Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٦)
أن سليمان بن يسار لم يسمع عائشة، رضي الله تعالى عنها، منهم: أحمد بن حنبل والبزار،
وقد صرح البخاري بسماعه منها، وكذلك هو في (صيحيح مسلم) قلت: في سمعت
وسألت، لطيفة أخرى لم تأت صوبها الشراح، وهي: أن كل واحدة من هاتين اللفظتين لا
تستلزم الأخرى لأن السماع لا يستلزم السؤال ولا السؤال يستلزم السماع فلذلك ذكرهما في
الإسناد ليدل على صحة السؤال وصحة السماع فافهم. وفيه: أن رواته ما بين بصري
وواسطي ومدني. وفيه: وقعت صورة (ح) إشارة إلى التحويل من إسناد قبل ذكر متن
الحديث إلى إسناد آخر له، وفيه: في الإسناد الثاني وقع: قال: حدّثنا عمرو، يعني ابن ميمون،
وأشار به إلى أن شيخه لم ينسبه، وهذا تفسير له من تلقاء نفسه. فإن قلت: الاختلاف
المذكور في: يزيد، هل هو: يزيد بن زريع، أو: يزيد بن هارون التباس، وهو يقدح في
الحديث. قلت: لا، لأنه أياً كان فهو عدل ضابط بشرط البخاري، وإنما كان يقدح لو كان
أحدهما على غير شرطه.
.ini
بيان إعرابه ومعناه قوله: ((عن المني)) أي: عن حكم المني، هل يشرع غسله أم لا؟
قال بعضهم: فحصل الجواب بأنها كانت تغسله وليس فى ذلك ما يقتضى إيجابه. قلت: قد
ذكرت فيما مضى أن قوله: كنت، يدل على تكرار الغسل منها، وهو علامة الوجوب مع
ورود الأمر فيه بالغسل، والأمر المجرد عن القرائن يدل على الوجوب، وهذا القائل يريد تمشية
مذهبه من غير دليل نقلي ولا عقلي. قوله: ((فيخرج إلى الصلاة)) أي: يخرج من الحجرة
إلى المسجد للصلاة. قوله: ((بقع الماء))، قد مر تفسير البقع، وهو مرفوع على جواب سؤال
مقدر، تقديره، أن يقال: ما ذلك الأثر؟ فأجاب: بقع الماء. أي: هو بقع الماء، وفي الحقيقة
يكون خبراً لمبتدأ محذوف؛ وقال بعضهم: هو بدل وليس بشيء، ويجوز النصب فيه على
الاختصاص أي: أعني بقع الماء.
i
٦٦ _ بابُ إذا غَسَلَ الجَنَابَةَ أَوْ غَيْرَها فَلَمْ يَذْهَبْ أَثَرُهُ
i
أي: هذا باب في بيان حكم غسل المني أو غيره، ولم يذهب أثره، ومراده أن الأثر
إذا كان باقياً لا يضره، وقال بعضهم: الأثر أثر الشيء المغسول، وفيه نظر، لأن على قوله
يكون الباقي أثر المني ونحوه، وهذا يضره، بل المراد الأثر المرئي للماء لا للمني، ولفظ
حديث الباب يدل على هذا، وهو قوله: وأثر الغسل في ثوبه بقع الماء. قوله: ((أو غيرها)) أي
غير الجنابة، نحو: دم الحيض، ولم يذكر في الباب حديثاً يدل على هذه الترجمة. وقال
بعضهم: وذكر في الباب حديث الجنابة وألحق غيرها قياساً، وأشار بذلك إلى ما رواه أبو
داود وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: ((أن خولة بنت يسار قالت: يا رسول
الله! ليس لي إلاَّ ثوب واحد وأنا أحيض، فكيف أصنع؟ قال: إذا طهرت فاغسليه. قالت:
فإن لم يخرج الدم؟ قال: يكفيك الماء ولا يضرك أثره)) انتهى. قلت: البخاري يذكر مسألة
ثم يقيس عليها غيرها، أو يسرد حديثاً في باب مترجم دالاً على الترجمة، ولا فائدة في ذكر
بريت .
+ جونة

٦٫٣٥١٤
"٠٫٦٢٢
٢٢٢
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٦)
ترجمة بدون ذكر حديث موافق لها مشتمل عليها، ولم نعرف ما مراده من هذا القياس، هل
هو لغوي أو اصطلاحي شرعي أو منطقي؟ وما هذا إلاَّ قياس فاسد. وأيضاً من أين عرفنا أنه
أشار بهذا إلى ما رواه أبو داود؟ ومن أين عرفنا أنه وقف على هذا أو لم يقف؟ ولكن كل
ذلك تخمين بتخبيط. قوله: ((فلم يذهب أثره)): الفاء، فيه للعطف لا للجزاء. لقوله: ((إذا
غسل)، لأن جزاءه محذوف تقديره: صح صلاته، أو نحو ذلك، والضمير في: أثره، يرجع
إلى كل واحد من غسل الجنابة وغيرها. وقال الكرماني: فلم يذهب أثره: أي أثر الغسل.
وقال بعضهم، وأعاد الضمير مذكراً على المعني أي: فلم يذهب أثر الشيء المغسول. قلت:
كلام الكرماني أوجه، لأن المعنى على أن بقاء أثر الغسل لا يضر لإبقاء المغسول، اللهم إلاّ
إذا عسر إزالة أثر المغسول، فلا يضر حينئذ للحرج، وهو مدفوع شرعاً. وقال الكرماني؛ في
بعض النسخ: أثرها، أي: أثر الجنابة. قلت: إن صحت هذه النسخة فلا حاجة إلى التأويل
المذكور، ولكن تفسيره بقوله: أي، أثر الجنابة يرجع إلى تفسير القائل المذكور، وفساده
ظاهر.
٢٣١/٩٤ - حدّثنا مُوسَى بنُ إسْماعِيلَ الْمِنْقَرِيُّ قال حدّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ قال حدّثنا
عَمْرُو بنُ مَيْمُونٍ قال سَأَلْتُ سُلَيْمانَ بن يَسارٍ في الثَّوْبِ تُصِيبُهُ الجَنَابَةُ قال قالَتْ عَائِشَةُ كُنْتُ
أَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رسولِ اللَّهِ عَ ◌ّهِ ثُمَّ يَخْرُجُ إلى الصَّلاةِ وَأَثَرُ الغَسْلِ فِيهِ ثُقَعُ المَاءِ. [انظر
الحديث: ٢٢٩ وطرفيه].
مطابقة الحديث لإحدى الترجمتين، وهي أولاهما ظاهرة، والمنقري بكسر الميم
وسكون النون وفتح القاف: نسبة إلى بني منقر، بطن من تميم، وهو أبو سلمة التبوذكي. وعبد
الواحد هو: ابن زياد المذكور عن قريب. قوله: ((سمعت سليمان بن يسار)»، هكذا هو عند
الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: ((سألت سليمان بن يسار)). قوله: ((في الثوب)) معناه على
رواية: سمعت، أي: سمعت سليمان يقول في حكم الثوب الذي تصيبه الجنابة، وعلى رواية:
سألت، المعنى: قلت لسليمان: ما تقول في الثوب الذي تصيبه الجنابة؟ وعلى هذه الرواية
يجوز أن تكون كلمة: في بمعنى: من، كما في قوله:
وهل يعمن من كان في العصر الخالي
قوله: ((كنت أغسله))، أي: كنت أغسل أثر الجنابة، قاله الكرماني. قلت: ليس معناه
كذا، لأن معناه: كنت أغسل المني من ثوب رسول الله عَ ليه، وليس المعنى: أغسل أثر
المني، فعلى هذا تذكير الضمير يكون باعتبار معنى الجنابة، لأن معناها: المني ههنا، وباقي
الكلام فيه قد مر فیما قبله.
٢٣٢/٩٥ - حدّثنا عَمْرُو بنُ خالِدٍ قال حدّثنا زُهَيْرٌ قال حدّثنا عِمْرُو بنُ مَيْمُونِ بنِ
مِهْرانَ عِنْ سُلَيْمانَ بنِ يسارٍ عنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كانَتْ تَغْسِلُ الَمِنِيَّ مِنْ ثَوْبِ النّبِيِّ عَ لِّ ثُمَّ أَرَاهُ
فِيهِ بُقْعةً اوْ بُقَعاً. [انظر الحديث: ٢٢٩ وطرفيه].
١٠

٢٢٣
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٧)
عمرو بن خالد، بفتح العين، وليس في شيوخ البخاري عمر بن خالد بضم العين. قوله:
(زهير)) هو ابن معاوية. قوله: ((عمرو بن ميمون بن مهران))، بكسر الميم غير منصرف، ولم
يذكر جد عمرو في هذا الحديث الذي رواه عن عائشة من خمسة أوجه إلاَّ في هذا الوجه،
وفي هذا الوجه نكتة أخرى وهي أن فيه الإخبار عن سليمان عن عائشة، رضي الله عنها، أنها
كانت تغسل على سبيل الغيبة، وفي الأوجه الأربعة المتقدمة الإخبار عنها على سبيل التكلم
عنها. قوله: ((من ثوب رسول الله عَّ ◌ُلِ)، وفي بعض النسخ: ((من ثوب النبي عَّله)). قوله:
(ثم أراه)) من رؤية العين أي: أبصره، والضمير المنصوب فيه يرجع إلى الثوب، وفي بعض
النسخ: ((ثم أرى))، بدون الضمير، فعلى هذا مفعول: أرى، محذوف على ما يجيء الآن. فإن
قلت: كيف التئام هذا بما قبله، لأن ما قبله إخبار عن سليمان وقوله: ثم أراه، نقل عن عائشة،
وآخره نقل للفظها بعينه. قوله: ((فيه)) أي: في الثوب، هذا على تقدير أن يكون: أرى، بدون
الضمير المنصوب، والتقدير: ثم أرى في الثوب بقعة، على المفعولية. وأما على تقدير: أراه،
بالضمير المنصوب، فمرجعه يكون الأثر الذي يدل عليه. وقوله: ((تغسل المني من ثوب
النبي عَّه)) أي: أرى أثر الغسل في الثوب بقعة. قوله: ((أو بقعاً)، الظاهر أنه من كلام
عائشة، ويحتمل أن يكون شكاً من سليمان أو من أحد الرواة. والله تعالى أعلم.
٦٧ - بابُ أَبْوَالِ الإِبِلِ والدَّوَابِ والغَنَمِ ومَرَابِضِهَا
أي: هذا باب في بيان حكم أبوال الإبل ... إلى آخره، إنما جمع الأبوال لأنه ليس المراد
ذكر حكم بول الإبل فقط، بل المراد بيان حكم بول الإبل وبول الدواب وبول الغنم، ولكن
ليس في الباب إلاّ ذكر بول الإبل فقط، ولا واحد للإبل من لفظها، وهي مؤنثة لأن أسماء
الجموع التي لا واحد لها من لفظها، إذا كانت لغير الآدميين، فالتأنيث لها لازم. وقد تسكن
الباء فيه للتخفيف، والجمع آبال. والدواب: جمع دابة، وهي في اللغة: اسم لما يدب على وجه
الأرض، فيتناول سائر الحيوانات. وفي العرف: اسم لذي الأربع خاصة. وقال الكرماني: المراد
ههنا معناه العرفي، وهو ذوات الحوافر، يعني: الخيل والبغال والحمير. قلت: ليس معناه العرفي
منحصراً في هذه، بل يطلق على كل ذي أربع، والبخاري لم يذكر في هذا الباب إلاّ
حديثين: أحدهما يفهم منه حكم بول الإبل. والآخر: يفهم منه جواز الصلاة في مرابض
الغنم، فعلى هذا ذكر لفظة الدواب لا فائدة فيه. وقال بعضهم: ويحتمل أن يكون من عطف
العام على الخاص. قلت: هو كذلك، فأي شيء ذكر الاحتمال فيه، وفيه عطف الخاص على
العام أيضاً، وهو عطف الغنم على الدواب. قوله: ((ومرابضها)) بالجر عطف على قوله:
((والغنم)) وهو جمع: مربض، بفتح الميم وكسر الباء الموحدة: من ربض بالمكان يربض، من
باب: ضرب يضرب، إذا ألصق به، وأقام ملازماً له، والمربض: المكان الذي يربض فيه،
والمرابض للغنم كالمعاطن للإبل، وربوض الغنم كبروك الجمل. وقال بعضهم: المربض،
بكسر الميم وفتح الموحدة؛ قلت: هو غلط صريح ليس لقائله مس بالعلوم الادبية، والضمير
i
i

