Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٧٦) ولطف كقوله: بلى ونعم. قلت: هذا الباب فيه خلاف بين المحدثين، وقد عرف في موضعه، ولكن لا حجة في هذا للمانعين لأنه يحتمل الأوجه التي ذكرناها بخلاف غيره. ومنها ما قاله ابن بطال: فيه أن الوضوء عند النوم مندوب إليه مرغوب فيه، وكذلك الدعاء، لأنه قد تقبض روحه في نومه فيكون قد ختم عمله بالوضوء والدعاء الذي هو أفضل الأعمال، ثم إن هذا الوضوء مستحب وإن كان متوضئاً كفاه ذلك الوضوء، لأن المقصود النوم على طهارة مخافة أن يموت في ليلته، ويكون أصدق لرؤياه وأبعد من تلعب الشيطان به في منامه. ومنها: النوم على الشق الأيمن لأن النبي، عليه الصلاة والسلام، كان يحب التيامن، ولأنه أسرع إلى الانتباه. وقال الكرماني: وأقول: وإلى انحدار الطعام كما هو مذكور في الكتب الطيبة. قلت: الذي ذكره الأطباء خلاف هذا فإنهم قالوا النوم على الأيسر روح للبدن وأقرب إلى انهضام الطعام، ولكن اتباع السنة أحق وأولى. ومنها: ذكر الله تعالى لتكون خاتمة عمله ذلك اللهم اختم لنا بالخير. F ــوة. ser بسم الله الرحمن الرحيم ٥ - كتاب الغُشْلِ أي: هذا كتاب في بيان أحكام الغسل، هو بضم الغين لأنه اسم للاغتسال، وهو: إسالة الماء وإمراره على الجسم، وبفتح الغين مصدر. وفي (المحكم) غسل الشيء يغسله غسلاً وغسلاً، وهذا لم يفرق بين الفتح والضم وجعل كلاهما مصدراً وغيره يقول بالفتح مصدر، وبالضم اسم، وبالكسر اسم لما يجعل مع الماء كالأشنان ونحوه، ووقع في رواية الأصيلي: باب الغسل وهذا أوجه لأن الكتاب يجمع الأنواع والغسل نوع واحد من أنواع الطهارة وإن كان في نفسه يتعدد: وكذا حذفت البسملة في رواية الأصيلي وفي رواية غيره البسملة، ثم كتاب الغسل. ثم إنه لما فرغ من بيان الطهارة الصغرى بأنواعها شرع في بيان الطهارة الكبرى بأنواعها، وتقديم الصغرى لكثرة دورانها بخلاف الكبرى. وقول اللَّهِ تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ بُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا مِاءً فَتَيَمَّمُوا صَيِداً طَيِباً فامْسَحُوا بِوُوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يِرِيدُ اللَّهُ ليَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجِ وَلَكِنْ يُرِيدْ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]. وقوْلِهِ جَلَّ ذِكّرُهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا مُجُنُباً إلا عَابِرِي سَبيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وإنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ علَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمْ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءَ فَتَيَسَّمُوا صَعِيداً طَيِباً فامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ [النساء: ٤٣]. افتتح كتاب الغسل بالآيتين الكريمتين إشعاراً بأن وجوب الغسل على الجنب بنص القرآن قوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ [المائدة: ٦] أي: إغسلوا أبدانكم على وجه المبالغة، والجنب يستوي فيه الواحد والإثنان والجمع والمذكر والمؤنث لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الإجناب، يقال: أجنب يجنب إجناباً، والجنابة الاسم، وهو في اللغة البعد، وسمي الإنسان جنباً لأنه نهي أن يقرب من مواضع الصلاة ما لم يتطهر، ويجمع على أجناب وجنبين. وقوله: ﴿فاطهروا﴾ [المائدة: ٦] القاعدة تقتضي أن يكون أصله، تطهروا فلما قصدوا الإدغام قلبت التاء طاء فأدغم في الطاء، واجتلبت همزة الوصل، ومعناه: طهروا أبدانكم. قلت: أصله من باب التفعل ليدل على التكلف والاعتمال، وكذلك باب الافتعال يدل عليه، نحو: أطهر أصله من: طهر يطهر، فنقل طهر، إلى باب الافتعال، فصار: أطهر، على وزن افتعل فقلبت التاء طاء وأدغمت الطاء في الطاء وفيه من التكلف ما ليس في طهر، وتمام الآية ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ٢٨٢ ٢٨٣ ٥ - كتاب الغسل / باب (١) ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون﴾ [المائدة: ٦] وفيها من الأحكام ما استنبط منها الفقهاء على ما عرف في موضعه. والآية الثانية في سورة النساء: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنباً إلاَّ عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفواً غفوراً﴾ [سورة النساء: ٤٣] قوله: ﴿ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ [سورة النساء: ٤٣] يدل على فرضية الاغتسال من الجنابة، فقال بعضهم: قدم الآية التي من سورة المائدة على الآية التي من سورة النساء لدقيقة، وهي أن لفظه. ﴿فاطهروا﴾ [سورة المائدة: ٦] التي في المائدة فيها إجنال ولفظه ﴿حتى تغتسلوا﴾ [النساء: ٤٣] التي في النساء فيها تصريح بالاغتسال، وبيان للتطهر المذكور. قلت: لا إجمال في ﴿فاطهروا﴾ [المائدة: ٦] لأن معنى ﴿فاطهروا﴾ [المائدة: ٦] اغسلوا أبدانكم كما ذكرنا، وتطهر البدن هو الاغتسال فلا إجمال لا لغة ولا اصطلاحاً على ما لا يخفى. ١ - بابُ الوُضوءِ قَبْلَ الغُسْلِ أي: هذا باب في بيان حكم الوضوء قبل أن يشرع في الاغتسال، هل هو واجب أو مستحب أم سنة؟ وقال بعضهم: باب الوضوء قبل الغسل، أي: استحبابه قال الشافعي في (الأم) فرض الله تعالى الغسل مطلقاً لم يذكر فيه شيئاً يبدأ به قبل شيء فكيفما جاء به المغتسل أجزأه إذا أتى بغسل جميع بدنه. انتهى. قلت: إن كان النص مطلقاً ولم يذكر فيه شيئاً يبدأ به فعائشة رضي الله تعالى عنها، ذكرت عن النبي عَّل أنه كان يتوضأ كما يتوضأ للصلاة قبل غسله فيكون سنة غير واجب. أما كونه سنة فلفعله عَّ له، وأما كونه غير واجب فلأنه يدخل في الغسل، كالحائض إذا أجنبت يكفيها غسل واحد، ومنهم من أوجبه إذا كان محدثاً قبل الجنابة. وقال داود: يجب الوضوء والغسل في الجنابة المجردة بأن أتى الغلام أو البهيمة أو لف ذكره بخرقة فأنزل، وفي أحد قولي الشافعي: يلزمه الوضوء في الجنابة مع الحدث، وفي قوله الآخر: يقتصر على الغسل لكن يلزم أن ينوي الحدث والجنابة، وفي قول: يكفي نية الغسل، ومنهم من أوجب الوضوء بعد الغسل، وأنكره علي وابن مسعود، رضي الله عنهما، وعن عائشة قالت: ((كان رسول الله عَ لُ لا يتوضأ بعد الغسل)) رواه مسلم والأربعة. ٢٤٨/١ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قالَ أخبرنا مالِكٌ عَنْ هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْج النبِي عَّمِ أَنَّ النبيَّ عَلَّهِ كَانَ إِذَا اغْتَسَل مِنَ الجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثُمّ تَوَضَّأَ كَمَا يَتَوَضَأُ لِلصَّلاَةِ ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الماءِ فَيُحَلِّلُ بِها أُصُولَ شَعْرِهِ ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاَث غُرَفٍ بِيَدَيْهِ ثُمَّ يُفِيضُ الماءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلُّهِ. [الحديث ٢٤٨ - طرفاه في: ٢٦٢، ٢٧٢]. i i ٢٨٤ 357 ٢ سجوج ٥ - كتاب الغسل / باب (١) مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة. ذكر رجاله ولطائف إسناده فرجاله خمسة كلهم قد ذكروا في كتاب الوحي، وعبد الله هو التنيسي، وأبو هشام هو عروة بن الزبير بن العوام، رضي الله تعالى عنهم، وفيه التحديث بصيغة الجمع في موضع والإخبار كذلك في موضع واحد. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: التنيسي والكوفي. والحديث أخرجه النسائي أيضاً مثله في الطهارة، وأخرجه مسلم من حديث أبي معاوية عن هشام فذكره، وفي آخره: ((ثم غسل رجليه)) قال ورواه جماعة عن هشام وليس في حديثهم، غسل الرجلين وعند مسلم، ((فيفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه)) وعند ابن خزيمة ويصب من الإناء على يده اليمنى فيفرغ عليها فيغسلها، ثم يصب على شماله فيغسل فرجه ويتوضأ وضوءه للصلاة، ونحن نحثو وعلى رأسنا ثلاث حثيات أو قالت: ثلاثة غرفات)) وفي (الموطأ) سئلت عن غسل المرأة فقالت لتحفن على رأسها ثلاث حفنات، ولتضغث رأسها بيدها يعني تضمه وتجمعه وتعممه بيدها لتدخله الماء وعند البزار (( كان يخلل رأسه مرتين في غسل الجنابة)) وعند أبي داود من حديث رجل ممن سأله عنها ((أن النبي عَّهِ كان يغسل رأسه بالخطمى وهو جنب يجتزىء بذلك ولا يصب عليه الماء)). وفي لفظ: ((حتى إذا رأى أنه قد أصاب البشرة))، أو أنقى البشرة، أفرغ على رأسه ثلاثاً، وإذا فضلت فضلة صبها عليه)) وعند الطوسي مصححاً. ((ثم يشرّب شعره الماء ثم يحثي على رأسه ثلاث حثيات)) وفي لفظ: (ثم غسل مرافقه وأفاض عليه الماء فإذا ألقاهما أهوى إلى حائط ثم يستقبل الوضوء ثم يفيض الماء على رأسه))، وفي لفظ: ((إن شئتم لأريكم أثر يده في الحائط حيث كان يغتسل من الجنابة)) وعند ابن ماجة: ((كان يفيض على كفيه ثلاث مرات ثم يدخلها الإناء، ثم يغسل رأسه ثلاث مرات، وأما نحن فنغسل رؤوسنا خمس مراراً من أجل الضفر». ذكر لغاته وإعرابه ومعانيه قوله: ((كان إذا اغتسل)) أي: كان إذا: أراد أن يغتسل، وكلمة من في قوله: ((من الجنابة)) سببية يعني لأجل الجنابة فإن قلت: لم ذكر في ثلاثة مواضع بلفظ الماضي وهي قوله: ((بدأ)) و((فغسل)) و ((ثم توضأ)) وذكر البواقي بلفظ المضارع وهي قوله: ((يدخل)) و((فيخلل)) و((يصب ويفيض). قلت: النكتة فيه أن إذا كانت شرطية فالماضي بمعنى المستقبل، والكل مستقبل معنى، وأما الاختلاف في اللفظ فللإشعار بالفرق بما هو خارج من الغسل وما ليس كذلك، وإن كانت ظرفية فما جاء ماضياً فهو على أصله، وعدل عن الأصل إلى المضارع لاستحضار صورته للسامعين. قوله: ((بدأ فغسل يديه)» هذا الغسل يحتمل وجهين: الأول: أن يكون لأجل التنظيف مما به يكره. الثاني: أن يكون هو الغسل المشروع عند القيام من النوم، ويشهد له ما في رواية ابن عيينة في هذا الحديث عن هشام: ((قبل أن يدخلهما في الإناء)). قوله: ((كما يتوضأ للصلاة)) احترز به عن الوضوء اللغوي الذي هو غسل اليدين فقط. فإن قلت: روى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يمسح رأسه في هذا الوضوء، وهو خلاف ما في الحديث. قلت: الصحيح في المذهب أنه يمسحها، نص عليه في (المبسوط) لأنه أتم للغسل. قوله: ((فيخلل بها)) أي بأصابعه التي أدخلها في الماء ١٣٧٤ ٢٨٥ ٥ - كتاب الغسل / باب (١) قوله: ((أصول الشعر)) وفي رواية الكشميهني: أصول شعره، أي شعر رأسه، وتدل عليه رواية حماد بن سلمة عن هشام: ((يخلل بها شق رأسه الأيمن فيتبع بها أصول الشعر، ثم يفعل بشق رأسه الأيسر)) كذلك رواه البيهقي. قوله: ((ثلاث غرف)) بضم الغين المعجمة، جمع غرفة بالضم أيضاً، وهي قدر ما يغرف من الماء بالكف، وفي بعض النسخ: غرفات والأول رواية الكشميهني، وهذا هو الأصح لأن مميز الثلاثة ينبغي أن يكون من جموع القلة، ولكن وجه ذكر: الغرف، أن جمع الكثرة يقوم مقام جمع القلة وبالعكس، وعند الكوفيين. فعل: بضم الفاء وكسرها من باب جموع القلة: لقوله تعالى: ﴿فأتوا بعشر سور﴾ [هود: ١٣] وقوله تعالى: ﴿وثمانية حجج﴾ [القصص: ٢٧] قوله: ((ثم يفيض)) أي: يسيل من الإفاضة وهي الإسالة. قوله: ((على جلده كله)) هذا التأكيد بلفظ، الكل، يدل على أنه عمم جميع جسده بالغسل. بيان استنباط الأحكام منها: قوله ((كان عَّا)) يدل على الملازمة والتكرار فدل ذلك على استحباب غسل يديه قبل الشروع في الوضوء، والغسل إلا إذا كان عليها شيء مما يجب إزالته فحينئذ يكون واجباً. ومنها: أن تقديم الوضوء قبل الغسل سنة، وقد ذكرنا الخلاف فيه عن قريب. ومنها: أن ظاهر قوله عَّهِ: ((كما يتوضأ للصلاة)) يدل على أنه لا يؤخر غسل رجليه وهو الأصح من قول الشافعي. والقول الثاني: أنه يؤخر عملاً بظاهر حديث ميمونه رضي الله تعالى عنها، كما يأتي إن شاء الله تعالى، وله قول ثالث: إن كان الموضع نظيفاً فلا يؤخر، وإن كان وسخاً أو الماء قليلاً أخر جمعاً بين الأحاديث، وعند أصحابنا إن كان في مستنقع الماء يؤخر وإلاَّ فلا وهو مذهب مالك أيضاً. ومنها: التخليل في شعر الرأس واللحية لظاهر قوله: ((فيخلل أصول الشعر)) وهو واجب عند أصحابنا، وسنة في الوضوء، وعند الشافعية واجب في قول: وسنة في قول. وقيل: واجب في الرأس وفي اللحية قولان للماليكة، فروى ابن القاسم عدم الوجوب، وروى أشهب الوجوب، ونقل ابن بطال في باب: تخليل الشعر، الإجماع على تخليل شعر الرأس، وقاسوا اللحية عليها. ومنها: أنه يصب على رأسه ثلاث غرف بيديه كما هو في الحديث، وعن الشافعية استحباب ذلك في الرأس، وباقي الجسد مثله. وقال الماوردي والقرطبي من المالكية: لا يستحب التثليث في الغسل، وقال القرطبي: لا يفهم من هذه الثلاث أنه غسل رأسه ثلاث مرات، لأن التكرار في الغسل غير مشروع لما في ذلك من المشقة، وإنما كان ذلك العدد لأنه بدأ بجانب رأسه الأيمن ثم الأيسر ثم على وسط رأسه، كما جاء في حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، قالت: ((كان رسول الله عَ ليه إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب، فأخذ بكفه فبدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر ثم أخذ بكفيه، فقال بهما على رأسه)) رواه البخاري وأبو داود على ما يجيء. ومنها: أن قولها ((ثم يفيض الماء على جلده كله)) لا يفهم منه الدلك، وهو مستحب عندنا وعند الشافعي وعند أحمد وبعض المالكية وخالف مالك والمزني فذهبا إلى وجوبه بالقياس على الوضوء، i جوة i ٢٨٦ م١١۴ ٥ - كتاب الغسل / باب (١) وقال ابن بطال وهذا لازم. قلت: ليس بلازم، إذ لا نسلم وجوب الدلك في الوضوء ومنها جواز إدخال الأصابع في الماء. ٢٤٩/٢ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قال حدّثنا سُفْيانُ عنْ الأَعْمَشِ عَنْ سَالِمِ بنِ أبي الجَعْدِ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النبيِّ عَ لَّه قَالَتْ تَوَضَّأَ رسولُ اللَّهِ عَلَه وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ غَيْرَ رِجْلَيْهِ وَغَسَلَ فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ مِنَ الأَذَى ثُمَّ أَفَاضَ عَلَيْهِ الماءَ ثُمَّ نَخَّى رِجْلَيْهِ فَغَسَلَهُمَا هَذِهِ غُسْلَهُ مِنَ الجَنابَة. [الحديث ٢٤٩ - أطرافه في: ٢٥٧، ٢٥٩، ٢٦٠، ٢٦٦، ٢٧٤، ٢٧٦، ٢٨١]. هذا الثاني من حديثي الترجمة. ذكر رجاله وهم سبعة: محمد بن يوسف البيكندي، وسفيان الثوري، وسليمان الأعمش بن مهران، تقدموا مراراً، وسالم بن أبي الجعد، بفتح الجيم وسكون العين المهملة. مر في باب التسمية. والخامس: كريب، بضم الكاف، تقدم في باب التخفيف في الوضوء. والسادس: عبد الله بن عباس. والسابع: ميمونه بنت الحارث زوج النبي عَّه وحالة ابن عباس. ذكر لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين: وفيه: سفيان غير منسوب، قالت جماعة من الشراح وغيرهم: إنه سفيان الثوري، وقال الكرماني: سفيان بن عيينة. وقال الحافظ المزي في كتابه (الأطراف) حديث في غسل النبي، عليه الصلاة والسلام، من الجنابة منهم من طوله، ومنهم من اختصره، ثم وضع صورة (خ) بالأحمر بمعنى: أخرجه البخاري في الطهارة عن محمد بن يوسف، وعن عبدان عن عبد الله بن المبارك، كلاهما عن سفيان الثوري وعن الحميدي عن سفيان بن عيينة، فهذا دل على أن سفيان في رواية محمد بن يوسف الذي لههنا هو الثوري، وأما ابن عيينة فروايته عن عبدان عن ابن المبارك، ولم يميز الكرماني ذلك فخلط. وأخرج البخاري هذا الحديث أيضاً عن موسى بن إسماعيل ومحمد بن محبوب، كلاهما عن عبد الواحد، وعن موسى عن أبي عوانة، وعن عمر بن حفص بن غياث عن أبيه، وعن يوسف بن عيسى عن الفضل بن موسى، وعن عبدان عن أبي حمزة، سبعتهم عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن كريب عن ابن عباس به، ومن لطائف هذا الإسناد أن فيه: رواية التابعي عن التابعي عن التابعي على الولاء وفيه: صحابيان. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره قد مر الآن أن البخاري أخرجه في مواضع عشرة أو نحوها. وأخرجه مسلم في الطهارة أيضاً عن محمد بن الصباح وإسحاق بن إبراهيم وأبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب وأبي سعيد الأشج، خمستهم عن وكيع، وعن يحيى بن يحيى وأبي كريب كلاهما عن أبي معاوية، وعن أبي بكر بن أبي شيبة عن عبد الله بن إدريس، وعن علي بن حجر، وعن عيسى بن يونس، وعن إسحاق بن إبراهيم عن موسى القارىء عن زائدة، خمستهم عن الأعمش به وأخرجه أبو داود عن عبد الله بن داود عن الأعمش به، ٢٨٧ ٥ - كتاب الغسل / باب (١) وأخرجه الترمذي عن هناد عن وكيع به وأخرجه النسائي فيه عن علي بن حجر به، وعن يوسف بن عيسى به، وعن محمد بن العلاء عن أبي معاوية به، وعن محمد بن علي بن ميمون عن محمد بن يوسف به، وعن إسحاق بن إبراهيم عن جرير، وعن قتيبة عن عبيدة بن حميد، كلاهما عن الأعمش به، وأخرجه ابن ماجة عن علي بن محمد وأبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن وكيع بقصة، نفض الماء وترك التنشيف. ذكر بيان ما فيه مما لم يذكر في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، قوله: ((غير رجليه)) فيه التصريح بتأخير الرجلين في وضوء الغسل، وبه احتج أصحابنا، على أن المغتسل إذا توضأ أولاً يؤخر رجليه، ولكن أكثر أصحابنا حملوه على أنهما إن كانت في مجتمع الماء توضأ ويؤخرهما وإن لم تكونا فيه لا يؤخرهما، وكل ما جاء من الروايات التي فيها تأخير الرجلين صريحاً محمول على ما قلنا: وهذا هو التوفيق بين الروايات التي في بعضها تأخير الرجلين صريحاً لا مثل ما قاله بعضهم، ويمكن الجمع بأن تحمل رواية عائشة على المجاز وإما على حالة أخرى. قلت: هذا خطأ لأن المجاز لا يصار إليه إلاّ عند الضرورة وما الداعي لها في رواية عائشة حتى يحمل كلامها على المجاز؟ وما الصواب الذي يرجع إليه إلاّ ما قلنا: وقال الكرماني: غير رجليه. فإن قلت: بالتوفيق بينه وبين رواية عائشة؟ قلت: زيادة الثقة مقبولة فيحمل المطلق على المقيد، فرواية عائشة محمولة على أن المراد بوضوء الصلاة أكثره، وهو ما سوى الرجلين. قلت: قد ذكرنا الآن ما يرد ما ذكره، ثم قال الكرماني: ويحتمل أن يقال: إنهما كانا في وقتين مختلفين فلا منافاة بينهما. قلت: هذا في الحقيقة حاصل ما ذكرنا عن قريب عند قولنا: لكن أكثر أصحابنا إلخ. قوله: ((وغسل فرجه)) أي: ذكره فدل هذا على صحة إطلاق الفرج على الذكر. قال الكرماني: فإن قلت: غسل الفرج مقدم على التوضىء فلم أخره؟ قلت: لا يجب التقديم إذ الواو، ليس للترتيب، أو أنه للحال انتهى. قلت: كيف يقول: لا يجب التقديم وهذا ليس بشيء، وقوله إذ الواو وليس للترتيب، حجة عليه لأنهم يدعون أن الواو في الأصل للترتيب، ولم يقل به أحد ممن يعتمد عليه؟ وقوله: أو أنه للحال، غير سديد ولا موجه، لأنه كيف يتوضأ في حالة غسل فرجه؟ وقال بعضهم: فيه تقديم وتأخير، لأن غسل الفرج كان قبل الوضوء إذ الواو لا تقتضي الترتيب انتهى. قلت: هذا تعسف وهو أيضاً حجة عليه، مع أن ما ذكره خلاف الأصل، والصواب أن الواو للجمع في أصل الوضع، والمعنى: أنه جمع بين الوضوء وغسل الفرج، وهو، وإن كان لا يقتضي تقديم أحدهما على الآخر على التعيين، فقد بين ذلك فيما رواه البخاري من طريق ابن المبارك عن الثوري، فذكر أولاً غسل اليدين ثم غسل الفرج ثم مسح يده على الحائط ثم الوضوء غير رجليه وذكره بـ ثم، الدالة على الترتيب في جميع ذلك، والأحاديث يفسر بعضها بعضاً قوله: ((وما أصابه من الأذى)) أي: المستقذر الطاهر، وقال بعضهم: قوله: ((وما أصابه من الأذى)) ليس بظاهر في النجاسة. قلت: هذا مكابرة فيما قاله. قوله: ((هذا غسله)) هكذا في رواية الكشميهني وهي على الأصل، وعند غيره ((هذه غسله)) بالتأنيث، فيكون إشارة i ، سطة جوة i ٢٨٨ ٥ - كتاب الغسل / باب (١) إلى الأفعال المذكورة أي: الأفعال المذكورة صفة غسله عَّه بضم الغين. ومما لم يذكر في حديث عائشة ، وذكر في حديث ميمونة، رضي الله تعالى عنها، من الزيادة: تأخير الرجلين إلى الفراغ من الاغتسال، وقد ذكرنا عن قريب. وفيه: التعرض لغسل الفرج. وفيه: غسل ما أصابه من الأذى ومما ذكره البخاري من حديث ميمونة على ما يأتي: ((ثم ضرب بشماله الأرض فدلكها دلكاً شديداً، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفه)» وفي آخره: ((ثم أتى بالمنديل فرده))، وفي رواية ((وجعل يقول بالماء هكذا ينفضه)). وفي لفظ. ((ثم غسل فرجه ثم مال بيده إلى الأرض فمسحها بالتراب ثم غسلها)) وفي لفظ ((وضعت له غسلاً فسترته بثوب)) وفي لفظ: ((فأكفأ بيمينه على شماله مرتين أو ثلاثاً) وفي لفظ: ((ثم أفرغ بيمينه على شماله فغسل مذاكيره)) وفيه (ثم غسل رأسه ثلاثاً)) وفي لفظ: ((فلما فرغ من غسله غسل رجليه))، وفي لفظ: ((فغسل كفيه مرتين أو ثلاثاً) وعند مسلم: ((فغسل فرجه وما أصابه ثم مسح يده بالحائط أو الأرض))، وفي (صحيح) الإسماعيلي: ((مسح يده بالجدار، وحين قضى غسله غسل رجليه)) وفي لفظ: ((فلما فرغ من غسل فرجه دلك يده بالحائط ثم غسلها، فلما فرغ من غسلها غسل قدميه)) قال الإسماعيلي: وقد بين زائدة أن قوله: ((من الجنابة))، ليس من قول ميمونة ولا ابن عباس، إنما هو عن سالم، وعند ابن خزيمة ((ثم غرف على رأسه ثلاث حفنات ملء كفيه، فأتي بمنديل فأبى أن يقبله)) وعند أبي علي الطوسي في كتاب (الأحكام) مصححاً ((فأتيته بثوب فقال بيده هكذا)) وعند الدارقطني: ((ثم غسل سائر جسده قبل كفيه)) وعند أبي محمد الدارمي: ((فأعطيته ملحفة فأبى)) قال أبو محمد: هذا أحب إلي من حديث عائشة. وعند ابن ماجة: ((فأكفأ الإناء بشماله على يمينه فغسل كفيه ثلاثاً، ثم أفاض على فرجه ثم دلك يده بالأرض ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه ثلاثاً وذراعيه ثلاثاً، ثم أفاض على سائر جسده، ثم انتحى فغسل رجليه)). وفي هذه الروايات. استحباب الإفراغ باليمين على الشمال للمغترف من الماء. وفيها: مشروعية المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة. وقال بعضهم: وتمسك الحنفية للقول: بوجوبهما، وتعقب الفعل المجرد لا يدل على الوجوب إلاَّ إذا كان بياناً لمجمل تعلق به الوجوب، وليس الأمر هنا كذلك. قلت: ليس الأمر هنا كذلك لأنهم إنما أوجبوهما في الغسل بالنص لقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ [المائدة: ٦] أي: طهروا أبدانكم، وهذا يشمل الأنف والفم، وقد حققناه فيما مضى. وفيها: استحباب مسح اليد بالتراب