Indexed OCR Text

Pages 1-20

عمدة القَكاي
شَرْح
صَحِيح البُخَارِيْ
تأليف
الأَمَامِ الْعَلَّمَةَ بَدُرِ الدِّيْنِ أَبَي محمَّد محمُدِ بْنْ أَحَدَ الْعَنِي
المتوفى سنة ٨٥٥ هـ
ضبطه وصحّه
عبد الله محمود محمّد عمَرَ
طبعة جديدة مرقمة الكتب والأبواب والأحاديث
حسب ترقيم المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي الشريف
الجُزء الرّابع
المحتوى :
كتاب التتمّمن كتاب الصلاة
من الحديثه (٣٣٤)- إلى الحديث (٥٢٠)
مشورات
محمد عَلى بيضوف
لِنِشْرِكُتِبِ السُّنْقِوَ الجَمَاعَةِ
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان

دار الكـ
جميع الحقوق محفوظة
Copyright
All rights reserved
Tous droits réservés
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة
لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان
ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة
تنضيد الكتاب كاملاً أو مجزاً أو تسجيله على
أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو
برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة
الناشر خطياً.
Exclusive Rights by
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beirut - Lebanon
No part of this publication may be
translated, reproduced, distributed in any
form or by any means, or stored in a data
base or retrieval system, without the
prior written permission of the publisher.
Droits Exclusifs à
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beyrouth - Liban
Il est interdit à toute personne individuelle
ou morale d'éditer, de traduire, de
photocopier, d'enregistrer sur cassette,
disquette, C.D, ordinateur toute
production écrite, entière ou partielle,
sans l'autorisation signée de l'éditeur.
الطّبعَة الأوْلى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت
هاتف وفاكس : ٣٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ - ٣٧٨٥٤٢ (٩٦١١)
صندوق بريد : ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Beirut - Lebanon
Ramel Al-Zarif, Bohtory St., Melkart Bldg., Ist Floor
Tel. & Fax : 00 (961 1) 37.85.42 - 36.61.35 - 36.43.98
P.O.Box : I 1 - 9424 Beirut - Lebanon
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Beyrouth - Liban
Ramel Al-Zarif, Rue Bohtory, Imm. Melkart, Iére Etage
Tel. & Fax : 00 (961 1) 37.85.42 - 36.61.35 - 36.43.98
B.P. : 1 1 - 9424 Beyrouth - Liban
ISBN 2-7451-2269-X
90000>
9 782745 122698
http://www.al-ilmiyah.com/
e-mail: sales@al-ilmiyah.com
info@al-ilmiyah.com
baydoun@al-ilmiyah.com

بسم الله الرحمن الرحيم
٧ - كتاب التيمم
الكلام فيه على وجوه. الأول: أن قبله ((بسم الله الرحمن الرحيم)) في رواية كريمة،
وفي رواية أبي ذر بعده. وتقديم البسملة على الكتاب ظاهر للحديث الوارد فيه، وأما تأخيرها
عن الكتاب فوجهه أن الكتب التي فيها التراجم مثل السور، حتى يقال سورة كذا وسورة
كذا، والبسملة تذكر بعدها على رأس الأحاديث، كما تذكر على رؤوس الآيات ويستفتح
بھا.
الثاني: وجه المناسبة بين هذا الكتاب والكتاب الذي قبله أن المذكور قبله أحكام
الوضوء بالماء، والمذكور ههنا التيمم، وهو خلف عن الماء، فيذكر الأصل أولاً ثم يذكر
الخلف عقيبه.
الثالث: في إعرابه: وهو مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذا كتاب
اليتمم، والإضافة فيه بمعنى: في، أي: هذا كتاب في بيان أحكام التيمم، ويجوز نصب
الكتاب بعامل مقدر تقديره. خذ، أو: هاك كتاب التيمم.
الرابع: في معنى التيمم: وهو مصدر تيمم تيمماً من باب التفعل، وأصله من الأم
وهو: القصد. يقول أمَّه يؤمه أماً إذا قصده. وذكر أبو محمد في الكتاب (الواعي): يقال: أم
وتأمم ويمم وتيمم بمعنى واحد، والتيمم أصله من ذلك، لأنه يقصد التراب فيتمسح به. وفي
(الجامع) عن الخليل: التيمم يجري مجرى التوخي تقول: تيمم أطيب ما عندك فأطعمنا
منه، أي: توخاه. وأجاز أن يكون التيمم العمد والقصد. وهذا الاسم كثر حتى صار اسماً
للتمسح بالتراب. قال الفراء: ولم أسمع: يممت بالتخفيف، وفي (التهذيب) لأبي منصور:
التيمم التعمد، وهو ما ذكره البخاري في التفسير في سورة المائدة، ورواه ابن أبي حاتم وابن
المنذر عن سفيان. قلت: التيمم في اللغة: مطلق القصد، قال الشاعر:
ولا أدري إذا يممت أرضاً
أريد الخير أيهما يليني؟
وفي الشرع: قصد الصعيد الطاهر واستعماله بصفة مخصوصة، وهو مسح اليدين
والوجه لاستباحة الصلاة وامتثال الأمر.
الخامس: الأصل فيه الكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيداً طيباً﴾ [النساء: ٤٣،
والمائدة: ٦] والسنة وهي أحاديث الباب وغيره، والإجماع على جوازه للمحدث وفي
الجنابة أيضاً، وخالف فيه عمر بن الخطاب وابن مسعود والنخعي والأسود كما نقله ابن
حزم، وقد ذكروا رجوعهم عن هذا.
السادس: أن التيمم فضيلة خصت بها هذه الأمة دون غيرها من الأمم.
وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَهُّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ
٣

٤
۔۔
٧ - كتاب التيمم/ باب (١)
[المائدة: ٦].
مِنْ
وقع في رواية الأصيلي: قول الله، بلا: واو، فوجهه أن يكون مبتدأ وخبره هو قوله:
﴿فلم تجدوا﴾ [النساء: ٦٣، المائدة: ٦]، والمعنى: قول الله شأن التيمم هذه الآية، وفي رواية
غيره بواو العطف على كتاب التيمم، والتقدير: توفي بيان قول الله تعالى ﴿فلم تجدوا﴾.
وقال بعضهم: الواو استئنافية، وهو غير صحيح لأن الاستئناف جواب عن سؤال مقدر وليس
لهذا محل ههنا، فإن قال: هذا القائل: مرادي الاستئناف اللغوي. قلت: هذا أيضاً غير
صحيح، لأن الاستئناف في اللغة الإعادة ولا محل لهذا المعنى ههنا. فافهم. قوله: ((فلم
تجدوا ماء)) القرآن هكذا في سورة النساء والمائدة، ورواية الأكثرين على هذا وهو الصواب،
وفي رواية النسفي وعبدوس والحموي والمستملي: ((فإن لم تجدوا))، ووقع التصريح به في
رواية حماد بن سلمة عن هشام عن أبيه عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، في قصتها
المذكورة. قال: فأنزل الله آية التيمم: فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً﴾ [النساء:
٤٣، والمائدة: ٦] الحديث، والظاهر أن هذا وهم من حماد أو غيره، أو قراءة شاذة لحماد.
قوله: ((صعيداً طيباً)) أي أرضاً طاهرة. قال الأصمعي: الصعيد وجه الأرض، فعيل بمعنى
مفعول، أي: مصعود عليه. وحكاه ابن الأعرابي، وكذلك قاله الخليل وثعلب. وفي
(الجمهرة): وهو التراب الذي لا يخالطه رمل ولا سبخ، هذا قول أبي عبيدة. وقيل: وهو
الظاهر من وجه الأرض. وقال الزجاج في (المعاني): الصعيد وجه الأرض ولا تبالي أكان في
الموضع تراب أم لم يكن، لأن الصعيد ليس اسماً للتراب، إنما هو وجه الأرض تراباً كان أو
صخراً لا تراب عليه. قال تعالى: ﴿فتصبح صعيداً زنقاً﴾ [الكهف: ٤٠] فأعلمك أن الصعيد
يكون زلقا. وعن قتادة أن الصعيد: الأرض التي لا نبات فيها ولا شجر، ومعنى: طيباً طاهراً.
وقال أبو إسحاق: الطيب النظيف. وقيل: الحلال. وقيل: الطيب ما تستطيبه النفس، وأكثر
العلماء أن معناه: طاهراً قوله: ((وأيديكم)) إلى هنا في رواية أبي ذر بدون لفظة: منه. وفي
رواية كريمة: منه، وهي تعين آية المائدة دون آية النساء، لأن آية النساء ليس فيها: منه، ولفظة:
منه، في آية المائدة.
١ - باب
٣٣٤/١ - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قالَ أخبرنا مالِكٌ عنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ القَاسِمِ
عنْ أبِيهِ عنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النبيِّ عَ لّه قالَتْ خَرَجَنَا مَعَ رسولِ اللهِ عَّهِ فِي بَعْضِ أسْفَارِهِ حَتَّى
إِذَا كُنَّا بالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي فَأَقَامَ رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ عَلَى الْتماسِهِ وَأَقَامَ النَّاسُ
مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى ماءٍ فَأَتَى النَّاسُ إِلى أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ فَقالُوا أَلاَ تَرَى ما صَنَعَتْ عَائِشَةُ أَقَامَتْ
بِرَسُولِ اللهِ عَّهِ وَالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلى مَاءٍ وَلَّيْسَ مَعَهُمْ مَاءٍ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ مَّه
وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ فقالَ حَبَسْتِ رسولَ اللهِ عَُّلِ والناسَ وَلَيْشُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ
مَعَهُمْ ماءٍ فَقالَتْ عَائِشَةُ فَعَاتَبَنِي أَبُوِ بَكْرٍ وقالَ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَقُولَ وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ في
خاصِرَتِي فَلاَ يَمْنَعُنِي مِنَ الشَّحَرُّكِ إلاَّ مَكَانُ رَسولِ اللَّهِ عَّه عَلَى فَخِذِي فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ عَ لَّه

