Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٧١)
فلئلا يتأذى الناس برائحته، على أن المراد بدفنه ليس دفناً شرعياً، بل صب التراب عليه
للمواراة. ومنها ما قيل: إن صب التراب عليهم كان يقطع رائحتهم؟ قلت: كان إلقاؤهم في
البئر أيسر عليهم في ذلك الوقت مع زيادة التحقير لهم لما ذكرنا. ومنها ما قيل: كيف كان
والناس ينتفعون بمائها؟ وأجيب: بأنه لم يكن فيه ماء، وكانت عادية مهجورة، ويقال: وافق أنه
كان حفرها رجل من بني النار اسمه بدر من قريش بن مخلد بن النضر بن كنانة الذي
سميت قريش به على أحد الأقوال، فكان فألاً مقدماً لهم، والله تعالى أعلم.
٧١ _ بابُ البُزَاقِ والمُخاطِ وَنَحوهِ في الثَّوْبِ
إن قلنا إن باب البصاق مبتدأ يحتاج إلى خبر فيكون تقديره: باب البصاق في الثوب لا
يضر المصلي، وإن قلنا: هو خبر مبتدأ محذوف فيكون تقديره: هذا باب في بيان حكم
البصاق في الثوب هل يضر أم لا، والبصاق، بضم الباء على وزن: فعال: ما يسيل من الفم،
وفيه ثلاث لغات: بالصاد والزاي والسين، وأعلاها الزاي وأضعفها السين. قوله: ((والمخاط))
عطف على البصاق، وهو بضم الميم، ما يسيل من الأنف. قوله: ((ونحوه)) بالجر، عطف
على ما قبله. فإن قلت: كان ينبغي أن يقال: ونحوهما، لأن المذكور شيئان، قلت: تقديره.
ونحو كل منهما، وقوله: ((في الثوب)) يتعلق بمحذوف، أي الكائن، أو كائناً. فإن قلت: ما
المراد من قوله: ونحوه؟ قلت: العرق، وعرق كل حيوان يعتبر بسؤره الذي يمتزج بلعابه،
ويستثنى منه الحمار على ما عرف في الفقه.
فإن قلت: ما وجه المناسبة بين هذا الباب وبين الباب الذي قبله؟ قلت: وجهها ظاهر
على وضع البخاري لأنه وضع الباب الذي قبله فيما إذا ألقي على ظهر المصلي قذر، ورأى
به عدم بطلان الصلاة في مثل هذه الصورة، وحكم هذا الباب كذلك، ولا خلاف فيه وقال
بعضهم: ودخول هذا في أبواب الطهارة من جهة أنه لا يفسد الماء. قلت: هذا حكم الباب
في البصاق الذي يصيب الثوب، وذكره عقيب الباب الذي قبله من هذه الجهة، ولا ذكر
للماء في البابين نعم، إذا كان حكم البصاق لا يفسد الثوب يكون كذلك لا يفسد الماء.
وقَالَ عُزْوَةُ عن المسْوَرِ وَمِزْوانَ خَرَجَ النبي ◌َِّ زَمَنَ حُدَيْبِيَةَ فَذَكَرَ الحَدِيثَ وما تَنَخْمَ
النبيُّ عَِّ نُخامَةً إلاَّ وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِها وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ
مطابقة هذا التعليق للترجمة ظاهرة، وهو قطعة من حديث طويل ساقه البخاري بطوله
في صلح الحديبية، والشروط في الجهاد، عن عبد الله بن محمد بن عبد الرزاق عن معمر
عن الزهري عن عروة، وقد علق منه قطعة في باب استعمال فضل وضوء الناس.
بيان رجاله وهم ثلاثة: الأول: عروة بن الزبير التابعي، فقيه المدينة، تقدم في كتاب
الوحي. الثاني: المسور، بكسر الميم وسكون السين المهملة وفتح الواو وبالراء، ابن مخرمة،
بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء، الصحابي، تقدم في باب استعمال وضوء
i

٢٦٢
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٧١)
الناس. الثالث: مروان بن الحكم بفتح الحاء المهملة وفتح الكاف، الأموي، ولد على عهد
رسول الله عَ ليه ولم يسمع النبي عَّله لأنه خرج إلى الطائف طفلاً لا يعقل حين نفى النبي،
عليه الصلاة والسلام، أباه الحكم إليها، وكان مع أبيه بها حتى استخلف عثمان، رضي الله
تعالى عنه فردهما إلى المدينة، وكان إسلام الحكم يوم فتح مكة، وطرده رسول الله عَلَه إلى
الطائف لأنه كان يفشي سره، مات في خلافة عثمان، ولما توفي معاوية بن يزيد بن معاوية
بايع بعض الناس بالشام مروان بالخلافة، ومات بدمشق سنة خمسة وستين. فإن قلت: مروان
لم يسمع رسول الله عَ لٍ ولا كان بالحديبية، وكيف روايتة. قلت: رواية المسور هي الأصل
لكن ضم إليه رواية مروان للتقوية والتأكيد.
ذكر لغاته قوله: ((زمن حديبية)) بضم الحاء المهملة وفتح الدال وسكون الياء آخر
الحروف الأولى وكسر الباء الموحدة وفتح الياء الثانية كذا قاله الشافعي: وبتشديد الياء عند
أكثر المحدثين، وقال ابن المديني: أهل المدينة يثقلونها، وأهل العراق يخففونها، قلت: هي
تصغير: حدباء لأن حديبية قرية سميت بشجرة هناك وهي حدباء وكانت الصحابة رضي الله
تعالى عنهم، بايعوا رسول الله عَ لم تحت هذه الشجرة، وهي تسمى: بيعة الرضوان، وقيل:
هي قرية، سميت بيئر هناك، وعلى كلا التقديرين الصواب التخفيف، وهي على نحو مرحلة
من مكة. قوله: ((وما تنخم النبي عَّهُ نخامة)) قوله: ((تنخم)) فعل ماض من باب التفعل،
يقال: تنخم الرجل إذا دفع بشيء من صدره أو أنفه، قاله في (المحكم) وثلاثيه نخم نخماً
وفي (الصحاح) وفي (المجمل): النخامة بالفم النخاعة، وفي (المغيث) و (المغرب) ما يخرج
من الخيشوم، وزعم النووي أنها تخرج من الفم، بخلاف النخاعة فإنها تخرج من الحلق.
وقال بعض الفقهاء النخامة هي الخارج من الصدر، والبلغم هو النازل من الدماغ، وبعضهم
عكسوا. قوله: (إلا وقعت)) أي: ما تنخم في حال من الأحوال إلاّ في حال وقوعها في
الكف، وهو إما عطف على: خرج، وإما على الحديث، ثم إما أن يراد: أنه ما تنخم من
الحديبية إلاَّ وقعت في كف رجل، وإما أن يراد إنه ما تنخم قط إلاّ وقعت فلا يختص بزمن
الحديبية. قال الكرماني، والأول هو الظاهر. قلت: الثاني هو الأظهر. وقال الكرماني: فإن
قلت: ما وجه ذكر حديث الحديبية هنا. قلت: إما لأن أمر التنخم وقع في الحديث، وإما
لأن الراوي ساق الحديثين سوقاً واحداً وذكرهما معاً وكثيراً ما يفعله المحدثون، كما تقدم
في حديث نحن الآخرون السابقون، قلت لم يقطع الكرماني على الموضع الذي ساق
البخاري فيه الحدیث، فلذلك تردد في جواب السؤال فلو كان اطلع عليه لم يتردد.
بيان استنباط الأحكام منها: الاستدلال على طهارة البصاق والمخاط قال ابن بطال:
وهو أمر مجمع عليه لا نعلم فيه خلافاً إلاَّ ما روى سلمان: أنه جعله غير طاهر، وأن الحسن بن
حي كرهه في الثوب، وعن الأوزاعي أنه كره أن يدخل سواكه في وضوئه، وذكر ابن أبي شيبة
أيضاً في (مصنفه) عن إبراهيم النخعي، أنه ليس بطهور. وقال ابن حزم: صح عن سلمان
الفارسي وإبراهيم النخعي أن اللعاب نجس إذا فارق الفم، وقال بعض الشراح. وما ثبت عن
١٣٠

