فإنما بالفاء.
ذكر ما فيه من الفوائد: الأولى: فيه جواز الماظرة، وقال الخطابي: هذه مناظرة،
والظاهر منهما يأتي على إهمال حكم الآية، وأي عذر لمن ترك العمل بما في هذه الآية من
أجل أن بعض الناس عساه أن يستعملها على وجهها، وفي غير جنسها. وما الوجه فيما
ذهب إليه عبد الله من إبطال هذه الرخصة مع ما فيه من إسقاط الصلاة عمن هو
مخاطب بها ومأمور بإقامتها؟ وأجيب: عن هذا بأن عبد الله لم يذهب بهذا المذهب الذي
ظنه هذا القائل، وإنما كان يتأول الملامسة المذكورة في الآية على غير معنى الجماع، إذ لو
أراد الجماع لكان فيه مخالفة الآية صريحاً، وذلك مما لا يجوز من مثله في علمه وفهمه
وفقهه.
الثانية: فيه أن رأي عمر وعبد الله رضي الله عنهما، انتقاض الطهارة بملامسة البشرتين،
وإن الجنب لا يتيمم لقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ [المائدة: ٦]. الثالثة: قال ابن
بطال: فيه جواز التيمم للخائف من البرد. قلت: يجوز التيمم للجنب المقيم إذا خاف البرد
عند أبي حنيفة، خلافاً لصاحبيه. الرابعة: فيه جواز الانتقال في المحاجة من دليل إلى دليل
آخر بما فيه الخلاف إلى ما عليه الاتفاق، وذلك جائز للمتناظرين عند تعجيل القطع. والإفحام
للخصم كما في محاجة إبراهيم عَّ له ونمرود عليه اللعنة، ألا ترى أن إبراهيم عَّ اللّه لما قال:
﴿ربي الذي يحيي ويميت﴾ [البقرة: ٢٥٨] وقال نمرود: ﴿أنا أحيي وأميت﴾ [البقرة: ٢٥٨]
لم يحتج إلى أن يوقفه على كيفية إحيائه وإماتته؟ بل انتقل إلى قوله: ﴿فإن الله يأتي بالشمس
من المشرق فأت بها من المغرب﴾ [البقرة: ٢٥٨] فأفحم نمرود عند ذلك.
١

٥٤
٧ - كتاب التيمم/ باب (٨)
٨ - بابُ التَّيَمُّم ضَرْبَةً
أي: هذا باب يقال فيه: التيمم ضربة، وقال الكرماني: باب التيمم ضربة بالنصب،
وفي بعضها بالرفع قلت: لم يبين وجه ذلك. قلت: رواية الكشميهني: باب، بلا تنوين بل
بالإضافة إلى التيمم، وضربة منصوب على الحال، والتقدير: هذا باب في بيان صفة التيمم
حال كونه ضربة واحدة، وقد ذكرنا أن في صفة التيمم أقوالاً، وأن رواية؛ ضربة واحدة، من
رواية: ضربتين، عند البخاري، فلذلك بوب عليه، ورواية الأكثرين: باب، منون على أنه خبر
مبتدأ محذوف، وقوله؛ ((التيمم ضربة)) بالرفع لأنه خبر، والتيمم، مبتدأ.
