Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
٦ - كتاب الحيضٍ / باب (٦)
كانوا أو غير ذلك، قال الأزهري: أخبرني المنذر عن أحمد بن يحيحى، قال: المعشر والنفر
والقوم والرهط، هؤلاء معناهم: الجمع لا واحد لهم من لفظهم للرجال دون النساء، وعن
الليث: المعشر كل جماعة أمرهم واحد، وهذا هو الظاهر، وقول أحمد بن يحيى مردود
بالحديث، ويجمع على معاشر. قوله: ((اللعن)) في اللغة الطرد والإبعاد من الخير، واللعنة
والاسم، ومعناه: أنهن يتلفظن باللعنة كثيراً. قوله: ((ويكفرن)) من الكفر وهو الستر، وكفران
النعمة وكفرها سترها بترك أداء شكرها، والمراد يجحدن نعمة الزوج يستقللن ما كان منه.
قوله: ((العشير)) هو: الزوج سمي بذلك لمعاشرته إياها. وفي (الموعب) لابن التياني: عشيرك
الذي يعاشرك أيديكم وأمركما واحد، لا يكادون يقولون في جمعه عشراء ولكنهم، معاشروك
وعشيرون. وقال بعضهم: هم عشراؤك. وقال الفراء: يجمع العشير على عشراء، مثل: جليس
وجلساء، وإن العرب لتكرهه كراهة أن يشاكل قولهم، ناقة عشراء، والعشير: الخليط،
والعشير: الصديق والزوج وابن العم. قوله: ((عقل)) العقل في اللغة ضد، الحمق، وعن
الأصمعي: هو مصدر: عقل الإنسان يعقل، وعن ابن دريد، اشتق من عقال الناقة، لأنه يعقل
صاحبه عن الجهل، أي: يحبسه ولهذا قيل: عقل الدواء بطنه، أي أمسكه، وفي (العين)
عقلت بعد الصبا، أي: عرفت بعد الخطأ الذي كنت فيه، واللغة الغالبة، عقل، وقالوا: عقل
يعقل مثل حكم يحكم وهو المعقول وقال ابن الانباري العاقل الجامع لامره ورأيه وفي تهذيب
الازهري العاقل الذي يحبس نفسه ويردها عن هواها، أخذاً من قولهم: اعتقل لسانه إذا حبس،
ومنع من الكلام. وفي (المخصص) قال سيبويه، قالوا: العقل، كما قالوا: الظرف، أدخلوه في
باب عجز، لأنه مثله، والعقل من المصادر المجموعة من غير أن تختلف أنواعها. وقال أبو
علي: العقل والحجى، والنهي، كلها متقاربة المعاني، وعن الأصمعي: هو الإمساك عن القبيح
وقصر النفس وحبسها على الحسن، وقالوا: عاقل وعقلاء وهو: الحلم واللب والحجر والعظم
والمحت والمرجح والحول والخوف والذهن والهرمان والحصاة، وفي (المحكم) وجمعه
عقول. وقال القزاز: مسكنه عند قوم في الدماغ، وعند آخرين في القلب الأول قول أبي
حنيفة، والثاني قول الشافعي. وقيل: مسكنه الدماغ وتدبيره في القلب. قلت: وعن هذا قالوا:
العقل جوهر خلقه الله في الدماغ وجعل نوره في القلب، تدرك به المغيبات بالوسائط
والمحسوسات بالمشاهدة، وعند المتكلمين، العقل العلم، وقيل: بعض العلوم هي الضرورية،
وقيل: قوة يميز بها حقائق المعلومات، وفي كتاب (الحدود) لأبي علي بن سينا، هو اسم
مشترك لمعان عدة: عقل لصحة الفطرة الأولى في الناس، وهو قوة يميز بها بين الأمور القبيحة
والحسنة، وعقل لما يكتسبه بالتجارب بين الأحكام تكون مقدمة يحصل بها الأغراض
والمصالح، وعقل لمعنى آخر، وهذه هيئة محمودة للإنسان في حركاته وكلامه، وأما
الحكماء فقد فرقوا بينه وبين العلم، وقالوا: العقل النظري والعملي، وبالفعل والفعال، وتحقيقه
في كتبهم، وإنما سمي: العقل، عقلاً من قولهم: ظبي عاقل، إذا امتنع في أعلى الجبل، يسمى
هذا به لأنه في أعلى الجسد بمنزلة الذي في أعلى الجبل. وقيل: العاقل: الجامع لأموره
عمدة القاري / ج٢٦٢/٣
i
i
هرة
i

٤٠٢
٦ - كتاب الحيض / باب (٦)
برأيه، مأخوذ من قولهم: عقلت الفرس إذا جمعت قوائمه وحكى ابن التين عن بعضهم: أن
المراد من العقل الدية، لأن ديتها على النصف من دية الرجل. قلت: ظاهر الحديث يأباه.
بيان إعرابه قوله: ((إلى المصلى)) يتعلق بقوله: ((خرج)). قوله: ((يتصدقن)) مقول
القول، والفاء، في: فإني، للتعليل. قوله: ((أريتكن)) بضم الهمزة وكسر الراء على صيغة
المجهول، والمعنى أراني الله إياكن أكثر أهل النار، وقال صاحب (التوضيح) أكثر، بنصب
الراء على أن أريت، يتعدى إلى مفعولين. أو على الحال إذا قلنا أن أفعل لا يتعرف بالإضافة،
كما صار إليه الفارسي وغيره وقيل: إنه بدل من الكاف في: أريتكن. انتهى. قلت: نقل هذا
من صاحب (التلويح) وليس كذلك، بل قوله: أريتكن متعد إلى ثلاثة مفاعيل: الأول التاء التي
هي مفعول ناب عن الفاعل. والثاني :. قوله: ((كنَّ)). والثالث :. قوله: ((أكثر أهل النار)) فإن
قلت: في أين أريهن أكثر أهل النار؟ قلت: في ليلة الإسراء، وعن ابن عباس، رضي الله تعالى
عنهما، بلفظ ((أريت النار فرأيت أكثر أهلها النساء)) فإن قلت: ورد في الحديث، قال: لكل
رجل زوجتان من الآدميين. قلت: لعل هذا قبل وقوع الشفاعة. قوله: ((وبم يا رسول الله)) قال
بعضهن: الواو، استئنافية. قلت: للعطف على مقدر تقديره، ما ذنبنا، وبم، الباء للسبيبة، وكلمة
ما استفهامية. وقال الكرماني: حذفت ألفها تخفيفاً. قلت: يجب حذف ألف، ما الاستفهامية
إذا جرت، وإبقاء الفتحة دليل عليها ونحوها، إلاَّمَ، وَعَلاَمَ، وعلة حذف الألف، الفرق بين
الاستفهام والخبر، فلهذا حذفت في نحو: ﴿فيم أنت من ذكراها﴾ [النحل: ٣٥] ﴿فناظرة بم
يرجع المرسلون﴾ [النازعات: ٤٣] وأما قراءة عكرمة وعيسى: ﴿عما يتساءلون﴾ [النبأ: ١]
فنادر. قوله: ((تكثرن اللعن)) في مقام التعليل، وكان المعنى: لأنكن تكثرن اللعن، الإكثار، قال
الطيبي: الجواب من الأسلوب الحكيم لأن قوله: ((ما رأيت)) إلخ زيادة، فإن قوله: ((تكثرن
اللعن وتكفرن العشير)) جواب تام، فكأنه من باب الاستتباع، إذ الذم بالنقصان استتبع للذم
بأمر آخر غريب، وهو كون الرجل الكامل الحازم منقاداً للنساء الناقصات عقلاً وديناً. قوله:
(من ناقصات عقل)) صفة موصوف محذوف أي: ما رأيت أحداً من ناقصات. قوله: ((أذهب))
أفعل التفضيل من الإذهاب، هذا على مذهب سيبويه حيث جوز بناء أفعل التفضيل من الثلاثي
المزيد فيه، وكان القياس فيه أشد إذهاباً.
بقية ما فيه من المعاني والأسئلة والأجوبة قوله: ((قلن وما نقصان ديننا)) ويروى:
((فقلن)) بالفاء، وهذا استفسار منهن عن وجه نقصان دينهن وعقلهن، وذلك لأنه خفى عليهن
ذلك حتى استفسرن. وقال بعضهم: ونفس هذا السؤال دال على النقصان لأنهن سلمن ما
نسب إليهن من الأمور الثلاثة: الإكثار والكفران والإذهاب، ثم استشكلن كونهن ناقصات.
قلت: هذا استفسار وليس باستشكال، لأنهن بعد أن سلمن هذه الأمور الثلاثة، لا يكون
عليهن إشكال، ولكن لما خفي سبب نقصان دينهن وعقلهن سألن عن ذلك بقولهن: ما
نقصان ديننا وعقلنا، والتسليم بهذه الأمور كيف يدل على النقصان، وبَيَّنَ، عليه الصلاة
والسلام، ما خفي عليهن من ذلك بقوله: ((أليس شهادة المرأة)) إلى آخره؟ وهذا جواب منه،

