Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٤)
تمیم عن عمه عن عبد الله بن زيد به.
٤جدة
بيان المعاني والإعراب قوله: ((لا ينصرف)) أي: المصلي عن صلاته، لأن تمام
الحديث: ((شكى إلى النبي عَّه: الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة؟ فقال: لا
ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً)). وفي رواية ((لا ينفلت)) بمعنى: لا ينصرف، وكلمة:
حتى، للغاية. وكلمة: ان، مقدرة بعدها، وإنما ذكر شيئين وهما: سماع الصوت ووجدان
الرائحة، حتى يتناول الأصم والأخشم، وقد استوفينا الكلام فيه في باب: لا يتوضأ من الشك
حتی یستیقن.
١٧٨/٤٢ - حدّثنا قُتَئِبَةُ بنُ سَعِيدٍ قالَ حدّثنا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمش عَنْ مُنْذِرٍ أبي يَعْلَى
الثَّوْرِيِّ عَنْ مُحمَّدٍ بِنِ الحَنَفِيَّةِ قال قال عَلِيٍّ كنْتُ رَجُلاً مَدَّاءً فَاسْتَحِيَيْتُ أنَ أسْألَ رسولَ اللَّهِ
صلى الله عليه وسلم فأمَرْتُ المِقْدَادَ بنَ الأَسْوَدِ فَسَألَهُ فقالَ: ((فِيهِ الوُضُوءُ)). [انظر الحديث:
١٣٢ وطرفه].
تقدم الكلام فيه مستوفى: في آخر كتاب العلم، وجرير هو ابن عبد الحميد، والأعمش
هو سليمان بن مهران، وذكر الكل فيما مضى. وقال بعضهم: أورد البخاري في هذا الباب
هذا الحديث لدلالته على إيجاب الوضوء من المذي. وهو خارج من أحد المخرجين. قلت:
هذا مجمع عليه وليس له مطابقة للترجمة. فافهم.
وَرَوَاهُ شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ
أي: روى هذا الحديث شعبة بن الحجاج عن سليمان الأعمش عن منذر إلى آخره.
وأخرجه النسائي عن محمد بن علي بن خالد عن شعبة عن الأعمش به، والمذاء على وزن:
فعال، بالتشديد يعني: كثير المذي.
١٧٩/٤٣ - حدّثنا سَعْدُ بنُ حَفْصٍ قال حدّثنا شَيْبَانُ عَنْ يَحْبَى عَنْ أبي سَلمَةً أن
عطَاءَ بن يَسَارٍ أخبرهُ أنّ زَيْدَ بنَ خالِدٍ أُخْبَرَهُ أَنَّهُ سَألَ عُثْمانَ بنَ عَفَّانَ رضي الله عنهُ قُلْتُ
أَرَأيْتَ إذا جامع فَلَمْ يُمْنٍ قالَ عُثْمَانُ يَتَوَضَّأُ كما يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاَةِ وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ قالَ عُثْمَانُ سَمِعْتُهُ
مِنْ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَسَألْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ وطَلْحَةَ وأُبَيَّ بِنَ كَغْبٍ
رضي الله عنْهُمْ فأمَرُوْهُ بِذَلِكَ. [الحديث ١٧٩ - طرفه في: ٢٩٢].
قال الكرماني: فإن قلت: ما وجه مناسبته للترجمة؟ قلت: هو مناسب لجزء من
الترجمة، إذ هو يدل على وجوب الوضوء من الخارج من المخرج المعتاد. نعم لا يدل على
الجزء الآخر وهو عدم الوجوب في غيره، ولا يلزم أن يدل كل حديث في الباب على كل
الترجمة، بل لو دل البعض على البعض بحيث لا يدل كل ما في الباب على كل الترجمة
لصح التعبير بها. قلت: نعم لا يلزم أن يدل كل حديث في الباب إلى آخره، لكن الحديث
منسوخ بالإجماع فلا يناسبه الترجمة لأن الباب معقود فيمن لم ير الوضوء إلاّ من المخرجين
عمدة القاري/ ج٦٥/٣
i
i
ےے
١
i
٠٣٠

٨٢
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٤)
وههنا لا خلاف فيه.
بيان رجاله المذكورين فيه: وهم أحد عشر رجلا. الأول: سعد بن حفص أبو
محمد الطلحي، بالمهملتين: الكوفي. الثاني: شيبان بن عبد الرحمن النحوي، أبو معاوية.
الثالث: يحيى بن أبي كثير البصري التابعي. الرابع: أبو سلمة، بفتح اللام: عبد الله بن عبد
الرحمن بن عوف التابعي، وكل هؤلاء تقدموا في باب كتابة العلم. الخامس: عطاء بن
يسار، بفتح الياء آخر الحروف وبالسين المهملة: المدني، مر في باب كفران العشير.
السادس: زيد بن خالد الجهني المدني الصحابي، تقدم في باب الغضب في الموعظة.
السابع: عثمان بن عفان، رضي الله تعالى عنه، تقدم في باب الوضوء ثلاثاً، والأربعة الباقية
هم الصحابة المشهورون.