٣٤٧/١٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ بن سَلاَمَ قالَ أخْبَرَنَا أَبُو مُعاوِيَةً عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ
قالَ كُنْتُ جالِساً مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى لو أنَّ رَجُلاً أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدِ
المَاءَ شَهْراً أمَا كانَ يَتَيمَّمُ وَيُصَلِّي فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ فِي سُورَةِ المَائِدَةِ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً
فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذَا لَأَوْشَكُوا إِذَا بَرَدَ عَلَيْهِمُ المَاءُ أنْ
يَتَيَمَّمُوا الصَّعِيدَ قُلْتُ وَإِّمَا كَرِهْتُمْ هَذَا لِذَا قالَ نَعَمَ فقالَ أَبُو مُوسَى أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ بَعَثَنِي
رسولُ اللهِ عََّه فِي حَاجَّةٍ فَأْتَبْتُ فَلمْ أَجِدِ المَاءَ فَتَمَرَّغْتُ في الصَّعِيدِ كَمَا تَرَُّ الدَّابَّةُ فَذَكَرْتُ
ذَلِكَ لِلنبِيِّ عَّهِ فِقَالَ إِنَّا كَانَ يَكَفْيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا فَضَرَبَ بِكَفِّهِ ضَرْبَةً عَلَى الأرْضِ ثُم
نَفَضَها ثُم مَسَحَ بِهِما ظَهْرَ كفِّهِ بِشِمالِهِ أوْ ظَهْرَ شِمِالِهِ بِكَفِّهِ ثُمَّ مَسَحَ بِهِما وَجْههُ فقالَ عَبْدُ
اللَّهِ أَفَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوَّلِ عَمَّارٍ رضي الله عنهما. [انظر الحديث ٣٣٨ وأطرافه].
هذه طريقة أخرى، وهي أتم من الطريقتين المذكورتين، عن محمد بن سلام، وفي
رواية الأصيلي: هو محمد بن سلام بتخفيف اللام - البيكندي عن أبي معاوية الضرير محمد
بن خازم - بالمعجمتين - عن سليمان الأعمش عن شقيق بن سلمة، وهو أبو وائل المذكور
في الباب السابق في الطريقة الأولى، وهي رواية بشر بن خالد. قوله: ((أجنب)) أي: إذا صار
جنباً. قوله: ((أما كان يتيمم؟)) والهمزة فيه في رواية كريمة والأصيلي، وفي رواية مسلم:
((كيف تصنع بالصلاة؟ قال عبد الله: لا يتيمم وإن لم يجد الماء شهراً) ونحوه لأبي داود.
((قال: فقال أبو موسى: فكيف تصنعون بهذه الآية))؟ ثم الهمزة فيه أما مقحمة وإما للتقرير، و:
ما، نافية على أصلها، وعلى التقديرين الأولين وقع جواباً: للو، إما على تقدير الإقحام، فإن
وجوده كعدمه، وأما على تقدير التقرير، فإنه لم يبق على معنى الاستفهام الذي هو المانع من
وقوعه جزاء للشرط، والقول مقدر قبل لو. وحاصله يقولون: لو أجنب رجل ما تيمم، كيف
تصنعون؟ وعلى التقدير الثالث: وقع جواباً: بتقدير القول أي: لو أجنب رجل يقال في حقه:
إما يتيمم، ويحتمل أن يكون جواب: لو، هو: فكيف تصنعون؟.
قوله: ((في سورة المائدة))، وفي رواية الكشميهني: ((فكيف تصنعون بهذه الآية في
سورة المائدة؟)) وليس في رواية الأصيلي لفظ: الآية، وقوله: ((فلم تجدوا))، هو بيان للمراد
من الآية، ووقع في رواية الأصلي: ((فإن لم تجدوا))، وهو مغاير للتلاوة. وقيل: إنه كان
كذلك في رواية أبي ذر ثم أصلحها على وفق الآية، وإنما عين سورة المائدة لكونها أظهر في

٥٥
٧ - کتاب التيمم/ باب (٨)
مشروعية تيمم الجنب من آية النساء، لتقدم حكم الوضوء في المائدة، وقال الخطابي وغيره:
فيه دليل على عبد الله كان يرى أن المراد بالملامسة الجماع، فلهذا لم يدفع دليل أبي
موسى وإلاَّ لكان يقول له: المراد من الملامسة التقاء البشرتين فيما دون الجماع، وجعل
التيمم بدلاً من الوضوء لا يستلزم أن يكون بدلاً من الغسل. قلت: لو أراد بالملامسة الجماع
لكان مخالفة للآية صريحاً، وإنما تأولها على معنى غير الجماع، كما ذكرنا عن قريب. قوله:
((أن يتيمموا الصعيد)) أي: أن يقصدوه، ويروى: ((أن يتيمموا بالصعيد)). قوله: ((قلت))، هو
مقول شقيق، كذا قاله الكرماني. قلت: ليس كذلك، بل القائل ذلك هو الأعمش، والمقول له
هو شقيق، كما صرح بذلك في رواية عمر بن حفص التي مضت قبل هذه. قوله: ((هذا)) أي:
تيمم الجنب. قوله: ((لذا)) أي: لأجل تيمم صاحب البرد. قوله: ((كما تمرغ الدابة))، بالتشديد
وضم الغين المعجمة، وأصله: تتمرغ بالتائين فحذفت إحداهما للتخفيف، كما في قوله
تعالى: ﴿ناراً تلظى﴾ [الليل: ١٤] أصله: تتلظى. قوله: ((بكفه ضربة)) ويروى: ((بكفیه)).