٢٢٤
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٧)
في: مرابضها، يرجع إلى الغنم. وقال بعضهم: الضمير يعود على أقرب مذكور. قلت: هذا
قریب مما قلنا.
فإن قلت: ما وجه مناسبة هذا الباب بما قبله؟ قلت: يجوز أن يكون من حيث إن كلاً
منهما يشتمل على شيء، وهو نجس في نفسه، على قول من يقول بنجاسة المني ونجاسة
بول الإبل، وعلى قول من يقول بطهارتهما يكون وجه المناسبة بينهما في كونهما على
السواء في الطهارة.
وصلّى أَبُو مُوسَى رضي الله عنه فِي دَارِ البريدِ والسَّرْقِيْنُ والبَرِّيّةُ إلى جنْبه فقال هَهُنا وَثَمّ
سَوَاءٌ
هذا الأثر وصله أبو نعيم، شيخ البخاري في كتاب (الصلاة) له، قال: حدّثنا الأعمش
عن مالك بن الحارث هو السلمي الكوفي، عن أبيه، قال: صلى بنا أبو موسى في دار البريد،
وهناك سرقين الدواب والبرية على الباب، فقالوا: لو صليت على الباب ... فذكره. وهذا تفسير
لما ذكره البخاري معلقاً. وأخرجه ابن أبي شيبة أيضاً في (مصنفه) فقال: ثنا وكيع ثنا
الأعمش عن مالك بن الحارث عن أبيه قال، كنا مع أبي موسى في دار البريد، فحضرت
الصلاة فصلى بنا على روث وتبن. فقلنا: لا نصلي ههنا والبرية إلى جنبك. فقال: البرية وههنا
سواء. وقال ابن حزم: روينا من طريق شعبة وسفيان، كلاهما عن الأعمش عن مالك بن
الحارث عن أبيه قال: صلى بنا أبو موسى على مكان فيه سرقين، وهذا لفظ سفيان، وقال
شعبة: روث الدواب. قال: ورويناه من طريق غيرهما: والصحراء أمامه. وقال: ههنا وهناك
سواء، وأبو موسى الاشعري اسمه: عبد الله بن قيس، تقدم في باب: أي: الإسلام أفضل.
قوله: ((في دار البريد)) وهي دار ينزلها من يأتي برسالة السلطان، والمراد من: دار البريد، ههنا
موضع بالكوفة كانت الرسل تنزل فيه إذا حضروا من الخلفاء إلى الأمراء، وكان أبو موسى،
رضي الله تعالى عنه، أميراً على الكوفة في زمن عمر، وفي زمن عثمان، رضي الله عنهما،
وكان الدار في طرف البلد، ولهذا كانت البرية إلى جنبها، و: البريد، بفتح الباء الموحدة:
المرتب، والرسول، وإثنا عشر ميلاً، قاله الجوهري. قوله: ((والسرقين))، بكسر السين المهملة
وسكون الراء هو: الزبل، وحكى فيه ابن سيده فتح أوله، وهو فارسي معرب، ويقال له،
السرجين، بالجيم، وهو في الأصل حرف بين القاف والجيم يقرب من الكاف. قوله: ((والبرية))
بتشديد الياء آخر الحروف: الصحراء. قال صاحب (المحكم): هي منسوبة إلى البر، والجمع:
البراري. قوله: ((جنبه)) الجنب والجانب والجنبة: الناحية. ويقال: قعدت إلى جنب فلان،
وإلى جانب فلان بمعنى. قوله: ((وثم) بفتح الثاء المثلثة وتشديد الميم، وهو اسم يشار به إلى
المكان البعيد، نحو: ﴿وأزلفنا ثم الآخرين﴾ [الشعراء: ٦٤] وهو ظرف لا يتصرف، فلذلك
غلط من أعربه مفعولاً: لرأيت في قوله: تعالى ﴿وإذا رأيت ثم رأيت﴾ [الإنسان: ٢٠] قوله:
((سواء))، يعني في صحة الصلاة، ثم اعلم أن قوله: ((والسرقين)) يجوز أن يكون معطوفاً على:
/١٢

٢٢٥
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٧)
الدار، وعلى: البريد، قال الكرماني: ويروى بالرفع، ولم يذكر وجهه. قلت: وجه أن يكون
مبتدأ. وقوله: والبرية، بالرفع عطف عليه، وقوله: إلى جنبه، خبره ويكون محل الجملة النصب
على الحال، وعلى تقدير جر: السرقين، يكون ارتفاع: البرية، على الابتداء. وما بعده خبره،
والجملة حال أيضاً وفاعل: قال، أبو موسى، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((ههنا)) اسم موضع،
ومحله رفع على الابتداء، و: ثم، عطف عليه، وخبره قوله: سواء، يعني: أنهما متساويان في
صحة الصلاة. قال ابن بطال: قوله: أبوال الإبل والدواب، وافق البخاري فيه أهل الظاهر،
وقاس بول ما يكون مأكولاً لحمه على بول الإبل، ولذلك قال: وصلى أبو موسى في دار
البريد والسرقين، ليدل على طهارة أرواث الدواب وأبوالها، ولا حجة له فيها، لأنه يمكن أن
يكون صلى على ثوب بسطه فيه أو في مكان يابس لا تعلق به نجاسة. وقد قال عامة
الفقهاء: إن من بسط على موضع نجس بساطاً وصلى فيه إن صلاته جائزة، ولو صلى على
السرقين بغير بساط لكان مذهباً له، ولم تجز مخالفة الجماعة به. وقال بعضهم نصرة للبخاري
ورداً على ابن بطال: وأجيب بأن الأصل عدمه، وقد رواه سفيان الثوري في (جامعه) عن
الأعمش بسنده، ولفظه: صلى بنا أبو موسى على مكان فيه سرقين، وهذا ظاهر في أنه بغير
حائل. قلت: الظاهر أنه كان بحائل، لأن شأنه يقتضي أن يحترز عن الصلاة على عين السرقين،
ثم قال هذا القائل: وقد روى سعيد بن منصور عن سعيد بن المسيب وغيره: أن الصلاة على
الطنفسة محدث، إسناده صحيح. قلت: أراد بهذا تأييد ما قاله، ولكنه لا يجديه، لأن كون
الصلاة على الطنفسة محدثة لا يستلزم أن يكون على الحصير ونحوه كذلك، فيحتمل أن يكون
أبو موسى قد صلى في دار البريد والسرقين على حصيرٍ أو نحوه، وهو الظاهر، على أن الطنفسة،
بكسر الطاء وفتحها: بساط له خمل رقيق، ولم يكونوا يستعملونها في حالة الصلاة كاستعمال
المترفين إياها، فكرهوا ذلك في الصدر الأول، واكتفوا بالدون من السجاجيد تواضعاً، بل كان
أكثرهم يصلي على الحصير، بل كان الأفضل عندهم الصلاة على التراب تواضعاً ومسكنة.
٩٦/ ٢٣٣ - حدثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ قال حدّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ أَيُّوبَ عِنْ أبي
قِلاَبَةَ عنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قالَ قدِمَ انَاسٌ مِنْ تُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ فَاجْتَوَوُا المَدِينَةَ فَأْمَرَّهُمُ النبيُّ
عَّهِ بِلِقاحِ وأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوالِها وَأَلْبَانِها فانْطَلَقُوا فَلَّمَّا صَحُوا فَتَلُوا رَاعِيَّ النبيِّ عَّه واسْتَاقُوا
النَّعَمَ فَجَاءَ الخَبَرُ في أوَّلِ النَّهارِ فَتَعَثَ في آثارِهِمْ فَلَمَّا ازْتَفَعَ النَّهَارُ جِيءَ بِهِمْ فَأَمَرَ فَقَطَع
أَيْدِئْهُمْ وأرْجُلَهُمْ وسُمِرتْ أَعْيَتُهُمْ وَأَلْقُوا في الحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلاَ يُسْقَونَ. [الحديث ٢٣٣ -
أطرافه فى: ١٥٠١، ٣٠١٨، ٤١٩٢، ٤١٩٣، ٤٦١٠، ٥٦٨٥، ٥٦٨٦، ٥٧٢٧، ٦٨٠٢،
٦٨٠٣، ٦٨٠٤، ٦٨٠٥، ٦٨٩٩]
مطابقة الحديث للترجمة في بول الإبل فقط، والمذكور فيها أربعة أشياء.
بيان رجاله وهم خمسة كلهم قد ذكروا، فسليمان بن حرب في باب من كره أن
يعود في الكفر، وحماد في باب المعاصي من أمر الجاهلية، وأيوب السختياني التابعي في
باب حلاوة الإيمان، وأبو قلابة، بكسر القاف: عبد الله، كذلك. وكلهم أعلام ائمة بصريون.
عمدة القاري / ج٣ / ١٥٣
i