٥
٧ - كتاب التيمم/ باب (١)
حِينَ أصبْحَ عَلَى غَيْرِ ماءٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ النَّيَهُم فتيَمَّمُوا فقالَ أسَيْدُ بنُ الْحُضَيْرِ مَا هِيَ بِأَوَّلِ
بَرَّكَتِكُمْ يا آلَ أبِي بَكْرِ قالَتْ فَبَعَثْنَا البَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فَأُصَبْنَا العِقْدَ تحْتَهُ. [الحديث
٣٣٤ - أطرافه في: ٣٣٦، ٣٦٧٢، ٣٧٧٣، ٤٥٨٣، ٤٦٠٧، ٤٦٠٨، ٥١٦٤، ٥٢٥٠،
٥٨٨٢، ٦٨٤٤، ٦٨٤٥].
مطابقته للترجمة ظاهرة لأنه أشار أولاً إلى مشروعية التيمم بالكتاب، وهو الآية
المذكورة، ثم بهذا الحديث المذكور.
ذكر رجاله: وهم خمسة ذكروا غير مرة، وعبد الرحمن بن القاسم هو بن محمد بن
أبي بكر الصديق.
ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار
كذلك. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: القول، وفيه: أن رواته كلهم مدنيون ما خلا
شيخ البخاري.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في النكاح عن عبد الله
ابن يوسف، وفي فضل أبي بكر، رضي الله عنه، عن قتيبة، وفي التفسير، وفي المحاربين عن
إسماعيل بن أبي أويس. وأخرجه مسلم في الطهارة عن يحيى بن يحيى. وأخرجه النسائي
فيه، وفي التفسير عن قتيبة، أربعتهم عن مالك به.
ذكر لغاته: قوله: ((بالبيداء)) قال أبو عبيد البكري: البيداء أدنى إلى مكة من ذي
الحليفة، ثم قال: هو السرف الذي قدّام ذي الحليفة من طريق مكة. وقال الكرماني: البيداء،
بفتح الموحدة وبالمد، وذات الجيش، بفتح الجيم وسكون التحتانية وبإعجام السين:
موضعان بين المدينة ومكة. وكلمة: أو، للشك من عائشة، رضي الله تعالى عنها. قوله: ((عقد
لي))، بكسر العين وسكون القاف: وهو القلادة، وهو كل ما يعقد ويعلق في العنق. وذكر
السفاقسي أن ثمنه كان يسيراً. وقيل: كان ثمنه اثنا عشر درهماً. قوله: ((يطعنني))، بضم
العين، وكذلك جميع ما هو حسي. وأما المعنوي فيقال: يطعن - بالفتح - هذا هو المشهور
فيهما. وحكي الفتح فيهما معاً، كذا في (المطالع) وحكى صاحب (الجامع) الضم فيهما.
قوله: ((في خاصرتي))، وهي الشاكلة. قوله: ((بركتكم))، البركة: كثرة الخير. قوله: ((يا آل
أبي بكر)) لفظ: آل، مقحمة وأراد به: أبا بكر نفسه ويجوز أن يراد به أبا بكر وأهله وأتباعه،
والآل: يستعمل في الأشراف بخلاف الأهل. ولا يرد ﴿أَدخِلوا آل فرعون﴾ [غافر: ٤٦] لأنه
بحسب تصوره ذكر ذلك أو بطريق التهكم، ويجوز فيه: يال أبي بكر، بحذف الهمزة
للتخفيف.
ذكر معانيه: قوله: ((في بعض أسفاره)) قال ابن عبد البر في (التمهيد) يقال: إنه كان
في غزوة بني المصطلق، وجزم بذلك في كتاب (الاستذكار)، وورد ذلك عن ابن سعد
وابن حبان قبله، وغزوة بني المصطلق هي: غزوة المريسيع التي كان فيها قصة الإفك. قال

٦
٧ - كتاب التيمم/ باب (١)
أبو عبيد البكري في حديث الإفك: ((فانقطع عقدٌ لها من جزع ظفار، فحبس الناس ابتغاؤه)).
وقال ابن سعد: ((خرج رسول الله عَ لل إلى المريسيع يوم الإثنين لليلتين خلتا من شهر شعبان
سنة خمس))، ورجحه أبو عبد الله في (الإكليل) وقال البخاري: عن ابن إسحاق سنة ست،
وقال عن موسى بن عقبة سنة أربع، وزعم ابن الجوزي أن ابن حبيب قال: سقط عقدها في
السنة الرابعة في غزوة ذات الرقاع، وفي غزوة بني المصطلق قصة الإفك. قلت: يعارض هذا
ما رواه الطبراني أن الإفك قبل التيمم، فقال: حدّثنا القاسم عن حماد. حدّثنا محمد بن
حميد الرازي حدّثنا سلمة بن الفضل وإبراهيم بن المختار عن محمد بن إسحاق عن يحيى
ابن عباد عن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة، قالت: ((لما كان من أمر عقدي ما كان،
وقال أهل الإفك ما قالوا، خرجت مع رسول الله عَّلهم في غزوة أخرى، فسقط أيضاً عقدي
حتى حبس الناس على التماسه، وطلع الفجر، فلقيت من أبي بكر ما شاء الله، وقال: يا بنية
في كل سفر تكونين عناء وبلاء؟ ليس مع الناس ماء! فأنزل الله الرخصة في التيمم. فقال أبو
بكر: إنك ما عملت لمباركة)).
قلت: إسناده جيد حسن، وادعى بعضهم تعدد السفر برواية الطبراني هذه، ثم إن بعض
المتأخرين استبعد سقوط العقد في المريسيع. قال: لأن المريسيع من ناحية مكة بين قدید
والساحل، وهذه القصة كانت من ناحية خيبر، لقولها في الحديث: ((حتى إذا كنا بالبيداء، أو
بذات الجيش))، وهما بين المدينة وخيبر، كما جزم به النووي، ويرد هذا ما ذكرناه عن أبي
عبيد في فصل اللعان، وجزم أيضاً ابن التين أن البيداء هي ذو الحليفة، وقال أبو عبيد أيضاً:
إن ذات الجيش من المدينة على بريد، قال: وبينها وبين العقيق سبعة أميال، والعقيق من
طريق مكة لا من طريق خيبر. ويؤيد هذا أيضاً ما رواه الحميدي في (مسنده) عن سفيان:
حدّثنا هشام بن عروة عن أبيه في هذا الحديث، فقال: فيه أن القلادة سقطت ليلة الأبواء.
انتهى. والأبواء بين مكة والمدينة، وفي رواية علي بن مسهر في هذا الحديث، عن هشام
قال: وكان ذلك المكان يقول له: الصلصل: رواه جعفر الفريابي في كتاب الطهارة له، وابن
عبد البر من طريقه، والصلصل. بصادين مهملتين ولامين أولاهما ساكنة. قال البكري: هو
جبل عند ذي الحليفة. وذكره في حرف الصاد المهملة، ووهم فيه صاحب (التلويح)
مغلطاي، فزعم أنه بالضاد المعجمة، وتبعه على ذلك صاحب (التوضيح) ابن الملقن، وقال
صاحب (العباب): الصلصل موضع على طريق المدينة، وصلصل ماء قريب من اليمامة لبني
العجلان، وصلصل ماء في جوف هضبة جراء، ودارة صلصل لبني عمرو بن كلاب، وهي
بأعلى دارها، ذكر ذلك كله في الصاد المهملة. وقال في (المعجمة): الضلضلة موضع.
قوله: ((على التماسه)) أي: لأجل طلبه. قوله: ((وليس معهم ماء))، كذا في رواية
الأكثرين في الموضعين، وسقطت الجملة الثانية في الموضع الأول في رواية أبي ذر. قوله:
((ما صنعت عائشة) أي: من إقامة رسول الله عَّه، والناس أسندوا الفعل إليها لأنه كان
بسببها. قولها: ((فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول)). وفي رواية عمرو بن الحارث:

٧
٧ - كتاب التيمم/ باب (١)
((فقال: حبست الناس في قلادة)) أي: لأجلها. فإن قلت: لم تقل عائشة: أبي، بل سمته
باسمه. قلت: مقام الأبوة لما كان يقتضي الحنو والشفقة، وعاتبها أبو بكر صار مغايراً لذلك،
فلذلك أنزلته بمنزلة الأجنبي، فلم تقل: أبي. قوله: ((فقام رسول الله عَّ حين أصبح)) وفي
رواية: ((فنام حتى أصبح))، والمعنى فيهما متقارب، لأن كلاً منهما يدل على أن قيامه من
نومه كان عند الصبح. ويقال: ليس المراد بقوله ((حتى أصبح)) بيان غاية النوم إلى الصباح، بل
بيان غاية فقد الماء إلى الصباح، لأنه قيد قوله: ((حين أصبح)) بقوله تنازع العاملين. وأصبح،
بمعنى: دخل في الصباح، وهي تامة فلا تحتاج إلى خبر. قوله: ((فأنزل الله آية التيمم)) قال
ابن العربي: هذه معضلة ما وجدت لدائها من دواء، لأنا لا نعلم أي الآيتين عنت عائشة،
رضي الله تعالى عنها. وقال ابن بطال: هي أية النساء وآية المائدة، وقال القرطبي: هي آية
النساء. لأن آية المائدة تسمى: آية الوضوء، وليس في آية النساء ذكر الوضوء، وأورد الواحدي
في (أسباب النزول) هذا الحديث عند ذكر آية النساء أيضاً. وقال السفاقسي، كلاماً طويلاً
ملخصه: أن الوضوء كان لازماً لهم، وآية التيمم، أما المائدة أو النساء، وهما مدنيتان، ولم
يكن صلاة قبلُ إلاَّ بوضوء، فلما نزلت آية التيمم لم يذكر الوضوء لكونه متقدماً متلواً، لأن
حكم التيمم هو الطارىء على الوضوء.
وقيل: يحتمل أن يكون نزل أولاً أول الآية، وهو فرض الوضوء، ثم نزلت عند هذه الواقعة
آية التيمم وهو تمام الآية وهو: ﴿وإن كنتم مرضى﴾ [النساء: ٤٣، والمائدة: ٦] ويحتمل أن
يكون الوضوء كان بالسنة لا بالقرآن، ثم أنزلا معاً، فعبرته عائشة بالتيمم إذا كان هو المقصود.
قلت: لو وقف هؤلاء على ما ذكره أبو بكر الحميدي في جمعه في حديث عمرو بن الحارث عن
عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، فذكر الحديث، وفيه فنزلت:
﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم﴾ [المائدة: ٦] الآية إلى
قوله: ﴿لعلكم تشكرون﴾ [المائدة: ٦] لما احتاجوا إلى هذا التخرص، وكأن البخاري أشار إلى
هذا إذا تلا بقية هذه الآية الكريمة. قوله: ((فتيمموا)) صيغة الماضى، أي: فتيمم الناس بعد نزول
الآية وهي. قوله: ((فلم تجدوا ماء)) والظاهر أنه صيغة الأمر على ما هو لفظ القرآن ذكره بياناً
أو بدلاً عن آية التيمم، أي: أنزل الله تعالى: ﴿فتيمموا﴾ [المائدة: ٦ النساء: ٦٣].
قوله: ((فقال أسيد بن الحضير))، بضم الهمزة: مصغر أسد، والحضير، بضم الحاء
المهملة وفتح الضاد المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وبالراء. قال الكرماني: وفي بعضها
بالنون، قال: وفي بعضها: الحضير، بالألف واللام. وهو نحو: الحارث، من الأعلام التي
تدخلها لام التعريف جوازاً. قلت: إنما يدخلونها للمح الوصفية، وأسيد بن حضير بن شمال
الأوسي الأنصاري الأشهلي، أبو يحيى، أحد النقباء ليلة العقبة الثانية، مات بالمدينة سنة
عشرين، وحمل عمر، رضي الله عنه، جنازته من حملها وصلى عليه ودفن بالبقيع. فإن قلت:
في رواية عبد الله بن نمير عن هشام: ((فبعث رجلاً فوجدها))، وفي رواية مالك: ((فبعثنا البعير
فأصبنا العقد))، وبينهما تضاد. قلت: قال المهلب: ليس بينهما تناقض، لأنه يحتمل أن يكون

٨
٧ - كتاب التيمم/ باب (١)
المبعوث هو أسيد بن حضير فوجدها بعد رجوعه من طلبها، ويحتمل أن يكون النبي عَّة.
وجدها عند إثارة البعير بعد انصراف المبعوثين إليها، فلا يكون بينهما تعارض. انتهى. قلت:
هما واقعتان كما أشرنا إليه في الرواية الأولى: ((عقد))، وفي الأخرى: ((قلادة)، فلا تعارض
حينئذٍ، ويحتمل أن يكون قوله: بعث رجلاً، يعني أميراً على جماعة كعادته، فعبر بعض الرواة:
بأناس، يعني أسيداً وأصحابه. وبعضهم: برجلاً، يعني المشار إليه، أو يكون قولها، فوجده،
تعني بذلك النبي عَّهِ، لا الرجل المبعوث.
فإن قلت: ما معنى قول أسيد ما قاله دون غيره؟ قلت: لأنه كان رأس المبعوثين في
طلب العقد الذي ضاع. قوله: ((ما هي بأول بركتكم)) أي: ليس هذه البركة أول بركتكم، بل
هي مسبوقة بغيرها من البركات، والقرينة الحالية والمقالية تدلان على أن قوله: ((هي))، يرجع
إلى البركة وإن لم يمض ذكرها، وفي رواية عمرو بن الحارث: ((لقد بارك الله للناس فيكم))،
وفي تفسير إسحاق البستي من طريق ابن أبي مليكة عنها: ((أن النبي عَلِّ، قال لها: ما كان
أعظم بركة قلادتك)). وفي رواية هشام بن عروة الآتية في الباب الذي يليه: ((فوالله ما نزل
بك أمر تكرهينه إلاَّ جعل الله للمسلمين خيراً). وفي النكاح من هذا الوجه: ((إلاَّ جعل الله لك
منه مخرجاً، وجعل للمسلمين فيه بركة))، وهذا يشعر بأن هذه القصة كانت بعد قصة الإفك،
فيقوي قول من ذهب إلى تعدد ضياع العقد، وممن جزم بذلك محمد بن حبيب الأنصاري،
فقال: ((سقط عقد عائشة في غزوة ذات الرقاع وفي غزوة بني المصطلق))، وقد اختلف أهل
المغازي في أي هاتين الغزوتين كانت أول، فقال الداودي: كانت قصة التيمم في غزوة
الفتح، ثم تردد في ذلك، وقد روى ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، قال:
((لما نزلت آية التيمم لم أدرِ كيف أصنع)). الحديث، فهذا يدل على تأخرها عن غزوة بني
المصطلق. لأن إسلام أبي هريرة كان في السنة السابعة، وهي بعدها بلا خلاف، وسيأتي في
المغازي، إن شاء الله تعالى، أن البخاري يرى أن غزوة ذات الرقاع كانت بعد قدوم أبي
موسى الأشعري، رضي الله تعالى عنه، وقدومه كان وقت إسلام أبي هريرة. ومما يدل على
تأخر القصة أيضاً عن قصة الإفك ما رواه الطبراني من طريق عباد بن عبد الله بن الزبير عن
عائشة، رضي الله تعالى عنها. وتقدم ذكره عن قريب.
قوله: ((فبعثنا البعير)) أي: أثرنا البعير الذي كنت عليه حالة السير. قوله: ((فأصبنا)) أي:
وجدنا، وهذا يدل على أن الذين توجهوا في طلبه أولاً لم يجدوه. فإن قلت: وفي رواية عروة
في الباب الذي يليه: ((فبعث رسول الله عَّهِ، رجلاً فوجدها)). أي: القلادة. وللبخاري في
فضل عائشة من هذا الوجه، وكذا لمسلم: ((فبعث ناساً من الصحابة في طلبها))، وفي رواية
أبي داود ((فبعث أسيد بن حضير وناساً معه)). قلت: الجمع بين هذه الروايات أن أسيداً كان
رأس من بعث لذلك، كما ذكرنا، فلذلك سمي في بعض الروايات دون غيره، وكذا أسند
الفعل إلى واحد منهم. وهو المراد به، وكأنهم لم يجدوا العقد أولاً، فلما رجعوا ونزلت آية
التيمم، وأرادوا الرحيل وأثاروا البعير وجده أسيد بن حضير، فعلى هذا فقوله في رواية عروة

