Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
٦ - كتاب الحيضٍ / باب (١)
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين: وفيه: السماع في
ثلاثة مواضع: وفيه: أن رواته ما بين بصري ومكي ومدني.
ذكر تعدده ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضاً في الأضاحي عن قتيبة وعن
مسدد وأخرجه مسلم في الحج عن أبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وزهير بن حرب عن
سفيان. وأخرجه النسائي في الطهارة عن إسحاق بن إبراهيم، وفي الحج عن محمد بن عبد
الله والحارث بن مسكين، وعن محمد بن رافع عن يحيى بن آدم، وأخرجه ابن ماجة في
الحج عن أبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وزهير بن حرب عن سفيان وأخرجه النسائي
في الطهارة عن إسحاق بن إبراهيم، وفي الحج عن محمد بن عبد الله والحارث بن مسكين،
وعن محمد بن رافع عن يحيى بن آدم وأخرجه ابن ماجة في الحج عن أبي بكر بن أبي شيبة
وعلي بن محمد.
ذكر معناه وإعرابه قوله: ((لا نرى إلاَّ الحج)) جملة في محل النصب على الحال، ولا
نرى، بضم النون، بمعنى: لا نظن وقوله: إلاَّ الحج، يعني: إلاَّ قصد الحج، لأنهم كانوا يظنون
امتناع العمرة في أشهر الحج، فأخبرت عن اعتقادها، أو عن الغالب عن حال الناس، أو عن
حال الشارع أما هي فقد قالت: إنها لم تحرم إلاَّ بالعمرة. قوله: ((فلما كنت)) وفي بعض
النسخ: ((فلما كنا)). قوله: ((بسرف)) بفتح السين المهملة وكسر الراء في آخره فاء وهو اسم
موضع قريب من مكة بينهما نحو من عشرة أميال، وقيل: عشرة، وقيل: تسعة، وقيل: سبعة،
وقيل: ستة، وهو غير منصرف للعلمية والتأنيث. قوله: ((حضت)) بكسر الحاء، لأنه من حاض
يحيحض، كبعت من باع يبيع، أصله حيضت، قلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، ثم
حذفت لالتقاء الساكنين فصار، حضت، بالفتح ثم أبدلت الفتحة كسرة لتدل على الياء
المحذوفة. قوله: ((وأنا أبكي)) جملة إسمية وقعت حالاً بالواو. قوله: ((أنفست؟)) الهمزة فيه
للاستفهام، ونفست، قال النووي: بضم الفاء وفتحها في الحيض والنفاس، لكن الضم في
الولادة والفتح في الحيض أكثر. وحكى صاحب (الأفعال) الوجهين جميعاً وفي (شرح
مسلم) المشهور في اللغة أن نفست، بفتح النون وكسر الفاء معناه: حضت، وأما في الولادة
فيقال: نفست، بضم النون، وقال الهروي: نفست، بضم النون وفتحها في الولادة وفي
الحيض بالفتح لا غير.
قوله: ((إن هذا أمر)) إشارة إلى الحيض، فالأمر بمعنى الشأن. وقال الكرماني: قوله: أمر،
وفي الترجمة، شيء، فهو إما من باب نقل الحديث بالمعنى، وإما أن اللفظين ثابتان. قلت: لا
يحتاج إلى الترديد، إذ اللفظان ثابتان. قوله: ((فاقضي)) خطاب لعائشة، فلذلك لم تسقط الياء،
ومعناه، فأدي لأن القضاء يأتي بمعنى الأداء كما في قوله تعالى: ﴿فإذا قضيت الصلاة
فانتشروا﴾ [الجمعة: ١٠] أي: إذا أديت صلاة الجمعة. قوله: ((ما يقضي الحاج)) قال
الكرماني: المراد من الحاج الحسن، فيشمل الجمع، هو كقوله تعالى: ﴿سامراً تهجرون﴾
[المؤمنون: ٦٧] قلت: لا ضرورة إلى هذا الكلام، بل هو اسم فاعل، وأصله، حاجج، وربما
يأتي في ضرورة الشعر هكذا قال الراجز:
i
i
i.
١٣٠
i
٠٠٠٠

٣٨٢
٦ - كتاب الحيضٍ / باب (٢)
بكل شيخ عامر أو حاجج
وفي (الصحاح) تقول: حججت البيت أحجه حجاً فأنا حاج، ويجمع على: حجج
مثل: بازل وبزل. قوله: ((غير ألاَّ تطوفي)) بنصب غير، وإلاَّ بالتشديد أصله أن لا يجوز، أن
تكون: أن مخففة، من المثقلة، وفيه ضمير الشأن، ولا تطوفي، مجزوم والمعنى لا تطوفي ما
دمت حائضاً لفقدان شرط صحة الطواف، وهو الطهارة. قوله: ((بالبقر)) ويروي: ((بالبقرة))
والفرق بينهما: كتمرة وتمر، وعلى تقدير عدم التاء يحتمل التضحية بأكثر من بقرة واحدة.
ذكر استنباط الأحكام منها: أن المرأة إذا حاضت بعد الإحرام ينبغي لها أن تأتي
بأفعال الحج كلها غير أنها لا تطوف بالبيت، فإذا طافت قبل أن تتطهر فعليها بدنة، وكذلك
النفساء والجنب عليهما بدنة بالطواف قبل التطهر عن النفاس والجنابة، وأما المحدث فإن
طاف طواف القدوم فعليه صدقة، وقال الشافعي: لا يعتد به، والطهارة من شرطه عنده، وكذا
الحكم في كل طواف هو تطوع، ولو طاف طواف الزيارة محدثاً فعليه شاة، وإن كان جنباً
فعليه بدنة، وكذا الحائض والنفساء. ومنها: جواز تضحية الرجل لامرأته. وقال النووي: هذا
محمول على أنه، عَّ له، استأذنهن في ذلك، فإن تضحية الإنسان عن غيره لا يجوز إلاّ بإذنه
قلت: هذا في الواجب، وأما في التطوع فلا يحتاج إلى الإذن، فاستدل مالك به على أن
التضحية بالبقر أفضل من البدنة، ولا دلالة فيه والأكثرون، منهم الشافعي ذهبوا إلى أن
التضحية بالبدنة أفضل من البقرة لتقديم البدنة على البقرة في حديث ساعة الجمعة.
وهذا الحديث الذي رواه البخاري هاهنا حديث طويل فيه أحكام كثيرة وخلافات بين
العلماء، وموضعها كتاب الحج.
٢ - بابُ غَسْلِ الحَائِضِ رَأْسَ زَوْجِها وَتَرْجِيلِهِ
أي: هذا باب في بيان غسل الحائض رأس زوجها، وحكم ترجيل رأسه، والترجيل
مجرور عطف على غسل، وهو بالجيم: تسريح شعر الرأس. وقال ابن السكيت، شعر رجل،
بفتح الجيم وكسرها، إذا لم يكن شديد الجعودة ولا سبطاً، تقول منه: رجل شعره ترجيلاً.
والمناسبة بين البابين من حيث إن كلاً منهما مشتمل على حكم متعلق بالحائض.
٢٩٥/٢ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قالَ حدّثنا مالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ عَنْ أَبِيهِ
عَنْ عَائِشَةً قَالَتْ كُنْتُ أَرَجُلُ رَأْسَ رسولِ اللَّهِ عَ له وأنا حائِضٌ. [الحديث ٢٩٥ - أطرافه في:
٢٩٦، ٣٠١، ٢٠٢٨، ٢٠٢٩، ٢٠٣١، ٢٠٤٦، ٢٩٢٥].
مطابقته للترجمة في ترجيل رأس رسول الله عَ ليه، وأما أمر الغسل فلا مطابقة له، وقال
بعضهم: أُلحق به الغسل قياساً أو إشارة إلى الطريق الآتية في باب مباشرة الحائض، فإنه
صريح في ذلك، والوجهان اللذان ذكرهما هذا القائل لا وجه لهما أصلاً. أما الأول: فلأن
وضع التراجم من الأبواب هل هو حكم من الأحكام الشرعية حتى يقاس حكم منها على
٣٣٠٪