٢٢٦
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٧)
بيان لطائف إسناده: فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد والباقي عنعنة في
أربعة مواضع. وفيه: رواية التابعي عن التابعي. وفيه: أن الرواة بصريون.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري في ثمانية مواضع: هنا عن
سليمان بن حرب، وفي المحاربين عن قتيبة، وفي الجهاد عن معلى بن اسد، وفي
المحاربين عن موسى بن اسماعيل، وعن علي بن عبد الله، ومحمد بن الصلت، وفي التفسير
عن علي بن عبد الله، وفي المغازي عن محمد بن عبد الرحيم، وفي الديات عن قتيبة.
وأخرجه مسلم في الحدود عن هارون بن عبد الله بن سليمان بن حرب، وعن الحسن بن
أحمد، وعن عبد الله بن عبد الرحمن، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن الصباح، وعن
محمد بن المثنى، وعن أحمد بن عثمان النوفلي. وأخرجه أبو داود في الطهارة عن سليمان
ابن حرب، وعن موسى بن إسماعيل، وعن محمد بن الصباح، وعن عمرو بن عثمان، وعن
محمد بن قدامة. وأخرجه النسائي في المحاربة عن أحمد بن سليمان، وعن عمرو بن
عثمان، وعن إسحاق بن منصور، وعن إسماعيل بن مسعود، وأعاد حديث عمرو بن عثمان
في التفسير، وفي رواية مسلم أدخل بين أيوب وأبي قلابة أبا رجاء، مولى أبي قلابة، وذكر
الدارقطني أن رواية حماد بن زيد إنما هي عن أيوب عن أبي رجاء عن أبي قلابة. وقال:
سقوط أبي رجاء وثبوته صواب، ويشبه أن يكون أيوب سمع من أبي قلابة عن أنس قصة
العرنيين مجردة، وسمع من أبي رجاء عن أبي قلابة حديثه مع عمر بن عبد العزيز في القسامة،
وفي آخرها قصة العرنيين، فحفظ عنه حماد بن زيد القصتين عن أبي رجاء عن أبي قلابة،
وحفظ الآخرون عن أبي قلابة عن أنس قصة العرنيين حسب.
بيان لغاته قوله: ((من عكل)) بضم العين المهملة وسكون الكاف، وفي آخره لام:
وعكل خمس قبائل، وذلك أن عوف بن عبد مناف ولد قيساً، فولد قيس وائلاً وعوانة، فولد
وائل عوفاً وثعلبة، فولد عوف بن وائل الحارث وجشماً وسعداً وعلياً وقيساً، وأمهم بنت ذي
الحية، لأنه كان مطائلاً لحيته، فحضنتهم أمة سوداء يقال لها: عكل، كذا قاله الكلبي وغيره،
ويقال: عكل امرأة حضنت ولد عوف بن إياس بن قيس بن عوف بن عبد مناة ابن اد بن
طابخة. وزعم السمعاني: أنهم بطن من غنم، ورد ذلك عليه أبو الحسن الجزري بأن عكل
امرأة من حمير يقال لها: بنت ذي اللحية، تزوجها عوف بن قيس بن وائل بن عوف بن عبد
مناة بن اد، فولدت له سعداً وجشماً وعلياً، ثم هلكت الحميرية، فحضنت عكل ولدها وهم
من جملة الرباب، تحالفوا على بني تميم. قوله: ((أو عرينة))، بضم العين وفتح الراء وسكون
الياء آخر الحروف وفتح النون، وعرينة بن نذير بن قيس بن عبقر بن أنمار بن الغوث بن طي
ابن أدد، وزعم اليشكري أن عرينة بن عزيز بن نذير. قوله: ((فاجتووا المدينة)) أي: أصابهم
الجوى، بالجيم: وهو داء الجوف إذا تطاول، ويقال الاجتواء كراهية المقام. يقال: اجتويت
البلد: إذا كرهتها وإن كانت موافقة لك في بدنك، واستوبلتها إذا لم توافقك في بدنك وإن
أحببتها. قوله: ((بلقاح)) بكسر اللام، وهي: الإبل، الواحدة: لقوح، وهي الحلوب مثل: قلوص
١٠٠٠
٠٨٩٩٠٠

٢٢٧
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٧)
وقلاص، قال أبو عمرو: إذا أنتجت فهي لقوح شهرين أو ثلاثة، ثم هي لبون بعد ذلك. قوله:
((فاستاقوا النعم)): استاقوا، من الاستياق، وهو السوق. و: النعم، بفتحتين: واحد الأنعام، وهي
المال الراعية، وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل. قوله: ((في آثارهم)) الآثار جمع: إثر،
بكسر الهمزة وسكون الثاء المثلثة، يقال: خرجت في إثره إذا خرجت وراءه. قوله:
((وسمرت))، بضم السين وتخفيف الميم وتشديدها، ومعنى سمرت أعينهم: كحلت بمسامير
محماة. وفي رواية: سملت، باللام موضع الراء، يقال: سملت عينه، بصيغة المجهول ثلاثياً،
إذا فقئت بحديدة محماة. وقيل: هما بمعنى واحد. قوله: ((في الحرة))، بفتح الحاء المهملة
وتشديد الراء: وهي الأرض ذات الحجارة السود، ويجمع على: حر وحرار وحرات وحرين
وأحرين، وهو من الجموع النادرة: كثبين وقلين، في جمع: ثبة وقلة. والمراد من الحرة هذه:
حرة بظاهر مدينة الرسول عَ له، بها حجارة سود كثيرة، وكانت بها الوقعة المشهورة أيام يزيد
ابن معاوية. قوله: ((يستسقون)) من الاستسقاء، وهي طلب السقي وطلب السقياء أيضا، وهو
المطر.
بيان إعرابه قوله: ((فاجتووا المدينة)): الفاء، فيه للعطف. قوله: ((وان يشربوا)) عطف
على: لقاح، وكلمة: أن، مصدرية، والتقدير: فأمرهم بالشرب من ألبانها. قوله: ((قتلوا)) جواب:
لما، قوله: ((فبعث)) أي: رسْوّل الله عَّله، ومفعوله محذوف أي: الطلب، كما جاء في رواية
الأوزاعي. قوله: ((فقطع أيديهم) إسناد الفعل إلى النبي عَ لِ مجاز، والدليل عليه ما جاء في
رواية أخرى: ((فأمر بقطع أيديهم)). والأيدي جمع: يد، فإما أن يراد بها أقل الجمع الذي هو
اثنان عند بعض العلماء، لأن لكل منهم يدين، وإما أن يراد التوزيع. قوله: ((وألقوا))، بصيغة
المجهول من: الإلقاء. قوله: ((يستسقون)) جملة وقعت حالاً.
بيان المعاني قوله: ((قدم أناس) أي: على رسول الله عَ ليه، فأمرهم بلقاح أي: فأمرهم
أن يلحقوا بها. قوله: ((فلما صحوا)) فيه حذف تقديره: فشربوا من ألبانها وأبوالها، فلما
صحوا، قوله: ((فلما ارتفع النهار)) فيه حذف أيضاً تقديره: فأدركوا في ذلك اليوم فأخذوا،
فلما ارتفع جيء بهم، أي: إلى النبي عَّهِ وهم أسارى. قوله: ((ولا يسقون))، بضم الياء وفتح
القاف.
بيان اختلاف ألفاظه قوله: ((عن أنس)) زاد الأصيلي: ابن مالك قوله: ((قدم أناس))
بالهمزة المضمومة عند الأكثرين، وعند الأصيلي والكشميهني والسرخسي: ((ناس))، بلا همزة،
وفي رواية البخاري في الديات من طريق أبي رجاء عن أبي قلابة: ((قدم أناس على رسول الله
عَّله)). وقوله: ((من عكل أو عرينة)) الشك فيه من حماد، قاله بعضهم. وقال الكرماني:
ولفظ: أو، ترديد من أنس، رضي الله تعالى عنه. وقال الداودي: هو شك من الرواي، والذي
قال: إنه حماد لا يدري أي شيء وجه تعيينه بذلك، وللبخاري في المحاربين: عن قتيبة عن
حماد: ((أن رهطاً من عكل، أو قال: من عرينة)). وله في الجهاد: عن وهيب عن أيوب: ((أن
رهطاً من عكل))، ولم يشك، وكذا في المحاربين: عن يحيى بن أبي كثير، وفي الديات:
٠٠
i
i

