Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٧) قر قول: جاء في أكثر الروايات: آصع. قلت: أصل الصاع صوع، قلبت الواو ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، وفيه ثلاث لغات: صاع، وصوع على الأصل، وصواع؛ والجمع: أصوع، وإن شئت أبدلت من الواو المضمومة همزة. قوله: ((ويتوضأ بالمد))، وهو ربع الصاع، ويجمع على أمداد ومدد ومداد، ويأتي الخلاف فيه الآن، وقد مر بعضه عن قريب. بيان استنباط الحكم: يستنبط منه حكمان: الأول: أنه، عليه الصلاة والسلام، كان يغتسل بالصاع فيقتصر عليه وربما يزيد عليه إلى خمسة أمداد، فدل ذلك أن ماء الغسل غير مقدر بل يكفي فيه القليل والكثير إذا أسبغ وعم، ولهذا قال الشافعي: وقد يرفق الفقيه بالقليل فيكفي، ويخرق الأخرق فلا يكفي، ولكن المستحب أن لا ينقص في الغسل والوضوء عما ذكر في الحديث. وقال بعضهم: فكأن أنساً لم يطلع على أنه عَّ لم يستعمل في الغسل أكثر من ذلك، لأنه جعلها النهاية. وسيأتي حديث عائشة رضي الله تعالى عنه أنها كانت تغتسل هي والنبي معَّله من إناء واحد وهو: الفرق، وروى مسلم من حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، أيضا أنه معَِّ كان يغتسل من إناء يسع ثلاثة أمداد. قلت: أنس، رضي الله عنه، لم يجعل ما ذكره نهاية لا يتجاوز عنها، ولا ينقص عنها وإنما حكى ما شاهده، والحال تختلف بقدر اختلاف الحاجة، وحديث الفرق لا يدل على أن عائشة، رضي الله تعالى عنها، والنبي عَّهم كانا يغتسلان بجميع ما في الفرق. وغاية ما في الباب أنه يدل أنهما يغتسلان من إناء واحد يسمى: فرقاً، وكونهما يغتسلان منه لا يستلزم استعمال جميع ما فيه من الماء، وكذلك الكلام في: ثلاثة أمداد. وقال هذا القائل أيضاً: وفيه رد على من قدر الوضوء والغسل بما ذكر في حديث الباب: كابن شعبان من المالكية، وكذا من قال به من الحنفية مع مخالفتهم له في مقدار المد والصاع. قلت: لا رد فيه على من قال به من الحنفية، لأنه لم يقل ذلك بطريق الوجوب، كما قال ابن شعبان بطريق الوجوب، فإنه قال: لا يجزىء أقل من ذلك. وأما من قال به من الحنفية فهو محمد بن الحسن، فإنه روي عنه أنه قال: إن المغتسل لا يمكن أن يعم جسده بأقل من مد، وهذا يختلف باختلاف أجساد الأشخاص، ولهذا جعل الشيخ عز الدين بن عبد السلام للمتوضىء والمغتسل ثلاث أحوال. أحدها: أن يكون معتدل الخلق كاعتدال خلقه، عليه الصلاة والسلام، فيقتدي به في اجتناب النقص عن المد والصاع. الثاني: أن يكون ضئيلاً ونحيف الخلق بحيث لا يعادل جسده جسده، معَّله، فيستحب له أن يستعمل من الماء ما يكون نسبته إلى جسده كنسبة المد والصاع إلى جسده، عَّ له. الثاني: أن يكون متفاحش الخلق طولاً وعرضاً وعظم البطن وثخانة الأعضاء، فيستحب أن لا ينقص عن مقدار يكون بالنسبة إلى بدنه كنسبة المد والصاع إلى بدن رسول الله عَّ هه. ثم اعلم أن الروايات مختلفة في هذا الباب، ففي رواية أبي داود من حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها: ((أن النبي، عليه الصلاة والسلام، كان يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد)). ومن حديث جابر كذلك، ومن حديث أم عمارة: ((أن النبي صَ لِّ توضأ فأتى بإناء فيه ماء قدر i i i i i i. ١٤٢ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٧) مھیر ١١٠ ثلثي المد)). وفي روايته عن أنس: ((كان النبي عَّ ◌ُلم يتوضأ بإناء يسع رطلين ويغتسل بالصاع)). وفي رواية ابن خزيمة وابن حبان في (صحیحیهما)، والحاکم في (مستدر كه) من حديث عبد الله بن زيد، رضي الله تعالى عنه: ((أن النبي ◌َّهِ أتي بثلثي مد من ماء فتوضأ، فجعل يدلك ذراعيه)). وقال الحاكم: هذا حديث حسن صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وقال الثوري: حديث أم عمارة حسن. وفي رواية مسلم من حديث عائشة، رضي الله عنها: ((كانت تغتسل هي والنبي عَّلِ في إناء واحد يسع ثلاثة أمداد)). وفي رواية: ((من إناء واحد تختلف أيدينا فيه)) وفي أخرى: ((تغسله عَّ بالصاع وتوضئه بالمد)). وفي أخرى: ((يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد))، وفي رواية البخاري: ((بنحو من صاع))، وفي لفظ: ((من قدح يقال له: الفرق))، وعند النسائي في كتاب (التمييز): نحو ثمانية أرطال)). وفي (مسند) أحمد بن منيع: ((حزرته ثمانية أو تسعة أو عشرة أرطال)). وعند ابن ماجة، بسند ضعيف عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن أبيه عن جده، قال: رسول الله عَّلِ: ((يجزىء من الوضوء مد، ومن الغسل صاع)). وكذا رواه الطبراني في (الأوسط) من حديث ابن عباس، وعند أبي نعيم في (معرفة الصحابة) من حديث أم سعد بنت زيد بن ثابت ترفعه: ((الوضوء مد والغسل صناع)). وقال الشافعي وأحمد: ليس معنى الحديث على التوقيت أنه لا يجوز أكثر منه ولا أقل، بل هو قدر ما يكفي. وقال النووي: قال الشافعي وغيره من العلماء الجمع بين هذه الروايات: إنها كانت اغتسالات في أحوال وجد فيها أكثر ما استعمله وأقله، فدل على أنه لا حد في قدر ماء الطهارة يجب استيفاؤه. قلت: الإجماع قائم على ذلك، فالقلة والكثرة باعتبار الأشخاص والأحوال. فافهم. والفرق، بفتح الفاء والراء، وقال أبو زيد: بفتح الراء وسكونها، وقال النووي: الفتح أفصح، وزعم الباجي أنه الصواب، وليس كما قال، بل هما لغتان. وقال ابن الأثير: الفرق، بالتحريك: يسع ستة عشر رطلاً، وهو ثلاثة أصوع. وقيل: الفرق خمسة أقساط، وكل قسط نصف صاع. وأما الفرق، بالسكون، فمائة وعشرون رطلاً، وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الفرق ستة عشر رطلاً، والمكوك إناء يسع المد، معروف عندهم. وقال ابن الأثير: المكوك: المد، وقيل: الصاع، والأول أشبه، لأنه جاء في الحديث مفسراً بالمد. وقال أيضاً: المكوك اسم للمكيال، ويختلف مقداره باختلاف اصطلاح الناس عليه في البلاد، ويجمع على مكاكي بإبدال الياء بالكاف الأخيرة، ويجيء أيضاً على مكاكيك. الحكم الثاني: أنه مَِّ كان يتوضأ بالمد، وهو رطلان عند أبي حنيفة. وعند الشافعي: رطل وثلث بالعراقي، وقد ذكرناه، وأما الصاع: فعند أبي يوسف خمسة أرطال وثلث رطل عراقية، وبه قال مالك والشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة ومحمد: الصاع ثمانية أرطال، وحجة أبي يوسف ما رواه الطحاوي عنه، قال: قدمت المدينة، وأخرج إليّ من أثق به صاعاً، وقال: هذا صاع النبي عَّالله، فوجدته خمسة أرطال وثلث، وقال الطحاوي: وسمعت ابن عمران يقول: الذي أخرجه لأبي يوسف هو مالك. وقال عثمان بن سعيد الدارمي: ٠٫٣٩٢ .95 ١٤٣ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٨) سمعت علي بن المديني يقول: عبرت صاع النبي عَّهِ فوجدته خمسة أرطال وثلث رطل، واحتج أبو حنيفة ومحمد بحديث جابر وأنس، رضي الله عنهما، وقد ذكرناه في أول الباب. ٤٨ _ بابُ المَسْحِ عَلَى الخُفَّيْن أي: هذا باب في بيان حكم المسح على الخفين. ٠ ٠٠٠ والمناسبة بين البابين ظاهرة، لأن كل واحد منهما في حكم من أحكام الوضوء. ٢٠٢/٦٥ - حدّثنا أصْبَغُ بنُ الفَرَجِ المِصْرِيُّ عَنِ ابنِ وَهْبٍ قالَ حدّثني عمْرٌو قَالَ حدّثنا أبو النَّضْرِ عَنْ أبي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عُمَرَ عنْ سَعْدِ بنِ أبِي وَقَّاصٍ عَنِ النَّبِّي ◌َّهِ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ وأنّ عَبْدَ اللَّهِ بنَ عُمَرَ سَألَ عُمرَ عَنْ ذَلِكَ فقال نَعَمْ إذَا حَدَّثْكَ شَيْئاً سَعْدٌ عَنِ النبيِّ عَّ ◌َلِّ فَلاَ تَسْأَلْ عَنْهُ غَيْرَهُ. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة. بيان رجاله وهم سبعة: الأول: أصبغ، بفتح الهمزة وسكون الصاد المهملة وفتح الباء الموحدة وفي آخره عين معجمة: أبو عبد الله بن وهب القرشي المصري، ولم يكن في المصريين أحد أكثر حديثاً منه، وأصبغ كان وراقاً له، مر في باب من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين. الثالث: عمرو، بالواو و: ابن الحارث أبو أمية المؤدب الأنصاري المصري القارىء الفقيه، مات بمصر سنة ثمان وأربعين ومائة. الرابع: أبو النضر، بفتح النون وسكون الضاد المعجمة: سالم بن أبي أمية القرشي المدني، مولى عمر بن عبد الله التيمي وكاتبه، مات سنة تسع وعشرين ومائة. الخامس: أبو سلمة، بفتح اللام: عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الفقيه المدني، مر في كتاب الوحي. السادس: عبد الله بن عمر بن الخطاب. السابع: سعد بن أبي وقاص، مر في باب: إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة. بينان لطائف إسناده منها: أن فيه التحديث بصيغة الجمع وبصيغة الإفراد والعنعنة. ومنها: أن فيه ثلاثة من رواته مصريون، وهم: أصبغ وابن وهب وعمرو، وثلاثة مدنيون وهم: أبو النضر وأبو سلمة وابن عمر. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي: أبو النصر عن أبي سلمة. ومنها: أن فيه رواية صحابي عن صحابي. ومنها: أن معظم الرواة قرشيون فقهاء أعلام. ومنها: أن هذا من مسند سعد بحسب الظاهر، وكذا جعله أصحاب الأطراف، ويحتمل أن يكون من مسند عمر أيضاً. وقال الدارقطني: رواه أبو أيوب الإفريقي عن أبي النضر عن أبي سلمة عن ابن عمر عن عمر وسعد عن النبي عَّ له، ثم قال الدارقطني: والصواب قول عمرو ابن الحارث عن أبي النضر عن أبي سلمة عن ابن عمر عن سعد. i i i i بيان من أخرجه غيره لم يخرجه البخاري إلاَّ ههنا، وهو من أفراده، ولم يخرج مسلم في المسح إلاّ لعمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، وأخرجه النسائي أيضاً في الطهارة عن سليمان بن داود، والحارث بن مسكين، كلاهما عن ابن وهب به. i i i. ١ ١٤٤ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٨) بيان المعنى والإعراب قوله: ((وأن عبد الله بن عمر)) عطف على قوله: ((عن عبد الله ابن عمر)) فيكون موصولاً إن حمل على أن أبا سلمة سمع ذلك من عبد الله، وإلاَّ فأبو سلمة لم يدرك القصة، وعن ذلك قال الكرماني: وهذا إما تعليق من البخاري، وإما كلام أبي سلمة، والظاهر هو الثاني. قوله: ((عن ذلك)) أي: عن مسح رسول الله عَّ على الخفين. قوله: (شيئاً) نكرة عام، لأن الواقع في سياق الشرط كالواقع في سياق النفي في إفادة العموم. وقوله: ((حدثك)) جملة من الفعل والمفعول. وقوله: ((سعد)» بالرفع فاعله. قوله: ((فلا تسأل عنه)) أي: عن الشيء الذي حدثه سعد. قوله: ((غيره)) أي: غير سعد، وذلك لقوة وثوقه بنقله. بيان استنباط الأحكام الأول: فيه جواز المسح على الخفين ولا ينكره إلاَّ المبتدع الضال. وقالت الخوارج: لا يجوز. وقال صاحب (البدائع): المسح على الخفين جائز عند عامة الفقهاء، وعامة الصحابة إلاَّ شيئاً روي عن ابن عباس أنه لا يجوز، وهو قول الرافضة. ثم قال: وروي عن الحسن البصري أنه قال: أدركت سبعين بدرياً من الصحابة كلهم يرى المسح على الخفين، ولهذا رآه أبو حنيفة من شرائط أهل السنة والجماعة. فقال: نحن نفضل الشيخين، ونحب الخنتين، ونرى المسح على الخفين، ولا نحرم نبيذ الجر. يعني: المثلث؛ وروي عنه أنه قال: ما قلت بالمسح حتى جاءني مثل ضوء النهار، فكان الجحود رداً على كبار الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، ونسبته إياهم إلى الخطأ، فكان بدعة، ولهذا قال الكرخي: أخاف الكفر على من لا يرى المسح على الخفين، والأمة لم تختلف أن رسول الله عَ لل مسح. وقال البيهقي: وإنما جاء كراهة ذلك عن علي وابن عباس وعائشة، رضي الله تعالى عنهم. فأما الرواية عن علي سبق الكتاب بالمسح على الخفين فلم يرو ذلك عنه بإسناد موصول يثبت مثله. وأما عائشة فثبت عنها أنها أحالت بعلم ذلك على علي، رضي الله تعالى عنه، وأما ابن عباس فإنما كرهه حين لم يثبت مسح النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بعد نزول المائدة، فلما ثبت رجع إليه. وقال الجوزقاني في (كتاب الموضوعات): إنكار عائشة غير ثابت عنها. وقال الكاشاني: وأما الرواية عن ابن عباس فلم تصح لأن مداره على عكرمة، وروي أنه لما بلغ عطاء قال: كذب عكرمة، وروي عن عطاء أنه قال: كان ابن عباس يخالف الناس في المسح على الخفين فلم يمت حتى تابعهم، وفي (المغني) لابن قدامة: قال أحمد: ليس في قلبي من المسح شيء، فيه أربعون حديثاً عن أصحاب رسول الله عَ ◌ّله، ما رفعوا إلى رسول الله عَّه وما لم يرفعوا؛ وروي عنه أنه قال: المسح أفضل، يعني من الغسل، لأن النبي عَّله وأصحابه إنما طلبوا الفضل، وهذا مذهب الشعبي والحكم وإسحاق. وفي (هداية الحنفية): الأخبار فيه مستفيضة حتى إن من لم يره كان مبتدعاً، لكن من رآه ثم لم يمسح أخذ بالعزيمة، وكان مأجوراً. وحكى القرطبي مثل هذا عن مالك أنه قال عند موته: وعن مالك فيه أقوال. أحدهما: أنه لا يجوز المسح أصلا. الثاني: أنه يجوز ويكره. الثالث، وهو الأشهر: يجوز أبداً بغير توقيت. الرابع: أنه يجوز بتوقيت. الخامس: يجوز للمسافر دون الحاضر. السادس: عكسه. ٠. ٣٠. ١٤٥ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٨) وقال إسحاق والحكم وحماد: المسح أفضل من غسل الرجلين، وهو قول الشافعي، وإحدى الروايتين عن أحمد. وقال ابن المنذر: هما سواء، وهو رواية عن أحمد. وقال أصحاب الشافعي: الغسل أفضل من المسح بشرط أن لا يترك المسح رغبة عن السنة، ولا يشك في جوازه وقال ابن عبد البر: لا أعلم أحداً من الفقهاء روي عنه إنكار المسح إلاَّ مالكاً، والروايات الصحاح عنه بخلاف ذلك. قلت: فيه نظر لما في (مصنف) ابن أبي شيبة من أن مجاهداً وسعيد بن جبير وعكرمة كرهوه، وكذا حكى أبو الحسن النسابة عن محمد بن علي بن الحسين وأبي إسحاق السبيعي وقيس بن الربيع، وحكاه القاضي أبو الطيب عن أبي بكر بن أبي داود والخوارج والروافض. وقال الميموني عن أحمد: فيه سبعة وثلاثون صحابياً، وفي رواية الحسن بن محمد عنه أربعون، وكذا قاله البزار في (مسنده) وقال ابن حاتم: أحد وأربعون صحابياً. وفي (الأشراف) عن الحسن: حدثني به سبعون صحابياً. وقال أبو عمر بن عبد البر: مسح على الخفين سائر أهل بدر والحديبية وغيرهم من المهاجرين والأنصار وسائر الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين، وقد أشرنا إلى رواية ست وخمسين من الصحابة في المسح في شرحنا (لمعاني الآثار) للطحاوي، فمن أراد الوقوف عليه فليرجع إليه. ٠٫٥٠ الثاني: فيه تعظيم لسعد بن أبي وقاص، رضي الله تعالى عنه. الثالث: فيه أن الصحابي القديم الصحبة قد يخفى عليه من الأمور الجليلة في الشرع ما يطلع عليه غيره، لأن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، أنكر المسح على الخفين مع قدم صحبته وكثرة روايته. الرابع: فيه أن خبر الواحد إذا محف بالقرائن يفيد اليقين، وقد تكاثرت الروايات بالطرق المتعددة من الصحابة الذين كانوا لا يفارقون النبي عَّ لم في الحضر ولا في السفر، فجرى ذلك مجرى التواتر. وحديث المغيرة كان في غزوة تبوك، فسقط به من يقول آية الوضوء مدنية، والمسح منسوخ بها، لأنه متقدم، إذ غزوة تبوك آخر غزوة كائنة لرسول الله نزلت قبلها، ومما يدل على أن المسح غير منسوخ حديث جرير، رضي الله تعالى عنه، أنه رأى النبي عَّهِ مسح على الخفين، وهو أسلم بعد المائدة، وكان القوم يعجبهم ذلك. وأيضاً فإن حديث المغيرة في المسح كان في السفر فيعجبهم استعمال جرير له في الحضر. وقال النووي: لما كان إسلام جرير متأخراً علمنا أن حديثه يعمل به، وهو مبين أن المراد بآية المائدة غير صاحب الخف، فتكون السنة