وقال الكرماني: اعلم أن هذه الكيفية مشكلة من جهات: أولاً: مما ثبت من الطريق
الآخر أنه ضربتان، وقال النووي: الأصح المنصوص ضربتان: وثانياً: من جهة الاكتفاء بمسح
ظهر كف واحدة، وبالاتفاق مسح كلا ظهري الكفين. واجب، ولم يجوز أحد الاجتزاء
بأحدهما. وثالثاً: من حيث إن الكف إذا استعمل ترابه في ظهر الشمال كيف مسح به الوجه
وهو صار مستعملاً. ورابعاً: من جهة أنه لم يمسح الذارعين. وخامساً: من عدم مراعاة الترتيب
وتقديم الکف على الوجه انتھی.
قلت: هذه خمسة إشكالات أوردها. ثم تكلف في الجواب عنها، ثم قال في آخره:
هذا غاية وسعنا في تقريره ولعل عند غيرنا خيراً منه. أقول: وبالله التوفيق: ملخص جواب
عن الأول بالمنع بأنا لا نسلم أن هذا التيمم كان بضربة واحدة. قلت: منعه ممنوع لأنه كان
بضربة واحدة، لأنه صرح فيه بأن: الضربة الواحدة كافية، فيحمل هذا على الجواز، وما ورد
من الزيادة عليها على الكمال. وقوله: وقال النووي: الأصح المنصوص ضربتان، اعتراض على
الحديث بالمذهب، وهو غير صحيح. وأجاب عن الثاني: بأنه لا بد من تقدير: ثم ضرب
ضربة أخرى ومسح بها يديه. قلت: لا يحتاج إلى هذا التقدير لأن أصل الفرض يقوم بضربة
واحدة، كما في الوضوء، على أن مذهب جمهور العلماء الاكتفاء بضربة واحدة، كذا ذكره
ابن المنذر، واختاره هو أيضاً، والبخاري أيضاً، فلذلك بوب عليه. وأجاب عن الثالث: بما لا
طائل تحته، والجواب السديد ملخصاً: أن التراب لا يأخذ حكم الاستعمال، وهذا الحكم في
الماء دون التراب. وأجاب عن الرابع: بمنع إيجاب مسح الذراعين، وأكد ذلك بقوله: ولهذا
قالوا مسح الكفين أصح في الرواية، ومسح الذارعين أشبه بالأصول. قلت: فعلى هذا،
الإشكال الرابع غير وارد من الأول. وأجاب عن الخامس: بمنع إيجاب الترتيب كما هو
مذهب الحنفية. قلت: هذه استعانة برأي من هو يخالف رأيه.