وجو ..
٢٦٣
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٧١)
الشارع من خلافهم فهو المتبع، والحجة البالغة، فلا معنى لقول من خالف وقد أمر الشارع
المصلي أن يزق عن شماله أو تحت قدميه، وبزق الشارع في طرف ردائه ثم رد بعضه على
بعض وقال: أو تفعل هكذا وهذا ظاهر في طهارته، لأنه لا يجوز أن يقوم المصلي على
نجاسة، ولا أن يصلي وفي ثوبه نجاسة. قلت: أما بصاق النبي عَّ لِ فهو أطيب من كل
طيب، وأطهر من كل طاهر وأما بصاق غيره فينبغي أن يكون بالتفصيل، وهو أن البزاق طاهر
إذا كان من فم طاهر، وأما إذا كان من فم يشرب الخمر فينبغي أن يكون نجساً في حالة
شربه، لأن سؤره في ذلك الوقت نجس، فكذلك بصاقه، وكذا إذا كان من فم من في فمه
جراحة أو دمل يخرج منه دم أو قيح. وقال أصحابنا الدم المساوي للريق ينقض الوضوء
استحساناً كالغالب الناقض، ولو كان لون الريق أحمر ينقض، وإن كان أصفر فلا ينقض، ثم
إذا حكم بطهارة البزاق على الوجه الذي ذكرناه يعلم منه أنه إذا وقع شيء منه في الماء لا
ينجسه، ويجوز الوضوء منه، وكذا إذا وقع في الطعام لا يفسده، غير أن بعض الطباع يستقذر
ذلك فلا يخلو عن الكراهة. ومن الاستنباط من هذا الحديث التبرك بيزاق النبي عَ لّم توقيراً له
وتعظيماً.
٢٤١/١٠٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قال حدّثنا سُفْيَانُ عنْ حُمَيْدٍ عِنْ أَنَسِ قَالَ بَزَقَ
النبيُّ عَ لِّ فِي ثَوْبِهِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ طَوَّلَهُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ قال أخبرنا يَخْتَى بِنُ أَيُّوبَ قَالَ حدثني
مُمَيْدُ قالَ سَمِعْتُ أَنَساً عن النبيِّ مَّهِ. [الحديث ٢٤١ - أطرافه في: ٤٠٥، ٤١٢، ٤١٣،
٤١٧، ٥٣١، ٥٣٢، ٨٢٢، ١٢١٤].
مطابقته للترجمة ظاهرة.
بيان رجاله وهم سبعة الأول: محمد بن يوسف الفريابي، بكسر الفاء وسكون الراء
وبالياء آخر الحروف قبل الألف وبالياء الموحدة في آخره، تقدم مراراً الثاني: سفيان الثوري،
كما صرح به الدارقطني، فإنه لما ذكر رواة هذا الحديث قال: رواه سفيان بن سعيد عن
حميد، ولم يذكر سفيان بن عيينة، والفريابي كثير الملازمة لسفيان الثوري. ولما ذكر
الجياني وغيره ما رواه محمد بن يوسف البكندي عن ابن عيينة لم يذكروا هذا الحديث
منها، وابن عيينة مقل في حميد حتى أن البخاري لم يخرج له إلاَّ حديثاً واحداً، وهو النواة
في الصداق وكذا ذكره الشيخ قطب الدين الحلبي في (شرحه)الثالث: حميد بضم الحاء
المشهور بالطويل فإن قلت: لا يقال: إن حميداً هذا هو حميد بن هلال لأنه في طبقة حميد
الطويل، قلت: لأن السفيانين لم يرويا عن حميد بن هلال شيئاً. الرابع: أبو عبد الله هو
البخاري نفسه. الخامس: سعيد بن الحكم بن محمد بن أبي مريم المصري، أحد شيوخ
البخاري، وله (موطأ) رواه عن مالك وهو ثقة، مات سنة أربع وعشرين ومائتين. السادس:
يحيى بن أيوب الغافقي المصري، مولى عمر بن الحكم بن مروان أبو العباس، مات سنة ثمان
وستين ومائة، وفيه لين. وقال أبو حاتم: لا يحتج به. وقال النسائي: ليس بالقوي. السابع:
أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه.
i

٠٣٠
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٧٢)
٢٦٤
بيان لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وبصيغة الإفراد في
موضع. وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضع واحد، وفيه: العنعنة في موضعين. وفيه:
التصريح بسماع حميد عن أنس خلافاً لما روى يحيى القطان عن حماد بن سلمة أنه قال:
حديث حميد عن أنس في البزاق إنما سمعه عن ثابت عن أبي نضرة، فظهر من تصريح
سماعه أنه لم يدلس فيه، وقال يحيى القطان، ولم يقل شيئاً لأن هذا قد رواه قتادة عن أنس.
وقال الدارقطني: والقول عندنا قول حماد بن سلمة لأن الذي رواه عن قتادة عن أنس غير
هذا، وهو أنّه عَّلِ قال: ((البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها)). وفيه: أن رواته ما
بین مكي وبصري ومصري.
بيان معناه قوله: ((بزق النبي عَّ في ثوبه)) أي: ثوب رسول الله عَّه وهو الظاهر.
وقال الكرماني: ويحتمل عود الضمير إلى أنس، رضي الله تعالى عنه، وهو بعيد. قلت: وجه
بعده، وإن كان فيه احتمال، ما رواه أبو نعيم في (مستخرجه) وهو هذا الحديث من طريق
الفريابي، وزاد في آخره، وهو في الصلاة. قوله: ((طوله)) أي: طول هذا الحديث شيخه سعيد
ابن الحكم بن أبي مريم يعن، ذكره مطولاً في باب: حك البزاق باليد من المسجد، وسيأتي
إن شاء الله تعالى. قوله: ((سمعت أنسا عن النبي عَُّلّ)) يعني: مثل الحديث المذكور وهو
مفعوله الثاني حذف للعلم به.
٧٢ _ بابٌ لا يَجُوزُ الوُضُوءُ بِالنَّبِيذِ ولا بالمُسْكِرِ
أي: هذا باب فيه لا يجوز الوضوء إلخ أي: بيان عدم الجواز بالنبيذ قوله: ((ولا
بالمسكر)) أي: ولا يجوز أيضاً بالمسكر، قال بعضهم: هو من عطف العام على الخاص.
قلت: إنما يكون ذلك إذا كان المراد بالنبيذ ما لم يصل إلى حد الإسكار، وأما إذا وصل فلا
يكون من هذا الباب، وتخصيص النبيذ بالذكر من بين المسكرات لأنه محل الخلاف في
جواز التوضىء به، قال ابن سيده: النبذ، طرحك الشيء، وكل طرح نبذ، والنبيذ الشيء ما
نبذته من عصير ونحوه، وقد نبذ وانتبذ ونبذ، والانتباذ المعالجة وفي (الصحاح) وكتاب
(الشرح) لابن درستويه العامة تقول: أنبذت انتهى وذكره اللحياني في (نوادره) ومن حمض
الحامض انبذت لغة ولكنها قليلة، وذكرها أيضاً ثعلب في كتاب (فعلت وأفعلت) وفي
(الجامع) للقزاز، أكثر الناس يقولون: نبذت النبيذ، بغير الألف، وحكى الفراء عن الدوسي،
قال: وكان ثقة أنبذت النبيذ، ولا أسمعها أنا من العرب. قلت: النبيذ فعيل بمعنى مفعول، وهو
الماء الذي ينتبذ فيه تمرات لتخرج حلاوتها إلى الماء. وفي (النهاية) لابن الأثير: النبيذ ما
يعمل من الأشربة من التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير وغير ذلك، يقال: نبذت الشعير
والعنب إذا أنزلت عليه الماء ليصير نبيذاً، فصرف من مفعول إلى فعيل، وانتبذته، اتخذته نبيذاً
سواء كان مسكراً أو غير مسكر، وهو من باب فعل يفعل، بالفتح في الماضي والكسر في
المضارع. كضرب ذكره صاحب (الدستور) في هذا الباب وفي (العباب) أنبذت النبيذ لغة

١٣٤
٢٦٥
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٧٢)
عامية ونبذت الشيء تنبيذاً شدّد للمبالغة.
فإن قلت: ما وجه المناسبة بين البابين؟ قلت: ليست بينهما مناسبة خاصة لكن من
حيث إن كلاً منهما يشتمل على حكم ويرجع إلى حال المكلف من الصحة والفساد.
وَكَرِهَه الحَسَنُ وَأَبُو العَالِيَةِ
الحسن هو البصري وأبو العالية رفيع بن مهران الرياحي بكسر الراء وبالياء آخر
الحروف المخففة وكسر الحاء المهملة وقد تقدم في أول كتاب العلم ورفيع بضم الراء
وفتح الفاء وأما الذي علقه عن الحسن فرواه ابن أبي شيبة حدّثنا وكيع عن سفيان عمن
سمع الحسن يقول: ((لا يتوضأ بنبيذ ولا بلبن)) ورواه عبد الرزاق في مصنفه حدّثنا الثوري
عن إسماعيل بن مسلم المكي عن الحسن قال: ((لا يتوضأ بلبن ولا نبيذ)) وروى أبو عبيد .
من طريق أخرى عن الحسن أنه لا بأس به فعلى هذا كراهته عنده كراهة تنزيه فحينئذ لا
يساعد الترجمة وأما الذي علقه عن أبي العالية فروى الدارقطني في سننه بسند جيد عن
أبي خلدة فقال: قلت لأبي العالية رجل ليس عنده ماء وعنده نبيذ أيغتسل به من الجنابة
قال: لا وقال ابن أبي شيبة: حدّثنا مروان بن معاوية عن أبي خلدة عن أبي العالية أنه كره
أن يغتسل بالنبيذ وكذا رواه أبو عبيد عن أبي خلدة وفي رواية فكرهه. قلت: الظاهر أن
هذا أيضاً كراهة تنزيه.
وقالَ عَطَاءُ: التيَمُّمُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ واللبَنِ
عطاء هو ابن أبي رباح، وهذا يدل على أن عطاء يجيز استعمال النبيذ في الوضوء،
ولكن التيمم أحب إليه منه، فعلى هذا هو أيضاً لا يساعد الترجمة، وروى أبو داود من طريق
ابن جريج عن عطاء إنه كره الوضوء بالنبيذ واللبن وقال: إن التيمم أحب إلي منه. قلت: أما
التوضؤ باللبن، فلا يخلو إما أن يكون بنفس اللبن، أو بماء خالطه لبن، فالأول لا يجوز
بالإجماع وأما الثاني فيجوز عندنا خلافاً للشافعي. وأما الوضوء بالنبيذ فهو جائز عند أبي
حنيفة، ولكن بشرط أن يكون حلواً رقيقاً يسيل على الأعضاء كالماء، وما اشتده منها صار
حراماً لا يجوز التوضؤ به وإن غيرته النار، فما دام حلواً فهو على الخلاف، ولا يجوز التوضؤ
بما سواه من الأنبذة جرياً على قضية القياس. وقال ابن بطال: اختلفوا في الوضوء بالنبيذ، فقال
مالك والشافعي وأحمد: لا يجوز الوضوء بنيّه ومطبوخه مع عدم الماء ووجوده، تمراً كان أو
غيره، فإن كان مع ذلك مشتداً فهو نجس لا يجوز شربه ولا الوضوء به، وقال أبو حنيفة: لا
يجوز الوضوء به مع وجود الماء، فإذا عدم فيجوز بمطبوخ التمر خاصة. وقال الحسن: جاز
الوضوء بالنبيذ. وقال الأوزاعي: جاز بسائر الأنبذة انتهى. وفي (المغني) لابن قدامة وروي عن
علي، رضي الله تعالى عنه إنه كان لا يرى بأساً بالوضوء بنبيذ التمر، وبه قال الحسن
والأوزاعي. وقال عكرمة: النبيذ وضوء من لم يجد الماء، وقال إسحاق: النبيذ الحلو أحب
.