٢٢٨
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٧)
عن أبي رجاء، كلاهما عن أبي قلابة، وله في الزكاة عن شعبة عن قتادة عن أنس: أن ناساً
من عرينة، ولم يشك أيضاً، وكذا لمسلم من رواية أبي عوانة معاوية بن قرة عن أنس، وفي
المغازي: عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: ((أن ناساً من عكل وعرينة))، بالواو العاطفة.
قيل: هو الصواب، والدليل عليه ما وقع في رواية أبي عوانة، والطبراني من حديث
قتادة عن أنس قال: ((كانوا أربعة من عرينة وثلاثة من عكل)). قلت: هذا يخالف ما عند
البخاري في الجهاد من طريق وهيب عن أيوب، وفي الديات من طريق حجاج الصواف عن
أبي رجاء، كلاهما عن أبي قلابة عن أنس: ((أن رهطاً من عكل ثمانية))، وجه ذلك أنه صرح
بأن الثمانية من عكل، ولم يذكر عرينة. قلت: يمكن التوفيق بأن أحداً من الرواة طوى ذكر
عرينة لأنه روى عن أنس تارة من عكل أو عرينة، وتارة من عرينة بدون ذكر عكل، وتارة من
عكل وعرينة، كما بينا.
فإن قلت: في رواية أبي عوانة والطبري: ((كانوا سبعة))، وفي رواية البخاري: ثمانية،
فهذا مخالف. قلت: لا مخالفة أصلاً لاحتمال أن يكون الثامن من غير القبيلتين، وكان من
أتباعهم. قوله: ((فاجتووا المدينة)) وفي رواية: ((استوخموها))، وللبخاري من رواية سعيد عن
قتادة في هذه القصة: ((فقالوا: يا نبي الله إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف))، وله في
الطب من رواية ثابت عن أنس: ((أن ناساً كان بهم سقم قالوا: يا رسول الله أرونا وأطعمنا،
فلما صحوا قالوا: إن المدينة وخمة)). وفي رواية عوانة من رواية غيلان عن أنس: ((كان بهم
هزال شديد)). وعنده من رواية ابن سعد عنه: ((مصفر ألوانهم)) بعد أن صحت أجسادهم، فهو
من حمى المدينة كما عند أحمد من رواية حميد عن أنس. قوله: ((فأمرهم بلقاح)) وللبخاري
في رواية همام عن قتادة: ((فأمرهم أن يلحقوا براعيه))، وله عن قتيبة عن حماد: ((فأمر لهم
بلقاح))، بزيادة اللام، ووجهه أن تكون الَّلام زائدة أو للاختصاص، وليست للتمليك. وعند أبي
عوانة من رواية معاوية بن قرة التي أخرج مسلم إسنادها: أنهم بدأوا بطلب الخروج إلى
اللقاح، (فقالوا: يا رسول الله، قد وقع هذا الوجع، فلو أذنت لنا فخرجنا إلى الإبل))، وللبخاري
من رواية وهيب عن أيوب: ((أنهم قالوا: يا رسول الله إبغنا رسلاً، أي: أطلب لبنا. قال: ما أجد
لكم إلاّ أن تلحقوا بالذود))، وفي رواية أبي رجاء: ((هذه نعم لنا تخرج فاخرجوا فيها)). وله في
المحاربين: عن موسى عن وهيب بسنده فقال: ((إلاَّ أن تلحقوا يابل رسول الله عَّله)). وله فيه
من رواية الأوزاعي: عن يحيى بن أبي كثير بسنده: ((فأمرهم أن يأتوا إبل الصدقة))، وكذا في
الزكاة من طريق شعبة عن قتادة، فإن قلت: كيف التوفيق بين هذه الأحاديث؟ قلت: طريقه
أنه عَطِّ كانت له إبل من نصيبه من المغنم، وكان يشرب لبنها، وكانت ترعى مع إبل
الصدقة. فأخبره مرة عن إبله، ومرة عن إبل الصدقة لاجتماعهم في موضع واحد. وقال
بعضهم: والجمع بينها أن إبل الصدقة كانت ترعى خارج المدينة، وصادف بعث النبي عَّاه
بلقاحه إلى المرعى طلب هؤلاء النفر الخروج إلى الصحراء لشرب ألبان الإبل، فأمرهم أن
يخرجوا معه فخرجوا معه إلى الإبل، ففعلوا ما فعلوا. قوله: ((وأن يشربوا)) وفي رواية للبخاري

٢٢٩
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٧)
عن أبي رجاء: (فأُخرجوا فأُشربوا من ألبانها وأبوالها))، بصيغة الأمر. وفي رواية شعبة عن قتادة:
((فرخص لهم أن يأتوا الصدقة فيشربوا)). قوله: ((فلما صحوا))، وفي رواية أبي رجاء: ((فانطلقوا
فشربوا من ألبانها وأبوالها فلما صحوا))، وفي رواية وهيب: ((وسمنوا))، وفي رواية الإسماعيلي
من رواية ثابت: ((ورجعت إليهم ألوانهم)). قوله: ((فجاء الخبر))، وفي رواية وهيب عن أيوب:
الصريخ، بالخاء المعجمة، وهو على وزن: فعيل، بمعنى: فاعل، أي صرخ بالإعلام بما وقع
منهم، وهذا الصارخ هو أحد الراعيين، كما ثبت في (صحيح أبي عوانة) من رواية معاوية بن
قرة عن أنس. وقد أخرج مسلم إسناده ولفظه: ((فقتلوا أحد الراعيين وجاء الآخر وقد جزع،
فقال: قد قتلوا صاحبي وذهبوا بالإبل)).
قوله: ((فذهب آثارهم)) زاد في رواية الأوزاعي: الطلب، وفي حديث سلمة بن
الأكوع: ((خيلاً من المسلمين أميرهم كرز بن جابر الفهري)). وكذا ذكره ابن إسحاق
والأكثرون، وكرز، بضم الكاف وسكون الراء وفي آخره زاي معجمة، وللنسائي من رواية
الأوزاعي: ((فبعث في طلبهم قافة))، وهو جمع: قائف، ولمسلم من رواية معاوية بن قرة عن
أنس: ((أنهم شباب من الأنصار قريب من عشرين رجلاً، وبعث معهم قائفاً يقتفي آثارهم)).
قوله: ((قطع أيديهم))، كذا هو الأكثرين، وفي رواية الأصيلي والمستملي والسرخسي: ((فأمر
بقطع أيديهم))، وقال: الداودي: يعني قطع يدي كل واحد ورجليه، وهذا يرده رواية الترمذي
من خلاف، وكذا ذكر الإسماعيلي عن الفريابي عن الأوزاعي بسنده، وللبخاري من رواية
الأوزاعي أيضاً. قوله: ((وسمرت))، لم تختلف روايات البخاري كلها بالراء، ووقع لمسلم من
رواية عبد العزيز: ((وسملت))، بالتخفيف واللام، وللبخاري من رواية وهيب عن أيوب، ومن
رواية الأوزاعي عن يحيى، كلاهما عن أبي قلابة: ((ثم بمسامير فأحميت فكحلهم بها)). ولا
يخالف ذلك رواية المستملي، لأنه فقء العين بأي شيء كان.
قوله: ((يستسقون فلا يسقون)) زاد وهيب والأوزاعي: حتى ماتوا، وفي رواية سعيد:
((يعضون الحجارة))، وفي رواية أبي رجاء: ((ثم نبذهم في الشمس حتى ماتوا) وفي الطب في
رواية ثابت، قال أنس: ((فرأيت رجلاً منهم يكدم الأرض بلسانه حتى يموت)، ولأبي عوانة من
هذا الوجه: ((بعض الأرض ليجد بردها مما يجد من الحر والشدة))، وزعم الواقدي أنهم
صلبوا، ولم يثبت ذلك في الروايات الصحيحة.
بيان ما فيه من تفسير المبهم وغير ذلك قوله: ((قدم أناس عن عكل أو عرينة)) وفي
رواية أبي عوانة والطبري بإسنادهما إلى أنس، قال: ((كانوا أربعة من عرينة وثمانية من عكل)).
وفي (طبقات) ابن سعد: أرسل رسول الله عَّهِ في إثرهم كرز بن جابر الفهري ومعه عشرون
فارساً، وكان العرنيون ثمانية، وكانت اللقاح ترعى بذي الحدر، ناحية بقيا قريباً من نمير، على
ستة أميال من المدينة، فلما غدوا على اللقاح أدركهم يسار مولى رسول الله عَّ له كذلك،
وأنزل عليه ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا ... ﴾ [المائدة:
٣٣] الآية. فلم يسمل بعد ذلك عيناً. انتهى. وكان يسار نوبياً أصابه رسول الله عَ ليه في
i
i.
عبوة
١
تهم.
i

٢٣٠
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٧)
غزوة محارب، وزعم الرشاطي أنهم من غير عرينة التي في قضاعة، وفي (مصنف عبد
الرزاق): كانوا من بني فزارة، وفي كتاب ابن الطلاع: أنهم كانوا من بني سليم، وفيه نظر،
لأن هاتين القبيلتين لا يجتمعان مع العرنيين. وفي (مسند الشاميين) للطبراني عن أنس: كانوا
سبعة: أربعة من عرينة وثلاثة من عكل، فقيل العرنيين لأن أكثرهم كان من عرينة، وذكرنا عن
الطبري نحوه، ثم إن قدومه كان فيما ذكره ابن إسحاق من المغازي في جمادي الآخرة سنة
ست، وذكره البخاري بعد الحديبية، وكانت في ذي القعدة منها، وذكر الواقدي أنها كانت
في شوال منها، وتبعه ابن سعد وابن حبان وغيرهما، وذكر الواقدي أن السرية كانت عشرين،
ولم يقل من الأنصار، وسمى منهم جماعة من المهاجرين، منهم: بريد بن الحصيب وسلمة
ابن الأكوع الأسلميان وجندب ورافع ابنا مكيث الجهنيان وأبو زر وأبوهم الغفاريان وبلال بن
الحارث وعبد الله بن عمرو بن عوف المزنيان، وقال بعضهم: الواقدي لا يحتج به إذا انفرد،
فكيف إذا خالف؟ قلت: ما الواقدي وهو إمام وثقه جماعة منهم أحمد؟ والعجب من هذا
القائل، إنه يقع فيه وهو أحد مشايخ إمامه. وقال الطبري بإسناده إلى جرير بن عبد الله
البجلي، رضي الله تعالى عنه، قال: قدم قوم من عرينة حفاة، فلما صحوا واشتدوا قتلوا رعاة
اللقاح، ثم خرجوا أبا اللقاح، فبعثني رسول الله عَ ليه، فلما أدركناهم بعد ما أشرفوا على
بلادهم ... فذكره إلى أن قال: فجعلوا يقولون: الماء الماء، ورسول الله عَ لَّه يقول: النار النار.
انتهى. قلت: هذا مشكل، لأن قصة العرنيين كانت في شوال سنة ست كما ذكرنا، وإسلام
جرير كان في السنة العاشرة، وهذا قول الأكثرين إلاَّ أن الطبراني وابن قانع قالا: أسلم قديماً.
فإن صح ما قالاه فلا إشكال، وذكر ابن سعد أن عدد اللقاح كان خمس عشرة، وأنهم نحروا
منهم واحدة يقال لها: الحنا.
بيان استنباط الأحكام منها: أن مالكاً استدل بهذا الحديث على طهارة بول ما يؤكل
لحمه، وبه قال أحمد ومحمد بن الحسن والإصطخري والروياني الشافعيان، وهو قول
الشعبي وعطاء والنخعي والزهري وابن سيرين والحكم والثوري، وقال أبو داود بن علية: بول
كل حيوان ونحوه، وإن كان لا يؤكل لحمه، طاهر غير بول الآدمي. وقال أبو حنيفة
والشافعي وأبو يوسف وأبو ثور وآخرون كثيرون: الأبوال كلها نجسة إلاَّ ما عفي عنه، وأجابوا
عنه بأن ما في حديث العرنيين قد كان للضرورة، فليس فيه دليل عى أنه يباح في غير حال
الضرورة، لأن ثمة أشياء أبيحت في الضرورات ولم تبح في غيرها، كما في لبس الحرير فإنه
حرام على الرجال وقد أبيح لبسه في الحرب أو للحكة أو لشدة البرد إذا لم يجد غيره، وله
أمثال كثيرة في الشرع، والجواب المقنع في ذلك أنه، عليه الصلاة والسلام، عرف بطريق
الوحي شفاهم، والاستشفاء بالحرام جائز عند التيقن بحصول الشفاء، كتناول الميتة في
المخصمة، والخمر عند العطش، وإساغة اللقمة، وإنما لا يباح ما لا يستيقن حصول الشفاء به.
وقال ابن حزم: صح يقيناً أن رسول الله عَّ له إنما أمرهم بذلك على سبيل التداوي من السقم
الذي كان أصابهم، وأنهم صحت أجسامهم بذلك، والتداوي منزلة ضرورة. وقد قال عز