قوله: «ثم مسح بها ظهر کفه))، ویروی: «مسح بهما)). قوله: ((أو ظهر شماله بكفه))،

٥٦
٧ - كتاب التيمم/ باب (٨)
كذا هو بالشك في جميع الروايات إلاَّ في رواية أبي داود فإنه رواه أيضاً من طريق أبي
معاوية، كما رواه البخاري ولفظه، فقال: ((إنما يكفيك أن تصنع هكذا، وضرب بيديه على
الأرض فنفضهما ثم ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله على الكفين ثم مسح
وجهه)). انتهى. وهذا يحرر رواية غيره، لأن الحديث واحد، واختلاف الألفاظ باختلاف
الرواية، وفيه دليل صريح على أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين جميعاً، ولكن العامة
أجابوا عن هذا: إن هذا الضرب المذكور كان للتعليم وليس المراد به بيان جميع ما يحصل
به التيمم، لأن الله تعالى أوجب غسل اليدين إلى المرفقين في الوضوء في أول الآية، ثم قال
في التيمم ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾ [النساء: ٤٣، والمائدة: ٦] والظاهر أن اليد
المطلقة هنا هي المقيدة في الوضوء. فافهم.
قوله: ((فقال عبد الله))، ويروى: قال عبد الله بدون: الفاء. قوله: ((ألم تر عمر؟)) وفي
رواية الأصيلي وكريمة: ((أفلم تر؟)) بزيادة الفاء، فيه. قوله: ((لم يقنع بقول عمار))، ووجه عدم
قناعته بقول عمار هو أنه كان معه في تلك الفضية، ولم يتذكر عمر ذلك أصلاً، ولهذا قال
لعمار، فيما رواه مسلم عن عبد الرحمن بن أبزى: ((اتق الله يا عمار فيما ترويه وتثبت فيه فلعلك
نسيت أو اشتبه عليك، فإني كنت معك ولا أتذكر شيئاً من هذا)، ومعنى قول عمار؛ إني رأيت
المصلحة في الإمساك عن التحديث به راجحة على التحديث وافقتك وأمسكت، فإني قد بلّغته
ولم يبق علي حرج؛ فقال له عمر رضي الله تعالى عنه: إنا نوليك ما توليت. أي: لا يلزم من
كوني لا أتذكره أن لا يكون حقاً في نفس الأمر، فليس لي منعك من التحديث به.
وَزَادَ يَعْلَى عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شقيقٍ كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُوسَى فَقَالَ أَبُو مُوسَى أَلَمْ
تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَ لَّه بَعَثَنِي أَنا وَأَنت فَأَجْنَبْتُ فَتَمَتَّكْتُ بِالصَّعِيدِ فَأَتَيْنَا
رسولَ اللَّهِ عَ لَّهِ فَأَخْبَوْنَاهُ فَقَال إِنّما كانَ يَكْفيكَ هَكَذَا وَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ وَاحِدَةً؟.
يعلى، بفتح الياء آخر الحروف وسكون العين المهملة وفتح اللام: ابن عبيد أبو يوسف
الطنافسي الحنفي الكوفي، مات سنة تسع ومائتين. قال الكرماني: هذا إما داخل تحت إسناد
محمد بن سلام، وإما تعليق من البخاري مع احتمال سماع البخاري منه، لأنه أدرك عصره.
قلت: هذا تعليق وصله أحمد في (مسنده) ووصله الإسماعيلي عن ابن زيدان: حدّثنا أحمد
ابن حازم حدّثنا يعلى حدّثنا الأعمش فذكره. قوله: ((إن رسول الله)، ويروى: ((إن النبي عليه
الصلاة والسلام)). قوله: ((بعثني أنا وأنت)). قيل: كان القياس بعثني إياي وإياك، لأن: أنا،
ضمير مرفوع فكيف وقع تأكيداً للضمير المنصوب؟ والمعطوف في حكم المعطوف عليه؟
وأجيب: بأن الضمائر يقام بعضها مقام البعض، وتجري بينهما المناوبة. قوله: ((هكذا))، وفي
رواية الكشميهني: ((هذا)). قوله: ((واحدة)) يعني ضربة واحدة، وهذا التقدير هو المناسب
لغرض البخاري لأنه ترجم الباب بقوله: باب التيمم ضربة، ويحتمل أن يقدر مسحة واحدة
وهو الظاهر من اللفظ. قال الكرماني: فيكون التيمم بالضربتين. قلت: لا يدل شيء ههنا على
ذلك، ثم سأل، فإذا حملته على الضربة واستعمل في الوجه فكيف مسح به الكفين؟ وأجاب:

٥٧
٧ - كتاب التيمم/ باب (٩)
بأن السؤال ساقط على مذهب من قال: التراب لا يصير مستعملاً، وأما على مذهبنا فوجهه أنه
يمسح الوجه بكف واحدة، ثم ينفض بعض الغبار في الكف الغير المستعملة إلى الأخرى، أو
يدلك إحداهما بالأخرى ثم يمسح اليدين بهما. قلت: هذا الذي ذكره وجعله مذهباً لا يفهم
من هذا الحديث.