٩
٧ - كتاب التيمم / باب (١)
الآتية: فوجدها أي: بعد جميع ما تقدم من التفتيش وغيره، وقال النووي: يحتمل أن يكون
فاعل: وجدها، هو النبي عَّه، وقد بالغ الداودي في توهيم رواية عروة، ونقل عن إسماعيل
القاضي أنه حمل الوهم فيها على عبد الله بن نمير، وقد بان بذلك أن لا تخالف بين الروايتين
ولا وهم. فإن قلت: في رواية عمرو بن الحارث: ((سقطت قلادة لي))، وفي رواية عروة الآتية
عنها: أنها استعارت قلادة من أسماء يعني أختها فهلكت، أي: ضاعت، فكيف التوفيق ههنا؟
قلت: إضافة القلادة إلى عائشة لكونها في يدها وتصرفها، وإلى أسماء لكونها ملكها لتصريح
عائشة بذلك في رواية عروة المذكورة.
ذكر ما يستنبط منه من الأحكام الأول: أن بعضهم استدل منه على جواز الإقامة في
المكان الذي لا ماء فيه، وسلوك الطريق الذي لا ماء فيها، وفيه نظر، لأن المدينة كانت
قريبة منهم وهم على قصد دخولها، ويحتمل أن النبي عَّه لم يعلم بعدم الماء مع الركب،
وإن كان قد علم بأن المكان لا ماء فيه، ويحتمل أن يكون معنى قوله: ((ليس معهم ماء)
أي: للوضوء، وأما ما يحتاجون إليه للشرب فيحتمل أن يكون كان معهم.
الثاني: فيه شكوى المرأة إلى أبيها، وإن كان لها زوج، وإنما شكوا إلى أبي بكر،
رضي الله تعالى عنه، لكون النبي عَِّ كان نائماً، وكانوا لا يوقظونه، كذا قالوا. قلت: يجوز
أن تكون شكواهم إلى أبي بكر دون النبي ◌َّهِ خوفاً على خاطر النبي عَ لِّ من تغيره عليها.
الثالث: فيه نسبة الفعل إلى من كان سبباً فيه لقولهم: ألا ترى إلى ما صنعت؟ يعني:
عائشة.
الرابع: فيه جواز دخول الرجل على ابنته، وإن كان زوجها عندها إذا علم رضاه بذلك
ولم يكن حالة المباشرة.
الخامس: فيه تأديب الرجل ابنته ولو كانت متزوجة كبيرة خارجة عن بيته، ويلتحق
بذلك تأديب من له تأديبه وإن لم يأذن له الإمام.
السادس: فيه استحباب الصبر لمن ناله ما يوجب الحركة إذ يحصل به التشويش
النائم، وكذا المصلي أو قارىء أو مشتغل بعلم أو ذكر.
السابع: فيه الاستدلال على الرخصة في ترك التهجد في السفر إن ثبت أن التهجد
كان واجباً عليه.
الثامن: فيه أن طلب الماء لا يجب إلاَّ بعد دخول الوقت، لقوله في رواية عمرو بن
الحارث، بعد قوله: ((وحضرت الصلاة فالتمس الماء)).
التاسع: فيه دليل على أن الوضوء كان واجباً عليه قبل نزول آية الوضوء، ولهذا
استعظموا نزولهم على غير ماء، ووقع من أبي بكر في حق عائشة ما وقع، وقال ابن عبد البر:
معلوم عند جميع أهل المغازي أنه عَِّ لم يصلِّ منذ فرضت عليه الصلاة إلاَّ بوضوء، ولا
يدفع ذلك إلاَّ جاهل أو معاند. فإن قلت: إذا كان الأمر كذلك، ما الحكمة في نزول آية
الوضوء مع تقدم العمل به. قلت: ليكون فرضه متلواً بالتنزيل، ويحتمل أن يكون أول آية

١٠
٧ - كتاب التيمم/ باب (١)
الوضوء نزل قديماً فعملوا به، ثم نزلت بقيتها وهو ذكر التيمم ـ في هذه القصة، فإطلاق آية
التيمم على هذا من إطلاق الكل على البعض، لكن رواية عمرو بن الحارث عن عبد الرحمن
ابن القاسم في هذا الحديث، فنزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة﴾ إلى قوله:
﴿تشكرون﴾ [المائدة: ٦] تدل على أن الآية نزلت جميعها في هذه القصة، ويقال: كان
الوضوء بالسنة لا بالقرآن أولاً. ثم أنزلا معاً، فعبرت عائشة بالتيمم إذ كان هو المقصود. فإن
قلت: ذكر الحافظ في كتاب (البرهان) أن الأسلع الأعرجي الذي كان يرحل للنبي عَّةٍ، قال
للنبي عَّ له يوماً: إني جنب وليس عندي ماء، فأنزل الله آية التيمم. قلت: هذا ضعيف، ولئن
صح فجوابه يحتمل أن يكون قضية الأسلع واقعة في قضية سقوط العقد، لأنه كان يخدم
النبي عَّ ◌ُّه، وكان صاحب راحلته، فاتفق له هذا الأمر عند وقوع قضية سقوط العقد.
العاشر: فيه دليل على وجوب النية في التيمم، لأن معنى: ((تيمموا)) اقصدوا، وهو
قول فقهاء الأمصار إلاَّ الأوزاعي وزفر.
الحادي عشر: فيه دليل على أنه يستوي فيه الصحيح والمريض والمحدث والجنب،
ولم يختلف فيه علماء الأمصار بالحجاز والعراق والشام والمشرق والمغرب، وقد كان عمر
ابن الخطاب وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما، يقولان: الجنب لا يطهره إلاَّ الماء، لقوله
عز وجل: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ [المائدة: ٦] وقوله: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى
تغتسلوا﴾ [النساء: ٤٣] وذهبا إلى أن الجنب لم يدخل في المعنى المراد بقوله: ﴿وإن كنتم
مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا
صعيداً طيباً﴾ [النساء: ٤٣، والمائدة: ٦] ولم يتعلق بقولهما أحد من الفقهاء للأحاديث الثابتة
الواردة في تيمم الجنب.
الثاني عشر: فيه دليل على جواز التيمم في السفر، وهذا أمر مجمع عليه، واختلفوا
في الحضر، فذهب مالك وأصحابه إلى أن التيمم في الحضر والسفر سواء إذا عدم الماء أو
تعذر استعماله لمرض أو خوف شديد أو خوف خروج الوقت، قال أبو عمر: هذا كله قول
أبي حنيفة ومحمد؛ وقال الشافعي: لا يجوز للحاضر الصحيح أن يتيمم إلاَّ أن يخاف التلف،
وبه قال الطبري؛ وقال أبو يوسف وزفر: لا يجوز التيمم في الحضر لا لمرض ولا لخوف
خروج الوقت. وقال الشافعي أيضاً. والليث والطبري: إذا عدم الماء في الحضر مع خوف
فوت الوقت الصحيح والسقيم يتيمم ويصلي ويعيد. وقال عطاء بن أبي رباح: لا يتيمم
المريض إذا وجد الماء ولا غير المريض. قلت: قوله: وهذا كله قول أبي حنيفة، غير صحيح،
فإن عنده: لا يجوز التيمم لأجل خوف فوت الوقت.
الثالث عشر: فيه جواز السفر بالنساء في الغزوات وغيرها عند الأمن عليهن، فإذا كان
لواحد نساء فله أن يسافر مع أيتهن شاء، ويستحب أن يقرع بينهن، فمن خرجت قرعتها
أخرجها معه؛ وعند مالك والشافعي وأحمد: القرعة واجبة.
الرابع عشر: فيه دليل على حرمة الأموال الحلال ولا يضيعها، وإن قلت: أَلاَ ترى أن

١١
٧ - كتاب التيمم/ باب (١)
العقد كان ثمنه اثنى عشر دهماً؟ كما ذكرناه.
الخامس عشر: فيه جواز حفظ الأموال وإن أدى إلى عدم الماء في الوقت.
السادس عشر: فيه جواز الاستعارة، وجواز السفر بالعارية عند إذن صاحبها.
السابع عشر: فيه جواز اتخاذ النساء الحلي، واستعمال القلادة تجملاً لأزواجهن.
الثامن عشر: فيه جواز وضع الرجل رأسه على فخذ امرأته.
التاسع عشر: فيه جواز احتمال المشقة لأجل المصلحة، لقول عائشة رضي الله عنها:
((فلا يمنعني من التحرك إلاَّ مكان رسول الله عَّةٍ على فخذي)).
العشرون: فيه دليل على فضيلة عائشة رضي الله تعالى عنها، وتكرر البركة منها.
٣٣٥/٢ -حدثنا مُحَمَّدُ بنُ سِنانٍ قال حدّثنا هُشَيمٌ ح قالَ وحدّثني سَعيدُ بنُ النَّصْرِ قالَ
أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ قال أخبرَنا سَيَّارٌ قال حدّثنا يَزِيدُ هُوَ ابنُ صُهَيْبِ الفَقِيرُ قالَ أخبرنا جابِرُ بنُ عَبْدِ
اللَّهِ أنَّ النبيَّ عَ لِّ قال: ((أُعطِيتُ خَمْساً لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ قَبْلِي نُصِرْتُ بالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْر
وجُعَلَتْ لِيَّ الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً فَأَيُّما رَجلٍ مِنْ أَمَّتِي أَذْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ فَلَّيْصَلٌ وَأُحِلَّتْ
لِيَ الغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَأُعطِيتُ الشَّفَاعَةَ وَكَانَ النَّبيُّ يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ خاصَّةً
وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عامَّةً)). [الحديث ٣٣٥ - طرفاه في: ٤٣٨، ٣١٣٢].
مناسبة إيراد هذا الحديث ومطابقته للترجمة المطلقة في قوله: ((وجعلت لي الأرض
مسجداً وطهوراً)).
ذكر رجاله: وهم ستة. الأول: محمد بن سنان، بكسر السين المهملة وتخفيف
النون: العوقي، بفتح العين المهملة والواو وبالقاف: الباهلي البصري، مر في أول كتاب العلم،
تفرد به البخاري. الثاني: هشيم، بضم الهاء وفتح الشين المعجمة وسكون الياء آخر
الحروف: ابن بشير، بفتح الباء الموحدة وكسر الشين المعجمة: أبو معاوية الواسطي. قال ابن
عون: مكث هشيم يصلي الفجر بوضوء عشاء الآخرة قبل أن يموت بعشر سنين، مات سنة
ثلاث وثمانين ومائة ببغداد. الثالث: سعيد بن النضر، بفتح النون وسكون الضاد المعجمة: أبو
عثمان البغدادي، مات بساحل جيحون. الرابع: سيار، بفتح السين المهملة وتشديد الياء آخر
الحروف وبالراء: ابن أبي سيار، ورد ان أبو الحكم، بفتح الكاف: الواسطي، مات بواسط سنة
اثنتين وعشرين ومائة. الخامس: يزيد، من الزيادة: بن صهيب مصغراً مخففاً، الفقير ضد
الغني، أبو عثمان الكوفي، أحد مشايخ الإمام أبي حنيفة، رضي الله تعالى عنه، وقيل له:
الفقير، لأنه كان يشكو فقار ظهره ولم يكن فقيراً من المال. وفي (المحكم): رجل فقير:
مكسور فقار ظهره، ويقال له: فقير، بالتشديد أيضاً. السادس: جابر بن عبد الله الأنصاري،
تقدم في كتاب الوحي.
ذكر لطائف إسناده. فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: أن رواته
ما بين بصري وواسطي وبغدادي وكوفي. وفيه: صورة ((ح)) إشارة إلى التحويل من إسناد إلى