مخصصة للآية. i الخامس: فيه دليل على أنهم كانوا يرون نسخ السنة بالقرآن، قاله الخطابي. وقالَ مُوسَى بِنُ عُقْبَةَ: أخْبَرَنِي أبو النَّضْرِ أنّ أبا سَلَمَةَ اخْبَرَةُ i موسى بن عقبة، بضم العين وسكون القاف: التابعي، صاحب المغازي، مات سنة عمدة القاري / ج٣ / ١٠٣ i أنَّ سَغداً حَدَّثَهُ فقال عُمَرُ لِعَبْدِ اللهِ نَخْوَهُ. i ٠٠, ١٤٦ . جوج ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٨) إحدى وأربعين ومائة. وفيه ثلاثة من التابعين وهم: موسى، وأبو النضر سالم، وأبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، وهم على الولاء مدنيون. وهذا تعليق وصله الإسماعيلي والنسائي وغيرهما، فالإسماعيلي عن أبي يعلى: حدّثنا إبراهيم بن الحجاج حدّثنا وهيب عن موسى بن عقبة عن عروة ابن الزبير أن سعداً وابن عمر اختلفا في المسح على الخفين، فلما اجتمعا عند عمر قال سعد لابن عمر: سل أباك عما أنكرت علي! فسأله، فقال عمر: نعم، وإن ذهبت إلى الغائط. قال موسى: وأخبرني سالم أبو النضر عن أبي سلمة بنحو من هذا عن سعد وابن عمر وعمر، وقال عمر لابنه، كأنه يلومه: إذا حدث سعد عن النبي، عليه الصلاة والسلام، فلا تبغ وراء حديثه شيئاً. والنسائي عن سليمان بن داود. والحارث بن مسكين عن ابن وهب، وعن قتيبة عن إسماعيل بن جعفر عن موسى. ورواه أبو نعيم من حديث وهيب بن خالد عن موسى، وقال الإسماعيلي: ورواية عروة وأبي سلمة عن سعد وابن عمر في حياة عمر مرسلة. وقال الترمذي عن البخاري: حديث أبي سلمة عن ابن عمر في المسح صحيح، قال: وسألت البخاري عن حديث ابن عمر في المسح مرفوعاً فلم يعرفه. وقال الميموني: سألت أحمد عنه فقال: ليس بصحيح، ابن عمر ينكر على سعد المسح. قلت: إنما أنكر عليه مسحه في الحضر، كما هو مبين في بعض الروايات، وأما السفر فقد كان ابن عمر يعلمه. ورواه عن النبي عَ لَّه فيما رواه ابن أبي خيثمة في (تاريخه الكبير)، وابن أبي شيبة في (مصنفه) من رواية عاصم عن سالم عنه: ((رأيت النبي عَ ل يمسح على الخفين بالماء في السفر)). واعلم أن خبر: إن، في قوله: ((إن سعداً) محذوف، تقديره: إن سعداً حدث أبا سلمة أن رسول الله عَ ب مسح على الخفين. وقوله: ((فقال)»: الفاء، عطف على ذلك المقدر. قوله: (نحوه) منصوب بأنه مقول القول، أي: نحو إذا حدثك سعد عن النبي عَ لَّمِ فلا تسأل عنه غيره. ٦٦ /٢٠٣ - حدثنا عَمْرُو بنُ خالِدِ الحَرَّانِيُّ قالَ حدّثنا اللَّيْثُ عَنْ يَحْتِى بنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعْدٍ بِنِ إِبراهِيمَ عَنْ نافِعِ بنِ مُجُبَيْرٍ عَنْ عُرْوَةَ بنِ المُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْه عَنْ رَسولِ اللَّهِ عَ لَه ◌َنَّهُ خَرَجَ لِحَاجَتِهِ فَاتَّبَعَهُ المُغيرةُ بِدَاوَةٍ فِيها ماءٌ فَصَبَّ عَلَيْهِ حِينَ فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ. [انظر الحديث: ١٨٢ وأطرافه]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة. بيان رجاله: وهم سبعة: الأول: عمرو، بالواو: ابن خالد بن فروخ، بالفاء المفتوحة وضم الراء المشددة وفي آخره خاء معجمة: أبو الحسن الحراني، ونسبته إلى حران، بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء وبعد الألف نون. قال الكرماني: موضع بالجزيرة بين العراق والشام. قلت: ليس كما قاله، بل هي مدينة قديمة بين دجلة والفرات كانت تعدل ديار مصر، واليوم خراب. وقيل: هي مولد إبراهيم الخليل، عليه الصلاة والسلام، ويوسف وإخوته، عليهم الصلاة والسلام. وقال ابن الكلبي: لما خرج نوح، عليه الصلاة والسلام، من السفينة .. 00 ١٣ ١٤٧ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٨) بناها. وقيل: إنما بناها ران، خال يعقوب، عليه الصلاة والسلام، فأبدلت العرب الهاء حاء فقالوا: احران. الثاني: الليث بن سعد المصري. الثالث: يحيى بن سعيد الأنصاري. تقدما في كتاب الوحي. الرابع: سعد، بكسون العين؛ ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. الخامس: نافع بن جبير بن مطعم. السادس: عروة بن المغيرة بن شعبة. السابع: أبو المغيرة بن شعبة. بيان لطائف إسناده الاول: أن فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة الكثيرة. والثاني: أن رواته ما بين حراني ومصري ومدني. والثالث: فيه أربعة من التابعين على الولاء، وهم: يحيى وسعد ونافع وعروة. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري في مواضع في الطهارة عن عمرو بن علي عن عبد الوهاب الثقفي، وعن عمرو ابن خالد عن الليث، كلاهما عن يحيى ابن سعد، وفي المغازي عن يحيى بن بكير عن الليث عن عبد العزيز بن أبي سلمة، كلاهما عن سعد بن إبراهيم عن نافع بن جبير بن مطعم عنه به، وفي الطهارة أيضا، وفي اللباس عن أبي نعيم عن زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي عنه به، وأخرجه مسلم في الطهارة عن قتيبة، وفي الصلاة عن محمد بن رافع، وزاد في قصة الصلاة خلف عبد الرحمن بن عوف. وأخرجه أبو داود في الطهارة عن أحمد بن صالح، ولم يذكر قصة الصلاة، وعن مسدد عن عيسى بن يونس. وأخرجه النسائي فيه عن سليمان بن داود والحارث بن مسكين وعن قتيبة مختصراً وعن عبد الله بن سعد ابن إبراهيم. وأخرجه ابن ماجة فيه عن محمد بن رمح. بيان المعاني قوله: ((إنه خرج لحاجته)) وفي الباب الذي بعد هذا إنه كان في غزوة تبوك على تردد في ذلك من بعض رواته ولمالك وأحمد وأبي داود من طريق عبادة بن زيد عن عروة بن المغيرة إنه كان في غزوة تبوك بلا تردد وإن ذلك كان عند صلاة الفجر. قوله: ((فاتَّبعه المغيرة)). من الاتباع؛ بتشديد التاء: من باب الافتعال، ويروى: فاتبعه، من الاتباع بالتخفيف من باب الإفعال. وفي رواية للبخاري من طريق مسروق عن المغيرة في الجهاد وغيره: أن النبي، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وهو الذي أمره أن يتبعه بالإداوة. وزاد: ((حتى توارى عني فقضى حاجته، ثم أقبل فتوضأ). وعند أحمد من طريق أخرى عن المغيرة أن الماء الذي توضأ به أخذه المغيرة من أعرابية صبته له من قربة كانت جلد ميتة، وأن النبي عَ لّه قال: سلها إن كانت دبغتها فهو طهور ماؤها. قالت: إني والله دبغتها. قوله: ((بإدارة)) بكسر الهمزة، أي بمطهرة. قوله: ((فتوضأ))، وفي رواية البخاري في الجهاد زيادة وهي: ((وعليه جبة شامية)). وفي رواية أبي داود: ((من صوف من جبات الروم)). وللبخاري في روايته التي مضت في باب الرجل يوضىء صاحبه: ((فغسل وجهه ويديه))، وذهل الكرماني عن هذه الرواية فقال: فإن قلت المفهوم من قوله: (فتوضأ ومسح)) أنه غسل رجليه ومسح خفيه، لأن التوضؤ لا يطلق إلاَّ على غسل تمام أعضاء الوضوء، ثم قال: قلت: المراد به ههنا غسل غير الرجلين بقرينة عطف مسح الخفين عليه للإجماع على عدم وجوب الجمع بين الغسل والمسح، أقول: وفي رواية للبخاري في الجهاد: ((إنه تمضمض واستنشق وغسل وجهه)). زاد أحمد في ٠٠٠ اهدةـ ١٤٨ :١٣ 1 ** ٠٣٠ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٨) (مسنده) ((ثلاث مرات، فذهب يخرج يديه من كميه فكانا ضيقين، فأخرجهما من تحت الجبة)). ولمسلم من وجه آخر: ((وألقى الجبة على منكبيه)). ولأحمد: ((فغسل يده اليمنى ثلاث مرات، ويده اليسرى ثلاث مرات)). وللبخاري، في رواية أخرى: ((ومسح برأسه)). وفي رواية لمسلم: ((ومسح بناصيته على العمامة وعلى الخفين))، ولو تأمل الكرماني هذه الروايات لما التجأ إلى هذا السؤال والجواب. بيان استنباط الأحكام الأول: فيه مشروعية المسح على الخفين. الثاني: فيه جواز الاستعانة، كما مر في بابه. الثالث: فيه الانتفاع بجلود الميتات إذا كانت مدبوغة. الرابع: فيه الانتفاع بثياب الكفار حتى يتحقق