٩ - باب
وقعَ هكذا باب مجرداً عن الترجمة في رواية الأكثرين، وليس بموجود أصلاً في رواية
الأصيلي، فعلى روايته يكون الحديث الذي فيه داخلاً في الترجمة الماضية، فعلى قول
الأكثرين يكون: باب، بمنزلة؛ فصل، ولا يكون معرباً، لأن الإعراب يكون بالعقد والتركيب.
١٤/ ٣٤٨ - حدثنا عَبْدانُ قالَ أخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قالَ أخْبَرَنا عَوْفٌ عَنْ أبِي رَجاءٍ قَالَ
حدّثنا عِمْرَانُ بنُ حَصَيْنِ الخُزَاعِيُّ أنَّ رسولَ اللَّهِ عَ لَّهِ رَأَى رَجُلاً مُعْتَزِلاً لَمْ يُصَلِّ فِي القَوْمِ
فَقَالَ يَا فُلاَنُ مَا مَنَعَكَ أَن تُصَلِّيَ في القَوْمِ فَقَالَ يا رَسولَ اللَّهِ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلا ماءَ قالَّ
عَلَيْكَ بالصعيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ. [انظر الحديثَ ٣٤٤ وأطرافه].
عبدان، بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة. وعبد الله هو ابن المبارك، وعوف
هو ابن الأعرابي، وأبو رجاء العطاردي واسمه عمران بن ملحان والكل تقدموا.
ومن لطائف هذا الإسناد أن فيه: التحديث بصيغة الجمع فى موضعين، والإخبار
كذلك في الموضعين. وفيه: العنعنة في موضع واحد.
وهذا الحديث مختصر من الحديث الطويل الذي مضى في: باب الصعيد الطيب. فإن
قلت: هذا لا يطابق الترجمة لأنه ليس فيه التصريح بكون الضرب في التيمم مرة واحدة.
قلت: إن كان لفظ: باب، موجوداً على رأس الحديث فلا يحتاج إلى الجواب لأنه حينئذٍ لا
اختصاص له بذلك، بل للإشارة إلى أن الصعيد كافٍ للجنب وغيره، وإن كان غير موجود
فجوابه أنه أطلق ولم يقيد بضربة ولا ضربتين، وأقله يكون مرة واحدة، فيدخل في الترجمة.
فافهم، فإنه دقیق.

٥٨
٨ - كتاب الصلاة/ باب (١)
بسم الله الرحمن الرحيم
٨ - كِتَابُ الصَّلاَةِ
أي: هذا كتاب في بيان أحكام الصلاة، وارتفع: كتاب، على أنه خبر مبتدأ محذوف
كما قدرناه، ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر، أي: كتاب الصلاة هذا، ويجوز أن
ينتصب على تقدير خذ كتاب الصلاة، وقد مضى تفسير الكتاب مرة. ولما فرغ من بيان
الطهارة التي منها شروط الصلاة، شرع في بيان الصلاة التي هي المشروطة. فلذلك أخرها
عن الطهارات، لأن شرط الشيء يسبقه، وحكمه يعقبه، ثم معنى الصلاة في اللغة الغالبة
الدعاء. قال تعالى: ﴿وصل عليهم﴾ [: ] أي: ادع لهم. وفي الحديث، في إجابة
الدعوة: ((وإن كان صائماً فليصل)) أي: فليدع لهم بالخير والبركة. وقيل: هي مشتقة من:
صليت العود على النار: إذا قومته. قال النووي: هذا باطل، لأن لام، الكلمة في: الصلاة.