في الحائط وفي الأرض، وقال بعضهم: وأبعد من استدل به على نجاسة المني أو على نجاسة رطوبة الفرج. قلت: هذا القائل هو الذي أبعده، لأن من استدل بنجاسة المني أو على نجاسة رطوبة الفرج ما اكتفى بهذا فى احتجاجه، وقد ذكرناه فيما مضى مستقصى. وفيها: استحباب التستر في الغسل ولو كان في البيت. وفيها: جواز الاستعانة بإحضار ماء الغسل أو الوضوء. وفيها: خدمة الزوجات للأزواج. وفيها: الصب باليمين على الشمال. وفيها: كراهة التنشيف ٢٨٩ ٥ - كتاب الغسل / باب (١) بالمنديل ونحوه. وقال النووي: اختلف أصحابنا فيه على خمسة أوجه أشهرها: أن المستحب تركه، وقيل: مكروه في الصيف مباح في الشتاء، ويقال لا حجة في الحديث لكراهة التنشيف لاحتمال أن إباءه مَّلله من أخذ ما يتنشف به لأمر آخر يتعلق بالخرقة، أو لكونه كان مستعجلاً أو غير ذلك. وقال المهلب: يحتمل تركه الثوب لإبقاء تركه بلل الماء أو للتواضع أو لشيء رآه في الثوب من حرير أو وسخ وقد وقع عند أحمد والإسماعيلي من رواية أبي عوانة في هذا الحديث عن الأعمش، قال فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي، فقال: لا بأس بالمنديل وإنما رده مخافة أن يصير عادة، وقال التيمي في شرحه لهذا الحديث فيه دليل على أنه كان يتنشف، ولولا ذلك لم يأته بالمنديل. وقال ابن دقيق العيد، نفضه الماء بيده يدل على أن لا كراهة في التنشيف، لأن كلاً منهما إزالة، قلت: ليس فيه دليل على ذلك، لأن التنشيف من عادة المتكبرين ورده عّ لّ الثوب لأجل التواضع مخالفة لهم. وقد ورد أحاديث في هذا الباب. منها: حديث أم هانىء عند الشيخين: ((قام رسول الله عَّه إلى غسله، فسترت عليه فاطمة ثم أخذ ثوبه فالتحف به)) هذا ظاهر في التنشيف. ومنها: حديث قيس بن سعد رواه أبو داود: أتانا النبي عَّ فوضعنا له ماء فاغتسل ثم أتيناه بملحفة ورسية فاشتمل بها، فكأني أنظر إلى أثر الورس عليه، وصححه ابن حزم. ومنها: حديث الوضين بن عطار رواه ابن ماجة عن محفوظ بن علقمة عن سلمان: أن النبي عَّه. توضأ فقلب جبة صوف كانت عليه فمسح بها وجهه وهذا ضعيف عند جماعة. ومنها: حديث عائشة: ((كانت للنبي عَّ خرقة يتنشف بها بعد الوضوء)) رواه الترمذي. وضعفه، وصححه الحاكم. ومنها: حديث معاذ رضي الله تعالى عنه: ((كان النبي عَ لّ إذا توضأ مسح وجهه بطرف ثوبه)) رواه الترمذي وضعفه. ومنها: حديث أبي بكر: ((كانت للنبي عَّ ◌ُلّ خرقة يتنشف بها بعد الوضوء)) رواه البيهقي. وقال: إسناده غير قوي. ومنها: حديث أنس مثله وأعله. ومنها: حديث أبي مريم، إياس بن جعفر، عن فلان رجل من الصحابة: ((إن النبي عَ ◌ّه. كان له منديل أو خرقة يمسح بها وجهه إذا توضأ» رواه النسائي في (السكنی) بسند صحيح. ومنها: حديث منيب ابن مدرك المكي الأزدي قال: ((رأيت جارية تحمل وضوءاً ومنديلاً فأخذ عّلِّ الماء فتوضأ ومسح بالمنديل وجهه)) أسنده الإمام مغلطاي في شرحه، وقال ابن المنذر: أخذ المنديل بعد الوضوء عثمان والحسن بن علي وأنس وبشير بن أبي مسعود، ورخص فيه الحسن، وابن سيرين وعلقمة والأسود ومسروق والضحاك، وكان مالك والثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي لا يرون به بأساً وكره عبد الرحمن بن أبي ليلى والنخعي وابن المسيب ومجاهد وأبو العالية. وقال بعضهم: استدل به على طهارة الماء المتقاطر من أعضاء المتطهر، خلافاً لمن غلا من الحنفية، فقال بنجاستة: قلت: هذا القائل هو الذي أتى بالغلو حيث لم يدرك حقيقة مذهب الحنفية، لأن الذي عليه الفتوى في مذهبهم: أن الماء المستعمل طاهر حتى يجوز شربه واستعماله في الطبيخ والعجين، والذي ذهب إلى نجاسته i عمدة القاري/ ١٩٥/٣٥ i ٢٩٠ ٥ - كتاب الغسل / باب (٢) لم يقل بأنه نجس في حالة التقاطر، وإنما يكون ذلك إذا سال من أعضاء المتطهر، واجتمع في مکان. ٢ - بابُ غُسْلِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ أي: هذا باب في بيان حكم غسل الرجل مع امرأته من إناء واحد. وجه المناسبة بين أبواب هذا الكتاب. أعني: كتاب الغسل، ظاهر لأن كلها فيما يتعلق بالغسل وما يتعلق بالجنب. ٢٥٠/٣ - حدثنا آدَمُ بنُ أبي إياسٍ قالَ حدّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِي عَنْ عُرْوَةً عَنْ عَائِشَةَ قالَتْ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ عَّ ◌َهِ مِنْ إناءٍ واحدٍ مِنْ قَدَحِ يُقالُ لَهُ الفَرَقُ [الحديث ٢٥٠ - أطرافه في: ٢٦١، ٢٦٣، ٢٧٣، ٢٩٩، ٥٩٥٦، ٧٣٣٩]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة. ورجاله خمسة: وقد ذكروا وابن أبي ذئب، بكسر الذال المعجمة، هو محمد بن عبد الرحمن القرشي، والزهري هو ابن مسلم، وعروة بن الزبير بن العوام. وفيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، والعنعنة في ثلاثة مواضع. والحديث أخرجه مسلم والنسائي أيضاً قال: أخبرنا عمرو بن علي، قال: حدثنا يحيى، قال: حدّثنا سفيان. قال: حدثني منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، قالت: ((كنت أغتسل أنا ورسول الله عليه الصلاة والسلام، من إناء واحد». بيان لغاته وإعرابه قوله: (من قدح)) بفتحتين، واحد الأقداح التي للشرب، والقدح: بكسر القاف وسكون الدال، السهم قبل أن يراش ويركب نصله. قوله: ((الفرق)) بفتح القاف وفتح الراء، قاله القتبي وغيره، وقال النووي: هو الأفصح وقال ابن التين بتسكين الراء، وحكى ذلك عن أبي زيد وابن دريد وغيرهما من أهل اللغة، وعن ثعلب الفرق بالفتح، والمحدثون يسكنونه، وكلام العرب بالفتح، وقال ابن الأثير: الفرق بالفتح، ستة عشره رطلاً، وبالإسكان مائة وعشرون رطلاً وفي رواية مسلم: قال سفيان، يعني ابن عيينة: الفرق ثلاثة آصع، وقال النووي: وعليه الجماهير. وقيل: صاعان. وقال الجوهري: الفرق مكيال معروف بالمدينة هو ستة عشر رطلاً. وقال أبو زيد الأنصاري إسكان الراء جائز، وهو لغة فيه، وهو مقدار ثلاثة أصوع ستة عشر رطلاً عند أهل الحجاز. ثم الإعراب، فقال الطيبي في (شرح المشكاة) قولها: ((كنت أغتسل أنا والنبي عَّ ◌َّ) أبرز الضمير ليعطف عليه المظهر. فإن قلت: كيف يستقيم العطف. إذ لا يقال: أغتسل والنبي عَ ◌ّه، قلت: هو على تغليب المتكلم على الغائب كما غلب المخاطب على الغائب في قوله تعالى: ﴿اسكن أنت وزوجك الجنة﴾ [البقرة: ٣٥، الأعراف: ١٩] عطف زوجك، على: أنت. فإن قلت: الفائدة في تغليب: اسكن، هي أن آدم كان أصلاً في سكنى الجنة ٢٩١ ٥ - كتاب الغسل / باب (٣) وحواء عليها السلام، تابعة له، فما الفائدة فيما نحن فيه. قلت: الإيذان بأن النساء محل الشهوات وحاملات للاغتسال فكن أصلاً فيه. فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون التقدير: أغتسل أنا ورسول الله عَّ له من إناء مشترك بيني وبينه فيبادرني ويغتسل ببعضه ويترك ما بقي فأغتسل أنا منه. قلت: يخالفه الحديث الآخر، وهو أنه عَّمِ نهى أن تغتسل المرأة بفضل الرجل. انتهى. وعكسه أيضاً على ما تقدم فيما مضى. وقد نقل الكرماني في شرحه ما قاله الطيبي، ونقله بعضهم أيضاً مختصراً من غير إيضاح قوله: ((من إناء واحد من قدح)) كلمة من الأولى ابتدائية والثانية بيانية. قال الكرماني: الأولى: أن يكون قدح بدلاً من إناء بتكرار حرف الجر في البدن. انتهى ونقله بعضهم في شرحه، وقال: يحتمل أن يكون. قدح. بدلاً من إناء. قلت: لا يقال في مثل ذلك يحتمل: لأن الوجهين اللذين ذكرهما الكرماني جائزان قطعاً غاية ما في الباب يرجح أحدهما بالأولوية. كما نبه عليه، ثم