بيان لطائف إسناده منها: أن فيه التحديث والعنعنة والإخبار والسؤال والقول. ومنها:
أن فيه ثلاثة من التابعين: إثنان من كبار التابعين، وهما أبو سلمة وعطاء، والثالث تابعي صغير
وهو: يحيى بن أبي كثير، والثلاثة على نسق واحد. ومنها: أن فيه صحابيين يروي أحدهما
عن الآخر وهما: زيد بن أبي خالد وعثمان بن عفان. ومنها: أن رواته ما بين كوفي وبصري
ومدني.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره وأخرجه البخاري هنا عن سعد بن حفص عن
شيبان، وأخرجه أيضاً عن أبي معمر عن عبد الوارث عن حسين المعلم كلاهما، عن يحيى بن
أبي كثير عن أبي سلمة عن يسار عنه به، زاد في حديث حسين عن يحيى، قال: وأخبرني
أبو سلمة أن عروة بن الزبير أخبره أن أيوب الأنصاري أخبره أنه سمع ذلك من رسول الله،
عليه الصلاة والسلام. وأخرجه مسلم في الطهارة أيضاً عن زهير بن حرب وعبد بن حميد
وعبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، ثلاثتهم عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن
أبيه عن حسين المعلم به، وذكر الزيارة التي في آخره عن عبد الوارث بن عبد الصمد بن
عبد الوارث عن أبيه عن جده.
بيان المعنى والإعراب قوله: ((قلت))، بصيغة المتكلم، وإنما لم يقل: قال كما قال
إنه سأل، لأن فيه نوع من محاسن الكلام لأن فيه اعتبارين وهما عبارتان عن أمر واحد ففي
الأول نظر إلى جانب الغيبة، وفي الثاني إلى جانب المتكلم. قوله: ((أرأيت)) معناه: أخبرني،
ومفعوله محذوف تقديره: أرأيت أنه يتوضؤ. قوله: ((فلم يمن))، بضم الياء آخر الحروف: من
الإمناء، عليه الرواية، وفيه لغة ثانية: فتح الياء، وثالثة: ضم الياء مع فتح الميم وتشديد النون.
يقال: منى وأمنى ومنى، ثلاث لغات والوسطى أشهر وأفصح، وبها جاء القرآن. قال الله تعالى:
﴿افرأيتم ما تمنون﴾ [الواقعة: ٥٨] قوله: ((يتوضأ)) أمره بالوضوء احتياطاً، لأن الغالب خروج
المذي من المجامع وإن لم يشعر به. قوله: ((كما يتوضأ للصلاة» احترز به عن الوضوء
اللغوي. قوله: ((ويغسل ذكره))، أمره بذلك لتنجسه بالمذي، ولا يقال الغسل مقدم على
التوضىء، فلم أخره؟ لأنا نقول: الواو لا تدل على الترتيب بل للجمع المطلق، فلو توضأ قبله
: ٤٢٠٩

٨٣
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٤)
يجوز ولا ينتقض وضوؤه. قوله: ((سمعت)) أي: سمعت المذكور كله من رسول الله، عليه
الصلاة والسلام. قوله: ((فسألت عن ذلك)) مقول زيد لا مقول عثمان، رضي الله تعالى عنه.
قوله: ((فأمروه)) الضمير المرفوع فيه راجع إلى هؤلاء الصحابة الأربعة: علي والزبير وطلحة
وأبي بن كعب، رضي الله تعالى عنهم. والضمير المنصوب فيه راجع إلى المجامع. فإن
قلت: لم يمض ذكر المجامع. قلت: قوله: ((إذا جامع) أي: الرجل يدل على المجامع ضمناً
من قبل قوله تعالى: ﴿أعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ [المائدة: ٨] أي: العدل أقرب، دل عليه:
اعدلوا. قوله: ((بذلك)) أي: بأنه يتوضأ ويغسل ذكره.
بيان استنباط الأحكام الأول: فيه وجوب الوضوء على من يجامع امرأته ولا ينزل.
الثاني: فيه وجوب غسل ذكره، واختلفوا هل يجب غسل كل الذكر أو غسل ما أصابه
المذي، فقال مالك بالاول، وقال الشافعي بالثاني. قلت: اختلف أصحاب مالك، منهم من
أوجب غسل الذكر كله لظاهر الخبر، ومنهم من أوجب غسل مخرج المذي وحده وعن
الزهري، لا يغسل الأنثيين من المذي إلاَّ أن يكون أصابهما شيء. وقال الأثرم: وعلى هذا
مذهب أبي عبد الله، سمعته لا يرى في المذي إلاَّ الوضوء، ولا يرى فيه الغسل وهذا قول
أكثر أهل العلم. وفي (المعنى) لابن قدامة: الذي ينقض الوضوء وهو ما يخرج لزجاً متسبسباً
عند الشهوة فيكون على رأس الذكر. واختلفت الرواية في حكمه، فروي أنه لا يوجب
الاستنجاء والوضوء، والرواية الثانية يجب غسل الذكر والأنثيين مع الوضوء. وقال الطحاوي:
لم يكن قوله عليه الصلاة والسلام: ((يغسل مذاكيره)) الإيجاب الغسل، ولكنه ليتقلص أي
ليرتفع وينزوي المذي فلا يخرج، والدليل عليه ما جاء، في (صحيح مسلم): ((توضأ وانضح
فرجك))، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وبه قال الشافعي ومالك في رواية، وأحمد في
رواية.