١٢
٧ - كتاب التيمم/ باب (١)
إسنادين يعني: يروي البخاري عن هشيم بواسطة شيخه، أحدهما: محمد بن سنان، والآخر:
سعيد بن النضر. وفيه: أن سنار، المذكور متفق على توثيقه، وأخرج له الأئمة الستة وغيرهم،
وقد أدرك بعض الصحابة لكن لم يلق أحداً منهم، فهو من كبار أتباع التابعين، ولهم شيخ آخر
يقال له: سيار، لكنه تابعي شامي، أخرج له الترمذي، وذكره ابن حبان في الثقات، وروي:
يعني حديث الباب عن أبي أمامة، ولم ينسب في الرواة كما لم ينسب سيار هذا في هذا
الحديث، وربما لم يميز بينهما من لا وقوف له على هذا، فيتوهم أن في الإسناد اختلافاً،
وليس كذلك.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: وأخرجه البخاري أيضاً في الصلاة، وفي
الخمس. وأخرجه مسلم في الصلاة عن يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة. وأخرجه
النسائي في الطهارة بتمامه، وفي الصلاة ببعضه عن الحسن بن إسماعيل به.
ذكر لغاته ومعناه: قوله: ((أعطيت خمساً) أي: خمس خصال، وعند مسلم من حديث
أبي هريرة: ((فضلت على الأنبياء عليهم السلام بست: أعطيت جامع الكلم، وختم نبي
النبيون)). الحديث، وعنده أيضاً من حديث حذيفة: ((فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا
كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً، وتربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء)).
ولفظ الدارقطني: ((وترابها طهوراً). وعند النسائي: ((وأوتيت هؤلاء الآيات: آخر سورة
البقرة، من كنز تحت العرش لم يعط أحد منه قبلي، ولا يعطى منه أحد بعدي)). وعند أبي
محمد بن الجارود في (المنتقى) من حديث أنس رضي الله تعالى عنه: ((جعلت لي كل
أرض طيبة مسجداً وطهوراً)). وعن أبي أمامة أن نبي الله عَّ له قال: ((إن الله تعالى قد فضلني
على الأنبياء - أو قال: أمتي على الأمم - بأربع: جعل الأرض كلها لي ولأمتي طهوراً
ومسجداً، فأينما أدركت الرجل من أمتي الصلاة فعنده مسجده وعنده طهوره، ونصرت
بالرعب يسير بين يدي مسيرة شهر يقذف في قلوب أعدائي)). الحديث. وفي حديث ابن
عباس عند أبي داود: ((وأوتيت الكوثر)). وفي حديث علي عند أحمد: ((وأعطيت مفاتيح
الأرض، وسميت أحمد، وجعل لي التراب طهوراً، وجعلت أمتي خير الأمم)). وعنده أيضاً من
حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أنه قال عَِّ، ذلك عام غزوة تبوك. وفي حديث
السائب ابن أخت النمر: «فضلت على الأنبياء عليهم السلام: أرسلت إلى الناس كافة،
وادخرت شفاعتي لأمتي، ونصرت بالرعب شهراً أمامي وشهراً خلفي، وجعلت لي الأرض
مسجداً وطهوراً. وأحلِّت لي الغنائم)). قلت: السائب المذكور هو ابن يزيد بن سعيد
المعروف بابن أخت نمر، قيل: إنه ليثي كناني، وقيل: أزدي، وقيل: كندي، حليف بني أمية،
ولد في السنة الثانية، وخرج في الصبيان إلى ثنية الوداع، وتلقى النبي عَّله، مقدمه من تبوك،
وشهد حجة الوداع، وذهبت به خالته وهو وجع إلى النبي عَّه فدعا له ومسح برأسه، وقال:
نظرت إلى خاتم النبوة. وفي (تاريخ نيسابور) للحاكم: وأجل لي الأخماس.
وإذا تأملت وجدت هذه الخصال اثنتي عشرة خصلة، ويمكن أن توجد أكثر من ذلك

١٣
٧ - كتاب التيمم/ باب (١)
عند إمعان التتبع، وقد ذكر أبو سعيد النيسابوري في كتاب (شرف المصطفى) أن الذي
اختص به نبينا عَّلِّ من بين سائر الأنبياء عليهم السلام ستون خصلة. فإن قلت: بين هذه
الروايات تعارض، لأن المذكور فيها الخمس والست والثلاث؛ قلت: قال القرطبي: لا يظن
أن هذا تعارض، وإنما هذا من توهم أن ذكر الأعداد يدل على الحصر وليس كذلك، فإن من
قال: عندي خمسة دنانير مثلاً، لا يدل هذا اللفظ على أنه ليس عنده غيرها، ويجوز له أن
يقول مرة أخرى: عندي عشرون، ومرة أخرى ثلاثون، فإن من عنده ثلاثون صدق عليه أن
عنده عشرين وعشرة. فلا تعارض ولا تناقض، ويجوز أن يكون الرب سبحانه وتعالى، أعلمه
بثلاث ثم بخمس ثم بست. قلت: حاصل هذا أن التنصيص على الشيء بعدد لا يدل على
نفي ما عداه، وقد علم في موضعه.
قوله: ((لم يعطهن أحد قبلي)) قال الداودي: يعني: لم يجمع لأحد قبله هذه الخمس،
لأن نوحاً عليه السلام، بعث إلى كافة الناس، وأما الأربع فلم يعط واحدة منهن قبله أحداً، وأما
كونها مسجداً فلم يأت أن غيره منع منها، وقد كان عيسى عليه الصلاة والسلام يسيح في
الأرض ويصلي حيث أدركته الصلاة، وزعم بعضهم أن نوحاً عليه السلام، بعد خروجه من
السفينة، كان مبعوثاً إلى كل من في الأرض، لأنه لم يبق إلاَّ من كان مؤمناً، وقد كان مرسلاً
إليهم. وأجيب عن ذلك: بأن هذا العموم الذي في رسالته لم يكن في أصل البعثة، وإنما وقع
لأجل الحادث الذي حدث، وهو: انحصار الخلق في الموجودين معه بهلاك سائر الناس،
وعموم رسالة نبينا عَّ له، في أصل البعثة. وزعم ابن الجوزي أنه: كان في الزمان الأول، إذا بعث
نبي إلى قوم بعث غيره إلى آخرين، وكان يجتمع فى الزمن الواحد جماعة من الرسل، فأما نبينا
عليه الصلاة والسلام، فإنه انفرد بالبعثة، فصار بذلك للكل من غير أن يزاحمه أحد.
فإن قلت: يقول أهل الموقف لنوح، كما صح في حديث الشفاعة: أنت أول رسول
إلى أهل الأرض، فدل على أنه كان مبعوثاً إلى كل من في الأرض. قلت: ليس المراد به
عموم بعثته، بل إثبات أولية إرساله، ولئن سلمنا أنه يكون مراداً فهو مخصوص بتنصيصه،
سبحانه وتعالى، في عدة آيات على أن إرسال نوح عليه الصلاة والسلام إلى قومه، ولم يذكر
أنه أرسل إلى غيرهم. فإن قلت: لو لم يكن مبعوثاً إلى أهل الأرض كلهم لما أهلكت كلهم
بالغرق إلاَّ أهل السفينة، لقوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ [الإسراء: ١٥].
قلت: قد يجوز أن يكون غيره أرسل إليهم في ابتداء مدة نوح، وعلم نوح عدّ له، بأنهم لم
يؤمنوا، فدعا على من لم يؤمن من قومه وغيرهم. قيل: هذا جواب حسن، ولكن لم ينقل أنه
نبىء في زمن غيره. قلت: يحتمل أنه قد بلغ جميع الناس دعاؤه قومه إلى التوحيد فتمادوا
على الشرك فاستحقوا العذاب، وإلى هذا ذهب يحيى بن عطية في تفسيره سورة هود علّ له،
قال: وغير ممكن أن نبوته لم نبلغ القريب والبعيد لطول مدته. وقال القشيري: توحيد الله
تعالى يجوز أن يكون عاماً في حق بعض الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، وإن كان التزام
فروع شرعه ليس عاماً، لأن منهم من قاتل غير قومه على الشرك، ولو لم يكن التوحيد لازماً