٤٠٣
٦ - كتاب الحيضٍ / باب (٦)
عليه الصلاة والسلام، بلطف وإرشاد من غير تعفيف ولا لوم، بحيث خاطبهن على قدر
فهمهن، لأنه عَّ الله أمر أن يخاطب الناس على قدر عقلوهم، قول النووي: وأما وصفه النساء
بنقصان الدين لتركهن الصلاة والصوم فقد يستشكل معناه وليس بمشكل، فإن الدين والإيمان
والإسلام مشترك في معنى واحد، فإن من كثرت عبادته زاد إيمانه ودينه، ومن نقصت عبادته
نقص دينه. قلت: دعواه الاشتراك في هذه الثلاثة غير مسلمة، لأن بينها فرق لغةً وشرعاً،
وقوله: زاد إيمانه ونقص، ليس براجع إلى الذات، بل هو راجع إلى الصفة كما تقرر هذا في
موضعه. قوله: ((أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل)) إشارة إلى قوله تعالى:
﴿فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء﴾ [البقرة: ٢٨٢] فإن قلت: النكتة في تعبيره بهذه
العبارة ولم يقل: أليس شهادة المرأتين مثل شهادة الرجل؟ قلت: لأن في عبارته تلك تنصيصاً
على النقص صريحاً. بخلاف ما ذكرت، فإنه يدل عليه ضمناً فافهم، فإنه دقيق فإن قلت:
أليس ذلك ذماً لهن؟ قلت: لا وإنما هو على معنى التعجب بأنهن مع اتصافهن بهذه الحالة
يفعلن بالرجل الحازم كذا وكذا، فإن قلت: هذا العموم فيهن يعارضه قوله عَّلَّهِ: ((كمل من
الرجل كثير، ولم يكمل من النساء إلاَّ مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم)) وفي رواية
أربع، وهو ما رواه الترمذي، وأحمد من حديث أنس: رضي الله تعالى عنه، قال: ((قال النبي
عَّلم حسبك من نساء العالمين بأربع: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت
خويلد، وفاطمة بنت محمد عَ لَّه))، قلت: أجاب بعضهم بأن الإفراد خرج عن ذلك لأنه نادر
قليل، والجواب السديد في ذلك هو أن الحكم على الكل بشيء لا يستلزم الحكم على كل
فرد من أفراده بذلك الشيء، وقال النووي: ونقص الدين قد يكون على وجه يأثم به، كمن
ترك الصلاة بلا عذر، وقد يكون على وجه لا يأثم له، كمن ترك الجمعة بعذر، وقد يكون
على وجه هو مكلف به كترك الحائض الصلاة والصوم. فإن قيل: فإذا كانت معذورة، فهل
تثاب على ترك الصلاة في زمن الحيض؟ وإن كانت لا تقضيها كما يثاب المريض، ويكتب
له في مرضه مثل نوافل الصلوات التي كان يفعلها في صحته. والجواب أن ظاهر هذا
الحديث أنها لا تثاب، والفرق أن المريض كان يفعلها بنية الدوام عليها مع أهليته لها،
والحائض ليست كذلك، بل نيتها ترك الصلاة في زمن الحيض، وكيف لا وهي حرام عليها؟
قلت: ينبغي أن يثاب على ترك الحرام. قوله: ((فذلك)) إشارة إلى ما ذكر من قوله: ((أليس
شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل)). قوله: ((فذلك)) بكسر الكاف، خطاباً للواحدة التي
تولت الخطاب، ويجوز فتح الكاف على أنه للخطاب العام.
بيان استنباط الأحكام: وهو على وجوه: الأول: فيه استحباب خروج الإمام مع القوم
إلى مصلى العيد في الجبانة لأجل صلاة العيد، ولم يزل الصدر الأول كانوا يفعلون ذلك، ثم
تركه أكثرهم لكثرة الجوامع، ومع هذا فإن أهل بلاد شتى لم يتركوا ذلك. الثاني: فيه
الحث على الصدقة لأنها من أفعال الخيرات والميراث فإن الحسنات يذهبن السيئات، ولا
سيما في مثل يوم العيدين لاجتماع الأغنياء والفقراء، وتحسر الفقراء عند رؤيتهم الأغنياء
i
i
i
i

٤٠٤
٦ - كتاب الحيضٍ / باب (٦)
وعليهم الثياب الفاخرة، ولا سيما الأيتام الفقراء والأرامل الفقيرات، فإن الصدقة عليهم في
مثل هذا اليوم مما يقلل تحسرهم وهمهم، وأما تخصيصه، عَِّ النساء في ذلك اليوم، حيث
أمرهن بالصدقة فلغلبة البخل عليهن، وقلة معرفتهن بثواب الصدقة وما يترتب عليها من
الحسن والفضل في الدنيا قبل يوم الآخرة. الثالث: فيه جواز خروج النساء أيام العيد إلى
المصلى للصلاة مع الناس. وقالت العلماء: كان هذا في زمنه عَّهِ، وأما اليوم فلا تخرج
الشابة ذات الهيئة، ولهذا قالت عائشة، رضي الله تعالى عنها لو رأى رسول الله، عَ هم ما
أحدث النساء بعده لمنعهن المساجد، كما منعت نساء بني إسرائيل. قلت: هذا الكلام من
عائشة بعذر من يسير جداً بعد النبي عَ له، وأما اليوم فنعوذ بالله من ذلك، فلا يرخص في
خروجهن مطلقاً للعيد وغيره، ولا سيما نساء مصر، على ما لا يخفى. وفي (التوضيح) رأى
جماعة ذلك حقاً عليهن، يعني: في خروجهن للعيد منهم: أبو بكر وعلي وابن عمر وغيرهم،
ومنهم من منعهن ذلك، منهم: عروة والقاسم ويحيى بن سعيد الأنصاري ومالك وأبو يوسف،
وأجازه أبو حنيفة مرة ومنعه أخرى، ومنع بعضهم في الشابة دون غيرها، وهو مذهب مالك
وأبي يوسف، وقال الطحاوي: كان الأمر بخروجهن أول الإسلام لتكثير المسلمين في أعين
العدو. قلت: كان ذلك لوجود الأمن أيضاً، واليوم قلَّ الأمنُ، والمسلمون كثير، ومذهب
أصحابنا في هذا الباب ما ذكره صاحب (البدائع) أجمعوا على أنه لا يرخص للشابة الخروج
في العيدين والجمعة وشيء من الصلوات، لقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ في بيوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:
٣٣] ولأن خروجهن سبب للفتنة وأما العجائز فيرخص لهن الخروج في العيدين، ولا خلاف
أن الأفضل أن لا يخرجن في صلاة ما، فإذا خرجن يصلين صلاة العيد، في رواية الحسن عن
أبي حنيفة، وفي رواية أبي يوسف عنه، لا يصلين، بل يكثرن سواد المسلمين وينتفعن
بدعائهم، وفي حديث أم عطية، قالت: ((كان رسول الله عَّ لم يخرج العواتق ذوات الخدور
والحيض في العيد، وأما الحيض فيعتزلن المصلى ويشهدن الخير ودعوة المسلمين» أخرجه
البخاري ومسلم وقال، عليه الصلاة والسلام: ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)) أخرجاه وفي
رواية أبي دواد: ((وليخرجن ثقلات غير عطرات))، العوائق: جمع عاتق، وهي البنت التي بلغت
وقيل: التي لم تتزوج، والخدور جمع: خدر، وهو الستر، وفي (شرح المهذب) للنووي: يكره
للشابة ومن تشتهي الحضور ولخوف الفتنة عليهن وبهن. الرابع: فيه جواز عظة النساء على
حدة، وهذه للإمام، فإن لم يكن فلنائبه. الخامس: فيه إشارة إلى الإغلاظ في النصح بما
يكون سبباً لإزالة الصفة التي تعاب أو الذنب الذي يتصف به الإنسان، السادس: فيه أن لا
يواجه بذلك الشخص المعين، فإن في الشمول تسلية وتسهيلاً. السابع: فيه أن الصدقة تدفع
العذاب وأنها تكفر الذنوب. الثامن: فيه أن جحد النعم حرام، وكفران النعمة مذموم. التاسع:
فيه أن استعمال الكلام القبيح: كاللعن والشتم حرام، وأنه من المعاصي: فإن داوم علیه صار
كبيرة، واستدل النووي على أن اللعن والشتم من الكبائر بالتوعد عليهما بالنار. العاشر: فيه ذم
الدعاء باللعن لأنه دعاء بالإبعاد من رحمة الله تعالى. قالوا: إنه محمول على ما إذا كان على
١

٠٠٠٠
٤٠٥
٦ - كتاب الحيضٍ / باب (٧)
معين. الحادي عشر: فيه إطلاق الكفر على الذنوب التي لا تخرج عن الملة تغليظاً على
فاعلها. الثاني عشر: فيه إطلاق الكفر على غير الكفر بالله. الثالث عشر: فيه مراجعة
المتعلم والتابع المتبوع والمعلم فيما قاله إذا لم يظهر له معناه. الرابع عشر: فيه تنبيه على
أن شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل. الخامس عشر: قال الخطابي: فيه دليل على أن النقص
من الطاعات نقص من الدين. قلت: لا ينقص من نفس الدين شيء وإنما النقص أو الزيادة
يرجعان إلى الكمال. السادس عشر: فيه دلالة على أن ملاك الشهادة العقل. السابع عشر:
فيه نص على أن الحائض يسقط عنها فرض الصوم والصلاة. الثامن عشر: فيه الشفاعة
للمساكين وغيرهم أن يسأل لهم. التاسع عشر: فيه حجة لمن كره السؤال لغيره. العشرون:
فيه ما دل على ما كان عليه النبي عَّه، من الخلق العظيم والصفح الجميل والرأفة والرحمة
على أمته، عليه أفضل الصلوات وأشرف التحيات.
· جوة
٧ - بابُ تَقْضي الحَائِضُ المَنَاسِكَ كُلَّها إلاَّ الطَّوافَ بِالبَيْتِ
باب منون لأنه مقطوع عما بعده أي: هذا باب فيه بيان أن المرأة إذا حاضت بعد
الإحرام تقضي أي: تؤدي جميع المناسك كلها إلاَّ أنها لا تطوف بالبيت. والمناسك: جمع
منسك، بفتح السين وكسرها، وهو التعبد ويقع على المصدر والزمان والمكان وسمت أمور
الحج كلها مناسك الحج، وسئل ثعلب عن المناسك، ما هو؟ فقال: هو مأخوذ من النسيكة
وهو سبيكة الفضة المصفاة كأنه صفى نفسه لله تعالى. وفي (المطالع) المناسك مواضع
متعبدات الحج، والمنسك المذبح أيضاً، وقد نسك ينسك نسكاً إذا ذبح، والنسكة الذبيحة،
وجمعها: نسك والنسك أيضاً الطاعة والعبادة، وكل ما تقرب به إلى الله تعالى: والنسك: ما
أمرت به الشريعة والورع، وما نهت عنه، والناسك العابد، وجمعه النساك.
والمناسبة بين البابين ظاهرة، لأن في الأول ترك الحائض الصوم، وهو فرض، وفي
هذا تركها الطواف الذي هو ركن، وهو أيضاً فرض، وبقية الطواف كالركعتين بعده أيضاً لا
تعمل إلاَّ بالطهارة، وهل هي شرط في الطواف، أم لا، فيه خلاف مشهور.
وقالَ إبْرَاهِيمُ لا بَأْسَ أنْ تَقْرَأَ الآيَةَ
وجه تطابق هذا الأثر للترجمة والآثار التي بعده من حيث أن الحيض لا ينافي كل
عبادة، بل صحت معه عبادات بدنية من الأذكار نحو: التسبيح والتحميد والتهليل، ونحو
ذلك، وقراءة ما دون الآية عند جماعة والآية عند إبراهيم، ومناسك الحج كذلك من جملة ما
لا ينافيه الحيض إلاَّ الطواف، فإنه مستثنى من ذلك، فمن هذا الوجه طابق هذا الأثر للترجمة،
وكذلك الآثار التي تأتي، وحكم الجنب كحكم الحائض فيما ذكرنا، وإذا وجد التطابق
بأدنى شيء يكتفى به، والتطويل فيه يؤول إلى التعسف.
قوله: ((قال إبراهيم) هو: إبراهيم النخعي. قوله: ((لا بأس)) أي: لا حرج أن تقرأ أي:
i
F
i