فائدة إعلم أن حديث علي، رضي الله تعالى عنه: ((كنت رجلاً مذَّاء))، وهو المذكور
قبل هذا الحديث وفي موضع آخر من (صحيح البخاري): ((فكنت أستحي أن اسأل رسول
الله، عليه الصلاة والسلام، لمكان ابنته. فقال: ليغسل ذكره ويتوضأ)). وقال ابن عباس: قال
علي، رضي الله تعالى عنه: ((أرسلنا المقداد إلى رسول الله، عليه الصلاة والسلام، فسأله عن
المذي الذي يخرج من الإنسان، كيف يفعل؟ فقال، عليه الصلاة والسلام: توضأ وانضح
فرجك)). وفي (صحيح ابن حبان) من حديث أبي عبد الرحمن عن علي: ((كنت رجلاً مذَّاء
فسألت النبي، عليه الصلاة والسلام، فقال: إذا رأيت الماء فاغسل ذكرك)). ورواه الطبراني في
(الأوسط) من حديث حصين بن عبد الرحمن عن حصين بن قبيصة عنه: «كنت رجلاً مذَّاء
فسألت النبي عَّ لِ فقال ... )) الحديث. قال أبو القاسم: لم يروه عن حصين إلاّ زائدة، تفرد به
إسماعيل بن عمرو، ورواه غير إسماعيل عن أبي حصين عن حصين بن قبيصة. وعند ابن ماجة
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي: ((سئل رسول الله عَّهُ عن المذي)). وفي (مسند)
أحمد عن عبد الله: حدثني أبو محمد شيبان حدّثنا عبد العزيز بن مسلم القسملي حدّثنا يزيد
i
i
i
i

٨٤
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٤)
ابن أبي زياد عن عبد الرحمن عن علي: «كنت رجلاً مذَّاءً، فسألت النبي، عليه الصلاة
والسلام، عن ذلك ... )) الحديث، وفيه أيضاً من حديث هانىء بن هانىء عن علي: ((فأمرت
المقداد فسأل النبي، عليه الصلاة والسلام، فضحك فقال: فيه الوضوء)). وفي (سنن الكجي)
كل: فحل یمذي، وليس فيه إلاّ الطهور. وفي (صحيح ابن خزيمة) من حديث الدكين عن
حصين عنه بلفظ: فذكرت ذلك للنبي، عليه الصلاة والسلام. أو ذكر له. وفي
(صحيح الحافظ أبي عوانة) من حديث عبيدة عنه: ((يغسل أنثييه وذكره ويتوضأ وضوء
للصلاة)). وفي هذا رد لما ذكره أبو داود عن أحمد ما قال: غسل الأنثيين إلاَّ هشام بن عروة
في حديثه.
وأما الأحاديث كلها فليس فيها ذا، وفي (صحيح ابن حبان) من حديث رافع بن
خديج: ((أن عليا أمر عماراً أن يسأل النبي، عليه الصلاة والسلام، فقال: يغسل مذاكيره)). وفي
(صحيح ابن خزيمة): أخبرنا يونس عن عبد الأعلى أخبرنا ابن وهب أن مالكاً حدثه عن سالم
ابن أبي النضر عن سليمان بن يسار عن المقداد ((أنه سأل النبي، عليه الصلاة والسلام، عن
الرجل يدنو من امرأته فلا ينزل؟ قال: إذا وجد أحدكم ذلك فلینضح فرجه)). زاد ابن حبان
عن عطاء: أخبرني عايش ابن أنس قال: تذاكر علي وعمار والمقداد المذي، فقال علي: إني،
رجل مذاء، فسألا عن ذلك النبي، عليه الصلاة والسلام، قال عايش: فسأله أحد الرجلين.
عمار أو المقداد. قال عطاء: وسماه عايش فنسيته، قال أبو عمر: رواية يحيى عن مالك:
((فلينضح فرجه)). وفي رواية ابن بكير والقعنبي وابن وهب: «فليغسل فرجه وليتوضأ وضوءه
للصلاة)). وهذا هو الصحيح، وبه رواه عبد الرزاق عن مالك، كما رواه يحيى: ((ولينضح
فرجه)). ولو صحت رواية يحيى ومن تابعه كانت مجملة تفسرها رواية غيره، لأن النضح
يكون في لسان العرب مرة الغسل ومرة الرش، وفيه نظر لما تقدم من عند ابن ماجه، وكذلك
رواه أبو داود في (سننه) عن القعنبي، وذكر الدارقطني في كتاب (أحاديث الموطأ): أن أبا
مصعب وأحمد بن إسماعيل المدني وأبي وهب وعبد الله بن يونس ويحيى بن بكير
والشافعي وابن القاسم وعتبة بن عبد الله وأبا علي الحنفي وإسحاق بن عيسى والقاسم بن
يزيد رووه عن مالك بلفظ: ((فلينضح))، إلاَّ ابن وهب فإن في بعض ألفاظه: ((فليغسل)). فلو
كان أبو عمر عكس قوله لكان صواباً من فعله. وقال ابن حبان: قد يتوهم بعض المستمعين
لهذه الأخبار أن بينها تضاداً وتهاتراً، وليس كذلك، لأنه يحتمل أن يكون علي أمر عماراً أن
يسأله، فسأله. ثم أمر المقداد أن يسأله فسأله، ثم سأل هو بنفسه والدليل على صحة ما
ذكرت أن متن كل خبر بخلاف متن الآخر ففي خبر عبد الرحمن: ((إذا رأيت الماء فاغسل
ذكرك، وإذا رأيت المني فاغتسل)). وفي خبر إياس بن خليفة عن عمار: ((يغسل مذاكيره
ويتوضأ)، وليس فيه ذكر المني، وخبر المقداد مستأنف ينبئك أنه ليس بالسؤالين اللذين
ذكرناهما، لأن فيه سؤالاً عن الرجل إذا دنا من أهله فخرج منه المذي ماذا عليه؟ فإن عندي
ابنته، فذلك ما وصفنا. على أن هذه أسئلة متباينة في مواضع مختلفة لعلل موجودة.