٣٨٣
٦ - كتاب الحيض / باب (٢)
حكم آخر. وأما الثاني: فهل وجه الوضع ترجمة في باب، والإشارة إلى المترجم الذي وضع
لها في الباب الثالث.
ذكر رجاله: وهم خمسة ذكروا في باب الوحي على هذا الترتيب.
ذكر لطائف إسناده فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة
مواضع: وفيه: أن رواته مدنيون ما خلا عبد الله فإنه تنيسي.
٠٠٠
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضاً في اللباس عن عبد الله بن
يوسف، وأخرجه الترمذي في الشمائل عن إسحاق بن موسى عن معن وأخرجه النسائي في
الطهارة، وفي الاعتكاف عن قتيبة، ثلاثتهم عن مالك. قوله: ((كنت أرجل رأس رسول الله
عَّله)) فيه الإضمار تقديره: كنت أرجل شعر رسول الله عَ له، لأن الترجيل للشعر لا للرأس،
ويجوز أن يكون من باب إطلاق المحل وإرادة الحال. قوله: ((وأنا حائض)) جملة إسمية
وقعت حالاً.
ومما يستنبط منه جواز ترجيل الحائض شعر رأس زوجها، واعلم أنه لم يختلف أحد
في غسل الحائض رأس زوجها وترجيله إلاَّ ما نقل عن ابن عباس أنه دخل على ميمونة،
رضي الله تعالى عنها. فقالت: ((أي بني مالي أراك شعث الرأس، فقال: إن أم عمار ترجلني
وهي الآن حائض. فقالت: أي بني ليست الحيضة باليد، كان رسول الله عَّهِ يضع رأسه في
حجر إحدانا وهي حائض) ذكره ابن أبي شيبة. فقال: حدّثنا ابن عيينة، قال: حدّثنا منبوذ عن
أبيه به. ومما يؤخذ منه جواز استخدام الزوجة برضاها وهو إجماع.
٢٩٦/٣ _ حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ مُوسَى قَالَ أَخْبَرَنَا هِشَامُ بِنُ يُوسُفَ أنَّ ابْنَ مجرَيْجِ
أُخْبَرَهُمْ قَالَ أُخْبَرَنِي هِشَامٌ عَنْ عُزْوَةَ أَنَّهُ سُئِلَ أَتَخْدُمُنِي الحَائِضُ أَوْ تَدْنُوِ مِنِّي المَرْأَةُ وَهِيّ
بُجُنُبٌ فَقَالَ عُرْوَةُ كُلُّ ذِلِكَ عَلَيَّ هَيْنٌ وَكُلُّ ذَلِكَ تَخْذُمُنِي وَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ فِي ذِلِكَ بَأْسٌ
أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّهَا كانَتْ تَرَجُلُ تَغْنِي رَأَسَ رسولِ اللَّهِ عَلِ وَهِيَ حَائِضٌ وَرَسُولُ اللَّهِ عَ لَه
حينَئِذٍ مُجَاوِرٌ في المَسْجِدِ يُدْنِي لَهَا رَأْسَهُ وَهِيَ في حُجْرَتِهَا فَتُرَجِّلُهُ وَهِيَ حائِضٌ. [انظر
الحديث ٢٩٥ وأطرافه].
مطابقة هذا الحديث للترجمة كمطابقة الحديث السابق.
ذكر رجاله وهم ستة: الأول: إبراهيم بن موسى بن زيد التميمي الرازي أبو إسحاق
الفراء، يعرف بالصغير، وكان أحمد ينكر على من يقول له الصغير، وقال: هو كبير في العلم
والجلالة. الثاني: هشام بن يوسف الصنعاني أبو عبد الرحمن قاضي صنعاء من أبناء الفرس،
وهو أكبر اليمانيين وأحفظهم وأتقنهم، مات سنة سبع وتسعين ومائة. الثالث: ابن جريج،
بضم الجيم وفتح الراء واسمه عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي القريشي المدني،
أصله رومي، وهو أحد العلماء المشهورين، وهو أول من صنف في الإسلام في قول: وكانت
له كنيتان أبو الوليد وأبو خالد، مات سنة خمسين ومائة، وهو جاوز السبعين. الرابع: هشام بن
FM
AL/M
i

٣٨٤
٦ - كتاب الحيضٍ / باب (٢)
عروة بن الزبير بن العوام. الخامس: عروة بن الزبير بن العوام. السادس: عائشة الصديقة بنت
الصديق، رضي الله تعالى عنهما.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع. وفيه: الإخبار بصيغة
الإفراد في أربعة مواضع غير أن في قوله: قال أخبرني، روي: أخبرنا والأول أكثر. وفيه:
العنعنة في موضع واحد. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: لطيفة حسنة وهي أن ابن جريج
یروي عن عشام، وهشام یروي عن ابن جريج فالأعلى ابن عروة، والأدنى ابن يوسف. وفيه:
أن رواته ما بين رازي وصنعاني ومكي ومدني.
ذكر معناه وإعرابه: قوله: ((أنه سئل)) أي: عروة سئل، وهو على صيغة المجهول.
قوله: ((أتخدمني الحائض؟)) الهمزة فيه للاستفهام. قوله: ((أو تدنو؟)) أي: أو تقرب؟ قوله:
((وهي جنب)) جملة إسمية وقعت حالاً. ولفظ جنب، يستوي فيه المذكر والمؤنث والواحد
والجمع، وهي اللغة الفصيحة قوله: ((كل ذلك)) إشارة إلى الخدمة، والدنو اللذان يدلان
عليهما لفظ أتخدمني وتدنو؟ وجاءت الإشارة بلفظ ذلك للمثنى قال الله تعالى: ﴿عوان بين
ذلك﴾ [البقرة: ٦٨] قوله: ((هين) أي: سهل، وهو بالتشديد والتخفيف: كميت وميت،
وأصله: هيون إجتمعت الياء والواو وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت الياء
في الياء. قوله: ((وكل ذلك)) أي: الحائض والجنب، والتذكير باعتبار المذكور لفظاً، ووجه
التثنية قد ذكرناه. قوله: ((وليس على أحد في ذلك بأس)) أي: حرج، وكان مقتضى الظاهر
أن يقول: وليس علي في ذلك بأس، لكنه قصد بذلك التعميم مبالغة فيه، ودخل هو فيه
بالقصد الأول. قوله: ((ترجل رسول الله عَّل)) أي: شعر رسول الله عَ ◌ّهِ. قوله: ((وهي
حائض)) جملة حالية، وإنما لم يقل: حائضة، لعدم الالتباس، وأما قولهم: جاء الحاملة
والمرضعة، في الاستعمال، فلارادة التباسهما بتلك الصفة بالفعل، فإذا أريد التباسهما بالقوة.
يكون بلا تاء، وقال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما
أرضعت﴾ [الحج: ٢] فإن قلت: لم قيل مرضعة دون مرضع؟ قلت: المرضعة التي هي في
حال الإرضاع تلقم ثديها الصبي، والمرضع التي من شأنها أن ترضع وإن لم تباشر الإرضاع
في حال وصفها به. قوله: ((حينئذ)) أي: حين الترجيل. قوله: ((مجاور)) أي: معتكف. قوله:
((يدني)) بضم الياء أي: يقرب لها، أي: لعائشة رأسه، والحال أنها في حجرتها، وكانت
حجرتها ملاصقة للمسجد، والحجرة، بضم الحاء البيت. قوله: ((فترجله)) أي: ترجل عائشة
رسول الله عَّةٍ، أي: ترجل شعر رأسه، والحال أنها حائض.
والحديث دل على جواز خدمة الحائض فقط، وأما دلالته على دنو الجنب فبالقياس
عليها، والجامع اشتراكهما في الحدث الأكبر، وهو من باب القياس الجلي، لأن الحكم
بالفرع أولى، لأن الاستقذار من الحائض أكثر.
ومما يستنبط من الحديث أن المعتكف إذا أخرج رأسه أو يده أو رجله من المسجد
لم يبطل اعتكافه، وأن من حلف لا يدخل داراً أو لا يخرج منها فأدخل بعضه أو أخرج بعضه
٫٠٠.
..

١٣٢
٣٨٥
٦ - كتاب الحيضٍ / باب (٣)
لا يحنث. وفيه: جواز استخدام الزوجة في الغسل ونحوه برضاها، وأما بغير رضاها فلا
يجوز، لأن عليها تمكين الزوج من نفسها وملازمة بيته فقط، وقال ابن بطال: وهو حجر على
طهارة الحائض وجواز مباشرتها. وفيه: دليل على أن المباشرة التي قال الله تعالى: ﴿ولا
تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ [البقرة: ١٨٧] لم يرد بها كل ما وقع عليه اسم
المس، وإنما أراد بها الجماع أو ما دونه من الدواعي للذة. وفيه: ترجيل الشعر للرجال وما في
معناه من الزينة. وفيه: أن الحائض لا تدخل المسجد تنزيهاً له وتعظيماً، وهو المشهور من
مذهب مالك، وحكى ابن سلمة أنها تدخل هي والجنب، وفي رواية: يدخل الجنب ولا
تدخل الحائض. وقال ابن بطال: وفيه: حجة على الشافعي في أن المباشرة الخفيفة مثل ما
في هذا الحديث لا تنقض الوضوء. وقال الكرماني: ليس فيه حجة على الشافعي، إذ هو لا
يقول بأن مس الشعر ناقض للوضوء، وقال بعضهم: ولا حجة فيه، لأن الاعتكاف لا يشترط
فيه حجة على الشافعي، إذ هو لا يقول بأن مس الشعر ناقض للوضوء، وقال بعضهم: ولا
حجة فيه، لأن الاعتكاف لا يشترط فيه الوضوء، وليس في الحديث أنه عقب ذلك الفعل
بالصلاة، وعلى تقدير ذاك فمس الشعر لا ينقض الوضوء. قلت: وليس في الحديث أيضاً أنه
توضأ عقيب ذلك، والله أعلم بالصواب.
٣ - بابُ قِرَاءَةِ الرَّجُلِ في حِجْرِ امْرَأَتِهِ وَهِيَ حائِضٌ
أي: هذا باب في بيان حكم قراءة الرجل في حجر امرأته، والحال أنها حائض،
والحجر بفتح الحاء المهملة وكسرها وسكون الجيم، والجمع حجور، ومحل: في حجر
امرأته، نصب على الحال تقديره قراءة الرجل حال كونه متكئاً على حجر امرأته، وكلمة:
في، تأتي بمعنى على كما في قوله تعالى: ﴿ولأصلبنكم في جذوع النخل﴾ [طه: ٧١] أي:
عليها ويجوز أن يقدر، واضعاً رأسه على حجر امرأته ومستنداً إليه.
ثم وجه المناسبة بين البابين من حيث اشتمال كل منهما على حكم متعلق بالحائض،
وهو ظاهر.
وكانَ أَبُو وَلِلٍ يُرْسِلُ خَادِمَهُ وهَيَ حائضٌ إِلَى أَبِي رَزِينٍ فَتَأْتِيهِ بالمُضْحَفِ فَتُمُسِكُهُ بَعِلاَقَتِهِ
الكلام في هذا على أنواع:
الأول: في وجه مطابقة هذا للترجمة فقال: صاحب (التلويح) وتبعه صاحب
(التوضيح) لما ذكر البخاري حمل الحائض العلاقة التي فيها المصحف، نظرها بمن يحفظ
القرآن فهو حامله، لأنه في جوفه، كما روي عن سعيد ابن المسيب وسعد بن جبير، هو في
جوفه، ولما قرأ ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، ورقة وهو جنب قال: في جوفي أكثر من
هذا ونزل ثياب الحائض بمنزلة العلاقة، وقراءة الرجل بمنزلة المصحف، لكونه في جوفه.
قلت: هذا في غاية البعد، لأن بين قراءة الرجل في حجر امرأته، وبين حمل الحائض
المصحف بعلاقته بون عظيم من الجهة التي ذكرت، لأن قوله: نظرها، إما تشبيه وإما قياس،
عمدة القاري/ ج٣ / ٢٥
i
ـجود
i
١٠٠٠
=١٣
١١٢٠ ٠