٢٦٦
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٧٢)
إلي من التيمم، وجمعهما أحب إليَّ وعن أبي حنيفة كقول عكرمة، وقيل عنه: يجوز الوضوء
بنبيذ التمر إذا طبخ واشتد عند عدم الماء في السفر، لحديث ابن مسعود، رضي الله تعالى
عنه. وفي (أحكام القرآن) لأبي بكر الرازي، عن أبي حنيفة في ذلك ثلاث روايات. إحداها:
يتوضأ به ويشترط فيه النية، ولا يتيمم، وهذه هي المشهورة، وقال قاضيخان، وهو قوله
الأول، وبه قال زفر. والثانية: يتيمم ولا يتوضأ، رواها عنه نوح ابن أبي مريم، وأسد بن عمرو،
والحسن بن زياد، قال قاضيخان: وهو الصحيح عنه، والذي رجع إليها وبها قال أبو يوسف
وأكثر العلماء، واختار الطحاوي هذا. والثالثة: روي عنه الجمع بينهما، وهذا قول محمد،
وقال صاحب (المحيط) صفة هذا النبيذ أن يلقى في الماء تميرات حتى يأخذ الماء حلاوتها
ولا يشتد ولا يسكر، فإن اشتد حرم شربه، فكيف الوضوء؟ وإن كان مطبوخاً فالصحيح أنه لا
يتوضأ به. وقال في (المفيد) إذا ألقي فيه تمرات فحلا ولم يزل عنه اسم الماء وهو رقيق
فيجوز الوضوء به بلا خلاف بين أصحابنا، ولا يجوز الاغتسال به وهذا خلاف ما قاله في
(المبسوط) أنه يجوز الاغتسال به، وقال الكرخي: المطبوخ أدنى طبخة يجوز الوضوء به إلا
عند محمد، وقال الدباس: لا يجوز، وفي (البدائع) واختلف المشايخ في جواز الاغتسال بنبيذ
التمر على أصل أبي حنيفة، فقال بعضهم: لا يجوز، لأن الجواز عرف بالنص، وأنه ورد
بالوضوء دون الاغتسال، فيقتصر على مورد النص، وقال بعضهم: يجوز لاستوائهما في
المعنى.
ثم لا بد من تفسير نبيذ التمر الذي فيه الخلاف وهو أن يلقى في الماء شيء من
التمر لتخرج حلاوتها إلى الماء، وهكذا ذكر ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه، في تفسير
النبيذ الذي توضأ به النبي صَّله فقال: تمرات ألقيتها في الماء، لأن من عادة العرب أنها تطرح
التمر في الماء ليحلو فما دام رقيقاً حلواً أو قارصاً يتوضأ به عند أبي حنيفة وإن كان غليظاً
کالرب لا يجوز التوضؤ به، و کذا إذا کان رقیقاً لکنه غلا واشتد وقذف بالزبد لأنه صار
مسكراً، والمسكر حرام، فلا يجوز التوضؤ به، لأن النبيذ الذي توضأ به رسول الله عَ لّه كان
رقيقاً حلواً، فلا يلحق به الغليظ والنبيذ إذا كان نياً أو كان مطبوخاً أدنى طبخة، فما دام
قارصاً أو حلواً فهو على الخلاف وإن غلا واشتد وقذف بالزبد فلا، وذكر القدوري في
(شرحه مختصر الكرخي) الاختلاف فيه بين الكرخي وأبي طاهر الدباس، على قول الكرخي:
يجوز، وعلى قول أبي طاهر: لا يجوز، ثم الذين جوزوا التوضؤ به احتجوا بحديث ابن
مسعود حيث قال له النبي عَ لّم ليلة الجن: ((ماذا في إداوتك؟ قال: نبيذ قال: تمرة طيبة
وماء طهور)) رواه أبو داود والترمذي، وزاد، ((فتوضأ به وصلى الفجر)) وقال بعضهم: وهذا
الحديث أطبق علماء السلف على تضعيفه. قلت: إنما ضعفوه لأن في رواته أبا زيد وهو رجل
مجهول لا يعرف له رواية غير هذا الحديث، قاله الترمذي. وقال ابن العربي في (شرح
الترمذي) أبو زيد مولى عمرو بن حريث، روى عنه راشد بن كيسان وأبو روق، وهذا يخرجه
عن حد الجهالة، وأما اسمه فلم يعرف فيجوز أن يكون الترمذي أراد أنه مجهول الاسم.
١٠

١٣٠
٢٦٧
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٧٢)
على أنه روى هذا الحديث أربعة عشر رجلاً عن ابن مسعود كما رواه أبو زيد. الأول:
أبو رافع عند الطحاوي والحاكم. الثاني: رباح أبو علي عند الطبراني في (الأوسط). الثالث:
عبد الله بن عمر عند أبي موسى الأصبهاني في (كتاب الصحابة). الرابع: عمرو البكالي عند
أبي أحمد في (الكنى) بسند صحيح. الخامس: أبو عبيدة ابن عبد الله. السادس: أبو
الأحوص، وحديثهما عند محمد بن عيسى المدائني. فإن قلت: قال البيهقي: محمد بن
عيسى المدائني واهي الحديث، والحديث باطل. قلت: قال البرقاني: فيه ثقة لا بأس به.
وقال اللالكائي: صالح ليس يدفع عن السماع. السابع: عبد الله بن مسلمة عند الحافظ أبي
الحسن بن المظفر في كتاب (غرائب شعبة). الثامن: قابوس بن ظبيان عن أبيه عند ابن
المظفر أيضاً بسند لا بأس به. التاسع: عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي عند الإسماعيلي
في جمعه حديث يحيى بن أبي كثير عن يحيى عنه. العاشر: عبد الله بن عباس عند ابن
ماجة والطحاوي. الحادي عشر: أبو وائل شقيق بن سلمة عند الدارقطني. الثاني عشر: ابن
عبد الله رواه أبو عبيدة بن عبد الله عن طلحة بن عبد الله عن أبيه أن أباه حدثه. الثالث
عشر: أبو عثمان ابن سنه عند أبي حفص بن شاهين في كتاب (الناسخ والمنسوخ) من طريق
جيدة، وخرجها الحاكم في (مستدركه) الرابع عشر: أبو عثمان النهدي عند الدورقي في
(مسنده) بطريق لا بأس بها فإن قلت: صح عن عبد الله إنه قال: لم أكن مع النبي عَّ ليلة
الجن قلت يجوز أن يكون صحبه في بعض الليل واستوقفه في الباقي ثم عاد إليه، فصح أنه
لم يكن معه عند الجن، لا نفس الخروج.
E
وقد قيل: إن ليلة الجن كانت مرتين. ففي أول مرة خرج إليهم لم يكن مع النبي عَلّ.
ابن مسعود ولا غيره، كما هو ظاهر حديث مسلم، ثم بعد ذلك خرج إليهم وهو معه ليلة
أخرى، كما روى أبو حاتم في (تفسيره) في أول سورة الجن، من حديث ابن جريج قال: قال
ابن عبد العزيز بن عمر: أما الجن الذين لقوه بنخلة فجن نينوى، وأما الجن الذي لقوه بمكة
فجن نصيبين. وقال بعضهم: على تقدير صحته، أي: صحة حديث ابن مسعود: إنه منسوخ،
لأن ذلك كان بمكة ونزول قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [النساء: ٤٣] إنما كان
بالمدينة بلا خلاف. قلت: هذا القائل نقل هذا عن ابن القصار من المالكية، وابن حزم من
كبار الظاهرية، والعجب منه أنه، مع علمه أن هذا مردود، نقل هذا وسكت عليه. وجه الرد ما
ذكره الطبراني في (الكبير) والدارقطني: أن جبريل عليه السلام، نزل على رسول الله عَ ليه
بأعلى مكة فهمز له بعقبه فأنبع الماء وعلمه الوضوء. وقال السهيلي: الوضوء مكي، ولكنه
مدني التلاوة، وإنما قالت عائشة، رضي الله تعالى عنها. آية التيمم ولم تقل: آية الوضوء، لأن
الوضوء كان مفروضاً قبل، غير أنه لم يكن قرآناً يتلى حتى نزلت آية التيمم، وحكى عياض
عن أبي الجهم: أن الوضوء كان سنة حتى نزل فيه القرآن بالمدينة.
١٠٤/ ٢٤٢ - حدّثنا عليّ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قال حدّثنا سُفْيَانُ قال حدّثنا الزُّهْرِي عَنْ أبي
سلمَةَ عنْ عَائِشَةَ عَنِ النبيِّ عَِّ قالَ: ((كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ)). [الحديث ٢٤٢ - طرفاه
i
i
i