٨٥
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٤)
وقال صاحب (التلويح): وقد ورد في حديث حسن الإسناد أن النبي، عليه الصلاة
والسلام، هو السائل له، ثم رواه بإسناده إلى أن قال علي، رضي الله تعالى عنه: ((رآني النبي،
عليه الصلاة والسلام، وقد شحبت، فقال: يا علي قد شحبت. قلت: شحبت من اغتسال
الماء وأنا رجل مذاء، فاذا رأيت منه شيئاً اغتسلت. قال: لا تغتسل يا علي)). ثم قال صاحب
(التلويح): فيحتمل أن يكون علي، رضي الله عنه، لما بعث من بعث رآه، عليه الصلاة
والسلام، في غضون البعثة شاحباً، ونزل على جوابه عن ذلك بمنزلة السؤال ابتداء تجوزاً. وفي
(سنن البيهقي الكبير) من حديث ابن جريج عن عطاء أن علياً، رضي الله تعالى عنه، كان
يدخل في إحليله الفيلة من كثرة المذي، وفي حديث حسان بن عبد الرحمن الضبعي عند
أبي موسى المديني في معرفة الصحابة بسند لا بأس به، قال، عليه الصلاة والسلام: ((لو
اغتسلتم من المذي كان أشد عليكم من الحيض)). وفي حديث ابن عباس عند الدارقطني
وقال: ((لا يصح أن رجلاً قال: يا رسول الله! إني كلما توضأت سال، فقال: إذا توضأت
فسال من قرنك إلى قدمك فلا وضوء عليك)).
١٨٠/٤٤ - حدثنا إسحاقُ هُو ابْنُ مَنْصُورٍ قالَ أخبرنا النَّصْرُ قالَ أخبرنا شُعْبَةُ عَنِ
الحَكَمِ عَنْ ذَكْوَانَ أبي صَالِحٍ عَنْ أبي سعِيدٍ الخُذْرِيِّ أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسمل
أَرْسَلَ إِلَى رَجُل مِنَ الأَنْصَارِ فَجَاءَ وَرَأَسُهُ يَقْطُرُ فَقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((لَعَلَّنَا
أعْجَلْنَاك)) فقالَ نَعَمْ فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((إذَا أُعْجِلْتَ أوْ قُحِطْتَ فَعَلَيْكَ
الوُضُوءُ)).
هذا الحديث لا يناسب ترجمة الباب إلاَّ أن بعض الشراح قال: أقل حال هذا الحديث
حصول المذي لمن جامع ولم يمن، فصدق عليه وجوب الوضوء من الخارج من أحد
السبيلين، ولكن يعكر عليه إجماع أهل العلم وأئمة الفتوى على وجوب الغسل من مجاوزة
الختان الختان لأمر الشارع بذلك، وهو زيادة على ما في هذا الحديث، فيجب الأخذ بها.
بيان رجاله وهم ستة: الأول: إسحاق بن منصور، هذه رواية الأصيلي وفي رواية
كريمة وغيرها: إسحاق، كذا بلا ذكر: منصور، وفي رواية أبي ذر: حدّثنا إسحاق بن منصور
ابن بهرام، بفتح الباء الموحدة: وهو المعروف بالكوسج المروزي، مر في باب فضل من
علم، وهو الأصح، نص عليه أبو نعيم رحمه الله في (المستخرج) الثاني: النضر، بفتح النون
وسكون الضاد المعجمة: ابن شميل، بضم الشين المعجمة: أبو الحسن المازني البصري،
تقدم في آخر باب حمل العنزة في الاستنجاء. الثالث: شعبة بن الحجاج. الرابع: الحكم،
بفتح الحاء المهملة وفتح الكاف: ابن عتيبة، تصغير عتبة الباب، تقدم في باب السمر بالعلم.
الخامس: أبو صالح ذكوان الزيات المدني، تقدم في باب أمور الإيمان وغيره. السادس: أبو
سعيد الخدري سعد بن مالك الأنصاري.
بيان لطائف إسناده منها: أن فيه التحديث والعنعنة والإخبار. ومنها: أن رواته ما بين
مروزي وبصري وواسطي وكوفي ومدني.