١٠
٦ - كتاب الحيضٍ / باب (٧)
٤٠٦
الحائض الآية من القرآن، وقد وصله الدارمي بلفظ أربعة لا يقرؤون القرآن: الجنب والحائض
وعند الخلاء وفي الحمام إلاّ آية وعن إبراهيم فيه أقوال: في قول: يستفتح رأس الآية ولا
يتمها، وهو قول عطاء وسعيد بن جبير، لما روى ابن أبي شيبة حدّثنا أبو خالد الأحمر عن
حجاج عن عطاء، وعن حماد عن إبراهيم وسعيد بن جبير في الحائض والجنب: يستفتحون
رأس الآية ولا يتمون آخرها. وفي قول: يكره قراءة القرآن للجنب، وروى ابن أبي شيبة:
حدّثنا وكيع عن شعبة بن حماد أن سعيد بن المسيب قال: يقرأ الجنب القرآن قال: فذكرته
لإبراهيم فكرهه. وفي قول: يقرأ ما دون الآية ولا يقرأ آية تامة وروى ابن أبي شيبة حدّثنا
وكيع عن مغيرة عن إبراهيم قال: يقرأ ما دون الآية: ولا يقرأ آية تامة وفي قوله: يقرأ القرآن ما
لم يكن جنباً، وحدّثنا وكيع عن شعبة عن حماد عن إبراهيم عن عمر قال: تقرأ الحائض
القرآن.
وَلَمْ يَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالقِرَاءَةِ لَلْجُنُبٍ بَأْساً
هذا الأثر وصله ابن المنذر بلفظ: أن ابن عباس كان يقرأ ورده وهو جنب. وقال ابن
أبي شيبة: حدّثنا الثقفي عن خالد عن عكرمة عن ابن عباس أنه كان لا يرى بأساً أن يقرأ
الجنب الآية والآيتين، وكان أحمد يرخص للجنب أن يقرأ الآية ونحوها، وبه قال مالك: وقد
حكى عنه أنه قال: تقرأ الحائض ولا يقرأ الجنب لأن الحائض إذا لم تقرأ نسيت القرآن، لأن
أيام الحائض تتطاول ومدة الجنابة لا تطول.
وكانَ النَّبِيُّ عَِّ يَذْكُرُ اللّهَ عَلَى كُلِّ أَخْيَانِهِ
هذا حديث أخرجه مسلم في صحيحه من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: يروى
على كل أحواله وأراد البخاري بإيراد هذا، وبما ذكره في هذا الباب، الاستدلال على جواز
قراءة الجنب والحائض، لأن الذكر أعم من أن يكون بالقرآن أو بغيره، وبه قال الطبري وابن
المنذر وداود.
وقالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ كُنَّا نُؤْمَرُ أنْ يَخْرُجَ الحُيَّضُ فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ وَيَدْعُونَ
هذا التعليق وصله البخاري في أبواب العيدين في أيام التكبير: أيام منى، وإذا غدا إلى
عرفة حدّثنا محمد، قال حدّثنا عمر بن حفص، قال: حدّثنا أبي عن عاصم عن حفصة عن أم
عطية، رضي الله تعالى عنها، قالت: ((كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد، حتى تخرج البكر من
خدرها، وحتى تخرج الحيض، فيكنَّ خلف الناس فيكبّرنَ بتكبيرهم، ويدعونَ بدعائهم
يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته))، ورواه أيضاً في باب خروج النساء الحيض إلى المصلى
على ما يأتي بيانه، إن شاء الله تعالى.
ووجه الاستدلال به ما ذكرناه من أنه لا فرق بين الذكر والتلاوة، لأن الذكر أعم. وقال
جدة
/١٢/١٠
٩
٢٫٧٧٧

٤٠٧
٦ - كتاب الحيضٍ / باب (٧)
بعضهم: ويدعون، كذا لأكثر الرواة، وللكشميهني: يدعين، بياء تحتانية بدل الواو. قلت: هذا
الذي ذكره مخالف لقواعد التصريف، لأن هذه الصيغة معتل الأم من ذوات الواو، ويستوى
فيها لفظ جماعة الذكور والإناث في الخطاب والغيبة جميعاً.
وفي التقدير مختلف، فوزن الجمع المذكر: يفعلون، ووزن الجمع المؤنث يفعلن،
وسيأتي مزيد الكلام في موضع، إن شاء الله تعالى.
i
وقالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَخْبَنِي أَبُو سُفْيَانَ أنَّ هِرَقْلَ دَعَا بِكِتَابِ النَّبِيِ عَِّ فَقَرَأَ فَإِذَا فِيهِ بِسْمِ اللّهِ
الرَّحْمن الرَّحِيمِ و﴿يَا أَهْلَ الكِتابِ تَعَالُوا إلى كَلِمَةٍ﴾ الآيَّةَ [آل عمران: ٦٤]
i
هذا قطعة من حديث أبي سفيان في قصة هرقل: وقد وصله البخاري في بدء الوحي
وغيره، وقال: حدّثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، قال: أخبرنا شعيب عن الزهري، قال: أخبرني
عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عبد الله بن عباس أخبره ((أن أبا سفيان بن حرب
أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش إلى أن قال: ثم دعا بكتاب رسول الله عز له
الذي بعث به دحية الكلبي إلى عظيم بصرى، فدفعه إلى هرقل فقرأه، فإذا فيه بسم الله
الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع
الهدى أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت
فعليك إثم الأريسين. ﴿يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألّ نعبد إلا الله ولا
نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا
مسلمون﴾ [آل عمران: ٦٤].
وجه الاستدلال به أنه عَّ لل كتب إلى الروم وهم كفار، والكافر جنب، كأنه يقول: إذا
جاز مس الكتاب للجنب مع كونه مشتملاً على آيتين، فكذا يجوز له قراءته، والحاصل أن
رسول الله عَّ له بعث للكفار القرآن مع أنهم غير ظاهرين، فجوز مسهم وقراءتهم له، فدل على
جواز القراءة للجنب.
وقالَ عَطَاءٌ عَنْ جابرِ حاضَتْ عَائِشَةُ فَنَسَكَتِ المَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ الطَّوافِ بِالبَيْتِ ولا تُصَلّي
عطاء هو ابن أبي رباح، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وهذا قطعة من حديث ذكره
البخاري موصولاً في كتاب الأحكام في باب قول النبي عَّهِ: ((لو استقبلت من أمري ما
استدبرت)) حدّثنا الحسن بن عمر حدّثنا يزيد عن حبيب عن عطاء عن جابر بن عبد الله قال:
((كنا مع رسول الله عَ ليه فلبينا بالحج وقدمنا مكة إلى أن قال: وكانت عائشة قدمت مكة
وهي حائض، فأمرها النبي عَِّ أن تنسك المناسك كلها غير أنها لا تطوف ولا تصلي حتى
تطهر)) الحديث.
قوله: ((فنسكت))، بفتح السين، والمعنى: قامت بأمور الحج كلها غير الطواف بالبيت
i
i

