Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٢) وحدّثنا مُوسَى قال حدّثنا وُهَيْبٌ قال مَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّةً. موسى هو ابن إسماعيل التبوذكي؛ ووهيب هو ابن خالد، وتقدمت طريق موسى هذا في باب غسل الرجلين إلى الكعبين، وذكر فيها أنه مسح الرأس مرة واحدة. وقال ابن بطال: قال الشافعي: المسنون ثلاث مسحات، والحجة عليه أن المسنون يحتاج إلى شرع، وحديث عثمان، رضي الله عنه، وإن كان فيه: أنه مسح برأسه مرة، وهو قول الشافعي. وقال الكرماني: الشرع الذي قال الشافعي في مسنونية الثلاث ما روى أبو داود في (سننه): أنه، عليه الصلاة والسلام، مسح ثلاثاً، والقياس على سائر الأعضاء. قلت: روى أبو داود: حدّثنا هارون بن عبد الله، قال: حدّثنا يحيى بن آدم، قال: حدّثنا إسرائيل عن عامر عن شقيق بن حمزة عن شقيق ابن سلمة، قال: «رأيت عثمان بن عفان، رضي الله تعالى عنه، غسل ذراعيه ثلاثاً، ومسح رأسه ثلاثاً، ثم قال: رأيت رسول الله عَّ. فعل هذا)). قلت: المذكور من حديث الجماعة هو مسح الرأس مرة واحدة، ولهذا قال أبو داود في (سنته): أحاديث عثمان الصحاح تدل على أن مسح الرأس مرة، فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثاً وقالوا فيها: مسح رأسه، ولم يذكروا عدداً، كما ذكروا في غيره، ووصف عبد الله بن زيد وضوء النبي عَّ له وقال: مسح برأسه مرة واحدة، متفق عليه. وحديث علي، رضي الله تعالى عنه، وفيه: ((مسح رأسه مرة واحدة)). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وكذا وصف عبد الله بن أبي أوفى وابن عباس وسلمة بن الأكوع والربيع، كلهم قالوا: ومسح برأسه مرة واحدة، ولم يصح في أحاديثهم شيء صريح في تكرار المسح. وقال البيهقي: قد روي من أوجه غريبة عن عثمان ذكرُ التكرار في مسح الرأس، إلاّ أنها مع خلاف الحفاظ الثقات ليست بحجة عند أهل المعرفة، وإن كان بعض أصحابنا يحتج بها. فإن قلت: قد روى الدارقطني في (سننه) عن محمد بن محمود الواسطي عن شعيب بن أيوب عن أبي يحيى الجماني عن أبي حنيفة عن خالد بن علقمة عن عبد خير عن علي رضي الله تعالى عنه: ((أنه توضأ ... )) الحديث، وفيه: ((ومسح برأسه ثلاثاً))، ثم قال: هكذا رواه أبو حنيفة عن علقمة بن خالد. وخالفه جماعة من الحفاظ الثقات عن خالد بن علقمة، فقالوا فيه: ومسح رأسه مرة واحدة ومع خلافة إياهم قال: إن السنة في الوضوء مسح الرأس مرة واحدة. قلت: الزيادة عن الثقة مقبولة، ولا سيما من مثل أبي حنيفة، رضي الله عنه. وأما قوله: فقد خالف في حكم المسح، غير صحيح، لأن تكرار المسح مسنون عن أبي حنيفة أيضاً، صرح بذلك صاحب (الهداية): ولكن بماء واحد. وقول الكرماني والقياس على سائر الأعضاء، ردًّ بأن المسح مبني على التخفيف، بخلاف الغسل، ولو شرع التكرار لصار صورة المغسول. وقد اتفق على كراهة غسل الرأس بدل المسح وإن كان مجزياً. وأجيب: بأن الخفة تقتضي عدم الاستيعاب، وهو مشروع بالاتفاق، فليكن العدد كذلك ورد بالحديث المشهور الذي رواه ابن خزيمة وصححه وغيره أيضاً من طريق عبد الله بن عمرو بن العاص في صفة الوضوء حيث قال: قال النبي، عليه الصلاة والسلام، بعد أن فرغ: ((من زاد على هذا فقد أساء وظلم)). فإن هوة i ١٣ ١٣٠ ١٣ ١٢٢ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٣) في رواية سعيد بن منصور التصريح بأنه مسح رأسه مرة واحدة، فدل على أن الزيادة في مسح الرأس على المرة غير مستحبة، ويحمل ما روي من الأحاديث في تثليث المسح، إن صحت على إرادة الاستيعاب بالمسح، لا أنها مسحات مستقلة لجميع الرأس، جمعاً بين هذه الأدلة القائل بهذا الرد هو بعضهم ممن تصدى لشرح البخاري، وفيه نظر، لأنه الثلاث نص فيه، والاستيعاب بالمسح لا يتوقف على العدد، والصواب أن يقال: الحديث الذي فيه المسح ثلاثاً لا يقاوم الأحاديث التي فيها المسح مرة واحدة، ولذلك قال الترمذي: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب رسول الله عَ له ومن بعدهم. وقال أبو عمر ابن عبد البر: كلهم يقول مسح الرأس مسحة واحدة. فإن قلت: هذا الذي ذكرته يرد على أبي حنيفه. قلت: لا . يرد أصلاً، فإنه رأى التثليث سنة لكونه رواه، ولكنه شرط أن يكون بماء واحد، وهذا خلاف ما قاله الشافعي، رحمه الله، ومع هذا المذهب: الإفراد لا التثليث، لما ذكرنا. ٤٣ - بابُ وُضُوءِ الرَّجُلِ مَعَ لمْرَتِهِ وَفَضْلِ وَضُوءِ المَزْأَةِ أي: هذا باب في بيان حكم وضوء الرجل مع امرأته في إناء واحد، والوضوء في الموضعين بضم الواو في الأول وفي الثاني بالفتح، لأن المراد من الأول الفعل، ومن الثاني الماء الذي يتوضأ به. قوله: ((وفضل)) بالجر عطفاً على قوله: ((وضوء الرجل)) وفي بعض النسخ: ((باب وضوء الرجل مع المرأة))، وهو أعم من أن تكون: امرأته، أو غيرها. وَتَوَضَّأَ عُمَرُ بِالحَمِيمِ ومِنْ بَيْتٍ نَصَرَانِيَّةٍ هذا الأثر المعلق ليس له مطابقة للترجمة أصلاً، وهذا ظاهر كما ترى. وقال بعضهم: ومناسبته للترجمة من جهة الغالب أن أهل الرجل تبع له فيما يفعل، فأشار البخاري إلى الرد على من منع المرأة أن تتطهر بفضل الرجل، لأن الظاهر أن امرأة عمر، رضي الله عنه، كانت تغتسل بفضله أو معه، فناسب قوله: وضوء الرجل مع امرأته من إناء واحد. قلت: من له ذوق أو إدراك يقول هذا الكلام البعيد، فمراده من قوله: إن أهل الرجل تبع له فيما يفعل، في كل الأشياء أو في بضعها؟ فإن كان الأول فلا نسلم ذلك، وإن كان الثاني فيجب التعيين. وقوله: لأن الظاهر. إلى آخره، أي: ظاهر دل على هذا. وهل هذا إلاَّ حدس وتخمين؟ وقال الكرماني: فإن قلت: ما وجه مناسبته للترجمة؟ قلت: غرض البخاري في هذا الكتاب ليس منحصراً في ذكر متون الأحاديث، بل يريد الإفادة أعم من ذلك، ولهذا يذكر آثار الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، وفتاوى السلف وأقوال العلماء، ومعاني اللغات وغيرها، فقصد ههنا بيان التوضيء بالماء الذي مسته النار وتسخن بها بلا كراهة دفعاً لما قال مجاهد. قلت: هذا أعجب من الأول وأغرب، وكيف يطابق هذا الكلام وقد وضع أبواباً مترجمة، ولا بد من رعاية تطابق بين تلك الأبواب وبين الآثار التي يذكرها فيها، وإلاّ يعد من التخابيط؟ وكونه يذكر فتاوى السلف وأقوال العلماء ومعاني اللغات لا يدل على ترك المناسبات والمطابقات، وهذه الأشياء أيضاً إذا ذكرت بلا -. ١٠٠٠ ١٢٣ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٣) مناسبة يكون الترتيب مخبطاً، فلو ذكر شخص مسألة في الطلاق مثلاً في كتاب الطهارة، أو مسألة من كتاب الطهارة في كتاب العتاق مثلاً، نسب إليه التخبيط. ثم هذا الأثر الأول وصله سعيد بن منصور وعبد الرزاق وغيرهما بإسناد صحيح بلفظ: إن عمر، رضي الله عنه، كان يتوضأ بالحميم ثم يغتسل منه، ورواه أبي شيبة والدارقطني بلفظ: «کان یسخن له ماء في حمیم ثم يغتسل منه)). قال الدارقطني: إسناده صحيح. قوله: ((بالحميم)، بفتح الحاء المهملة: وهو الماء المسخن. وقال ابن بطال: قال الطبري: هو الماء السخین، فعيل بمعنى مفعول. ومنه سمي الحمام حماماً لإسخانه من دخله، والمحموم محموماً لسخونة جسده. وقال ابن المنذر: أجمع أهل الحجاز وأهل العراق جميعاً على الوضوء بالماء السخن غير مجاهد فإنه كرهه. رواه عنه ليث بن أبي سليم. وذكر الرافعي في كتابه: إن الصحابة تطهروا بالماء المسخن بين يدي رسول الله عَ ◌ّةٍ ولم ينكر عليهم هذا الخبر. وقال المحب الطير: لم أره في غير الرافعي! قلت: قد وقع ذلك لبعض الصحابة فيما رواه الطبراني في (الكبير) والحسن بن سفيان في (مسنده)؛ وأبو نعيم في (المعرفة)، والمشهور من طريق الأسلع بن شريك، قال: كنت أرحل ناقة رسول الله عَ ليه فأصابتني جنابة في ليلة باردة، وأراد رسول الله عَ ل الرحلة فكرهت أن أرحل ناقة رسول الله عَّه وأنا جنب، وخشيت أن اغتسل بالماء البارد فأموت أو أمرض، فأمرت رجلاً من الأنصار يرحلها، ووضعت أحجاراً فاسخنت بها ماء فاغتسلت، ثم