٢٦٨
٤٠
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٧٢)
في: ٥٥٨٥، ٥٥٨٦].
مطابقة هذا الحديث للترجمة بالجر الثقيل، وكان موضعه كتاب الأشربة، وجه ذلك
أن الشراب إذا كان مسكراً يكون شربه حراماً، فكذلك لا يجوز التوضؤ به. وقال الكرماني:
لخروجه عن اسم الماء في اللغة والشريعة، وكذلك النبيذ غير المسكر أيضاً، هو في معنى
المسكر من جهة أنه لا يقع عليه إسم الماء ولو جاز أن يسمى النبيذ ماء، لأن فيه ماء، جاز
أن يسمى الخل ماء، لأن فيه ماء انتهى. قلت: كون النبيذ الغير مسكر في معنى المسكر غير
صحيح، لأن النبيذ الذي لا يسكر إذا كان رقيقاً وقد ألقيت فيه تميرات لتخرج حلاوتها إلى
الماء ليس في معنى المسكر أصلاً ولا يلزم أن يكون النبيذ الذي كان مع ابن مسعود في
معنى النبيذ المسكر، ولم يقل به أحد، ولا يلزم من عدم جواز تسمية الخل ماءً عدم جواز
تسمية النبيذ الذي ذكره ابن مسعود ماءً ألا ترى أن النبي عَّهِ، كيف قال: ((تمرة طيبة وماء
طهور))، حين سأل ابن مسعود: ما في إدواتك؟ قال: نبيذ، وقد أطلق عليه الماء ووصفه
بالطهورية، فكيف ذهل الكرماني عن هذا حتى قال ما قاله ترويجاً لما ذهب إليه، والحق
أحق أن يتبع.
الإدارة، بكسر الهمزة، إناء صغير يتخذ من جلد للماء كالسطحية ونحوها، وجمعها:
أداوي. ثم قال الكرماني: وقال أبو عبيدة إمام اللغة، النبيذ لا يكون طاهراً، لأن الله تعالى
شرط الطهور بالماء والصعيد ولم يجعل لهما ثالثاً والنبيذ ليس منهما. قلت: الكلام مع أبي
عبيدة لأنه إن أراد به مطلق النبيذ فغير مسلم لأن فيه مصادمة الحديث النبوي، وإن أراد به
النبيذ الخاص وهو الغليظ المسكر فنحن أيضاً نقول بما قاله.
بيان رجاله وهم خمسة الأول: علي بن عبد الله المدني، وقد تقدم غير مرة. الثاني:
سفيان بن عيينة، وقد تقدم غير مرة. الثالث: محمد بن مسلم الزهري. الرابع: أبو سلمة.
بفتح اللام، عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، وقد تقدم في كتاب الوحي. الخامس:
عائشة الصديقة أم المؤمنين، رضي الله تعالى عنها.
بيان لطائف إسناده وفيه: التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع وفيه: العنعنة في
موضعين. وفيه: أن رواته ما بين مديني ومدني ومكي. وفيه: رواية التابعي عن التابعي.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري لههنا عن علي عن سفيان، وفي
الأشربة عن عبد الله ابن يوسف عن مالك، وعن أبي اليمان عن شعيب، ثلاثتهم عن الزهري
به وأخرجه مسلم في الأشربة عن يحيى عن مالك به، وعن يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي
شيبة وعمر والناقد وزهير بن حرب وسعيد بن منصور، خمستهم عن سفيان به، وعن حرملة
ابن يحيى عن أبي وهب عن يونس وعن حسن الحلواني وعبد بن حميد، كلاهما عن
يعقوب، وعن إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد كلاهما عن عبد الرزاق عن معمر، ثلاثتهم
عن الزهري به. وفي حديث معمر: ((كل شراب مسكر حرام)) وأخرجه أبو داود وفيه عن

٢٦٩
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٧٣)
القعنبي عن مالك به، وعن يزيد بن عبد ربه. وأخرجه الترمذي عن إسحاق بن موسى عن معن
عن مالك به وعن يزيد بن عبد ربه. وأخرجه الترمذي عن إسحاق بن موسى عن معن عن
مالك به. وأخرجه النسائي عن سويد بن نصر عن ابن المبارك، وعن قتيبة بن سعيد، كلاهما
عن مالك به، وعن ابن قتيبة عن سفيان به، وعن علي بن ميمونة عن بشر بن السري عن عبد
الرزاق، وفيه وفي الوليمة عن سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك عن معمر به وأخرجه ابن
ماجة في الأشربة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن سفيان به.
بيان معناه وحكمه قوله: ((كل شراب)) أي: كل واحد من أفراد الشراب المسكر
حرام وذلك لأن كلمة، كل إذا أضيفت إلى النكرة تقتضي عموم الإفراد، وإذا أضيفت إلى
المعرفة تقتضي عموم الإجزاء وقال بعضهم: قوله: ((كل شراب أسكر)) أي: كان من شأنه
الإسكار سواء حصل بشربه الإسكار أم لا. قلت: ليس معناه كذا، لأن الشارع أخبر بحرمة
الشراب عند اتصافه بالإسكار، ولا يدل ذلك على أنه يحرم إذا كان يسكر في المستقبل، ثم
نقل عن الخطابي، فقال: قال الخطابي: فيه دليل على أن قليل المسكر وكثيره حرام من أي
نوع كان لأنها صيغة عموم أشير بها إلى جنس الشراب الذي يكون منه السكر، فهو كما
قال: كل طعام أشبع فهو حلال، فإنه يكون دالاً على حل كل طعام من شأنه الإشباع، وإن
لم يحصل الشبع به لبعض. قلت: قوله، قليل المسكر وكثيره حرام من أي نوع كان لا يمشي
في كل شراب، وإنما ذلك في الخمر لما روي عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، موقوفاً
ومرفوعاً ((إنما حرمت الخمرة بعينها والمسكر من كل شراب)) فهذا يدل على أن الخمر حرام
قليلها وكثيرها أسكرت أو لا، وعلى أن غيرها من الأشربة إنما يحرم عند الإسكار وهذا ظاهر.
قلت: ورد عنه عَّ﴾ ((كل مسكر خمر وكل مسكر حرام)) قلت: طعن فيه يحيى بن معين ولئن
سلم فالأصح أنه موقوف على ابن عمر، ولهذا رواه مسلم بالظن، فقال: لا أعلمه إلاّ مرفوعاً
ولئن سلم فمعناه كل ما أسكر كثيره فحكمهِ حكم الخمر.
٧٣ - بابُ غَسْلِ المَرأةِ أَبَاهَا الدَّمَ عِنْ وَجْهِهِ
أي: هذا باب في بيان غسل المرأة الدم عن وجهه فقوله: ((أباها)) منصوب لأنه مفعول
المصدر أعني: غسل المرأة، والمصدر مضاف إلى فاعله. قوله: ((الدم)) منصوب بدل من
أباها بدل الاشتمال، ويجوز أن يكون منصوباً بالاختصاص، تقديره: أعني الدم، وفي رواية ابن
عساكر: باب غسل المرأة عن وجه أبيها، وهذا هو الأجود. قوله: ((عن وجهه)) وفي رواية
الكشميهني: ((من وجهه)) والمعنى في رواية عن إما أن يكون بمعنى من وإما أن يتضمن الغسل
معنى الإزالة ومجيء، عن، بمعنى من، وقع في كلام الله تعالى: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن
عباده ويعفو عن السيئات﴾ [الشورى: ٢٥] ولههنا سؤالان: الأول: في وجه المناسبة بين
البابين؟ والثاني: في وجه إدخال هذا الباب في كتاب الوضوء. قلت: أما الأول فيمكن أن
يقال إن كلاً منهما يشتمل على حكم شرعي. أما الأول: ففيه أن استعمال النبيذ لا يجوز.
i
٠٠.
١٣٤
i

•٠
د٠٠٠
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٧٣)
٢٧٠
وأما الثاني: فلأن ترك النجاسة على البدن لا يجوز، فهما متساويان في عدم الجواز، وهذا
المقدار كاف، وأما الجواب عن الثاني فهو أن النسخة إن كانت كتاب الطهارة بدل كتاب
الوضوء فلا خفاء فيه، وإن كان كتاب الوضوء فالمراد منه إما معناه اللغوي، فإنه مأخوذ من
الوضاءة وهي: الحسن والنظافة، فيتناول حينئذ رفع الخبث، أيضاً. وأما معناه الاصطلاحي
فيكون ذكر الطهارة عن الخبث في هذا الكتاب بالتبعية لطهارة الحدث والمناسبة بينهما
كونهما من شرائط الصلاة، ومن باب النظافة وغير ذلك، فهذا حاصل ما ذكره الكرماني
ولكن أحسن فيه، وإن كان لا يخلو عن بعض التعسف.
وقال أبُو العَالِيةِ: امْسَحُوا عَلَى رِجْلِي فَإِنَّها مَرِيضَةٌ
مطابقة هذا الأثر للترجمة من حيث إنها متضمنة جواز الإستعانة في الوضوء وإزالة
النجاسة.
وأبو العالية هو رفيع بن مهران الرياحي. وقد تقدم عن قريب، وهذا التعليق وصله عبد
الرزاق عن معمر عن عاصم بن سليمان قال: ((دخلنا على أبي العالية وهو وجع فوضؤوه، فلما
بقيت غسل إحدى رجليه قال: إمسحوا على هذه فإنها مريضة. وكانت بها جمرة)) ورواه ابن
أبي شيبة أنها كانت معصوبة قلت: ليس رواية ابن أبي شيبة هكذا وإنما المذكور في مصنفه:
حدّثنا أبو معاوية عن عاصم وداود عن أبي العالية أنه اشتكى رجله فعصبها وتوضأ ومسح
عليها وقال: إنها مريضة. وهذا غير الذي ذكره البخاري، على ما لا يخفى، والله تعالى
أعلم.
٢٤٣/١٠٥ - حدّثنا مُحَمَّد قال أُخْبَرنا سُفْيانُ بنُ عُيَيْنَةً عن أبي حازِمٍ سَمِعَ سَهْلَ بنَ
سَعْدِ السَّاعِدِيَّ وَسَأَلَّهُ النَّاسُ ما بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَحَدٌ بِأَيِّ شَيْءٍ دُورِيَ مُرْعُ النَّبِيِّ عَّ ◌َلَّهِ فِقالَ ما بَقِيَ
أَحَدٌ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي كانَ عَليّ يَجِيءُ بِتُرْسِهِ فِيهِ ماءٌ وفاطِمَةُ تَغْسِلُ عَنْ وَجْهِهِ الدَّمَ فَأَخِذَ حَصِيرٌ
فَأَحْرِقَ فَحُشِيَ بِهِ مجرْحُهُ [الحديث ٢٤٣ - أطرافه في: ٢٩٠٣، ٢٩١١، ٣٠٣٧، ٤٠٧٥،
٥٢٤٨، ٥٧٢٢].
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة.
بيان رجاله وهم أربعة: الأول: محمد هو ابن سلام البيكندي، وكذا جاء في بعض
النسخ، وقال أبو علي الجياني: لم ينسبه أحد من الرواة وهو عندي ابن سلام، وبذلك جزم
أبو نعيم في (المستخرج) ووقع في رواية ابن عساكر: حدّثنا محمد، يعني ابن سلام، ورواه
ابن ماجة عن محمد بن الصباح وهشام بن عمار عن سفيان به، ورواه الإسماعيلي أيضاً عن
محمد بن الصباح عن سفيان به. الثاني سفيان بن عيينة. الثالث: أبو حازم، بالحاء المهملة
والزاي المكسورة، سلمة بن دينار المديني الأعرج الزاهد المخزومي، مات سنة خمس
وثلاثين ومائة. الرابع: سهل بن سعد الساعدي الأنصاري أبو العباس، وكان يسمى حزناً
فسماه النبي عَّه: سهلاً روي له عن رسول الله عَ له، مائة حديث وثمان وثلاثون حديثاً ذكر