هذا الإناء المذكور كان من شبه يدل عليه ما رواه الحاكم من طريق حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه، ولفظه. ((تور من شبه)) بفتح الشين المعجمة وفتح الباء الموحدة، وهو نوع من النحاس يقال: کوز شبه، وشبه بمعنی. ١ E بيان استنباط الأحكام فيه: جواز اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد، وكذلك الوضوء، وهذا بالإجماع. وقية: تطهر المرأة بفضل الرجل، وأما العكس فجائز عند الجمهور، سواء خلت المرأة بالماء أو لم تخل. وذهب الإمام أحمد إلى إنها إذا خلت بالماء واستعملته لا يجوز للرجل استعمال فضلها. فإن قلت: ذكر ابن أبي شيبة عن أبي هريرة أنه كان ينهي أن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد. قلت: غاب عنه الحديث المذكور، والسنة قاضية عليه. فإن قلت: ورد نهي رسول الله عَّله أن يغتسل الرجل بفضل المرأة. قلت: قال الخطابي: أهل المعرفة بالحديث لم يرفعوا طرق أسانيد هذا الحديث، ولو ثبت فهو منسوخ، وقد استقصينا الكلام في باب وضوء الرجل والمرأة من إناء واحد. وفيه: طهارة فضل الجنب والحائض. قال الدراوردي: وفيه: جواز نظر الرجل إلى عورة امرأته وعكسه، ويؤيده ما رواه ابن حبان من طريق سليمان بن موسى أنه سئل عن الرجل ينظر إلى فرج امرأته، فقال: سألت عطاء فقال: سألت عائشة، فذكرت هذا الحديث. ٣ - بابُ الغُسْلِ بِالصَّاعِ وَنَحْوِهِ أي: هذا باب في بيان حكم الغسل بالماء قدر ملء الصاع، لأن الصاع اسم للخشبة، فلا يتصور الغسل به. قوله: ((ونحوه)) أي: ونحو الصاع من الأواني التي يسع فيها ما يسع في الصاع، قال الجوهري: الصاع الذي يكال به وهو أربعة أمداد، والجمع أصوع، وإن شئت أبدلت من الواو المضمومة همزة، والصواع لغة فيه ويقال: هو إناء يشرب فيه. وقال ابن الأثير: الصاع مكيال يسع أربعة أمداد، والمد مختلف فيه، فقيل: هو رطل وثلث بالعراقي. وبه قال الشافعي وفقهاء الحجاز. وفيل: هو رطلان، وبه أخذ أبو حنيفة وفقهاء العراق، فيكون i -7447 ٢٩٢ ٥ - كتاب الغسل / باب (٣) الصاع خمسة أرطال وثلثاً، أو ثمانية أرطال. وقال عياض: جمع الصاع أصوع وآصع، لكن الجاري على العربية، أصوع، لا غير. والواحد: صاع وصواع وصوع، ويقال: أصوع، بالهمزة وهو مكيال لأهل المدينة معروف يسع أربعة أمداد بمد النبي عَّ له. وقال أبو عمر: قال الخليل: الصاع طاس يشرب فيه. وفي (المطالع) يجمع على أصوع وصيعان. وقال بعضهم: قال بعض الفقهاء من الحنفية وغيرهما إن الصاع ثمانية أرطال، وتمسكوا بما روى مجاهد عن عائشة، رضي الله عنها: أنه حرز الماء ثمانية أرطال، والصحيح الأول فإن الحرز لا يعارض به التحديد. انتهى. قلت: هذه العبارة تدل على أن هذا القائل لم يعرف أنه مذهب الإمام أبي حنيفة، إذ لو عرف ما لم يأت بهذه العبارة ولم ينفرد بهذا بل ذهب إليه أيضاً إبراهيم النخعي والحجاج ابن أرطأة، والحكم بن عتيبة وأحمد في رواية، وتمسكوا في هذا بما أخرجه الطحاوي بإسناد صحيح، قال حدّثنا ابن أبي عمران، قال: حدّثنا محمد بن شجاع وسليمان بن بكار وأحمد ابن منصور الزيادي، قالوا حدّثنا يعلى بن عبيد عن موسى الجهني عن مجاهد. قال: ((دخلنا على عائشة. رضي الله تعالى عنها، فاستسقى بعضنا فأتي بعس، قالت عائشة كان النبي عَّه. يغتسل بملء هذا، قال مجاهد، فحرزته فيما أحرز ثمانية أرطال، تسعة أرطال، عشرة أرطال)) وابن أبي عمران هو: أحمد بن موسى بن عيسى الفقيه البغدادي نزيل مصر، وثقه ابن يونس. ومحمد بن شجاع البغدادي أبوعبد الله الثلجي، بالثاء المثلثة، فلأجل التكلم فيه ذكر معه شيخين آخرين. أحدهما: سليمان بن بكار أبو الربيع المصري. والآخر: أحمد بن منصور الزيادي، شيخ ابن ماجة، وأبو عوانة الأسفرائني قال الدارقطني ثقة، ويعلى بن عبيد الإيادي روى له الجماعة، وموسى بن عبد الله الجهني الكوفي روى له مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة، والحديث أخرجه النسائي أيضاً، قال: حدّثنا محمد بن عبيد، قال: حدّثنا يحيى ابن زكريا بن أبي زائدة عن موسى الجهني قال: «أتى مجاهد بقدح فقال: حرزته ثمانية أرطال، فقال حدثتني عائشة، رضي الله تعالى عنها: أن رسول الله عَ ◌ٍّ كان يغتسل بمثل هذا)) ثم قال المتمسكون به مجاهد لم يشك في ثمانية، وإنما شك فيما فوقها، فثبت الثمانية بهذا الحديث وانتفى ما فوقها. قلت: الدليل على عدم شك مجاهد في الثمانية رواية النسائي، ثم قول هذا القائل: والصحيح الأول، غير صحيح لأن الأول فيه ذكر الفرق، وهو كما ترى فيه أقوال، فكيف يقول الحرز لا يعارض به التحديد؟ ففي أي موضع التحديد المعين. وأما حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، فالمذكور فيه الفرق، الذي كان يغتسل منه النبي، عليه الصلاة والسلام، ولم يذكر مقدار الماء الذي كان يكون فيه، هل هو ملؤه أو أقل من ذلك. ٢٥١/٤ - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ مُحَمَّدٍ قَال حدثني عبدُ الصَّمَّدِ قال حدّثنيِ شُعْبَةُ قالِ حدّثني أبُو بَكّرٍ بنُ حَفْصِ قال سَمِعْتُ أبا سَلَمَةَ يَقُولُ دَخَلْتُ أَنَا وَأَخُو عَائِشَةَ فَسَأَلَها أَخُوها عَنْ غُسْلِ النَّبِيِّ عَلّهِ فَدَعَتْ بِإِناءٍ نَحْوٍ منْ صاعِ فَاغْتَسَلَتْ وَأَفَاضَتْ عَلَى رَأْسِها وَبَيْنَا وَبَيْنَها حِجابٌ. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة. مهرج W! ٥ - كتاب الغسل / باب (٣) ٢٩٣ بيان رجاله: وهم سبعة: الأول: عبد الله بن محمد الجعفي المسندي، بضم الميم، تقدم في باب الإيمان. الثاني: عبد الصمد بن عبد الوارث التنوري، مر في كتاب العلم في باب من أعاد الحديث ثلاثاً الثالث: شعبة بن الحجاح، تكرر ذكره. الرابع: أبو بكر بن حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقاص، وهو مشهور بالكنية، وقيل: اسمه عبد الله. الخامس: أبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف مر في باب الوحي، وهو ابن أخت عائشة من الرضاعة أرضعته أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، فعائشة خالته. السادس: أخو عائشة من الرضاعة، كما جاء مصرحاً به في (صحيح مسلم) واسمه فيما قيل: عبد الله بن يزيد، قاله النووي: وقال مسلم في (الطبقات) عبد الله بن يزيد رضيع عائشة. وقال الداودي في شرحه: إنه أخوها عبد الرحمن. قيل: إنه وهم منه، وقيل: هو أخوها لأمها، وهو الطفيل ابن عبد الله. قيل: هو غير صحيح، والدليل على فساد هذين القولين ما رواه مسلم من طريق معاذ والنسائي من طريق خالد بن الحارث، وأبو عوانة من طريق يزيد بن هارون، كلهم عن شعبة في هذا الحديث أنه أخوها من الرضاعة، ثم الذي ادعى أنه عبد الله بن يزيد استدل بما رواه مسلم في الجنائز عن أبي قلابة عن عبد الله بن يزيد، رضيع عائشة، فذكر حديثاً غير هذا. قلت: لا يلزم من هذا أن يكون هو عبد الله بن يزيد، لأن لها أخاً آخر من الرضاعة، وهو كثير بن عبيد، رضيع عائشة، رضي الله تعالى عنها، روى عنها أيضاً، والظاهر أنه لم يتعين، والأقرب أنه عبد الرحمن ولا يلزم من رواية مسلم وغيره أن يتعين عبد الله بن يزيد، لأن الذي سألها عن غسل رسول الله عَّ له، لا يتعين أن يكون هو الذي روى عنه أبو قلابة في الجنائز. السابع: عائشة الصديقة بنت الصديق، رضي الله تعالى عنهما. بيان لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع. وفيه: السماع والسؤال. وفيه: راويان كلاهما بالكنية مشهوران ومشاركان في الاسم على قول من يقول أن اسم