مدة
F
٠

٨٦
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٤)
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: ليس له تعدد. وأخرجه مسلم في الطهارة أيضاً
عن أبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن المثنى ومحمد بن بشار، ثلاثتهم عن غندر عن شعبة
به. وأخرجه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة وابن بشار به.
بيان المعنى والإعراب قوله: ((أرسل إلى رجل من الأنصار)) ولمسلم وغيره: مر
على رجل، فيحمل على أنه مر به فأرسل إليه وسمى مسلم هذا الرجل في روايته من طريق
أخرى عن أبي سعيد عتبان، بكسر العين المهملة، وسكون التاء المثناة من فوق بعدها باء
موحدة، ولفظه: من رواية شريك بن أبي نمر عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه، قال:
((خرجت مع النبي، عليه الصلاة والسلام، إلى قبا، حتى إذا كنا في بني سالم وقف رسول
الله عٍَّ على باب عتبان فخرج يجر إزاره فقال النبي عَّله: أعجلنا الرجل)). فذكر الحديث
بمعناه، وعتبان المذكور هو ابن مالك الأنصاري الخزرجي السالمي البدري، وإن لم يذكره
ابن إسحاق فيهم، وكذا نسبه تقي بن مخلد في روايته لهذا الحديث من هذا الوجه، ووقع
في رواية في (صحيح أبي عوانة) أنه ابن عتبة. والأول أصح، ورواه ابن إسحاق في (المغازي)
عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه عن جده، لكنه قال: فهتف برجل من
أصحابه يقال له: صالح، فإن حمل على تعدد الوقعة وإلاَّ فطريق مسلم أصح، وقد وقعت
القصة أيضاً لرافع بن خديج وغيره. أخرجه أحمد وغيره، ولكن الأقرب في تفسير المبهم
الذي في البخاري أنه عتبان. والله اعلم. قوله: ((فجاء)) أي: الرجل المدعو. قوله: ((ورأسه
يقطر)) جملة إسمية وقعت حالاً من الضمير الذي في: جاء، ومعنى: يقطر، ينزل منه الماء
قطرة قطرة من أثر الاغتسال، وإسناد القطر إلى الرأس مجاز من قبل: سال الوادي. قوله:
(لعلنا)) كلمة: لعل، هنا لإفادة التحقيق، فمعناه: قد أعجلناك. وقوله: ((فقال: نعم)) مقرر له،
ولا يمكن أن يكون: لعل، هنا على بابه للترجي، والترجي لا يحتاج إلى جواب، وهنا قد
أجاب الرجل بقوله: نعم. ((و: أعجلناك)) من الإعجال. يقال: أعجله إعجالاً وعجله تعجيلاً:
إذا استحثه، ومعناه: أعجلناك عن فراغ شغلك وحاجتك عن الجماع. قوله: ((إذا أعجلت))
على بناء المجهول، وفي أصل أبي ذر: ((إذا عجلت))، بفتح العين وكسر الجيم المخففة،
وفي رواية: (إذا أعجلت))، بالتشديد على صيغة المجهول. قوله: ((أو قحطت))، بضم القاف
وكسر الحاء المهملة. قال ابن الجوزي: أصحاب الحديث يقولون: قحطت، بفتح القاف.
وقال لنا شيخنا عبد الله بن أحمد النحوي: الصواب ضم القاف. وفي (صحيح مسلم):
((أقحطت))، بفتح الهمزة والحاء، وفي رواية ابن بشار بضم الهمزة وكسر الحاء، والروايتان
صحيحتان، ومعنى الإقحاط هنا عدم الإنزال في الجماع، وهو استعارة من قحوط المطر، وهو
انحباسه، وقحوط الأرض وهو عدم إخراجها النبات. وحكى الفراء: قحط المطر، بالكسر.
وفي (المحكم): الفتح أعلى، وقحط الناس بالكسر لا غير وأقحطوا، وكرهها بعضهم. ولا
يقال: قحطوا ولا أقحطوا. وحكى أبو حنيفة: قحط القوم وفي (أمالي) الهجري: أقحط الناس.
وقال التميمي: وقع في الكتاب: قحطت، والمشهور أقحطت بالألف. يقال للذي أعجل في

٨٧
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٤)
الإنزال في الجماع، ففارق ولم ينزل الماء أو جامع فلم يأته الماء: أقحط. قال الكرماني:
فعلى هذا التقدير لا يكون لقوله: أعجلت فائدة، اللهم إلاَّ أن يقال: إنه من باب عطف العام
على الخاص. فإن قلت: كلمة: أو، ما معناها ههنا؟ هل هو شك من الراوي أو تنويع الحكم
عن رسول الله عَّله؟ قلت: الظاهر أنه من كلامه، عليه الصلاة والسلام، ومراده بيان أن عدم
الإنزال سواء كان بأمر خارج عن ذات الشخص أو كان من ذاته لا فرق بينهما في الحكم
في أن الوضوء عليه فيهما. قوله: ((فعليك الوضوء)) يجوز في الوضوء الرفع والنصب، أما
الرفع فعلى أنه مبتدأ وخبره قوله: ((عليك))، والنصب على أنه مفعول: عليك، لأنه إسم فعل
نحو: عليك زيداً، ومعناه: فالزم الوضوء.