٣٨٦
٦ - كتاب الحيضِ / باب (٣)
فإن أراد به التشبيه، وهو تشبيه محسوس بمعقول، فلا وجه للتشبيه، وإن أراد به القياس
فشروطه غير موجودة فيه، ويمكن أن يقال: وجه التطابق بينهما هو جواز الحكم في كل
منهما، فكما تجوز قراءة الرجل في حجر الحائض. فكذلك يجوز حمل الحائض المصحف
بعلاقته، وفي كل منهما دخل للحائض، وفيه وجه التطابق. ثم لو قيل: ما قيل في ذلك فلا
يخلو عن تعسف.
النوع الثاني: أن هذا الأثر أخرجه ابن أبي شيبة في (مصنفه) بسند صحيح، فقال:
حدّثنا جرير عن مغيرة، كان أبو وائل. فذكره.
النوع الثالث: في معناه: فقوله: ((يرسل خادمه)) الخادم اسم لمن يخدم غيره، ويطلق
على الغلام والجارية، فلذلك قال: وهي حائض، فأنث الضمير. قوله: ((بعلاقته)) بكسر العين:
ما يتعلق به المصحف، وكذلك علاقة السيف ونحو ذلك. وأبو وائل: اسمه شقيق بن سلمة
الأسدي أدرك النبي عَّهُ ولم يره، روى عن كثيرين من الصحابة، وقال يحيى بن معين ثقة
لا يسأل عن مثله، قال الواقدي مات في خلاقة عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه، وأبو
رزين، بفتح الراء وكسر الزاي المعجمة اسمه مسعود بن مالك الأسدي مولى أبي وائل
الكوفي التابعي، روى له مسلم والأربعة.
النوع الرابع في استنباط الحكم منه. وهو جواز حمل الحائض المصحف بعلاقته،
وكذلك الجنب، وممن أجاز ذلك عبد الله بن عمر بن الخطاب وعطاء والحسن البصري،
ومجاهد وطاوس وأبو وائل رزين وأبو حنيفة ومالك والشافعي والأوزاعي والثوري وأحمد
وإسحاق وأبو ثور والشعبي والقاسم بن محمد، وقال ابن بطال: رخص في حمله الحكم
وعطاء ابن أبي رباح وسعيد بن حبير وحماد بن أبي سليمان وأهل الظاهر، ومنع الحكم مسه
بباطن الكف خاصة، وقال ابن حزم، وقراءة القرآن والسجود فيه ومس المصحف وذكر الله
تعالى جائز، كل ذلك بوضوء وبلا وضوء وللجنب والحائض، وهو قول ربيعة وسعيد بن
المسيب وابن جبير وابن عباس وداود وجميع أصحابنا، وأما مس المصحف فإن الآثار التي
احتج بها من لم يجز للجنب مسه، فإنه لا يصح منها شيء لأنها إما مرسلة وإما صحيفة لا
نستند به، وإما عن ضعيف، والصحيح عن ابن عباس عن أبي سفيان حديث هرقل الذي فيه
﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألّا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا
يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا أشهدوا بأنا مسلمون﴾ [آل عمران:
٦٤] فهذا النبى معَّ له قد بعث كتاباً فيه قرآن للنصارى، وقد أيقن أنهم يمسونه، فإن ذكروا
حديث ابن عمر، ((نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو)) قلنا: هذا حق
يلزم اتباعه وليس فيه لا يمس المصحف جنب ولا كافر، وإنما فيه أن لا ينال أهل الحرب
القرآن فقط، فإن قالوا: إنما بعث إلى هرقل بآية واحدة، قيل: لهم: ولم يمنع من غيرها وأنتم
أهل قياس، فإن لم تقيسوا على الآية ما هو أكثر منها فلا تقيسوا على هذه الآية غيرها فإن
ذكروا قوله جل وعلا: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ [الواقعة: ٧٩] قلنا: لا حجة فيه لأنه ليس
:
و٠١٠
:***
:١٣٥

٣٨٧
٦ - كتاب الحيضٍ / باب (٣)
أمراً وإنما هو خبر، والرب تعالى لا يقول إلاَّ حقاً ولا يجوز أن يصرف لفظ الخبر إلى معنى
الأمر إلاَّ بنص جلي أو إجماع متيقن، فلما رأينا المصحف يمسه الطاهر وغير الطاهر علمنا أنه
لم يعن المصحف، وإنما عنى كتاباً آخر عنده كما جاء عن سعيد بن جبير في هذه الآية هم
الملائكة الذين في السماء، وكان علقمة أراد أن يتخذ مصحفاً أمر نصرانياً فينخسه له، وقال
أبو حنيفة لا بأس أن يحمل الجنب المصحف بعلاقته، وغیر المتوضیء عندہ کذلك، وأبى
ذلك مالك إلاَّ إن كان في خرج أو تابوت فلا بأس أن يحمله الجنب واليهودي والنصراني،
قال أبو محمد: وهذه تفاریق لا دليل على صحتها. انتهى كلامه.
٠ جوة
والجواب عما قاله. فقوله بأن الآثار التي احتج بها من لم يجز للجنب مسه إلخ،
ليس كذلك، فإن أكثر الآثار في ذلك صحاح. منها: ما رواه الدارقطني في (سننه) بسند
صحيح متصل عن أنس: ((خرج عمر بن الخطاب متقلداً السيف، فدخل على أخته وزوجها
خباب وهم يقرؤون سورة طه، فقال: أعطوني الكتاب الذي عندكم فاقرؤوه، فقالت له أخته:
إنك رجس ﴿ولا يمسه إلاّ المطهرون﴾ [الواقعة: ٧٩] فقم فاغتسل أو توضأ، فقام وتوضأ ثم
أخذ الكتاب بيده)) والعجب من أبي عمر بن عبد البر إذ ذكره في سيرا ابن إسحاق وقال: هو
معضل، وتبعه على ذلك أبو الفتح القشيري: وهذا أعجب منه، وقال السهيلي: هو من
أحاديث السير. ومنها: ما رواه الدارقطني أيضاً بسند صحيح من حديث سالم يحدث عن أبيه
قال رسول الله عَله: ((لا يمس القرآن إلاَّ طاهر)) ولما ذكره الجوزقاني في كتابه، قال: هذا
حديث مشهور حسن. ومنها: ما رواه الدارقطني أيضاً من حديث الزهري عن أبي بكر بن
محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده: ((أن رسول الله عَّ للم كتب إلى أهل اليمن كتاباً
فيه، لا يمس القرآن إلاّ طاهر)) ورواه في (الغرائب) من حديث إسحاق الطباع عن مالك مسنداً
ومن الطريق الأولى خرجه الطبراني في (الكبير) وابن عبد البر والبيهقي في (الشعب).
وقد وردت أحاديث كثيرة بمنع قراءة القرآن للجنب والحائض. منها: حديث عبد الله
ابن رواحة، رضي الله تعالى عنه. ((نهى رسول الله عَ له أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جنب)). قال
أبو عمر: رويناه من وجوه صحاح. ومنها: حديث عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن
علي، رضي الله تعالى عنه، يرفعه: ((لا يحجبه عن قراءة القرآن شيء إلاَّ الجنابة)) صححه
جماعة منهما ابن خزيمة وابن حبان وأبو علي الطوسي والترمذي والحاكم والبغوي في (شرح
السنة) وفي (سؤالات الميموني) قال شعبة: ليس أحد يحدث بحديث أجود من ذا، وفي
(كامل) ابن عدي عنه، لم يرو عمرو أحسن من هذا وكان شعبة يقول: هذا ثلث رأس مالي،
وخرجه ابن الجارود في (المنتقى) زاد ابن حبان، قد يتوهم غير المتبحر في الحديث أن
حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، كان يذكر الله تعالى على كل أحيانه، يعارض هذا،
وليس كذلك، لأنها أرادت الذكر الذي هو غير القرآن، إذ القرآن يجوز أن يسمى ذكراً وكان
لا يقرأ وهو جنب، ويقرؤه في سائر الأحوال. ومنها: حديث جابر أن النبي عَ له قال: ((لا يقرأ
الحائض ولا الجنب ولا النفساء من القرآن شيئاً)) رواه الدارقطني ثم البيهقي، وعن الأسود
i

٣٨٨
٦ - كتاب الحيضٍ / باب (٣)
أخرجه ابن أبي شيبة في (مصنفه) بسند لا بأس به وإبراهيم لا يقرأ الجنب، وعن الشعبي
وأبي وائل مثله بزيادة، والحائض.
والجواب: عن الكتاب إلى هرقل فنحن نقول به لمصلحة الإبلاغ والإنذار، وأنه لم
يقصد به التلاوة.
وأما الجواب عن الآية بأن المراد بالمطهرين الملائكة، كما قاله قتادة والربيع بن
أنس وأنس بن مالك ومجاهد بن جبير وغيرهم ونقله السهيلي عن مالك وأكدوا هذا بقوله:
((المطهرين)) ولم يقل: المتطهرين إن تخصيص الملائكة من بين سائر المتطهرين على
خلاف الأصل، وكلهم مطهرون، والمس والإطلاع عليه إنما هو لبعضهم دون الجميع.
٢٩٧/٤ - حدّثنا أَبُو نُعَيْمِ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنِ سَمِعَ زُهَيْراً عَنْ مَنْصُورٍ بْنِ صَفيَّةَ أَنَّ أُمَّهُ
حدَّثَتْهُ أنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْها أنَّ النَّبِيَّ عَِّ كَانَ يَنَّكِىءُ في حَجْرِي وأنا حائِضٌ ثُمَّ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ.
[الحديث ٢٩٧ - طرفه في: ٧٥٤٩].
بــ.
قال صاحب (التوضيح) وجه مناسبة إدخال حديث عائشة فيه أن ثيابها بمنزلة العلاقة،
والشارع بمنزلة المصحف لأنه في جوفه وحامله إذ غرض البخاري بهذا الباب الدلالة على
جواز حمل الحائض المصحف وقراءتها القرآن، فالمؤمن الحافظ له أكبر أوعيته. قلت: ليس
في الحديث إشارة إلى الحمل، وفيه الاتكاء، والاتكاء غير الحمل، وكون الرجل في حجر
الحائض لا يدل على جواز الحمل، وغرض البخاري الدلالة على جواز القراءة بقرب موضع
النجاسة لا على جواز حمل الحائض للمحصف، وقراءتها القرآن قلت: رده عليه إنما يستقيم
في قوله: قراءتها القرآن، لأنه ليس في الحديث ما يدل على جواز قراءة الحائض القرآن،
والذي فيه يدل على جواز قراءة القرآن في حجر الحائض، وعلى جواز حمل المصحف لها
بعلاقته، فأورد حديثاً وأثراً فالحديث يدل على الأول، والأثر يدل على الثاني، لكنه غير مطابق
للترجمة، وكل ما كان من هذا القبيل فيه تعسف ولا يقرب من الموافقة إلاّ بالجر الثقيل.
ذكر رجاله وهم خمسة: الأول: أبو نعيم. الثاني: زهير بن معاوية بن خديج
الجعفي. الثالث: منصور بن صفية بنت شيبة وأبو منصور عبد الرحمن الحجي العبدري
المكي، كان يحجب البيت وهو شيخ كبير، وإنما نسب منصور إلى أمه لأنه اشتهر بها ولأنه
روى عنها. الرابع: صفية بنت شيبة. الخامس: عائشة رضي الله تعالى عنها.
بيان لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد، وبصيغة الإفراد
في موضعين. وفيه: السماع في موضع واحد، والعنعنة كذلك. وفيه: أن رواته ما بين كوفي
ومكي.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضاً في التوحيد عن قبيصة عن
سفيان الثوري وأخرجه مسلم في الطهارة عن يحيى بن يحيى عن داود بن عبد الرحمن
المكي وأخرجه أبو داود فيه عن محمد بن كثير عن سفيان الثوري، وأخرجه النسائي فيه عن
٤٠٠
١١.٥٠

٣٨٩
٦ - كتاب الحيضٍ / باب (٤)
إسحاق بن إبراهيم وعلي بن حجر، كلاهما عن سفيان بن عيينة وأخرجه ابن ماجة عن
محمد بن يحيى عن عبد الرزاق عن سفيان الثوري أربعتهم عن منصور بن عبد الرحمن به.
٦
i
ذكر معناه وغيره قوله: ((يتكىء في حجري)) قال القرطبي: كذا صوابه، ووقع في
رواية العذري، ((حجرتي))، بتاء مثناة من فوق، وهو وهم. قوله: ((يتكىء)) بالهمزة من باب
الافتعال، أصله، يوتكىء، قلبت الواء تاءً وأدغمت التاء في التاء، وثلاثيه وكأ وهي جملة في
محل النصب لأنها خبر كان قوله ((وأنا حائض)) جملة اسمية وقعت حالاً قال الكرماني اما
من فعل يتكئ، وإما من المضاف إليه، وهو ياء المتكلم. قلت: من فاعل يتكىء لا وجه له
على ما لا يخفى، وما هي إلاَّ من ياء المتكلم في: حجري، ولا يمنع وقوع الحال من
المضاف إليه إذا كان بين المضاف والمضاف إليه شدة الاتصال كما في قوله تعالى:
﴿واتبع ملة إبراهيم حنيفاً﴾ [النساء: ١٢٥، والنحل: ١٢٣] وكلمة في قوله: ((في حجري)»
بمعنى: على كما في قوله تعالى: ﴿الأصلبنكم في جذوع النخل﴾ [طه: ٧١] أي: على
جذوع النخل، فإن قلت: ما فائدة العدول عنه؟ قلت: لبيان التمكين فيه كتمكن المظروف
في الظرف. قوله: ((فيقرأ القرآن)) وفي رواية البخاري في التوحيد: ((كان يقرأ القرآن ورأسه
في حجري وأنا حائض)) فعلى هذا المراد بالاتكاء موضع رأسه في حجرها.
وقال ابن دقيق العيد: في هذا القول إشارة إلى أن الحائض لا تقرأ القرآن، لأن قراءتها
لو كانت جائزة لما توهم امتناع القراءة في حجرها حتى احتيج إلى التنصيص عليها. وفيه:
جواز ملامسة الحائض لأنها طاهرة. وفيه: جواز القراءة بقرب محل النجاسة، قال النووي:
قلت: فيه نظر، لأن الحائض طاهرة، والنجاسة هو الدم، وهو غير طاهر في كل وقت من
أوقات الحيض، فعلى هذا لا يكره قراءة القرآن بحذاء بيت الخلاء، ومع هذا ينبغي أن يكره
تعظيماً للقرآن، لأن ما قرب إلى الشيء يأخذ حكمه. وفيه: جواز استناد المريض في صلاته
إلى الحائض إذا كانت ثيابها طاهرة قاله القرطبي: وفيه نظر.
٤ - بابُ مَنْ سَمَّى النّفَاسَ حَيْضاً
أي: هذا باب في بيان من سمى النفاس حيضاً، وكان ينبغي أن يقول: باب من سمى
الحيض نفاساً، لأن في حديث الباب ((فقال: أنفست. أي: أحضت؟)) أطلق على الحيض
النفاس، وقال ابن بطال: لم يجد البخاري للنبي عَّه نصاً في النفاس، وحكم دمها في المدة
المختلفة، وسمى الحيض نفاساً في هذا الحديث، فهم منه أن حكم دم النفساء حكم دم
الحيض في ترك الصلاة، لأنه إذا كان الحيض نفاساً وجب أن يكون النفاس حيضاً
لاشتراكهما في التسمية من جهة اللغة لأن الدم هو النفس، ولزم الحكم لما لم ينص عليه
مما نص، وحكم النفاس ترك الصلاة ما دام موجوداً. وقال الخطابي: ترجم أبو عبد الله بقوله:
(من سمى النفاس جيضاً) والذي ظنه من ذلك وهم، وأصل هذه الكلمة مأخوذ من النفس
وهو الدم إلاَّ أنهم فرقوا فقالوا: نفست، بفتح النون، إذا حاضت، وبضم النون إذا ولدت، وقال
الكرماني: ليس الذي ظنه وهماً لأنه إذا ثبت هذا الفرق، والرواية التي هي بالضم صحيحة،
i
توط
/

١٣٠
٣٩٠
٦ - كتاب الحيضِ / باب (٤)
صح أن يقال حينئذ سمي النفاس حيضاً وأيضاً يحتمل أن الفرق لم يثبت عنده لغة، بل
وضعت نفست، مفتوح النون ومضمومها عنده للنفاس، بمعنى الولادة، كما قال بعضهم بعدم
الفرق أيضاً بأن اللفظين للحيض والولادة كليهما.
وقال ابن المنير: حاصله كيف يطابق الترجمة الحديث وفيه تسمية الحيض نفاساً لا
تسمية النفاس حيضاً؟ قلت: للتنبيه على أن حكم النفاس والحيض في منافاة الصلاة ونحوها
واحد، وألجأه إلى ذلك أنه لم يجد حديثاً على شرطه في حكم النفاس، فاستنبط من هذا
الحديث أن حكمهما واحد. قلت: هذا الكلام في الحقيقة مضمون كلام ابن بطال، وكلامه
يشعر بالمساواة بين مفهومي الحيض والنفاس، وليس كذلك، لجواز أن يكون بينهما عموم
وخصوص من وجه كالإنسان والحيوان، وقول الكرماني: يحتمل أن الفرق لم يثبت عنده
لغة، إلى آخره، غير سديد، لأن هذا لا يقال عن أحد إلاَّ ممن يكون من أئمة اللغة والبخاري
من أئمة الحديث، والصواب الذي يقال هاهنا على وجهين: أحدهما: أن هذه الترجمة لا
فائدة في ذكرها لأنه لا يُبنى عليها مزيد فائدة. والثاني: لو سلمنا أن لها فائدة فوجهها أن
يقال: لما لم يثبت الفرق عنده بين مفهومي الحيض والنفاس، يجوز ذكر أحدهما وإرادة
الآخر، ففي الحديث ذكر النفاس وأريد الحيض، فكذلك ذكر المصنف النفاس وأراد
الحيض، وعلى هذا معنى قوله: باب من سمى، باب من ذكر النفاس حيضاً يعني: ذكر
النفاس وأراد به الحيض، فكذلك المذكور في الحديث نفاس، والمراد حيض وذلك أنه لما
قال ◌ٍَّ لها: أنفست، أجابت بنعم، وكانت حائضاً، فقد جعلت النفاس حيضاً، فطابق
الحديث ما ترجم به.
٢٩٨/٥ - حدّثنا الْمَكَيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قالَ حدّثنا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى ابْنِ أبِي كَثِيرٍ عَنْ
أَبِي سَلَمَّةً أنَّ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمّ سَلْمَةَ حَدَّثَتْهُ أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ حَدَّثَتْها قالتْ بَيْنَا أَنا مَعَ النَّبِيِّ عَله
مُضْطَجِعَةٌ فِي خَمِيصَةٍ إِذْ حِضْتُ فَانْسَلَلْتُ فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حَيْضَتِي قال أَنْفِسْتِ قُلْتُ نَعَمْ
فَدَعانِي فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ في الخَمِيلَةِ. [الحديث ٢٩٨ - أطرافه في: ٣٢٢، ٣٢٣، ١٩٢٩].
وجه المطابقة قد ذكرناه مستقصى.
ذكر رجاله وهم ستة: الأول: مكي بن إبراهيم بن بشير التميمي، أبو السكن البلخي،
رضي الله عنه. الثاني: هشام الدستوائي، رضي الله عنه. الثالث: يحيى بن كثير، بالثاء
المثلثة، رضي الله عنه. الرابع: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، رضي الله تعالى عنه.
الخامس: زينب بنت أم سلمة أم المؤمنين، رضي الله تعالى عنها، السادس: أم سلمة أم
المؤمنين، واسمها هند بنت أبي أمية، رضي الله تعالى عنها.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة المفرد في
موضعين: وفيه: العنعنة في موضعين وفيه: أبو سلمة وأم سلمة، رضي الله تعالى عنهما،
وليست كنيتان باعتبار شخص واحد، بل سلمة الأول هو ولد ابن عبد الله الرحمن، رضي الله