لحقت رسول الله عَ لَّه فذكرت ذلك له فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ [النساء: ٤٣] إلى ﴿غفورا﴾ [النساء: ٤٣] وفي سنده: الهيثم بن زريق الراوي له عن أبيه عن الأسلع مجهولان، والعلاء بن الفضل راويه عن الهيثم وفيه ضعف، وقد قيل: إنه تفرد به. وقد روي ذلك عن جماعة من الصحابة منهم عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، كما ذكره البخاري، ومنهم سلمة بن الأكوع أنه كان يسخن الماء يتوضأ به، رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، ومنهم ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، أنه قال: ((إنا نتوضأ بالحميم وقد أغلي على النار))، رواه ابن أبي شيبة في (مصنفه) عن محمد بن بشر عن محمد بن عمرو: حدّثنا سملة، قال: قال ابن عباس. ومنهم ابن عمر، رضي الله تعالى عنهم، رواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع: أن ابن عمر كان يتوضأ بالحميم. قوله: ((ومن بيت نصرانية)) وهو الأثر الثاني، وهو عطف على قوله: ((بالحميم)) أي: وتوضأ عمر من بيت نصرانية. ووقع في رواية كريمة بحذف الواو من قوله: ((ومن بيت))، وهذا غير صحيح لأنهما أثران مستقلان، فالأول ذكرناه، والثاني الذي علقه البخاري ووصله الشافعي وعبد الرزاق وغيرهما عن سفيان بن عيينة عن زيد بن أسلم عن أبيه: ((أن عمر توضأ من ماء نصرانية في جر نصرانية))، وهذا لفظ الشافعي. وقال الحافظ أبو بكر الحازمي: رواه خلاد بن أسلم عن سفيان بسنده فقال: ((ماء نصراني))، بالتذكير. والمحفوظ ما رواه الشافعي: ((نصرانية))، بالتأنيث. وفي (الأم) للشافعي: من جرة نصرانية، بالهاء في آخرها. وفي مدة هوة i ١ i ١٢٤ .١٣ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٣) (المهذب) لأبي إسحاق: جر نصراني، وقال: صحيح. وذكر ابن فارس في (حلية العلماء): هذا سلاخة عرقوب البعير يجعل وعاء للماء، فإن قلت: ما وجه تطابق هذا الأثر للترجمة؟ قلت: قال الكرماني: بناء على حذف واو العطف من قوله: ((ومن بيت نصرانية))، ومعتقداً أنه أثر واحد لما كان هذا الأخير الذي هو مناسب لترجمة الباب من فعل عمر، رضي الله عنه. ذكر الأمر الأول أيضاً، وإن لم يكن مناسباً لها، لاشتراكهما في كونهما من فعله تكثيراً للفائدة واختصاراً في الكتاب. ويحتمل أن يكون هذا قصة واحدة، أي: توضأ من بيت النصرانية بالماء الحميم، ويكون المقصود ذكر استعمال سؤر المرأة النصرانية، وذكر الحميم إنما هو لبيان الواقع، فتكون مناسبته للترجمة ظاهرة، قلت: هذا منه لعدم اطلاعه في كتب القوم، فظن أنه أثر واحد، وقد عرفت أنهما أثران مستقلان. ثم ادعى أن الأمر الأخير مناسب للترجمة، فهيهات أن يكون مناسباً، لأن الباب في وضوء الرجل مع امرأته، وفضل وضوء المرأة؟ فأي واحد من هذين مناسب لهذا؟ وأي واحد من هذين يدل على ذلك؟ أما توضؤ عمر بالحميم فلا يدل على شيء من ذلك ظاهراً، وأما توضؤ عمر من بيت نصرانية فهل يدل على أن وضوءه كان من فضل هذه النصرانية؟ فلا يدل ولا يستلزم ذلك. فمن ادعى ذلك فعلیه البیان بالبرهان. وقال بعضهم الثاني مناسب لقوله: وفضل وضوء المرأة، لأن عمر، رضي الله عنه، توضأ بمائها، وفيه دليل على جواز التطهر بفضل وضوء المرأة المسلمة لأنها لا تكون أسوأ حالاً من النصرانية. قلت: الترجمة فضل وضوء المرأة، والنصرانية هل لها فضل وضوء حتى يكون التطابق بينه وبين الترجمة؟ فقوله: من بيت نصرانية لا يدل على أن الماء كان من فضل استعمال النصرانية، ولأن الماء كان لها. فإن قلت: في رواية الشافعي: من ماء نصرانية في جر نصرانية، قلت: نعم، ولكن لا يدل على أنه كان من فضل استعمالها، والذي يدل عليه هذا الأثر جواز استعمال مياههم، ولكن يكره استعمال أوانيهم وثيابهم. سواء فيه أهل الكتاب وغيرهم. وقال الشافعية: وأوانيهم المستعملة في الماء أخف كراهة، فإن تيقن طهارة أوانيهم فلا كراهة إذاً في استعمالها. قالوا: ولا نعلم فيها خلافاً، وإذا تطهر من إناء كافر ولم يتيقن طهارته ولا نجاسته، فإن كان من قوم لا يتدينون باستعمالها صح طهارته قطعاً، وإن كان من قوم يتدينون باستعمالها فوجهان: أصحهما: الصحة، والثاني: المنع. وممن كان لا يرى بأساً به: الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهما. وقال ابن المنذر: ولا أعلم أحداً كرهه إلاّ أحمد وإسحاق. قلت: وتبعهما أهل الظاهر، واختلف قول مالك في هذا، ففي (المدونة): لا يتوضأ بسؤر النصراني ولا بماء أدخل يده فيه. وفي (العتبية) أجازه مرة وكرهه أخرى. وقال الشافعي في (الأم): لا بأس بالوضوء من ماء المشرك وبفضل وضوئه ما لم يعلم فيه نجاسة. وقال ابن المنذر: انفرد إبراهيم النخعي بكراهة فضل المرأة إن كانت جنباً. ١٩٣/٥٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قال: أخبرنا مالِكٌ عنْ نافِع عنْ عبْدِ اللهِ بنِ ثُمَرَ أنَّهُ قَالَ كَانَ الرّجالُ والنِّسَاءُ يَتَوَضَّؤُونَ فِي زَمانِ رسولِ اللهِ عَِّ جَمِيعاً. ١٠ ١٢٥ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٣) مطابقة الحديث للترجمة غير ظاهرة لأنه على الترجمة صريحاً، لأن المذكور فيها شيئان، والحديث ليس فيه إلاَّ شيء واحد. وقال الكرماني: يدل على الأول صريحاً، وعلى الثاني التزاماً. فإن قلت: هذا لا يدل على أن الرجال والنساء كانوا يتوضأون من إناء واحد. قلت: قال الدارقطني: وروى هذا الحديث محمد بن النعمان عن مالك بلفظ: ((من الميضأة). وفي رواية القعنبي وابن وهب عنه: ((كانوا يتوضأون زمن النبي، عليه الصلاة والسلام، في الإناء الواحد)). وأخرجه أبو داود أيضاً من حديث أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: ((كنا نتوضأ نحن والنساء من إناء واحد على عهد رسول الله، عليه الصلاة والسلام، ندلي فيه أيدينا))، ولا شك أن الأحاديث يفسر بعضها بعضاً. بيان رجاله: وهم أربعة كلهم تقدموا، وعبد الله هو التنيسي. بيان لطائف إسناده منها: أن فيه التحديث بصيغة الجمع والإخبار بصيغة الجمع والعنعنة والقول. ومنها: أن رواته ما بين تنيسي ومدني. ومنها: أن هذا السند من سلسلة الذهب، وعن البخاري: أصح أسانید مالك عن نافع عن ابن عمر. بيان المعاني: قال بعضهم ظاهر: ((كان الرجال)) التعميم، لكن: اللام، للجنس لا للاستغراق. قلت: أخذ هذا من كلام الكرماني حيث قال: فإن قلت: يقرر في علم الأصول أن الجمع المحلى بالألف واللام للاستغراق، فما حكمه ههنا؟ قلت: قالوا بعمومه إلا إذا دل الدليل على الخصوص، وههنا القرينة العادية مخصصة بالبعض. قلت: الجمع مثل الرجال والنساء وما في معناه من العام المتناول للمجموع إذا عرّف باللام يكون مجازاً عن الجنس، مثلاً إذا قلت: فلان يركب الخيل ويلبس الثياب البيض، يكون للجنس للقطع بأن ليس القصد إلى عهد أو استغراق، فلو حلف لا يتزوج النساء ولا يشتري العبيد أو لا يكلم الناس يحنث بالواحد، إلا أن ينوي العموم فلا يحنث قط، لأنه نوى حقيقة كلامه، ثم هذا الجنس بمنزلة النكرة يخص في الإثبات، كما إذا حلف أن يركب الخيل يحصل البر بركوب واحد، ثم قول ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما: ((كان الرجال والنساء)) إثبات فيقع على الأقل بقرينة العادة، وإن كان يحتمل الكل. فإن قلت: لا يصلح التمسك به لأن قوله: ((جميعا)) ينافي وقوعه على الأقل. قلت: معناه مجتمعين، فالاجتماع راجع إلى حالة كونهم يتوضأون لا إلى كون الرجال والنساء مطلقاً. فافهم. فإنه موضع دقيق. ثم قال الكرماني. فإن قلت: لا يصح التمسك به، لأن فعل البعض ليس بحجة. قلت: التمسك ليس بالإجماع بل بتقرير الرسول، عليه الصلاة والسلام. أقول: حاصل السؤال أنه لا يصح التمسك بما روي عن ابن عمر من قوله: ((كان الرجال والنساء يتوضأون في زمن النبي، عليه الصلاة والسلام)) لأنك قد قلت: إن المراد البعض لقيام القرينة عليه بذلك، واجتماع الكل متعذر، فلا يكون حجة لعدم الإجماع عليه، وحاصل الجواب أن التمسك ليس بطريق الاجتماع، بل بأن الرسول، عليه الصلاة والسلام، قررهم على ذلك ولم ينكر عليهم، فيكون ذلك حجة للجواز. وقد ذكر أهل الأصول أن قول i. i i ٠٥٠٠ i جدة i ١٢٦ 4967 ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٣) الصحابي: كان الناس يفعلون، ونحو ذلك، حجة في العمل. لا سيما إذا قيد الصحابي ذلك بزمن النبي، عليه الصلاة والسلام، ثم قال الكرماني: لِمَ لا يكون من باب الإجماع السكوتي، وهو حجة عند الأكثر؟ قلت: لا يتصور الإجماع إلاّ بعد وفاة رسول الله، عليه الصلاة والسلام. بيان استنباط الأحكام الأول: فيه أن الصحابي إذا أسند الفعل إلى زمن رسول الله عَّةٍ يكون حكمه الرفع عند الجمهور، خلافاً لقوم. وقال بعضهمم: يستفاد منه أن البخاري يرى ذلك. قلت: لا نسلم ذلك، لأن البخاري وضع هذا المروي عن ابن عمر لبيان جواز وضوء الرجال والنساء جميعاً من إناء واحد، ومع هذا لا يطابق هذا ترجمة الباب بحسب الظاهر كما قررناه. الثاني فيه دليل على جواز توضىء الرجل والمرأة من إناء واحد. وأما فضل المرأة فيجوز عند الشافعي الوضوء به أيضاً للرجل، سواء خلت به أو لا. قال البغوي، وغيره: فلا كراهة فيه الأحاديث الصحيحة فيه، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وجمهور العلماء. وقال أحمد وداود: لا يجوز إذا خلت به، وروي هذا عن عبد الله بن سرجس والحسن البصري، وروي عن أحمد كمذهبنا، وعن ابن المسيب والحسن كراهة فضلها مطلقاً. وحكى أبو عمر فيها خمسة مذاهب: أحدها: أنه لا بأس أن يغتسل الرجل بفضلها ما لم تكن جنباً أو حائضاً. والثاني: يكره أن يتوضأ بفضلها وعكسه. والثالث: كراهة فضلها له والرخصة في عكسه. والرابع: لا بأس بشروعهما معاً، ولا ضير في فضلها، وهو قول أحمد. والخامس: لا بأس بفضل كل منهما شرعاً جميعاً أو خلا كل واحد منهم به، وعليه فقهاء الأمصار. اما اغتسال الرجال والنساء من إناء واحد، فقد نقل الطحاوي والقرطبي والنووي الاتفاق على جواز ذلك، وقال بعضهم: وفيه نظر لما حكاه ابن المنذر عن أبي هريرة أنه كان ينهي عنه. وكذا حكاه ابن عبد البر عن قوم. قلت: في نظره نظر، لأنهم قالوا بالاتفاق دون الإجماع، فهذا القائل لم يعرف الفرق بين الاتفاق والإجماع، على أنه روى جواز ذلك عن تسعة من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، وهم: علي بن أبي طالب وابن عباس وجابر وأنس وأبو هريرة وعائشة وأم سلمة وأم هانىء وميمونة. فحديث علي، رضي الله عنه، عن أحمد قال: «کان رسول الله عیګێ وأهله یغتسلون من إناء واحد»، وحدیث ابن عباس عند الطبراني في (الكبير) من حديث عكرمة عنه: ((أن رسول الله عَّ الله وعائشة اغتسلا من إناء واحد من جنابة، وتوضآ جميعا للصلاة)؛ وحديث جابر، رضي الله عنه، عند ابن أبي شيبة في (مصنفه) قال: كان رسول الله عَّ له وأزواجه يغتسلون من إناء واحد))؛ وحديث أنس عند البخاري عن أبي الوليد عن شعبة عن عبد الله بن جبير عن أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه، قال: ((كان رسول الله عَّ له يغتسل هو والمرأة من نسائه من الإناء الواحد)). وروى الطحاوي نحوه عن أبي بكرة القاضي؛ وحديث أبي هريرة، رضي الله عنه، عند البزار في (مسنده) قال: ((كان رسول الله عَ لَه وأهله أو بعض أهله يغتسلون من إناء واحد))؛ وحديث ١٢٧ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٣) عائشة، رضي الله تعالى عنها، عند الطحاوي والبيهقي، قالت: ((كنت أغتسل أنا ورسول الله عَّ من إناء واحد فيبدأ قبلي))؛ وحديث أم سلمة، رضي الله تعالى عنها عند ابن ماجة والطحاوي، قالت: ((كنت أغتسل أنا ورسول الله، عليه الصلاة والسلام، من إناء واحد))، وأخرجه البخاري بأثم منه، وحديث أم هانىء، رضي الله عنها، عند النسائي: ((أن النبي عَلامِ اغتسل هو وميمونة من إناء واحد في قصعة فيها أثر العجين))؛ وحديث ميمونة عند الترمذي بإسناده إلى ابن عباس، قال: حدثتني ميمونة، قالت: ((كنت أغتسل أنا ورسول الله عَّ له من إناء واحد من الجنابة)). وقال: هذا حديث حسن صحيح، فهذه الأحاديث كلها حجة على من يكره أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة، أو تتوضأ المرأة بفضل الرجل، وبقي الكلام في ابتداء أحدهما قبل الآخر. وجاء حديث بعض أزواج النبي عَ لّهِ: ((اغتسلت من جنابة، فجاء النّبِي عَّله ليتوضأ منها أو يغتسل. فقالت له: يا رسول الله إني كنت جنباً فقال عَّه: إن الماء لا يجنب)). وجاء أيضاً حديث أم حبيبة الجهنية عند ابن ماجة والطحاوي قالت: ((ربما اختلفت يدي ويد رسول الله عَ ليه في الوضوء من إناء واحد))، وهذا في حق الوضوء. قال الطحاوي: هذا يدل على أن أحدهما كان يأخذ من الماء بعد صاحبه. فإن قلت: روي عن عبد الله بن سرجس، قال: ((نهى رسول الله عَ لله أن يغتسل الرجل بفضل المرأة والمرأة بفضل الرجل، ولكن يشرعان جميعا))، وأخرجه الطحاوي والدارقطني، وروي أيضا من حديث الحكم الغفاري، قال: ((نهى رسول الله عَ لله أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة أو بسؤر المرأة، لا يدري أبو حاجب أيهما قال)). وأبو حاجب هو الذي روى عن الحكم، واسم أبي حاجب: سوادة بن عاصم العنزي. وأخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة والطحاوي، وروي أيضاً عن حميد بن عبد الرحمن، قال: ((كنت لقيت من صحب النبي عَ لّهِ، كما صحبه أبو هريرة أربع سنين، قال: نهى رسول الله عَّلِ))، فذكر مثله، أخرجه الطحاوي والبيهقي في المعرفة. قلت: نقل عن الإمام أحمد أن الأحاديث الواردة في منع التطهر بفضل المرأة، وفي جواز ذلك مضطربة، قال: لكن صح من الصحابة المنع فيما إذا دخلت به، ولكن يعارض هذا ما روي بصحة الجواز عن جماعة من الصحابة الذين ذكرناهم. وأشهر الأحاديث عند المانعين: حديث عبد الله ابن سرجس، وحديث حكم الغفاري. وأما حديث عبد الله بن سرجس، فإنه روي مرفوعاً وموقوفاً. وقال البيهقي: الموقوف أولى بالصواب، وقد قال البخاري: أخطأ من رفعه. قلت: الحكم للرافع، لأنه زاد: والراوي قد يفتي بالشيء ثم يرويه مرة أخرى، ويجعل الموقوف فتوى فلا يعارض المرفوع، وصححه ابن حزم مرفوعاً من حديث عبد العزيز بن المختار الذي في مسنده، والشيخان أخرجا له، ووثقه ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة، فلا يضره وقف من وقفه. وتوقف ابن القطان في تصحيحه لأنه لم يره إلاّ في كتاب الدارقطني، وشيخ الدارقطني فيه لا يعرف حاله. قلت: شيخه فيه عبد الله ابن محمد بن سعد المقبري، ولو رآه عند ابن ماجة أو عند الطحاوي لما توقف، لأن ابن i i i i ١٢٨ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٤) ماجة رواه عن محمد بن يحيى عن المعلى بن أسد، والطحاوي رواه عن محمد بن خزيمة، وهما مشهوران. وأما حديث الحكم الغفاري، فقالت جماعة من أهل الحديث، إن هذا الحديث لا يصح، وأشار الخطابي أيضاً إلى عدم صحته، وقال ابن منده: لا يثبت من جهة السند. قلت: لما أخرجه الترمذي قال: هذا حديث حسن، ورجحه ابن ماجة على حديث عبد الله بن سرجس، وصححه ابن حبان وأبو محمد الفارسي، والقول قول من صححه لا من ضعفه، لأنه مسند ظاهره السلامة من تضعف وانقطاع، وقال ابن قدامة: الحديث رواه أحمد واحتج به، وتضعيف البخاري له بعد ذلك لا يقبل لاحتمال أن يكون وقع له من غير طريق صحيح، ويرد بهذا أيضا قول النووي: اتفق الحفاظ على تضعيفه. الثالث من الأحكام: أن ظاهر الحديث يدل على جواز تناول الرجال والنساء الماء في حالة واحدة، وحكى ابن التين عن قوم: أن الرجال والنساء كانوا يتوضأون جميعاً من إناء واخد، هؤلاء على حدة وهؤلاء على حدة. قلت: الزيادة في الحديث وهو قوله: ((من إناء واحد)» يرد عليهم، وكأنهم استبعدوا اجتماع الرجال والنساء الأجنبيات، وأجاب ابن التين عن ذلك بما حكاه عن سحنون أن معناه كان الرجال يتوضأون ويذهبون، ثم تأتي النساء فيتوضأن. قلت: هذا خلاف الذي يدل عليه جميعاً، ومع هذا جاء صريحاً وحدة الإناء في (صحيح