واو، بدليل الصلوات، وفي: صليت: فكيف يصح الاشتقاق مع اختلاف الحروف الأصلية؟
قلت: دعواه بالبطلان غير صحيحة، لأن اشتراط اتفاق الحروف الأصلية في الاشتقاق
الصغير دون الكبير والأكبر، فإن قلت: لو كانت واوية كان ينبغي أن يقال: صلوت، ولم يقل
ذلك. قلت: هذا لا ينفي أن تكون واوية لأنهم يقلبون: الواو - ياء إذا وقعت رابعة. وقيل؛
الصلاة مشتقة من: الصلوين، تثنية: الصلا، وهو ما عن يمين الذنب وشماله، قاله الجوهري.
قلت: هما العظمان الناتئان عند العجيزة، وذلك لأن المصلي يحرك صلويه في الركوع
والسجود. وقيل: مشتقة من المصلى، وهو الفرس الثاني من خيل السباق، لأن رأسه تلي
صلوي السابق. وقيل: أصلها من التعظيم، وسميت العبادة المخصوصة: صلاة، لما فيها من
عظيم الرب. وقيل: من الرحمة، وقيل: من التقرب، من قولهم: شاة مصلية، وهي التي قربت
إلى النار. وقيل: من اللزوم، قال الزجاج: يقال: صلى واصطلى: إذا لزم. وقيل: هي الإقبال
على الشيء. وأنكر غير واحد بعض هذه الاشتقاقات لاختلاف لام الكلمة في بعض هذه
الأقوال، فلا يصح الاشتقاق مع اختلاف الحروف. قلت: قد أجبنا الآن عن ذلك. وأما معناها
الشرعي: فهي عبارة عن الأركان المعهودة والأفعال المخصوصة.
وقد ذكر بعضهم وجه المناسبة بين أبواب كتاب الصلاة، وهي تزيد على عشرين نوعاً
في هذا الموضع، ثم قال: آخر ما ظهر من مناسبة ترتيب كتاب الصلاة في هذا الجامع
الصحيح، ولم يتعرض أحد من الشراح لذلك. قلت: نحن نذكر وجه المناسبة بين كل بابين
من هذه الأبواب بما يفوق ذلك على ما ذكره، يظهر ذلك عند المقابلة، وذكرها في موضعها
أنسب وأوقع في الذهن وأقرب إلى الصواب، وبالله التوفيق.
١ - بابُ كَيْفَ فُرِضَتِ الصَّلواتُ في الإسراءِ
أي: هذا باب في بيان كيفية فرضية الصلاة في ليلة الإسراء، وفي رواية الكشميهني

٥٩
٨ - كتاب الصلاة/ باب (١)
والمستملي: ((كيف فرضت الصلوات))، بالجمع، واختلفوا في المعراج والإسراء هل كانا في
ليلة واحدة أو في ليلتين؟ وهل كانا جميعاً في اليقظة أو في المنام؟ أو أحدهما في اليقظة
والآخر في المنام؟ فقيل: إن الإسراء كان مرتين: مرة بروحه مناماً، ومرة بروحه وبدنه يقظة.
