Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ ٧ - كتاب التيمم/ باب (٣) ترك هذا ما هو من البخاري، والظاهر أنه من الناسخ، واستمر الامر عليه وليس له وجه غير هذا. الثالث: في لغاته. فقوله: ((بالجرف)) بضم الجيم والراء، وقد تسكن الراء: وهو ما تجري فيه السيول وأكلته من الأرض، وهو جمع: جرفة، بكسر الجيم وفتح الراء. وزعم الزبير: أن الجرفة على ميل من المدينة. وقال ابن إسحاق: على فرسخ، وهناك كان المسلمون يعسكرون إذا أرادوا الغزو. وزعم ابن قر قول أنه على ثلاثة أميال إلى جهة الشام، به مال عمر وأموال أهل المدينة، ويعرف ببئر جشم وبئر جمل. قوله: ((بمربد النعم)). قال السفاقسي: رويناه بفتح الميم، وهو في اللغة بكسرها، وفي (المحكم): المربد محبس الإبل، وقيل: هي من خشبة أو عصى تعترض صدور الإبل فتمنعها من الخروج، ومربد البصرة من ذلك لأنهم كانوا يحبسون فيه الإبل، والمربد: فضاء وراء البيوت ترتفق به، والمربد: كالحجرة في الدار، ومربد التمر: جرينه الذي يوضع فيه بعد الجذاذ لييبس. وقال سيبويه: هو اسم كالمسطح، وإنما مثله به لأن المسطح بيبس. وقال السهيلي: المربد والجرين والمسطح والبيدر والاندر والجرجار: لغات بمعنى واحد. قوله: ((النعم))، بفتح النون والعين: وهو المال الراعية، وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل. الرابع في حكم الأثر المذكور: وهو يقتضي جواز التيمم للحضري، لأن من يجيز التيمم في السفر يقصره على السفر الذي تقصر فيه الصلاة. قال محمد بن مسلمة: إنما تيمم ابن عمر بالمربد لأنه خاف فوت الوقت. قيل: لعله يريد فوات الوقت المستحب وهو أن تصفر الشمس. وقوله: ((والشمس مرتفعة)) يحتمل أن تكون مرتفعة عن الأفق والصفرة دخلتها، ويحتمل أن يكون ظن أنه لا يدخل المدينة حتى يخرج الوقت فتيمم على ذلك الاجتهاد. وقال ابن القاسم: من رجا إدراك الماء في آخر الوقت فتيمم في أوله وصلى أجزأه ويعيد في الوقت استحباباً، فيحتمل أن ابن عمر كان يرى هذا. وقال سحنون في (شرح الموطأ) كان ابن عمر على وضوء لأنه كان يتوضأ لكل صلاة، فجعل التيمم عند عدم الماء عوض الوضوء، وقيل: كان ابن عمر يرى أن الوقت إذا دخل حل التيمم، وليس عليه أن يؤخر لقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [النساء: ٤٣، والمائدة: ٦]. ٤ /٣٣٧ - حدّثنا يحيى بنُ بُكثر قال حدّثنا اللَّيْثُ عن جَعْفَرِ بنِ ربِيعةَ عنِ الأَغْرَجِ قال سَمِعْتُ عُمَيْراً مَؤْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قال أقْبَلْتُ أنا وعَبْدُ اللَّهِ بِنِّ يَسَارٍ مَوْلَى مَيْمُونَةَ زَوْجِ النبيِّ عَّلَّهِ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي جُهَيْمِ بنِ الْحَارِثِ بنِ الصِّمَّةِ الأَنصَارِيِّ فقالَ أَبُو الجُهِيْمِ أَقْبَلَ النَّبِيُّ عَّهِ مِنْ نَحْوِ بِثْرِ جَمَلٍ فَلَقِيَةُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عليهِ فَلَمْ يَرُدَّ عليه النبيُّ عَُّلَّهِ حَتَى أَقْبَلَّ عَلَى الْجِدَارِ فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ ثُمَّ رَدَّ عَلَيهِ السَّلاَمَ. وجه مطابقة هذا الحديث للترجمة هو أن النبي عَّ لما تيمم في الحضر لرد السلام، وكان له أن يرده عليه قبل تيممه، دل ذلك أنه إذا خشي فوات الوقت في الصلاة في الحضر أن له التيمم، بل ذلك آكد، لأنه لا تجوز الصلاة بغير وضوء ولا تيمم، ويجوز السلام بغيرهما. ٢٢ ٧ - كتاب التيمم/ باب (٣) ذكر رجاله: وهم سبعة. الأول: يحيى بن بكير هو يحيى بن عبد الله بن بكير القريشي المخزومي، أبو زكريا المصري. الثاني: الليث بن سعد، الإمام المشهور. الثالث: جعفر بن ربيعة بن شرحبيل الكندي المصري، مات سنة خمس وثلاثين ومائة. الرابع: الأعرج وهو عبد الرحمن بن هرمز راوية أبي هريرة، تقدم في باب حب الرسول من الإيمان. الخامس: عمير مصغر عمرو بن عبد الله الهاشمي، مات بالمدينة سنة أربع ومائة. السادس: عبد الله بن يسار، بفتح الياء آخر الحروف وتخفيف السين المهملة: المدني الهلالي. السابع: أبو جهيم، بضم الجيم وفتح الهاء وسكون الياء آخر الحروف: هو عبد الله بن الحارث بن الصمة، بكسر الصاد المهملة وتشديد الميم: الصحابي الخزرجي. وللبخاري حديثان عنه، ويروى: أبو الجهيم بالألف واللام، وقال الذهبي: أبو جهيم. ويقال: أبو الجهيم بن الحارث بن الصمة، كان أبوه من كبار الصحابة، وأبو جهم عبد الله بن جهيم. قال أبو نعيم وابن منده: أبو جهيم وابن الصمة واحد. وكذا قاله مسلم في بعض كتبه، وجعلهما ابن عبد البر اثنين. وعن ابن أبي حاتم عن أبيه قال: ويقال: أبو الجهيم هو الحارث بن الصمة، فعلى هذا تكون لفظة: ابن في متن الحديث زائدة، لكن صحح أبو حاتم أن الحارث اسم لأبيه لا اسمه، وفي الصحابة شخص آخر يقال له: أبو الجهم، وهو صاحب الأنبجانية، وهو غير هذا لأنه قريشي وهذا أنصاري. قلت: أبو الجهم هذا هو الذي قاله الذهبي: أبو جهم عبد الله بن جهیم. ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في موضعين، ولكن في رواية الإسماعيلي: حدثني جعفر. وفيه: أن نصف الإسناد الأول مصريون، والنصف الثاني مدنيون. وفيه: عمير مولى ابن عباس، كذا ههنا، وهو مولى أم الفضل بنت الحارث والدة ابن عباس، وإذا كان مولى أم الفضل فهو مولى أولادها. وقد روى ابن إسحاق هذا الحديث وقال: مولى عبيد الله بن عباس، وقد روى موسى بن عقبة وابن لهيعة وأبو الحويرث هذا الحديث عن الأعرج عن أبي الجهيم ولم يذكروا بينها عميراً، والصواب إثباته، وليس له في الصحيح غير هذا الحديث وحديث آخر عن أم الفضل. وفيه: رواية الأعرج عنه رواية الأقران. وفيه: السماع والقول. وفيه: عبد الله بن يسار، وهو أخو عطاء ابن يسار التابعي المشهور، ووقع عند مسلم في هذا الحديث: عبد الله بن يسار وهو وهم، وليس له في هذا الحديث رواية، ولهذا لم يذكره المصنفون في رجال الصحيحين. ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الطهارة، وقال: روى الليث فذكره. وأخرجه أبو داود فيه عن عبد الملك بن شعيب بن الليث عن سعد عن أبيه عن جده. وأخرجه النسائي فيه عن الربيع بن سليمان عن شعيب بن الليث به، ومسلم ذكر هذا الحديث منقعطاً وهو موصول على شرطه، وفيه عبد الرحمن بن يسار، وهو وهم، كما ذكرناه، وفيه أبو الجهم مكبراً وهو أبو الجهيم مصغراً، وروى البغوي في (شرح السنة) بإسناده من حديث الشافعي عن إبراهيم بن محمد عن أبي الحويرث عن الأعرج عن أبي جهيم بن الصمة. قال: ٢٣ ٧ - كتاب التيمم/ باب (٣) ((مررت على النبي عَ) وهو يبول فسلمت عليه فلم يرد عليَّ حتى قام إلى جدار فحته بعصاً كانت معه، ثم وضع يده على الجدار فمسح وجهه وذراعيه ثم رد علي))، قال: هذا حديث حسن. ذكر معناه وما ورد فيه من الروايات: قوله: ((من نحو بئر جمل))، أي: من جهة الموضع الذي يعرف ببئر جمل، بالجيم والميم المفتوحتين. ويروى: ((ببئر الجمل))، بالألف واللام، وكذا في رواية النسائي، وهو موضع بقرب المدينة فيه مال من أموالها. قوله: ((فلقيه رجل))، هو أبو الجهيم الراوي، وقد صرح به الشافعي في حديثه الذي ذكرناه الآن. قوله: ((فلم يرد))، يجوز في داله الحركات الثلاث: الكسر، لأنه الأصل؛ والفتح، لأنه أخف؛ والضم لإتباع الراء. قوله: ((حتى أقبل على الجدار)) الألف واللام فيه للعهد الخارجي، أي: جدار هناك، والجدار كان مباحاً فلم يحتج إلى الإذن في ذلك، أو كان مملوكاً لغيره وكان راضياً به. وفي رواية الطبراني في (الأوسط): ((حتى إذا كان الرجل أن يتوارى في السكة ضرب بيديه على الحائط فمسح ذراعيه ثم رد على الرجل السلام، وقال: إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلاَّ أني كنت على غير طهر)). وعند أبي داود، من حديث حيوة عن ابن الهاد: أن نافعاً حدثه عن ابن عمر قال: ((أقبل رسول الله عَ لمه من الغائط، فلقيه رجل عند بئر جمل فسلم عليه فلم يرد عليه رسول الله عَّلهم حتى أقبل على الحائط فوضع يده عليه ثم مسح وجهه ويديه ثم رد على الرجل السلام)). وعند البزار بسند صحيح: ((عن نافع عنه أن رجلاً مر على