٢٧١
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٧٣)
البخاري تسعة وثلاثين، مات سنة إحدى وتسعين، وهو ابن مائة سنة، وهو آخر من مات من
الصحابة بالمدينة.
ذكر لطائف إسناده فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين والعنعنة في موضع
واحد. وفيه: السماع والإسناد رباعي، والرواة ما بين مكي ومدني.
بيان تعددم موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري لههنا عن محمد، وفي الجهاد
عن علي بن عبد الله وفي النكاح عن قتيبة، وأخرجه مسلم في المغازي عن أبي بكر بن أبي
شيبة وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم وابن أبي عمر. وأخرجه الترمذي في الطب عن ابن
أبي عمر، وأخرجه ابن ماجة فيه عن محمد بن الصباح وهشام بن عمار، تسعتهم عنه به،
ومعنى حديثهم واحد، وقال الترمذي: حسن صحيح.
ذكر لغته وإعرابه ومعناه قوله: ((الساعدي)) بتشديد الياء المنصوبة لأنه صفة سهل،
وهو منصوب لأنه مفعول سمع. قوله: ((وسأله الناس)) وفي بعض النسح. ((وسألوه الناس)) على
لغة، أكلوني البراغيث، وهذه جملة من الفعل والفاعل والمفعول، ومحلها النصب على
الحال. قوله: (ما بيني وبينه أحد)) يعني: عند السؤال عنه. قال الكرماني: هي جملة
معترضة لا محل لها في الإعراب. قلت: الجملة المعترضة هي التي تقع بين الكلامين وليس
لها تعلق بأحدهما. وقد تقع في آخر الكلام، ويجوز أن تكون جملة حالية أيضاً، ويكون
محلها من الإعراب النصب، ولكن وقعت بلا واو، وذو الحال، إما مفعول، سأل، فيكونان
حالين متداخلتين، وإما مفعول سمع، فيكونان مترادفتين. قوله: ((بأي شيء)) الباء فيه تتعلق
بقوله: ((وسأله) وكلمة أي للاستفهام. قوله ((دووي)) بضم الدال وكسر الواو، وصيغة
المجهول من المداواة، وقال بعضهم: حذفت إحدى الواوين في الكتابة. قلت: بالواوين في
أكثر النسخ، وفي بعضها بواو واحدة، فحذفت منها إحدى الواوين كما حذفت من داود
وطاوس في الخط. قوله: ((أعلم)) مرفوع لأنه صفة، أحد، ويجوز أن يكون منصوباً على
الحال، وغرضه من هذا التركيب أنه، أعلم الناس بهذه القضية، لأن موته تأخر وكان آخر من
بقي من الصحابة بالمدينة، كما صرح به البخاري في النكاح في روايته عن قتيبة عن سفيان،
ومثل هذا التركيب لا يستعمل بحسب العرف إلا عند انتفاء المساوي وهذا ظاهر، وبهذا
يسقط سؤال من قال: لا يلزم منه منافاة مساواة غيره له فيه. قوله: ((فأخذ)) على صيغة
المجهول، وكذلك قوله: ((فأحرق فحشي)) وفي رواية البحاري في الطب. ((فلما رأت فاطمة،
رضي الله عنها، الدم تزيد على الماء كثرة، عمدت إلى حصيرة فأحرقتها وألصقتها على
الجرح فرقي الدم))، وهذه الواقعة كانت بأحد، وزعم ابن سعد عن عتبة بن أبي وقاص، ((شج
النبي، عليه الصلاة والسلام في وجهه وأصاب رباعيته؛ فكان سالم مولى أبي حذيفة يغسل
عن النبي عَ ل الدم، والنبي، عليه السلام، يقول: «كيف يفلح قوم صنعوا هذا بنبيهم؟ فأنزل
الله تبارك وتعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ [آل عمران: ١٢٨] الآية وزعم السهيلي: أن
عبد الله بن قمية هو الذي جرح وجهه .
i
i
تعهد
رة
عے

١٣٠٠
٢٧٢
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٧٤)
بيان استنباط الأحكام منه قال ابن بطال: فيه دليل على جواز مباشرة المرأة أباها
وذوي محارمها ومداواة أمراضهم، وكذلك قال أبو العالية: امسحوا على رجلي فإنها مريضة،
ولم يخص بعضهم دون بعض، بل عمهم جميعاً. وفيه: إباحة التداوي، لأن النبي عَ لِّ داوى
جرحه. وفيه: جواز المداواة بالحصير المحرق لأنه يقطع الدم، وفيه: إباحة الاستعانة في
المداواة.
وقال النووي: وفيه: وقوع الابتلاء والأسقام بالأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، لينالوا
جزيل الأجر، ولتعرف أممهم وغيرهم ما أصابهم ويأنسوا به، وليعلموا أنهم من البشر يصيبهم
محن الدنيا ويطرؤ على أجسامهم ما يطرؤ على أجسام البشر ليتيقنوا أنهم مخلوقون مربوبون
ولا يفتدون بما ظهر على أيديهم من المعجزات كما افتتن النصارى. وفيه: أن المداواة لا
تنافي التوكل. وفيه: سؤال من لا يعلم عمن يعلم عن أمر خفي عليه.
٧٤ _ بابُ السَّواكِ
أي: هذا باب في بيان أحكام السواك. قال ابن سيده: السواك، يذكر ويؤنث، والسواك
كالمسواك، الجمع: سوك، وقال أبو حنيفة ربما همز فقيل: سؤك، وأنشد الخليل لعبد
الرحمن بن حسان، رضي الله تعالى عنهما:
أغر الثنايا أحمر اللثات سؤك الأسجل.
بالهمز، يقال: ساك الشيء سوكاً دلكه وساك فيمه بالعود واستاك، مشتق منه، وفي
الجامع، السواك والمسواك ما يدلك به الأسنان من العود والتذكير أكثر، وهو نفس العود الذي
يستاك به، وأصله المشي الضعيف يقال: جاءت الغنم والإبل تستاك هزالاً أي: لا تحرك
رؤوسها وفي (الصحاح) يجمع على سوك مثل: كتاب وكتب، ويقال: ساك فمه، وإذا لم
يذكر الفم يقال: استاك ولههنا سؤالان. الأول: ما وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي
قبله؟. والثاني: ما وجه ما ذكره بين الأبواب المذكورة لههنا؟. الجواب عن الأول: أن كلاً
منهما يشتمل على الأزالة غير أن الباب الأول يشتمل على إزالة الدم، وهذا الباب يشتمل على
إزالة رائحة الفم، وهذا القدر كافن. وعن الثاني: ظاهر، وهو أن الأبواب كلها في أحكام
الوضوء، وإزالة النجاسات ونحوها، وباب السواك من أحكام الوضوء عند الأكثرين.
وقالَ ابنُ عَبَّاسٍ بِتُّ عِنْدَ النَّبِيِّ عَّهِ فَاسْتَنَ
هذا التعليق ليس في رواية المستملي، وهو قطعة من حديث طويل في قصة مبيت
عبد الله بن عباس عند خالته ميمونة، أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، ليشاهد صلاة النبي
عَ ◌ّ بالليل وصله البخاري من طرق، وتقدم بعضه ويأتي الباقي إن شاء الله تعالى.
قوله: ((فاستن)) من الاستنان، وهو الاستياك، وهو دلك الأسنان وحكها بما يجلوها،

٢٧٣
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٧٤)
مأخوذ من السن، وهو إمرار الشيء الذي فيه خشونة على شيء آخر، ومنه المسن الذي
يشحذ به الحديد، ونحوه وقال ابن الأثير: الاستنان: استعمال السواك، افتعال من الأسنان وهو
الإمرار على شيء.
١٠٦/ ٢٤٤ - حدّثنا أبُو النُّعْمانِ قال حدّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ غَيْلانَ بن جَرِيرٍ عنْ أبي
بُوْدَةَ عنْ أبيهِ قال أَتَيْتُ النَّبِيِّ عَلَِّ فَوَجَدْتُهُ يَشْتَنُّ بِسِوَاكِ بِيَدِهِ يَقُولُ اعْ أَعْ والسّوَاكُ في فِيهِ
كَنَّهُ يَتَهَوَُّ.
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة.
بيان رجاله وهم خمسة: الأول: أبو النعمان، بضم النون. محمد بن الفضل المشهور
بعارم، تقدم في آخر كتاب الإيمان. الثاني: حماد بن زيد، تقدم في باب المعاصي من أمر
الجاهلية. الثالث: غيلان، بفتح الغين المعجمة، وسكون الياء آخر الحروف. ابن جرير، بفتح
الجيم وبالراء المكسورة المكررة، المعولي، بسكون العين المهملة وفتح الواو، وأما الميم
فقال النسائي: بفتحها منسوباً إلى بطن من الأزد، وقال ابن الأثير بكسرها، مات سنة تسع
وعشرين ومائة. الرابع: أبو بردة، بضم الباء الموحدة واسمه عامر. الخامس: أبوه أبو موسى
الأشعري ابن عبد الله بن قيس، وقد تقدم ذكرهما في باب: أي الإسلام أفضل.
بيان لطائف إسناده فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين والعنعنة في ثلاثة
مواضع. وفيه: أن رواته ما بين بصري وكوفي، وأبو بردة الكوفي القاضي بكوفة، وقيل: اسمه
الحارث.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره. أخرجه البخاري هنا، وقوله: ((أغ أُغْ)) من أفراد
البخاري. وأخرجه مسلم في الطهارة عن يحيى بن حبيب، وأبو داود فيه عن مسدد وأبي
الربيع والنسائي فیه عن أحمد بن عبدة، خمستهم عن حماد بن زيد.
بيان لغته وإعرابه وتفسير: الاستنان، قد مر قوله: ((أَعْ أَغْ))، بضم الهمزة وبالعين
المهملة، كذا في رواية أبي ذر، وذكر ابن التين أن غيره رواه بفتح الهمزة، ورواه النسائي
وابن خزيمة عن أحمد بن عبدة عن حماد بتقديم العين على الهمزة، وكذا أخرجه البيهقي من
طريق إسماعيل القاضي عن عارم شيخ البخاري فيه، وعن أبي داود ((أَهْ أَهْ)، بضم الهمزة
وقيل: بفتحها والهاء ساكنة وعند ابن خزيمة ((عاعا) وفي (صحيح الجوزقي) ((إخ إِخ)) بكسر
الهمزة وبالحاء المهملة، وفي (مسند أحمد) ((واضع طرف السواك على لسانه يستن إلى فوق))
فوصفه حماد ((كان يرفع لسانه)) ووصفه غيلان ((كان يستن طولاً)) وكلها عبارة عن إبلاغ
السواك إلى أقصى الحلق، وأُع في الأصل حكاية الصوت، وفي بعض النسخ: بالغين
المعجمة، قال الكرماني: قوله: ((يتهوع)) أي: يتقيأ، وهو من باب التفعل الذي للتكلف، يقال:
هاع يهوع إذا قاء من غير تكلف، فإذا تكلف يقال تهوع. وفي (الموعب) هاع الرجل يهوع
هوعاً وهواعاً، جاء القيء من غير تكلف، وأنشد:
عمدة القاري / ج٣/ ١٨٥
٠٣٠/