٤٠٨
٦ - كتاب الحيضٍ / باب (٧)
والصلاة، وقال صاحب (التلويح) وتبعه صاحب (التوضيح) قوله: ((ولا تصلي)) يحتمل أن
يكون من كلام عطاء، أو من كلام البخاري، والله أعلم.
وقالَ الحَكَمُ إِنِّي لأَذْبَحُ وَأَنَّا جُنُبٌّ وقالَ اللهُ: ﴿ولا تْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُنْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ﴾
[الأنعام: ١٢١]
الحكم: بفتح الحاء المهملة وفتح الكاف ابن عتيبة، بضم العين المهلمة وفتح التاء
المثناة من فوق وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة، الكوفي، وقد تقدم في باب
السمر بالعلم، وهذا التعليق وصله البغوي في (الجعديات) من روايته عن علي بن الجعد عن
شعبة عنه. قوله: ((إني لأذبح)) أي: إني لأذبح الذبيحة والحال أني جنب، ولكن لا بد أن
أذكر الله تعالى بحكم هذه الآية وهي: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام:
١٢١] وأراد بهذا أن الذبح مستلزم شرعاً لذكر الله بمقتضى هذه الآية، فدل على أن الجنب
يجوز له التلاوة.
واعلم أن البخاري ذكر في هذا الباب ستة من الآثار إلى هنا، واستدل بها على جواز
قراءة الجنب القرآن، وفي كل ذلك مناقشة، ورد عليه الجمهور بأحاديث وردت بمنع الجنب
عن قراءة القرآن.
ومنها: حديث علي، رضي الله تعالى عنه، أخرجه الأربعة، فقال أبو داود: حدّثنا
حفص بن عمر، قال: أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة، قال: دخلت على
علي رضي الله تعالى عنه، أنا ورجلان: رجل منا ورجل من بني أسد، أحسب فبعثهما علي
بعثاً وقال: إنكما علجان فعالجان عن دينكما، ثم قام فدخل المخرج، ثم خرج فدعا بماء
فأخذ منه حفنة فتمسح بها ثم جعل يقرأ القرآن، فأنكروا ذلك، فقال: ((إن رسول الله عَ لّمل
كان يجيء من الخلاء فيقرأ بنا القرآن ويأكل معنا اللحم لا يحجزه عن القرآن شيء ليس
الجنابة)). فإن قلت: ذكر البزار أنه لا يروى عن علي إلاَّ حديث عمرو بن مرة عن عبد الله بن
سلمة، وحكى البخاري: عن عمرو بن مرة، كان عبد الله، يعني ابن سلمة يحدّثنا، فنعرف
وننكر، وكان قد كبر ولا يتابع في حديثه، وذكر الشافعي هذا الحديث، وقال: وإن لم يكن
أهل الحديث يثبتونه. وقال البيهقي: وإنما توقف الثاني في ثبوت هذا الحديث لأن مداره
على عبد الله بن سلمة الكوفي، وكان قد كبر وأنكر من حديثه وعقله بعض النكرة، وإنما
روى هذا الحديث بعد كبر. قاله شعبة، وذكر الخطابي أن الإمام أحمد كان يوهن حديث
علي هذا، ويضعف أمر عبد الله بن سلمة وذكره ابن الجوزي في (الضعفاء والمتروكين) وقال
النسائي: يعرف وينكر. قلت: الترمذي لما أخرجه قال: حديث حسن صحيح، وصححه ابن
حبان أيضاً، وقال الحاكم في عبد الله بن سلمة، أنه غير مطعون فيه. وقال العجلي: تابعي
ثقة. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. قوله: لا يحجزه، بالزاي المعجمة، أي: ویروی،
بالراء المهملة، بمعناه ويروى: لا يحجبه، بمعناه أيضاً. ومنها: حديث ابن عمر، أخرجه الترمذي

٤٠٩
٦ - كتاب الحيضٍ / باب (٨)
وابن ماجة عن إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة عن ابن عمر، قال: قال رسول الله
عَّالله: ((لا يقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن))، وضعف هذا الحديث بإسماعيل بن
عياش قال البيهقي: روايته عن أهل الحجاز ضعيفة لا يحتج بها، قاله أحمد ويحيى وغيرهما
من الحفاظ. ومنها: حديث جابر، رواه الدارقطني في (سننه) من حديث محمد بن الفضل
عن أبيه عن طاوس عن جابر مرفوعاً نحوه، ورواه ابن عدي في (الكامل) وأعله بمحمد بن
الفضل وأغلظ في تضعيفه عن البخاري والنسائي وأحمد وابن معين. قلت: وربما يعتضدان
بحديث علي المذكور، ولم يصح عن البخاري في هذا الباب حديث، فلذلك ذهب إلى
جواز قراءة الجنب والحائض أيضاً واستدل على ذلك بما صح عنده وعند غيره من حديث
عائشة الذي رواه مسلم الذي ذكر عن قريب، قال الطبري في (كتاب التهذيب) الصواب أن
ما روي منه عليه الصلاة والسلام، من ذكر الله على كل أحيانه وأنه كان يقرأ ما لم يكن
جنباً أن قراءته طاهراً اختيار منه لأفضل الحالتين والحالة الأخرى أراد تعليم الأمة، وأن ذلك
جائز لهم، غير محظور عليهم ذكر الله وقراءة القرآن.
E
٣٠٥/١٠ - حدثنا أَبُو نُعَيْم قالَ حدّثنا عَبْدُ العَزِيرِ بنُ أبي سَلَمَةً عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
القاسِمِ عَنْ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قالَتْ خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ عَّ له لاَ نَذْكُرُ إِلَّ الحَجَّ فَلَمَّا جِئْنَا
سَرِفََ طِمِثْتُ فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبيُّ عَّهِ وَأَنَّا أَبْكِي فَقالَ مَا يُنْكِيكِ قُلْتُ لَوَدِدْتُ واللَّهِ أَنِّي لَمْ أَحُجّ
العَامَ قالَ ((لَعَلَّكِ نُفِسْتِ)) قُلْتُ نَعَمْ قالَ («فإنَّ ذَلِكِ شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ فَافْعَلِي مَا
يَفْعَلُ الحَاجُ غَيْرَ أَنْ لاَ تَطُوفِي بالبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي)). [انظر الحديث ٢٩٤ وأطرافه].
هذا الحديث قد تقدم في أول كتاب الحيض عن علي بن عبد الله المديني عن
سفيان عن عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم، وأخرجه أيضاً في الأضاحي عن قتيبة وعن
مسدد، وشرحناه هناك مستوفي.
قوله: ((سرف)) بفتح السين وكسر الراء اسم موضع بالقرب من مكة قولها: ((طمثت))
بفتح الميم وكسرها: أي حضت.
٨ - بابُ الاسْتِحَاضَةِ
أي: هذا باب في بيان حكم الاستحاضة، وهي جريان دم المرأة من فرجها في غير
أوانه، ويخرج من عرق يقال له: العادل، بالعين المهملة. والذال المعجمة.
والمناسبة بين البابين ظاهرة، لأن الحيض والاستحاضة من أحكام المرأة.
٣٠٦/١١ - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قالَ أخبرنا مالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ
عَنْ عَائِشَةَ أَنَّها قالَتْ قَالَتْ فاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشِ لرسولِ اللَّهِ عَ لّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَا أَطْهُرُ
أَفَأَدَعُ الصَّلاةَ فَقالَ رسولُ اللَّهِ عَ لِ: ((إِنَّمَا ذَلِكَ عِزْقٌ وَلَيْسَ بِالخَيْضَةِ فَإِذَا أَقْبَلَتِ الخَيْضَةُ
فَاتْرُكِي الصَّلاَةَ فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُها فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصلِّي)). [انظر الحديث ٢٢٨ وأطرافه].
(١

٤١٠
٦ - كتاب الحيضِ / باب (٨)
مطابقته للترجمة ظاهرة، لأنه في حكم الاستحاضة، ومر هذا الحديث في باب غسل
الدم، وصرح فيه بالاستحاضة، وذلك في رواية أبي معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن
عائشة، قالت: ((جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي عَّه فقالت ((يا رسول الله إني امرأة
أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟)) الحديث.
رجاله قد تقدموا مراراً. وفيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، والإخبار
كذلك، وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع، وهشام بن عروة بن الزبير، وحبيش، بضم الحاء
المهملة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره شين معجمة، وقد مر
الكلام فيه مستوفى في باب غسل الدم، ونذكر هاهنا غير ما ذكرنا هناك.
قوله: ((وصلي) أي: بعد الاغتسال، كما سيأتي التصريح به في باب إذا حاضت في
شهر ثلاث حيض، وفي لفظ: ((فدعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها)) وفي رواية
ابن منده من جهة مالك: ((دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي
وصلي)) وفي لفظ: ((ثم توضئي لكل صلاة)) وعند أبي داود من حديث عائشة: ((أن أم حبيبة بنت
جحش استحيضت سبع سنين، فاستفتت النبي عَّله في ذلك فقال رسول الله عَّه: ((إن هذه
ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق فاغتسلي وصلي))، وكانت تغتسل في مركن في حجرة أختها
زينب بنت جحش حتى تعلو حمرة الدم على الماء. وعنده أيضاً من حديث عائشة: ((أن سهلة
بنت سهيل استحيضت، فأتت النبي عَّ له فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة، فلما جهدها ذلك
أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل، والمغرب والعشاء بغسل وتغتسل للصبح)) وعنده من
حديث عائشة أيضاً قالت: ((استحيضت امرأة على عهد رسول الله عَ ليه فأمرت أن تعجل العصر
وتؤخر الظهر وتغتسل لهما غسلاً، وأن تؤخر المغرب وتعجل العشاء وتغتسل لهما غسلاً وتغتسل
لصلاة الصبح)) وعنده من حديث عائشة في المستحاضة: ((تغتسل مرة واحدة ثم تتوضأ إلى أيام
إقرائها)) وفي لفظ: ((فاجتنبي الصلاة، إثر محيضك ثم اغتسلي وتوضئي، لكل صلاة، وإن قطر
الدم على الحصير)) وعند أبي عوانة الإسفرائني ((فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم)) وعند
الترمذي مصححاً: ((توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت))، وعند الإسماعيلي: ((فإذا أقبلت
الحيضة فلتدع الصلاة، وإذا أدبرت فلتغتسل ولتتوضأ لكل صلاة))، وعند الطحاوي مرفوعا:
((فاغتسلي لطهرك وتوضئي عند كل صلاة)) وعند الدارمي: ((فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم
وتوضئي وصلي)) قال هشام: وكان أبي يقول: تغتسل غسل الأول، ثم ما يكون بعد ذلك فإنها
تطهر وتصلي، وعند أحمد: ((اغتسلي وتوضئي لكل صلاة وصلي))، وقال الشافعي: ذكر الوضوء
عندنا غير محفوظ، ولو كان محفوظاً لكان أحب إلينا من القياس، وفي (التمهيد) رواه أبو حنيفة
عن هشام مرفوعاً كرواية يحيى عن هشام سواء، قال فيه: ((وتوضئي لكل صلاة))، وكذلك رواه
حماد بن سلمة عن هشام مثله، وحماد في هشام ثقة ثبت.
واعلم أن وطء المستحاضة جائز في حال جريان الدم عند جمهور العلماء، حكاه ابن
المنذر، وعن ابن عباس وابن المسيب والحسن وعطاء وسعيد بن جبير وقتادة وحماد بن أبي