النبي عَّه وهو يبول، فسلم عليه الرجل فرد عليه السلام فلما جاوزه ناداه عليه السلام، فقال: ((إنما حملني على الرد عليك خشية أن تذهب فتقول: إني سلمت على النبي فلم يرد علي، فإذا رأيتني على هذه الحالة فلا تسلم علي فإنك إن تفعل لا أرد عليك)). وعند الطبراني من حديث البراء بن عازب ((أنهُ سلم على النبي عَّه وهو يبلو فلم يرد عليه حتى فرغ))، وعنده أيضاً من حديث جابر بن سمرة بسند فيه ضعف، قال: ((سلمت على النبي عَّه وهو يبول فلم يرد علي، ثم دخل إلى بيته فتوضأ ثم خرج فقال: ((وعليك السلام)). وعند الحاكم من حديث المهاجرين قنقذ، قال: ((أتيت النبي عَّـه، وهو يتوضأ فسلمت عليه فلم يرد علي، فلما فرغ من وضوئه قال: ((إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلاَّ أني كنت على غير وضوء)). وأخرجه الطحاوي أيضاً، ولفظه: ((إلاَّ أني كرهت أن أذكر الله إلاَّ على طهارة)). وأخرجه أبو داود ولفظه: ((فلم يرد حتى توضأ ثم اعتذر إليه، قال: (إني كرهت أن أذكر الله إلاَّ على طهر، أو على طهارة)). وأخرجه النسائي وابن ماجه وأحمد والبيهقي وابن حبان والطبراني، وزاد: «فقمت مهموماً، فدعا بوضوء فتوضأ ورد علي، وقال: ((إني كرهت أن أذكر الله على غير وضوء)) وعند ابن ماجه من حديث أبي هريرة: (مر رجل على النبي عَّ له، وهو يبول، فسلم فلم يرد عليه، فلما فرغ ضرب بكفيه الأرض فتيمم ثم رد عليه السلام)). ذكر استنباط الأحكام منه: منها: ما قال ابن التين، قال بعضهم: يستنبط منه جواز ٢٤ ٧ - كتاب التيمم/ باب (٣) التيمم في الحضر، وعليه بوب البخاري، وقال بعضهم: فيه التيمم للحضر إلاَّ أنه لا دليل فيه أنه رفع بذلك التيمم الحدث رفعاً استباح به الصلاة، لأنه إنما فعله كراهة أن يذكر الله على غير طهارة، كذا رواه حماد في (مصنفه) وقال ابن الجوزي: كره أن يرد عليه السلام، لأنه اسم من أسماء الله تعالى، أو يكون هذا في أول الأمر ثم استقر الأمر على غير ذلك. وفي (شرح الطحاوي) حديث المنع من رد السلام منسوخ بآية الوضوء؛ وقيل: بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها: كان يذكر الله على كل أحيانه، وقد جاء ذلك مصرحاً به في حديث رواه جابر الجعفي عن عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن حزم عن عبد الله بن علقمة بن الغفراء عن أبيه قال: ((كان النبي عَّ إذا أراد الماء نكلمه فلا يكلمنا ونسلم عليه فلا يسلم علينا حتى نزلت آية الرخصة ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة﴾ [النساء: ٤٣، والمائدة: ٦] وقال ابن دقيق العيد: هذا الحديث - يعني حديث المهاجرين قنفذ - معلول ومعارض، أما كونه معلولاً فلأن سعيد بن أبي عروبة كان قد اختلط في آخر عمره، فيراعى فيه سماع من سمع منه قبل الاختلاط، وقد رواه النسائي من حديث شعبة عن قتادة به وليس فيه أنه لم يمنعني إلى آخره، ورواه حماد بن سلمة عن حميد وغيره عن الحسن عن مهاجر منقطعاً، فصار فيه ثلاث علل. وأما كونه معارضاً، فما رواه البخاري ومسلم من حديث كريب عن ابن عباس. قال: ((بت عند خالتي ميمونة)). الحديث، ففي هذا ما يدل على جواز ذكر اسم الله وقراءة القرآن مع الحدث، وزعم الحسن أن حديث مهاجر غير منسوخ، وتمسك بمقتضاه، فأوجب الطهارة للذكر، وقيل: يتأول الخبر على الاستحباب، لأن ابن عمر: ممن روى في هذا الباب، كما ذكرناه عن قريب روى ذلك، والصحابي الراوي أعلم بالمقصود. ومنها: أنه استدل به بعض أصحابنا على جواز التيمم على الحجر، قال: وذلك لأن حيطان المدينة مبنية بحجارة سود. وقال ابن بطال، في تيمم النبي عَ لَّه بالجدار رد على الشافعي في اشتراط التراب، لأنه معلوم أنه لم يعلق به تراب، إذ لا تراب على الجدار. وقال الكرماني: أقول ليس فيه رد على الشافعي إذ ليس معلوماً أنه لم يعلق به تراب، وما ذاك إلاَّ تحكم بارد إذ الجدار قد يكون عليه التراب وقد لا يكون، بل الغالب وجود الغبار على الجدار، مع أنه قد ثبت أنه عَ لِّ حت الجدار بالعصا ثم تيمم، فيجب حمل المطلق على المقيد. انتهى. قلت: الجدار إذا كان من حجر لا يحتمل التراب لأنه لا يثبت عليه، خصوصاً جدران المدينة، لأنها من صخرة سوداء. وقوله؛ مع أنه ثبت ... الخ، ممنوع لأن حت الجدار بالعصا رواه الشافعي عن إبراهيم بن محمد كما ذكرناه عن قريب، وهو حديث ضعيف. فإن قلت: حسنه البغوي كما ذكرنا. قلت: كيف حسنه وشيخ الشافعي وشيخ شيخه ضعيفان لا يحتج بهما؟ قاله مالك وغيره، وأيضاً فهو منقطع، لأن ما بين الأعرج وأبي جهيم عمير كما سبق من عند البخاري وغيره، ونص عليه أيضاً البيهقي وغيره، وفيه علة أخرى وهي ٢٥ ٧ - كتاب التيمم/ باب (٤) زيادة حك الجدار لم يأت بها أحد غير إبراهيم، والحديث رواه جماعة كما ذكرناه وليس في حديث أحدهم هذه الزيادة، والزيادة إنما تقبل من ثقة، ولو وقف الكرماني على ما ذكرنا لما قال: مع أنه قد ثبت أنه معَُّلَّه، حت الجدار بالعصا. ومنها: أنه استدل به الطحاوي على جواز التيمم للجنازة عند خوف فواتها، وهو قول الكوفيين والليث والأوزاعي، لأنه عدّ له، تيمم لرد السلام في الحضر لأجل فوت الرد، وإن كان ليس شرطاً، ومنع مالك والشافعي وأحمد ذلك وهو حجة عليهم. ومنها: أن فيه دلالة على جواز التيمم للنوافل كالفرائض؛ وقال صاحب (التوضيح): وأبعد من خصه من أصحابنا بالفرائض. ومنها: أن التيمم مسح الوجه واليدين، لقوله: فمسح بوجهه ويديه. فإن قلت: أطلق يديه فيتناول إلى الكفين وإلى المرفقين وإلى ما وراء ذلك. قلت: المراد منه ذراعيه، ويفسره رواية الدارقطني وغيره في هذا الحديث: فمسح بوجهه وذراعيه، وفيه خلاف بين العلماء، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى عن قريب. ٤ - باب المُتَيَمِّمُ هَلْ يَنْفُغُ فِيهِمَا أي: هذا باب يذكر فيه المتيمم: هل ينفخ فيهما؟ أي: في اليدين. وقال الكرماني: وفي بعض النسخ: هل ينفح في يديه بعدما يضرب بهما الصعيد للتيمم؟ وإنما أورده بلفظ الاستفهام على سبيل الاستفسار، لأن نفخه عَّه، في يديه في التيمم على ما يأتي في حديث الباب يحتمل وجوهاً ثلاثة: الأول: أن يكون لشيء علق بيديه فخشي عليه السلام، أن يصيب وجهه الكريم فنفخ لذلك. والثاني: أن يكون قد علق بيده من التراب ما يكرهه، فلذلك نفخ فيهما. والثالث: أن يكون لبيان التشريع وهو الظاهر، ولهذا احتج به أبو حنيفة، ولم يشترط التصاق التراب بيد المتيمم، فعلى هذا، الاحتمالات المذكورة التي ذهب إليها بعضهم غير سديدة، بل ظاهر الحديث لبيان التشريع، والحكمة فيه إزالة التلويث عن الوجه واليدين، وتبويب البخاري أيضاً بالاستفهام غير سديد. ووجه المناسبة بين البابين ظاهر، وهو أن المذكور فيما قبل هذا الباب أحكام التيمم، والنفخ فيه أيضاً من أحكامه. ٣٣٨/٥ - حدّثنا آدَمُ قالَ حدّثنا شُعْبَةُ قال حدّثنا الْحَكَمُ عنْ ذَرٍ عنْ سَعِيدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابن أَبْزِى عَنْ أَبِيهِ قالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ فقالَ إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أَصِبٍ المَاءَ فَقَالَ عَمَّارُ بنُ ياسِرٍ لعُمَر بنِ الخَطَّابِ أما تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ فَأَمَا أَنْتَ فَلَمْ تصَلِّ وأمَّا أنا فَتَمَتَّكْتُ فَصَلَّيْتُ فَذَّكَوْتُ ذَلِكَ لِلنَِّيِّ عَ لِ فِقالَ النّبِيُّ عَ لِ: ((إنََّا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا)) فَضَرَبَ النَّبِيُّ عَلَِّ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ وَنَفَخَ فِيهِمَا ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّتِهِ. [الحديث ٣٣٨ - أطرافه في: ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤١، ٣٤٢، ٣٤٣، ٣٤٥، ٣٤٦، ٣٤٧]. ٢٦ ٧ - كتاب التيمم/ باب (٤) الحديث يطابق الترجمة من حيث ذكر النفخ، ولكن ليس في الحديث استفهام فيه، ولهذا قلنا إن تبويبه بالاستفهام ليس بسديد. ذكر رجاله: وهم ثمانية. الأول: آدم بن أبي إياس، وقد تكرر ذكره. الثاني: شعبة بن الحجاج كذلك. الثالث: الحكم، بفتحتين: ابن عتيبة، بضم العين وفتح التاء المثناة من فوق وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة: مر في باب السمر بالعلم. الرابع: ذر، بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء: ابن عبد الله الهمداني، بسكون الميم. الخامس: سعيد بن عبد الرحمن، بكسر العين. السادس: أبوه عبد الرحمن بن أبزى، بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة، وبالزاي المفتوحة وبالقصر: وهو صحابي خزاعي كوفي، استعمله علي رضي الله تعالى عنه، على خراسان. السابع: عمر بن الخطاب. الثامن: عمار بن ياسر. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: القول. وفيه: ثلاثة من الصحابة. وفيه: أن رواته ما بين خراساني وكوفي. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري ههنا عن آدم، وأخرجه أيضاً في الطهارة عن سليمان بن حرب ومسلم بن إبراهيم ومحمد بن كثير، وفرقهم وعن بندار عن غندر، ستتهم عن شعبة عن الحكم. وأخرجه مسلم فيه عن إسحاق بن منصور عن النضر بن شميل وعن عبد الله بن هاشم. وأخرجه أبو داود فيه عن محمد بن كثير عن سفيان وعن محمد بن العلاء وعن محمد بن بشار وعن علي بن سهل الرملي وعن مسدد وعن محمد بن المنهال وعن موسى بن إسماعيل. وأخرجه الترمذي فيه عن أبي حفص عمرو بن علي. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن بشار عن عبد الرحمن بن مهدي، وعن عبد الله بن عبد الرحمن وعن عمرو بن يزيد وعن إسماعيل بن مسعود عن عبد الله بن محمد بن تميم. وأخرجه ابن ماجه فيه عن بندار عن غندر. ذكر ما فيه من الروايات واختلاف الألفاظ: وفي لفظ للبخاري؛ ((ثم أدناهما من فيه)). وفي لفظ: ((قال عمار: كنا في سرية فاجنبنا، وقال: تفل فيهما)). وفي لفظ: ((فأتيت النبي عَّه فقال: يكفيك الوجه والكفان))، وفي لفظ ((قال: عمار: فضرب رسول الله عَ ليه بيده الأرض فمسح وجهه وكفيه)). وفي لفظ ((قال أبو موسى لابن مسعود: إذا لم تجد الماء لا تصلُّ))، قال عبد الله: لو رخصت لهم في هذا كان إذا وجد أحدهم البر قال: هكذا، يعني تيمم، وصلى. قال أبو موسى: فقلت: فأين قول عمار لعمر رضي الله تعالى عنهما؟ قال: إني لم أَرَ قَيِعَ عمر بقول عمار، وفي لفظ: ((كيف تصنع بقول عمار حين قال له النبي عَ لّه: كان يكفيك؟ قال: ألم تر عمر لم يقنع بذلك منه؟ فقال أبو موسى: فدعنا من قول عمار: كيف تصنع بهذه الآية فما درى عبد الله ما يقول؟)) وفي لفظ: ((بعثني رسول الله عَ ليه في حاجة ٢٧ ٧ - كتاب التيمم/ باب (٤) فأجنبت فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة، فذكرت ذلك للنبي عليه، فقال: إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا، وضرب بكفه ضربة على الأرض، ثم نفضها ثم مسح بها ظهر كفيه بشماله أو ظهر شماله بكفه، ثم مسح بهما وجهه)). وفي لفظ: ((مسح وجهه وكفيه واحدة)). انتهى. وهو ظاهر في تقديم الكف على الوجه، وهو شاهد لما يراه أبو حنيفة، رأى ذلك محمد بن إدريس، وبقول أبي حنيفة قال ابن حزم، وحكاه عن الأوزاعي، وعند مسلم: ((ثم تمسح بهما وجهك وكفيك))، وعند ابن ماجة، من حديث محمد بن أبي ليلى القاضي عن الحكم وسلمة بن كهيل أنهم سألا عبد الله بن أبي أوفى عن التيمم، فقال: أمر الله النبي عَّله، عماراً أن يفعل هكذا، وضرب بيديه إلى الأرض ثم نفضهما ومسح على وجهه. قال الحكم: ويديه، وقال سلمة: ومرفقيه)). وفي حديث عبيد الله بن عبد الله عن أبيه عن عمار: ((فتيممنا مع النبي عَّه، إلى المناكب))، وسنده صحيح. ومن حديث عبيد الله عن عمار، عنده وعن أبي داود: ((حين تيمموا مع النبي عَّ، فأمر المسلمين فضربوا بأكفهم التراب ولم يقبضوا من التراب شيئاً، فمسحوا وجوههم مسحة واحدة، ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى فمسحوا بأيديهم)). قال أبو داود: وكذا رواه ابن إسحاق، قال به؛ عن ابن عباس، وذكر: ضربتين، كما ذكره يونس. عن الزهري، ورواه معمر: ضربتين، وعنده أيضاً بسند صحيح متصل عن عبيد الله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه: ((فقام المسلمون مع رسول الله عَّالله فضربوا بأيديهم إلى الأرض فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الآباط)). وفي لفظ بسند صحيح: ((ثم مسح وجهه ويديه إلى نصف الذراع)). وفي لفظ: ((إلى نصف الساعد ولم يبلغ المرفقين، ضربة واحدة)) وفي رواية: ((شك سلمة بن كهيل قال: لا أدري فيه إلى المرفقين))، يعني: أو إلى الكفين. ورواه شعبة عنه: إلى المرفقين أو الذراعين. قال شعبة: ((كان سلمة يقول: إلى الكفين والوجه والذراعين، فقال له منصور ذات يوم: أنظر ما تقول: فإنه لا يذكر الذراعين غيرك)). وفي حديث موسى بن إسماعيل: حدّثنا أبان عن قتادة عمن حدثه عن الشعبي عن عبد الرحمن بن أبزى: ((أن رسول الله عَِّ قال: إلى المرفقين)). وقال الطبراني في (الأوسط): لم يروه عن أبان بن يزيد العطار إلاّ عفان. وفي كتاب الدار قطني: قال الحربي: فذكر لأحمد بن حنبل فعجب منه. وقال: ما أحسنه! وقال ابن حزم: هو خبر ساقط، ورواه ابن أبي الذئب عن الزهري فذكر فيه ضربتين، رواه ابن مردويه، وعند الدارقطني: ((لما تمرغ عمار رضي الله تعالى عنه، وسأله رسول الله عَ ليه، فضرب بكفه ضربة إلى الأرض ثم نفضها وقال: تمسح بها وجهك وكفيك إلى الرسغين)). وقال: لم يروه عن حصين مرفوعاً غير إبراهيم بن طهمان، ووافقه شعبة وزائدة وغيرهما، وعند الأثرم من رواية عنه: ((ثم تمسح بوجهك وكفيك إلى الرسغين))، وفي (الأوسط) للطبراني عن عمار: ((تمسح وجهك وكفيك بالتراب، ضربة للوجه وضربة للكفين)). وقال: ٢٨ ٧ - كتاب التيمم/ باب (٤) لم يروه - يعني عن سلمة بن كهيل عن سعيد بن أبزى - إلا إبراهيم بن محمد الأسلمي. وفي (المعجم الكبير) له: ((وضربة لليدين إلى المنكبين ظهراً وبطناً)، وفي لفظ: ((ومن بطون أيديهم إلى الآباط)). وفي لفظ: ((إلى المناكب والآباط)). وفي لفظ: ((أما كان يكفيك من ذاك التيمم؟ فإذا قدرت على الماء اغتسلت))، وفي لفظ: ((عزبت في الإبل فأجنبت فأمرني بالتيمم وكنت تمعكت في التراب)). وفي (الكنى) للنسائي: أنه قال عمر رضي الله عنه: ((أما تذكر أنّا كنا نتاوب رعية الإبل فأجنبت))؟ وعند البيهقي بسند صحيح: ((إن النبي عَ لَه، قال له: إلى المرفقين)). ذكر معناه وإعرابه قوله: ((جاء رجل))، وفي رواية للطبراني: ((من أهل البادية))، وفي رواية سليمان بن حرب الآتية: أن عبد الرحمن بن أبزى شهد ذلك. قوله: ((إني أجنبت))، بفتح الهمزة أي: صرت جنباً، ويروى: جنبت، بضم الجيم وكسر النون. قوله: ((فلم أصب الماء))، بضم الهمزة من الإصابة أي: لم أجد. قوله: ((أما تذكر؟)) الهمزة للاستفهام، وكلمة: ما، للنفي. قوله: ((في سفر)). وفي رواية مسلم: ((في سرية)). قوله: ((أنا كنا في سفر))، في محل النصب لأنه مفعول: تذكر. قوله: ((أنا وأنت)) تفسير لضيمر الجمع في: كنا، قوله: ((فأما أنت)) تفصيل ما وقع من عمار وعمر رضي الله تعالى عنهما، ولم يذكر في هذه الرواية جواب عمر؛ وكذلك روى البخاري هذا الحديث في الباب الذي يليه من رواية ستة أنفس عن شعبة، ولم يذكر فيها جواب عمر، وذكره مسلم من طريق يحيى بن سعيد، والنسائي عن حجاج بن محمد فقال: ((لا تصل))، وزاد السراج: ((حتى تجد الماء))، وهذا مذهب مشهور عن عمر رضي الله تعالى عنه، ووافقه عليه عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، وجرت فيه مناظرة بين أبي موسى وابن مسعود على ما سيأتي في باب التيمم ضربة. وقيل: إن ابن مسعود رجع عن ذلك: فإن قلت: كيف جاز لعمر رضي الله تعالى عنه ترك الصلاة؟ قلت: معناه أنه لم يصل بالتيمم، لأنه كان يتوقع الوصول إلى الماء قبل خروج الوقت، أو أنه جعل آية التيمم مختصة بالحدث الأصغر، وأدى اجتهاده إلى أن الجنب لا يتيمم. قوله: ((فتمعكت))، وفي الرواية الآتية بعد: ((فتمرغت))، بالغين المعجمة أي: تقلبت. ذكر استباط الأحكام: الأول: فيه أن عمر رضي الله تعالى عنه، لم يكن يرى للجنب التيمم لقول عمار له: ((فأما أنت فلم تصل))، وقد ذكرنا أن البخاري لم يسق هذا الحديث بتمامه، والأئمة الستة أخرجوه مطولاً ومختصراً، وروى أبو داود من حديث عبد الرحمن بن أبزى ((قال: كنت عند عمر رضي الله تعالى عنه، فجاءه رجل فقال: إنا نكون بالمكان الشهر أو الشهرين، فقال عمر: أما أنا فلم أكن أصلي حتى أجد الماء، قال: فقال عمار: يا أمير المؤمنين! أما تذكر إذ كنت أنا وأنت في الإبل، فأصابتنا جنابة؟ فأما أنا فتمعكت، فأتينا النبي عَّه، فذكرت ذلك له فقال: إنما كان يكفيك أن تقول هكذا، وضرب بيديه إلى الأرض ثم نفخهما ثم مسح بهما وجهه ويديه إلى نصف الذراع، فقال عمر: يا عمار! اتقٍ ٢٩ ٧ - كتاب التيمم/ باب (٤) الله. فقال: يا أمير المؤمنين! إن شئت والله لم أذكره أبداً. فقال عمر: كلا، والله لنولينك ما تولیت)). الثاني: فيه دليل عل صحة القياس لقول عمار: ((أما أنا فتمعكت))، فإنه اجتهد في صفة التيمم ظناً منه أن حالة الجنابة تخالف حالة الحدث الأصغر، فقاسه على الغسل، وهذا يدل على أنه كان عنده علم من أصل التيمم، ثم إنه لما أخبر به النبي عَِّ، علمه صفة التيمم، فإنه للجنابة والحدث سواء. الثالث: فيه صفة التيمم وهي: ضربة واحدة للوجه واليدين، وبه قال عطاء والشعبي في رواية، والأوزاعي في أشهر قوليه، وهو مذهب أحمد وإسحاق والطبري، وقال أبو عمر: وهو أثبت ما روي في ذلك عن عمار، وسائر أحاديث عمار مختلف فيها. وأجابوا عن هذا بأن المراد ههنا هو صورة الضرب للتعليم وليس المراد جميع ما يحصل به التيمم، وقد أوجب الله غسل اليدين إلى المرفقين في الوضوء، ثم قال في التيمم: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾ [النساء: ٤٣، والمائدة: ٦] والظاهر أن اليد المطلقة ههنا هي المقيدة في الوضوء من أول الآية، فلا يترك هذا الصريح إلاّ بدلالة صريح. فإن قلت: ما تقول في حديثه: ((تيممنا مع النبي عَّهِ، إلى المناكب والآباط))؟ قلت: ليس هو مخالفاً لحديث الوجه والكفين، ففي هذا دلالة أنه انتهى إلى ما علمه النبي عَّهِ. وقال ابن أبي حازم(١) لا يخلو أن يكون حديث عمار بأمر أولاً، فإن يكن عن غير أمر فقد صح عن النبي عَّ، خلافه، وإن كان عن أمر فهو منسوخ، وناسخه حديث عمار أيضاً. ثم إن العلماء اختلفوا في كيفية التيمم: فذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي وأصحابهم والليث بن سعد إلى أنه: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين، غير أن عند مالك إلى الكوعين فرض، وإلى المرفقين اختيار. وقال الحسن بن حي وابن أبي ليلى: التيمم ضربتان يمسح بكل ضربة منهما وجهه وذراعيه ومرفقيه. وقال الخطابي: لم يقل ذلك أحد من أهل العلم غيرهما في علمي. وقال الزهري: يبلغ بالتيمم الآباط. وفي (شرح الأحكام) لابن بزيزة، قالت طائفة من العلماء: يضرب أربع ضربات: ضربتان للوجه وضربتان لليدين. وقال ابن بزيزة: وليس له أصل من السنة. وقال بعض العلماء: يتيمم الجنب إلى المنكبين، وغيره إلى الكوعين. قال: وهو قول ضعيف، وفي (القواعد) لابن رشد: روي عن مالك الاستحباب إلى ثلاث، والفرض اثنتان. وقال ابن سيرين: ثلاث ضربات الثالثة لهما جميعاً، وفي رواية عنه: ضربة للوجه وضربة للكف وضربة للذراعين. انتهى. ولما كانت لعمار في هذا الباب أحاديث مختلفة مضطربة، وذهب كل واحد من المذكورين إلى حديث منها كان الرجوع في ذلك إلى ظاهر الكتاب، وهو يدل على ضربتين: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين قياساً على الوضوء واتباعاً بما روي في (١) وفي نسخة (ابن أبي حاتم) بدل ابن أبي حازم. ٣٠ ٧ - كتاب التيمم/ باب (٥) ذلك من أحاديث تدل على الضربتين إحداهما للوجه، والأخرى لليدين إلى المرفقين. منها: حديث الأسلع بن شريك التميمي، خادم النبي عَِّ، وقد ذكرناه فيما مضى عن قريب، وفيه: ضربتان، رواه الطحاوي والطبراني والدارقطني والبيهقي. ومنها: حديث ابن عمر، رواه الدارقطني مرفوعاً من حديث نافع عن ابن عمر عن النبي عَ لّه، قال: ((التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين))، قال الدارقطني: كذا رواه علي بن طهمان مرفوعاً، ووقفه يحيى القطان وهشيم وغيرهما، وهو الصواب، ورواه الطحاوي أيضاً من طرق موقوفاً. ومنها: حديث جابر رضي الله عنه، رواه الداقطني من حديث أبي الزبير عن جابر عن النبي عَ لّه، قال: ((التيمم ضربة للوجه وضربة للذارعين إلى المرفقين))، وأخرجه البيهقي أيضاً، والحاكم أيضاً من حديث إسحاق الحربي، وقال: هذا إسناد صحيح. وقال الذهبي أيضاً: إسناده صحيح، ولا يلتفت إلى قول من يمنع صحته، وأخرجه الطحاوي وابن أبي شيبة موقوفاً. ووردت في ذلك آثار صحيحة. منها: ما رواه الطحاوي من حديث قتادة عن الحسن أنه قال: ((ضربة للوجه والكفين، وضربة للذراعين إلى المرفقين))، وروي عن إبراهيم وطاوس وسالم والشعبي وسعيد بن المسيب نحوه، وروى محمد عن أبي حنيفة، قال: حدّثنا حماد عن إبراهيم في التيمم، قال: ((تضع راحتيك في الصعيد فتمسح وجهك، ثم تضعهما الثانية فتمسح يديك وذراعيك إلى المرفقين)). قال محمد: وبه نأخذ. وقال ابن أبي شيبة في (مصنفه): أخبرنا ابن مهدي عن زمعة عن ابن طاوس عن أبيه قال: ((التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المرفقين))، حدّثنا ابن علية عن داود عن الشعبي قال: ((التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين))، وروى في ذلك أيضاً عن أبي أمامة وعائشة رضي الله تعالى عنهما، مرفوعاً، ولكنهما ضعيفان، فحديث أبي أمامة أخرجه الطبراني بإسناده إليه عن النبي عَّم قال: ((التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين))، وفي إسناده جعفر بن الزبير؛ قال شعبة: وضع أربع مائة حديث. وحديث عائشة: أخرجه البزار بإسناده عنها عن النبي عَّ له قال: ((في التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين))، وفي إسناده الحريش بن حريث، ضعفه أبو حاتم وأبو زرعة. الرابع: احتج به أبو حنيفة على جواز التيمم من الصخرة التي لا غبار عليها، لأنه لو كان معتبراً لما نفخ ێّ في يديه. الخامس: فيه: أن النفخ سنة أو مستحب. ٥ - بابُ التَّيَغُمُ لِلْوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ أي: هذا باب فيه بيان أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، ومعنى أحاديث هذا الباب هو معنى الحديث الذي في الباب السابق، غير أنه روي هناك عن آدم عن شعبة مرفوعاً، وههنا أخرجه عن ستة مشايخ كلهم عن شبعة، ثلاثة منها موقوفة، وثلاثة مرفوعة، كما ستقف عليها، وههنا: عن حجاج عن شعبة، وحجاح هو ابن منهال، بكسر الميم. وقوله: باب، منون ٣١ ٧ - كتاب التيمم/ باب (٥) خبر مبتدأ محذوف أي: التيمم، كما ذكرنا. وقوله؛ التيمم للوجه، مبتدأ، والكفين، عطف على: الوجه، أي: وللكفين، وخبره محذوف أي: التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين كما قررناه الآن، ثم يقدر بعد ذلك لفظة: جوازاً، يعني من حيث الجواز، أو يقدر وجوباً، يعني من حيث الوجوب. والمقصود منه إثبات أن التيمم ضربة واحدة سواء كان وجوباً أو جوازاً. وقال بعضهم؛ باب التيمم للوجه والكفين، أي: هو الواجب المجزىء. قلت: تقييده بالوجوب لا يفهم منه، لأنه أعم من ذلك، ثم قال هذا القائل: وأتى بذلك بصيغة الجزم مع شهرة الخلاف فيه لقوة دليله، فإن الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصح منها سوى حديث أبي جهيم وعمار، وما عداهما فضعيف أو مختلف في رفعه ووقفه، والراجح عدم رفعه. وأما حديث أبي جهيم فورد بذكر اليدين مجملاً، وأما حديث عمار فورد بذكر الكفين في الصحيحين: وبذكر المرفقين في (السنن). انتهى. قلت: قوله: لم يصح منها سوى حديث أبي جهيم وعمار، غير مسلم، وكنا قد ذكرنا أنه روي فيه عن جابر مرفوعاً: ((إن التيمم ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المرفقين))، وأن الحاكم قال: إسناده صحيح، وأن الذهبي قال: إسناده صحيح، ولا يلتفت إلى قول من يمنع صحته. فإن قلت: رواه جماعة موقوفاً. قلت: الرفع أقوى وأثبت لأنه أسند من وجهين، وقوله: أما حديث أبي جهيم فورد بذكر اليدين مجملاً، غير صحيح، ولا يطلق عليه حد