٢٧٤
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٧٤)
يا صاح، ريش حمامة، بل قاءً
ما هاعَ عمروٌ حين أدخل حلقه
والذي يخرج من الحلق يسمى هواعةٍ، وهوعت ما أكلته إذا استخرجته من حلقك.
وعن إسماعيل: الهوعاء، مثل. عشراء، من التهوع. وعن قطرب: الهيوعة من الهواع وقال ابن
سيده: الهيعوعة من بنات، الواو، ولا يتوجه اللهم إلاَّ أن يكون محذوفاً. قوله: ((يستن)) جملة
في محل النصب على أنها مفعول ثان، لوجدته، ووجد من أفعال القلوب، لأن معناه قائم
بالقلب، ويأتي: وجد بمعنى أصاب أيضاً، فإن جعل وجدته من هذا المعنى تكون الجملة
منصوبة على الحال من الضمير المنصوب الذي في وجدته، قوله: ((بيده)) الياء فيه تتعلق
بمحذوف تقديره، بسواك كائن بيده، ونحو ذلك. قوله: ((يقول)) جملة من الفعل والفاعل في
محل النصب على الحال. وقوله: ((أَغْ أُخ)) في محل النصب على مقول القول. وقوله:
((والسواك في فيه)) أي: في فمه، ومحل هذه الجملة النصب على الحال.
بيان استنباط الحكم: وهو: أنه يدل على أن السواك سنة مؤكدة لمواظبته عَ لّه عليه
ليلاً نهاراً أو قام الإجماع كونه مندوباً حتى قال الأوزاعي: هو شطر الوضوء، وقد جاءت
أحاديث كثيرة تدل على مواظبته عَّ الله عليه، ولكن أكثرها فيه كلام، وأقوى ما يدل على
المواظبة وأصحه محافظته عَّلمه له حتى عند وفاته، كما جاء في البخاري من حديث عائشة
رضي الله تعالى عنها. قالت: ((دخل عبد الرحمن بن أبي بكر، رضي الله عنهما، على النبي
عَّةٍ وأنا مسندته إلى صدري، ومع عبد الرحمن سواك رطب يستن به فأمده رسول الله عَ لّه
ببصره، فأخذت السواك فقضمته وطيبته ثم دفعته إلى رسول الله عَ لّهِ، فاستن)). الحديث وقد
اختلف العلماء فيه فقال بعضهم: إنه من سنة الوضوء وقال آخرون: إنه من سنة الصلاة، وقال
آخرون إنه من سنة الدين، وهو الأقوى، نقل ذلك عن أبي حنيفة. وفي (الهداية) أن الصحيح
استحبابه، وكذا هو عند الشافعي، وقال ابن حزم: هو سنة ولو أمكن لكل صلاة لكان أفضل،
وهو يوم الجمعة فرض لازم وحكى أبو حامد الإسفرائيني والماوردي عن أهل الظاهر وجوبه،
وعن إسحاق أنه واجب إن تركه عمداً بطلت صلاته، وزعم النووي أن هذا لم يصح عن
إسحاق وكيفيته عندنا أن يستاك عرضاً لا طولاً عند مضمضة الوضوء وأخرج أبو نعيم من
حديث عائشة قالت: ((كان عَّلم يستاك عرضاً لا طولاً)) وفي (المغني) ويستاك على أسنانه
ولسانه، ولا تقدير فيه، يستاك إلى أن يطمئن قلبه بزوال النكهة واصفرار السن، ويأخذ السواك
باليمنى، والمستحب فيه ثلاث مياه ويكون في غلظ الخنصر وطول الشبر والمستحب أن
يستاك بعود من أراك وبيابس قرندى بالماء ويكون ليناً مخرماً وفي (المحيط) العلك للمرأة
يقوم مقام السواك، وإذا لم يجد السواك يعالج بإصبعه وفي حديث أنس، رواه البيهقي أنه
عَِّ قال: يجزىء من السواك الأصابع، وضعفه وفضائلة كثيرة، وقد ذكرنا في (شرحنا
لمعاني الآثار) للطحاوي ما ورد فيه عن أكثر من خمسين صحابياً.
٢٤٥/١٠٧ - حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قال ◌َجَرِيرٌ عنْ مَنْصُورٍ عنْ أبي وَائِلٍ عنْ
محُذَيْفَةَ قال كانَ النبيُّ عَّلِ إذا قامٍ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالِسِّوَاكِ. [الحديث ٢٤٥ - طرفاه
,00
٠٠

٢٧٥
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٧٥)
في: ٨٨٩، ١١٣٦].
هذا أيضاً مطابق للترجمة.
بيان رجاله: وهم خمسة: عثمان: بن أبي شيبة أخو أبي بكر بن أبي شيبة، وجرير بن
عبد الحميد، ومنصور بن المعتمر، وأبو وائل شقيق الحضرمي، تقدموا في باب: من جعل
لأهل العلم أياماً، وحذيفة بن اليمان صاحب سر رسول الله عَ ليه.
بيان لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه: العنعنة في ثلاثة
مواضع، وفيه: أن رواته كلهم كوفیون.
١.٠٠٠
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري لههنا عن عثمان، وفي الصلاة
عن محمد بن كثير، وفي صلاة الليل عن حفص بن عمر. وأخرجه مسلم في الطهارة عن
أبي بكر بن أبي شيبة، وعن إسحاق بن إبراهيم وعن ابن نمير عن أبيه وأبي معاوية كلاهما عن
الأعمش وعن أبي موسى محمد بن المثنى وبندار كلاهما عن ابن مهدي عن سفيان.
وأخرجه أبو داود فيه عن محمد بن كثير به. وأخرجه النسائي فيه عن إسحاق بن إبراهيم
وقتيبة، كلاهما عن جرير به وفي الصلاة عن عمرو بن علي ومحمد بن المثنى، كلاهما عن
ابن مهدي به، وعن محمد بن عبد الأعلى، وعن محمد بن سعيد وعن أحمد بن سليمان،
وأخرجه ابن ماجة في الطهارة عن محمد بن عبد الله بن نمير به، وعن علي بن محمد عن وكيع.
بيان لغته قوله: ((يشوص)) بالشين المعجمة والصاد المهملة: قال ابن سيده: شاص
الشيء مشوصاً غسله، وشاص فاه بالسواك شوصاً غسله وقيل: أمرّه على أسنانه من سفل إلى
علو. وقيل: هو أن يطعن به فيها وقد شاصه شوصاً وشوصاناً وشاص الشيء شوصاً دلكه
وشاص الشيء زعزعه وفي (الجامع) كل شيء غسلته فقد شصته. وقال أبو عبيد: شصته
نقيته وفي (الغريبين) كل شيء غسلته فقد شصته ومصته. وقال ابن عبد البر هو الحك. وقال
الخطابي: الشوص دلك الأسنان عرضاً وقيل: الشوص غسل الشيء في لين ورفق.
. جوثـ
ومما يستنبط من هذا ما قال ابن دقيق العيد: فيه استحباب السواك عند القيام من
النوم، لأن النوم مقتض لتغير الفم لما يتصاعد إليه من أبخرة المعدة، والسواك آلة تنظيفه
فيستحب عند مقتضاه، وقال: ظاهر قوله: ((من الليل)) عام في كل حالة، ويحتمل أن يخص
بما إذا قام إلى الصلاة انتهى ويدل على هذا الاحتمال رواية البخاري في الصلاة بلفظ ((إذا قام
للتهجد)) ولمسلم نحوه وحديث ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، يشهد له.
٧٥ - بابُ دَفْعِ السَّوَاكِ إلى الأكْبَرِ
أي: هذا باب في بيان دفع السواك إلى الأكبر. والمناسبة بين البابين ظاهرة.
٢٤٦/١٠٨ _ وقالَ عَفَّانُ حدّثنا صَخْرُ بنُّ جُرَيْرِيَّةَ عنْ نَافِعِ عنِ ابنِ عُمْرَ أَنَّ النَّبيَّ
عَلِّ قالَ: أَرَاني أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكِ فَجَاءَنِي رَجُلاَنِ أَحَدَهُمْ أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ فَنَاوَلَتُ السّوَاكَ
i
جو٠