١٣٧٣٠
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٧)
٢٣١
وجل: ﴿إِلاَّ ما اضطررتم إليه﴾ [الأنعام: ١١٩] فما اضطر المرء إليه فهو غير محرم عليه من
المآكل والمشارب. وقال شمس الأئمة: حديث أنس، رضي الله تعالى عنه، قد رواه قتادة عنه
أنه رخص لهم في شرب ألبان الإبل. ولم يذكر الأبوال، وإنما ذكره في رواية حميد الطويل
عنه، والحديث حكاية حال، فإذا دار بين أن يكون حجة أو لا يكون حجة سقط الاحتجاج
به، ثم نقول: خصهم رسول الله عَّله بذلك لأنه عرف من طريق الوحي أن شفاءهم فيه ولا
يوجد مثله في زماننا، وهو كما خص الزبير، رضي الله تعالى عنه، بلبس الحرير لحكة كانت
به، أو للقمل، فإنه كان كثير القمل، أو لأنهم كانوا كفاراً في علم الله تعالى ورسوله، عليه
السلام، علم من طريق الوحي أنهم يموتون على الردة، ولا يبعد أن يكون شفاء الكافر بالنجس.
انتهى. فإن قلت: هل لأبوال الإبل تأثير في الاستشفاء حتى أمرهم عَّ له بذلك؟ قلت: قد
كانت إبله عَّ لِّ ترعى الشيح والقيصوم، وأبوال الإبل التي ترعى ذلك وألبانها تدخل في علاج
نوع من أنواع الاستشفاء، فإذا كان كذلك كان الأمر في هذا أنه، عليه الصلاة والسلام،
عرف من طريق الوحي كون هذه للشفاء، وعرف أيضا مرضهم الذي تزيله هذه الأبوال،
فأمرهم لذلك، ولا يوجد هذا في زماننا، حتى إذا فرضنا أن أحداً عرف مرض شخص بقوة
العلم، وعرف أنه لا يزيله إلاَّ بتناول المحرم، يباح له حينئذ أن يتناوله، كما يباح شرب الخمر
عند العطش الشديد، وتناول الميتة عند المخمصة، وأيضا التمسك بعموم قوله عَ لَّه:
((استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه)). أولى لأنه ظاهر في تناول جميع الأبوال،
فيجب اجتنابها لهذا الوعيد، والحديث رواه أبو هريرة وصححه ابن خزيمة وغيره مرفوعاً.
i
ومن الأحكام نظر الإمام في مصالح قدوم القبائل والغرباء إليه، وأمره لهم بما يناسب
حالهم وإصلاح أبدانهم.
ومنها: جواز التطبب وطب كل جسد بما اعتاده، ولهذا أفرد البخاري باباً لهذا الحديث
وترجم عليه: الدواء بأبوال الإبل وألبانها.
ومنها: ثبوت أحكام المحاربة في الصحراء، فإنه عَّ له بعث في طلبهم لما بلغه فعلهم
بالرعاء، واختلف العلماء في ثبوت أحكامها في الأمصار، فنفاه أبو حنيفة، وأثبته مالك
والشافعي. ومنها: شرعية المماثلة في القصاص. ومنها: جواز عقوبة المحاربين، وهو موافق
لقوله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ... ﴾ [المائدة: ٣٣] الآية، وهل كلمة:
أو، فيها للتخيير أو للتنويع قولان. ومنها: قتل المرتد من غير استتابة، وفي كونها واجبة أو
مستحبة خلاف مشهور، وقيل: هؤلاء حاربوا، والمرتد إذا حارب لا يستتاب لأنه يجب قتله،
فلا معنى للاستتابة.
الأسئلة والأجوبة الأول: لو كانت أبوال الإبل محرمة الشرب لما جاز التداوي بها لما
روى أبو داود من حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها: ((إن الله تعالى لم يجعل شفاء امتي
حرم عليها)). وأجيب: بأنه محمول على حالة الاختيار، وأما حالة الاضطرار فلا يكون حراماً:
كالميتة للمضطر، كما ذكرنا. وقال ابن حزم: هذا حديث باطل، لأن في مسنده سليمان
مے
١

١١٠r
٢٣٢
٠٠٠,
ج.
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٧)
الشيباني وهو مجهول. قلت: أخرجه ابن حبان في (صحيحه) وصححه، قال: حدّثنا أحمد
بن المثنى، قال: أخبرنا أبو خيثمة، قال: حدّثنا جرير عن الشيباني عن حسان بن المخارق
قال: ((قالت أم سلمة رضي الله تعالى عنها: اشتكت ابنة لي، فنبذت لها في كوز، فدخل
النبي عَّهِ وهو يغلي فقال: ما هذا؟ فقلت: اشتكت ابنتي فنبذنا لها هذا: فقال، عليه الصلاة
والسلام: ((إن الله لم يجعل شفاءكم في حرام)). وقول ابن حزم: أن في سنده سلمان وهم،
وإنما هو: سليمان، بزيادة الياء آخر الحروف، وهو أحد الثقات، أخرج عنه البخاري ومسلم
في (صحيحيهما) فإن قلت: يرد عليه قوله، عليه الصلاة والسلام في الخمر: إنها ليست
بدواء وإنها داء، في جواب من سأل عن التداوي بها. قلت: هذا روي عن سويد بن طارق:
((أنه سأل رسول الله عَ له عن الخمر فنهاه، ثم سأله فنهاه، فقال يا نبي الله: إنهما دواء! فقال:
لا، ولكنها داء». وأجاب ابن حزم عن ذلك فقال: لا حجة فيه، لأن في سنده: سماك بن
حرب، وهو يقبل التلقين، شهد عليه بذلك شعبة وغيره، ولو صح لم يكن فيه حجة، لأن
فيه: أن الخمر ليس بدواء، ولا خلاف بيننا في أنها ليس بداوء فلا يحل تناوله، وقد أجاب
بعضهم بأن ذلك خاص بالخمر، ويلتحق بها غيرها من المسكرات. قلت: فيه نظر، لأن
دعوى الخصوصية بلا دليل لا تسمع، والجواب القاطع أن هذا محمول على حالة الاختيار
كما ذكرنا. فإن قلت: روي عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما: ((كانت الكلاب تبول
وتقبل وتدبر في المسجد فلم يكونوا يرشون شيئاً»، وروي عن جابر والبراء، رضي الله تعالى
عنهما، مرفوعا: ((ما أكل لحمه فلا بأس بيوله)). وحديث ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه،
الآتي ذكره في باب: إذا القى على ظهر المصلي قذر أو جيفة لم تفسد عليه صلاته،
والحديث الصحيح الذي ورد في غزوة تبوك: ((فكان الرجل ينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه
ويجعل ما بقي على كبده)). قلت: أما حديث ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، فغير مسند،
لأنه ليس فيه أنه، عليه الصلاة والسلام، علم بذلك. وأما حديث جابر والبراء فرواه الدراقطني
وضعفه. وأما حديث ابن مسعود فلأنه كان بمكة قبل ورود الحكم بتحريم النجو والدم، وقال
ابن حزم: هو منسوخ بلا شك. وأما حديث غزوة تبوك فقد قيل: إنه كان للتداوي، وقال ابن
خزيمة: لو كان الفرث إذا عصره نجساً لم يجز للمرء أن يجعله على كبده.
السؤال الثاني: ما وجه تعذيبهم بالنار وهو تسمير أعينهم بمسامير محمية، كما ذكرنا،
وقد نهى النبي عَّ له عن التعذيب بالنار؟ الجواب: أنه كان قبل نزول الحدود، وآية المحاربة
والنهي عن المثلة، فهو منسوخ. وقيل: ليس بمنسوخ، وإنما فعل النبي عَّ بما فعل قصاصاً
لأنهم فعلوا بالرعاة مثل ذلك. وقد رواه مسلم في بعض طرقه، ولم يذكره البخاري. قال
المهلب: إنما لم يذكره لأنه ليس من شرطه. ويقال: فلذلك بوب البخاري في كتابه، وقال:
باب إذا حرق المشرك هل يحرق؟ ووجهه أنه عَّ لما سمل أعينهم، وهو تحريق بالنار،
استدل به أنه لما جاز تحريق أعينهم بالنار، ولو كانوا لم يحرقوا أعين الرعاة، أنه أولى بالجواز
بتحريق المشرك إذا أحرق المسلم. وقال ابن المنير: وكان البخاري جمع بين حديث: ((لا