الإجمال، بل هو مطلق يتناول إلى الكفين وإلى المرفقين وإلى ما وراء ذلك، ولكن رواية الدارقطني في هذا الحديث خصصته وفسرته، بقوله: ((فمسح بوجهه وذراعيه)). فإن قلت: هذا القائل لم يرد الإجمال الاصطلاحي، بل أراد الإجمال اللغوي. قلت: إن كان ذلك فحديث الدارقطني أوضحه و کشفه، کما ذکرنا. ٣٣٩/٦ - حدّثنا حَتَّاجٌ قالَ أخبرنا شُعْبَةُ أخبرني الْحَكَمُ عنْ ذَرِّ عنْ سَعِيدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَبْزَى عنْ أَبِيهِ قالَ عَمَّارٌ بِهَذَا وَضَرَبَ شُعْبَةُ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ثُمَّ أَدْناهُمَا مِنْ فيهِ ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. [انظر الحديث: ٣٣٨ وأطرافه]. قد ذكرنا أن البخاري أخرج هذا الحديث في هذا الباب عن ستة من المشايخ. الأول: موقوف يرويه عن حجاج بن منهال إلى آخره، وأخرجه الطحاوي: حدّثنا محمد بن خزيمة قال: حدّثنا حجاج، قال: حدّثنا شعبة، قال: أخبرني الحكم عن ذر عن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عن عمار رضي الله تعالى عنه: ((أن رسول الله عَّلَّم قال له: إنما كان يكفيك هكذا! وضرب شعبة بكفيه إلى الأرض وأدناهما من فيه، فنفخ فيهما، ثم مسح وجهه وكفيه)). ثم قال الطحاوي: هكذا قال محمد بن خزيمة في إسناد هذا الحديث عن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه، وإنما هو عن ذر عن ابن عبد الرحمن عن أبيه. قال بعضهم: أشار الطحاوي إلى أنه وهم فيه، لأنه أسقط لفظة ((ابن))، ولا بد منها لأن: أبزى، والد عبد الرحمن لا رواية له في هذا الحديث. قلت: رواية محمد بن خزيمة المذكورة تبتنى على صحة قول من يقول: إن أبزى والد عبد الرحمن صحابي، وهو قول ابن منده، فإنه جعله من الصحابة، وروى بإسناده عن هشام عن عبيد الله الرازي عن بكير بن معروف عن مقاتل بن حبان عن أبي سلمة بن ٣٢ ٧ - كتاب التيمم/ باب (٥) عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، ((عن رسول الله عَ لله أنه: خطب للناس قائماً، ثم قال: ما بال أقوام لا يعلمون جيرانهم ولا يفقهونهم ولا يعطونهم ولا يأمرونهم ولا ينهونهم»؟. الحديث، ورواه إسحاق بن راهويه في (المسند) عن محمد بن أبي سهل عن بكير بن معروف عن مقاتل عن علقمة بن عبد الرحمن بن أبزي عن أبيه عن جده عن النبي عَِّ بهذا، وقد رده أبو نعيم عليه، وقال: ذكر ابن منده أن البخاري ذكره في كتاب الوجدان، وأخرج له حديث أبي سلمة عن ابن أبزى عن النبي عَّله، ولم يقل فيه: عن أبيه، وقال ابن الأثير: أبزى، والد عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي، ذكره البخاري في الوجدان، ولا يصح له صحبة ولا رواية، ولابنه عبد الرحمن صحبة ورواية. قلت: وكذلك لم يذكر أبو عمر: أبزى في الصحابة، وإنما ذكر عبد الرحمن لأنه لم يصح عنده صحبة أبزى، ومع هذا وقع الاختلاف في صحبة عبد الرحمن أيضاً، فإن ابن حبان ذكره في التابعين، وقال: أبو بكر بن أبي داود: لم يحدث ابن أبي ليلى من التابعين إلاَّ عن ابن أبزى، وقال البخاري: له صحبة، وذكره غير واحد في الصحابة، وقال أبو حاتم: أدرك النبي عَ لَّه وصلى خلفه، روى عنه ابناه عبد الله وسعيد. ذكر رجاله: وهم سبعة. الأول: حجاج بن منهال. الثاني: شعبة بن الحجاج. الثالث: الحكم بن عتيبة. الرابع: ذر بن عبد الله الهمداني. الخامس: سعيد بن عبد الرحمن. السادس: أبوه عبد الرحمن بن أبزى. السابع: عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: الإخبار بصيغة الإفراد، وهو قوله: ((أخبرني الحكم)) وهو رواية كريمة، والأصيلي وابن المنذر، وفي راية غيرهم عن الحكم. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: عن سعيد بن عبد الرحمن وهو رواية أبي ذر وأبي الوقت، وفي رواية غيرهما: عن ابن عبد الرحمن. ذكر معناه: قوله: ((قال عمار بهذا))، أشار به إلى سياق المتن الذي قبله، من رواية آدم عن شعبة: وهو كذلك، إلاّ أنه ليس في رواية حجاج هذه قصة عمر رضي الله تعالى عنه. قوله: ((وضرب شعبة)) مقول الحجاج. قوله: ((ثم أدناهما)) أي: قربهما من فيه، وهي كناية عن النفخ، وفيه إشارة إلى أنه كان خفيفاً، وفي رواية سليمان بن حرب: نقل فيهما، قال أهل اللغة: التفل دون البزق، والنفث دونه، وبقية الكلام قد مرت مستوفاة. وقالَ النَّضْرُ أخبرنا شُعْبَةُ عنِ الْحَكَمِ قالَ سَمِعْتُ ذَرَّاً يَقُولُ عنِ ابنِ عبد الرَّحْمَنِ ابنِ أَبْزىُ قالَ الْحَكَمُ وَقَدْ سَمِعْتُهُ منِ ابنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عنْ أَبِيهِ قالَ قالَ عَمَّارٌ الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضوءُ المسْلمِ يَكْفِيهِ مِنَ الماءِ. الكلام فيه على أنواع. الأول: أنه تعليق، وقد وصله مسلم عن إسحاق بن منصور عن النضر. وأخرجه أبو نعيم في (مستخرجه) من طريق إسحاق بن راهويه عنه، وقال الكرماني: قال النضر من كلام البخاري: والظاهر أنه علق عن النضر لأنه مات سنة ثلاث ومائتين بالعراق، وكان البخاري ٣٣ ٧ - كتاب التيمم/ باب (٥) حينئذٍ ابن سبع سنين ببخاري. النوع الثاني في رجاله: وهم تسعة. الأول: النضر، بفتح النون وسكون الضاد المعجمة: ابن شميل، والبقية ذكروا غير مرة. وفيه: القول أولاً والإخبار بصيغة الجمع ثانياً، والعنعنة ثالثاً، والقول رابعاً وخامساً بينهما السماع، والعنعنة سادساً، والقول سابعاً، والسماع ثامناً، والعنعنة تاسعاً، والقول عاشراً. قوله: ((قال الحكم)): الخ إشارة إلى أن الحكم كما سمع هذا الخبر من ذر، سمعه أيضاً من شيخ ذر وهو سعيد بن عبد الرحمن، فكأنه سمعه أولاً من ذر ثم لقي سعيداً فأخذه عنه، ولكن سماعه من ذر أثبت لوروده كذا في أكثر الروايات. ثم قوله: ((وقال الحكم)): يحتمل أن يكون تعليقاً من البخاري، ويحتمل أن يكون من كلام شعبة فيكون داخلاً في إسناده. كذا قاله الكرماني. قلت: يحتمل أن يكون من كلام النضر، وهو الظاهر. (النوع الثالث في معناه: قوله: ((الصعيد الطيب)) أي: الأرض الطاهرة، وقد مر مرة أن الصعيد وجه الأرض، فعيل بمعنى مفعول أي مصعود عليه، وقال قتادة: الصعيد: الأرض التي لا نبات فيها ولا شجر، وقال أبو إسحاق: الطيب النظيف، وأكثر العلماء على أنه الطاهر. وقيل: الحلال، وقيل: الطيب، ما تستطيبه النفس، وذكر في (الهداية) في استدلال الشافعي على أن التيمم لا يجوز إلاَّ بالتراب، بقوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيداً طيباً﴾ [النساء: ٤٣، والمائدة: ٦] أي: تراباً منبتاً، قاله ابن عباس قلت: في شرحه الذي قاله عبد الله بن عباس، رواه البيهقي من جهة قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس، قال: أطيب الصعيد حرث الأرض، والاستدلال للشافعي بهذا غير موجه لأنه غير قائل باشتراط الإنبات في التراب الذي يجوز به التيمم. وقال النووي: الإنبات ليس بشرط في الأصح. قوله: ((يكفيه من الماء»، يعني: يكفي المسلم، أي: يجزيه عند عدم الماء. ٣٤٠/٧ - حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ قالَ حدّثنا شُعْبَةُ عنِ الحَكَمِ عنْ ذَرِّ عنِ ابنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن أبْزَى عنْ أَبِيهِ أَنَّهُ شَهِدَ عُمَرَ وَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ كُنَّا فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا وقالَ تَفَلَ فِيهِمَا. [انظر الحديث: ٣٣٨ وأطرافه]. هذه روايته الثالثة في الخبر المذكور، وهي عن سليمان بن حرب يروي عن شعبة إلى آخره. وأفادت روايته هذه أن عمر رضي الله تعالى عنه، كان قد أجنب، والدليل عليه أن اجتهاده خالف اجتهاد عمار. قوله: ((شهد)) أي: حضر. قوله: ((وقال له عمار))، جملة وقعت حالاً. قوله: ((في سرية)) بتخفيف الراء وتشديد الياء آخر الحروف، وهي القطعة من الجيش يبلغ أقصاها أربع مائة تبعث إلى العدو، وجمعها: السرايا، سموا بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم، من الشيء السري: النفيس. وقيل: سموا بذلك لأنهم يبعثون سراً وخفية، وليس بالوجه، لأن