١٤
٧ - كتاب التيمم/ باب (١)
لهم لم يقاتلهم. قلت: فيه نظر لا يخفى، وأجاب بعضهم بأنه لم يكن في الأرض عند إرسال
نوح إلاّ قوم نوح، فبعثته خاصة لكونها إلى قومه فقط لعدم وجود غيرهم، لكن لو اتفق وجود
غيرهم لم يكن مبعوثاً إليهم. قلت: وفيه نظر أيضاً، لأنه تكون بعثته عامة لقومه لكونهم همٍ
الموجودين، وعندي جواب آخر، وهو جيد إن شاء الله تعالى، وهو أن الطوفان لم يرسل إلاّ
على قومه الذين هو فيهم، ولم يكن عاماً.
قوله: ((نصرت بالرعب)) زاد أبو أمامة: ((يقذف في قلوب أعدائي))، كما ذكرناه، وهو
بضم الراء وسكون العين: الخوف. وقرأ ابن عامر والكسائي بضم العين والباقون بسكونها،
يقال: رعبت الرجل أرعبته رعباً أي: ملأته خوفاً، ولا يقال: أرعبته، كذا ذكره أبو المعالي.
وحكي عن ابن طلحة: أرعبته ورعبته، فهو مرعب. وفي (المحكم) فهو رعيب، ورعبته ترعيباً
وترعاباً فرعب. وفي (الجامع) للقزاز: رعبته فأنا راعب، ويقال: رعب فهو مرعوب، والاسم:
الرعب بالضم، وفي (الموعب) لابن التياني: رجل رعب ومرتعب وقد رعب ورعب. قوله:
((مسيرة شهر)). والنكتة في جعل الغاية شهراً لأنه لم يكن بين المدينة وبين أحد من أعدائه
أكثر من شهر. قوله: ((وجعلت لي الأرض مسجداً) أي: موضع سجود، وهو وضع الجبهة
على الأرض. ولم يكن اختص السجود منها بموضع دون موضع، ويحتمل أن يكون المراد من
المسجد هو المسجد المعروف الذي يصلي فيه القوم، فإذا كان جوازها في جميعها كان
المسجد المعهود كذلك، وقال القاضي عياض: من كان قبله من الأنبياء عليهم الصلاة
والسلام، إنما أبيح لهم الصلاة في مواضع مخصوصة: كالبيع والكنائس، وقيل: في موضع
يتيقنون طهارته من الأرض، وخصت هذه الأمة بجواز الصلاة في جميع الأرض إلاّ في
المواضع المستثناة بالشرع، أو موضع تيقنت نجاسته. فإن قلت: كان عيسى، عليه السلام،
يسيح في الأرض ويصلي حيث أدركته الصلاة. قلت: ذكر مسجداً وطهوراً، وهذا مختص
بالنبي عَّه حيث كان يجوز له أن يصلي في أي موضع أدركته الصلاة فيه، وكذلك التيمم
منه، ولم يكن لعيسى عليه السلام، إلا الصلاة دون التيمم.
قوله: ((فأيما رجل)). لفظ أي، مبتدأ متضمن لمعنى الشرط، ولفظة: ما زيدت لزيادة
التعميم. وقوله: ((فليصل)) خبر المبتدأ، ودخول: الفاء، فيه لكون المبتدأ متضمناً لمعنى
الشرط. وقيل: معناه فليتيمم ليصل ليناسب الأمرين المسجد والطهور. قوله: ((من أمتي))
يتعلق بمحذوف تقديره: كائن من أمتي. وقوله: ((أدركته الصلاة)) جملة من الفعل والفاعل
والمعفول في محل الجر لأنها صفة رجل. قوله: ((الغنائم)) وفي رواية الكشميهني: ((المغانم))،
والغنائم: جمع غنيمة، وهي مال حصل من الكفار بإيجاف خيل وركاب، والمغانم: جمع
مغنم. وقال الجوهري: الغنيمة والمغنم بمعنى واحد. قال الخطابي: كان من تقدم على
ضربين: منهم من لم يؤذن له في الجهاد فلم يكن لهم مغانم، ومنهم من أذن له فيه، لكن
كانوا إذا غنموا شيئاً لم يحل لهم أن يأكلوه، وجاءت نار فأحرقته، وقيل: المراد أنه خص
بالتصرف من الغنيمة يصرفها كيف شاء، والأول أصوب، وهو أن من مضى لم يحل لهم

١٥
٧ - كتاب التيمم/ باب (١)
أصلاً. قوله: ((الشفاعة)) هي سؤال فعل الخير وترك الضرر عن الغير لأجل الغير على سبيل
الضراعة، وذكر الأزهري في تهذيبه عن المبرد وثعلب أن الشفاعة: الدعاء، والشفاعة؛ كلام
الشفيع للملك عند حاجة يسألها لغيره. وعن أبي الهيثم أنه قال: ((من يشفع شفاعة حسنة)).
أي: من يزدد عملاً إلى عمل، وفي (الجامع): الشفاعة الطلب من فعل الشفيع، وشفعت
لفلان إذا كان متوسلاً بك فشفعت له، وأنت شافع له وشفيع. وقال ابن دقيق العيد: الأقرب
أن اللام، فيها للعهد، والمراد: الشفاعة العظمى في إراحة الناس من هول الموقف، ولا
خلاف في وقوعها. وقيل: الشفاعة التي اختص بها أنه لا يرد فيما يسأل، وقيل: الشفاعة
لخروج من في قلبه ذرة من إيمان من النار. وقيل: في رفع الدرجات في الجنة. وقيل: قوم
استوجبوا النار فيشفع في عدم دخولهم إياها. وقيل: إدخال قوم الجنة بغير حساب. وهي
أيضاً مختصة به عَّ اله. قوله: ((وبعثت إلى الناس عامة)) أي: لقومه ولغيرهم من العرب والعجم
والأسود والأحمر، قال الله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلاَّ كافة للناس﴾ [سبأ: ٢٨].
ذكر استنباط الأحكام: الأول: ما قاله ابن بطال: فيه دليل أن الحجة تلزم بالخبر كما
تلزم بالمشاهدة، وذلك أن المعجزة باقية مساعدة للخبر مبينة له دافعة لما يخشى من آفات
الأخبار، وهي القرآن الباقي، وخص الله سبحانه وتعالى نبيه عَّ له ببقاء معجزته لبقاء دعوته
ووجوب قبولها على من بلغته إلى آخر الزمان.
الثاني: فيه ما خصه الله به من الشفاعة، وهو أنه لا يشفع في أحد يوم القيامة إلاَّ شفع
فيه، كما ورد ((قل يسمع، إشفع تشفع)). ولم يعط ذلك مَن قبله من الأنبياء عليهم السلام.
الثالث: في قوله: ((فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل))، يعني؛ يتيمم ويصلي، دليل
على تيمم الحضري إذا عدم الماء وخاف فوت الصلاة، وعلى أنه لا يشترط التراب، إذ قد
تدركه الصلاة في موضع من الأرض لا تراب عليها، بل رمل أو جص أو غيرهما. وقال
النووي احتج به مالك وأبو حنيفة في جواز التيمم بجميع أجزاء الأرض. وقال أبو عمر: أجمع
العلماء على أن التيمم بالتراب ذي الغبار جائز، وعند مالك يجوز بالتراب والرمل والحشيش
والشجر والثلج والمطبوخ كالجص والآجر. وقال الثوري والأوزاعي: يجوز بكل ما كان على
الأرض حتى الشجر والثلج والجمد، ونقل النقاش عن ابن علية وابن كيسان جوازه بالمسك
والزعفران، وعن إسحاق منعه بالسباخ، ويجوز عندنا بالتراب والرمل والحجر الأملس المغسول
والجص والنورة والزرنيخ والكحل والكبريت والتوتيا والطين الأحمر والأسود والأبيض
والحائط المطين والمخصص والياقوت والزبرجد والزمرد والبلخش والفيروزج والمرجان
والأرض الندية والطين الرطب. وفي (البدائع): ويجوز بالملح الجبلي، وفي قاضيخان: لا
يصح على الأصح، ولا يجوز بالزجاج، ويجوز بالآجر في ظاهر الرواية وشرط الكرخي أن
يكون مدقوقاً. وفي (المحيط)، لا يجوز بمسبوك الذهب والفضة، ويجوز بالمختلط بالتراب
إذا كان التراب غالباً، وبالخزف إذا كان من طين خالص. وفي المرغيناني: يجوز بالذهب
والفضة والحديد والنحاس وشبهها ما دام على الأرض، وذكر الشاشي في (الحلية): لا يجوز