ومنهم من يدعي تعدد الإسراء في اليقظة أيضاً، حتى قال: إنه أربع إسراآت، وزعم بعضهم أن
بعضها كان بالمدينة، ووفق أبو شامة في روايات حديث الإسراء بالجمع بالتعدد، فجعل
ثلاث إسراآت مرة من مكة إلى بيت المقدس فقط على البراق، ومرة من مكة إلى السموات
على البراق أيضاً. ومرة من مكة إلى بيت المقدس ثم إلى السموات. وجمهور السلف
والخلف على الإسراء كان ببدنه وروحه. وأما من مكة إلى بيت المقدس فبنص القرآن،
وكان في السنة الثانية عشرة من النبوة؛ وفي رواية البيهقي من طريق موسى بن عقبة عن
الزهري أنه أسري به قبل خروجه إلى المدينة بسنة، وعن السدي قبل مهاجرته بستة عشر
شهراً، فعلى قوله يكون الإسراء في شهر ذي القعدة، وعلى قول الزهري: يكون في ربيع
الأول. وقيل: كان الإسراء ليلة السابع والعشرين من رجب، وقد اختاره الحافظ عبد الغني بن
سرور المقدسي في سيرته، ومنهم من يزعم أنه كان في أول ليلة جمعة من شهر رجب، وهي
ليلة الرغائب التي أحدثت فيها الصلاة المشهورة، ولا أصل لها، ثم قيل: كان قبل موت أبي
طالب. وذكر ابن الجوزي أنه كان بعد موته في سنة اثنتي عشرة للنبوة، ثم قيل: كان في
ليلة السبت لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان في السنة الثالثة عشرة للنبوة. وقيل: كان في
ربيع الأول. وقيل: كان في رجب، والله أعلم.
فإن قلت: ما وجه ذكر هذا الباب بعد قوله: كتاب الصلاة؟ وما وجه تتويج الأبواب
الآتية بهذا الباب؟ قلت: لأن هذا الكتاب يشتمل على أمور الصلاة وأحوالها. ومن جملتها
معرفة كيفية فرضيتها، لأنها هي الأصل والباقي عارض عليه، فما بالذات مقدم على ما
بالصفات.
صَلى الله
وقالَ ابنُ عَبَّاسٍ حدّثني: أبُو سُفْيانَ في حَدِيثِ هِرَقْلَ فَقَالَ يَأْمُنا يَعْنِي النبيَّ
بِالصَّلاَةِ وَالصِّدْقِ والعَفَاف.
الكلام فيه على أنواع. الأول أن ابن عباس هو عبد الله حبر هذه الأمة وترجمان
القرآن، وأبو سفيان اسمه صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي
القرشي الأموي المكي، وهو والد معاوية وإخوته، أسلم ليلة الفتح ومات بالمدينة سنة إحدى
وثلاثين وهو ابن ثمان وثمانين سنة، وصلى عليه عثمان بن عفان. وهرقل، بكسر الهاء وفتح
الراء على المشهور، وحكى جماعة إسكان الراء وكسر القاف: كخندف، منهم الجوهري،
وهو اسم عجمي تكلمت به العرب على أنه غير منصرف للعلمية والعجمة، ملك إحدى
وثلاثين سنة، وفي ملكه مات النبي عَّه، ولقبه: قيصر، كما إن من ملك الفرس يقال له:
کسری، والترك يقال له: خاقان.
الثاني: أن هذا تعليق من البخاري، وقطعه من حديث طويل ذكره في أول الكتاب

٦٠
٨ - كتاب الصلاة/ باب (١)
مسنداً، أو قال: حدّثنا أبو اليمان الحكم بن نافع أخبرنا شعيب عن الزهري، قال: أخبرني
عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عبد الله بن عباس أخبره أن أبا سفيان أخبره أن
هرقل أرسل إليه في ركب من قريش إلى أن قال: ((وسألتك بما يأمركم فذكرت أنه يأمركم أن
تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق
والعفاف ... )) الحديث.