بيان استنباط الأحكام الأول: فيه جواز الأخذ بالقرائن، لأن الصحابي لما أبطأ عن
الإجابة مدة الاغتسال خالف المعهود منه، وهو سرعة الإجابة للنبي، عليه الصلاة والسلام،
فلما رأى عليه أثر الغسل دل على أنه كان مشغولاً بجماع. الثاني: يستحب الدوام على
الطهارة لكون النبي، عليه الصلاة والسلام، لم ينكر عليه تأخير إجابته، وكأن ذلك كان قبل
إيجابها، إذ الواجب لا يؤخر للمستحب. الثالث: أن هذا الحكم منسوخ، ولم يقل بعدم
نسخه إلاَّ من روى عن هشام بن عروة والأعمش وسفيان بن عيينة وداود، وادعى القاضي
عياض أنه لا يعلم من قال به بعد خلاف الصحابة إلاَّ الأعمش وداود. وقال النووي: إعلم أن
الأمة مجمعة الآن على وجوب الغسل بالجماع، وإن لم يكن معه إنزال، وعلى وجوبه
بالإنزال، وكانت جماعة منه الصحابة على أنه لا يجب إلاَّ بالإنزال، ثم رجع بعضهم وانعقد
الإجماع بعد الآخرين. وفي (المحلى): وممن رأى أن لا غسل من الإيلاج في الفرج إن لم
يكن إنزال عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وسعد
ابن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود ورافع بن خديج وأبو سعيد الخدري وأبي بن كعب وأبو
أيوب الأنصاري وابن عباس والنعمان بن بشير وزيد بن ثابت وجمهور الأنصار وعطاء بن أبي
رباح وأبو سلمة بن عبد الرحمن وهشام بن عروة والأعمش وبعض أصحاب الظاهر. وقال ابن
حزم: وروي إيجاب الغسل عن عائشة أم المؤمنين وأبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وابن
عمر وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس والمهاجرين. قلت: وبه
قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأصحابهم وبعض أصحاب الظاهر والنخعي والثوري.
i
تابَعَهُ وَهْب
أي تابع النضر بن شميل وهب بن جرير ابن حازم، ووصل هذه المتابعة أبو العباس
السراج في مسنده عن زياد بن أيوب.
i
i
قالَ حدّثنا شُعْبَةُ: قال أبوُ عَبْدِ اللهِ: وَلَمْ يَقُلْ غُنْدَرٌ ويحيىَ عنْ شُعْبَةَ ((الوُضُوءُ))
قوله: ((قال: حدّثنا شعبة)) وفي بعض النسخ: حدّثنا شعبة، بدون لفظ: قال، وهو المراد
سواء ذكر أو لا، أي: قال وهب: حدّثنا شعبة عن الحكم عن ذكوان ... إلى آخره، بمثل ما
F

٨٨
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٥)
ذكر. وفي رواية وهب عن شعبة. أخرجها الطحاوي. قال: أخبرنا يزيد، قال: حدّثنا وهب،
قال: حدّثنا شعبة عن الحاكم عن ذكوان أبي صالح عن أبي سعيد الخدري ... الحديث.
قوله: ((ولم يقل))، من كلام البخاري أي: لم يقل غندر، وهو محمد بن جعفر ويحيى بن
سعيد القطان الوضوء، يعني رويا هذا الحديث عن شعبة بهذا الإسناد والمتن، لكن لم يقولا
فيه لفظ: الوضوء، بل قالا: فعليك، فقط بحذف المبتدأ وجاز ذلك لقيام القرينة عليه،
والمقدر عن القرينة كالملفوظ. كذا قاله الكرماني. وقال بعضهم: لكن لم يقولا فيه: عليك
الوضوء، وأما يحيى فهو كما قاله، قد أخرجه أحمد في (مسنده) عنه ولفظه: فليس عليك
غسل. وأما غندر فقد أخرجه أحمد أيضاً في مسنده عنه لكنه ذكر الوضوء ولفظه: ((فلا غسل
عليك، عليك الوضوء)). وهكذا أخرجه مسلم وابن ماجة والإسماعيلي وأبو نعيم من طرق
عنه، وكذا ذكر أكثر أصحاب شعبة كأبي داود الطيالسي وغيره عنه، وكأن بعض مشايخ
البخاري حدثه به عن يحيى وغندر معاً، فساقه له على لفظ يحيى. والله أعلم. قلت: أما
كلام الكرماني فلا وجه له، لأن معنى قوله: عليك، على ما قرره يحتمل أن يكون: عليك
الغسل، ويحتمل أن يكون: عليك الوضوء، والاحتمال الأول غير صحيح لأن في رواية يحيى
في مسند أحمد التصريح بقوله: فليس عليك غسل، والاحتمال الثاني هو الصحيح، لأن في
رواية غندر: عليك الوضوء، فحينئذ قوله: لم يقل غندر ويحيى عن شعبة الوضوء، معناه: لم
يذكرا لفظ: عليك الوضوء، وهذا كما رأيت في رواية أحمد عن يحيى ليس فيها: عليك
الوضوء، وإنما لفظه: فليس عليك غسل. فإن قلت: كيف قال البخاري: لم يقولا عن شعبة
الوضوء، فهذا في رواية غندر ذكر: عليك الوضوء؟ قلت: كأنه سمع من بعض مشايخه أنه
حدثه عن يحيى وغندر كليهما، فساق شيخه له على لفظ يحيى، ولم يسقه على لفظ غندر،
فهذا تقرير ما قاله بعضهم، ولكن فيه نظر على ما لا يخفى.