٢٧٦
١٠٠
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٧٥)
الأُضْغَرَ مِنْهُمَا فَقِيلَ لِيَ كَبِّرْ فَدَفَعْتْهُ إِلى الأَكْبَرِ مِنْهُمَا قال أبُو عَبْدِ اللَّهِ اخْتَصَرَهُ نُعَيْمٌ عنِ
ابنِ المُبَارَكِ عنْ أَسَامَةَ عنْ نَافِعٍ عن ابنٍ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالَى عَنْهُمَا.
أخرج البخاري هذا الحديث بلا رواية، ولكن وصله غيره منهم: أبو عوانة في
(صحيحه) عن محمد بن إسحاق الصغاني، وغيره عن عفان وأخرجه أيضاً أبو نعيم
الأصبهاني عن أبي أحمد، حدّثنا موسى بن العباس الجويني حدّثنا محمد بن يحيى حدّثنا
عفان، وحدّثنا أبو إسحاق حدّثنا عبد الله بن قحطبة حدّثنا نصر بن علي حدّثنا أبي، قالا: حدّثنا
صخر بن جويرية، وقال مسلم في (صحيحه) حدّثنا نصر بن علي عن أبيه عن صخر والإسماعيلي
من طريق وهب بن جرير وسعيد بن حرب، قالا: حدّثنا صخر بن جويرية فذكره.
بيان رجاله وهم ثمانية: الأول: عفان بن مسلم الصفار البصري الأنصاري، أبو
عثمان، سئل عن القرآن زمن المحنة فأبى أن يقول: القرآن مخلوق، وكان من حكام الجرح
والتعديل، جعل له عشرة آلاف دينار على أن يقف عن تعديل رجل، ولا يقول: عدل أو غير
عدل، قالوا: قف فيه ولا تقل شيئاً، فقال: لا أبطل حقاً من الحقوق، ولم يأخذها. مات
ببغداد سنة عشرين ومائتين. الثاني: صخر بن جويرية، تصغير الجارية بالجيم، البصري أبو
نافع التميمي الثقة. الثالث: نافع مولى ابن عمر القرشي العدوي، تقدم في آخر كتاب العلم.
الرابع: عبد الله بن عمر بن الخطاب. الخامس: أبو عبد الله هو البخاري نفسه. السادس:
نعيم، بضم النون بن حماد المروزي الخزاعي الأعور، سكن مصر. قال أحمد: كنا نسميه
الفارض، كان من أعلم الناس بالفرائض، وسئل عن القرآن فلم يجب مما أرادوه منه، فحبس
بسامرا حتى مات في السجن سنة ثمان وعشرين ومائتين زمن خلافة أبي إسحاق بن هارون
الرشيد. السابع: عبد الله بن المبارك. تقدم في كتاب الوحي. الثامن: أسامة بن زيد الليثي،
بالمثلثة المدني. وقد تكلم فيه، ولهذا نكره البخاري، رحمه الله استشهاداً، مات سنة ثلاث
وخمسين ومائتين.
بيان لطائف الإسنادين: في الإسناد الأول: التحديث بصيغة الجمع في موضع
واحد. وفيه: العنعنة في موضعين. وفي الثاني: العنعنة في أربعة مواضع، وفيه: أن رواته ما
بین مروزي وبصري ومدني.
ذكر معناه قوله: ((أراني)) بفتح الهمزة أي: أرى نفسي فالفاعل والمفعول عبارتان عن
معبر واحد، وهذا من خصائص أفعال القلوب. قال الكرماني: وفي بعض النسخ بضم الهمزة،
فمعناه أظن نفسي. وقال بعضهم: ووهم من ضمها. قلت: ليس بوهم، والعبارتان تستعملان
وفي رواية المستملي: ((رآني)) بتقديم الراء، والأول أشهر، وفي رواية مسلم من طريق علي بن
نصر الجهضمي عن صخر: ((أراني في المنام)، وفي رواية الإسماعيلي: ((رأيت في المنام))،
فعلى هذا فهو من الرؤيا. قوله: ((فقيل لي)) القائل له. جبريل، عليه السلام. قوله: ((كبر)) أي؛
قدم الأكبر في السن. قوله: ((قال أبو عبد الله)) أي: البخاري. قوله: ((اختصره نعيم)) أي:
اختصر المتن نعيم، ومعنى الاختصار لههنا أنه ذكر محصل الحديث وحذف بعض مقدماته،

٢٧٧
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٧٦)
ورواية نعيم هذه وصلها الطبراني في (الأوسط) عن بكر بن سهل عنه بلفظ ((أمرني جبريل،
عليه السلام، أن أكبر)). وروى الإسماعيلي عن القاسم بن زكريا حدّثنا الحسن بن عيسى
حدّثنا ابن المبارك أنبأنا أسامة، وحدّثنا الحسن حدّثنا حبان أنبأنا ابن المبارك فذكره وفيه قال:
((إن جبريل، عليه السلام، أمرني أن أدفع إلى أكبرهم)) وأخرجه أحمد والبيهقي بلفظ: ((رأيت
رسول الله عَّ له يستن فأعطاه أكبر القوم، ثم قال: إن جبريل عليه السلام، أمرني أن أكبره))
فإن قلت هذا: يقتضي أن تكون القضية وقعت في اليقظة، وتلك الرواية صريحة أنها كانت
في المنام فكيف التوفيق؟ قلت: التوفيق بينهما أن رواية اليقظة لما وقعت أخبرهم النبي عَّه
بما رآه في النوم فحفط بعض الرواة ما لم يحفظ آخرون، ومما يشهد له ما رواه أبو داود
حدّثنا محمد بن عيسى حدّثنا عنبة بن عبد الواحد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة
رضي الله تعالى عنها. قالت: ((كان رسول الله عَ لّه يستن وعنده رجلان أحدهما أكبر من
الآخر فأوحى إليه في فضل السواك أن كبر، أعط السواك أكبرهما) وإسناده صحيح.
جدة
بيان استنباط الأحكام فيه: تقديم حق الأكابر من جماعة الحضور وتبديته على من
هو أصغر منه، وهو السنة أيضاً في السلام والتحية والشراب والطيب ونحو ذلك من الأمور،
وفي هذا المعنى تقديم ذي السن بالركوب وشبهه من الإرفاق. وفيه: أن استعمال سواك الغير
مكروه إلاَّ أن السنة فيه أن يغسله ثم يستعمله. وفيه: ما يدل على فضيلة السواك. وقال
المهلب: تقديم ذي السن أولى في كل شيء ما لم يترتب القوم في الجلوس، فإذا ترتبوا
فالسنة تقديم ذي الأيمن فالأيمن.
٧٦ _ بابُ فَضْلِ مَنْ بَاتَ عَلَى الوُضُءِ
أي: هذا باب في بيان فضل من بات على الوضوء وبات من البيتوتة يقال: بات
يبيت، وبات، بيات بيتوتة، وبات يفعل كذا إذا فعله ليلاً كما يقال: ظل يفعل كذا إذا فعله
بالنهار.
وجه المناسبة بين البابين من حيث اشتمال كل منهما على بيان اكتساب فضيلة وأجر،
وأما إدخاله هذا الباب في الأبواب المتقدمة فظاهر، لأنه من تعلقات الوضوء قوله: ((على
الوضوء» بالألف واللام في رواية أبي ذر، وفي رواية غيره ((على وضوء))، بدون الألف واللام.
١٠٩/ ٢٤٧ - حدثنا مُحَمَّدُ بنُ مقَاتِلٍ قال أخبرنا عَبْدُ اللَّهِ قال أخبرنا سُفْيَان عنْ
مَنْصُورٍ عَنْ سَعْدِ ابنِ عُبَيْدَةَ عنِ البَرَاءِ بنِ عازِبٍ قالٍ قال لِيَ النبيُّ عَ لَّهِ: إذا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ
فَتَوَضَأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلاَةِ ثُمَّ إِضْطَجِغْ عِلَّى شِقِّكَ الأَيَّنِ ثُمَّ قَلِ اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ
وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ وَأَلَجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَغْبَةً وَرَهَبَةً إِلَيْكَ لا مَلْجَأَ وَلاَ مَنْجَاَ مِنْكَ إِلاَّ
إِلَيْكَ اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ فإنْ مِثَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ
عَلَى الفِطْرَةِ وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَكَلَّمُ قال فَرَدَدْتُها عَلَى النِبِيِّ عََّلَّهِ فَلَمَا بَلغتُ اللهم آمنت
بكتابك الذي أنزلت قلت ورسولك قال لا ونبيك الذي أرسلت. [الحديث ٢٤٧ - أطرافه
i
i.
i
i

٢٧٨
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٧٦)
في: ٦٣١١، ٦٣١٣، ٦٣١٥، ٧٤٨٨].
مطابقة الحديث للترجمة طاهرة.
بين رجاله وهم ستة: الأول: محمد بن مقاتل، بضم الميم، أبو الحسن المروزي،
تقدم في باب ما يذكر في المناولة. الثاني: عبد الله بن المبارك. الثالث: سفيان الثوري.
وقيل: يحتمل سفيان بن عيينة أيضاً، لأن عبد الله يروي عنهما، وهما يرويان عن منصور،
لكن الظاهر أنه الثوري لأنهم قالوا: أثبت الناس في منصور هو سفيان الثوري. الرابع: منصور
ابن المعتمر. الخامس: سعيد بن عبيدة، بضم العين، مصغر عبدة بن حمزة، بالزاي، الكوفي
كان ير رأي الخوارج ثم تركه وهو ختن أبي عبد الرحمن السلمي، مات في ولاية ابن هبيرة
على الكوفة، وليس في الكتب الستة، سعد بن عبيدة، سواه. السادس: البراء بن عازب،
رضي الله تعالى عنه، مر في باب الصلاة من الإيمان.
بيان لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الإخبار بصورة الجمع في موضعين،
والعنعنة في ثلاثة مواضع. وفيه: أن رواته ما بين مروزي وكوفي، وخالف إبراهيم بن طهمان
أصحاب منصور، فأدخل بين منصور وسعد الحكم بن عتبة وانفرد الفريابي بإدخال الأعمش
بين الثوري ومنصور.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري لههنا عن محمد بن مقاتل،
وأخرجه في الدعوات عن مسدد. وأخرجه مسلم في الدعاء عن عثمان بن أبي شيبة وإسحاق
ابن إبراهيم، وعن ابن المثنى وعن بندار، وأخرجه أبو داود في الأدب عن مسدد، وعن محمد
ابن عبد الملك. وأخرجه الترمذي في الدعوات عن سفيان بن وكيع وأخرجه النسائي في
اليوم والليلة عن بندار، وعن محمد بن عبد الأعلى، وعن محمد بن رافع، وعن عمرو بن
علي، وعن قتيبة، وعن محمد بن إسحاق الصغاني.
بيان لغاته قوله: ((إذا أتيت مضجعك))، بفتح الجيم من، ضجع من باب: منع يمنع
ويروى: مضجعك أصله مضتجعك، من باب الافتعال، لكن قلبت التاء طاء والمعنى: إذا
أردت أن تأتي مضجعك فتوضأ كما في قوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله﴾
[النحل: ٩٨] أي إذا أردت القراءة قوله: ((وجهت وجهي إليك)) أي: استسلمت، كذا فسره،
وليس بوجه. والأوجه أن يفسر: أسلمت ذاتي إليك منقادة لك، طالعة لحكمك، لأن المراد
من الوجه الذات. قوله: ((وفوضت)) من التفويض وهو التسليم: قوله: ((والجأت ظهري
إليك)) أي: أسندت. يقال: لجأت إليه لجأ بالتحريك، وملجأ والتجأت إليه بمعنى: والموضع
أيضاً، لجأ وملجأ وألجأته إلى الشيء اضطررته إليه، والمعنى هنا، توكلت عليك واعتمدتك
في أمري كما يعتمد الإنسان بظهره إلى ما يسنده. قوله: ((رغبة)) أي: طمعاً في ثوابك. قوله:
((ورهبة)) أي: خوفاً من عقابك. قوله: ((لا ملجأ)) بالهمزة ويجوز التخفيف. قوله: ((ولا منجا))
مقصور من: نجى ينجو، والمنجأ مفعل منه، ويجوز همزه للإزدواج قوله: ((على الفطرة))