٤١١
٦ - كتاب الحيضٍ / باب (٩)
سليمان وبكر المزني والأوزاعي والثوري ومالك وإسحاق وأبي ثور وهو مذهب أبي حنيفة
والشافعي تعلقا بما في كتاب أبي داود بسند حبید أن حمنة كانت مستحاضة، و کان زوجها
يأتيها، قال ابن المنذر: وروينا عن عائشة أنها قالت: لا يأتيها زوجها، وبه قال النخعي
والحكم وسليمان ابن يسار والزهري والشعبي وابن علية وكرهه ابن سيرين، وقال أحمد لا
يأتيها إلاَّ أن يطول ذلك بها، وفي رواية: لا يجوز وطؤها إلاّ أن يخاف زوجها العنت، وعن
منصور، تصوم ولا يأتيها زوجها ولا تمس المصحف وتصلي ما شاءت من الفرائض والنوافل.
وحدة
جوة
وفي وجه للشافعية: لا تستبيح النافلة أصلاً، ومذهب الشافعي: أنها لا تصلي بطهارة
واحدة أكثر من فريضة واحدة مؤداة أو مقضية وحكي ذلك عن عروة والثوري وأحمد وأبي ثور،
وقال أبو حنيفة طهارتها مقدرة في الوقت فتصلي في الوقت بطهارتها الواحدة ما شاءت، وقال
مالك وربيعة وأبو داود: دم الاستحاضة لا ينقض الوضوء فإذا طهرت فلها أن تصلي بطهارتها ما
شاءت من الفرائض والنوافل إلاَّ أن تحدث بغير الاستحاضة، ويصح وضؤوها لفريضة قبل دخول
وقتها، خلافاً للشافعي، ولا يجب عليها الاغتسال لشيء من الصلاة ولا في وقت من الأوقات إلاَّ
مرة واحدة إلاّ في وقت انقطاع حيضها، وبه قال جمهور العلماء، وهو مروي عن علي وابن مسعود
وابن عباس وعائشة، رضي الله تعالى عنهم، وهو قول عروة وأبي سلمة ومالك وأبي حنيفة وأحمد.
وروي عن ابن عمر وعطاء بن أبي رباح وابن الزبير أنهم قالوا: يجب عليها أن تغتسل لكل صلاة،
وروي أيضاً عن علي وابن عباس وعن عائشة أنها قالت: تغتسل كل يوم غسلاً واحداً وعن ابن
المسيب والحسن، تغتسل من صلاة الظهر إلى صلاة الظهر.
٠٠٠٠
فائدة: كان في زمن رسول الله عَ لِّ جماعة من النساء مستحاضات، منهن: أم حبيبة
بنت جحش وسيأتي حديثها وزينب أم المؤمنينُ وأسماء أخت ميمونة لأمها وفاطمة بنت أبي
حبيش، وحمنة بنت جحش، ذكرها أبو داود، وسهلة بنت سهيل ذكرها أيضاً، وكذا زينب
بنت جحش وسودة بنت زمعة ذكرها العلاء بن المسيب عن الحكم عن أبي جعفر بن
محمد بن علي بن حسين، وزينب بنت أم سلمة ذكرها الإسماعيلي في جمعه لحديث يحيى
ابن أبي كثير، وأسماء بنت مرشد الحارثية ذكرها البيهقي، وبادية بنت غيلان، ذكرها ابن
الأثير. قلت: هي الثقفية التي قال عنها: هيت المخنث: تقبل بأربع وتدبر بثمان، تزوجها عبد
الرحمن بن عوف، وأبوها أسلم وتحته عشرة نسوة.
٩ - بابُ غَسْلِ دَمِ المَحِيضِ
أي: هذا باب في في بيان غسل دم الحيض، وفي نسخة دم المحيض، وفي بعضها
دم الحائض، وقد ذكر في كتاب الوضوء، باب غسل الدم وهو أعم من هذه الترجمة.
المناسبة بين البابين ظاهرة لا تخفى.
١٢/ ٣٠٧ - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بُنُ يُوسُفَ قالَ أخْبَرنا مالِكٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ فاطِمَةَ بِنْتِ
٦/٠

٤١٢
٦ - كتاب الحيضٍ / باب (٩)
المُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أبي بَكْرِ أنها قالَتْ سَأَلَتِ امْرَأَةً رسولَ اللَّهِ عَ لِّ فقالَتْ يا رسولَ اللَّهِ
أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا إِذَا أَصَابَ ثَوْبَها الدَّمُ مِنَ الحَيْضَةِ كَيْفَ تَصْنَعُ فِقالَ رسولُ اللَّهِ عَ لّهِ: ((إِذَا
أَصَابَ ثَوْبَ إِحْدَاكُنَّ الدَّمُ مِنَ الخَيَضَةِ فَلْتَقْرُضِهُ ثُمَّ لَتَنْضَخْهُ بِمَاءٍ ثُمَّ لتُصَلِّ فِيهِ). [انظر
الحديث ٢٢٧].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
بيان رجاله وهم خمسة: فالثلاثة الأول هم المذكورون بأعيانهم في صدر سند
الحديث في الباب الذي قبله، ومتن هذا الحديث ذكره في باب غسل الدم، فقال: حدّثنا ابن
المثنى، قال: حدّثنا يحيى عن هشام، قال: حدثتني فاطمة عن أسماء قالت: ((جاءت امرأة إلى
النبي عَ ل فقالت)) الحديث.
ورجال هذا الحديث مدنيون ما خلا عبد الله بن يوسف وقد استوفينا الكلام فيه هناك
بجميع أنواعه.
٣٠٨/١٣ - حدّثنا أصَبَغُ قال أخْبَرَنِي ابنُ وَهبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَمْرِو بْنُ الحارِثِ عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القاسِم حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قالَتْ كانَتْ إِحْدَانَا تَحيضُ ثُمَّ تَقْتَرِصُ الدَّمَ
مِنْ ثَوْبِها عِنْدَ طُهْرِها فَتَغْسِلُهِ وَتَنْضَحُ عَلَى سائِرِهِ ثُمَّ تُصَلِي فِيهِ.
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة.
بيان رجاله: وهم ستة: الأول: أصبغ بن الفرج الفقيه المصري. الثاني: عبد الله بن
وهب المصري. الثالث: عمرو بن الحارث المصري، وتقدموا في باب المسح على الخفين.
الرابع: عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه.
الخامس: أبوه القاسم. السادس: عائشة أم المؤمنين، رضي الله تعالى عنها.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، وبصيغة الإفراد
في موضعين. وفيه: الإخبار بصيغة الإفراد في موضع واحد. وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه:
أن الرواة الثلاثة الأول مصريون، والثلاثة الباقية مدنيون. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن
الصحابية.
وأخرج ابن ماجة هذا الحديث في الطهارة عن حرملة بن يحيى عن ابن وهب عن
عمرو بن الحارث به.
ذكر بقية الكلام قولها: ((كانت إحدانا)) أي: نحن زوجات النبي عَ لّهِ: ومعناه أنهن
كن يصنعن ذلك في زمانه عَ له: وبهذا المعنى يكون حكم هذا الحديث الرفع، ويؤيده
حديث أسماء الذي قبله، وقال ابن بطال: حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، يفسر حديث
أسماء، والمراد بالنضح، في حديث أسماء، الغسل، وأما قول عائشة، ((وتنضح على سائره))،
فإنما فعلت دفعاً للوسوسة قولها: ((ثم تقترص) بالقاف والصاد المهملة على وزن تفتعل أي:
تغسله بأطراف أصابعها. وقال ابن الجوزي: معناه تقتطع كأنها تحوزه دون باقي المواضع:
٠جو

٤١٣
٦ - كتاب الحيضٍ / باب (١٠)
الأول أشبه بحديث أسماء لأن فيه: فلتقرص، بالقاف وضم الراء والصاد المهملة، ويروي هنا:
(ثم تقرص الدم من ثوبها) وإنما أمر النبي عَّ ◌ُلّر بالقرص لأن الدم وغيره مما يصيب الثوب إذا
قرص كان أحرى بأن يذهب أثره وينقى الثوب منه، لأنَّ القرص يكون بالإصبعين، وهو قلعه
وإزالته بهما، قولها: ((عند طهرها)) كذا في أكثر الروايات، وفي رواية المستملي والحموي:
«عند طهره)) أي: الثوب.
:
١٠ - بابُ الاعْتِكَافِ لِلْمُسْتَحاضَةِ
أي: هذا في بيان حكم المستحاضة إذا اعتكفت، وحكمه أنه يجوز وفي بعض النسخ
باب الاعتكاف للمستحاضة.
والمناسبة بين البابين ظاهرة، وقد ذكرنا أن الاعتكاف في اللغة هو، اللبث، والعكف
هو الحبس، وفي الشرع هو: اللبث في المسجد مع الصوم ونية الاعتكاف.
٣٠٩/١٤ - حدثنا إسحاقُ قالَ حدّثنا خالِدُ بْنُ عَبْدِ الله عَنْ خَالِدٍ عَنْ عِكْرَمَةَ عَنْ
عائِشَةَ أَنَّ النَّبيَّ عَ لِّ اعْتَكَفَ مَعَهُ بَعْضُ نِسَائِهِ وَهِيَّ مُسْتَحَاضَةُ تَرَى الدَّمَ فَرَّمَا وَضعَتِ الطَّسْتَ
تَحْتَها مِنَ الدَّمِ وَزَعَمَ عِكْرِمَةُ أنَّ عائِشَةَ رَأْتْ ماءَ العُصْفُرِ فقالَتْ كأَنَّ هَذَا شَيْءٌ كانَتْ فُلانَةُ
تَجدُهُ. [الحديث ٣٠٩ - أطرافه في: ٣١٠، ٣١١، ٢٠٣٧].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله وهم خمسة: الأول: إسحاق بن شاهين، بكسر الهاء، أبو بشر، بكسر الباء
وسكون الشين المعجمة، الواسطي، جاوز المائة. الثاني: خالد بن عبد الله الطحان أبو الهيثم
المتصدق بوزن نفسه الفضة ثلاث مرات. الثالث: خالد بن مهران الذي يقال له: الحذاء،
بالحاء المهملة والذال المعجمة المشددة. الرابع: عكرمة مولى ابن عباس. الخامس:
عائشة، رضي الله تعالى عنها.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة
مواضع. وفيه: أن رواته ما بين واسطي وبصري ومدني. وهو: عكرمة، والحذاء هو البصري،
ومدار هذا الحديث عليه.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضاً عن مسدد في هذا الباب
وأخرجه في الصوم، عن قتيبة عن زيد بن زريع، وأخرجه أبو داود في الصوم عن محمد بن
عيسى وقتيبة. وأخرجه النسائي في الاعتكاف عن قتيبة وأبي الأشعث العجلي ومحمد بن
عبد الله بن ربيع، وأخرجه ابن ماجة في الصوم عن الحسن بن محمد بن الصباح عن عفان
ابن مسلم، خمستهم عن يزيد بن زريع.
ذكر لغاته ومعانيه وإعرابه: قولها: ((بعض نسائه)) يرفع: لأنه فاعل اعتكف. قولها:
((وهي مستحاضة)) جملة إسمية وقعت حالاً ووجه التأنيث مع أن لفظة: هي، ترجع إلى لفظ
i