٣٥ _ بابُ الرَّجُلِ يُوَضِّىءُ صَاحبَهُ
أي: هذا باب في بيان حكم من يوضىء غيره. قوله: ((يوضىء)) بالتشديد والهمزة في
آخره من: وضأ يوضىء، من باب التفعيل.
والمناسبة بين البابين من حيث إن كلاً منهما مشتمل على حكم من أحكام الوضوء.
١٨١/٤٥ - حدثنى مُحَمدُ بنُ سَلاَم قال أخبرنا يَزِيدُ بنُ هارُونَ عَنْ يَحْيِى عَنْ مُوسَى
ابنِ عُقْبَةَ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُسّامَةَ بنِ زَيْدٍ أَنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
لَهَا أَفَاضِ مِنْ عَرَفَةَ عَدَلَ إِلَى الشِّغْبِ فَقَضَى حاجَتَهُ قال أُسَامَةُ بنُ زِيْدٍ فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَيْهِ
ويَتَوَضَّأُ فَقَلْتُ يا رسولَ الله أَتُصلِّي فقَالَ: (المُصَلَّى أَمامَكَ)). [انظر الحديث: ١٣٩ وطرفه].
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة.
بيان رجاله وهم ستة. الأول: هو محمد بن سلام كما هو في رواية كريمة، وسلام
بتخفيف اللام، وقيل بالتشديد، والأول أصح، وقد مر في كتاب الإيمان. الثاني: يزيد بن
٠٠٠.

١٣٠
٨٩
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٥)
هارون، أحد الأعلام، مر في باب التبرز في البيوت. الثالث: يحيى بن سعيد الأنصاري، مر
في كتاب الوحي. الرابع: موسى بن عقبة الأسدي المدني التابعي، تقدم في إسباغ الوضوء.
الخامس: كريب مولى ابن عباس التابعي، تقدم أيضاً في إسباغ الوضوء. السادس: أسامة بن
زید، رضي الله تعالى عنه.
بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة. ومنها: أن فيه رواية
ثلاثة من التابعين في نسق واحد، وهم: يحيى وموسى وكريب، وهو من أوساط التابعين.
ومنها: أن رواته ما بين بيكندي وواسطي ومدني، ووقع لابن المنير في هذا الإسناد وهم فإنه
قال: فيه ابن عباس عن أسامة بن زيد، وليس من رواية ابن عباس، وإنما هو من رواية كريب
مولى ابن عباس عن أسامة.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري في الطهارة عن القعنبي وعن
ابن سلام، وأخرجه في الحج عن عبد الله بن يوسف عن مالك عن موسى بن عقبة، في
الحج أيضاً عن مسدد عن حماد بن زيد عن يحيى عن موسى. وأخرجه مسلم في الحج عن
یحیی بن یحیی عن مالك به، وعن محمد بن رمح عن لیث بن سعد عن یحیی بن سعيد به،
وعن إسحاق عن يحيى بن آدم عن زهير كلاهما عن إبراهيم بن عقبة، وعن إسحاق عن وكيع
عن سفيان عن محمد بن عقبة كلاهما عن كريب به. وأخرجه أبو داود في الطهارة عن
القعنبي به. وأخرجه النسائي فيه عن محمود بن غيلان عن وكيع عن سفيان عن إبراهيم بن
عقبة به، وعن أحمد بن سليمان عن يزيد بن هارون به، وعن قتيبة عن مالك به عن قتيبة عن
حماد بن زيد عن إبراهيم بن عقبة به مختصراً.
بيان المعنى والإعراب: قوله: ((لما أفاض)) أي: لما رجع أو دفع. قوله: ((من عرفة))
أي: من وقوف عرفة، لأن عرفة اسم الزمان، والدفع كان من عرفات لأنه اسم المكان، وقيل:
جاء عرفة أيضاً اسماً للمكان، فعلى هذا لا يحتاج إلى التقدير. وقال الجوهري: قول الناس:
نزلنا عرفة شبيه بمولَّد وليس بعربي محض. قوله: ((عدل إلى الشعب)) أي: توجه إليه،
والشعب، بكسر الشين: الطريق في الجبل. قوله: ((أصب)) بضم الصاد، ومفعوله محذوف،
والجملة خبر: جعلت، لأنه من أفعال المقاربة. قوله: ((يتوضأ)) جملة موضعها النصب على
الحال، وجاز وقوع الفعل المضارع المثبت حالاً مع الواو. وقال الزمخشري: قوله تعالى:
﴿ويجعل الله فيه خيراً كثيراً﴾ [النساء: ١٩] حال، وكذا ﴿ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم
الصالحين﴾ [المائدة: ٨٤]، ويجوز أن يقدر مبتدأ: ((ويتوضأ)) خبره، والتقدير: وهو يتوضأ،
فحينئذ تكون جملة إسمية أو تكون الواو للعطف: قوله: ((قال))، وفي رواية: ((فقال))، بفاء
العطف أي: قال النبي، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. قوله: ((المصلى)) أي: مكان
الصلاة. ((أمامك)) بفتح الميم الثانية لأنه ظرف، أي: قدامك.