١٦
٧ - كتاب التيمم/ باب (٢)
التيمم بتراب خالطه دقيق أو جص، وحكى وجه آخر: أنه يجوز إذا كان التراب غالباً. ولا
يصح التيمم بتراب يستعمل في التيممٍ، وعند أبي حنيفة: ويجوز، وهو وجه لبعض أصحابنا،
ومذهب الشافعي وأحمد: لا يجوز إلاّ بالتراب الذي له غبار، واحتجا بحديث حذيفة عند
مسلم: ((وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً وجعلت تربتها لنا طهوراً)). وأجيب: عن هذا بقول
الأصيلي: تفرد أبو مالك بهذه اللفظة، وقال القرطبي، ولا يظن أن ذلك مخصص له، فإن
التخصيص إخراج ما تناوله العموم عن الحكم، ولم يخرج هذا الخبر شيئاً، وإنما عين واحداً
مما تناوله الاسم الأول مع موافقته في الحكم، وصار بمثابة قوله تعالى: ﴿فيهما فاكهة ونخل
ورمان﴾ [الرحمن: ٦٨] وقوله تعالى: ﴿من كان عدواً الله وملائكته ورسله وجبريل وميكال﴾
[البقرة: ٩٨] فعين بعض ما تناوله اللفظ الأول مع الموافقة في المعنى على جهة التشريف،
وكذلك ذكر التربة في حديث حذيفة. ويقال: الاستدلال بلفظ التربة على خصوصية التيمم
بالتراب ممنوع، لأن تربة كل مكان ما فيه من تراب وغيره، وقال بعضهم: وأجيب: بأنه ورد
في الحديث المذكور بلفظ: التراب، أخرجه ابن خزيمة وغيره، وفي حديث علي: ((جعل
التراب لي طهوراً) أخرجه أحمد والبيهقي بإسناد حسن، والجواب عنه ما ذكرناه الآن، على
أن تعيين لفظ التراب في الحديث المذكور لكونه أمكن وأغلب لا لكونه مخصوصاً به، على
أنا نقول: التمسك باسم الصعيد، وهو وجه الأرض وليس باسم التراب فقط، بل هو وجه
الأرض وليس التراب فقط، بل هو وجه الأرض تراباً كان أو صخراً لا تراب عليه أو غيره.
الرابع: فيه أن الله تعالى أباح الغنائم للنبي عَِّ ولأمته كما ذكرنا.
٢ - بابُ إِذَا لَمْ يَجِدْ ماءً ولاَ تُرَاباً
أي: هذا باب يذكر فيه إذا لم يجد الرجل ماء ليتوضأ به ولا تراباً ليتيمم به، وجواب:
إذا محذوف تقديره: هل يصلي بلا وضوء ولا تيمم أم لا؟ وفيه: مذاهب للعلماء على ما
نذكره عن قريب إن شاء الله تعالى.
وجه المناسبة في تقديم هذا الباب على بقية الأبواب، بعد ذكر كتاب التيمم، هو أنه
صدر أولاً بذكر مشروعية التيمم عند عدم الماء، ثم ذكر بعده حكم من لم يجد ماءً ولا
تراباً، هذا على تقدير كون هذا الباب في هذا الموضع، وفي بعض النسخ ذكر بعد قوله:
كتاب التيمم باب التيمم في الحضر، ثم ذكر بعده باب: إذا لم يجد ماءً ولا تراباً، فعلى
هذا المناسبة بين البابين من حيث إنه ذكر أولاً حكم التيمم في السفر، ثم ذكر حكمه في
الحضر، ثم ذكر حكم عادم الماء والتراب معاً، وهو على الترتيب كما ينبغي، ولم يتعرض
لمثل هذه النكتة أحد من الشراح.
٣٣٦/٣ - حدّثنا زَكَرِيَّاءُ بنُ يَحْتَى قَالَ حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ ثُمَيْرٍ قالَ حدّثنا هِشامُ بنُ
عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ منْ أسْماءَ قِلاَدَةً فَهَلَكَتْ فَبَعَثَ رسولُ اللَّهِ عَ لَّه رَبجلاً
فَوَجَدَها فَأَدْرَ كَتْهُمُ الصَّلاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمْ ماءٌ فَصَلَّوْا فَشَكَوْا ذَلِكَ إلى رسولِ اللهِ عَ لِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ

١٧
٧ - كتاب التيمم/ باب (٢)
آيَةَ التَّيَمُّم فقالَ أُسَيْدُ بنُ حُضَيرٍ لِعَائِشَةَ جَزَّاكِ اللَّهُ خَيْراً فَوَاللَّهِ ما نَزَلَ بِكِ أمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إلاَّ جَعَلَ
اللَّهُ ذَلِكَ لَكِ وَلِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْراً. [انظر الحديث: ٣٣٤ وأطرافه].
وجه مطابقة الحديث للترجمة ظاهر في قوله: ((فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء)).
وأما وجه زيادة قوله في الترجمة: ولا تراباً، فهو أنهم لما صلوا بلا وضوء ولم يتيمموا أيضاً لعدم
علمهم به، فكأنهم لم يجدوا ماءً ولا تراباً، إذ كان حكمه حكم العدم عندهم، فصاروا كأنهم لم
يجدوا ماءً ولا تراباً. فإن قلت: روى الطحاوي من حديث عروة عن عائشة قالت: ((أقبلنا مع النبي
عَّةٍ، من غزوة كذا، حتى إذا كنا بالمعرس، قريباً من المدينة، نعست من الليل، وكانت عليَّ
قلادة تدعى السمط، تبلغ السرة، فجعلت أنعس فخرجت من عنقي، فلما نزلت مع النبي عَّةٍ،
لصلاة الصبح قلت: يا رسول الله خرت قلادتى، فقال للناس: إن أمكم قد ضلت قلادتها فابتغوها،
فابتغاها الناس ولم يكن معهم ماء، فاشتغلوا بابتغائها إلى أن حضرتهم الصلاة، ووجدوا القلادة ولم
يقدروا على ماء، فمنهم من تيمم إلى الكف، ومنهم من تيمم إلى المنكب، وبعضهم تيمم على
جلدة، فبلغ ذلك رسول الله عَّ فأنزلت آية التيمم)). انتهى. وقد قلت: إنهم لم يتيمموا، وهذا
الحديث فيه تصريح بأنهم تيمموا. قلت: هذا التيمم المختلف فيه عندهم كلا تيمم لعدم
نزول النص حينئذٍ، فصار كأنهم صلوا بغير طهور، ويؤيد ذلك ما رواه الطبراني في (الكبير)
من حديث هشام بن عروة عن أبيه: ((عن عائشة أنها استعارت قلادة من أسماء، فسقطت من
عنقها فابتغوها فوجدوها، فحضرت الصلاة فصلوا بغير طهور))، الحديث.
وقوله: ((بغير طهور))، يتناول الماء والتراب، فدل هذا أن التيمم الذي تيمموا على
اختلاف صفته كان حكمه حكم العدم، ألا يرى أنه لو كان معتبراً به ومعتداً قبل نزول الآية
لما سأل عمار رضي الله تعالى عنه، الذي هو أحد من تيمم ذلك التيمم المختلف فيه،
رسول الله صَّ اللّه
عَةٍ، عن صفة التيمم، فسؤاله هذا إنما كان بعد تيممه بذلك التيمم المختلف
فيه. فإن قلت: هذا التيمم المختلف فيه هل هو عملوه باجتهاد ورأي من عندهم أم بالسنة؟
قلت: الظاهر أنه كان باجتهاد منهم، فيرجع هذا إلى المسألة المختلف فيها، وهي أن
الاجتهاد في عصره عَّلَّه هل يجوز أم لا؟ فمنهم من جوزه مطلقاً، وهو المختار عند
الأكثرين، ومنهم من منعه مطلقاً. وقالت طائفة: يجوز للغائبين عن الرسول عّ لّ دون
الحاضرين، ومنهم من جوزه إذا لم يوجد مانع.
ذكر رجاله وهم خمسة: الأول: زكريا بن يحيى، هكذا وقع في جميع الروايات:
زكريا بن يحيى، من غير ذكر جده ولا نسبه ولا بشيء هو مشتهر به، والحال أنه روى عن
اثنين كل منهما يقال له زكريا بن يحيى: أحدهما: زكريا بن يحيى بن صالح اللؤلؤي البلخي
الحافظ المتوفى ببغداد سنة ثلاثين ومائتين، والآخر: زكريا بن يحيى بن عمر الطائي الكوفي،
أبو السكين، بضم السين المهملة وفتح الكاف، مات ببغداد سنة إحدى وخمسين ومائتين،
وكلاهما يرويان عن عبد الله بن نمير، فزكريا هذا يحتملهما، فأياً كان منهما فهو على شرطه.
قال الكرماني: فلا يوجب الاشتباه بينهما قدحاً في الحديث وصحته، وميل الغساني
عمدة القاري / ج ٤ /م٢
!
1

١٨
٧ - كتاب التيمم/ باب (٢)
والكلاباذي إلى الأول. قال الغساني: حدث البخاري عن زكريا البلخي في التيمم وفي غيره،
وعن زكريا بن سكين في العيدين. وقال الكلاباذي: البلخي يروي عن عبد الله بن نمير في
التيمم. انتهى. وقال ابن عدي: هو زكريا بن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وإلى هذا مال
الدارقطني لأنه كوفي.
الثاني: عبد الله بن نمير، بضم النون: الكوفي.
الثالث: هشام بن عروة.
الرابع: أبوه عروة بن الزبير.
الخامس: عائشة رضي الله تعالى عنها.
ذكر لطائف إسناده. فيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع. وفيه: العنعنة في
موضعين. وفيه: أن رواته ما بين كوفي ومدني.
ذكر بقية ما فيه من المعاني وغيرها: قوله: ((من أسماء))هي أخت عائشة رضي الله
تعالى عنها، وهي الملقبة بذات النطاقين، تقدمت في باب من أجاز الفتيا بإشارة. فإن قلت:
قالت عائشة في الباب السابق: انقطع عقد لي، ويفهم من هذا أنه كان لعائشة، وههنا أنها
استعارته من أسماء. قلت: إنما أضافته إلى نفسها هناك باعتبار أنه كان تحت يدها وتصرفها.
قوله: ((فهلكت))، أي: ضاعت. قوله: ((رجلاً) هو أسيد بن حضير. قوله: ((فوجدها)) أي:
أصابها، ولا منافاة بين قولها فيما مضى: فأصبنا العقد تحت البعير، وبين قوله: ((فوجدها» لأن
لفظ: أصبنا، عام يشمل عائشة والرجل، فإذا وجد الرجل بعد رجوعه صدق قوله: ((أصبنا)).
قوله: ((فصلوا)) أي بغير وضوء. وقد صرح في صحيح مسلم بذلك.
قال النووي فيه دليل على أن من عدم الماء والتراب يصلي على حاله، وهذه المسألة
فيها خلاف، وهو أربعة أقوال: وأصحها: عند أصحابنا: أنه يجب عليه أن يصلي ويعيد
الصلاة. والثاني: أنه لا يجب عليه الصلاة، ولكن يستحب، ويجب عليه القضاء سواء صلى
أو لم يصل. والثالث: تحرم عليه الصلاة لكونه محدثاً، وتجب عليه الإعادة، وهو قول أبي
حنيفة رضي الله تعالى عنه. والرابع: تجب الصلاة ولا تجب الإعادة، وهو مذهب المزني،
وهو أقوى الأقوال دليلاً. ويعضده هذا الحديث، فإنه لم ينقل عن النبي عَ ◌ّه إيجاب إعادة
مثل هذه الصلاة. وقال ابن بطال: الصحيح من مذهب مالك أنه لا يصلي ولا إعادة عليه،
قياساً على الحائض. وقال أبو عمر: قال ابن خواز منداد: الصحيح من مذهب مالك أن كل
من لم يقدر على الماء، ولا على الصعيد حتى خرج الوقت أنه لا يصلي، ولا شيء عليه.
ورواه المدنيون عن مالك وهو الصحيح.
قال أبو عمر: كيف أقدم على أن أجعل هذا صحيحاً وعلى خلافه جمهور السلف
وعامة الفقهاء وجماعة المالكيين؟ فكأنه قاسه على ما روي عن مالك فيمن كتفه الوالي
وحبسه فمنعه من الصلاة حتى خرج وقتها. أنه لا إعادة عليه، ثم قال: والأسير المغلول،