٢٣٣
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٧)
تعذبوا بعذاب الله))، وبين هذا، بحمل الأول على غير سبب، والثانى على مقابلة السيئة بمثلها
من الجهة العامة، وإن لم يكن من نوعها الخاص، وإلاَّ فما في هذا الحديث أن العرنيين فعلوا
ذلك بالرعاة. وقيل: النهي عن المثلة نهي تنزيه لا نهي تحريم.
السؤال الثالث: إن الإجماع قام على أن من وجب عليه القتل فاستسقى الماء إنه لا
يمنع منه لئلا يجتمع عليه عذابان؟ الجواب: أنه لم يسقوا هناك معاقبة لجنايتهم، لأنه، عَ ◌ّهه
دعا عليهم، فقال: عطّش الله من عطّش آل محمد الليلة. أخرجه النسائي: فأجاب الله دعاءه،
وكان ذلك بسبب أنهم منعوا في تلك الليلة إرسال ما جرت به العادة من اللبن الذي كان
يراح به النبي عَّهِ من لقاحه في كل ليلة، كما ذكره ابن سعد، ولأنهم ارتدوا فلا حرمة لهم.
وقال القاضي عياض: لم يقع نهي من النبي عَّلُّ عن سقيهم وفيه نظر لأنه، عَ لّه، اطلع على
ذلك، وسكوته كافٍ في ثبوت الحكم. وقال النووي: المحارب لا حرمة له في سقي الماء
ولا في غيره، ويدل عليه أن من ليس معه ماء إلاَّ لطهارته ليس له أن يسقيه المرتد ويتيمم،
بل يستعمله ولو مات المرتد عطشاً. وقال الخطابي: إنما فعل بهم النبي عَِّ ذلك لأنه أراد
بهم الموت بذلك، وفيه نظر لا يخفى، وقيل: إن الحكمة في تعطيشهم لكونهم كفروا بنعمة
سقي ألبان الإبل التي حصل لهم بها الشفاء من الجزع والوخم، وفيه ضعف.
قالَ أَبُو قِلاَبَةَ فَهَؤُلاءِ سَرَّقُوا وقتَلُوا وَكَفَرُوا بَعد إيمانِهِمْ وَحَارَبُوا الله وَرَسُولَهُ
أبو قلابة: عبد الله، وقوله هذا إن كان داخلاً في قول أيوب بأن يكون مقولاً له يكون
داخلاً تحت الإسناد، وإن كان مقول البخاري يكون تعليقاً منه. وقال بعضهم: وهذا قاله أبو
قلابة استنباطاً، ثم قال: وليس موقوفاً على أبي قلابة كما توهمه بعضهم. قلت: كلامه
متناقض لا يخفى. قوله: ((سرقوا)) إنما أطلق عليهم سراقاً لأن أخذهم اللقاح سرقة لكونه من
حرز بالحافظ. قوله: ((وحاربوا الله ورسوله)) وأطلق عليهم محاربين لما ثبت عند أحمد من
رواية حميد عن أنس، رضي الله تعالى عنه، في أصل الحديث، وهربوا محاربين.
٢٣٤/٩٧ - حدّثنا آدَمُ قالَ حدّثنا شُعْبَةُ قال أخبرنا أبو النََّّاحِ تَزِيدُ بنُ محُمَيْدٍ عن أُنَسٍ
قالَ كانَ النّبِيُّ عَِّ يُصَلِّي قَبْلَ أَنْ يُنْتَى المَسْجِدُ في مَرَابِضِ الغَنَمِ. [الحديث ٢٣٤ - أطرافه
في: ٤٢٨، ٤٢٩، ١٨٦٨، ٢١٠٦، ٢٧٧١، ٢٧٧٤، ٢٧٧٩، ٣٩٣٢].
هذا أحد حديثي الباب، وهو مطابق لآخر الترجمة.
بيان رجاله: وهم أربعة: آدم بن أبي إياس، وشعبة بن الحجاج، تقدما في كتاب
الإيمان، وأبو التياح؛ بفتح التاء المثناة من فوق وتشديد الياء آخر الحروف وفي آخره حاء
مهملة، واسمه يزيد، تقدم في باب: ما كان النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، يتخولهم.
بيان لطائف إسناده فيه: التحديث بصيغة الجمع في موضعين. وفيه: الإخبار بصيغة
الجمع في موضع. وفيه: العنعنة في موضع. وفيه: أن رواته ما بين خراساني وكوفي وبصري.
١٠
i
٠جوه
١
١
١
i
i
١٣٠

:* :
٢٣٤
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٧)
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري هنا عن آدم، وفي الصلاة عن
سليمان بن حرب. وأخرجه مسلم في الصلاة مختصراً، كما ههنا عن عبيد الله بن معاذ عن
أبيه وعن يحيى بن حبيب. وأخرجه الترمذي فيه عن محمد بن بشار عن يحيى القطان، وعن
آدم في المغازي عن عبيد الله بن معاذ عن أبيه، وعن أبي بكر عن عبيد بن سعيد، وعن
محمد بن الوليد عن غندر، خمستهم عن شعبة عنه به. وأخرجه النسائي في العلم عن
بندار به.
بيان لغته قد مر في أول الباب، وقال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه العلم
على إباحة الصلاة في مرابض الغنم إلاَّ الشافعي، فإنه قال: لا إكره الصلاة في مرابض الغنم
إذا كان سليماً من أبعارها وأبوالها، وممن روى عنه إجازة ذلك، وفعله ابن عمر وجابر وأبو ذر
والزبير والحسن وابن سيرين والنخعي وعطاء. وقال ابن بطال: حديث الباب حجة على
الشافعي، رضي الله عنه، لأن الحديث ليس فيه تخصيص موضع من آخر، ومعلوم أن
مرابضها لا تسلم من البعر والبول، فدل على الإباحة وعلى طهارة البول والبعر. قلت: قد
استدل به من يقول بطهارة بول المأكول لحمه وروثه، وقالوا: لأن المرابض لا تخلو عن
ذلك، فدل على أنهم كانوا يباشرونها في صلواتهم فلا تكون نجسة. وأجاب مخالفوهم
باحتمال وجود الحائل، ورد عليهم بأنهم لم يكونوا يصلون على حائل دون الأرض، ورد
عليهم بأنه شهادة على النفي وأيضا فقد ثبت في الصحيحين عن أنس أن النبي عَّ له صلى
على حصير في دارهم، وصح عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنه، عليه السلام، كان
يصلي على الخمرة. وقال ابن حزم: هذا الحديث يعني حديث الباب منسوخ لأن فيه أن
ذلك كان قبل أن يبني المسجد، فاقتضى أنه في أول الهجرة، ورد عليه بما صح عن
عائشة، رضي الله عنها، أنه، عَّةِ: (أمرهم ببناء المساجد في الدور، وأن تطيب وتنظف)).
رواه أبو داود وأحمد وغيرهما، وصححه ابن خزيمة وغيره، ولأبي داود نحوه من حديث
سمرة، وزاد: وأن تطهرها، قال: وهذا بعد بناء المسجد، وما ادعاه من النسخ يقتضي
الجواز ثم المنع، ويرد هذا إذنه، عليه السلام، وفي الصلاة في مرابص الغنم. وفي (صحيح
ابن حبان) عن أبي هريرة، قال: رسول الله، عَ له: إن لم تجدوا إلاَّ مرابض الغنم وأعطان
الإبل فصلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل)). قال الطوسي والترمذي: حسن
صحيح. وفي (تاريخ نيسابور) من حديث أبي حبان عن أبي زرعة عنه مرفوعا: ((الغنم من
دواب الجنة فامسحوا رغامها وصلوا في مرابضها)). وعند البزار في (مسنده): ((أحسنوا إليها
وأميطوا عنها الأذى)). وفي حديث عبد الله بن المغفل: ((صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في
أعطان الإبل فإنها خلقت من الشياطين)). قال البيهقي: كذا رواه جماعة. وقال
بعضهم: كنا نؤمر، ولم يذكر النبي، عَّهِ. وفي لفظ: ((إذا أدركتكم الصلاة وأنتم في مراح
الغنم فصلوا فيها، فإنها سكينة وبركة، وإذا أدركتكم الصلاة وأنتم في أعطان الإبل فاخرجوا
منها فإنها جن خلقت من الجن. ألا ترى أنها إذا نفرت كيف تشمخ بأنفها)). وفي مسند عبد

٢٣٥
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٨)
الله بن وهب البصري عن سعيد بن أبي أيوب عن رجل حدثه عن ابن المغفل: ((نهى النبي،
عليه الصلاة والسلام، أن يصلى في معاطن الإبل، وأمر أن يصلى في مراح البقر والغنم)).
وعند ابن ماجة بسند صحيح من حديث عبد الملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جده،
مرفوعا: ((لا يصلى في أعطان الإبل، ويصلى في مراح الغنم)). وعند أبي القاسم بسند لا بأس
به عن عقبة بن عامر: ((صلوا في مرابض الغنم)). وكذا رواه ابن عمر وأسيد بن حضير، وعند
ابن خزيمة من حديث البراء: «سئل، عَّةٍ، عن الصلاة في مرابض الغنم؟ فقال: صلوا فيها
فإنها بركة)). وقال ابن المنذر: يجوز الصلاة أيضاً في مراح البقر لعموم قوله، عليه الصلاة
والسلام: ((أينما أدركتك الصلاة فصلٌ)). وهو قول عطاء ومالك. قلت: ذهل ابن المنذر عن
حديث عبد الله بن وهب الذي ذكرناه آنفاً حتى استدل بذلك، فلو وقف عليه لاستدل به.
والله تعالى أعلم.
i
٦٨ _ بابُ ما يَقَعُ مِنَ النَّجَاسات في السَّمْنِ والمَاءِ
أي: هذا باب في بيان حكم وقوع النجاسة في السمن والماء، فكلمة: ما، مصدرية
وكلمة: من بيانية. وقال بعضهم: باب ما يقع ... الخ. أي: هل ينجسهما أم لا؟ أو: لا
ينجس الماء إلاّ إذا تغير دونٍ غيره. قلت: لا حاجة إلى هذا التفسير، فكأنه لما خفي عليه
المعنى الذي ذكرناه قدر ما قدره.
فإن قلت: ما وجه المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله؟ قلت: من حيث إن في
هذا الباب السابق ذكر بول ما يؤكل لحمه، والبول في نفسه نجس، وكذلك في هذا الباب
ذكر الفأرة التي هي نجس، وذكر الدم كذلك والإشارة إلى أحكامهما على ما جاء من
السلف ومن الحدیث.
٠ ٩+5
١
١
وقال الزُّهْري لاَ بأسَ بالمَاءِ ما لَمْ يُغَيُّهُ طَعْمٌ أوْ رِيحٌ أَوْ لَوْنٌ
الزهري: هو محمد بن مسلم بن شهاب الفقيه المدني، نزيل الشام، ثم الكلام فيه على
أنواع. الأول: أن هذا تعليق من البخاري، ولكنه موصول عن عبد الله بن وهب في مسنده
حدّثنا يونس عن ابن شهاب أنه قال: كل ما فضل مما يصيبه من الأذى حتى لا يغير ذلك
طعمه ولا لونه ولا ريحه، فلا بأس أن يتوضأ به. وورد في هذا المعنى حديث عن أبي أمامة
الباهلي قال: قال رسول الله عَّةٍ: ((إن الماء لا ينجسه شيء إلاّ ما غلب على ريحه
وطعمه ولونه)). رواه ابن ماجة: حدّثنا محمود بن خالد والعباس بن الوليد الدمشقيان قال:
حدّثنا مروان بن محمد حدّثنا رشدين، أخبرنا معاوية بن صالح عن راشد بن سعد عن أبي
أمامة، رضي الله عنه، وقال الدارقطني: إنما يصح هذا من قول راشد بن سعد ولم يرفعه غير
رشدين. قلت: وفيه نظر، لأن أبا أحمد بن عدي رواه في (الكامل) من طريق أحمد بن عمر
عن حفص بن عمر حدّثنا ثور بن يزيد عن راشد بن سعد عن أبي أمامة فرفعه. وقال: لم يروه
i