نجاستها لأنه، عليه الصلاة والسلام، لبس الجبة الرومية، واستدل به القرطبي على أن الصوف لا يتنجس بالموت، لأن الجبة كانت شامية، وكان الشام إذ ذاك دار كفر، ومأكول أهلها الميتات. الخامس: فيه الرد على من زعم أن المسح على الخفين منسوخ بآية الوضوء التي في المائدة لأنها نزلت في غزوة المريسيع، وكانت هذه القصة في غزوة تبوك وهى بعدها بلا خلاف. السادس: فيه التشمير فى السفر ولبس الثياب الضيقة فيه لكونها أعون على ذلك. السابع: فيه قبول خبر الواحد في الأحكام ولو كانت امرأة، سواء كان ذلك فيما تعم به البلوى أم لا، لأنه عليه الصلاة والسلام، قبل خبر الأعرابية. الثامن: فيه استحباب التواري عن أعين الناس عند قضاء الحاجة والإبعاد عنهم. التاسع: فيه جواز خدمة السادات بغير إذنهم. العاشر: فيه استحباب الدوام على الطهارة، لأنه مَّةٍ، أمر المغيرة أن يتبعه بالماء لأجل الوضوء. الحادي عشر: فيه أن الاقتصار على غسل معظم المفروض غسله لا يجوز لإخراجه عَّ ه يديه من تحت الجبة، ولم يكتف بما بقي. ٦٧/ ٢٠٤ - حدثنا أَبُو نُعَيْم قالَ حِدّثنا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيِىَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جِعْفَرِ بنِ عَمرو بنِ أَمَّةَ الضَّمْرِيِّ أنّ أباهُ أَخْبَرَةً أَنَّهُ رَأَى النَّبِيِّ عَلِ يَمْسَحُ عَلَى الخفَّيْنِ. [الحديث ٢٠٤ - طرفه في: ٢٠٥]. مطابقته للترجمة ظاهرة. بيان رجاله وهم ستة: الأول: أبو نعيم هو الفضل بن دكين. الثاني: شيبان بن عبد الرحمن النحوي. الثالث: يحيى بن أبي كثير التابعي. الرابع: أبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، تقدموا في باب كتابة العلم. الخامس: جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، بالضاد المعجمة المفتوحة: أخو عبد الملك بن مروان من الرضاعة، من كبار التابعين، مات سنة خمس وتسعين. السادس: عمرو بن أمية، شهد بدراً وأحداً مع المشركين، وأسلم حين انصرف المشركون عن أحد، وكان من رجال العرب نجدة وجراءة، روي له عن رسول الله ـُّ عشرون حديثاً، للبخاري منها حديثان، مات بالمدينة سنة ستين. بيان لطائف إسناده منها: أن فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة والإخبار. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين وهم: يحيى وأبو سلمة وجعفر. ومنها: أن رواته ما بين كوفي وبصري ومدني. ١٤٩ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٨) بيان من أخرجه غيره أخرجه النسائي في الطهارة عن عباس العنبري عن عبد الرحمن ابن مهدي عن حرب بن شداد. وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن محمد ابن مصعب عن الأوزاعي. بيان الحكم: وهو مشروعية المسح على الخفين. وتابَعَهُ حَرْبُ بنُ شَدَارٍ وأبَانُ عَنْ يَحْيِىّ أي: تابع شيبان بن عبد الرحمن المذكور حرب بن شداد. فقوله: ((حرب)) مرفوع لأنه فاعل: تابعه، والضمير المنصوب فيه يرجع إلى شيبان، وقد وصله النسائي عن عباس العنبري عن عبد الرحمن عن حرب عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة. قوله: ((وأبان)) عطف على حرب، وهو أبان بن يزيد العطار، وحديثه وصله الطبراني في (معجمه الكبير) عن محمد بن يحيى بن المنذر القزاز، حدّثنا موسى بن إسماعيل حدّثنا أبان بن يزيد عن يحيى فذكره. ثم إعلم أن أبان، عند من صرفه، الألف فيه أصلية، ووزنه: فعال، ومن منعه عكسه. فقال: الهمزة زائدة والألف بدل من الياء، لأن أصله بين. ٦٨ /٢٠٥ - حدّثنا عَبْدَانُ قالَ أخبرنا عَبْدُ اللَّهُ قال أخبرنا الأَوْزاعِيُّ عَنْ يَخْنىَ عَن أبي سَلَمَةَ عَنْ جَعْفَرِ بنِ عَمْرو ◌ْنْ أَبِيهِ قال رَأْيْتُ النَّبِيَّ عَّهِ يَمْسَحُ عَلى عِمَامَتِهِ وخُفَّيْهِ. [انظر الحديث: ٢٠٤]. مطابقته للترجمة ظاهرة. --- بيان رجاله: وهم سبعة: الأول: عبدان، بفتح المهملة وسكون الباء الموحدة: لقب عبد الله بن عثمان العتكي الحافظ. الثاني: عبد الله بن المبارك المروزي، شيخ الإسلام، تقدما في كتاب الوحي. الثالث: الأوزاعي، وهو عبد الرحمن، تقدم في كتب العلم في باب الخروج في طلب العلم. الرابع: يحيى بن أبي كثير. الخامس: أبو سلمة بن عبد الرحمن ابن عوف. السادس: جعفر بن عمرو. السابع: أبوه عمرو بن أمية. ٠٠٠ i i i بيان لطائف إسناده منها: أن فيه التحديث بصيغة الجمع والإخبار بصيغة الجمع والعنعنة. ومنها: أن رواته ما بين مروزي وشامي ومدني. بيان المعنى قوله: ((على عمامته وخفيه))، وهكذا رواه الأوزاعي وهو مشهور عنه، وأسقط بعض الرواة عنه جعفراً من الإسناد هو خطأ، قاله أبو حاتم الرازي، وقال الأصيلي: ذكر العمامة في هذا الحديث من خطأ الأوزاعي، لأن شيبان رواه عن يحيى ولم يذكرها، وتابعه حرب وأبان، والثلاثة خالفوا الأوزاعي، لأن شيبان رواه عن يحيى، فوجب تغليب الجماعة على الواحد. أقول: على تقدير تفرد الأوزاعي بذكر العمامة لا يستلزم ذلك تخطئته، لأنه زيادة من ثقة غير منافية لرواية غيره فتقبل. بيان الحكم وهو شيئان: أحدهما: المسح على العمامة. والآخر: على الخفين. أما !) i ة ١٥٠ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٨) الأول: فاختلف العلماء فيه، فذهب الإمام أحمد إلى جواز الاقتصار على العمامة بشرط الاعتمام بعد كمال الطهارة، كما في المسح على الخفين، واحتج المانعون بقوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ [المائدة: ٦] ومن مسح على العمامة لم يمسح على رأسه، وأجمعوا على أنه لا يجوز مسح الوجه في التيمم على حائل دونه، فكذلك الرأس. وقال الخطابي: فرض الله مسح الرأس، والحديث في مسح العمامة محتمل للتأويل، فلا يترك المتيقن للمحتمل. قال ابن المنذر: وممن مسح على العمامة: أبو بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، وبه قال عمر وأنس وأبو أمامة، وروي عن سعد بن مالك وأبي الدرداء. وبه قال عمر بن عبد العزيز والحسن وقتادة ومكحول والأوزاعي وأبو ثور. وقال عروة والنخعي والشعبي والقاسم ومالك والشافعي وأصحاب الرأي: لا يجوز المسح عليها؛ وفي (المغنى): ومن شرائط جواز المسح على العمامة شيان: أحدهما: أن تكون تحت الحنك، سواء أرخى لها ذابة أم لا، قاله القاضي، ولا فرق بين الصغيرة والكبيرة إذا وقع عليها الاسم. وقيل: إنما لم يجز المسح على العمامة التي ليس لها حنك، لأن النبي عَ لّم أمر بالتلحي ونهى عن الاقتعاط. قال أبو عبيد: الاقتعاط: أن لا يكون تحت الحنك منها شيء. وروي أن عمر، رضي الله تعالى عنه، رأى رجلاً ليس تحت حنكه من عمامته شيء، فحنكه بكور منها، وقال: ما هذه الفاسقية؟ الشرط الثاني: أن تكون ساترة لجميع الرأس إلاَّ ما جرت العادة بكشفه، كمقدم الرأس والأذنين، ويستحب أن يمسح على ما ظهر من الرأس مع المسح على العمامة، نص عليه أحمد، ولا يجوز المسح على القلنسوة. وقال ابن المنذر: لا نعلم أحداً قال بالمسح على القلنسوة إلاّ أنساً مسح على قلنسوته. وفي جواز المسح للمرأة على الخمار روايتان: إحداهما: يجوز، والثانية: لا يجوز. قال نافع وحماد بن أبي سليمان والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز، ولا يجوز المسح على الوقاية قولاً واحداً، ولا نعلم فيه خلافاً لأنه لا يشق نزعها. وأما الحكم الثاني: للحديث فقد مر الكلام فيه مستوفى. وتابَعَهُ مَعْمَرٌ عَنْ يَحْيِىَ عَنْ أبي سَلَمَةٍ عَنْ عَمْرٍوٍ وقال رَأَيْتُ النَّبِيِّعَ لَّهِ يَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وخُفَّيْهِ. أي: تابع الأوزاعي معمر بن راشد. فقوله: ((معمر)) بالرفع فاعل لقوله: ((تابعه))، والضمير المنصوب فيه للأوزاعي، وهذه المتابعة مرسلة وليس فيها ذكر العمامة، لما روى عنه عبد الرزاق عن معمر عن يحيى عن أبي سلمة عن عمر، وقال: ((رأيت النبي عَ لِّ يمسح على خفيه))، هكذا وقع في مصنف عبد الرزاق، ولم يذكر العمامة. وأبو سلمة لم يسمع من عمرو، وإنما سمع من أبيه جعفر، فلا حجة فيها. قاله الكرماني، قلت: وقع في كتاب الطهارة لابن منذر من طريق معمر: وفيه إثبات ذكر العمامة، وقال بعضهم: سماع أبي سلمة من عمرو ممكن، فإنه مات بالمدينة سنة ستين، وأبو سلمة مدني، وقد سمع من خلق ماتوا قبل عمرو. قلت قلت: كونه مدنياً وسماعه من خلق ماتوا قبله لا يستلزم سماعه من عمرو، ١٥١ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٩) وبالاحتمال لا يثبت ذلك. ٤٩ - بابٌ إذا أدْخَلَ رِجْلَيْهِ وهُمَا طَاهِرَتانِ قوله: ((باب)) إذا قطع عما بعده لا يكون معرباً، لأن الإعراب لا يكون إلاَّ في جزء المركب، وإذا أضيف إلى ما بعده بتأويل: باب في بيان إدخال الرجل رجليه في خفيه وهما طاهرتان، أي: والحال أن رجليه طاهرتان، عن الحدث بأن يكون الباب معرباً على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا باب في بيان إدخال الرجل ... إلى آخره. والمناسبة بين البابين ظاهرة، لأن كلاًّ منهما في حكم المسح على الخفين. ٢٠٦/٦٩ - حدّثنا أبُو نُعَيْمِ قالَ حدّثنا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عامِرٍ عَنْ عُرْوَةَ بن المُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ قال كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ عَّهِ فِي سَفَرٍ فَأَهْوَيْتُ لاَنْزِعَ خُفَّيْهِ فقالَ: ((دَعْهُمَا فَانِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنٍ)) فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا. [انظر الحديث: ١٨٢ وأطرافه]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة. بيان رجاله وهم خمسة: الأول: أبو نعيم الفضل بن دكين. الثاني: ذكريا بن أبي زائدة الكوفي. الثالث: عامر بن شراحيل الشعبي التابعي، قال: أدركت خمسمائة صحابي أو أكثر يقولون: علي وطلحة والزبير في الجنة، تقدم هو وزكريا في باب فضل من استبرأ لدينه. الرابع: عروة بن المغيرة. الخامس: المغيرة بن شعبة، رضي الله تعالى عنه. i. بيان لطائف إسناده منها: أن فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة. ومنها: أن رواته كلهم كوفيون. ومنها: أن فيه رواية التابعي. بیان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره قد مر عن قريب. بيان اللغات والإعراب قوله: ((في سفر)): هو سفرة غزوة تبوك كما ورد مبيناً في رواية أخرى في (الصحيح) وكانت في رجب سنة تسع. قوله: ((فأهويت)) أي: مددت يدي، ويقال: أي أشرت إليه. قال الجوهري: يقال أهوى إليه بيديه ليأخذه. قال الأصمعي: أهويت الشيء إذا أومأت به. وقال التيمي: أهويت أي: قصدت الهوى من القيام إلى القعود. وقيل: الإهواء: الإمالة. قوله: ((لأنزع))، بكسر الزاي من باب: ضرب يضرب، فإن قلت: فيه حرف الحلق، وما فيه حرف من حروف الحلق، يكون من باب: فعل يفعل بالفتح، فيهما. قلت: ليس الأمر كذلك، وإنما إذا وجد فعل يفعل بالفتح فيهما، فالشرط فيه أن يكون فيه حرف من حروف الحلق، وأما إذا كانت كلمة فيها حرف حلق لا يلزم أن تكون من باب فعل يفعل بالفتح فيهما. قوله: ((خفيه)) أي: خفي رسول الله عَّله. قوله: ((دعهما)) أي: دع الخفين. فقوله: ((دع)) أمر معناه: أترك، وهو من الأفعال التي أماتوا ماضيها. قوله: ((فإني أدخلتهما)) أي: الرجلين. قوله: ((طاهرتين)) أي من الحدث، وهو منصوب على الحال، وهذا رواية الأكثرين. وفي رواية الكشميهني: ((وهما طاهرتان))، وهي جملة أسمية حالية. وفي رواية أبي i i i i ١٢ ١٥٢ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٩) داود: ((فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان)). وللحميدي في (مسنده): ((قلت يا رسول الله: أيمسح أحدنا على خفيه؟ قال: نعم، إذا أدخلهما وهما طاهرتان)). ولابن خزيمة من حديث صفوان بن غسان: ((أمرنا رسول الله عَّ له أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر ثلاثاً إذا سافرنا، ويوماً وليلة إذا أقمنا)). قوله: ((فمسح عليهما)) أي: على الخفين، وفيه إضمار تقديره: فأحدث فمسح عليهما، لأن وقت جواز المسح بعد الحدث. والوضوء، ولا يجوز قبله، لأنه على طهارة. بيان استنباط الأحكام الأول: فيه جواز المسح على الخفين وبيان مشروعيته. الثاني: احتجت به الشافعية على أن شرط جواز المسح لبسهما على طهارة كاملة قبل لبس الخف، لأن الحديث جعل الطهارة قبل ليس الخف شرطاً لجواز المسح، والمعلق بشرط لا يصح إلاَّ بوجود ذلك الشرط. وقال بعضهم: قال صاحب (الهداية) من الحنفية: شرط إباحة المسح لبسهما على طهارة كاملة. قال والمراد بالكاملة وقت الحدث لا وقت اللبس. انتهى. فقال: والحديث حجة علي، وذكرنا ما ذكرناه الآن عن الشافعية. قلت: نقول أولاً ما قاله صاحب (الهداية)، ثم نرد على هذا القائل ما قاله. أما عبارة صاحب الهداية فهي قوله: إذا لبسهما على طهارة كاملة، لا يفيد اشتراط الكمال وقت اللبس، بل وقت الحدث، وهو المذهب عندنا حتى لو غسل رجليه ولبس خفيه ثم أكمل الطهارة ثم أحدث يجزيه المسح، وهذا لأن الخف مانع حلول الحدث بالقدم، فيراعى كمال الطهارة وقت المنع وهو وقت الحدث، حتى لو كانت ناقصة عند ذلك كان الخف رافعا. وأما بيان الرد على هذا القائل: بأن الحديث المذكور ليس بحجة على صاحب (الهداية)، فهو إنا نقول أولاً: إن اشتراط اللبس على طهارة كاملة لا خلاف فيه لأحد، وإنما الخلاف في أنه يشترط الكمال عند اللبس أو عند الحدث؟ فعندنا عند الحدث، وعند الشافعي عند اللبس. وتظهر ثمرته فيما إذا غسل رجليه أولاً ولبس خفيه، ثم أتم الوضوء قبل أن يحدث، ثم أحدث جاز له المسح عندنا، خلافاً له. وكذا لو توضأ فرتب. لكن غسل إحدى رجليه ولبس الخف، ثم غسل الأخرى وليس الخف الآخر يجوز عندنا خلافاً له، ثم قوله: المعلق بشرط لا يصح إلاّ بوجود ذلك الشرط، سلمناه، ولكن لا نسلم أنه عَّ ه شرط كمال الطهارة وقت اللبس، لأنه لا يفهم من نص الحديث غاية ما في الباب أنه أخبر أنه لبسهما وقدماه كانتا طاهرتين، فأخذنا من هذا اشتراط الطهارة لأجل جواز المسح، سواء كانت الطهارة حاصلة وقت اللبس أو وقت الحدث، وتقييده بوقت اللبس أمر زائد لا يفهم من العبارة. فإذا تقرر هذا على هذا لم يكن الحديث حجة على صاحب (الهداية)، بل هو حجة له، حيث اشترط الطهارة لأجل جواز المسح، وحجة عليه حيث يأخذ منه ما ليس يدل على مدعاه. وقال الطحاوي: معنى قوله عَّ الله: أدخلتهما طاهرتين، يجوز أن يقال: غسلتهما، وإن لم يكمل الطهارة صلى ركعتين قبل أن يتم صلاته، ويحتمل أن يريد: طاهرتان من جنابة أو خبث. ولو قلت: دخلنا البلد ونحن ر کبان، يشترط أن یکون كل واحد راكباً عند دخوله، !