٣٩١
٦ - كتاب الحيض / باب (٤)
تعالى عنه، وسلمة الثاني ولد ابن عبد الأسد، رضي الله تعالى عنه، والغرض أن أبا سلمة،
رضي الله تعالى عنه، ليس أبا ربيب النبي عَّلّهِ. وفيه: أن يحيى روى عن أبي سلمة، رضي
الله عنه بالعنعنة، وفي رواية مسلم روى عنه بالتحديث قال: حدثني أبو سلمة، أخرجها من
طريق معاذ بن هشام عن أبيه. وفيه: رواية التابعي عن صحابية. وفيه: أن رواته ما بين بلخي
وبصري ويماني ومدني.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضاً في الصوم عن مسدد،
رضي الله عنه، وفي الطهارة أيضاً عن سعد بن حفص عنه، وأخرجه مسلم في الطهارة عن
أبي موسى محمد بن المثنى، وأخرجه النسائي، رضي الله عنه، فيه عن عبيد الله بن سعيد
وإسحاق بن إبراهيم وعن إسماعيل بن مسعود، رضي الله تعالى عنه.
ذكر لغاته وإعرابه قوله: ((بينا)) أصله بين أشعث فتحة النون بالألف، وبينا وبينما ظرفا
زمان بمعنى المفاجأة، ومضافان إلى جملة من فعل وفاعل ومبتدأ وخبر ويحتاجان إلى جواب
يتم به المعنى، والأفصح في جوابها، أن لا يكون فيه، إذ وإذا، وهاهنا جاء الجواب، يإذ، وهو
قوله: ((إذا حضت)) وهو العامل فيه. قوله: ((مضطجعة)) أصله: مضتجعة، لأنه من باب الافتعال،
فقلبت التاء طاء، ويجوز فيه الرفع والنصب أما الرفع فعلى الخبرية وأما النصب فعلى الحال
قوله: ((في خميصة)) بفتح المعجمة وكسر الميم وهي كساء مربع له علمان، وقيل: الخمائض
ثياب من خز ثخان سود وحمر، ولها أعلام ثخان أيضاً، قاله ابن سيده، وفي (الصحاح)
كساء أسود مربع وإن لم يكن معلماً فليس بخميصة، وفي (الغريبين) قال الأصمعي:
الخمائص ثياب خز أو صوف، معلمة، وهي سود، كانت من لباس الناس، وقال ابن سيده:
والخميلة والخملة، القطيفة، وقا السكري: الخميل القطيفة ذات الخمل، والخمل هدب
القطيفة ونحوها مما ينسج، ويفضل له فضول، وفي (الصحاح) هي الطنفسة، وزعم النووي،
رحمه الله أن أهل اللغة قالوا: وهو كل ثوب له خمل من أي لون كان، وقيل: هو الأسود من
الثاب. قولها: ((فانسللت)) أي: ذهبت في خفية لاحتمال وصول شيء من الدم إليه عَ ئية أو
لأنها تقذرت نفسها ولم ترتضها لمضاجعته عَّ له، وخافت أن ينزل الوحي على النبي عَ ◌ّه،
فانسلت لئلا تشغله حركتها عما هو فيه من الوحي أو غيره. قوله: ((أنفست)) بفتح النون
وكسر الفاء، قال النووي: رحمه الله، هذا هو الصحيح في اللغة بمعنى: حضت، فأما في
الولادة، فنفست، بضم النون وكسر الفاء، وقيل: بضم النون وفتحها، وفي الحيض بالفتح لا
غير، وفي (الواعي) نفست: بضم النون، حاضت وفي (نوادر اللحياني) ومن خط أبي موسى
الحافظ: نفست المرأة تنفس، بالكسر في الماضي والمستقبل، إذا حاضت، وفي (أدب
الكتاب) عن ثعلب، النفساء الوالدة والحامل والحائض، وقال ابن سيده: والجمع من كل
ذلك، نفساوات ونفاس ونفاس ونفس ونفس ونفس ونفس ونفاس. قوله: ((ثياب حيضتي))
بكسر الحاء، وهي حال الحيض هذا هو الصحيح المشهور، وقال الكرماني: وقيل يحتمل،
فتح الحاء هنا أيضاً، فإن الحيضة، بالفتح، هي الحيض. قلت: لا يقال هنا بالاحتمال، فإن
١

**: ١٫
٦ - كتاب الحيضِ / باب (٤)
٣٩٢
كلاً منهما لغة ثبت عن العرب، وهي أن الحيضة: بالكسر، الاسم من الحيض، والحال التي
تلزمها الحائض من التجنب والتحيض، كالجلسة والقعدة من الجلوس والقعود، فأما الحيضة
بالفتح، فالمرة الواحدة من دفع الحيض أو ثوبه وأنت تفرق بينهما بما تقتضيه قرينة الحال من
مساق الحديث، وجاء في حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها: ليتني كنت حيضة ملقاة،
هي بالكسر خرقة الحيض، وجزم الخطابي هنا برواية الكسر، ورجحها النووي، ورجح
القرطبي رواية الفتح لوروده في بعض طرقه بلفظ: حيض بغير تاء.
ذكر استنباط الأحكام منها: جواز النوم مع الحائض في ثيابها والاضطجاع معها في
لحاف واحد. ومنها: استحباب اتخاذ المرأة ثياباً للحيض غير ثيابها المعتادة. ومنها: أن
عرقها طاهر. فإن قلت: قال الله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ [البقرة: ٢٢٢] قلت:
معناه فاعتزلوا وطئهن. ومنها: التنبيه على أن حكم الحيض والنفاس واحد في منع وجوب
الصلاة وعدم جواز الصوم ودخول المسجد والطواف وقراءة القرآن ومس المصحف ونحو
ذلك. فإن قلت: لِمَ لَمْ ينص البخاري على حكم النفاس وحده؟ قلت: قال المهلب: لأنه لم
يجد حديثاً على شرطه في حكم النفاس.
واستنبط من الحديث أن حكمهما واحد. قلت: النصوص فيها كثيرة. منها: حديث أم
سلمة، رضي الله تعالى عنها: ((كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله عَ ليه أربعين يوماً))
وقال الحاكم: صحيح الإسناد وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث سهيل عن مسة الإزدية
عن أم سلمة، وحسنه البيهقي والخطابي، وقال الأزدي: حديث مسة أحسنها. وعند
الدارقطني: ((أن أم سلمة سألت رسول الله عَّله كم تجلس المرأة، إذا ولدت؟ قال: أربعين
يوماً إلاَّ أن ترى الطهر قبل ذلك)) وعند ابن ماجة، من حديث سلام بن سليم عن حميد عن
أنس، رضي الله عنه: ((وقت النبي عَ لِه للنفساء أربعين يوماً)) وحديث عثمان عن أبي العاص
مثله، وضعفه ابن عدي. وقال الحاكم: إن سلم هذا الإسناد من أبي بلال فإنه مرسل صحيح،
فإن الحسن لم يسمع من عثمان، وحديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه، أخرجه
الحاكم في (المستدرك) وحديث عائشة رضي الله تعالى عنها، أخرجه أحمد بن حنبل في
كتاب الحيض، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ضعفه ابن عدي، وحديث عائذ بن
عمرو ضعفه الدارقطني، وحديث جابر رضي الله تعالى عنه رواه الطبراني في (معجمه
الأوسط) وحديث عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه ضعفه ابن حزم، وحديث العلاء بن
كثير عن أبي الدرداء وأبي هريرة، رضي الله عنهما، رواه ابن عدي بالإرسال فيما بين
مكحول وبينهما. وأما موقوف ابن عباس فسنده صحيح في مسند الدارمي، وخرجه أيضاً ابن
الجارود في (المنتقى) وفي (كتاب الأحكام) لأبي علي الطوسي، أجمع أهل العلم من
الصحابة والتابعين فمن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوماً إلاَّ أن ترى الطهر قبل
ذلك، فإنها تغتسل وتصلي، فإذا رأت الدم بعد الأربعين فإن أكثر أهل العلم قالوا: لا تدع
الصلاة بعد الأربعين، وهو قول أكثر أهل العلم من الفقهاء، ويروى عن الحسن، تدع الصلاة
١٠
١٠
١٠٠