٢٣٦
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٨)
عن ثور إلاَّ حفص. قلت: وفيه نظر أيضاً، لأن البيهقي رواه من حديث أبي الوليد عنٍ
الساماني عن عطية بن بقية بن الوليد عن أبيه عن ثور، وقال البيهقي: والحديث غير قوي إلا
أنا لا نعلم في نجاسة الماء إذا تغير بالنجاسة خلافاً.
النوع الثاني في معناه: قوله: (لا بأس)) أي: لا حرج في استعمال ماء مطلقاً ما لم
يغيره طعم أو ريح أو لون. وقوله: ((لم يغيره))، جملة من الفعل والمفعول. وقوله: ((طعم))
بالرفع فاعله، وحاصل المعنى: كل ماء طاهر في نفسه ولا يتنجس بإصابة الأذى، أي:
النجاسة إلاَّ إذا تغير أحد الأشياء الثلاثة منه، وهي: الطعم والريح واللون. فإن قلت: الطعم أو
الريح أو اللون هو المغير، بفتح الياء آخر الحروف المشددة، لا المغير على صيغة الفاعل،
والمغير، بالكسر هو الشيء النجس الذي يخالطه، فكيف يجعل الطعم أو الريح أو اللون مغيراً
على صيغة الفاعل على ما وقع في رواية البخاري، وأما الذي في عبارة عبد الله بن وهب فهو
على الأصل. قلت: المغير في الحقيقة هو الماء، ولكن تغييره لما كان لم يعلم إلاّ من جهة
الطعم أو الريح أو اللون فكأنه صار هو المغير، وهو من قبيل ذكر السبب، وإرادة المسبب.
وقال الكرماني: لا بأس، أي لا یتنجس الماء بوصول النجس إلیه قليلاً أو كثيراً، بل لا بد
من تغير أحد الأوضاف الثلاثة في تنجسه، والمراد من لفظ: ما لم يغيره طعمه، ما لم يتغير
طعمه. فنقول: لا يخلو إما أن يراد بالطعم، المذكور في لفظ الزهري، طعم الماء أو طعم
الشيء المنجس، فعلى الأول معناه: ما لم يغير الماء عن حاله التي خلق عليها طعمه، وتغيره
طعمه لا بد أن يكون بشيء نجس، إذا البحث فيه. وعلى الثاني معناه: ما لم يغير الماء
طعم النجس، ويلزم منه تغير طعم الماء، إذ لا شك أن الطعم هو المغير للطعم، واللون للون،
والريح للريح، إذ الغالب أن الشيء يؤثر في الملاقي بالنسبة، وجعل الشيء متصفاً بوصف
نفسه، ولهذا يقال: لا يسخن إلاّ الحار، ولا يبرد إلاّ البارد، فكأنه قال: ما لم يغير طعم الماء
طعم الملاقي النجس، أو لا بأس، معناه: لا يزول طهوريته ما لم يغيره طعم من الطعوم
الطاهرة او النجسة. نعم، إن كان المغير طعماً نجساً ينجسه، وإن كان طاهراً يزيل طهوريته
لا طهارته، ففي الجملة في اللفظ تعقيد. انتهى.
قلت: تفسيره هكذا هو عين التعقيد لأنه فسر قوله: ((لا بأس)) بمعنيين: أحدهما بقوله:
((أي لا يتنجس ... )) إلى آخره، والآخر بقوله: ((لا يزول طهوريته)). وكلا المعنيين لا
يساعدهما اللفظ، بل هو خارج عنه. وقوله: ((المغير للطعم هو الطعم)) غير سديد، لأن المغير
للطعم، وهو الشيء الملاقي له، وكذلك اللون والريح، وكذلك قوله: ((المراد من لفظ ما
لم يغيره طعمه ما لم يتغير طعمه)) غير موجه، لأنه تفسير للفعل المتعدي بالفعل اللازم، من
غير وجه، وكذلك ترديده بقوله: لا يخلو إما أن يراد بالطعم المذكور ... إلى آخره، غير موجه
لأن الضمير المنصوب في: لم يغيره، يرجع إلى الماء، فيكون المعنى على هذا: لا بأس
بالماء ما ليم يغيره طعم الماء، وطعم الماء ذاتي، فكيف يغير ذات الماء؟ وإنما طعم الشيء
الملاقي، والفرق بين الطعمين ظاهر.
١٣٤/١١٥/١
١٠٠

٢٣٧
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٨)
النوع الثالث في استنباط الحكم منه استنبط منه: أن مذهب الزهري في الماء الذي
يخالطه شيء نجس الاعتبار بتغيره بذلك من غير فرق بين القليل والكثير، وهو مذهب جماعة
من العلماء، وشنع أبو عبيد في (كتاب الطهور) على من ذهب إلى هذا بأنه يلزم منه أن: من
بال في إبريق ولم يغير للماء وصفاً إنه يجوز له التطهر به، هو مستشنع. قال بعضهم: ولهذا
نصر قول التفريق بالقلتين. قلت: كيف ينصر هذا بحديث القلتين، وقد قال ابن العربي مداره
على علته، أو مضطرب في الرواية، أو موقوف، وحسبك أن الشافعي رواه عن الوليد بن كثير
وهو إباضي. واختلفت روايته فقيل: قلتين، وقيل: قلتين أو ثلاثاً. وروي أربعون قلة، وروي
أربعون فرقاً، ووقف على أبي هريرة وعبيد الله بن عمر، وقال اليعمري: حكم ابن منده
بصحته على شرط مسلم من جهة الرواة، ولكنه أعرض عن جهة الرواية بكثرة الاختلاف فيها
والاضطراب، ولعل مسلماً تركه لذلك. قلت: وكذلك لم يخرجه البخاري لاختلاف وقع في
إسناده. وقال أبو عمر في (التمهيد): ما ذهب إليه الشافعي من حديث القلتين مذهب ضعيف
من جهة النظر، غير ثابت في الأثر، لأنه قد تكلم فيه جماعة من أهل العلم بالنقل. وقال
الدبوسي في كتاب (الأسرار): هو خبر ضعيف، ومنهم من لم يقبله، لأن الصحابة والتابعين
لم يعملوا به. وقال ابن بطال: ومذهب الزهري هو قول الحسن والنخعي والأوزاعي، ومذهب
أهل المدينة، وهي رواية أبي مصعب عن مالك، وروى عنه ابن القاسم أن قليل الماء ينجس
بقليل النجاسة، وإن لم يظهر فيه. وهو قول الشافعي، وروي هذا المعنى عن عبد الله بن
عباس وابن مسعود وسعيد بن المسيب على اختلاف عنه، وسعيد بن جبير، وهو قول الليث
وابن صالح بن حي وداود بن علي ومن تبعه، وهو مذهب أهل البصرة. وقد قال بعض
أصحابنا: هو الصحيح في النظر، وثابت بالأثر من ذلك صب الماء على بول الأعرابي.
وحديث بئر بضاعة، وحديث ابن عباس، رضى الله تعالى عنهما؛ الماء لا ينجسه
شيء، ومذهب أصحابنا الماء إما جارٍ أو راكد، قليل أو كثير؛ فالجاري إذا وقعت فيه
النجاسة وكانت غير مرئية كالبول والخمر ونحوهما فإنه لا ينجس ما لم يتغير لونه أو
طعمه أو ريحه، وإن كانت مرئية كالجيفة ونحوها فإنه لا ينجس. فإن كان يجري عليها
جميع الماء لا يجوز التوضؤ به من أسفلها، وإن كان يجري أكثرها عليها فكذلك اعتباراً
للغالب، وإن كان أقله يجري عليها يجوز التوضؤ به من أسفلها، وإن كان يجري عليها
النصف دون النصف فالقياس جواز التوضؤ. وفي الاستحسان لا يجوز احتياطاً. والراكد
اختلفوا فيه: فقالت الظاهرية: لا ينجس أصلا. وقالت عامة العلماء: إن كان الماء قليلاً
ينجس، وإن كان كثيراً لا ينجس، لكنهم اختلفوا في الحد الفاصل بينهما؛ فعندنا
بالخلوص، فإن كان يخلص بعضه إلى بعض فهو قليل، وإلا فهو كثير. واختلف أصحابنا
في تفسير الخلوص بعد أن اتفقوا أنه يعتبر الخلوص، بالتحريك، وهو: أن يكون بحال
لو حرك طرف منه يتحرك الطرف الآخر، فهو مما يخلص، وإلاَّ فهو مما لا يخلص.
واختلفوا في جهة التحريك، فعن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنه يعتبر التحريك
i
i
جومـ
٠٠٢٠
i
أجوف
TM
i
i
i