الثالث في معناه: قوله: ((النبي))، منصوب لأنه مفعول لقوله: يعين، وبالرفع فاعل
لقوله: ((يأمرنا))، والباء في: بالصلاة، يتعلق بقوله: ((يأمرنا)»، وفي رواية للبخاري: ((ويأمرنا
بالصلاة والصدقة))، وفي رواية مسلم: ((ويأمرنا بالصلاة والزكاة))، وكذا في رواية البخاري في
التفسير، والبخاري أخرج هذا الحديث في أربعة عشر موضعاً، وأخرجه مسلم وأبو داود
والترمذي والنسائي، ولم يخرجه ابن ماجه. والصلاة: هي العبادة المفتتحة بالتكبير المختتمة
بالتسليم. والصدق: هو القول المطابق للواقع. والعفاف: الانكفاف عن المحرمات وخوارم
المروءات.
الرابع في وجه مناسبة هذا للترجمة: قال بعضهم: مناسبته لهذه الترجمة أن فيه إشارة
إلى أن الصلاة فرضت بمكة قبل الهجرة، لأن أبا سفيان لم يلق النبي عَّ بعد الهجرة إلى
الوقت الذي اجتمع فيه بهرقل لقاء يتهيأ له معه أن يكون آمراً له بطريق الحقيقة، والإسراء
كان قبل الهجرة إلى الوقت الذي اجتمع فيه بهرقل لقاء يتهيأ له معه أن يكون آمراً له بطريق
الحقيقة، والإسراء كان قبل الهجرة بلا خلاف، فظهرت المناسبة. انتهى. قلت: الترجمة في
كيفية الفرضية بمعنى: كيف فرضت؟ لا في بيان وقت الفرض، فكيف تظهر المناسبة حتى
يقول هذا القائل: فظهرت المناسبة، وليس في هذا الحديث الذي رواه عبد الله بن عباس
مطولاً ما يشعر بكيفية فرضية الصلاة؟ بل يذكر ذلك في حديث الإسراء الآتي، ولكن يمكن
أن يوجه لذكر هذا ههنا وجه، وهو أن معرفة كيفية الشيء تستدعي معرفة ذاته قبلها، فأشار
بهذا أولاً إلى ذات الصلاة من حيث الفرضية، ثم أشار إلى كيفية فرضيتها بذكر حديث
الإسراء، فصار ذكر قول ابن عباس المذكور توطئة وتمهيداً لبيان كيفيتها، فدخل فيها، فبهذا
الوجه دخل تحت الترجمة، وهذا مما سنح به خاطري من الأنوار الإلهية، ولم يسبقني بهذا
أحد من الشراح.
٣٤٩/١٥ - حدّثنا يَحْيَى بِنُ بُكَيْرِ قالَ حدّثنا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابنِ شهابٍ عَنْ
أنَسِ بنِ مالِكِ قالَ كانَ أَبُو ذَرٍ يُحَدِّثُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَ لَه قالَ: ((فُرِجَ عَنْ سَقْفِ بَيْتِي وَأنا
بِمَكَّةَ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَفَرَجَ صَدْرِي ثُمِ غَسَلَهُ بِاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِيءٍ
حِكْمَةً وَإِيماناً فَأَفْرَغَهُ فِي صَذَّرِي ثُمَّ أَطْبِقَهُ ثُمَّ أُخذَ بِيَدِي فَعَرَجِ بِي إلى السّماءِ الدُّنيا
فَلَمَّا جِئْتُ إلى السَّماءِ الدُّنْياَ قالَ جبريلُ لخازِنِ السَّماءِ افْتَحْ قالَّ مَنْ هَذا قالَ جبريلُ
قالَ هِلْ مَعَك أحَدٌ قالَ نَعَمْ مَعِي مُحمَّدٌ عَ لَِّ فَقَالَ أَأُزْسِلَ إِلَيهِ قالَ نَعِمْ فَلمَّا فَتَحَ عَلَوْنا
الشّماءَ الدُّنْيا فإِذَا رَجلٌ قاعِدٌ عَلى ◌َمِينِهِ أسْوِدَةٌ وَعلى يَسَارِهِ أسْوِدَةٌ إذا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