٢ الحج
٤١٤
٦ - كتاب الحيضٍ / باب (١٠)
بعض اكتساب المضاف التأنيث من المضاف إليه أو التأنيث باعتبار ما صدق عليه لفظ
البعض، وهو المراد، وإنما لحق تاء التأنيث في المستحاضة، وإن كانت المستحاضة من
خصائص النساء للإشعار بأن الاستحاضة حاصلة لها بالفعل. قولها: ((ترى الدم)) جملة من
الفعل والفاعل والمفعول، صفة لازمة للمستحاضة، وهو دليل على أن المراد أنها كانت في
حال الاستحاضة، لا أن من شأنها الاستحاضة، يعني: أنها مستحاضة بالفعل لا بالقول،
ويجوز أن تكون التاء لنقل اللفظ من الوصفية إلى الإسمية، وإنما لم يجز أن يقال
المستحيضة، على بناء المعلوم، لأن المتبع هو الاستعمال، وهو لم يستعمل إلاَّ مجهولاً،
كما في نحو: جنّ من الجنون. وقال الجوهري: استحيضت المرأة استمر بها الدم بعد
أيامها، فهي مستحاضة. فإن قلت: قال ابن الجوزي: ما عرفنا من أزواج النبي عَ ◌ٍّ من كانت
مسحاضة، قال: والظاهر أن عائشة رضي الله تعالى عنها، أشارت بقولها: من نسائه، أي: من
النساء المتعلقات به، وهي أم حبيبة بنت جحش أخت زينب بنت جحش زوج النبي عَِّ،
كأن ابن الجوزي قد ذهل عن الروايتين في هذا الباب: إحداهما امرأة من أزواجه، والأخرى
كان بعض أمهات المؤمنين اعتكف وهي مستحاضة، على ما يأتيان عن قريب، وأيضاً فقد
يبعد أن يعتكف مع النبي عَِّ امرأة من غير زوجاته، وإن كان لها به تعلق، وذكر ابن عبد
البر أن بنات جحش الثلاثة كن مستحاضات، زينب أم المؤمنين، وحمنة زوج طلحة، وأم
حبيبة زوج عبد الرحمن بن عوف وهي المشهورة منهن، بذلك، وسيأتي حديثها.
ذكروا في هذه المبهمة، وهو قولها: ((بعض نسائه))، ثلاثة أقوال: فقيل: هي سودة
بنت زمعة. وقيل: رملة أم حبيبة بنت أبي سفيان. وقيل: زينب بنت جحش الأسدية أول من
مات من أزواج النبي عَّ له بعده، وأما على ما زعم ابن الجوزي من أن المسحاضة ليست من
أزواجه عَّ له فقد روى: فكانت زينب بنت أم سلمة أستحيضت وهي لها تعلق بالنبي عدّه،
لأنها ربيبته، ولكن هذا الحديث رواه أبو داود من حكاية زينب على غيرها، وهو الأشبه، فإن
زينب كانت صغيرة في زمنه عَّلَّه، لأنه دخل على أمها في السنة الثالثة وزينب ترضع. قولها:
((الطست)) أصله، الطس، بالتضعيف، فأبدلت إحدى السينين تاء للاستثقال، فإذا جمعت أو
صغرت ردت إلى أصلها فقلت: طساس وطسيس، وفي اللغة البلدية بالشين المعجمة، ويجمع
على طشوت. قولها: ((من الدم)) كلمة من ابتدائية أي: لأجل الدم، قاله الكرماني: قلت: من،
هنا للتعليل قولها: ((وزعم)) فعل ماض وفاعله، عكرمة، وهو بمعنى: قال قال الكرماني: أو لعله
ما ثبت صريح القول من عكرمة بذلك، بل علم من قرائن، الأحوال منه، فلهذا لم يسند القول
إليه صريحاً وهذا إما تعليق من البخاري، وإما من بعضهم: وزعم معطوف على معنى العنعنة،
أي: حدثني عكرمة بكذا وزعم كذا، وأبعد من زعم أنه معلق انتهى. قلت: هذا القائل يريد
بذلك الرد على الكرماني: فلا وجه لرده، لأن وجه الكلام هو الذي قاله: وتردد هذا الاحتمال
لا يدفع بقوله: وزعم، معطوف على معنى العنعنة، والعطف من أحكام الظواهر في الأصل.
قولها: (ماء العصفر))، بضم العين المهملة وبالفاء وسكون الصاد المهملة، وهو زهر القرطم،
ہےے
+ جو.

ا اني
٤١٥
٦ - كتاب الحيضٍ / باب (١١)
قولها: ((كأن)) بتشديد النون قبلها همزة. قولها: ((فلانة)) الظاهر: أنها هي المرأة التي ذكرت
قبل، وفلانة غير منصرف كناية عن اسمها، قال الزمخشري: فلان وفلانة كناية عن أسماء
الإناث، وإذا كنوا عن أعلام البهائم أدخلوا اللام فقالوا: الفلان والفلانة. قولها: تجده أي:
في زمن استحاضتها.
ومما يستنبط منه جواز اعتكاف المستحاضة، وجواز صلاتها لأن حالها حال
الطاهرات، وأنها تضع الطست لئلا يصيب ثوبها أو المسجد وأن دم الاستحاضة رقيق ليس
كدم الحيض، ويلحق بالمستحاضة ما في معناها كمن به سلس البول والمذي والودي، ومن
به جرح يسيل في جواز الاعتكاف.
٣١٠/١٥ - حدثنا قُتَيْبَةُ قالَ حدّثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع عَنْ خالِدٍ عَنْ عِكْرَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ
قالَتْ اعْتَكَفتْ مَعَ رسولِ اللَّهِ عَ لَّهِ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ فكَانَتْ تَرَى الدَّمَ والصُّفْرَةَ والطَّسْتُ
تَحْتُهَا وَهِيَ تُصَلِّي. [انظر الحديث ٣٠٩ وطرفيه].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ورجاله قد ذكروا غير مرة، وقتيبة، بضم القاف هو ابن سعيد، وخالد، هو الحذاء.
قولها: ((ترى الدم والصفرة)) كناية عن الاستحاضة. قولها: ((والطست تحتها)) جملة حالية،
وفي نسخة، بدون الواو، وهو جائز.
ومما يستنبط منه جواز الحدث في المسجد بشرط عدم التلويث.
٣١١/١٦ - حدثنا مُسَدَّدٌ قالَ حدّثنا مُعْتَمِرٌ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عِكْرِمَة عَنْ عَائِشَةَ أَنّ بَعْضَ
أُمَهَاتِ المُؤْمِنِينَ اعْتَكَفَتْ وَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ. [انظر الحديث ٣٠٩ وأطرافه].
· معتمر: بضم الميم الأولى وكسر الثانية ابن سليمان بن طرحان البصري، وخالد هو
الحذاء.
١١ _ بابٌ هَلْ تُصَلِّي المَرْأَةُ فِي ثَوْبٍ حَاضَتْ فِيهِ؟
باب: إنما يكون منوناً إذا كان خبر مبتدأ محذوف أي: هذا باب فيه هل تصلي المرأة
في ثوبها الذي حاضت فيه؟ وهل، استفهام استفسار، وسؤال، وجوابه محذوف تقديره يجوز،
أو نحو ذلك.
i
ولا يخفى وجه المناسبة بين البابين، لأن هذه الأبواب كلها فيما يتعلق بأحكام
الحيض.
١٧/ ٣١٢ - حدّثنا أَبُو نُعَيْم قالَ حدّثنا إبْرَاهِيمُ بْنُ نافِع عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح عَنْ مُجاهِدٍ
قالَ قالَتْ عَائِشَةُ ما كانَ الإِحْدانا إلاَّ ثَوْبٌ واحِدٌ تَحيضُ فِيهِ فإذا أصابَهُ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ قَالَتْ
برِيقِها فَقَصَّعَتْهُ بِظُفْرِها.
مطابقته لترجمة الباب من حيث أما من لم يكن لها إلاَّ ثوب واحد تحيض فيه لا شك
i
i
i
i