14.
199
١٠٠
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٨)
٢٣٨
بالاغتسال من غير عنف، وعن محمد أنه يعتبر بالوضوء، وروي أنه باليد من غير اغتسال
ولا وضوء، وأما اعتبارهم في تفسير الخلوص: فعن أبي حفص الكبير أنه اعتبره بالصبغ،
وعن أبي نصر محمد بن سلام أنه اعتبره بالتكدير، وعن أبي سليمان الجوزجاني أنه
اعتبره بالمساحة. فقال: إن كان عشراً في عشر فهو مما لا يخلص، وإن كان دونه فهو
مما يخلص. وعن ابن المبارك أنه اعتبره بالعشرة أولاً، ثم بخمسة عشر، وإليه ذهب أبو
مطيع البلخي، فقال: إن كان خمسة عشر في خمسة عشر أرجو أن يجوز، وإن كان
عشرين في عشرين لا أجد في قلبي شيئاً. وعن محمد أنه قدره بمسجده، وكان ثمانياً
في ثمانٍ، وبه أخذ محمد بن سلمة. وقيل: كان مسجده عشراً في عشرٍ. وقيل: كان،
داخله ثمانياً في ثمانٍ، وخارجه عشراً في عشرٍ. وعن الكرخي: لا عبرة للتقدير، وإنما
المعتبر هو الترحي، فلو كان أكثر رأيه أن النجاسة خلصت إلى الموضع الذي يتوضأ منه
لا يجوز، وإن كان أكثر رأيه أنها لم تصل إليه يجوز. وقد استقصينا الكلام فيه في
(شرحنا لمعاني الآثار) للطحاوي، رحمه الله تعالى.
وقالَ حَمَّادٌ: لاَ بَأْسَ بِرِيشِ المَيْتَّةِ
١٠
حماد: على وزن فعال بالتشديد، هو الإمام ابن أبي سليمان، شيخ الإمام أبي حنيفة،
رضي الله تعالى عنه، تقدم في باب قراءة القرآن بعد الحدث. قوله: ((لا بأس)) أي: لا حرج
((بريش الميتة)) يعني: ليس بنجس، ولا ينجس الماء الذي وقع فيه، سواء كان ريش
المأكول لحمه أو غيره؛ وهذا التعليق وصله عبد الرزاق في مصنفه: حدّثنا معمر عن حماد بن
أبي سليمان أنه قال: لا بأس بصوف الميتة، ولكن يغسل، ولا بأس بریش الميتة، وهذا
مذهب أبي حنيفة أيضاً وأصحابه.
وقالَ الزُّفْرِيُّ في عظام المَوْتَى نَحْوِ الفِيلِ وغَيْرِهِ أَدْرَكْتُ ناساً مِنْ سَلَفِ العُلمَاءِ يَمْتَشِطُونَ
بها ويَدَّهِنونَ فِيها لا یَرَوْنَ بِهِ بَاساً
الزهري: هو محمد بن مسلم. قوله: ((وغيره) أي: غير الفيل مما لا يؤكل. وقال
الكرماني: قوله: ((غيره)) يحتمل أن يريد به ما هو من جنسه من الذي لا تؤثر الذكاة فيه، أي:
ما لا يؤكل لحمه، وأن يريد أعم من ذلك. قلت: هذا الذي ذكره يمشي على مذهب
الشافعي، وعندنا جميع أجزاء الميتة التي لا دم فيها: كالقرن والسن والظلف والحافر والخف
والوبر والصوف طاهر، وفي العصب روايتان، وذهب عمر بن عبد العزيز والحسن البصري
ومالك وأحمد وإسحاق والمزني وابن المنذر: إلى أن الشعر والصوف والوبر والريش طاهرة لا
تنجس بالموت، كمذهبنا، والعظم والقرن والظلف والسن نجسة. وقال الشافعي: الكل نجس
إلاّ الشعر، فإن فيه خلافاً ضعيفاً. وفي العظم أضعف منه. وأما الفيل ففيه خلاف بين
أصحابنا، فعند محمد هو نجس العين حتى لا يجوز بيع عظمه ولا يطهر جلده بالدباغ ولا

٢٣٩
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٨)
بالذكاة، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف هو كسائر السباع، فيجوز الانتفاع بعظمه وجلده
بالدباغ. قوله: ((أدركت ناساً)) التنوين فيه للتكثير أي ناساً كثيرين. قوله: ((يمتشطون بها)) أي:
بعظام الموتى، يعني يجعلون منها مشطاً ويستعملونه، فهذا يدل على طهارته، وهو مذهب
أبي حنيفة أيضاً. قوله: ((ويدَّهنون فيها)) أي: في عظام الموتى، يعني: يجعلون منها ما يحط
فيه الدهن ونحوه، وأصل: يدهنون: يتدهنون، لأنه من باب الافتعال، فقلبت التاء دالاً
وأدغمت الدال في الدال؛ وقال بعضهم: يجوز ضم أوله وإسكان الدال. قلت: فعلى هذا
يكون من باب الادهان، فلا يناسب ما قبله إلاّ إذا جاءت فيه رواية بذلك، وذلك لأن معناه
بالتشديد هم يدهنون أنفسهم، وإذا كان من باب الإفعال يكون المعنى: هم يدهنون غيرهم،
فلا منع من ذلك إلاّ أنه موقوف على الرواية. ونقل بعض الشراح عن السفاقسي فيه ثلاثة
أوجه: اثنان منها ما ذكرناهما الآن، والوجه الثالث: هو بتشديد الدال وتشديد الهاء، أيضاً.
قلت: لا منع من ذلك من حيث قاعدة التصريف، ولكن رعاية السماع أولى مع رعاية
المناسبة بين المعطوف والمعطوف عليه. قوله: ((لا يرون به بأساً) أي حرجاً، فلو كان نجساً
لما استعملوه امتشاطاً وادهاناً، وعلم منه أنه إذا وقع منه شيء في الماء لا يفسده. وقال ابن
بطال: ريش الميتة وعظم الفيلة ونحوها طاهر عند أبي حنيفة، كأنه تعلق بحديث ابن عباس
الموقوف: إنما حرم من الميتة ما يؤكل منها وهو اللحم، فأما الجلد والسن والعظم والشعر
والصوف فهو حلال. قال يحيى بن معين: تفرد به أبو بكر الهذلي عن الزهري، وهو ليس
بشيء. وقال البيهقي: وقد روى عبد الجبار بن مسلم وهو ضعيف عن الزهري شيئاً في
معناه، وحديث أم سلمة مرفوعا: ((لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ، ولا بشعرها إذا غسل بالماء)).
إنما رواه يوسف بن أبي السفر، وهو متروك. وقال ابن بطال: عظم الفيلة ونحوه نجس عند
مالك والشافعي، كلاهما احتجا بما روى الشافعي عن إبراهيم بن محمد عن عبد الله بن دينار
عن ابن عمر أنه كان يكره أن يدهن في مدهن من عظام الفيل، وفي (المصنف): وكرهه
عمر بن عبد العزيز وعطاء وطاوس، وقال ابن المواز: نهى مالك عن الانتفاع بعظم الميتة
والفيل، ولم يطلق تحريمها لأن عروة وابن شهاب وربيعة أجازوا الامتشاط بها. وقال ابن
حبيب: أجاز الليث وابن الماجشون وابن وهب ومطرف.
i
١
وقالَ ابْنُ سِيِرِينَ وإبْرَاهِيمُ لا بَأْسَ بِتِجَارَةِ العَاجِ
ابن سيرين هو محمد، تقدم في باب اتباع الجنائز من الإيمان، وإبراهيم هو النخعي
تقدم في باب ظلم دون ظلم في كتاب الإيمان.
أما التعليق عن ابن سيرين فذكره عبد الرزاق في مصنفه عن النووي عن همامَ عن ابن
سيرين أنه كان لا يرى التجارة بالعاج بأساً وأما التعليق عن إبراهيم فلم يذكره السرخسي في
روايته، ولا أكثر الرواة عن الفربري، فالعاج، بتخفيف الجيم، منه السوار والخاتم وغيرها قال
جرير:
i

, سبير
٢٤٠
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٦٨)
لها مسكا من غير عاج ولا ذبل
ترى العيس الحولى جرياً بكرعها
فهذا يدل على أن العاج غير الذبل وفي (المحكم) والعاج أنياب الفيلة، ولا يسمى غير
الناب عاجاً وقد أنكر الخليل أن يسمى عاجاً سوى أنياب الفيلة، وذكر غيره أن الذبل يسمى
عاجاً وكذا قاله الخطابي، وأنكروا عليه. والذبل، بفتح الذال المعجمة وسكون الباء الموحدة
قال الأزهري الذبل، القرون، فإذا كان من عاج فهو مسك وعاج ووقف، إذا كان من ذبل فهو
مسك لا غير وفى (العباب) الذبل ظهر السلحفاة البحرية، كما ذكرنا الآن وقال بعضهم، قال
القالي: العرب تسمي كل عظم عاجاً، فإن ثبت هذا فلا حجة في الأثر المذكور على طهارة
عظم الفيل. قلت: مع وجود النقل عن الخليل لا يعتبر بنقل القالي مع ما ذكرنا من الدليل
على طهارة الميتة مطلقاً.
٢٣٥/٩٨ - حدّثنا إِسْمَاعِيلُ قال حدثني مَالِكٌ عنِ ابنِ شِهاب عنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ
اللَّهِ عن ابن عَبَّاسٍ عنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَ لَّهِ («سُئِلَ عَنْ فَارَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ فَقالَ
أَلْقُوها وما حَوْلَهًا فَاطْرَحُوهُ وَكُلُوا سَمْتَكُمْ)) [الحديث ٢٣٥ - أطرافه في: ٢٣٦، ٥٥٣٨،
٥٥٣٩، ٥٥٤٠].
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة.
بيان رجاله وهم ستة إسماعيل هو ابن أويس تقدم في باب تفاضل أهل الإيمان، وعبيد
الله هو سبط عتبة بن مسعود وهو في قصة هرقل، ومالك هو ابن أنس، وابن شهاب هو
محمد بن مسلم الزهري، وميمونة أم المؤمنين بنت الحارث، خالة ابن عباس، رضي الله
تعالى عنهم، تقدمت في باب السمر بالعلم.
بيان لطائف إسناده منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع وبصيغة الإفراد، وفيه العنعنة
في أربعة مواضع. وفيه: أن رواته مدنيون. وفيه: القول في موضع واحد. وفيه: رواية
الصحابي عن الصحابية.
بيان ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضاً في الذبائح عن عبد
العزيز بن عبد الله عن مالك به، وعن الحميدي عن سفيان عن الزهري به، وهو من أفراده عن
مسلم، وأخرجه أبو داود في الأطعمة عن مسدد عن سفيان به، وعن أحمد بن صالح
والحسن بن علي، كلاهما عن عبد الرزاق عن عبد الرحمن بن بزدويه عن معمر عن الزهري
عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي عَّ له بمعناه. وأخرجه الترمذي فيه عن سعيد
ابن عبد الرحمن وأبي عثمان وهو الحسين بن حديث، كلاهما عن سفيان به، وقال: حسن
صحيح. وأخرجه النسائي في الذبائح عن قتيبة عن سفيان به وعن يعقوب بن إبراهيم ومحمد
ابن يحيى بن عبد الله النيسابوري، كلاهما عن عبد الرحمن بن مهدي عن مالك به، وعن
خشيش بن أصرم عن عبد الرزاق عن عبد الرحمن بن بزدويه أن معمراً ذكر عن الزهري به.
ذكر لغاته ومعناه قوله: ((فأرة)) بهمزة ساكنة وجمعها فأر بالهمز أيضاً قوله: ((سقطت
في سمن)) وفي رواية البخاري أيضاً في الذبائح من رواية ابن عيينة عن ابن شهاب ((فماتت))،
وزاد النسائي من رواية عبد الرحمن بن مهدي عن مالك، ((في سمن جامد)) قوله: ((وألقوها))
١٠
/٧