أبي بكر: عبد الله. وكلاهما زهريان ومدنيان. بيان المعنى واستنباط الأحكام قوله: ((يقول)) جملة في محل النصب على الحال، هذا هو الصحيح إن: سمعت، لا يتعدى إلى مفعول واحد، وعلى قول من يقول: يتعدى إلى مفعولين، منهم الفارسي، تكون الجملة في محل النصب على أنها مفعول ثانٍ. قوله: ((وأخو عائشة)) عطف على الضمير المرفوع المتصل بعد التوكيد بضمير منفصل، وهو قوله: ((أنا)) وهذه القاعدة أنه لا يحسن العطف على الضمير المرفوع المتصل بارزاً كان أو مستتراً. إلاَّ بعد توكيده بضمير منفصل نحو: ﴿لقد كنتم أنتم وآباؤكم﴾ [الأنبياء: ٥٤] قوله: «نحو من صاع)) بالجر والتنوين في نحو لأنه صفة إناء وفي رواية كريمة ((نحواً)) بالنصب، فيحتمل وجهين: أحدهما: كونه موصوف منصوب المحل لأنه مفعول قوله: ((فدعت)) والآخر: بإضمار: أعني. ونحوه. قوله: ((وأفاضت)) أي: أسالت الماء على رأسها، وهذه الجملة كالتفسير لقوله: ((فاغتسلت)). قوله: ((وبيننا وبينها حجاب)) جملة وقعت حالاً. i وقال القاضي عياض: ظاهر هذا الحديث أنهما رأيا عملها في رأسها وأعالي جسدها i ٢٩٤ ٥ - كتاب الغسل / باب (٣) مما يحل للمحرم نظره من ذات الرحم، ولولا أنهما شاهدا ذلك لم يكن لاستدعائها الماء :وطهارتها بحضرتهما معنى، إذ لو فعلت ذلك لكنه في ستر عنهما لرجع الحال إلى وصفها لهما وإنما فعلت الستر لستر أسافل البدن وما لا يحل للمحرم النظر إليها، وفي فعلها هذا دلالة على استحباب العلم بالفعل، فإنه أوقع في النفس من القول، وأدل عليه وقال بعضهم: ولما كان السؤال محتملاً للكيفية والكمية فأتت لهما ما يدل على الأمرين معاً أما الكيفية فبالاقتصار على إفاضة الماء، وأما الكمية فبالاكتفاء بالصاع. قلت: لا نسلم أن السؤال عن الكمية أيضاً، ولئن سلمنا فلم تبين إلاَّ الكيفية ولا تعرض فيه للكمية لأنه قال: ((فدعت بالماء نحو من صاع)) فلا يدل ذلك على حقيقة الكمية، لأنها طلبت إناء ماء مثل صاع، فيحتمل أن يكون ذلك الماء ملء الإناء أو أقل منه. وفيه: ما يدل على أن العدد والتكرار في إفاضة الماء ليس بشرط، والشرط وصول الماء إلى جميع البدن. قالَ أبو عَبْدِ اللهِ قالَ يَزِيدُ بنُ هَارُونَ وَبَهْزٌ والجُدِّيُّ عَنْ شُعْبَةَ قَدْرِ صاعٍ. أبو عبد الله هو البخاري نفسه حاصل كلامه أن هؤلاء الثلاثة رووا عن شعبة بن الحجاج هذا الحديث، ولفظه، ((قدر صاع)) بدل: نحو من صاع، ويزيد بن هارون مر في باب التبرز في البيوت، وبهز، بفتح الباء الموحدة وسكون الهاء وفي آخره زاي معجمة، ابن أسد أبو الأسود الإمام الحجة البصري، مات بمرو في بضع وتسعين ومائة، والجدي، بضم الجيم وتشديد الدال. نسبة إلى جدة التي بساحل البحر من ناحية مكة، وهو عبد الملك بن إبراهيم مات سنة خمس ومائتين، وأصله من جدة لكنه سكن البصرة، وروى له أبو داود والبخاري مقروناً بغيره. قوله: ((عن شعبة)) متعلق بهؤلاء الثلاثة، وهذه متابعة ناقصة ذكرها البخاري تعليقاً أما طريق يزيد فرواها أبو نعيم في (مستخرجه) عن أبي بكر بن خلاد عن الحارث بن محمد عنه، وكذلك رواه أبو عوانة في (مستخرجه)، وأما طريق بهز فرواها الإسماعيلي: حدّثنا المنيعي يعقوب وأحمد حدّثنا إبراهيم قالا: حدّثنا بهز بن أسد حدّثنا شعبة. وأما طريق الجد فلم أقف عليه. قوله: ((قدر صاع)) تقديره: فدعت بإناء قدر صاع، ويجوز الوجهان المذكوران في: نحو من صاع، لههنا. وقال بعضهم: والمراد من الروايتين أن الاغتسال وقع بملء الصاع من الماء تقريباً لا تحديداً. قلت: هذا القائل ذكر في الباب السابق من حديث مجاهد عن عائشة أنه حرز الإناء ثمانية أرطال، إن الحرز لا يعارض به التحديد، ونقض كلامه هذا بقوله: والمراد من الروايتين إلى آخره. ٢٥٢/٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ مُحَمَّدٍ قال حدّثنا يحيى بنُ آدَمَ قال حدّثنا زُهَيْرٌ عَنْ أبي إسْحَاقَ قال حدّثنا أبو جَعْفَرَ أَنَّهُ كانَ عِنْدَ جَابِرٍ بنِ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ وأَبُوهُ وَعِنْدَهُ قَوْمٌ فَسَأْلُوهُ عَنِ الفُسْلِ فقالَ يَكْفِيكَ صاعْ فَقَالَ رَجُلٌ ما يَكْفِينِي فَقَالَ جَابِرٌ كان يَكْفِي مَنْ هُوَ أَوْفَى مِنْكَ شَغْراً وَخَيْرَ مِنْكَ ثُمَّ أَمَّنا فِي ثَوْبٍ. [الحديث ٢٥٢ - طرفاه في: ٢٥٥، ٢٥٦] هذا أيضاً مطابق للترجمة. ٢٩٥ ٥ - كتاب الغسل / باب (٣) بيان رجاله وهم سبعة الأول: عبد الله بن محمد الجعفي، تقدم عن قريب. الثاني: يحيى بن آدم الكوفي، مات سنة ثلاث ومائتين. الثالث: زهير، بضم الزاي بن معاوية الكوفي ثم الجزري. الرابع: أبو إسحاق السبيعي، بفتح السين، عمرو بن عبد الله الكوفي. الخامس: أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المعروف بالباقر، دفن بالبقيع في القبة المشهورة بالعباس تقدم في باب: من لم ير الوضوء إلاّ من المخرجين. السادس: أبوه هو زين العابدين. السابع: جابر الصحابي، رضي الله تعالى عنه. بيان لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع. وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: أن بين عبد الله بن محمد وبين زهير يحيى بن آدم، قال الغساني فيسقط ذكر يحيى في بعض النسخ، وهو خطأ، إذ لا يتصل الإسناد إلاّ به. وفيه: أن أكثر الرواة کوفیون. والحديث أخرجه النسائي قال: أخبرنا قتيبة، قال: أخبرنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن أبي جعفر. قال: ((تمارينا في الغسل عند جابر بن عبد الله، فقال جابر: يكفي في الغسل من الجنابة صاع من ماء، قلنا: ما يكفي صاع ولا صاعان. قال جابر: قد كان يكفي من كان خيراً منك وأكثر شعراً». بيان معانيه وإعرابه قوله: ((هو وأبوه)) أي: محمد بن علي وأبوه علي بن الحسين. قوله: ((وعنده قوم)) هكذا في أكثر النسخ وفي بعضها ((وعنده قومه)) وكذا وقع في (العمدة) قوله: ((فسألوه عن الغسل)) أي: مقدار ماء الغسل، وفي مسند إسحاق بن راهويه أن متولي السؤال هو أبو جعفر. قال الكرماني: القوم هم السائلون، فلم أفرد الكاف حيث قال: يكفيك صاع، والظاهر يقتضي أن يقال: يكفي كل واحد منكم صاع؟ قلت: السائل كان شخصاً واحداً من القوم، وأضيف السؤال إليهم لأنه منهم، كما يقال: النبوة في قريش، وإن كان النبي منهم واحداً، أو يراد بالخطاب العموم كما في قوله تعالى: ﴿ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم﴾ [السجدة: ١٢] وكقوله، عَ له: ((بشر المشائين في ظلم الليالي إلى المساجد بالنور التام)) أي: يكفي لكل من يصح الخطاب له صاع قوله: ((فقال رجل)) المراد به الحسن ابن محمد بن علي بن أبي طالب الذي يعرف أبوه، بابن الحنفية، مات في سنة مائة نحوها واسم الحنفية. خولة بنت جعفر، وفي رواية الإسماعيي: ((فقال رجل منهم)) أي: من القوم. قوله: ((أوفى منك شعراً) ارتفاعه بالخبرية، وشعراً منصوب على التمييز أراد به رسول الله عَ ◌ٍّ. قوله: ((وخير منك)) روي بالرفع والنصب، أما الرفع فبكونه عطفاً على: أو في، وأما النصب فيكون عطفاً على الموصول، أعني: قوله: من فإنه منصوب لأنه مفعول يكفي، وفي رواية الأصيلي: ((وخبراً) بالنصب. قوله: ((ثم أمنا)) أي: جابر، رضي الله تعالى عنه، والضمير المرفوع الذي فيه يرجع إليه، وقال الكرماني: قوله: ((ثم أمنا)) إما مفعول جابر، فهو معطوف على قوله: ((كان يكفي)) فالإمام رسول الله عَ ليه؟ وإما مقول أبي جعفر، فهو عطف على: ((فقال رجل))، فالإمام جابر، رضي الله عنه. وقال بعضهم: فاعل، أمنا جابر كما سيأتي ذلك ١ ١ ٠/٠ ٥ - كتاب الغسل / باب (٣) ٢٩٦ واضحاً في كتاب الصلاة ولا التفات إلى من جعله مقوله، والفاعل رسول الله عَ لّه، قلت: أراد بهذا الرد على الكرماني؟ فيما ذكرنا عنه، وجزم بقوله: إن الإمام جابر، واحتج عليه بما جاء في كتاب الصلاة، وهو ما روي عن محمد بن المنكدر قال: ((رأيت جابراً يصلي في ثوب واحد، وقال: رأيت النبي عَّ يصلي في ثوب)) فإن كان استدلاله بهذا الحديث في رده على الكرماني فلا وجه، وهو ظاهر لا يخفى. بيان استنباط الأحكام فيه: بيان ما كان السلف عليه من الاحتجاج بفعل النبي والانقياد إلى ذلك، وفيه: جواز الرد على من يماري بغير علم، إذ القصد من ذلك إيضاح الحق والإرشاد إلى من لا يعلم. وفيه: كراهية الإسراف في استعمال الماء وفيه استحباب استعمال قدر الصاع في الاغتسال. وفيه: جواز الصلاة في الثوب الواحد. ٦/ ٢٥٣ - حدّثنا أَبُو نُعَيْم قال حدّثنا ابنُ عُيَيْنَةً عَنْ عَمْرٍو عَنْ جَابِرِ بِنْ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ عَ لَّهِ وَمَيْمُونَةَ كَانَا يَغْتَسِلاَنِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مطابقة الحديث للترجمة غير ظاهرة. ووجه الكرماني في ذلك بثلاثة أوجه بالتعسف. الأول: أن يراد بالإناء الفرق، المذكور. الثاني: أن الإناء كان معهوداً عندهم أنه هو الذي يسع الصاع والأكثر، فترك تعريفه اعتماداً على العرف والعادة. الثالث: أنه من باب اختصار الحديث، وفي تمامه ما يدل عليه، كما في حديث عائشة، رضي الله عنها. ووجهه بعضهم بأن مناسبته للترجمة مستفادة من مقدمة أخرى، وهو أن أوانيهم كانت صغاراً، فيدخل هذا الحديث تحت قوله: ونحوه، ونحو الصاع، أو يحمل المطلق فيه على المقيد في حديث عائشة، وهو: الفرق لكون كل منهما زوجة له، واغتسلت معه، فيكون حصة كل منهما أزيد من صاع، فيدخل تحت الترجمة بالتقريب. قلت: مقال هذا القائل أكثر تعسفاً وأبعد وجهاً من كلام الكرماني، لأن المراد من هذا الحديث جواز اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد، وهذا هو مورد الحديث، وليس المراد منه بيان مقدار الإناء، والباب في بيان المقدار فمن أين يلتئم وجه التطابق بينه وبين الباب؟ وقوله: لكون كل منهما زوجة له، كلام من لم يمس شيئاً ما من الأصول، وكون كل واحدة منهما امرأة له، كيف يكون وجهاً لحمل المطلق على المقيد؟ مع أن الأصل أن يجري المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده، والحمل له مواضع عرفت في مواضعها. بيان رجاله وهم خمسة: الأول: أبو نعيم الفضل بن دكين تقدم في باب فضل من استبرأ لدينه. الثاني: سفيان بن عيينة. الثالث: عمرو بن دينار. الرابع: جابر بن زيد الأزدي، أبو الشعثاء البصري، مات سنة ثلاث ومائة. الخامس: عبد الله بن عباس، وفي (مسند الحميدي) هكذا حدّثنا سفيان. أخبرنا عمرو. قال: أخبرني أبو الشعثاء. وهو جابر بن زيد المذكور. بيان لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين وفيه: العنعنة في ثلاثة ٢٩٧ ٥ - كتاب الغسل / باب (٤) مواضع وفيه: عن ابن عباس أن النبي عَّهِ وفيه اختلاف، ومنهم من يقول: لا فرق بينهما، ومنهم من يقول: بينهما فرق وإليه ذهب البخاري وفيه: أن رواته ما بين كوفي ومكي وبصري. ذكر من أخرجه غيره أخرجه مسلم في الطهارة عن قتيبة، وأبي بكر بن أبي شيبة، والترمذي فيه عن ابن أبي عمر، والنسائي فيه عن يحيى بن موسى، وابن ماجة فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة أربعتهم عن سفيان عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس به واللفظ ((كنت أغتسل أنا والنبي عَّله من إناء واحد من الجنابة)). قال أبُو عَبْدِ اللَّهِ كانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يقول أخيراً عنِ ابنِ عبَّاسٍ عنْ مَيْمُونَةَ والصَّحِيحُ ما رواهُ أبُو نَعَيْمِ أبو عبد الله هو البخاري نفسه. قوله: ((كان ابن عيينة)) أي: سفيان بن عيينة، وهذا تعليق من البخاري، ولم يقل: وقال ابن عيينة، بل قال. كان ليدل على أنه في الأخير، أي: في آخر عمره كان مستقراً على هذه الرواية، فعلى هذا التقدير الحديث من مسانيد ميمونة، وعلى الأول من مسانيد ابن عباس. قوله: ((والصحيح)) أي: في الروايتين، ((ما رواه أبو نعيم)) المذكور، وهو أنه من مسانيد ابن عباس، وهذا من كلام البخاري وهو المصحح له وصححه الدارقطني أيضاً ورجح الإسماعيلي أيضاً ما صححه البخاري باعتبار أن هذا الأمر لا يطلع عليه من النبي عَّ له إلاَّ ميمونة، فدل على أنه أخذه عن خالته ميمونة، والأربعة المذكورون أخرجوه عن ابن عباس عن ميمونة، رضي الله تعالى عنهم. والمستفاد من الحديث جواز اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد. ٤٠ - بابُ مَنْ أَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاثاً أي: هذا باب في بيان من أفاض الماء على رأسه ثلاث مرات. والمناسبة بين هذه الأبواب ظاهرة، لأن كلها في أحكام الغسل وهيئته. ٧ / ٢٥٤ - حدّثنا أَبُو نُعَيْم قال حدّثنا زُهَيْرٌ عَنْ أبي إِسْحَاقَ قال حدّثني سُلَيْمانُ بنُ صُرْدٍ قال حدثني مُيَبْرُ بنُ مُطْعِمٍ قَال رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ أَمَّا أَنَّا فَأَفِيضُ عَلَى رَأْسِي ثَلاثاً وأشارَ بِيَدَيْهِ كِلْتَيْهِما. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة. i بيان رجاله وهم خمسة: أبو نعيم الفضل بن دكين، وزهير بن معاوية الجعفي، وأبو إسحاق السبيعي عمرو بن عبد الله، وسليمان بن صرد، بضم الصاد وفتح الراء بعدهما الدال المهملات من أفاضل الصحابة روي له خمسة عشر حديثاً وأخرج البخاري منها اثنين سكن الكوفة أول ما نزل بها المسلمون، خرج أميراً في أربعة آلاف يطلبون دم الحسن، رضي الله ـة جدد i ٦٣٢٠ .-. ٢٩٨ ٥ - كتاب الغسل / باب (٤) تعالى عنه، سموا بالتوابين، وهو أميرهم، فقتله عسكر عبيد الله بن زياد بالجزيرة سنة خمسه وستين، وجبير، بضم الجيم وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف والراء ابن مطعم، بلفظ اسم الفاعل من الإطعام، القرشي النوفلي، روي له ستون حديثاً أخرج البخاري منها تسعة کان من سادات قريش مات بالمدينة سنة أربع وخمسين. . ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد في موضعين، وفيه: العنعنة في موضع واحد. وفيه: أن إسناده عن أبي نعيم أعلى من إسناد حديث الباب الأول عنه. وفيه: رواية الصحابي عن الصحابي. وفيه: رواية الأقران. وفيه: أن رواته ما بين كوفي ومدني. ذكر من أخرجه غيره أخرجه مسلم في الطهارة عن أبي بكر بن أبي شيبة ويحيى بن يحيى، وقتيبة، ثلاثتهم عن أبي الأحوص. وعن أبي موسى وبندار كلاهما عن غندر عن شعبة. ثلاثتهم عن أبي إسحاق عنه به. وأخرجه أبو داود فيه عن النوفلي عن زهير به وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة، وعن عبيد الله بن سعد عن يحيى بن سعيد وعن سويد بن نصر عن ابن المبارك، كلاهما عن شعبة به. وأخرجه ابن ماجة فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة به. ذكر معناه وإعرابه قوله: ((أما أنا فأفيض)) بضم الهمزة من الإفاضة، وهي الإسالة. قال الكرماني: أما للتفصيل فأين قسيمه؟ قلت: اقتضاء القسيم غير واجب، ولئن سلمنا فهو محذوف يدل عليه السياق روى مسلم في صحيحه ((أن الصحابة تماروا في صفة الغسل عند رسول الله عَ له، فقال عليه السلام: أما أنا فأفيض)) أي: أما غيري فلا يفيض، أو فلا أعلم حاله كيف يعمل، ونحوه، انتهى قلت: التحقيق في هذا الموضع أن كلمة أما بالفتح والتشديد حرف شرط وتفصيل وتوكيد، والدليل على الشرط لزوم الفاء بعدها، نحو ﴿فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق﴾ [البقرة: ٢٦] والتفصيل نحو قوله تعالى: ﴿وأمَّا السفينة فكانت لمساكين وأما الغلام وأما الجدار﴾ [الكهف: ٧٩، ٨٠] وأما التوكيد فقد ذكره الزمخشري، فإنه قال: فائدة أمَّا في الكلام أن تعطيه فضل توكيد تقول: زيد ذاهب قصدت ذلك، وإنه لا محالة ذاهب وإنه بصدد الذهاب وإنه منه عن عزيمة قلت: أمَّا زيد فذاهب وهنا أيضاً للتأكيد فلا حاجة إلى القسيم، ولا يحتاج إلى أن يقال: إنه محذوف. وأمّا الذي رواه مسلم فهو من طريق أبي الأحوص عن إسحاق ((تماروا في الغسل عند النبي عَ له: فقال بعض القوم: أمَّا أنا فأغسل رأسي بكذا وكذا)) فذكر الحديث. وقال بعضهم: هذا هو القسيم المحذوف. قلت: لا يحتاج إلى هذا لأن الواجب أن يعطى حق كل کلام بما يقتضيه الحال فلا يحتاج إلى تقدير شيء من حديث روي من طريق، لأجل حديث آخر في بابه من طريق آخر. قوله: ((ثلاثاً) أي: ثلاث أكف، وهكذا في رواية مسلم، والمعنى: ثلاث حفنات كل واحدة منهن بملء الكفين جميعاً، ويدل عليه أيضاً ما رواه أحمد في مسنده: ((فآخذ ملء كفي ثلاثاً فأصب على رأسي)) وما رواه أيضاً عن أبي هريرة: ((كان رسول الله عَّلم يصب بيده على رأسه ثلاثاً) وفي (معجم) الإسماعيلي: ((إن وفد ثقيف سألوا ١ ١٣/١٣/ ٢٩٩ ٥ - كتاب الغسل / باب (٤) عَّه فقالوا: إن أرضنا باردة فكيف نفعل في الغسل؟ فقال: أما أنا فأفرغ على رأسي النبي ثلاثاً) وفي (أوسط) الطبراني مرفوعاً: ((تفرغ بيمينك على شمالك، ثم تدخل يدك في الإناء فتغسل فرجك وما أصابك ثم توضأ وضوءك للصلاة ثم تفرغ على رأسك ثلاث مرات، تدلك رأسك كل مرة)) وقال الداودي: الحفنة باليد الواحدة. وقال غيره: باليدين جميعاً والحديث المذكور يدل عليه، والحثية باليد الواحدة، وبما ذكرنا سقط قول بعضهم: إن لفظه ثلاثاً، محتملة للتكرار، ومحتملة لأن يكون للتوزيع على جميع البدن، قوله: ((وأشار بیدیه» من كلام جبير بن مطعم، أي: أشار رسول الله عَ ل بيديه الثنتين، كما قلنا: إن كل حفنة ملء الكفين. قوله: ((كليهما)) كذا في رواية الأكثرين. وفي رواية الكشميهني كلاهما. وحكى ابن التين في بعض الروايات ((كلتاهما)). قلت: كون كلا وكلتا عند إضافته إلى الضمير في الأحوال الثلاثة بالألف لغة من يراهما تثنية وإن التثنية لا تتغير كما في قول الشاعر: قد بلغا في المجد غايتاها إن أباها وأيا أباها وأما وجه رواية الكشميهني كلاهما بدون التاء فبالنظر إلى اللفظ دون المعنى. ويستنبط منه أن المسنون في الغسل أن يكون ثلاث مرات، وعليه إجماع العلماء. وأما الفرض منه فغسل سائر البد بالإجماع، وفي المضمضة والاستنشاق خلاف مشهور. وقالت الشافعية استحباب صب الماء على الرأس ثلاثاً متفق علیه، وألحق به أصحابنا سائر الجسد قياساً على الرأس، وعلى أعضاء الوضوء، وهو أولى بالثلاث من الوضوء فإن الوضوء مبني على التخفيف مع تكراره، فإذا استحب فيه الثلاث فالغسل أولى. وقال النووي: ولا نعلم فيه خلافاً إلاَّ ما تفرد به الماوردي حيث قال: لا يستحب التكرار في الغسل وهو شاذ متروك، ورد عليه بأن الشيخ أباعلي السنجي قاله أيضاً ذكره في (شرح الفروع) فلم ينفرد به، ونقل ابن التين عن العلماء أنه يحتمل أن يكون هذا على ما شرع في الطهارة من التكرار وأن يكون لتمام الطهارة، لأن الغسلة الواحدة لا تجزىء في استيعاب غسل الرأس. قال: وقيل: ذلك مستحب، وما أسبغ أجزأ، وكذا قال ابن بطال: العدد في ذلك مستحب عند العلماء، وما عم وأسبغ أجزأ. ٨/ ٢٥٥ _ حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشِّارٍ قال حدّثنا غُنْدَرٌّ قال حدّثنا شُعْبَةُ عَنْ مِخْوِلِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ مُحَمَّدٍ بنِ عَلَيٍّ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ قَال كانَ النَّبِيُّ عَلَّهِ يُفْرِعُ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاثَاً. مطابقته للترجمة ظاهرة لا تخفى. بيان رجاله وهم ستة: الأول: محمد بن بشار، بفتح الباء الموحدة وتشديد الشين المعجمة والملقب ببندار. الثاني: غندر، بضم الغين المعجمة وسكون النون وفتح الدال المهملة على الأصح، واسمه: محمد بن جعفر البصري، وكان إماماً وكان شعبة زوج أمه. الثالث: شعبة بن الحجاج. الرابع: مخول، بلفظ اسم المفعول من التخويل بالخاء المعجمة ویروی بکسر الميم وسكون الخاء، وهاتان الروايتان عن أبي ذر، ورواية الأکثرین، بکسر ۔ i i i i أحمد ٠٣٠١ ٥ - كتاب الغسل / باب (٤) ٣٠٠ الميم، ورواية ابن عساكر بضم الميم، ابن راشد، بالشين المعجمة: النهدي، بالنون: الكوفي روى له الجماعة. الخامس: محمد بن علي أبو جعفر المقلب بالباقر، تقدم ذكره. السادس: جابر بن عبد الله. ذكر لطائف إسناده فيه: حدثني محمد بن بشار بصيغة الإفراد في رواية الأكثرين، وفي رواية الأصيلي: حدّثنا بصيغة الجمع. وفيه: التحديث أيضاً بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: العنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: أن رواته ما بين بصري وكوفي ومدني، وليس في الصحيحين محمد بن بشار غيره، وليس المخول بن راشد في البخاري غيره، وهو عزيز، انفرد به البخاري. والحديث أخرجه النسائي في الطهارة عن محمد بن عبد الأعلى عن خالد بن الحارث عن شعبة. قوله: ((يفرغ)) بضم الياء من الإفراغ. قوله: ((ثلاثاً) أي: ثلاث غرفات، وفي رواية الإسماعيلي قال: أظنه من غسل الجنابة. ٢٥٦/٩ - حدّثنا أبُو نُعَيْم قال حدّثنا مَعْمَرُ بنُ يحيى بنُ سامٍ قال حدّثنِي أَبُو جَعْفَرٍ قالَ قالَ لِي جابِرُ وَأَتَانِي ابْنُ عَمِّكْ يُعَرِّضُ بِالحَسَنِ بنِ مُحَمَّدٍ بِنِ الحَنَفِيَةِ قال كَيْفَ الفُسْلُ مِنَ الجَنَابَةِ فَقْلْتُ كَانَ النَّبِيُّ عَلِ يَأْخُذُ ثَلاثَةَ أَكُفَ وَيُفِيضُها عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ فَقالَ لِيَ الحَسَنُ إِنِّي رَجُلٌ كَثيرُ الشَّعَرِ فَقُلْتُ كانَ النَّبِيُّ عَلَِّ أَكْثَرَ مِنْكَ شَعَراً. ظهور مطابقة هذا أيضاً للترجمة واضح. ذكر رجاله وهم خمسة: الأول: أبو نعيم الفضل بن دكين. الثاني: معمر، بفتح الميم وسكون العين المهلمة في أكثر الروايات وبه جزم الحافظ المزي وفي رواية القابسي: بضم الميم الأولى وتشديد الميم الثانية على وزن محمد وبه جزم الحاكم، وليس له في البخاري إلاَّ هذا الحديث، وقد ينسب إلى جده: سام، فيقال معمر بن سام وهو بالسين المهملة وتخفيف الميم. الثالث: أبو جعفر محمد بن علي الباقر. الرابع: جابر بن عبد الله الصحابي. الخامس: الحسن بن محمد بن علي. ذكر لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين: وبصيغة الإفراد في موضع واحد. وفيه: القول من اثنين في موضعين. وفيه: أن رواته ما بين بصري وكوفي ومدني. ذكر معانيه وإعرابه قوله: ((ابن عمك)) فيه مسامحة، إذ الحسن هو ابن عم أبيه لا ابن عمه. قوله: ((يعرض بالحسن)) جملة وقعت حالاً من جابر، والتعريض خلاف التصريح من حيث اللغة، ومن حيث الاصطلاح هو عبارة عن كناية مسوقة لأجل موصوف غير مذكور، وقال الزمخشري: التعريض أن تذكر شيئاً تدل به على شيء لم تذكره، ولههنا سؤال !. الحسن بن محمد عن جابر بن عبد الله عن كيفية الغسل من الجنابة، وفي الحديث ـة عن 19/11 ١٢/١ ٦٠