٤١٦
٦ - كتاب الحيضٍ / باب (١١)
أنها تصلي فيه، لكن بتطهيرها إياه، دل عليه قولها: ((فإذا أصابه شيء من دم إلخ)).
ذكر رجاله وهم خمسة: الأول: أبو نعيم الفضل بن دكين. الثاني: إبراهيم بن نافع
بالنون والفاء، المخزومي أوثق شيخ بمكة في زمانه الثالث: عبد الله بن أبي نجيح، واسم أبي
نجيح: يسار ضد اليمين، المكي. الرابع: مجاهد بن جبير، تكرر ذكره. الخامس: عائشة
رضي الله عنها.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين: وفيه: العنعنة في
موضعين: وفيه: القول. قيل هذا الحديث منقطع ومضطرب، أما الا نقطاع فإن أبا حاتم
ويحيى بن معين ويحيى بن سعيد القطان وشعبة وأحمد قالوا: إن مجاهداً لم يسمع من
عائشة، وأما الاضطراب فلرواية أبي داود له عن محمد بن كثير عن إبراهيم بن نافع عن
الحسن بن مسلم، بدل ابن أبي نجيح، ورد عليه بأن البخاري صرح بسماعه منها في غير
هذا الإسناد في عدة أحاديث، وكذا أثبت سماعه منها ابن المديني وابن حبان مع أن الإثبات
مقدم على النفي، أما الاضطراب الذي ذكره فهو ليس باضطراب لأنه محمول على أن
إبراهيم بن نافع سمعه من شيخين، وشيخ البخاري أبو نعيم أحفظ من شيخ أبي داود ومحمد
:ابن كثير، وقد تابع أبا نعيم، خالد بن يحيى وأبو حذيفة والنعمان بن عبد السلام فرجحت
روايته، والمرجوح لا يؤثر في الراجح.
والحديث أخرجه أبو داود أيضاً، فقال: حدّثنا محمد بن كثير، قال: أخبرنا إبراهيم بن
نافع قال: سمعت الحسن يعني أبا سليم يذكر عن مجاهد. قال: قالت عائشة: ما كان
لإحدانا إلاَّ ثوب واحد فيه تحيض فإذا أصابه شيء من دم بلته بريقها فمصعته بريقها.
ذكر ما فيه من المعنى والحكم قولها: ((لإحدانا)) أي: من زوجات النبي، عليه
الصلاة والسلام، قال الكرماني: ((فإن قلت:)) هذا النفي لا يلزم أن يكون عاماً لكلهن لصدقه
بانتفاء الثوب الواحد منهن. قلت: هو عام، إذ صدقه بانتفاء الثوب لكلهن وإلاّ لكان لإحداهن
الثوب فيلزم الخلف، ثم لفظ المفرد المضاف من صيغ العموم على الأصح. قوله: («تحيض
فيه)) جملة في محل الرفع على أنها صفة لثوب. قوله: ((قالت بريقها)) يعني: صبت عليه من
ريقها، وقد ذكرنا أن القول يستعمل في غير معناه الأصلي بحسب ما يقتضيه المقام أو
المعنى: بلته بريقها كما صرح به في رواية أبي داود. قوله: ((فمصعته بظفرها)) يعني فركته،
ومادته ميم وصاد وعين مهملتان وفي رواية: ((فقصعته)) بالقاف والصاد والعين المهملتين كما
في رواية أبي داود، ومعنى: قصعته دلكته به ومعنى قصع القملة، إذا شدخها بين أظفاره وأما
قصع الرطبة فهو بالفاء، وهو أن يأخذها بإصبعه فيغمزها أدنى غمز فتخرج الرطبة خالصة
قشرها، وقال ابن الأثير قصعته أي: دلكته بظفرها، وقال البيهقي: هذا في الدم اليسير الذي
يكون معفواً عنه وأما في الكثير منه، فصح عنها أنها كانت تغسله. قلت: هم لا يرون بأن
اليسير من النجاسات عفو، ولا يعفى عندهم منها عن شيء سواء كان قليلاً أو كثيراً، وهذا
لا يمشي إلاّ على مذهب أبي حنيفة، فإن اليسير عنده عفو، وهو ما دون الدرهم، فحينئذ

٤١٧
٦ - كتاب الحيضِ / باب (١٢)
الحديث حجة عليهم حيث اختصوا في إزالة النجاسة بالماء، لا يقال: إن هذا الحديث
معارض بحديث أم سلمة لأن فيه: ((فأخذت ثياب حيضتي))، وهو يدل على تعدد الثوب
لإمكان كون عدم التعدد فيه في بدء الإسلام، فإنهم كانوا حينئذ في شدة وقلة، ولما فتح الله
الفتوح واتسعت أحوالهم اتخذت النساء ثياباً للحيض سوى ثياب لباسهن، فأخبرت أم سلمة
عنه.
مما يستنبط منه: جواز إزالة النجاسة بغير الماء فإن الدم نجس وهو إجماع المسلمين
وإن إزالة النجاسة لا يشترط فيها العدد بل المراد الإنقاء.
١٢ - بابُ الَطِّيبِ لِلْمَزَةِ عِنْدَ غُسْلِهَا مِنَ الحَيْضِ
أي: هذا باب في بيان إباحة الطيب للمرأة عند غسلها من الحيض، وفي بعض النسخ
من المحيض.
وجه المناسبة بين البابين من حيث إن في الباب الأول إزالة الدم من الثوب، وهي
التنظيف والإنقاء، وفي هذا الباب، التطيب، وهو زيادة التنظيف.
i
٣١٣/١٨ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ قالَ حدّثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ
حَفْصَةَ قالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أوْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أَمِّ عَطِيَةً عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّلِ قَالَتْ كُنَّا
نُنَهَى أنْ نُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثَ إلاَّ عَلَى زَوْجِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً وَلا نَكْتَحِلَ وَلا نَتَطَيِّبَ
ولا نَلْبَسَ ثَوْباً مَصْبُوغاً إلاَّ ثَوْبَ عَصْبٍ وَقَدْ رُّخِّصَ لَنَا عِنْدَ الطُّهْرِ إِذَا اغْتَسَلَتْ إِخْدانَا مِنْ
مَحِيضِها في نُبذةٍ مِنْ كُسْتٍ أَظْفَارٍ وَكُنَّا تُنْهَى عَنُّ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ. [الحديث ٣١٣ - أطرافه
في: ١٢٧٨، ١٢٧٩، ٥٣٤، ٥٣٤١، ٥٣٤٢، ٥٣٤٣].
مطابقة هذا الحديث للترجمة في قوله: ((وقد رخص لنا عند الطهر)) إلى آخره. وفيه
من التأكيد حتى إنه رخص للمحد التي حرم عليها استعمال الطيب.
ذكر رجاله وهم خمسة: الأول: عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي أبو محمد البصري.
الثاني: حماد بن زيد، تقدم غير مرة. الثالث: أيوب السختياني. الرابع: حفصة بنت سيرين
الأنصاري أم الهذيل. الخامس: أم عطية من فاضلات الصحابة، كانت تمرض المرضى
وتداوي الجرحى وتغسل الموتى، واسمها نسيبة بنت الحارث. وقيل: بنت كعب الغاسلة.
بين لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة
مواضع. وفيه: أن رواته الأربعة بصريون. وفيه: في رواية المستملي وكريمة. قال: حدّثنا حماد
ابن زيد عن أيوب، قال: أبو عبد الله أو هشام بن حسان عن حفصة وأبو عبد الله هو البخاري
نفسه، فكأنه شك في شيخ حماد، وهو أيوب أو هشام، وليس ذلك عند بقية الرواة، ولا عند
أصحاب الأطراف، وقد أورد البخاري هذا الحديث في كتاب الطلاق بهذا الإسناد فلم يذكر
ذلك.
دةالتـ
٢٧/١٣

ـن ااام
٤١٨
٦ - كتاب الحيض / باب (١٢)
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري هنا عن عبد الله بن عبد
الوهاب. وأخرجه مسلم في الطلاق عن أبي الربيع الزهراني، كلاهما عن حماد بن زيد عن
أيوب به وأخرجه البخاري أيضاً في الطلاق عن أبي نعيم عن عبد السلام بن حرب قال: وقال
الأنصاري: أخرجه مسلم فيه عن حسن بن الربيع عن عبد الله بن إدريس وعن أبي بكر بن
أبي شيبة عن عبد الله بن نمير، وعن عمرو الناقد عن يزيد بن هارون. وأخرجه أبو داود في
الطلاق عن هارون بن عبد الله ومالك بن عبد الله المسمعي، كلاهما عن هارون بن عبد الله
وعن عبد الله بن الجراح عن عبد الله بن بكر السهمي وعن يعقوب بن إبراهيم الدورقي.
وأخرجه النسائي فيه عن الحسين بن محمد عن خالد وأخرجه ابن ماجة فيه عن أبي بكر بن
أبي شيبة به.
ذكر لغاته: قولها: (أن نحد)) بضم النون وكسر الحاء المهملة من الإحداد، وهو
الامتناع من الزينة، قال الجوهري: أحدت المرأة: أي امتنعت من الزينة والخضاب بعد وفاة
زوجها، وكذلك حدت تحد بالضم، وتحد بالكسر حداداً وهي حاد، ولم يعرف الأصمعي
إلا أحدت، فهي محدة، كذا في (المحكم) وأصل هذه المادة المنع، ومنه قيل: البواب
حداد لأنه يمنع الدخول والخروج، وأغرب بعضهم فحكاه بالجيم نحو: جددت الشيء، إذا
قطعت، فكأنها قد انقطعت عن الزينة عما كانت عليه قبل ذلك. قوله: ((ثوب عصب)) بفتح
العين وسكون الصاد المهملة، وفي آخره باء موحدة، وهو من برود اليمن يصبغ غزلها ثم
تنسج، وفي (المحكم) هو ضرب من برود اليمن يعصب غزلها أي يجمع ثم يصبغ ثم
ينسج، وقيل: هي مخططة. وفي (المنتهى) العصب في اللغة إحكام الفتل والطي وشدة
الجمع واللي وكل شيء أحكمته فقد عصبته، ومنه أخذ عصب اليمن، وهو: المفتول من
برودها، والعصب الخيار، وفي (المحكم) وليس من برود الرقم، ولا يجمع إنما يقال: برد
عصب وبرود وعصب، وربما اكتفوا بأن يقولوا عليه العصب لأن البرد عرف بذلك زاد في
(المخصص) لا يثنى ولا يجمع لأنه أضيف إلى الفعل، إنما العلة فيه بالإضافة إلى الجنس
وقال الجوهري: ومنه قيل للسحاب كاللطخ، عصب، قال القزاز: وكان الملوك يلبسونها،
وروى عن عمر، رضي الله تعالى عنه أنه أراد أن ينهى عن عصب اليمن، وقال: نبئت أنه
يصبغ ثم بالبول، ثم قال: نهينا عن التعمق، وفي حديث ثوبان: اشتر لفاطمة قلادة من
عصب، قال الخطابي: إن لم تكن الثياب اليمانية فلا أدري، وما أرى أن القلادة تكون منها
وقال أبو موسى ذكر لي بعض أهل اليمن أنه سن دابة بحرية تسمى فرس فرعون يتخذ منها
الخرز وغيره يكون أبيض. قوله: ((في نبذة)) بضم النون، وفتحها وسكون الباء الموحدة
وبالذال المعجمة، وهو الشيء اليسير، والمراد به القطعة، قال ابن سيده: والجمع أنباذ. قوله:
((كست أظفار)) كذا هو في هذه الرواية، وقال ابن التين: صوابه، قسط ظفار، منسوب إلى
ظفار، وهي ساحل من سواحل عدن. وقال القرطبي: هي مدينة باليمن، والذي في مسلم
قسط وأظفار، وهو الأحسن فإنها نوعان قيل: هو شيء من العطر أسود القطعة منه شبيهة
*