٣٩٣
٦ - كتاب الحيضٍ / باب (٥)
خمسين يوماً، وعن عطاء ستين يوماً.
٥ - بابُ مُبَاشَرَةِ الحَائِضِ
أي: هذا باب في بيان حكم المباشرة مع زوجته الحائض وأراد بالمباشرة هنا مماسة
الجلدين لا الجماع، فإن جماع الحائض حرام على ما نذكره مفصلاً إن شاء الله تعالى.
والمناسبة بين البابين ظاهرة جداً، وهو وجود المباشرة في كل منهما.
٢٩٩/٦ - حدّثنا قَبِيصَةُ قالَ حدّثنا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ
عَائِشَةَ قَالَتْ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ عَ لَّهِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ كِلاَنَا مُجُنُبٌ. [انظر الحديث ٢٥٠
وأطرافه].
٣٠٠ _ وَكَانَ يَأْمُرُنِي فَأَتَزِرُ فَيُبَاشِرُنِي وأنا حائِضٌ. [الحديث ٣٠٠ - طرفاه في:
٣٠٢، ٢٠٣٠].
٣٠١ - وَكانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ إِلَيَّ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَأُغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ. [انظر الحديث
٢٩٥ وأطرافه].
i
مطابقة الحديث للترجمة في قولها: ((فيباشرني)).
ذكر رجاله وهم ستة: قبيصة، بفتح القاف وكسر الباء الموحدة وسكون الياء آخر
الحروف وفتح الصاد المهملة وفي آخره تاء: ابن عقبة أبو عامر الكوفي، وسفيان الثوري،
ومنصور بن المعتمر، وإبراهيم النخعي، وخالد الأسود بن يزيد كلهم تقدموا في باب علامة
المنافق.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في أربعة
مواضع. وفيه: أن رواته كلهم عائشة كوفيون. وفيه: رواية التابعي عن الصحابية. فإن قلت:
إبراهيم، هل أدرك أحداً من الصحابة، أو سمع من أحد منهم؟ قلت: ذكر العجلي: إبراهيم
النخعي لم يحدث عن أحد من الصحابة، وقد أدرك منهم جماعة، وقد رأى عائشة، رضي الله
تعالى عنها، ويقال: رأى أبا جحيفة وزيد بن أرقم وابن أبي أوفى ولم يسمع منهم، وعن ابن
حبان بأنه سمع المغيرة والله تعالى أعلم.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضاً في آخر الصوم عن محمد
ابن يوسف الفريابي، وأخرجه مسلم في الطهارة عن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب
وإسحاق بن إبراهيم ثلاثتهم عن جرير عن منصور به، وأخرجه أبو داود فيه عن مسلم بن
إبراهيم عن شعبة وأخرجه الترمذي فيه عن بندار عن ابن مهدي عن سفيان به وأخرجه النسائي
فيه عن إسحاق بن إبراهيم به، وفي عشرة النساء عن محمود بن غيلان عن وكيع عن سفيان
به وعن إسماعيل بن مسعود، وأخرجه ابن ماجة في الطهارة عن أبي بكر بن أبي شيبة به.
ذكر معناه وإعرابه قولها: ((أنا والنبي) النبي بالرفع والنصب وأما الرفع فبالعطف على
i
i.
i
i
i
i
/٣١

٣٩٤
٦ - كتاب الحيضٍ / باب (٥)
الضمير المرفوع في: كنت، وأما النصب فعلى أن: الواو، بمعنى المصاحبة. وقولها: ((أنا)) ذكر
لأن في عطف الظاهر على الضمير المرفوع المستكن بدون التأكيد خلافاً، كما ذكر في
موضعه. قولها: ((كلانا جنب)) وقع حالاً، وإنما لم تقل: كلانا جنبان، لأنها اختارت اللغة
الفصيحة وقد ذكرنا أن الجنب يستوي فيه الواحد والمثنى والجمع في اللغة الفصحى، وإن
كان يقال: جنبان وجنبون. قولها: ((وكان يأمرني)) أي: وكان النبي عَّ ◌َّه يأمرني بالاتزار قولها:
(فأتزر)) بفتح الهمزة وتشديد التاء المثناة من فوق، وأصله ائتزر، بالهمزتين أولاهما مفتوحة،
والثانية ساكنة، لأن أصله من أزر، فنقل إلى باب، افتعل، فصار، اتزر يتزر، وكذا استعمل من
غير إدغام في حديث آخر، وهو: ((كان النبي عَُّلِّ يباشر بعض نسائه وهي مؤتزرة في حالة
الحيض)). وقال ابن الأثير: وقد جاء في بعض الروايات: وهي منتزرة، وهو خطأ، لأن الهمزة
لا تدغم في التاء. قلت: فعلى هذا ينبغي أن يقرأ: فآتزر بالمد، لأن الهمزتين إذا اجتمعتا
وكانت الأولى متحركة والثانية ساكنة أبدلت الثانية حرف علة من جنس حركة الأولى،
فتبدل ألفاً بعد الفتحة، فكذلك هاهنا، لأن أصله أتزر، بهمزتين الأولى متحركة والثانية
ساكنة، فأبدلت الثانية ألفاً فصارت: آتزر بالمد. وقال ابن هشام: وعوام المحدثين يحرفونه
فيقرؤونه بألف وتاء مشددة، ولا وجه له لأنه افتعل من الإزار، ففاؤه همز فساكنة بعد همزة
المضارعة المفتوحة، وكذا الزمخشري أنكر الإدغام. وقال الكرماني: فإن قلت: لا يجوز
الإدغام فيه عند التصريف، قال صاحب (المفصل) قول من قال: اتزر خطأ. قلت: قول
عائشة، وهي من فصحاء العرب، حجة في جوازه، فالمخطىء مخطىء، قلت: إنما يصح ما
ادعاه إذا ثبت عن عائشة أنها قالت بالإدغام، فلم لا يجوز أن يكون هذا خطأ مثل ما قال
معظم أئمة هذا الشأن، ويكون الخطأ من بعض الرواة أو من عوام المحدثين لا من عائشة،
رضي الله تعالى عنها. قولها: ((وأنا حائض)) في الموضعين جملة حالية، وكذلك قولها: ((وهو
معتكف)) الاعتكاف في اللغة مجرد اللبث، وفي الشريعة: لبث في المسجد مع الصوم،
والاعتكاف من باب الافتعال من: عكف يعكف عكوفاً إذا أقام، وعكفه عكفاً إذا حبس.
ذكر استنباط الأحكام منها: جواز اغتسال الرجل مع امرأته من إناء واحد، وقد مر
الكلام فيه مستوفى. ومنها: جواز مباشرة الحائض وهي: الملامسة، من لمس بشرة الرجل
بشرة المرأة، وقد ترد المباشرة بمعنى الجماع، والمراد هاهنا المعنى الأول بالإجماع.
ثم اعلم أن مباشرة الحائض على أقسام: أحدها: حرام بالإجماع، ولو اعتقد حله
يكفر، وهو أن يباشرها في الفرج عامداً، فإن فعله غير مستحل يستغفر الله تعالى ولا يعود
إليه، وهل يجب عليه الكفارة أو لا؟ فيه خلاف، فذهب جماعة إلى وجوب الكفارة، منهم:
قتادة والأزاعي وأحمد وإسحاق والشافعي في القديم، وقال في الجديد: لا شيء عليه، ولا
ينكر أن يكون فيه كفارة لأنه وطء محظور كالوطء في رمضان. وقال أكثر العلماء، لا شيء
عليه سوى الاستغفار، وهو قول أصحابنا أيضاً. وقال الثوري: ولو فعله غير معتقد حله، فإن
كان ناسياً أو جاهلاً بوجود الحيض أو جاهلاً تحريمه أو مكرهاً فلا إثم عليه ولا كفارة، وإن

٣٩٥
٦ - كتاب الحيضٍ / باب (٥)
كان عالماً بالحيض وبالتحريم مختاراً عامداً فقد ارتكب معصية نص الشافعي على أنها
كبيرة، ويجب عليه التوبة وفي وجوب الكفارة قولان: أصحهما، وهو قول الأئمة الثلاثة: لا
كفارة عليه. ثم اختلفوا في الكفارة، فقيل: عتق رقبة، وقيل: دينار ونصف دينار على اختلاف
بينهم، هل الدينار في أول الدم ونصفه في آخره؟ أو الدينار في زمن الدم ونصفه بعد
انقطاعه؟ فإن قلت: روى أبو داود عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، عن النبي عَ لّه في
الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال: ((يتصدق بدينار أو بنصف دينار)) ورواه بقية الأربعة:
قلت: رواه البيهقي وأعله بأشياء: منها: أن جماعة رووه عن شعبة، موقوفاً على ابن عباس،
وأن شعبة رجع عن رفعه، ومنها: أنه روي مرسلاً. ومنها: أنه روي معضلاً، وهو رواية
الأوزاعي عن يزيد بن أبي مالك عن عبد الحميد بن عبد الرحمن عن النبي عَ ليه قال: ((أمرت
أن يتصدق بخمسي دينار))، والمعضل نوع خاص من المنقطع، فكل معضل منقطع، وليس
کل منقطع معضلاً، وقوم يسمونه مرسلاً، ومنها: أن في متنه اضطراباً، لأنه روي: بدینار،
ونصف دينار على الشك، وروي: يتصدق بدينار فإن لم يجد فبنصف دينار، وروي: يتصدق
بنصف دینار، وروي: إن كان دماً أحمر فدينار، وإن كان أصفر فنصف دينار، وروي: إن كان
الدم عبيطاً فليتصدق بدينار، وإن كان صفرة فنصف دينار. قلت: هذا الحديث صححه
الحاكم وابن القطان، وذكر الخلال عن أبي داود أن أحمد قال: ما أحسن حديث عبد
الحميد، وهو أحد رواة هذا الحديث، وهو من رجال الصحيح، وهو عبد الحميد بن عبد
الرحمن بن زيد بن الخطاب بن نفيل القرشي الهاشمي العدوي، عامل عمر بن عبد العزيز
على الكوفة، رأى عبد الله بن عباس وسأله، وروى عن حفصة زوج النبي عَّةِ، وقيل لأحمد:
تذهب إليه؟ قال: نعم، إنما هو كفارة، ثم إن شعبة إن كان رجع عن رفعه فإن غيره رواه
مرفوعاً، وهو عمرو بن قيس الملائي وهو ثقة، ومن طريقه أخرجه النسائي، وكذا رواه قتادة
مرفوعاً وأسقطا في روايتهما عبد الحميد، ومقتضى القواعد أن رواية الرفع أشبه بالصواب لأنه
زيادة ثقة، وأما ما روي فيه من خمسي دينار، أو عتق نسمة، وغير ذلك، فما منها شيء يعول
عليه، ثم إن الذين ذهبوا إلى عدم وجوب الصدقة، أجابوا أن قوله عَ له: ((يتصدق))، محمول
على الاستحباب، إن شاء تصدق وإلاَّ لا، وعن الحسن أنه قال: عليه ما على من واقع أهله.
في رمضان.
i
!
i
.
النوع الثاني من المباشرة: فيما فوق السرة وتحت الركبة بالذكر أو بالقبلة أو
المعانقة أو اللمس أو غير ذلك، فهذا حلال بالإجماع، إلاَّ ما حكي عن عبيدة السلماني
وغيره من أنه لا يباشر شيئاً منها، فهو شاذ منكر مردود بالأحاديث الصحيحة المذكورة في
(الصحيحين) وغيرهما في مباشرة النبي عَّ ◌ُّه فوق الإزار.
النوع الثالث: المباشرة فيما بين السرة والركبة في غير القبل والدبر، فعند أبي حنيفة
حرام، وهو رواية عن أبي يوسف، وهو الوجه الصحيح للشافعية، وهو قول مالك: وقول أكثر
العلماء منهم: سعيد بن المسيب وشريح وطاوس وعطاء وسليمان بن يسار وقتادة. وعند
!
i