لام السر: راء، وهذه: ياء، قوله: ((فأجنبنا)) أي: صرنا جنباً، والجنب يستوي فيه الواحد والمثنى والجمع، والمؤنث، وقد ذكرناه. قوله: ((وقال تفل فيهما)) أي: في اليدين، وهو بالتاء المثناة من فوق. قال الجوهري: التفل شبيه بالبزاق، وهو أقل منه، أوله عمدة القاري /ج٤ /م٣ ٣٤ ٧ - كتاب التيمم/ باب (٥) البزق ثم التفل ثم النفث ثم النفخ، والمقصود أنه قال مكان نفخ فيهما: تفل فيهما. ٣٤١/٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ أخبرنا شُعْبَةُ عنِ الحَكَمِ عنْ ذَرِّ عنِ ابنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَبْزَى عِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ قالَّ عَمَّارٌ لِعُمَرَ تَمَتَكِّتُ فَأَتَبَتُّ النبيَّ عَّهِ فَقال: ((يَكْفِيكَ الْوَجْهُ والكَفَّيْنِ)). [انظر الحديث: ٣٣٨ وأطرافه]. هذه روايته الرابعة عن محمد بن كثير عن شعبة الخ. قوله: ((تمعكت)) أي: تمرغت، وكذا هو في رواية. قوله: ((يكفيك الوجه))، أي: يكفيك مسح الوجه والكفين في التيمم. قوله: (والكفين))، بالنصب رواية أبي ذر وكريمة، وفي رواية الأصيلي وغيره: ((والكفان)) بالرفع، وهو الظاهر لأنه معطوف على الوجه وهو مرفوع على الفاعلية، والأحسن في وجه النصب أن تكون: الواو، بمعنى: مع، أي: يكفيك الوجه مع الكفين. وقال الكرماني: الواو، بمعنى: مع، إذا الأصل مسح الوجه والكفين، فحذف المضاف وبقي المجرور به على ما كان عليه. انتهى. قلت: على قوله هذا ينبغي أن يكون الوجه أيضاً مجروراً كالكفين، وهذا له وجه إن صحت الرواية به، وقال بعضهم في رواية أبي ذر: ((يكفيك الوجه والكفين))، بالنصب فيهما على المفعولية إما بإضمار، أعني: أو التقدير يكفيك أن تمسح الوجه والكفين. انتهى. قلت: هذا كلام من ليس له مس من العربية. لأن في التقدير: الأول: يبقى الفعل بلا فاعل وهو لا يجوز، وفي الثاني: أخذ الفعل فاعله فلا يحتاج إلى هذا التقدير لعدم الداعي إلى ذلك، والوجه ما ذكرناه. ويستنبط منه: أن التيمم هو مسح الوجه والكفين لا غير، كما ذكرناه، وإليه ذهب جماعة منهم: أحمد وإسحاق، وقال النووي: رواه أبو ثور وغيره عن الشافعي في القديم، وأنكره الماوردي وغيره. قال: هو إنكار مردود لأن أبا ثور ثقة وقال هذا القول وإن كان مرجوحاً عند الأصحاب ولكنه قوي من حيث الدليل، وقد ذكرنا أن المراد من هذا الحديث بيان صورة الضرب للتعليم لا لبيان جميع ما يحصل به التيمم. وقال بعضهم: ويعقب بأن سياق الكلام يدل على التصريح أن المراد بيان جميع ما يحصل به التيمم، لأن ذلك هو الظاهر من قوله: إنما يكفيك. انتهى. قلت: قال الطحاوي وغيره. إن حديث عمار لا يصلح حجة في كون التيمم إلى الكفين أو الكوعين أو المرفقين أو المنكبين أو الإبطين، كما ذهبت إلى كل واحد طائفة من أهل العلم، وذلك لاضطرابه كما قد رأيت، فلذلك قال الترمذي: وقد ضعف بعض أهل العلم حديث عمار في التيمم للوجه والكفين لِما روى عنه حديث المناكب والأباط. ... / ٣٤٢ - حدّثنا مُسْلمٌ قال حدّثنا شُعْبَةُ عنِ الحَكَمِ عنْ ذَرِّ عنِ ابنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ شَهِدْتُ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ وَساقَ الحَدِيثَ. [انظر الحديث: ٣٣٨ وأطرافه]. هذه روايته الخامسة عن مسلم بن إبراهيم عن شعبة عن الحكم عن ذر، وفي هذه ٣٥ ٧ - كتاب التيمم/ باب (٦) الطريق: عن ابن عبد الرحمن بن أبزى عن عبد الرحمن، وفي طريق ابن كثير: عن أبيه عبد الرحمن، وفي الطرق الأربعة الباقية: عن ابن عبد الله بن أبزى عن أبيه فقط. قوله: ((شهدت عمر)) أي: حضرته. قوله: ((قال له عمار))، جملة حالية، ويروى: فقال له، بفاء العطف. قوله: (الحديث)) الألف واللام فيه للعهد أي: المذكور آنفاً. ٣٤٣/٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قَالَ حدّثنا غُنْدَرٌ قال حدّثنا شُعْبَةُ عنِ الحَكَمِ عنْ ذَرِّ عنِ ابنِ عَبْد الرَّحْمَنِ بنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ قالَ قالَ عمَّارٌ فَضَرَبَ النبيُّ عَ لّه بِيَدِهِ الأَرْضَ فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. [انظر الحديث: ٣٣٨ وأطرافه]. هذه روايته السادسة عن محمد بن بشار، بالباء الموحدة وتشديد الشين المعجمة، وقد مر غير مرة. وغندر، بضم الغين المعجمة وسكون النون وفتح الدال المهملة: على المشهور، وهو لقب محمد بن جعفر البصري، وفي هذه الطريق بين البخاري وبين شعبة اثنان، وفي بقية الطرق بينه وبينه واحد. ٦ - بابُ الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ المُسْلِمِ يَكْفِيهِ مِنَ الْماءِ أي: هذا باب يبين فيه الصعيد الطيب إلى آخره، وباب، بالتنوين. قوله: ((الصعيد)) مبتدأ ((والطيب)) صفته، وقوله: ((وضوء المسلم)) خبره. وقد ذكرنا عن قريب معنى: الصعيد الطيب. قوله: ((يكفيه)) أي: يجزيه ويغنيه عن الماء عند عدمه حقيقة أو حكماً، ومثل هذه الترجمة روى البزار من طريق هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة مرفوعاً، وصححه ابن القطان. وقال الدارقطني: الصواب إرساله، وروى أبو داود من حديث أبي قلابة عن عمرو بن بجدان عن أبي ذر: ((اجتمعت غنيمة عند رسول الله عَِّ)) الحديث، وفيه، فقال: ((الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين)). ورواه الترمذي أيضاً، وقال: حديث حسن صحيح. ورواه النسائي وابن حبان في (صحيحه) والحاكم في (المستدرك) وقال: حديث صحيح ولم يخرجاه، ولا يلتفت إلى تضعيف ابن القطان لهذا الحديث بعمرو ابن بجدان لكون حاله لا يعرف، ويكفي تصحيح الترمذي إياه في معرفة حال عمرو بن بجدان، وبجدان، بضم الباء الموحدة وسكون الجيم بعدها دال مهملة وفي آخره نون. قوله: ((ولو إلى عشر سنين)) المراد بها الكثرة لا العشرة، وتخصيص العشرة لأجل الكثرة لأنها منتهى عدد الآحاد. والمعنى: أن له أن يفعل التيمم مرة بعد أخرى، وإن بلغت مدة عدم الماء إلى عشر سنين، وليس معناه: أن التيمم دفعة واحدة يكفيه عشر سنين. وقالَ الحَسَنُ يُجْزِئُهُ التَّيَمُمُ ما لَمْ يُحدِثْ. أي: قال الحسن البصري: يكفيه التيمم الواحد ما لم يحدث، أي: مدة عدم الحدث. قوله: ((يجزئه))، بضم الياء وبالهمزة في آخره من: الإجزاء، وهو لغة: الكفاية، واصطلاحاً: الأداء الكافي لسقوط التعبد به، ويروى: ((يجزيه))، بفتح الياء الأولى وسكون الثانية. وقال الجوهري: جزأت بالشيء اكتفيت به، وجزى عني هذا، أي: قضى فهو على التقديرين لازم، ٣٦ ٧ - كتاب التيمم/ باب (٦) فلعل التقدير: يقضي عن الماء التيمم، فحذف الجار وأوصل الفعل، والقصد أن التيمم حكمه حكم الوضوء في جواز أداء الفرائض المتعددة به والنوافل ما لم يحدث بأحد الحدثين، وهو قول أصحابنا، وبه قال إبراهيم وعطاء وابن المسيب والزهري والليث والحسن ابن حيي وداود بن علي، وهو المنقول عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وقال الشافعي: يتيمم لكل صلاة فرض، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق، وهو قول قتادة وربيعة ويحيى بن سعيد الأنصاري وشريك والليث وأبي ثور، وذكره البيهقي عن ابن عمر وابن عباس من طرق ضعيفة، ومن حديث قتادة عن عمرو بن العاص والحارث عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم. وعند الحاكم مصححاً من حديث أبي ذر، وقد طول الكرماني في الاحتجاج للشافعي ومن تبعه في هذا من طريق العقل والنقل ببطله، ثم إن البخاري ذكر عن الحسن معلقاً، ووصله ابن أبي شيبة: حدّثنا هشيم عن يونس عن الحسن. قال: ((لا ينقض التيمم إلاّ الحدث))، وحكاه أيضاً عن إبراهيم وعطاء، ووصله أيضاً عبد الرزاق، ولفظه: ((يجزىء تيمم واحد ما لم يحدث)). ووصله أبو منصور أيضاً، ولفظه: ((التيمم بمنزلة الوضوء، إذا توضأت فأنت على وضوء حتى تحدث)). وقال ابن حزم: وروينا عن حماد بن سلمة، يعني من (مصنفه) عن يونس بن عبيد عن الحسن، قال: ((يصلي الصلوات كلها بتيمم واحد، مثل الوضوء، ما لم بحدث)). وَأَمَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَهْوَ مُتَيَمِّمٌ. هذا التعليق وصله ابن بي شيبة والبيهقي أيضاً بإسناد صحيح. ثم وجه مناسبة هذا للترجمة من حيث إن التيمم وضوء المسلم، فإذا كان كذلك تجوز إمامة المتيمم للمتوضىء كإمامة المتوضىء، فدل ذلك على أن التيمم طهارة مطلقة غير ضرورية، إذ لو كان ضرورياً لكان ضعيفاً، ولو كان ضعيفاً لما أم ابن عباس وهو متيمم بمن كان متوضئاً، وهذا مذهب أصحابنا، وبه قال الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور. عن محمد بن الحسن: لا يجوز، وبه قال الحسن بن حيي، و کره مالك وعبد الله بن الحسن ذلك، فإن فعل أجزأه. وقال ربيعة: لا يؤم المتيمم من جنابته إلاّ من هو مثله، وبه قال يحيى ابن سعيد الأنصاري. وقال الأوزاعي: لا يؤمهم إلاَّ إذا كان أميراً، كذا قاله ابن حزم. وقال أبو طالب: سألت أبا عبد الله عن الجنب يؤم المتوضئين؟ قال: نعم! قد أمَّ ابن عباس أصحابه وفيهم عمار بن يسار وهو جنب، فتيمم، وعمرو بن العاص صلى بأصحابه وهو جنب، فأخبر النبي عَّ فتبسم. قلت: حسان بن عطية سمع من عمرو بن العاص؟ قال: لا ولكن يقوى بحديث ابن عباس. فإن قلت: قد روي عن جابر مرفوعاً: ((لا يؤم المتيمم المتوضئين))، وعن علي بن أبي طالب موقوفاً: ((لا يؤم المتيمم المتوضئين، ولا المقيد المطلقين)). قلت: هذان حديثان ضعيفان، ضعفهما الدارقطني وابن حزم وغيرهما. فإن قلت: ذكر أبو حفص بن شاهين في كتاب الناسخ والمنسوخ من حديث الزهري عن ابن المسيب، عن عمر بن الخطاب، مرفوعاً: ((لا يؤم المتيمم المتوضئين)). قلت: لما ذكره ابن شاهين ذکر بعده حديث أ ٣٧ ٧ - كتاب التيمم/ باب (٦) عمرو بن العاص، ثم قال: يحتمل أن يكون هذا الحديث ناسخاً للأول، وهذا الحديث أجود إسناداً من حديث الزهري، وإن صح فيحتمل أن يكون النهي في ذلك لضرورة وقعت مع وجود الماء. فإن قلت: يكون هذا رخصه لعمرو إذ لم ينهه ولم يأمره بالإعادة. قلت: لو كان رخصة له دون غيره لم يقل له؛ أحسنت وضحك في وجهه، وقال بعضهم: هذه المسألة وافق فيها الكوفيون والجمهور على خلاف ذلك. قلت: هذا عكس القضية، بل الجمهور على الموافقة، يقف عليه من يمعن النظر في الكتب. وقال هذا القائل أيضاً: واحتج المصنف لعدم الوجوب بعموم قوله في حديث الباب: ((فإنه يكفيك)) أي: ما لم تحدث أو تجد الماء، وحمله الجمهور على أعم من ذلك، أي: لفريضة واحدة وما شئت من النوافل. انتهى. قلت: معنى قوله: ((فإنه يكفيك)) أي: في كل الصلوات فرضها ونفلها، وهذا هو معنى الأعمية، وليس في قوله: لفريضة واحدة وما شئت من النوافل معنى الأعمية، لأن معنى الأعمية في شيء أن يكون شاملاً لجميع أفراد ذلك الشيء، وليس لقوله: لفريضة واحدة، إفراد. وأما النفل فإنه تبع للفرض، والتابع ليس له حكم مستقبل بل، حكمه حكم المتبوع. فافهم. وقالَ يَحْتَى بنُ سعِيدٍ لاَ بأسَ بالصَّلاَةِ عَلَى السَّبَخَةِ وَالتَِّمُمِ بِهَا. يحيى بن سعيد هو الأنصاري، ومطابقة هذا للترجمة من حيث إن معنى الطيب الطاهر والسبخة طاهرة، فتدخل تحت الطيب. ويدل عليه ما رواه ابن خزيمة من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، في شأن الهجرة، أنه قال عَ له: ((أرأيت دار هجرتكم سبخة ذات نخيل)) يعني المدينة، قال: وقد سمى النبي عَِّ المدينة طيبة فدل على أن السبخة داخلة في الطيب، ولم يخالف في ذلك إلاّ إسحاق بن راهويه، ولم يجوز التيمم بها، والسبخة بفتح حروفها كلها، واحدة السباخ. فإذا قلت: أرض سبخة، كسرت الباء. وقال ابن سيده: هي أرض ذات ملح ونزو، وجمعها: سباخ، وقد سبخت سبخاً فهي سبخة، وأسبخت. وقال غيره: هي أرض تعلوها ملوحة لا تكاد تنبت إلا بعض الشجر. وفي (الباهر) لابن عديس: سبخت، بكسر الباء وفتحها. وفي (شرح الموطأ) لعبد الملك بن حبيب: السبخة: الأرض المالحة التي لا تنبت شيئاً، وليست الردغة - ولا الرداغ - كما يقول من لا يعرف. ٣٤٤/١٠ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدّثني يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ قَالَ حدّثنا عَوْفٌ قالَ حدّثنا أَبُو رَجاءٍ عنْ عِمرَانَ قالَ كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النبيِّ عَّهِ وَإِنَّا أَسْرَيْنَا حَتَّى كُنَّا في آخِرِ اللَّيْلِ وَقَعْنَا وَقْعَةً ولاَ وَقْعَةَ أُحْلَى عِنْدَ المُسافِرِ مِنْها فَمَا أَيْقَظَنَا إِلا حَرُّ الشَّمْس وكان أوَّلَ مَن اسْتَيْقَظَّ فُلانٌ ثُمَّ قُلاَنٌ ثمَّ فُلاَنٌ يُسَمِّيهِمْ أَبُو رَجَاءٍ فَنَسِيَ عَوْفٌ ثُمَّ عُمَرُ بنُ الخَطَّبِ الرَّابِعُ وكَانَ النبيُّ عَ لَّه إِذَا نَامَ لَمْ نُوقِظْهُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَسْتَيْقِظُ لأَنَّا لاَ نَذْرِي مَا يَحْدُثُ لَهُ في نوْمِهِ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ وَرَأى ما أصاب النَّاسَ وكانَ رَجُلاً جَلِيداً فَكَبَر وَرَفَعَ صَوْتَهُ بالتَّكْبِيرِ فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بالتَّكْبِيرِ حَتَّى اسْتَثْقَظَ لِصَوْتِهِ النبيُّ عَلَّهِ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذِي أصابَهُمْ قَالَ: ((لاَ ضَيْرَ أوْ لاَ يَضِيرُ ارْتَحِلُوا)) فَارْتَحَلُوا فَسَارَ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ نَزَلَ فَدَعَا بِالوَضُوءِ فَتَوَضَّأَ وَنُودِيَ بِالصَّلاَةِ فَصَلَّى بِالنَّاسِ فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلاَئِهِ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ قالَ ((ما ٣٨ ٧ - كتاب التيمم/ باب (٦) مَنَعَكَ يا فُلاَنُ أنْ تُصَلِّي مَعَ الْقَوْمِ)) قالَ أصابَتْنِي جَنَابَةٌ ولا ماءَ قالَ: ((عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ)) ثُمَّ سَارَ النِّجَّي عَ لَّهِ فَاشْتَكَّى إِلَيْهِ النَّاسُ مِنَ العَطَشِ فَزَلَ فَدَعا فُلاَناً كانَ يُسَمِّيهِ أَبُو رَجَاءٍ نَسِيَّهُ عَوْفٌ وَدَعَا عَليًّا فقالَ إِذْهَبا فابْتَغِيَا الْماءَ فانْطَلَقَا فَتلقيًا امرأةٌ بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ أَوْ سَطِيحَتَيْنِ مِنْ ماءٍ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا فقالاَ لَهَا أَيْنَ المَاءُ قالَتْ عَهْدِي بالمَاءِ أمْسٍ هَذِهِ السَّاعَةَ وَنَفَرْنَا خُلُوفاً قالاَ لَهَا انْطَلِقِي إِذاً قَالَتْ إلى أَيْنَ قالاً إِلَى رسولِ اللهِ عَ لِّ قَالَتِ الَّذِي يُقالُ لَهُ الصَّابِىءُ قالاَ هُوَ الَّذِي تَعْنِينَ فَانْطَلَقِي فَجَاآَ بها إِلَى النَّبِيِّ عَلَّهِ وَحَدَّثَاهُ الحَدِيثَ قال فاسْتَنْزَلُوها عنْ بَعِيرِها وَدَعَا النبيُّ عَ لَّه ◌ِإِنَاءٍ فَفَرَّغَ فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ المَزَادَتَيْنِ أَوْ السَّطِيحَتَيْنِ وَأَوْ كَأَ أَقْوَاهَهُما وأطلْقَ العَزَالِيَّ وَنُوديَ في النَّاسِ اسْقُوا وَاسْتَقُوا فَسَقَى مَنْ شاءَ وَاسْتَقَى مَنْ شاءَ وكانَ آخِرُ ذَاكَ أنْ أَعْطَى الَّذِي أصابَتْهُ الجَنَابَةُ إِناءً مِنْ ماءٍ قَالَ اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ وَهْيَ قَائِمَةٌ تَنْظُرُ إِلَى ما يُفْعَلُ بِمَائِهَا وائِمُ اللهِ لَقَدْ أَقْلِعَ عَنْهَا وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنَا أَنَّها أَشَدُّ مِلَةً مِنها حِينَ ابْتَدَأَ فِيها فقالَ النَّبيُّ عَّالِ: ((اجْمَعُوا لَهَا)) فَجَمَعُوا لَها مِنْ بَيْنِ عَجْوَةٍ ودَقِيقَةٍ وَسَوِيِقَةٍ حَتَّى جَمَعُوا لَها طَعاماً فَجَعَلُوها في ثَوْبٍ وَحَمِلُوها عَلَى بَعِيرِها وَوَضَعُوا الثَّوْبَ بَيْنَ يَدَيْها قالَ لَها: ((تَعْلَمِينَ ما رَزِثْنا مِنْ مائِكِ شيئاً وَلَكِنَّ اللَّهَ هُو الذي أسقَانا)) فأَتَتْ أَهْلَها وَقَدِ احْتَبَسَتْ عَنْهُمْ قَالُوا ما حَبَسَكِ يا فُلاَنَةُ قالَتِ العَجَبُ لَقِيَّنِي رَجُلانِ فَذَهَبا بِي إِلى هذا الَّذِي يُقالُ لَهُ الصَّابِىءُ فَفَعَلَ كَذَا وكذَا فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لاَ سْحَرُ النَّاسِ مِنْ بَيْنِ هَذِهِ وَهَذِهِ وقالتْ بِإِصْبَعَيْهَا الْوسْطَى وَالسَّبَّابَةِ فَرَفَعَنْهُمَا إِلَى السَّماءِ تَعْنِي السَّماءِ والأَرْضَ أو إِنَّهُ لرَسُولُ اللهِ حَقًّا فكانَ المُسْلمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ يُغِيرُونَ عَلى مَنْ حَوْلَهَا مِنُ المُشرِكِينَ وَلاَ يُصِيبُونَ الصِّرْمَ الَّذِيِ هِيَ مِنْهُ فقالَتْ يَوْماً لِقَوْمِهَا ما أَرَى أنَّ هَؤلاءِ الْقَوْمَ يَدَعُونَكُمْ عَمْداً فَهَلْ لَكُمْ في الإِسْلاَمِ فَأَطاعُوها فَدَخَلُوا في الإِسْلامِ. [الحديث ٣٤٤ - طرفاه في: ٣٤٨، ٣٥٧١]. مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((عليك بالصعيد فإنه يكفيك)). ذكر رجاله، وهم خمسة الأول: مسدد بن مسرهد تقدم. الثاني: يحيى بن سعيد القطان، قال بندار: ما أظن أنه عصى الله تعالى قط، قد تقدم. الثالث: عوف الأعرابي، يقال له: عوف الصدوق، تقدم في باب اتباع الجنائز من الإيمان. الرابع: أبو رجاء، بفتح الراء وتخفيف الجيم وبالمد: العطاردي، اسمه عمران بن ملحان، بكسر الميم وسكون اللام وبالحاء المهملة. قال البخاري: الأصح أنه ابن تيم، أدرك زمان الرسول عَّه ولم يره، وأسلم بعد الفتح، وأتى عليه مائة وعشرون سنة، مات في سنة بضع ومائة. الخامس: عمران بن حصين، بضم الحاء المهملة وفتح المهملة أيضاً، أسلم عام خيبر، وروي له عن رسول الله عَّ مائة حديث وثمانون حديثاً، للبخاري منها اثني عشر، بعثه عمر، رضي الله تعالى عنه، إلى البصرة ليفقههم. وكانت الملائكة تسلم عليه، وكان قاضياً بالبصرة، ومات بها سنة اثنتین وخمسين. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: القول. وفيه: حدّثنا يحيى، وفي بعض النسخ؛ حدثني يحيى. وفيه: ٣٩ ٧ - كتاب التيمم/ باب (٦) مسدد بن مسرهد في رواية أبي ذر، وفي رواية غيره: مسدد بذكره وحده. وفيه: أن رواته کلهم بصریون. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري، أيضاً في علامات النبوة عن أبي الوليد عن سلم بن زرير. وأخرجه مسلم في الصلاة عن أحمد بن سعيد الدارمي، وعن إسحاق بن إبراهيم وفي (المستدرك) من حديث الحسن عن عمران: ((نمنا عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، فأمر المؤذن فأذن. ثم صلى الركعتين قبل الفجر ثم أقام المؤذن فصلى الفجر)). وقال: صحيح على ما قدمنا ذكره في صحة سماع الحسن عن عمران، وعند الدارقطني، من حديث الحسن عنه: ((فصلى ركعتي الفجر حتى إذا أمكننا الصلاة صلينا)). وعند أحمد: ((فلما كان آخر الليل عرس فلم نستيقظ حتى أيقظنا حر الشمس، فجعل الرجل يقوم دهشاً، إلى طهوره، قال: فأمرهم النبي عَ لَّه، أن يسكنوا ثم ارتحلوا. فسرنا حتى إذا ارتفعت الشمس، توضأ ثم أمر بلالاً فأذن ثم صلى الركعتين قبل الفجر، ثم أقام فصلينا فقالوا: يا رسول الله ألا نعيدها في وقتها من الغد؟ قال: ((أينها كم ربكم، تبارك وتعالى، عن الربا ويقبله منكم)). وفي (صحيح ابن خزيمة) فقال عليه الصلاة والسلام: ((إنما التفريط في اليقظة)). وعند ابن حزم، من حديث إسماعيل بن مسلم؛ حدّثنا أبو رجاء: ((ثم أن الجنب وجد الماء بعد فأمره أن يغتسل ولا يعيد الصلاة)). وعند مسلم، من حديث ابن شهاب عن سعيد عن أبي هريرة: ((أن رسول الله عَ ليه حين قفل من غزوة خيبر سار ليلة حتى إذا أدركه الكرى عرس، قال لبلال: إكلاً لنا الليل، فلما تقارب الفجر استند بلال إلى راحلته فغلبته عيناه، فلم يستيقظ ولا أحد من أصحابه، حتى ضربتهم الشمس، فكان رسول الله عَّ له أولهم استيقاظاً. قال: أي بلال! فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك)). وعنده أيضاً من حديث أبي قتادة: ((كنا مع النبي عَ لَّه سبعة رهط، فمال عن الطريق فوضع رأسه ثم قال: احفظوا علينا صلاتنا، فكان أول من استيقظ رسول الله عَّل والشمس في ظهره، وقمنا فزعين))، فذكر حديث الميضأة مطولاً: ((وأن الناس فقدوا نبيهم، فقال أبو بكر وعمر: رسول الله عَ لَّه يعدكم لم يكن ليخلفكم، وقال الناس: رسول الله عَّهِ بين أيديكم)). وعند أبي داود، من حديث خالد بن سمير عن عبد الله بن رباح حدّثنا أبو قتادة، قال: ((بعث رسول الله عَّ له جيش الأمراء))، فذكره؛ قال أبو عمر بن عبد البر: وقول خالد: جيش الأمراء، وهم عند الجميع، لأن جيش الأمراء كان في مؤتة، وهي سرية لم يشهدها رسول الله عَّ له. قال ابن حزم: وقد خالف خالداً من هو أحفظ منه، وعند أبي داود بسند صحيح من حديث جامع بن شداد: سمعت عبد الرحمن بن أبي علقمة عن ابن مسعود، قال: ((أقبل النبي عٍَّ من الحديبية ليلاً فنزلنا دهاشاً من الأرض فقال: من يكلؤنا؟ فقال بلال: أنا. قال: إذاً تنام؟ قال: لا، فنام بلال حتى طلعت الشمس فاستيقظ فلان وفلان، فيهم عمر رضي الله عنه، فقال: ((اهضبوا)). أي تكلموا وامضوا فاستيقظ رسول الله عَّه)). الحديث. وذكر أبو مسلم الكجي، في (كتاب السنن) عن عمرو بن مرزوق: أخبرنا ٤٠ ٧ - كتاب التيمم/ باب (٦) المسعودي عن جامع، بلفظ: ((قال عبد الله: لما رجع النبي عَ لّم من الحديبية قال: من يحرسنا؟ قال عبد الله: قلت: أنا. قال: إنك تنام، مرتين أو ثلاثاً، فقال: أنت، فحرست حتى كان في وجه الصبح أدركني ما قال النبي عَّ ◌ُلّه، فنمت)): الحديث. وعند الطبراني وأبي داود، بسند لا بأس به عن عمرو بن أمية الضمري: «كنا مع النبي ◌َّلَّه في سرية، فتقدم الناس، فقال: هل لكم أن نهجع هجعة؟ فمن يكلؤلنا الليلة؟ قال ذو مخبر: أنا، فأعطاه خطام ناقته، وقال: لا تكن لكع. قال ذو مخبر: فانطلقت غير بعيد فأرسلتها مع ناقتي ترعيان، فغلبني عيني فما أيقظني إِلاَّ حوّ الشمس على وجهي، فجئت أدنى القوم فأيقظته، وأيقظ الناس بعضهم بعضاً حتى استيقظ النبي عَّ ◌ُلِّ)). وفي (الموطأ): عن زيد بن أسلم، قال: ((عرس رسول الله عٍَّ ليلة بطريق مكة، شرفها الله، ووكل بلالاً أن يوقظهم للصلاة ... )) الحديث. وفي كتاب عبد الرزاق: عن ابن جريج أخبرني سعد بن إبراهيم عن عطاء بن يسار أن التعرس في غزوة تبوك، وكذا ذكره عقبة بن عامر، قال: ((خرجنا مع النبي عَّه في غزوة تبوك فاسترقد، لما كان منها على ليلة، فاستيقظ حين كانت الشمس قيد رمح، فقال: ألم أقل لك يا بلال؟)). وذكره البيهقي في كتاب (الدلائل) من حديث عبد الله بن مصعب بن منظور عن أبيه عنه. ذكر معانيه ولغاته. قوله: «كنا في سفر مع النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم))، اختلفوا في تعيين هذا السفر، ففي (صحيح مسلم) من حديث أبي هريرة أنه وقع عند رجوعهم من خيبر، وفي حديث ابن مسعود رواه أبو داود: ((أقبل النبي عَّه، من الحديبية ليلاً، فنزل فقال: من يكلؤنا؟ فقال بلال: أنا)). وفي حديث زيد بن أسلمٍ مرسلاً أخرجه مالك. في (الموطأ): ((عرس رسول الله عَّةٍ ليلاً بطريق مكة، ووكل بلالاً)). وفي حديث عطاء بن يسار مرسلاً، رواه عبد الرزاق، أن ذلك كان بطريق تبوك، وكذا في حديث عقبة بن عامر، ورواه البيهقي في (الدلائل). وفي رواية لأبي داود: كان ذلك في غزوة جيش الأمراء، وقد ذكرنا هذه كلها عن قريب. قوله: ((إنا أسرينا)) وقال الكرماني: وفي بعضها: سرينا، يعني: بدون الهمزة. قلت: يقال: سرى وأسرى، لغتان. وقال الجوهري: سريت وأسريت بمعنى إذا سرت ليلاً. وفي (المحكم): اليسرى: سير عامة الليل. وقيل: سير الليل كله، والحديث يخالف هذا القول، والسرى يذكر ويؤنث، ولم يعرف اللحياني إلاَّ التأنيث، وقد سرى سريّ وسرية وسرية فهو سار، وذكر ابن سيده: وقد سرى به وأسرى به وأسراه. وفي (الجامع): سرى يسري سرياً إذا سار ليلاً، وكل سائر ليلاً فهو سار. قوله: ((وقعنا وقعة))، أي: نمنا نومة كأنهم سقطوا عن الحركة. قوله: ((ولا وقعة))، كلمة: لا، لنفي الجنس، ووقعة، اسمه. وقوله: ((أحلى)) صفة للوقعة، وخبر: لا، محذوف، ويجوز أن يكون: أحلى، خبراً. قوله: ((منها)) أي: من الوقعة في آخر الليل، وهو كما قال الشاعر: وأحلى الكرى عند الصباح يطيب قوله: ((وكان أول من استيقظ فلان)) اعلم أن: كان، ههنا يجوز أن تكون تامة، وأن تكون ناقصة. فإن كانت ناقصة فقوله: أول بالنصب مقدماً خبرها، واسمها هو قوله: فلان.