٤١٩
٦ - كتاب الحيضٍ / باب (١٢)
بالظفر، وهو بخور رخص فيه للمغتسلة من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة، وقال أبو عبيد
البكري: ظفار، وبفتح أوله وفي آخره راء مكسورة مبني على الكسر، وهو مدينة باليمن، وبها
قصر الملكة، ويقال: إن الجن بنتها وعن الصفاني، ظفار في اليمن أربعة مواضع: مدينتان
وحصنان أما المدينتان. فإحداهما: ظفار الحقل، كان ينزلها التابعية، وهي على مرحلتين من
صنعاء وإليها ينسب الجزع، والأخرى: ظفار الساحل، قرب مرابط، وإليها ينسب القسط:
يجلب إليها من الهند، والحصنان: أحدهما: في يماني صنعاء، على مرحلتين؟ ويسمى: ظفار
الواديين. والثاني: في بلاد همدان ويسمى: ظفار الطاهر، وفي (المحكم) الظفر ضرب من
العطر أسود مقلب من أصله على شكل ظفر الإنسان يوضع في الدخنة، والجمع أظفار
وأظافير. وقال صاحب (العين) لا والحد له، وظفّر ثوبه: طيبه بالظفر، وفي (الجامع) الأظفار
شيء من العطر يشبه الأظفار يتخذ منها مع الأخلاط ولا يفرد واحدها: وإن أفرد فهو أظفارة.
وفي كتاب (الطيب) للمفضل بن سلمة، القسط والكسط والكشط، ثلاث لغات قال: وهو
من طيب الأعراب، وسماه ابن البيطار في كتاب (الجامع) راسناً أيضاً وفي كتاب أبي موسى
المديني، قال الأزهري، واحده ظفر، وقال غيره الأظفار، شيء من العطر وقال الإمام
إسماعيلي: الأظفار شيء يتداوى به كأنه عود وكأنه يثقب ويجعل في القلادة، وفي أثبت
الروايات: ((من جزع ظفار)) وفيّ رواية أخرى: ((ظفاري).
ذكر معانيه وإعرابه قولها: ((كنا ننهى))، بضم النون الأولى على صيغة المجهول،
والناهي هو النبي عَل. كما دلت عليه رواية هشام المعلقة المذكورة في آخر الحديث، وهذه
الصيغة في حكم المرفوع، وكذلك، كنا وكانوا، ونحو ذلك لأنه وقع في زمن النبي
وقررهم عليه فهو مرفوع معنى: قوله: ((أن تحد)) كلمة أن مصدرية، والتقدير: كنا ننهى عن
الإحداد. قوله: ((فوق ثلاث)) يعني به الليالي مع أيامها ولذلك أنث العدد. قوله: ((إلا على
زوج» كذا هو في أكثر الروايات، وفي رواية المستملي والحموي: إلاّ على زوجها الأول
موافق للفظ: تحد غائبة. والثاني: بصيغة المتكلم قاله الكرماني: ويقال: توجيه الثاني أن
الضمير يعود على الواحدة المندرجة في قولها: ((كنا ننهى)) أي: كل واحدة منهن. قوله:
((وعشراً)) أي: عشر ليال، إذ لو أريد به الأيام لقيل: ثلاثة بالثاء، وقال الزمخشري: في قوله
تعالى: ﴿أربعة أشهر وعشراً﴾ [البقرة: ٢٣٤] لو قلت في مثله: عشرة، لخرج من كلام
العرب، لا نراهم قط يستعملون التذكير فيه، وقال الفرق بين المذكر والمؤنث في الأعداد إنما
هو عند ذكر المميز أما لو لم يذكر جاز فيه التاء وعدمه مطلقاً، فإن قلت: وعشراً منصوب
بماذا؟ قلت: هو عطف على قوله: أربعة وهو منصوب على الظرفية. قوله: ((ولا تكتحل))
بالرفع، ويروى بالنصب، فتوجيهه أن تكون لا زائدة وتأكيداً فإن قلت: لا، لا تؤكد إلاّ إذا
تقدم النفي عليه. قلت: تقدم معنى النفي وهو النهي. قوله: ((وقد رخص)) أي: التطيب.
ذكر استنباط الأحكام. الأول: وجوب الإحداد على كل من هي ذات زوج، سواء فيه
المدخول بها وغيرها، والصغيرة والكبيرة، والبكر والثيب، والحرة والأمة، وعند أبي حنيفة: لا
جدة
TH
٢٠٠
i
رة
١

٤٢٠
٦ - كتاب الحيضٍ / باب (١٢)
إحداد على الصغيرة ولا على الزوجة الأمة، وأجمعوا أن لا إحداد على أم الولد والأمة إذا
توفي عنها سيدها، ولا على الرجعية، وفي المطلقة ثلاثاً قولان، وقال أبو حنيفة والحكم وأبو
ثور وأبو عبيد: عليها الإحداد، وهو قول ضعيف للشافعي، وقال عطاء وربيعة ومالك والليث
والشافعي وابن المنذر: بالمنع، وحكي عن الحسن البصري أنه لا يجب الإحداد على
المطلقة ولا على المتوفي عنها زوجها، وهو شاذ، وقال ابن عبد البر: أجمعوا على وجوب
الإحداد، إلاَّ الحسن فإنه قال: ليس بواجب، وتعلق أبو حنيفة وأبو ثور ومالك في أحد قوليه،
وابن كنانة وابن نافع وأشهب بأن لا إحداد على الكتابية المتوفي عنها زوجها المسلم بقوله
في الحديث: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد)) الحديث، وقال الشافعي وعامة
أصحاب مالك: عليها الإحداد سواء دخل بها أو لم يدخل بها. فإن قلت: لم خص الأربعة
الأشهر والعشرة؟ قلت: لأن غالب الحمل تبين حركته في هذه المدة، وأنث العشر، لأنه أراد
به الأيام بلياليها، وهو مذهب العلماء كافة إلاَّ ما حكي عن يحيى بن أبي كثير، والأوزاعي
أنه أراد أربعة أشهر وعشر ليال، وإنها تحل في اليوم العاشر، وعند الجمهور: لا تحل حتى
تدخل الليلة الحادية عشرة، وهذا خرج على غالب أحوال المعتدات أنها تعتد بالأشهر، أما إذا
كانت حاملاً فعدتها بالحمل ويلزمها الإحداد في جميع المدة حتى تضع، سواء قصرت
المدة أم طالت، فإذا وضعت فلا إحداد بعده، وقال بعض العلماء: لا يلزمها الإحداد بعد أربعة
أشهر وعشراً وإن لم تضع الحمل.
الثاني: فيه دليل على تحريم الكحل سواء احتاجت إليه أم لا، وجاء في (الموطأ)
وغيره عن أم سلمة: إجعليه وامسحيه بالنهار. ووجه الجمع إذا لم تحتج إليه لا يحل لها
فعله، وإن احتاجت لم يجز بالنهار دون الليل، والأولى تركه لحديث: إن ابنتي اشتكت عينها
أفنكحلها؟ قال: لا، ولهذا إن سالماً وسليمان بن يسار قالا: إذا خشيت على بصرها إنها
تکتحل وتتداوى به وإن كان مطيباً، وجوزه مالك فيما حكاه الباجي تكتحل بغير مطيب
وقال صاحب (التوضيح) والمراد بالكحل الأسود والأصفر، أما الأبيض كالتوتيا ونحوه فلا
تحريم فيه عند أصحابنا إذ لا زينة فيه، وحرمه بعضهم على الشعثاء حتى تتزين.
الثالث: فيه تحريم الطيب، وهو ما حرم عليها في حال الإحرام وسواء ثوبها وبدنها.
وفي (التوضيح) يحرم عليها أيضاً كل طعام فيه طيب.
الرابع: فيه تحريم لبس الثياب المعصفرة، وقال ابن المنذر: أجمع العلماء، على أنه لا
يجوز للحادة لبس الثياب المعصفرة والمصبغة، إلاّ ما صبغ بسواد، فرخص فيه عروة العصب،
وأجازه الزهري وأجاز مالك تخليطه، وصحح الشافعية تحريم البرود مطلقاً، وهذا الحديث
حجة لمن أجازه نعم، أجازوه فيما إذا كان الصبغ لا يقصد به الزينة، بل يعمل للمصيبة
واحتمال الوسخ كالأسود، والكحل، بل هو أبلغ في الحداد بل حكى الماوردي وجهاً أنها
يلزمها في الحداد، أعني: الأسود.
الخامس: فيه الترخيص للحادة إذا اغتسلت من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة، وقال
١٠
٠٠٠.