٠٧٥
٣٩٦
٦ - كتاب الحيضٍ / باب (٥)
محمد بن الحسن وأبي يوسف في رواية يتجنب شعار الدم فقط، وممن ذهب إليه عكرمة
ومجاهد والشعبي والنخعي والحكم والثوري والأوزاعي وأحمد وأصبغ وإسحاق بن راهويه
وأبو ثورة وابن المنذر وداود، وهذا أقوى دليلاً لحديث أنس، رضي الله تعالى عنه: ((اصنعوا
كل شيء إلاّ النكاح)) اقتصار النبي عَّ له في مباشرته على ما فوق الإزار محمول على
الاستحباب، وقول محمد هو المنقول عن علي وابن عباس وأبي طلحة، رضي الله تعالى
عنهم، وذكر القرطبي عن مجاهد: كانوا في الجاهلية يتجنبون النساء في الحيض، ويأتونهن
في أدبارهن في مدته. والنصارى كانوا بجامعونهن في فروجهن، واليهود والمجوس كانوا
يبالغون في هجرانهن وتجنبهن فيعتزلونهن انقطاع الدم وارتفاعه سبعة أيام، ويزعمون أن ذلك
في كتابهم.
ومنها: جواز استخدام الزوجات. ومنها: فيه طهارة عرق الحائض. ومنها: أن إخراج
الرأس من المسجد لا يبطل الاعتكاف.
٣٠٢/٧ - حدّثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ قَالَ أَخْبَرنا عَليُّ بْنُ مُسْهِرٍ قالَ أَخْبَرَنا أَبُو
إِسْحاقَ هُوَ الشُّيْتَانِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الأسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كانتْ إِحْدَانَا إذَا
كانَتْ حَائِضاً فأرَادَ رسولُ اللَّهِ عَ لِّ أنْ يُبَاشِرَهَا أَمَرَها أَنْ تَتَّزِرَ فِي فَوْرِ خَيْضَتِها ثُمَّ يُبَاشِرُها
قالَتْ وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِزْبَهُ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ عَلَّهِ يَجْلِكُ إِرْبَهُ. [انظر الحديث ٣٠٠ وطرفاه].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله وهم ستة: الأول: إسماعيل بن خليل أبو عبد الله الكوفي الخزاز، بالخاء
المعجمة والزايين المعجمتين أولاهما مشددة، قال البخاري: جاءنا نعيه سنة خمس وعشرين
ومائتين. الثاني: علي بن مسهر، بضم الميم وسكون السين المهملة وكسر الهاء وبالراء أبو
الحسن القرشي الكوفي، مات سنة تسع وثمانين ومائة. الثالث: أبو إسحاق الشيباني سليمان
ابن فيروز، من مشاهير التابعين، مات سنة إحدى وأربعين ومائة. الرابع: عبد الرحمن بن
الأسود بن يزيد النخعي، من خيار التابعين والعلماء العاملين، مات سنة تسع وتسعين.
الخامس: أبوه الأسود بن يزيد، وقد مر غير مرة. السادس: عائشة أم المؤمنين، رضي الله
تعالى عنها.
ذكر لطائف إسناده فيه: خليل، بدون الألف واللام في رواية أبي ذر وكريمة، وفي
رواية غيرهما: الخليل، بالألف واللام. فإن قلت: هو علم فلا تدخله أداة التعريف. قلت: إذا
قصد به لمح الصفة يجوز كما في: العباس والحارث ونحوهما وفيه: التحديث، أشار إلى
أنه تعريف له من تلقاء نفسه، وليس من كلام شيخه. وفيه: أن رواته كلهم إلى عائشة
كوفيون. وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابة.
ذكر من أخرجه غيره أخرجه مسلم في الطهاة عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن
حجر. وأخرجه أبو داود فيه عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير، وأخرجه ابن ماجة فيه عن أبي

٣٠,
٣٩٧
٦ - كتاب الحيضٍ / باب (٥)
بكر بن أبي شيبة به، وعن أبي سلمة يحيى بن خلف.
ذكر معناه قولها: ((كانت إحدانا)) أرادت: إحدى زوجات النبي عَّةٍ، وفي رواية
مسلم: ((كان إحدانا)) بدون التاء، وحكى سيبويه في كتابه أنه قال بعض العرب، قال امرأة
قوله: ((أن يباشرها)) من المباشرة التي هي أن يمس الجلد الجلد، وليس المراد به الجماع،
كما ذكرنا فيما مضى. قوله: ((أن تتزر)» قد ذكرنا أن اللغة الفصحى بأتزر بالهمزة بلا إدغام.
قوله: ((في فور حيضها)) بفتح الفاء وسكون الواو، وفي آخره راء، وأرادت به معظم حيضتها
ووقت كثرتها، وقال الجوهري: فورة الحر شدته، وفار القدر فوراً إذا حاشت، وحيضتها بفتح
الحاء لا غير. قوله: ((إربه)) بكسر الهمزة وسكون الراء وبالباء الموحدة، وقيل: المراد عضوه
الذي يستمنع به، وقيل: حاجته، وفي كتاب (المنتهى) فيه لغات إرب وإربة وأراب ومأربة
ومأربة ومأربة، عن أبي سلمة، وفي الحديث: ولكنه ((أملككم لإربه))، قال الأصمعي: هي
الحاجة، أي: أضبطكم لشهوته، وقال ابن الأعرابي: أي: لجزمه، وضبط نفسه وقد أرب
يأرب إرباً إذا احتاج. يقال إن فلاناً لأرب بفلانة إذا كان ذا هم بها، ويشهد لقول ابن
الأعرابي ما جاء في بعض الروايات: ((أملككم لنفسه)) وفي (المحكم) و (الجامع) والمأرب،
وهي الإراب والأرب، وقال الخطابي: وأكثر الرواة يقولون: لإربه، والإرب العضو، وإنما هو
الأرب مفتوحة الراء، وهي الوطء وحاجة النفس، وقد يكون الإرب، الحاجة أيضاً، والأول
أميز، وكذا حكاه صاحب (الواعي) وأما ابن سيده وابن عديس في كتاب (الباهر) فقالا
الإرب بكسر الهمز جمع إربة، وهي الحاجة، وقال أبو جعفر النحاس: أخطأ من رواه بكسر
الهمزة. قال: وإنما هي بفتحها. وفي (مجمع الغرائب) لعبد الغافر هو في الكلام معروف
الإرب والإربة بمعنى الحاجة، فإن كان الأول محفوظاً، يعني في حديث عائشة ففيه ثلاث
لغات، الإرب والأرب والإربة، والإرب يكون بمعنى العضو فيحتمل أنها أرادت كان أملككم
لعضوه، لأنها ذكرت التقبيل في الصوم وفي (المغيث) لأبي موسى: أرب في الشيء رغب
فيه، والحاصل أن النبي عَّ}. كان أملك الناس لأمره، فلا يخشى عليه ما يخشى على غيره
ممن يحوم حول الحمى، وكان يباشر فوق الإزار تشريعاً لغيره.
ذكر استنباط الأحكام منها: جواز مباشرة الحائض فيما فوق الإزار، وقد مر الكلام فيه
مستوفيّ، ومنها: أن الحائض لا بد لها من الاتزار في أيام حيضها، إلا أن النبي عَّ له أمر
عائشة بذلك، وذلك لتمتنع المرأة به عن الجماع، وروى أبو داود عن ميمونة، رضي الله
تعالى عنها، أن النبي عَّله: ((كان يباشر المرأة من نسائه وهي حائض إذا كان عليها إزار إلى
أنصاف الفخذ أو الركبتين تحتجز به)) أي: بالإزار عن الجماع في رواية محتجزة به، أي:
حال كون المرأة ممتنعة به عن الجماع، وأصله من حجزه يحجزه حجزاً أي: منعه من باب:
نصر ينصر، ومنه الحاجز بين الشيئين، وهو الحائل بينهما. ومنها: أن هذه المباشرة إنما تجوز
له إذا كان يضبط نفسه ويمنعها من الوقوع في الجماع، وإن كان لا يملك ذلك فلا يجوز له
ذلك، لأن من رعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، وعليه بعض الشافعية، واستحسنه
i

٣٩٨
ـة تضمراد
٦ - كتاب الحيضٍ / باب (٥)
النووي. ومنها: أن التقييد بقولها: في فور حيضتها، يدل على الفرق بين ابتداء الحيض وما
بعده، ويشهد لذلك ما رواه ابن ماجة في (سننه) بإسناد حسن عن أم سلمة، رضي الله تعالى
عنها أنه معَّله: ((كان يتقي سورة الدم ثلاثاً ثم يباشرها بعد ذلك)) ولا منافاة بينه وبين
الأحاديث الدالة على المباشرة مطلقاً، لأنها تجمع بينها على اختلاف الحالتين، والله تعالى
أعلم.
تابعَهُ خَالِدٌ وَجَرِيرٌ عَنِ الشيْبَانِيِّ
أي تابع علي بن مسهر خالد بن عبد الله الواسطي في رواية هذا الحديث عن أبي
إسحاق الشيباني، وقد وصلها أبو القاسم التنوخي من طريق وهب بن بقية عنه. قوله:
((وجرير)» عطف على: خالد، أي: وتابعه أيضاً جرير بن عبد الحميد في رواية هذا الحديث
عن الشيباني عن عبد الرحمن، وقد وصل هذه المتابعة أبو داود، وقال: حدّثنا عثمان بن أبي
شيبة، وقال: حدّثنا جرير عن الشيباني عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عائشة، قالت:
(كان رسول الله عَ ليه يأمرنا في فوح حيضتنا أن نتزر ثم يباشرنا، وأيكم كان يملك إربه؟ كان
رسول الله عَّهِ يملك إربه)) رواه الإسماعيلي والحاكم في (مستدركه) أيضاً. قوله: ((في فوح
حيضتنا)) فوح الحيض، بالفاء والحاء المهملة، معظمه وأوله، مثله، فوعة الدم، يقال: فاع وفاح
بمعنى واحد، وفوعة الطيب أول ما يفوح منه، ويروى بالغين المعجمة وهو لغة فيه، وفي رواية
البخاري ومسلم: ((في فور حيضتنا)) كما ذكرناه.
٨/ ٣٠٣ - حدثنا أبو النُّعْمانِ قالَ حدّثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ حدّثنا الشَّيْبَانِيُ قالَ حدّثنا
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ قالَ سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ تقولُ كانَ رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُبَاشِرَ امْرَأَةً مِنْ
نِسَائِهِ أَمَرَها فَاتَّزَرَتْ وَهِيَ حائِضٌ.
مطابقته للترجمة ظاهرة.
ذكر رجاله وهم خمسة: الأول: أبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي المعروف.
بعارم. الثاني: عبد الواحد بن زياد البصيري. الثالث: أبو إسحاق الشيباني. الرابع: عبد الله
ابن شداد، بتشديد الدال ابن الهاد الليثي. الخامس: ميمونة، أم المؤمنين، رضي الله تعالى
عنها.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع. وفيه: السماع في
موضع واحدج وفيه: رواية التابعي عن التابعي عن الصحابية. وفيه: أن رواته ما بين بصري،
وكوفي ومدني.
ذكر من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في الطهارة عن يحيى بن يحيى عن خالد بن
عبد الله عن الشيباني به، وأخرجه أبو داود في النكاح عن مسدد، ومحمد بن العلاء، كلاهما
عن حفص بن غياث عن الشيباني، وأخرجه ابن ماجة بسند صحيح من حديث أم حبيبة،
رضي الله تعالى عنها: ((كانت إحدانا في فورها أول ما تحيض تشد عليها إزاراً إلى أنصاف
١٣٤/١

١٣٠
٣٩٩
٦ - كتاب الحيضٍ / باب (٦)
فخذيها ثم تضطجع معه، عليه الصلاة والسلام)) وأخرج أبو يعلى الموصلي، من حديث عمرو
رضي الله تعالى عنه: ((له ما فوق الإزار وليس له ما تحته)) وفي لفظ: ((لا يطلعن إلى ما تحته
حتى يطهرن)) وأخرج أبو داود بسند صحيح عن بعض أزواج النبي عَّ له: ((أنه كان إذا أراد من
الحائض شيئاً ألقى على فرجها ثوباً) وأخرج ابن أبي داود بسند جيد عن أم سلمة: ((أن رسول
الله عَِّ كان يباشرها وعلى قبلها ثوب)) تعني: وهي حائض، وأخرج أبو داود من حديث
معاذ وعبد الله بن سعد: (ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ قال: ما فوق الإزار)) وفي
حديث معاذ: ((والتعفف عن ذلك أجمل))، وأخرج عبد الله بن وهب بسند صحيح من حديث
كريب، قال: سمعت أم المؤمنين تقول: ((كان رسول الله عَ لّه يضطجع معي وأنا حائض،
وبيني وبينه ثوب))، وأخرج الدارمي في (مسنده) من حديث أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل،
قال: ((قالت أم المؤمنين: كنت أتزر وأنا حائض وأدخل مع النبي عَ لّه في لحافه)) وإسناده
صحيح، وفي (الموطأ) عن زيد بن أسلم: ((سأل رجل النبي عَ لَّه ما يحل لي من امرأتي وهي
حائض؟ قال لتشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها)) قال أبو عمر: لا أعلم أحداً روى هذا
الحديث مسنداً بهذا اللفظ.
ورَوَاهُ سُفْيَانُ عَنِ الشَّيْبَانِي
يعني: روى هذا الحديث سفيان الثوري عن أبي إسحاق الشيباني، كذا قال بعضهم،
سفيان هو: الثوري. وقال الكرماني، سواء كان هو الثوري أو ابن عيينة فهو على شرط
البخاري فلا بأس في إبهامه، وقال صاحب (التلويح) وكان البخاري يريد بمتابعة سفيان هنا
المعنى لا اللفظ، وذلك أن أبا داود قال: حدّثنا محمد بن الصباح عن سفيان بن عيينة عن
أبي إسحاق الشيباني سمع عبد الله بن شداد عن ميمونة: ((أن النبي عَّةِ مرط على بعض
أزواجه منه وهي حائض)) وقد رواه عن الشيباني أيضاً بهذا الإسناد خالد بن عبد الله عند
مسلم وجرير بن عبد الحميد عند الإسماعيلي، ورواه عنه أيضاً بإسناد ميمونة حفص بن
غياث عند أبي داود، رحمه الله، وأبو معاوية عند الإسماعيلي وأسباط بن محمد عن أبي
عوانة في (صحيحه)، وقال الكرماني: فإن قلت: قال رواه، ولم يقل تابعه؟ قلت: الرواية أعم
منها، فلعله لم يروها متابعة.
(١
٦ - بابُ تَرْكِ الحَائِضِ الصَّوْمَ
أي: هذا باب في بيان ترك الحائض الصوم في أيام حيضتها.
وجه المناسبة بين البابين من حيث إن كلاً منهما مشتمل على حكم من أحكام
الحيض. فإن قلت: الحائض تترك الصلاة أيضاً فما وجه ذكر الصوم في تركها دون الصلاة،
مع أنهما مذكوران في حديث الباب؟ قلت: تركها الصلاة لعدم وجود شرطها وهي الطهارة،
فكانت ملجأة إلى ذلك بخلاف الصوم، فخصص الصوم بالذكر دون الصلاة إشعاراً لما
i

٠٣٥٠٠
٦ - كتاب الحيضٍ / باب (٦)
٤٠٠
ذكرنا.
٣٠٤/٩ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ أَبي مَرْيَمَ قالَ أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قالَ أخبَرَنِي زَيْدٌ هُوَ
ابنُ أسْلَمَ عَنْ عِياضٍ بنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أبي سَعِيدِ الخُدْرِي قالَ خَرَجَ رسولُ اللَّهِ عَلّهِ فِي
أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ إلى المُصَلَّى فَمَوَّ عَلى النِّساءِ فقالَ: ((يا مَغْشَرَ النِّساء تَصَدَّقْنَ فإِنِّي أُرِيتُكُنَّ
أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ فَقُلْنَ وَبِمَ يا رسولَ اللَّهِ قالَ تُكْبِزْنَ اللَّغْنَ وَتَكْفُزْنَ العَشِيرَ ما رَأَيْتُ مِنْ
ناقصات عَقْلٍ ودِين أَذْهَبَ لِلُبِ الرَّجْلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْداكُنَّ قُلْنَ وما نُقْصانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا یا
رسولَ اللَّهِ قَالُ أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَزْأَةِ مِثْلَ نِصَفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ قُلْنَ بَلَى قَالَ فَذَلِكَ مِنْ
نُقْصَانٍ عَقْلِها أَلَيْسَ إذا حاضَتْ لَمْ تَصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ قُلْنَ بَلَى قَالَ فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِها.
[الحديث ٣٠٤ - أطرافه في: ١٤٦٢، ١٩٥١، ٢٦٥٨].
مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((ولم تصم)).
بيان رجاله وهم خمسة: الأول: سعيد بن أبي مريم وهو سعيد بن الحكم بن محمد
ابن سالم المعروف بابن أبي مريم الجمحي، أبو محمد المصري، مر ذكره في باب من
سمع شيئاً في كتاب العلم. الثاني: محمد بن جعفر وهو ابن أبي كثير، بفتح الكاف وبالثاء
المثلثة الأنصاري. الثالث: زيد بن أسلم، بلفظ الماضي، أبو أسامة المدني، مر في باب
كفران العشير. الرابع: عياض، بكسر العين المهملة بن عبد الله وهو ابن أبي سرح العامري،
لأبيه صحبة. الخامس: أبو سعيد الخدري: واسمه سعد بن مالك.
ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع فى موضعين: وفيه: الإخبار بصيغة
الإفراد في موضع واحد: وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه: رواية تابعي عن تابعي عن صحابي.
وفيه: أن رواته مدنيون ما خلا ابن أبي مريم فإنه مصري.
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري مقطعاً في الصوم والطهارة وفي
الزكاة، وأخرجه في العيدين بطوله وأخرجه مسلم في الإيمان عن حسن الحلواني ومحمد بن
إسحاق الصاغاني، كلاهما عن ابن أبي مريم عن يحيى بن أيوب وقتيبة وعلي بن حجر،
ثلاثتهم عن إسماعيل بن جعفر عن داود بن قيس عنه به، وأخرجه النسائي في الصلاة عن
قتيبة عن عبد العزيز بن محمد وعن عمرو بن علي عن يحيى بن سعيد. وأخرجه ابن ماجة
عن أبي کریب عن أبي أسامة، ثلاثتهم عن داود بن قيس نحوه.
بيان لغاته ومعناه قوله: ((خرج رسول الله عَ لّ)) يعني: خرج إما من بيته أو من
مسجده. قوله: ((في أضحى)) أي: في يوم أضحى، قال الخطابي: الأضحية شاة تذبح يوم
الأضحى، وفيها أربع لغات: أضحية، بضم الهمزة وبكسرها، وضحية وأضحاة، والجمع:
أضحى، وبها سمي يوم الأضحى، والأضحى يذكر ويؤنث، وقيل: سميت بذلك لأنها تفعل
في الأضحى وهو ارتفاع النهار. قوله: ((أو فطر)) أي: أو يوم فطر، وهو يوم عيد الفطر، والشك
من الراوي. وقال الكرماني: الشك من أبي سعيد. قلت: لا يتعين ذلك. قوله: ((إلى المصلى))
هو موضع صلاة العيد في الجبانة. قوله: ((فقال: يا معشر النساء»، المعشر: الجماعة متخالطين