٢٧٩
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٧٦)
أي: على دين الإسلام، وقد تكون الفطرة بمعنى الخلقة، كقوله تعالى: ﴿فطرة الله التي فطر
الناس عليها﴾ [الروم: ٣٠] وبمعنى السنة كقوله عَّ الله: ((خمس من الفطرة)) وقال الطيبي: أي:
مت على الدين القويم ملة إبراهيم عليه السلام، فإن إبراهيم عليه السلام أسلم واستسلم،
وقال: ﴿أسلمت لرب العالمين﴾ [البقرة: ١٣١] ﴿وجار ربه بقلب سليم﴾ [سورة الصافات:
٨٤].
ذكر معانيه قوله: ((فتوضأ)) وقد روى الشيخان هذا الحديث من طرق عن البراء بن
عازب، وليس لها ذكر الوضوء، إلاّ في هذه الرواية، وكذا قال الترمذي قوله: ((أسلمت
وجهي إليك)) وجاء في رواية أخرى: ((أسلمت نفسي إليك)) والوجه والنفس لههنا بمعنى
الذات، وقال ابن الجوزي: يحتمل أن يراد به الوجه حقيقة، ويحتمل أن يراد به القصد، فكأنه
يقول: قصدتك في طلب سلامتي، وقال القرطبي: قيل: معنى الوجه القصد والعمل الصالح،
وكذلك جاء في رواية: ((اسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك)). فجمع بينهما، فدل
على تغايرهما، ومعنى: أسلمت: سلمت واستسلمت أي: سلمتها لك، إذ لا قدرة لي ولا
تدبير بجلب نفع ولا دفع ضر فأمرها مفوض إليك تفعل بها ما تريد واستسلمت لما تفعل فلا
اعتراض عليك فيه. قوله: ((وفوضت أمري إليك)) أي: رددت أمري إليك، وبرئت من الحول
والقوة إلاَّ بك فاكفني همه، وتولني صلاحه. وقال الطيبي رحمه الله في هذا النظم غرائب
وعجائب لا يعرفها إلاّ النقاد من أهل البيان: قوله: ((أسلمت نفسي)) إشارة إلى أن جوارحه
منقادة لله تعالى في أوامره ونواهيه. وقوله: ((وجهت وجهي)) أي: إن ذاته وحقيقته له مخلصة
بريئة من النفاق وقوله: ((وفوضت أمري إليك)) إشارة إلى أن أموره الخارجة والداخلة مفوضة
إليه لا مدبر لها غيره، وقوله: ((ألجأت أليك)) بعد قوله: ((وفوضت أمري)) إشارة إلى أن
تفويضة أموره التي يفتقر إليها وبها معاشه وعليها مدار أمره يلتجئ إليه، مما يضره ويؤذيه من
الأسباب الداخلة والخارج، قوله: ((آخر ما تكلم)) بحذف إحدى التائين، وفي رواية الكشهمني:
(من آخر ما تكلم) قوله: ((فردتها)) أي: رددت هذه الكلمات لأحفظهن قوله: ((قال: لا)) أي:
لا تقبل: ورسولك، بل قل: ونبيك الذي أرسلت.
وذكروا في هذا أوجها منها: أنه أمره أن يجمع بين صفتيه وهما: الرسول والنبي،
صريحاً وإن كان وصف الرسالة يستلزم وصف النبوة. ومنها: أن ألفاظ الأذكار توقيفية في
تعيين اللفظ وتقدير الثواب، فربما كان في اللفظ زيادة تبيين ليس في الآخر، وإن كان يرادفه
في الظاهر. ومنها: أنه لعله أوحى إليه بهذا اللفظ. فرأى أن يقف عنده. ومنها: أن ذكره
احترازاً عمن أرسل من غير نبوة، كجبريل وغيره من الملائكة، عليهم السلام، لأنهم رسل
الأنبياء. ومنها: أنه يحتمل أن يكون رده دفعاً للتكرار، لأنه قال في الأول: ((ونبيك الذي
أرسلت))، ومنها: أن النبي. فعيل، بمعنى فاعل من النبأ، وهو الخبر لأنه أنبأ عن الله تعالى، أي:
أخبر. وقيل: إنه مشتق من النبوة. وهو الشيء المرتفع ورد النبي عَ لِّ على البراء حين قال:
((ونبيك الذي أرسلت)) بما رد عليه ليختلف اللفظان، ويجمع البنائين معنى الارتفاع والإرسال،
F
P

٢٨٠
١٣٥٠
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٧٦)
ويكون تعديداً للنعمة في الحالتين، وتعظيماً للمنة على الوجهين، وقال بعضهم: ولأن لفظ
النبي، أمدح من لفظ: الرسول. قلت: هذا غير موجه. لأن لفظ النبي، كيف يكون أمدح وهو
لا يستلزم الرسالة بل لفظ الرسول أمدح لأنه يستلزم النبوة.
بيان إعرابه قوله: ((فتوضأ)) الفاء فيه جواب قوله: ((رغبة ورهبة)) منصوبان على
المفعول له على طريقة اللف والنشر، أي فوضت أموري إليك رغبة، وألجأت ظهري عن
المكاره والشدائد إليك رهبة منك، لأنه لا ملجأ ولا منجأ منك إلا إليك ويجوز أن يكون
انتصابهما على الحال بمعنى: راغباً وراهباً. قلت: كيف يتصور أن يكون راغباً وراهباً في حالة
واحدة لأنهما شيئان متنافيان؟ قلت: فيه حذف تقديره راغباً إليك، وراهباً منك. فإن قلت: إذا
كان التقدير: راهباً منك، كيف استعمل بكلمة إلى، والرهبة لا تستعمل إلاَّ بكلمة. من؟ قلتا:
إليك متعلق برغبة، وأعطى للرهبة حكمها، والعرب تفعل ذلك كثيراً، كقول بعضهم:
ورأيت بعلك في الوغى
مستقلداً سيفاً ورمحاً
والرمح لا يتقلد، وكقول الآخر.
علفتها تبناً وماءً بارداً
والماء لا يعلف. قوله: ((لا ملجأ ولا منجأ)) إعرابهما مثل إعراب عصى، وفي
التركيب خمسة أوجه لأنه مثل: لا حول ولا قوة إلاّ بالله، والفرق بين نصبه وفتحه بالتنوین،
وعند التنوين تسقط الألف، ثم إنهما كانا مصدرين يتنازعان في منك، وإن كانا مكانين فلا إذ
اسم المكان لا يعمل، وتقديره، لا ملجأ منك إلى أحد إلاَّ إليك، ولا منجأ إلاَّ إليك. قوله:
((آمنت بكتابك)) أي: صدقت أنه كتابك. وقوله: ((الذي أنزلت)) صفته، وضمير المفعول
محذوف، والمراد بالكتاب القرآن، وإنما خصص الكتاب بالصفة بالإضافة كالمعرف باللام
يحتمل الجنس والاستغراق والعهد، فلفظ الكتاب المضاف ههنا يحتمل لجميع الكتب
ولجنس الكتب ولبعضها كالقرآن، وقالوا: جميع المعارف كذلك وقد قال الزمخشري: رحمه
الله تعالى في قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا سواء عليهم﴾ [البقرة: ٦] في أول البقرة: يجوز
أن يكون للعهد، وأن يراد بهم ناسٍ بأعيانهم، كأبي جهل وأبي لهب والوليد بن المغيرة
وأضرابهم، وأن يكون للجنس متناولاً منهم كل من صمم على كفره انتهى.
قلت: التحقيق أن الجمع المعرف تعريف الجنس معناه جماعة الآحاد، وهي أعم من
أن يكون جميع الآحاد أو بعضها، فهو إذا أطلق احتمل العموم والاستغراق، واحتمل
الخصوص، والحمل على واحد منهما يتوقف على القرينة كما في المشترك، هذا ما ذهب
إليه الزمخشري، وصاحب (المفتاح) ومن تبعهما وهو خلاف ما ذهب إليه أئمة الأصول.
بيان استنباط الأحكام . منها ما قاله الخطابي: فيه: حجة لمن منع رواية الحديث
بالمعنى، وهو قول ابن سيرين وغيره، وكان يذهب هذا المذهب: أبو العباس النحوي،
ويقول: ما من لفظة من الألفاظ المتناظرة في كلامهم إلاّ وبينها وبين صاحبتها فرق، وإن دق
٠٠٠.