ابن خزيمة) في هذا الحديث من طريق معتمر عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما: ((أنه أبصر النبي عَ لّه وأصحابه يتطهرون، والنساء معهم، من إناء واحد كلهم يتطهرون منه)). قيل: ولنا أن نقول: ما كان مانع من ذلك قبل نزول آية الحجاب، وأما بعده فيختص بالزوجات والمحارم، وفيه نظر، والله تعالى أعلم. ٤٤ _ بابُ صَبِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وَضوءَهُ علَى المُغْمَى عَلَيهِ أي: هذا في بيان صب النبي، عليه الصلاة والسلام، وضوءه، بفتح الواو: وهو الماء الذي توضأ به على من أغمي عليه، يقال: أغمي عليه، بضم الهمزة، فهو مغمى عليه، وغمي بضم الغين وتخفيف الميم فهو مغمى عليه، بصيغة المفعول، لأن أصله مغموي على وزن: مفعول، اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت ياء، ثم أدغمت الياء في الياء، فصار: مغمى، بضم الميم الثانية وتشديد الياء، ثم أبدلت من ضمة الميم كسرة لأجل الياء، فصار مغمى، والإغماء والغشي بمعنى واحد. قاله الكرماني: وليس كذلك، فإن الغشي مرض يحصل من طول التعب، وهو أخف من الإغماء، والفرق بينه وبين الجنون والنوم أن العقل يكون في الإغماء مغلوباً، وفي الجنون يكون مسلوباً، وفي النوم يكون مستوراً. والمناسبة بين البابين من حيث إن في كل واحد منهما نوعاً من الوضوء. ١٩٤/٥٧ - حدّثنا أبو الوليدِ قال حدّثنا شُعْبَةُ عِنْ مُحَمَّدٍ بِن المِنْكَدِرِ قالَ سَمِعْتُ جابِراً يَقُولُ جَاءَ رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ يَعُودُني وَأَنَا مَرِيضٌ لاَ أَعْقِلُ فَتَوَضَّأَ وَصَبَّ عِلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ ١٢٩ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٤) فَعَقَلْتُ فَقُلْتُ يا رسولَ اللَّهِ لِمَنِ المِيرَاثُ إِنَّمَا يَرِثُنِي كَلاَلَةٌ فَزَلَتْ آيَةُ الفَرَائِضِ. [الحديث ١٩٤ - أطرافه في: ٤٥٧٧، ٥٦٥١، ٥٦٦٤، ٥٦٧٦، ٦٧٢٣، ٦٧٤٣، ٧٣٠٩]. دهون مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة. بيان رجاله: وهم أربعة. الأول: أبو الوليد الطيالسي هشام بن عبد الملك، تقدم في كتاب الإيمان. الثاني: شعبة بن الحجاج، وقد تكرر ذكره. الثالث: محمد بن المنكدر التيمي القرشي التابعي المشهور، الجامع بين العلم والزهد، وكان المنكدر خال عائشة، رضي الله تعالى عنها، فشكى إليها الحاجة فقالت له: أول شيء يأتيني أبعث به إليك، فجاءها عشرة آلاف درهم، فبعثت بها إليه فاشترى منها جارية فولدت له محمداً إماماً متألهاً بكاء، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة. الرابع: جابر بن عبد الله الصحابي الكبير، تقدم في كتاب الوحي. بيان لطائف إسناده منها: أن فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة والسماع. ومنها: أن رواته ما بين بصري وكوفي ومدني ومنها: أنهم كلهم أئمة أجلاء. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري هنا عن أبي الوليد، وفي الطب عن محمد بن بشار عن غندر، وفي الفرائض عن عبد الله بن عثمان عن عبد الله بن المبارك. وأخرجه مسلم في الفرائض عن محمد بن حاتم عن بهز بن أسد، عن إسحاق بن إبراهيم عن النضر بن شميل وأبي عامر العقدي، وعن محمد بن المثنى عن وهب بن جرير. وأخرجه النسائي فيه، وفي الطهارة، وفي التفسير، وفي الطب عن محمد بن الأعلى عن خالد بن الحارث، ثمانیتهم عنه به. بيان اللغات والمعنى والإعراب قوله: ((يقول)) جملة وقعت حالاً، وكذا قوله: ((يعودني)). وكذا قوله: ((وأنا مريض لا أعقل)) أي: لا أفهم، وحذف مفعوله إما للتعميم أي: لا أعقل شيئاً، أو لجعله كالفعل اللازم. قوله: ((من وضوئه))، بفتح الواو: معناه من الماء الذي يتوضأ به، أو مما بقي منه. وأخرج في الاعتصام عن علي بن عبد الله: ثم صب وضوءه علي، ولأبي داود: (فتوضأ وصبه علي)). قوله: ((لمن الميراث))؟ الألف واللام فيه عوض عن ياء المتكلم، أي: لمن ميراثي، ويؤيده ما أخرجه في الاعتصام أنه قال: ((كيف أُصنع في مالى)؛ وفي رواية: (ما تأمرني أن أصنع في مالي))؟ وفي أخرى: ((كيف أقضي في مالي))، وفي أخرى: ((إنما ترثني سبع أخوات))، وفي أخرى فنزلت: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النساء: ١١]. قوله: ((كلالة)) فيها أقوال أصحها: ما عدا الوالد والولد، وفيه حديث صحيح من طريق البراء بن عازب. وقيل: ما عدا الولد خاصة، وقيل: الأخوة للأم، وقيل: بنو العم ومن أشبهم، وقيل: العصبات كلهم وإن بعدوا، ثم قيل: للورثة، وقيل: للميت، وقيل: لهما، وقيل: للمال الموروث. وقال الجوهري: النّكل: الذي لا ولد له ولا والد، يقال: كَلَّ الرجل يكلُ كلالة. وقال الزمخشري: تطلق الكلالة على ثلاثة: على من لم يخلف ولداً ولا والداً، عمدة القاري / ج٣ / ٩٢ ٢٣٧٠ ١٢٧٤ ١٣٤ ١١٠٠ ١٣٠ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٥) وعلى من ليس بولد ولا والد من المخلفين، وعلى القرابة من غير جهة الولد والوالد. قوله: ((فنزلت آية الفرائض)) وهي قوله تعالى: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ [النساء: ١٧٦] ... إلى آخر السورة، وقيل: هي آية المواريث مطلقاً. والفرائض: جمع فريضة، والمراد ههنا: الحصص المقدرة في كتاب الله للورثة. بيان استنباط الأحكام الأول: قال ابن بطال فيه دليل على طهورية الماء الذي يتوضأ به، لأنه لو لم يكن طاهراً لما صبه عليه. قلت: ليس فيه دليل، لأنه يحتمل أنه صب من الباقي في الإناء. الثاني: فيه رقية الصالحين للماء ومباشرتهم إياه، وذلك مما يرجى بركته. الثالث: فيه دليل على أن بركة يد رسول الله عَ ليه تزيل كل علة. الرابع: فيه أن ما يقرأ على الماء مما ينفع. الخامس: فيه فضيلة عيادة الضعفاء. السادس: فيه فضيلة عيادة الأكابرِ الأصاغرَ. ٤٥ - بابُ الْغُسْلِ وَالوُضُوءِ فِي المِخْضَبِ والقَدَحِ والخَشَبِ والحِجَارَةِ أي: هذا باب في بيان حكم الغسل والوضوء في المخضب، بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الضاد المعجمة وفي آخره باء موحدةً. قال ابن سيده: المخضب شبه الإجابة، وقال صاحب (المنتهى): هو المركن. وقال أبو هلال العسكري في كتاب (التلخيص): إناء يغسل فيه. وفي (مجمع الغرائب) هو إجانة تغسل فيه الثياب ويقال له المركن. قوله: ((والقدح)) واحد الأقداح التي للشرب وقال ابن الأثير: القدح الذي يؤكل فيه، وأكثر ما يكون من الخشب مع ضيق فيه. قوله: ((والخشب))، بفتح الخاء المعجمة: جمع خشبة، وكذلك: الخشب، بضمتين وبسكون الشين أيضاً، ومراده: الإناء الخشب، وكذلك الإناء الحجارة، وذلك لأن الأواني تكون من الخشب والحجر وسائر جواهر الأرض كالحديد والصفر والنحاس والذهب والفضة. فقوله: ((والخشب)) يتناول سائر الأخشاب. وقوله: ((والحجارة)) يتناول سائر الأحجار من التي لها قيمة، والتي لا قيمة لها، والحجارة جمع حجر وهو جمع نادر: كالجمالة جمع جمل، وكذلك: حجار، بدون الهاء، وهما جمع كثرة، وجمع القلة أحجار. فإن قلت: ما وجه عطف: الخشب والحجارة، على: الخضب والقدح؟ قلت: من باب عطف التفسير، لأن المخضب والقدح قد يكونان من الخشب، وقد يكونان من الحجارة، وقد صرح في الحديث المذكور في هذا الباب بمخضب من حجارة كما يأتي عن قريب، والدليل على صحة ذلك ما قد وقع في بعض النسخ الصحيحة: في الخضب والقدح الخشب والحجارة، بدون حرف العطف. وقال بعضهم: وعطف: الخشب والحجارة، على: المخضب والقدح، ليس من عطف العام على الخاص فقط، بل بين هذين وهذين عموم وخصوص من وجه. قلت: قصارى فهم هذا القائل أنه ليس من عطف العام على الخاص، ثم أضرب عنه إلى بيان العموم والخصوص من وجه بين هذه الأشياء، ولم يبين وجه العطف ما هو وقد وقع في بعض النسخ بعد قوله: والحجارة. ((والتور))، بفتح التاء مر ١٣١ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٥) المثناة من فوق، قال الجوهري: هو إناء يشرب فيه، زاد المطرزي: صغير، وفي (المغيث) لأبي موسى: هو إناء يشبه إجانة من صفر، أو حجارة يتوضأ فيه ويؤكل. وقال ابن قر قول: هو مثل قدح من الحجارة، وقد مر الكلام فيه عن قريب. والمناسبة بين هذا الباب والأبواب التي قبله ظاهرة، لأن الكل فيما يتعلق بالوضوء. ١٩٥/٥٨ - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بنَ بَكْرٍ حدّثنا محُمَيْدٌ عنْ أَنَسِ قالَ حَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَقامَ مَنْ كانَ قَرِيبَ الدَّارِ إِلَى أَهْلِهِ وَبَقِيَ قَوْمٌ فَأُتِيَ رسولُ اللَّهِ صَلِّ بِخْضَبٍ مِنْ حِجَارَةٍ فِيهِ ماءٍ فَصَغُرَ المِخْضَبُ أَنْ يَبْسُطَ فِيهِ كَفَّهُ فَتَوَضَّأَ القَوْمُ كُلُّهُمْ قُلْنَا كَمْ كُنْتُمْ قال ثَمَّانِينَ وزِيادَةً. [انظر الحديث: ٦٩ (وأطرافه]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة في قوله: ((بمخضب من حجارة ... )) إلى آخره. بيان رجاله: وهم أربعة. الأول: عبد الله بن منير، بضم الميم وكسر النون وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره راء، ووقع في رواية الأصيلي: ابن المنير، بالألف واللام. قلت: يجوز كلاهما كما عرف في موضعه، وقد يلتبس هذا: بابن المنير، الذي له كلام في تراجم البخاري وفي غيرها، وهو بضم الميم وفتح النون وتشديد الياء آخر الحروف، وهو متأخر عن ذلك بزهاء أربعمائة سنة، وهو: أبو العباس أحمد بن أبي المعالي محمد كان قاضي اسكندرية وخطيبها، وعبد الله بن منير الحافظ الزاهد السهمي المروزي، مات سنة إحدى وأربعين ومائتين. الثاني: عبد الله بن بكر أبو وهب البصري، نزل بغداد وتوفي في خلافة المأمون سنة ثمان ومائتين. الثالث: حميد، بالتصغير، ابن أبي حميد الطويل، مات وهو قائم يصلي، وقد تقدم في باب خوف المؤمن أن يحبط عمله. الرابع: أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه. بيان لطائف إسناده منها: أن فيه التحديث بصيغة الجمع والسماع والعنعنة. ومنها: أن رواته ما بين مروزي وبصري. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في علامات النبوة عن يزيد بن هارون، وأخرجه مسلم ولفظه: ((كان النبي عَ لّه وأصحابه بالزوراء، والزوراء بالمدينة عند السوق والمسجد، دعا بقدح فيه ماء فوضع كفه فيه فجعل ينبع من بين أصابعه، فتوضأ جميع أصحابه. قال: قلت: كم كانوا يا أبا حمزة؟ قال: كانوا زهاء الثلاثمائة)). وأخرجه الإسماعيلي وغيره. بيان المعانى والإعراب قوله: ((حضرت الصلاة)) هي صلاة العصر. قوله: ((من كان)) في محل الرفع، لأنه فاعل: قام. قوله: ((إلى أهله) يتعلق بقوله: ((فقام))، وذلك القيام كان لقصد تحصيل الماء والتوضى به. قوله: ((وبقي قوم)) أي: عند رسول الله عَبد ما غابوا عن مجلسه ولم يكونوا على الوضوء أيضاً، وإنما توضأوا من المخضب الذي أتى به رسول الله عَّ﴾. قوله: ((فأتي)) بضم الهمزة على صيغة المجهول. قوله: ((من حجارة)) كلمة: من. i i i i ـةهوة i i ١٣٢ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٥) للبيان. قوله: ((فصغر المخضب)) أي: لم يسع بسط الكف فيه لصغره، وقد علم من ذلك أن المخضب يكون من حجارة وغيره، ويكون صغيراً وكبيراً. قوله: ((أن يبسط)) أي: لأن يبسط، وكلمة: أن، مصدرية أي: لبسط الكف فيه. قوله: ((فتوضأ القوم)) أي: القوم الذين بقوا عند النبي عَّله من ذلك المخضب الصغير. قوله: ((فقلنا)) وفي بعضها: قلت. وهو من كلام حميد الطويل الراوي عن أنس، رضي الله تعالى عنه. قوله: ((كم كنتم)؟ مميز: كم، محذوف تقديره: كم نفساً كنتم؟ وكذلك مميز ثمانين منصوب لأنه خبر للكون المقدر تقديره: كنا ثمانين نفساً وزيادة على الثمانين. بيان استنباط الأحكام: الأول: فيه دلالة على معجزة كبيرة للنبي عَّهِ. الثاني: فيه التهيؤ للوضوء عند حضور الصلاة. الثالث: فيه أن الأواني كلها، سواء كانت من الخشب أو من جواهر الأرض طاهرة، فلا كراهة في استعمالها، وذكر أبو عبيد في (كتاب الطهور) عن ابن سيرين: كانت الخلفاء يتوضأون في الطشت، وعن الحسن رأيت عثمان يصب عليه من إبريق يعني نحاساً. قال أبو عبيد: وعلى هذا أمر الناس في الرخصة والتوسعة في الوضوء في آنية النحاس وأشباهه من الجواهر إلاَّ ما روي عن ابن عمر من الكراهة. قلت: ذكر ابن أبي شيبة عن يحيى بن سليم عن ابن جريج قال: قال معاوية: كرهت أن أتوضأ في النحاس، وفي كتاب (الأشراف): رخص كثير من أهل العلم في ذلك، وبه قال الثوري وابن المبارك والشافعي وأبو ثور، وما علمت أني رأيت أحداً كره الوضوء في آنية الصفر والنحاس والرصاص وشبهه، والأشياء على الإباحة وليس يحرم ما هو موقوف على ابن عمر. وقال ابن بطال: وقد وجدت عن ابن عمر أنه توضأ فيه، وهذه الرواية أشبه للصواب، وكان الشافعي وإسحاق وأبو ثور يكرهون الوضوء في آنية الذهب والفضة، وبه نقول. ولو توضأ به متوضى أجزأه وقد أساء، وعن أبي حنيفة، رضي الله عنه، كان يكره الأكل والشرب في آنية الفضة، وكان لا يرى بأساً بالمفضّض، وكان لا يرى بالوضوء منه بأساً. قلت: أبو حنيفة كان يكره الأكل في آنية الذهب أيضاً، والمراد من الكراهة: كراهة التحريم، وفي (سنن) أبي داود، بسند ضعيف عن عائشة رضي الله تعالى عنها: ((كنت أغتسل أنا ورسول الله، عليه الصلاة والسلام، في تور من شبه)). وفي (مسند) أحمد بسند صحيح عن زينب بنت جحش: ((أن النبي، عليه الصلاة والسلام، كان يتوضأ من مخضب من صفر)). الصفر، بضم الصاد: هو النحاس الجيد. قال أبو عبيدة: كسر الصاد فيه لغة ولم يجزه غيره، ويقال له: الشبه، أيضاً بفتحتين لأنه يشبه الذهب. ١٩٦/٥٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلاَءِ قال حدّثنا أبُو أَسَامَةَ عنْ بُرَيْدِ عنْ أَبِي بُرْدَةً عنْ أبي مُوسى أنَّ النَّبيَّ عَلِ دَعا بِقَدَح فيه ماءٌ فَغَسلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ وَمَتَّ فيهِ. [انظر الحديث: ١٨٨ وطرفه]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة. بيان رجاله وهم خمسة: الأول: محمد بن العلاء، بالمهملة وبالمد. الثاني: أبو ١٣٣ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٥) أسامة حماد بن أسامة. الثالث: بريد، بضم الباء الموحدة وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف: بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى، واسم أبي بردة الحارث، ويقال: عامر، ويقال: اسمه كنيته، وأبو موسى اسمه عبد الله بن قيس الأشعري، وهذا الإسناد بعينه تقدم في باب فضل من علم وعلم. ولا تفاوت بينهما إلاّ في لفظ حماد، فإنه ذكر هنا بالكنية. وثمة بالاسم. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة. ومنها: أن رواته كلهم كوفیون. ومنها: أن فيه ثلاثة مکیون. بيان المعنى والإعراب قوله: ((مج فيه)) أي: صب فيه، ومنه: مج لعابه إذا قذفه. قوله: ((فيه ماء))، جملة إسمية في موضع الجر لأنها صفة لقدح. قوله: ((فغسل يديه)): الفاء، للعطف على: دعا بالمهملة، ومعنى دعا طلب. قوله: ((ووجهه)) بالنصب عطف على قوله: «يديه)). وقوله: ((ومج)) عطف على ((غسل)). بيان استنباط الأحكام الأول: قال الكرماني، هذا الحديث يدل على الغسل في القدح، بفتح الغين، لا على الغسل، بضم الغين، ولا على الوضوء. الثاني: قال الداودي: فيه جواز الوضوء بماء قد مج فيه. الثالث: فيه دلالة على جواز الشرب منه، وكذا الإفراغ منه على الوجوه والنحور، لأن تمام الحديث أخرجه البخاري معلقاً عن أبي موسى في باب استعمال فضل وضوء الناس، وقد ذكرنا بقية الكلام هناك. ١٩٧/٦٠ - حدثنا أحمَدُ بنُ يُونُسَ قالَ حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ أبي سَلَمَة قال حدّثنا عَمْرُو بنُ يَحْتَى عِنْ أَبِيهِ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ زَيْدٍ قَالَ أَتَى رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ فَأَخْرَجْنا لَهُ ماءً في تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ فَتَوَضَّأَ فَغَسلَ وَجْهَهُ ثَلاثاً وَيَدَيْهِ مَرَّتَيْن مَوَّتَيْنِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ فَأَقْبَلَ بِهِ وَأَذْبَرَ وَغَسَلَ رِجَلَيْه. [انظر الحديث: ١٨٥ وأطرافه]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة. بيان رجاله: وهم خمسة: الأول: أحمد بن عبد الله بن يونس، نسب إلى جده، تقدم في باب من قال: الإيمان هو العمل الصالح. الثاني: عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، بفتح اللام: الماجشون، بفتح الجيم، مر في باب السؤال والفتيا عند رمي الجمار. الثالث: عمرو بن يحيى. الرابع: أبوه يحيى بن عمارة. الخامس: عبد الله بن زيد، وقد تقدموا في باب غسل الرجلين. بيان لطائف إسناده منها: أن فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة. ومنها: أن رواته ما بين كوفي ومدني. ومنها: أن فيه اثنين وهما أحمد بن يونس وعبد العزيز، وكلاهما منسوبان إلى جدهما، واسم أب كل منهما: عبد الله، وكنية كل منهما: أبو عبد الله، وكل منهما: ثقة حافظ فقيه. بيان المعنى والحكم قوله: ((أتانا رسول الله، عليه الصلاة والسلام)) رواية i i i i i i ١٣٤ : هو. ١٣٤ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٥) الكشميهني وأبي الوقت، ورواية غيرهما: ((أتى رسول الله عليه الصلاة والسلام)). قوله: ((في تور)) صفة لقوله: ((ماء))، ومحله النصب، وكلمة: من في: ((من صفر)) للبيان، وتفسير: التور، قد مر عن قريب. قوله: ((فغسل وجهه)) تفسير لقوله: ((فتوضأ)) وفيه حذف تقديره: فمضمض واستنشق، كما دلت عليه الروايات الأخر، والمخرج متحد. قوله: ((في تور من صفر)) زيادة عبد العزيز. قال الكرماني: فإن قلت: لم يذكر في الترجمة لفظ: التور، وكان المناسب أن يذكر هذا الحديث في الباب الذي بعده. قلت: لعل إيراده في هذا الباب من جهة أن ذلك التور كان على شكل القدح، أو من جملة أنه حجر، لأن الصفر من أنواع الأحجار، أقول: رأيت في نسخة صحيحة بخط المصنف: والتور، بعد قوله: ((والخشب والحجارة)». ٦١ /١٩٨ - حدّثنا أبو اليَمَانِ قال أخبرنا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قال أخبرني عُبَيْدُ اللَّهِ بِنُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُثْبَةَ أنَّ عَائِشَةَ قالَتْ لمَا ثَقُلَ النبيُّ عَ لَّهِ وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ فِي أَنْ يَُّضَ فِي بَيِي فَأَذِنَّ لهُ فَخَرَجَ النبيُّ ◌َ له بَيْنَ رَجُلَيْنِ تَخْطُ رِجْلاَهُ فِي الأَرْضِ بَيْنَ عَبَّاسٍ وَرَجُلٍ آخَرَ قالَ عُبَيْدُ اللَّهِ فَأَخْبَوْتُ عَبْدَ اللَّهِ بنَ عَبَّاسٍ فقالَ أَتَدْرِي منِ الرَّجُلُ الآخَرُ قُلْتُ لاَ قالَ هُوَ عَلِيٍّ وكانَتْ عَائِشَةُ رضي اللَّهُ عنها تُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيُّ عَ لِّ قَالَ بَعْدَ ما دَخَلَ بَيْتَهُ واشْتَدَّ وَجعُهُ: (هَرِيقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْع قِرَبٍ لِمْ تُخلَلْ أَوْكِيْتُهُنَّ لِعَلِّ أَعْهَدُ إِلَى النَّاسِ)) وأَجْلِسَ فِي مِخْضَبٍ لخَفْصَةَ زَوْج النبيِّ عَّ ◌َلَّهِ ثمَّ طَفِقْنَا نَصُبُّ عَلَيْهِ من تِلْكَ القِرَبِ حَتَّى طَفِقَ يُشِيرُ إِلَيْنَا أَنْ قَدْ فَعَلْتُنَّ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ. [الحديث ١٩٨ - أطرافه في: ٦٦٤، ٦٦٥، ٦٧٩، ٦٨٣، ٦٨٧، ٧١٢، ٧١٣، ٧١٦، ٢٥٨٨، ٣٠٩٩، ٣٣٨٤، ٤٤٤٢، ٤٤٤٥، ٥٧١٤، ٧٣٠٣]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة. /١٠٠ بيان رجاله: وهم خمسة: الأول: أبو اليمان، بفتح الياء آخر الحروف: واسمه الحكم ابن نافع. الثاني: شعيب بن أبي حمزة دينار، أبو بشر الحمصي. الثالث: محمد بن مسلم الزهري. الرابع: عبيد الله بن عبد الله، بتصغير الابن وتكبير الأب، والكل تقدموا في كتاب الوحي. الخامس: عائشة أم المؤمنين، رضي الله تعالى عنهم أجمعين. بيان لطائف إسناده منها: أن فيه التحديث بصيغة الجمع والإخبار، وبصيغة الإفراد والقول. ومنها: أن رواته ما بين حمصي ومدني. ومنها: أن فيه راويين جليلين: الزهري وعبيد الله. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرج البخاري هذا الحديث في سبع مواضع هنا، وفي الصلاة في موضعين، وفي حد المريض يشهد الجماعة، وإنما جعل الإمام ليؤتم به مختصراً، وفي الهبة، والخمس، وأجر المغازي، وفي باب مرضه، عليه الصلاة والسلام، وفي الطب. وأخرجه مسلم في الصلاة عن عبد بن حميد ومحمد بن رافع. وأخرجه النسائي في عشرة النساء، وفي الوفاة عن محمد بن منصور، وفي الوفاة أيضا عن سويد بن نصر عن ابن توم ١٣٥ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٥) المبارك به، ولم يذكر ابن عباس. أخرجه الترمذي في الجنائز عن ابن إسماعيل عن سفيان به. بيان اللغات والإعراب قوله: ((لما ثقل))، بضم القاف، يقال: ثقل الشيء ثقلاً، مثال صغر صغراً، فهو ثقيل. وقال ابو نصر: أصبح فلان ثاقلاً إذا أثقله المرض، والثقل ضد الخفة، والمعنى ههنا: اشتد مرضه، ويفسره قولها بعده: واشتد به وجعه، وأما: الثقل، بفتح الثاء وسكون القاف، فهو مصدر: ثقل، بفتح القاف: الشيء في الوزن يثقله ثقلاً، من باب: نصر ينصر، إذا وزنه. وكذلك: ثقلت الشاة إذا رفعتها للنظر ما ثقلها من خفتها. وقال بعضهم: وفي القاموس: ثقل كفرح يعنى بكسر القاف فهو ثاقل وثقيل: اشتد مرضه. قلت: هذا يحتاج إلى نسبته إلى أحد من أئمة اللغة المعتمد عليهم. قوله: ((في أن يمرض)) على صيغة المجهول، من: التمريض، يقال: مرضه تمريضاً إذا أقمت عليه في مرضه، يعني: خدمته فيه. ويحتمل أن يكون التشديد فيه للسلب والإزالة كما تقول قردت البعير إذا أزلت قراده، والمعني هنا: أزلت مرضه بالخدمة. قوله: ((فأذن)) بتشديد النون لأنه جماعة النساء، أي: أذنت زوجات النبي، عليه الصلاة والسلام، أن يمرض في بيتها. قوله: ((تخط رجلاه)) بضم الخاء المعجمة، و: رجلاه، فاعله أي: يؤثر برجله على الأرض كأنها تخط خطاً، وفي بعض النسخ: تخط، بصيغة المجهول. قوله: ((قال عبيد الله)) هو الراوي له عن عائشة، رضي الله تعالى عنها، وهو بالإسناد المذكور بغير واو العطف. قوله: ((وكانت)) معطوف أيضاً بالإسناد المذكور، وعباس هو ابن عبد المطلب عم النبي عَّهِ. قوله: ((فأخبرت)) أي: بقول عائشة، رضي الله عنها. قوله: ((بعد ما دخل بيته)) وفي بعض النسخ: ((بيتها))، وأضيف إليها مجازاً: بملابسة السكنى فيه. قوله: ((هريقوا علي)) كذا في رواية الأكثرين بدون الهمزة في أوله، وفي رواية الأصيلي: ((أهريقوا))، بزيادة الهمزة. وفي بعض النسخ: ((اريقوا)). اعلم أن في هذه المادة ثلاث لغات. الأولى: هراق الماء يهرقه هراقة أي: صب، وأصبه: أراق يريق إراقة، من باب الإفعال، وأصل: أراق يريق على وزن أفعل، نقلت حركة الياء إلى ما قبلها، ثم قلبت ألفاً لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها بعد النقل، فصار أراق، وأصل: يريق يأريق على وزن: يؤفعل، مثل: يكرم، أصله: يؤكرم، حذفت الهمزة منه إتباعاً لحذفها في المتكلم لاجتماع الهمزتين فيه، وهو ثقيل. اللغة الثانية: أهرق الماء يهرقه إهراقاً على وزن: أفعل إفعالاً. قال سيبويه: قد أبدلوا من الهمزة الهاء ثم لزمت فصارت كأنها من نفس الكلمة حذفت الألف بعد الهاء، وتركت الهاء عوضاً عن حذفهم العين، لأن أصل أهرق: أريق. اللغة الثالثة: أهراق يهريق إهراقاً، فهو مهريق، والشيء مهراق ومهراق أيضاً بالتحريك، وهذا شاذ، ونظيره: اسطاع يسطيع اسطياعاً، بفتح الألف في الماضي، وضم الياء في المضارع وهو لغة في: أطاع يطيع، فجعلوا السين عوضاً من ذهاب حركة عين الفعل، فكذلك حكم: الهاء، وقد خبط بعضهم خباطاً في هذا الموضوع لعدم وقوفهم على قواعد علم الصرف. قوله: ((من سبع قرب)) جمع قربة، وهي ما يستقى به، وهو جمع الكثرة، وجمع القلة: قربات، بسكون الراء وفتحها ے i ١٣٦ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٥) وكسرها. قوله: ((أوكيتهن)) الأوكية جمع: وكاء، وهو الذي يشد به رأس القربة. قوله: (أعهد)) بفتح الهاء اي: أوصي من باب: علم يعلم، يقال عهدت إليه أي: أوصيته. قوله: ((وأجلس)) على صيغة المجهول أي: النبي عَّله، وفي بعض الروايات: ((فأجلس)) بالفاء. و: المخضب، مر تفسيره عن قريب، وزاد ابن خريمة من طريق عروة عن عائشة أنه كان من نحاس. قوله: ((ثم طفقنا نصب عليه)) بكسر الفاء وفتحها، حكاه الأخفش، والكسر أفصح. وهو من أفعال المقاربة، ومعناه: جعلنا نصب الماء على رأس النبي عَّهِ. قوله: ((تلك)) أي: القرب السبع، وفي بعض الروايات: ((تلك القرب)). وهو في محل النصب لأنه مفعول نصب. قوله: ((حتى طفق) اي حتى جعل النبي عَّهُ يشير إلينا، وفي: طفق، معنى الاستمرار والمواصلة. قوله: ((أن قد فعلتن) أي: بأن فعلتن ما أمرتكن به من إهراق الماء من القرب الموصوفة، و: فعلتن، بضم التاء وتشديد النون، وهو جمع المؤنث المخاطب. قوله: ((ثم خرج إلى الناس)) أي: خرج من بيت عائشة، رضي الله عنها، وزاد البخاري فيه من طريق عقيل عن الزهري: ((فصلى بهم وخطبهم))، على ما يأتي، إن شاء الله تعالى. بيان استنباط الأحكام الأول: فيه الدلالة على وجوب القسم على النبي عَّ وإلاّ لم يحتج إلى الاستئذان عنهن، ثم وجوبه على غيره بالطريق الأولى. الثاني: فيه لبعض الضرات أن تهب نوبتها للضرة الأخرى. الثالث: فيه استحباب الوصية. الرابع: فيه جواز الإجلاس في المخضب ونحوه لأجل صب الماء عليه، سواء كان من خشب أو حجر أو نحاس، وقد روي عن ابن عمر كرامة الوضوء في النحاس، وقد ذكرناه وقد روي عنه أنه قال: أنا أتوضأ بالنحاس وما يكره منه شيء إلاَّ رائحته فقط. وقيل: الكراهة فيه لأن الماء يتغير فيه، وروي أن الملائكة تكره ريح النحاس. وقيل: يحتمل أن تكون الكراهة فيه لأنه مستخرج من معادن الأرض شبيه بالذهب والفضة، والصواب: جواز استعماله بما ذكرنا من رواية ابن خزيمة، وفي رسول الله عَ لل الأسوة الحسنة والحجة البالغة. الخامس: فيه إراقة الماء على المريض بنية التداوي وقصد الشفاء. السادس: فيه دلالة على فضل عائشة، رضي الله تعالى عنها، لتمريض النبي عَّ له في بيتها. السابع: فيه إشارة إلى جواز الرقي والتداوي للعليل، ويكره ذلك لمن ليس به علة. الثامن: فيه أن النبي عَ لّه كان يشتد به المرض ليعظم الله أجره بذلك، وفي الحديث الآخر: ((إني أوعك كما يوعك رجلان منكم)). التاسع: فيه جواز الأخذ بالإشارة. العاشر: فيه أن المريض تسكن نفسه لبعض أهله دون بعض. الأسئلة والأجوبة: الأول: ما كانت الحكمة في طلب النبي عَّ الماء في مرضه؟ أجيب: بأن المريض إذا صب عليه الماء البارد تابعت إليه قوته، لكن في مرض يقتضي ذلك، والنبي عَّللم علم ذلك فلذلك طلب الماء، ولذلك بعد استعمال الماء قام وخرج إلى الناس. الثاني: ما الحكمة في تعيين العدد بالسبعة في القرب؟ أجيب: بأنه يحتمل أن يكون ذلك من ناحية التبرك، وفي عدد السبع بركة، لأن له دخولاً كثيراً في كثير من أمور الشريعة، ولأن ٠٫٠٠٠ ١٣٧ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٦) الله تعالى خلق كثيراً من مخلوقاته سبعاً. قلت: نهاية العدد عشرة، والمائة تتركب من العشرات، والألوف من المئات، والسبعة من وسط العشرة، وخير الأمور أوساطها، وهي وتر، والله تعالى يحب الوتر، بخلاف السادس والثامن، وأما التاسع فليس من الوسط وإن كان وتراً. الثالث: ما الحكمة في تعيين القرب؟ أجيب: بأن الماء يكون فيها محفوظاً وفي معناها ما يشاكلها مما يحفظ فيه الماء، ولهذا جاء في رواية الطبراني في هذا الحديث من آبار شتى. الرابع: ما الحكمة في شرطه، عليه الصلاة والسلام، في القرب عدم حل أوكيتهن؟ أجيب: بأن أولى الماء أطهره وأصفاه، لأن الأيدي لم تخالطه ولم تدنسه بعد، والقرب إنما توكى وتحل على ذكر الله تعالى، فاشترط أن يكون صب الماء عليه من الأسقية التي لم تحلل ليكون قد جمع بركة الذكر في شدها وحلها معا. الخامس: ما الحكمة في أن عائشة، رضي الله عنها، قالت: ((ورجل آخر)) ولم تعينه، مع أنه كان هو علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه؟ أجيب: بأنه كان في قلبها منه ما يحصل في قلوب البشر مما يكون سبباً في الإعراض عن ذكر اسمه، وجاء في رواية: ((بين الفضل ابن عباس))، وفي أخرى: ((بين الرجلين أحدهما أسامة))، وطريق الجمع أنهم كانوا يتناوبون الأخذ بيده الكريمة، تارة هذا وتارة هذا، وكان العباس أكثرهم أخذاً بيده الكريمة، لأنه كان أدومهم لها إكراماً له واختصاصاً به، وعلي وأسامة والفضل يتناوبون اليد الأخرى، فعلى هذا يجاب بأنها صرحت بالعباس وأبهمت الآخر لكونهم ثلاثة، وهذا الجواب أحسن من الأول. السادس: قال الكرماني: أين ذكر الخشب في هذه الأحاديث التي في هذا الباب؟ ثم أجاب بقوله: لعل القدح كان من الخشب. ٠ جوّة i ٤٦ _ بابُ الوُضُوء مِنَ التَّوْرِ أي: هذا باب في بيان حكم الوضوء من التور، وقد مر تفسير التور مستوفىّ، ووقع في حديث شريك عن أنس في المعراج فأتى بطشت من ذهب فيه تور من ذهب، فدل هذا أن التور غير الطشت، وذلك يقتضي أن يكون التور إبريقاً ونحوه، لأن الطشت لا بد له من ذلك. والمناسبة بين البابين ظاهرة. ١٩٩/٦٢ - حدّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ قالَ حدّثنا سُلَيْمانُ قالَ حدّثنِي عَمْرُو بنُ يَحْيِی عَنْ أَبِيهِ قالَ كانَ عَمِّي يُكْثِرُ مِنَ الؤُضُوءِ قال لَعَبْدِ اللَّهِ بن زَيْدٍ أَخْبِرْنِي كَيْفَ رَأيْتَ النبيَّ عَّه يَتَوضَّأَ فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ فَكَفَأَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلاثَ مِرَارٍ ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي النَّوْرِ فَمَضْمَضَ واسْتَنْفَرَ ثَلاثَ مَرَاتٍ مِنْ غَرْفَةٍ واحِدَةٍ ثُمَّ أدْخَلَ يَدَهُ فَاغْتَرَفَ بِها فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ إِلى الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ مَاءً فَمَسَحَ رَأْسَهُ فأدْبَرَ بِهِ وأَقْبَلَ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ فقالَ هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيِّ عَ لَّهِ يَتَوَضَّأ. [انظر الحديث: ١٨٥ وأطرافه]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة. بيان رجاله: وهم خمسة: الأول: خالد بن مخلد، بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح اللام: القطواني البجلي، مر في أول كتاب العلم. الثاني: سليمان بن بلال أجود i i i احمر ١٣٨ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٦) ... أبو محمد، مر في أول كتاب الإيمان. الثالث: عمرو بن يحيى. الرابع: يحيى بن عمارة. الخامس: عم يحيى هو عمرو بن أبي حسن، كما تقدم. وبقية الكلام فيه وفيما يتعلق بالحديث مر في باب مسح الرأس كله، ولنذكر هنا ما لم نذكره هناك. قوله: ((ثلاث مرات)) وفي رواية: ((ثلاث مرار))، فإن قلت: حكم العدد في ثلاثة إلى عشرة أن يضاف إلى جمع القلة، فلم أضيف إلى جمع الكثرة مع وجود القلة وهو: مرات؟ قلت: هما يتعاوضان فيستعمل كل منهما مكان الآخر كقوله تعالى: ﴿ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨]. قوله: ((ثم ادخل يده في التور فمضمض)) فيه حذف تقديره: ثم أخرجها فمضمض، وقد صرح به مسلم في روايته. قوله: ((واستنثر)) قد مر تفسير الاستئثار هناك. فإن قلت: لِمَ لَمْ يذكر الاستنشاق؟ قلت: الاستئثار مستلزم للاستنشاق لأنه إخراج الماء من الأنف، هكذا قاله الكرماني. قلت: لا يتأتى هذا على قول من يقول: الاستنثار والاستنشاق واحد، فعلى قول هذا يكون هذا من باب الاكتفاء أو الاعتماد على الرواية الأخرى. قوله: ((من غرفة واحدة)) حال من الضمير الذي في: ((مضمض))، والمعنى: مضمض ثلاث مرات واستنثر ثلاث مرات حال كونه مغترفاً بغرفة واحدة وهو أحد الوجوه الخمسة للشافعية. وقال بعضهم قوله (من غرفة واحدة)) يتعلق بقوله: ((فمضمض واستنثر))، والمعنى جمع بينهما بثلاث مرات من غرفة واحدة كل مرة بغرفة. قلت: يكون الجمیع ثلاث غرفات، والتركيب لا يدل على هذا، وهو يصرح بغرفة واحدة. نعم، جاء في حديث عبد الله بن زيد: بثلاث غرفات، وفي رواية أبي داود ومسلم: ((فمضمض واستنشق من كف واحدة، يفعل ذلك ثلاثا)). يعني: بفعل المضمضة والاستنشاق كل مرة منهما بغرفة، فتكون المضامض الثلاث والاستنشاقات الثلاث بثلاث غرفات، وهو أحد الوجوه الشافعية وهو الأصح عندهم. قوله: ((فغسل وجهه ثلاث مرات)) لفظ: ثلاث مرات، متعلق بالفعلين أي: اغترف ثلاثاً فغسل ثلاثاً، وهو على سبيل تنازع العاملين، وذلك لأن الغسل ثلاثاً لا يمكن باغتراف واحد. قوله: ((فأدبر بيديه وأقبل))، احتج به الحسن بن حي على أن البداءة بمؤخر الرأس، والجواب أن: الواو، لا تدل على الترتيب، وقد سبقت الرواية بتقديم الإقبال حيث قال: ((فأقبل بيده وأدبر بها)، وإنما اختلف فعل رسول الله عَ ليه في التأخير والتقديم ليري أمته السعة في ذلك والتيسير لهم. قوله: «فقال))، أي: عبد الله بن زيد. ٦٣/ ٢٠٠ - حدّثنا مُسَدَّدٌّ قالَ حدّثنا حَمَّادٌ عَنْ ثابتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنّ النَّبِيَّ عَلِّ دَعا ◌ِناءٍ مِنْ ماءٍ فَأَبِيَ بِقَدَحِ رَخْرَاحِ فِيهِ شَيءٌ مِنْ ماءٍ فَوَضَعَ أصَابِعَهُ فِيهِ قال أَنَسْ فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى المَاءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِه قالَ أَنَسٌ فَحَزَرْتُ مَنْ تَوضَّأَ منه ما بَيْنَ السَّبْعِين إلى الثَّمَانِينَ. [انظر الحديث: ١٦٩ وأطرافه]. مطابقته للترجمة غير ظاهرة لأن الترجمة باب الوضوء من التور، اللهم إلاَّ إذا أطلق اسم التور على القدح. ١٣٠٠/ ١٣٩ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٧) بيان رجاله وهم أربعة. الأول: مسدد بن مسرهد. الثاني: حماد بن زيد، تقدم كلاهما. فإن قلت: فَلِمَ لا يجوز أن يكون حماد هذا هو حماد ابن سلمة؟ قلت: لأن مسدداً لم يسمع من حماد بن سلمة. الثالث: ثابت البناني، بضم الباء الموحدة وبالنونين، مر في باب القراءة والعرض. الرابع: أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه. بيان لطائف إسناده منها: أن فيه التحديث بصيغة الجمع والعنعنة. ومنها: أن رواته كلهم بصريون. ومنها: أنهم كلهم أئمة أجلاء. بيان من أخرجه غيره: أخرجه مسلم في فضائل النبي عَّهِ عن أبي الربيع الزهراني. بيان المعنى: قوله: ((رحراح))، بفتح الراء وبالحاءين المهملتين أي: واسع، ويقال: وحرح أيضاً بحذف الألف. وقال الخطابي: الرحراح: الإناء الواسع الفم القريب القعر، ومثله لا يسع الماء الكثير، فهو أدل على المعجزة. وروى ابن خزيمة هذا الحديث عن أحمد بن عبدة عن حماد بن زيد، فقال بدل رحراح: زجاج، بزاي مضمومة وجيمين، وبوب عليه الوضوء من آنية الزجاج، وفي مسنده عن ابن عباس أن المقوقس أهدى للنبي عَ لله قدحاً من زجاج، لكن في إسناده مقال. قوله: ((فيه شيء من ماء)) أي: قليل من ماء، لأن التنوين للتقليل، ومن، للتبعيض. قوله: ((ينبع)) يجوز فيه فتح الباء الموحدة وضمها وكسرها. قوله: ((فحزرت)) من الحزر، بتقديمٌ الزاي على الراء، وهو: الخرص. والتقدير قوله: ((من توضأ)). في محل النصب على المفعولية. قوله: ((ما بين السبعين إلى الثمانين)) حال من قوله: ((ومن تقدم)) من رواية حميد أنهم كانوا ثمانين وزيادة، والجمع بينهما أن أنساً لم يكون يضبط العدة بل كان يتحقق أنها تنيف على السبعين، ويشك هل بلغت العقد الثامن أو جاوزته، كذا قال بعضهم. وقال الكرماني: ورد أيضا عن جابر ثمة: ((كنا خمسة عشر ومائة))، وهذه قضايا متعددة في مواطن مختلفة وأحوال متغايرة، وهذا أوجه من ذاك، ويستفاد من هذا بلاغه معجزته عَ لّه، وهو أبلغ من تفجير الماء من الحجر لموسى، عليه الصلاة والسلام، لأن في طبع الحجارة أن يخرج منها الماء الغدق الكثير، وليس ذلك في طباع أعضاء بني آدم. i i ٤٧ _ بابُ الوُضُوءِ بالمُدِّ أي: هذا باب الوضوء بالمد، بضم الميم وتشديد الدال: والمد، اختلفوا فيه. فقيل: المد رطل وثلث بالعراقي، وبه يقول الشافعي وفقهاء الحجاز. وقيل: هو رطلان، وبه يقول أبو حنيفة وفقهاء العراق. وقال بعضهم: وخالف بعض الحنفية، فقال: المد رطلان. قلت: مذهب أبي حنيفة أن المد رطلان، وهذا القائل لم يبين المخالف من هو، وما خالف أبو حنيفة أصلاً لأنه يستدل في ذلك بما رواه جابر، قال: ((كان النبي، عَ لّه، يتوضأ بالمد رطلين ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال)). أخرجه ابن عدي، وبما رواه عن أنس، قال: ((كان رسول الله، عَّالله، يتوضأ بمد رطلين ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال))، أخرجه الدارقطني. i ١٤٠ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٤٧) ٢٠١/٦٤ - حدّثنا أبو نعَيْم قالَ حدّثنا مِشْعَرٌ قالَ حدّثني ابنُ جَبْرٍ قالَ سَمِعْتُ أَنَساً يَقُولُ كان النَّبيُّ عَّهِ يَغْسِلُ أَوْ كَانَ يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إلى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ وَيَتَوَضَّأُ بالمُدِّ. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة. بيان رجاله: وهم أربعة الأول: أبو نعيم، بضم النون: هو الفضل بن دكين، تقدم في باب فضل من استبرأ لدينه في كتاب الإيمان. الثاني: مسعر، بكسر الميم وسكون السين المهملة وفتح العين المهملة: ابن كدام، بكسر الكاف وبالدال المهملة. وقال أبو نعيم: كان مسعر شكاكاً في حديثه. وقال شعبة: كنا نسمي مسعرَ المصحفَ لصدقه. وقال إبراهيم بن سعد: كان شعبة وسفيان إذا اختلفا في شيء. قال: اذهب بنا إلى الميزان: مسعر. مات سنة خمس وخمسين ومائة. الثالث: ابن جبر، بفتح الجيم وسكون الباء الموحدة، والمراد به: سبط جبر لأنه عبد الله بن عبد الله جبر بن عتيك، تقدم في باب علامة الإيمان حب الأنصار، ومن قال بالتصغير فقد صحف، لأن ابن جبير، وهو ابن سعيد لا رواية له عن أنس في هذا الكتاب، وقد روى هذا الحديث الإسماعيلي من طريق أبي نعيم، شيخ البخاري، قال: حدّثنا مسعر، قال: حدثني شيخ من الأنصار يقال له: ابن جبر، ويقال له: جابر ابن عتيك. الرابع: أنس بن مالك، رضي الله عنه. بيان لطائف إسناده منها: أن فيه التحديث بصيغة الجمع والسماع. ومنها: أن فيه كوفيان: أبو نعيم ومسعر، وبصريان: ابن جبر وأنس. ومنها: أن فيه من ينسب إلى جده. بيان اللغات والمعنى: قوله: ((أنسا)) بالتنوين، لأنه منصرف وقع مفعولاً. قال الكرماني في بعضها: أنس، بدون الألف، وجوز حذف الألف منه في الكتابة للتخفيف. قلت: لا بد من التنوين وإن كانت الألف لا تكتب. قوله: ((يغسل)) أي: يغسل جسده. قوله: ((أو يغتسل)) شك من الراوي. وقال الكرماني: الشك من ابن جبر أنه ذكر لفظ النبي، عليه الصلاة والسلام، أو لم يذكر، وفي أنه قال: يغسل أو يغتسل، من باب الافتعال، والفرق بين الغسل والاغتسال مثل الفرق بين الكسب والاكتساب. وقال غيره: والشك فيه من البخاري، أو من أبي نعيم لما حدثه به، فقد رواه الإسماعيلي من طريق أبي نعيم ولم يشك، فقال: يغتسل. قلت: الظاهر أن هذا من الناسخ لأن الإسماعيلي لم يروه بالشك، فنسبته إلى البخاري، أو إلى شيخه أو إلى ابن جبر ترجيح بلا مرجح، فلم لا ينسب إلى مسعر. قوله: ((بالصاع) قال الجوهري: الصاع هو الذي يكال به، وهو: أربعة أمداد إلى خمسة أمداد. وقال ابن سيده: الصاع مكيال لأهل المدينة، يأخذ أربعة أمداد، يذكر ويؤنث، وجمعه: أصوع وأصواع وصيعان وصواع، كالصاع. وقال ابن الأثير: الصاع مكيال يسع أربعة أمداد، والمد مختلف فيه، وفي (الجامع): تصغيره صويع، فيمن ذكّر، وصويعة فيمن أنَّث، وجمع التذكير أصواع وأصوع في التذكير، وأصوع في التأنيث. وفي (الجمهرة): أصوع في أذني العدد. وقال ابن بري في (تلخيص أغلاط الفقهاء): الصواب في جمع صاع أصوع. وقال ابن ١٣٤ 5.09