- ١ ١٥٣ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٥٠) ولا يشترط اقترانهم في الدخول، فتكون كل واحدة من رجليه عند إدخالها الخف طاهرة إذا لم يدخلهما الخفين معاً، وهما طاهرتان، لأن إدخالهما معاً غير متصور عادة، وإن أراد إدخال كل واحدة الخف وهي طاهرة بعد الأخرى فقد وجد المدعي، ومع هذا فإن هذه المسألة مبنية على أن الترتيب شرط عند الشافعي وليس بشرط عندنا، وقال: هذا القائل أيضا: ولابن خزيمة، من حديث صفوان بن عسال: ((أمرنا رسول الله عَّلهم أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر ثلاثاً إذا سافرنا، ويوما وليلة إذا أقمنا)). قال ابن خزيمة: ذكرته للمزني فقال لي: حدث به أصحابنا، فإنه أقوى حجة للشافعي. قلت: فإن كان مراده من قوله: فإنه من أقوى حجة، كونَ مدة المسح للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم يوماً وليلة، فمسلم. ونحن نقول به، وإن كان مراده اشتراط الطهارة وقت اللبس فلا نسلم ذلك، لأنه لا يفهم ذلك من نص الحديث على ما ذكرناه الآن. وقال أيضاً: وحديث صفوان، وإن كان صحيحاً، لكنه ليس على شرط البخاري، لكن حديث الباب موافق له في الدلالة على اشتراط الطهارة عند اللبس. ٠٥٠ قلت: بعد أن صح حديث صفوان عند جماعة من المحدثين لا يلزم أن يكون على شرط البخاري. وقوله: موافق له في الدلالة ... إلى آخره، غير مسلم في كون الطهارة عند اللبس. نعم، موافق له في مطلق اشتراط الطهارة لا غير، فإن ادعى هذا القائل أنه يدل على كونها عند اللبس، فعليه البيان بأي نوع من أنواع الدلالة. الثالث: من الأحكام، فيه: خدمة العالم، وللخادم أن يقصد إلى ما يعرف من خدمته دون أن يأمر بها. الرابع: فيه إمكان الفهم عن الإشارة ورد الجواب بالعلم على ما يفهم من الإشارة، لأن المغيرة أهوى لينزع الخفين، ففهم عنه عَّله ما أراد، فأجاب بأنه يجزيه المسح. الخامس: فيه: أن من لبس خفيه على غير طهارة أنه لا يمسح عليهما بلا خلاف. ٥٠ - بابُ مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ مِنْ لَخْمِ الشّاةِ وَالسَّوِيقِ أي: هذا باب في حكم من لم يتوضأ من أكل لحم الشاة، قيد بلحم الشاة ليندرج ما هو مثلها وما هو دونها في حكمها. قوله: ((والسويق)) بالسين والصاد، لغة فيه لمكان المضارعة، والجمع: أسوقة. وسمي بذلك لانسياقه في الحلق، والقطعة من السويق سويقة، وعن أبي حنيفة: الجذيذة السويق، لأن الحنطة جذت له. يقال: جذذت الحنطة للسويق. وقال أبو حاتم: إذا أرادوا أن يعملوا الفريصة، وهي ضرب من السويق، ضربوا من الزرع ما يريدون حين يستفرك، ثم يسهمونه، وتسهيمه أن يسخن على المقلى حتى بيبس، وإن شاؤوا جعلوا معه على المقلى الفودنج، وهو أطيب الأطعمة. وعاب رجل السويق بحضرة أعرابي فقال: لا تعبه، فإنه عدة المسافر، وطعام العجلان، وغذاء المبتكر، وبلغة المريض، وهو يسر فؤاد الحزين، ويرد من نفس المحرور، وجيد في التسمين، ومنعوت في الطب، وفقاره لحلق البلغم، وملتوته يصفي الدم؛ وإن شئت كان شراباً، وإن شئت كان طعاماً، وإن شئت ثريداً ٠٫٥٠ ١ i ، جوة i ٤١ ١٣٠٠ ١٥٤ ٤ - كتاب الوضوءا باب (٥٠) وإن شئت خبيصاً. وثريت السويق: صببت عليه ماء ثم لتيته، وفي (مجمع الغرائب): ثرى يثري ثرية: إذا بل التراب، وإنما بل السويق لما كان لحقه من الييس والقدم، وهو شيء يتخذ من الشعير أو القمح، يدق فيكون شبه الدقيق إذا احتيج إلى أكله خلط بماء، أو لبن أو رب أو نحوه. وقال قوم: الكعك. قال السفاقسي: قال بعضهم: كان ملتوتاً بسمن. وقال الداودي: هو دقيق الشعير والسلت المقلو، ويرد قول من قال: إن السويق هو الكعك قول الشاعر: يا حبذا الكعك بلحم مثرود وخشكنان مع سويق مقنود وقال ابن التين ليس في حديثي الباب ذكر السويق، وقال بعضهم: أجيب بأنه دخل من باب أولى، لأنه إذا لم يتوضأ من اللحم مع دسومته، فعدمه من السويق أولى، ولعله أشار بذلك إلى الحديث في الباب الذي بعد. قلت: وإن سلمنا ما قاله، فتخصيص السويق بالذكر لماذا؟ وقوله: ولعله ... إلى آخره، أبعد من الجواب الأول، لأنه عقد على السويق باباً، فلا يذكر إلاَّ في بابه، وذكره إياه ههنا لا طائل تحته. لأنه لا يفيد شيئا زائداً. وجه المناسبة بين البابين ظاهر، لأن أكثر هذه الأبواب في أحكام الوضوء. ... وأكَلَ أَبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمَانُ رضي الله عنهم فَلَمْ يَتَوَضَُّوا ليس في رواية أبي ذر لحماً، وإنما روى: أكل أبو بكر وعمر وعثمان فلم يتوضأوا، ووجد ذلك في رواية الكشميهني، والأولى أعم، لأن فيها حذف المفعول، وهو يتناول أكل كل ما مسته النار لحما أو غيره، وكذا وصل هذا التعليق الطبراني في (مسند الشاميين) بإسناد حسن من طريق سليمان بن عامر، قال: «رأيت أبا بكر وعمر وعثمان أكلوا مما مست النار ولم يتوضأو)). وروى ابن أبي شيبة عن هيثم: أخبرنا علي بن زيد حدّثنا محمد بن المنكدر، قال: ((أكلت مع رسول الله عَ ليه ومع أبي بكر وعمر وعثمان خبزاً ولحماً فصلوا ولم يتوضأوا)) ورواه الترمذي عن ابن أبي عمر عن ابن عيينة حدّثنا ابن عقيل فذكره مطولاً، ورواه ابن حبان عن عبد الله بن محمد حدّثنا إسحاق بن إبراهيم حدّثنا أبو علقمة عبد الله بن محمد بن أبي فروة حدثني محمد بن المنكدر عنه، ورواه ابن خزيمة حدّثنا موسى بن سهل حدّثنا علي بن عباس حدّثنا شعيب بن أبي حمزة عن ابن المنكدر، وروى الطحاوي عن أبي بكرة، قال: حدّثنا أبو داود، قال: حدّثنا رباح بن أبي معروف عن عطاء عن جابر، قال: ((أكلنا مع أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، خبزاً ولحماً ثم صلى ولم يتوضأ). وأخرجه الطحاوي من عشر طرق، وروى أيضا عن جماعة من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، نحوه. قوله: ((فلم يتوضأوا)): غرضه منه بيان الإجماع السكوتي. ٧٠ / ٢٠٧ - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عَنْ زَيْدِ بنِ أُسْلَمَ عَنْ عَطَاءَ ابنِ يَسَارِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بِنِ عَبَّاسٍ أنّ رسولَ اللَّهِ عَ لَّهِ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صِلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ. [الحديث ٢٠٧ - طرفاه في: ٥٤٠٤، ٥٤٠٥]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة. :وب ١٥٥ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٥٠) بيان رجاله وهم خمسة: كلهم ذكروا. ومن لطائف إسناده: التحديث بصيغة الجمع، والإخبار بصيغة الجمع والعنعنة. بيان من أخرجه غيره أخرجه مسلم وأبو داود جميعاً في الطهارة عن القعنبي عن مالك. بيان المعنى قوله: ((أكل كتف شاة)) أي: أكل لحمه، وفي لفظ للبخاري في الأطعمة: ((تعرق))، أي أكل ما على العرق، بفتح العين المهملة وسكون الراء: وهو العظم. ويقال له: العراق بالضم أيضا. وفي لفظ: ((انتشل عرقاً من قدر)). وعند مسلم: ((أنه أكل عرقاً أو لحماً ثم صلى ولم يتوضأ ولم يمس ماء)). ورواه أبو إسحاق السراج في (مسنده) بزيادة: (ولم يمضمض)). وفي (مسند أحمد): ((انتهش من كتف)). وعند ابن ماجة: «ثم مسح يده بمسح كان تحته)). وفي (المصنف): ((أكل من عظم أو تعرق من ضلع)) وفي (سنن أبي داود): ((فرأيته، يسيل على لحيته أمشاج من دم دماً، ثم قام إلى الصلاة)) وفي ((مسند القاضي إسماعيل بن إسحاق): كان ذلك في بيت ضباعة بنت الحارث بن عبد المطلب، وهي بنت عم النبي هوة بيان الحكم وهو: أكل ما مسته النار لا يوجب الوضوء، وهو قول الثوري والأوزاعي وأبي حنيفة ومالك وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأهل الشام وأهل الكوفة والحسن بن الحسن والليث بن سعد وأبو عبيد وداود بن علي وابن جرير الطبري، إلاّ أن أحمد يرى الوضوء من لحم الجزور فقط. وقال ابن المنذر: وكان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وعامر ابن ربيعة وأبو أمامة وأبي بن كعب وأبو الدرداء لا يرون الوضوء مما مست النار. وقال الحسن البصري والزهري وأبو قلابة وأبو مجلز وعمر بن عبد العزيز: يجب الوضوء مما غيرت النار، وهو قول زيد بن ثابت وأبي طلحة وأبي موسى وأبي هريرة وأنس وعائشة أم المؤمنين وأم حبيبة أم المؤمنين وأبي أيوب. واحتجوا بأحاديث كثيرة. منها: حديث أبي طلحة صاحب رسول الله عَ لِ: ((عن رسول الله عَّ الله أنه أكل ثور أقط فتوضأ منه، قال عمرو: الثور القطعة)) رواه الطحاوي بإسناد صحيح والطبراني في (الكبير). ومنها: حديث زيد بن ثابت، رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله عَ الله، قال: ((توضأوا مما غيرت النار))، رواه الطحاوي والنسائي والطبراني في (الكبير). ومنها: حديث أم حبيبة قالت: ((إن رسول الله عَ لَ﴾ قال: توضأوا مما مست النار))، رواه الطحاوي بإسناد صحيح، وأحمد في مسنده وأبو داود والسنائي. ومنها حديث أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله عَ له: (توضأوا مما غيرت النار ولو من ثور أقط))، رواه الطحاوي بإسناد صحيح، وأخرجه الطبراني في (الكبير) وأحمد في (مسنده) وأخرجه الترمذي والسراج في (مسنده). ومنها: حديث سهل بن الحنفية قال: قال رسول الله عبد الـ ((من أكل لحماً فليتوضأ))، رواه الطحاوي بإسناد حسن. i ١ ١٣٢ ٧٣٧٤ ٠٠. ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٥٠) ٣٠! ١٥٦ واحتجت الجماعة الأولى بأحاديث: منها: حديث ابن عباس، وحديث عمرو بن أمية وغيرهما، وأحاديث هؤلاء منسوخة بما روي عن جابر، رضي الله تعالى عنه، قال: ((كان آخر الأمرين من رسول الله عَّه وهو ترك الوضوء مما مست النار)). أخرجه الطحاوي وأبو داود والنسائي وابن حبان في «صحيحه)) وقالوا: أيضاً: يجوز أن يكون المراد من الوضوء في الأحاديث الأول غسل اليد لا وضوء الصلاة. فإن قلت: روي توضأ، وروي لم يتوضأ. قلت: هو دائر بين الأمرين، فحديث جابر بين أن المراد الوضوء الذي هو غسل اليد. ٢٠٨/٧١ - حدثنا يَخِىَ بنُ بُكَيْرٍ قال حدّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابنِ شِهابٍ قالَ أُخْبرَنِي جَعْفَرُ بنُ عَمْرِو بِن أَمَيَّةَ أنّ أَبَاهُ أَخْبَرهُ أَنَّهُ رأى رسولَ الله عَلِ يَحْتَرُّ مِنْ كَتِفٍ شَاةٍ فَدُعِيَ إلى الصَّلاَةِ فَألْقَى السَّكِّينَ فَصَلَّى ولَمْ يَتَوضَّأُ. [الحديث ٢٠٨ - أطرافه في: ٦٧٥، ٢٩٢٣، ٥٤٠٨، ٥٤٢٢، ٥٤٦٢]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة. بيان رجاله: وهم ستة. الأول: يحيى بن بكير هو يحيى بن عبد الله بن بكير المصري. الثاني: الليث بن سعد المصري. الثالث: عقيل، بضم العين: بن خالد الأيلي المصري، سبقوا في كتاب الوحي. الرابع: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. الخامس: جعفر بن عمرو بن أمية. السادس: أبوه عمرو بن أمية. بيان لطائف إسناده منها: أن فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة والإخبار. ومنها: أن ثلاثة من رواته مصريون والثلاثة الباقية مدنيون. ومنها: أن فيهم إمامين كبيرين. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضاً في الصلاة عن عبد العزيز ابن عبد الله، وفي الجهاد كذلك، وفي الأطعمة عن أبي اليمان، وفيها عن محمد بن مقاتل أيضاً. وأخرجه مسلم في الطهارة عن محمد بن الصباح، وعن أحمد بن عيسى. وأخرجه الترمذي في الأطعمة عن محمود بن غيرن. وأخرجه النسائي في الوليمة عن أحمد بن محمد. وأخرجه ابن ماجة في الطهارة عن عبد الرحمن بن إبراهيم بن دحيم. بيان المعنى وغيره قوله: ((يحتز)) بالحاء المهملة وبالزاي أي: يقطع، يقال احتزه أي: قطعه. وزاد البخاري في الأطعمة من طريق معمر عن الزهري: ((يأكل منها))، وفي الصلاة من طريق صالح عن الزهري: ((يأكل ذراعا يحتز منها))، وفي أخرى: ((يحتز من كتف يأكل منها)). قوله: ((من كتف شاة)) قال ابن سيده: الكتف العظيم بما فيه، وهي أنثى، والجمع أكتاف. يقال: كتف، بفتح الكاف وكسر التاء، و: كتف، بكسر الكاف وسكون التاء، وقيل: هي عظم عريض خلف المنكب، وهي تكون للناس وغيرهم، والكتف من الإبل والخيل والبغال والحمير وغيرها؛ ما فوق العضد. وقيل: الكتفان أعلى اليدين، والجمع أكتاف. قال سيبويه: لم يجازوا به هذا البناء، وحكى اللحياني في جمعه: كتفه. قوله: ((فألقى السكين)) زاد في الأطعمة عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري: ((فألقاها)). و: السكين، على وزن: فعيل، ( ب) .AN من ١٥٧ ٠٠٠٢ ٢٠٠٠ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٥١) کشریب يذكر ويؤنث. وحكى الكسائي: سكينة، ولعله سمي به لأنه يسكن حركة المذبوح به. بيان استنباط الأحكام الأول: فيه دلالة على أن أكل ما مسته النار لا يوجب الوضوء، وقد ذكرناه. الثاني: فيه جواز قطع اللحم بالسكين. فإن قلت: ورد النهي عن ذلك في (سنن أبي داود). قلت: حديث ضعيف، فإذا ثبت خص بعدم الحاجة الداعية إلى ذلك لما فيه من التشبه بالأعاجم وأهل الترف. الثالث: فيه جواز دعاء الأئمة إلى الصلاة، وكان الداعي في الحديث بلالاً، رضي الله عنه. الرابع: فيه قبول الشهادة على النفي محصوراً، مثل هذا أعني قوله: ((ولم يتوضا)). ٥١ - بابُ مَنْ مَضْمَضَ مِنَ السَّوِيقِ وَلَمْ يَتَوَضَّأ أي: هذا باب في بيان حكم من مضمض من أكل السويق ولم يتوضأ. وفي رواية: ((لم يتوضأ) يجوز وجهان. أحدهما: إثبات الهمزة الساكنة، علامة للجزم. والآخر: حذفها. تقول: لم يتوضَّ، كما تقول: لم يخشَ، بحذف الألف، والأول هو الأشهر. وقال بعض الشارحين: يجوز في: ((لم يتوضأ)) روايتان. قلت: لا يقال في مثل هذا روايتان، بل يقال: وجهان، أو لغتان، أو طريقان، أو نحو ذلك. ٢٠٩/٧٢ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عَنْ يَحْيِى بنِ سَعِيدٍ عَنْ بُشيْرِ بنِ يَسَارٍ مَوْلَى بَنِي حَارِثَةَ أنّ سُوَيْدَ بن النُّعْمانِ أَخْبِرَهُ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رسول الله عَ ليه عامٍ خَيْبَرَ حتَّى إِذَا كَانُوا بالصَّهْبَاءِ وَهْيَ أْنَى خَيْبَرَ فَصَلَّى العَصْرَ ثُمَّ دَعا بِالأَزْوَادِ فَلَمْ يُؤْتَ إلاّ بِالسَّوِيق فأمرَ بِهِ فَثُرّي فَأْكَلَ رسولُ اللَّهِ عَه وأكلْنَا ثُمَّ قامَ إِلَى المَغْرِبِ فمَضْمَضَ ومَضْمَصْنَا ثُمَّ صلى ولَمْ يَتَوَضَّأُ. [الحديث ٢٠٩ - أطرافه في: ٢١٥، ٢٩٨١، ٤١٧٥، ٤١٩٥، ٥٣٨٤، ٥٣٩٠، ٥٤٥٤، ٥٤٥٥]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة. بيان رجاله وهم خمسة: الثلاثة الأول تكرر ذكرهم، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وبشير، بضم الباء الموحدة وفتح الشين المعجمة: ابن يسار بفتح الياء آخر الحروف: ابن النعمان، بضم النون: الأنصاري الأوسي المدني من أصحاب بيعة الرضوان، روي له سبعة أحاديث للبخاري منها حديث واحد، وهو هذا الحديث. بيان لطائف إسناده منها: أن فيه التحديث بصيغة الجمع، والإخبار كذلك والعنعنة. ومنها: أن رواته كلهم مدنيون إلاّ شيخ البخاري. ومنها: أن فيه رواية التابعي عن التابعي، كلاهما من أكابر التابعين. ومنها: أن رواته كلهم أئمة أجلاء فقهاء كبار. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري في سبعة مواضع من الكتاب في الطهارة في موضعين، وفي أحدهما عن عبد الله بن يوسف، وفي الآخر عن خالد بن مخلد، i i i i وحدة ١٥٨ :١١٥ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٥١) وأخرجه في المغازي عن القعنبي عن مالك، وعن محمد بن بشار، وفي الجهاد عن محمد ابن المثنى، وفي موضعين في الأطعمة أحدهما: عن علي بن عبد الله، وعن سليمان بن حرب. وأخرجه النسائي في الطهارة عن قتيبة عن الليث، وفي الوليمة عن محمد بن بشار. وأخرجه ابن ماجة فيه أيضاً عن أبي بكر بن أبي شيبة. بيان اللغات والإعراب قوله: ((عام خيبر))، عام: منصوب على الظرفية. و: خيبر، بلدة معروفة بينها وبين المدينة نحو أربع مراحل. وقال أبو عبيد: ثمانية برد، وسميت باسم رجل من العماليق نزلها وكان اسمه خيبر بن فانية بن مهلائل، وكان عثمان، رضي الله تعالى عنه، مصَّرها، وهي غير منصرف للعلمية والتأنيث، فتحها رسول الله، عَّهِ، وقال عياض: اختلفوا في فتحها، فقيل: فتحت عنوةً، وقيل: صلحاً، وقيل: جلا أهلها عنها بغير قتال، وقيل: بعضها صلحاً وبعضها عنوةً وبعضها جلاء أهلها بغير قتال. قوله: ((بالصبهاء)) بالمد، موضع على روحة من خيبر، كذا رواه في الأطعمة، وقال البكري: على بريد، على لفظ تأنيث أصهب. قوله: ((وهي أدنى خيبر)) أي: أسفلها وطرفها جهة المدينة. قوله: ((فصلى العصر))، الفاء: فيه لمحض العطف وليست للجزاء إذ قوله: إذا ليست جزائية بل هي ظرفية. قوله: ((بالأزواد)) جمع زاد، وهو طعام يتخذ للسفر. قوله: ((فأمر به)) أي: بالسويق. قوله: ((فثرى)) يضم الثاء المثلثة، على صيغة المجهول من الماضي، من التثرية، ومعناه: بلٌّ، وقد مر معناه عن قريب مستوفىّ. قوله: ((فأكل رسول الله، عليه الصلاة والسلام)) أي: منه. قوله: ((وأكلنا)) زاد في رواية سليمان: ((وشربنا))؛ وفي الجهاد من رواية عبد الوهاب: ((فأكلنا وشربنا)). قوله: ((فمضمض)) أي: قبل الدخول في الصلاة. فإن قلت: ما فائدة المضمضة منه ولا دسم له؟ قلت: يحتبس منه شيء في أثناء الأسنان وجوانب الفم فيشغله تتبعه عن أحوال الصلاة. بيان استنباط الأحكام الأول: أن فيه استحباب المضمضة بعد الطعام، للمعنى الذي ذكرناه آنفاً، وقال بعضهم: استدل به البخاري على جواز صلاتين فأكثر بوضوء واحد. قلت: البخاري لم يضع الباب لذلك، وإن كان يفهم منه ذلك. الثاني: فيه دلالة على عدم وجوب الوضوء مما مسته النار، وقال الخطابي: فيه دليل على أن الوضوء مما مست النار منسوخ لأنه متقدم، وخيبر كانت سنة سبع، وقال بعضهم: لا دلالة فيه لأن أبا هريرة حضر بعد فتح خيبر. قلت: لا يستبعد ذلك، لأن أبا هريرة ربما يروي حديثاً عن صحابي كان ذلك قبل أن يسلم فيسنده إلى النبي، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، لأن الصحابة كلهم عدول. الثالث: فيه دلالة على جمع الرفقاء على الزاد في السفر، لأن الجماعة رحمة وفيهم البركة. الرابع: استدل به الملهب على أن للإمام أن يأخذ المحتكرين بإخراج الطعام عند قلته ليبيعوه من أهل الحاجة. الخامس: فيه الدلالة على أن على الإمام أن ينظر لأهل العسكر فيجمع الزاد ليصيب منه من ما لا زاد له. ٧٣/ ٢١٠ - حدّثنا أصْبَغُ قالَ أُخْبرنا ابنُ وَهْبٍ قال أخبرني عَمْرٌو عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ كُرَيْبٍ عَنْ مَتْعُونَةَ أَنّ النَّبِيَّ عَّهِ أَكلَ عِندها كتِفاً ثُمَّ صلَّى ولَمْ يَتَوضَّأْ. ١٥٩ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٥٢) كان ينبغي أن يذكر هذا الحديث في الباب الذي قبله لمطابقة الترجمة، ولا مطابقة له للترجمة في هذا الباب، وكذا سأل الكرماني بقوله: فإن قلت: هذا الحديث لا يتعلق بالترجمة، ثم أجاب بقوله: قلت: الباب الأول من هذين البابين هو أصل الترجمة، لكن لما كان في الحديث الثالث حكم آخر سوى عدم التوضىء، وهو المضمضة، أدرج بين أحاديثه باباً آخر مترجماً بذلك الحكم، تنبيها على الفائدة التي في ذاك الحديث الزائدة على الأصل، أو هو من قلم الناسخين، لأن النسخة التي عليها خط الفربري هذا الحديث منها في الباب الأول، وليس في هذا الباب إلاَّ الحديث الأول منهما، وهو ظاهر. أقول: هذا بلا شك من النساخ الجهلة، لأن غالب من يستنسخ هذا الكتاب يستعمل ناسخاً حسن الخط جداً، وغالب من يكون خطه حسناً لا يخلو عن الجهل، ولو كتب كلَّ فن أهله لقل الغلط والتصحيف، وهذا ظاهر لا يخفى. بيان رجاله وهم ستة: أصبغ، وعبد الله بن وهب، وعمرو بن الحارث تقدموا قريباً. وبكير، بضم الباء الموحدة مصغراً: ابن عبد الله الأشج المدني التابعي، وكريب مصغراً تقدما. وميمونة أم المؤمنين تقدمت في باب السمر بالعلم. بيان لطائف إسناده منها: أن فيه التحديث بصيغة الجمع والإخبار بصيغة الإفراد والعنعنة. ومنها: أن النصف الأول مصريون، والنصف الثاني مدنيون. ومنها: أن فيه إسمين مصغرين وهما تابعيان. بيان من أخرجه غيره أخرجه مسلم في الطهارة عن أحمد بن عيسى عن ابن وهب. بيان المعنى والحكم قوله: ((كتفاً) اي: كتف لحم. وفيه عدم الوضوء عند أكل اللحم، أي لحمٍ كان. ٥٢ _ باب هل يُمَضْمِضُ مِنَ اللَّبَنِ باب، بالسكون: غير معرب، لأن الإعراب يقتضي التركيب، فإن قدر شيء قبله نحو: هذا باب، يكون معرباً على أنه خبر مبتدأ محذوف. قوله: ((يمضمض)) على صيغة المجهول من المضارع، وفي بعض النسخ: ((هل يتمضمض))، وكلمة: هل، للاستفهام على سبيل الاستفسار. ٢١١/٧٤ - حدثنا يَحْيِىَ بِنُ بُكَيرٍ وقُتَيْبَةُ قَالا حدّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلِ عَنِ ابنِ شِهابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عُثْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أنّ رسولَ اللَّهِ عَ لَّهِ شَرِبَ لَبَنَاً فَمَضْمَضَ وقال: ((إنّ لَهُ دَسمَاً)). [الحديث ٢١١ - طرفه في: ٥٦٠٩]. F مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة. بيان رجاله وهم سبعة تقدم ذكرهم، وبكير بضم الباء، وعقيل بضم العين، وابن شهاب محمد بن مسلم الزهري، وعبد الله بن عبيد الله بتصغير الابن وتكبير الأب، وعتبة ے i i i ٠٠٦ i i i ١٦٠ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٥٢) بضم العين وسكون التاء المثناة من فوق. بيان لطائف إسناده منها: أن فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة. ومنها: أن فيه شيخين للبخاري وهما: ابن بكير وقتيبة بن سعيد، كلاهما يرويان عن الليث بن سعد، وهذا أحد الأحاديث التي أخرجها الأئمة الستة غير ابن ماجة عن شيخ واحد وهو قتيبة. ومنها: أن رواته ما بين مصري وهو يحيى بن عبد الله بن بكير، والليث وعقيل، وبلخي وهو قتيبة ومدني وهو ابن شهاب وعبيد الله. بيان من أخرجه غيره أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي في الطهارة عن قتيبة به. وأخرجه مسلم أيضاً عن زهير بن حرب وعن حرملة بن يحيى، وعن أحمد بن عيسى. وأخرجه ابن ماجة فيه عن دحيم عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي به. بیان المعنی والحکم قوله: ((دسماً) منصوب لأنه إسم: إن، وقدم علیه خبره. و: الدسم، بفتحتين: الشيء الذي يظهر على اللبن من الدهن. وقال الزمخشري: هو من دسم المطر الأرض إذا لم يبلغ أن ييل الثرى، و: الدسم، بضم الدال وسكون السين: الشيء القليل. وأما الحكم ففيه دلالة على استحباب تنظيف الفم من أثر اللبن ونحوه. ويستنبط منه أيضا استحباب تنظیف الیدین. تابَعَهُ يُونُسُ وصالِحُ بنُ كَيْسَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أي: تابع عقيلاً يونس بن يزيد. وقوله: ((يونس)) فاعل: ((تابع))، والضمير يرجع إلى: عقيل، رضي الله تعالى عنه، لأنه هو الذي يرويه عن محمد بن مسلم الزهري، ووصله مسلم عن حرملة عن ابن وهب، حدّثنا يونس عن ابن شهاب به. قوله: ((وصالح بن كيسان)) أي: تابع عقيلاً أيضاً صالح بن كيسان، ووصله أبو العباس السراج في (مسنده) وتابعه أيضاً الأوزاعي. أخرجه البخاري في الأطعمة عن أبي عاصم عنه بلفظ حديث الباب. ورواه ابن ماجة من طريق الوليد بن مسلم، قال: حدّثنا الأوزاعي، فذكره بصيغة الأمر: ((مضمضوا من اللبن ... )) الحديث. وكذا رواه الطبراني من طريق أخرى عن الليث بالإسناد المذكور. وأخرج ابن ماجة من حديث أم سلمة وسهل بن سعد مثله. وإسناد كل منهما حسن. وفي (التهذيب) لابن جرير الطبري: هذا خبر عندنا صحيح وإن كان عند غيرنا فيه نظر لاضطراب ناقليه في سنده، فمن قائل: عن الزهري عن ابن عباس، من غير إدخال: عبيد الله، بينهما؛ ومن قائل: عن الزهري عن عبيد الله أن النبي، عليه الصلاة والسلام، من غير ذكر: ابن عباس. وبعد فليس في مضمضته، عليه الصلاة والسلام، وجوب مضمضة ولا وضوء على من شربه، إذا كانت أفعاله غير لازمة العمل بها لأمته، إذا لم تكن بياناً عن حكم فرض في التنزيل. وقال صاحب (التلويح) وفيه نظر من حيث إن ابن ماجة رواه عن عبد الرحمن بن إبراهيم: حدّثنا الوليد بن مسلم ... الحديث ذكرناه الآن. وفي حديث موسى بن يعقوب عنده