١٩
٧ - كتاب التيمم/ باب (٣)
والمريض الذي لا يجد من يناوله الماء ولا يستطيع التيمم لا يصلي، وإن خرج الوقت، حتى
يجد إلى الوضوء أو التيمم سبيلاً. وعن الشافعي روايتان. إحداهما: هكذا، والأخرى: يصلي
وأعاد إذا قدر، وهو المشهور عنه. وقال أبو حنيفة، في المحبوس في المصر إذا لم يجد ماءً
ولا تراباً نظيفاً: لم يصل، وإذا وجده صلى. وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي والثوري
ومطرف: يصلي ويعيد. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والشافعي: إن وجد المحبوس
في المصر تراباً نظيفاً صلى وأعاد. وقال زفر: لا يتيمم ولا يصلي، وإن وجد تراباً نظيفاً، بناء
على أن عنده لا تيمم في الحضر. وقال ابن القاسم: لو تيمم على التراب النظيف أو على
وجه الأرض لم يكن عليه إعادة إذا صلى ثم وجد الماء. وقال أبو عمر: أما الزَّمِن، قالوا: إن
لم يقدر على الماء ولا على الصعيد صلى كما هو وأعاد إذا قدر على الطهارة.
٣ - بابُ التَّيمُّمِ في الحَضَرِ إِذَا لَمْ يَجِدِ الماءَ وَخافَ فَوْتَ الصَّلاةِ
أي: هذا باب في بيان حكم التيمم في الحضر إلى آخره، ذكر قيدين: أحدهما.
فقدان الماء، والآخر: خوفه خروج وقت الصلاة، ويدخل في فقدان الماء عدم القدرة عليه
وإن كان واجداً نحو ما إذا وجده في بئر وليس عنده آلة الاستقاء، أو كان بينه وبينه سبع أو
عدو.
والمناسبة بين البابين من حيث إن الباب الأول كان في عادم الماء في السفر، وهذا
في عادم الماء في الحضر، وجواب: إذا، محذوف يدل على ما تقدمه، تقديره: إذا لم يجد
الماء وخاف فوت وقت الصلاة يتيمم.
وَبِهِ قالَ عَطاءٌ.
أي: وبما ذكر من أن فاقد الماء في الحضر الخائف فوت الوقت يتيمم. قال عطاء بن
أبي رباح: وقال بعضهم: أي بهذا المذهب. قلت: المعنى الذي يستفاد من التركيب ما
ذكرته، ولا يرد عليه شيء، وهذا التعليق رواه ابن أبي شيبة في (مصنفه) موصولاً عن عمر
عن ابن جريج عن عطاء. قال: ((إذا كنت في الحضر وحضرت الصلاة وليس عندك ماء
فانتظر الماء، فإن خشيت فوت الصلاة فتيمم وصلِّ)). وقال الكرماني: وبقول عطاء قال
الشافعي. قلت: مذهبنا جواز التيمم لعادم الماء في الأمصار، ذكره في (الأسرار). وفي (شرح
الطحاوي): التيمم في المصر لا يجوز إلاّ في ثلاث. إحداها: إذا خاف فوت صلاة الجنازة
إن توضأ. والثانية: عند خوف فوت صلاة العيد. والثالثة: عند خوف الجنب من البرد بسبب
الاغتسال. وقال الإمام التمرتاشي: من عدم الماء في المصر لا يجوز له التيمم لأنه نادر.
قلت: الأصل جواز التيمم لعادم الماء، سواء كان في المصر أو خارجه لعموم النصوص، وفي
(كتاب الأحكام) لابن بزيزة؛ الحاضر الصحيح يعدم الماء، هل يتيمم أو لا؟ قالت طائفة:
يتيمم، وهو مذهب ابن عمر وعطاء والحسن وجمهور العلماء، وقال قوم من العلماء: لا
يتيمم؛ وعن أبي حنيفة يستحب لعادم الماء وهو يرجوه أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت ليقع

٢٠
٧ - كتاب التيمم/ باب (٣)
الآداء بأكمل الطهارتين. وعن محمد: إن خاف فوت الوقت يتيمم. وفي (شرح الأقطع):
التأخير عن أبي حنيفة ويعقوب حتم، كأنه يشير إلى ما رواه الدارقطني من حديث أبي
إسحاق عن علي رضي الله عنه: ((إذا أجنب الرجل في السفر تلوم ما بينه وبين آخر الوقت،
فإن لم يجد الماء تيمم ثم صلى)). وقال ابن حزم: وبه قال سفيان بن سعيد وأحمد بن حنبل
وعطاء. وقال مالك: لا يعجل ولا يؤخر، ولكن في وسط الوقت. وقال مرة: إن أيقن بوجود
الماء قبل خروج الوقت أخره إلى وسط الوقت، وإن كان موقناً أنه لا يجد الماء حتى يخرج
الوقت فيتيمم في أول الوقت ويصلي. وعن الأوزاعي. كل ذلك سواء. وعند مالك: إذا وجد
الحاضر الماء في الوقت هل يعيد أم لا؟ فيه قولان في (المدونة) وقيل: إنه يعيد أبداً.
وقالَ الحَسَنُ فِي الْمَرِيضِ عِنْدَهُ الْمَاءُ وَلاَ يَجِدُ مَنْ يُنَاوِلُهُ يَتَمَّمُ.
أي: الحسن البصري، رضي الله عنه. قوله: ((الماء)) في بعض النسخ: ماء، بلا لام.
قوله: ((من يناوله) أي: يعطيه ويساعده على استعماله. وجاز عند الشافعي: وإن وجد من يناوله
بالمرض الذي يخاف من الغسل معه محذوراً، ولا يجب عليه القضاء. قوله: ((يتيمم))، وفي
بعضها: ((تيمم))، على صيغة الماضي، وروى ابن أبي شيبة في (مصنفه): عن الحسن وابن
سيرين قالا: ((لا يتيمم ما رجى أن يقدر على الماء في الوقت))، وهذا في المعنى ما ذكره
البخاري معلقاً.
وَأَقْبَلَ ابنُ عُمَرَ منْ أَرْضِهِ بِالْجرِفِ فَحَضَرَتِ العَصْرُ بِمَرْبَدِ النَّعَمِ فَصَلَّى ثُمَّ دَخَلَ
المَدِينَةَ والشَّمشُ مرْتَفِعَةٌ فَلَمْ يُعِدْ.
الكلام فيه على أنواع.
الأول: أن هذا التعليق في موطأ مالك: ((عن نافع أنه أقبل هو وعبد الله من الجرف
حتى إذا كانا بالمدينة نزل عبد الله فتيمم صعيداً طيباً، فمسح وجهه ويديه إلى المرفقين ثم
صلى))، رواه الشافعي عن سفيان بن عيينة عن ابن عجلان عن نافع عن ابن عمر بلفظ: ((ثم
صلى العصر ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة فلم يعد الصلاة)). قال الشافعي: والجرف
قريب من المدينة. ورواه البيهقي من حديث عمرو بن محمد بن أبي رزين: حدّثنا هشام بن
حسان عن عبيد الله عن نافع عن عبد الله: ((أن النبي عَّهِ تيمم وهو ينظر إلى بيوت المدينة
بمكان يقال له: مربد النعم))، ثم قال: تفرد عمر بن محمد بإسناده هذا، والمحفوظ عن نافع
عن ابن عمر من فعله، وفي (سنن الدارقطني) قال: حدّثنا ابن صاعد حدّثنا ابن زنبور حدّثنا
فضيل بن عياض عن ابن عجلان عن نافع أن ابن عمر تيمم وصلى وهو على ثلاثة أميال أو
ميلين من المدينة. وفي حديث يحيى بن سعيد عن نافع: تيمم عبد الله على ثلاثة أميال أو
ميلين من المدينة. وفي خبر عمر بن زرارة من طريق موسى بن ميسرة عن ابن عمر مثله.
النوع الثاني: أن البخاري ذكر هذا معلقاً مختصراً ولم يذكر فيه التيمم، مع أنه لا
يطابق ترجمة الباب إلاّ به. وقال بعضهم: لم يظهر لي سبب حذفه قلت: الذي يظهر لي أن