بيان استنباط الأحكام منها: ما قاله النووي: فيه دليل على جواز الاستعانة في
الوضوء، وهي على ثلاثة أقسام: أحدها أن يستعين في إحضار الماء فلا كراهية فيه. الثاني:
مدة
i
تجود
P

واجد
٩٠
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٥)
أن يستعين في غسل الأعضاء ويباشر الأجنبي بنفسه غسل الأعضاء فهذا مكروه إلاَّ لحاجة.
الثالث: أن يصب عليه، فهذا مكروه في أحد الوجهين، والأولى تركه. قلت: فيه حزازة لأن
ما فعل رسول الله، عليه الصلاة والسلام، لا يقال فيه: الأولى تركه، لأنه، عليه الصلاة
والسلام، لا يتحرى إلاَّ ما فعله أولى ثم إذا قيل: الأولى تركه، كيف ينازع في كراهته وليس
حقيقة المكروه إلاَّ ذلك؟ كذا قاله الكرماني. قلت: هذا حقيقة المكروه كراهة التنزيه لا
المكروه كراهة التحريم. وقال ابن بطال: واستدل البخاري من صب الماء عليه أنه يجوز
للرجل أن يوضئه غيره لأنه لما لزم المتوضى اغتراف الماء من الإناء بأعضائه، جاز له أن
يكفيه ذلك غيره بدليل صب أسامة. والاغتراف بعض أعمال الوضوء، فكذلك يجوز سائر
أعماله، وهذا من باب القربات التي يجوز أن يعملها الرجل عن غيره، بخلاف الصلاة. ولما
أجمعوا أنه جائز للمريض أن يوضئه غيره، وييممه إذا لم يستطع، ولا يجوز أن يصلي عنه إذا
لم يستطع، دل أن حكم الوضوء بخلاف حكم الصلاة. قال: وهذا الباب رد لما روي عن
جماعة أنهم قالوا: نكره أن يشركنا في الوضوء أحد. فإن قلت: البخاري لم يبين في هذه
المسألة الجواز ولا عدمه. قلت: إذا عقد الباب أفلا يعلم منه جوازه، وإن لم يصرح به؟ وقال
ابن المنير: قاس البخاري توضئة الرجل غيره على صبه عليه لاجتماعهما في الإعانة. قلت:
هذا قياس بالفارق، والفرق ظاهر، وروي عن عمر وعلي، رضي الله تعالى عنهما، أنهما نهيا
أن يستقى لهما الماء لوضوئهما، وقالا: نكره أن يشركنا في الوضوء أحد، ورويا ذلك عن
النبي، عليه الصلاة والسلام، قلت: الحديث هو قوله، عليه الصلاة والسلام: ((أنا لا أستعين
في وضوئي بأحد)) قاله لعمر، رضي الله عنه، وقد بادر ليصب الماء على يديه. قال النووي
في (شرح المهذب): هذا حديث باطل لا أصل له، وذكره الماودري في (الحاوي) بسياق
آخر، فقال: روي أن أبا بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، هم بصب الماء على يد رسول
الله، عليه الصلاة والسلام، ((فقال: أنا لا أحب أن يشاركني في وضوئي أحد))، وهذا الحديث
لا أصل له، والذي وقع على زعم الراوي كان لعمر، رضي الله عنه، دون أبي بكر، وروي عن
ابن عمر أنه قال: ما أبالي أعانني رجل على طهوري وعلى ركوعي وسجودي، وثبت عن ابن
عمر خلاف ما ذكر عنه، فروى شعبة عن أبي بشر عن مجاهد أنه كان يسكب على ابن عمر
الماء فيغسل رجليه، وهذ أصح عن ابن عمر، إذ راوي المنع رجل اسمه أيفع وهو مجهول،
والحديث عن علي، رضي الله عنه، لا يصح لأن راويه النضر بن منصور عن أبي الجنوب
عنه، وهما غير حجة في الدين ولا يعتد بنقلهما. وقال البزار في كتاب (السنن): لا نعلمه
يروي عن النبي عليه إلاّ من هذا الوجه، يعني من حديث النضر عن أبي الجنوب عقبة بن
علقمة. وقال عثمان بن سعيد فيما ذكره ابن عدي: قلت ليحيى: ما حال هذا السند؟ فقال:
هؤلاء حمالة الحطب وتمام الحديث أخرجه، البزار فى كتاب الطهارة، وأبو يعلى في مسنده
من طريق النضر بن منصور عن أبي الجنوب، قال: رأيت علياً، رضي الله عنه يستقي الماء
الطهوره، فبادرت أستقي له فقال: مه يا أبا الجنوب! فإني رأيت رسول الله عَ لم يستقي الماء

٩١
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٥)
لوضوئه، فبادرت أستقي له فقال: مه يا أبا الحسن! فإني رأيت رسول الله عَّلم يستقي الماء
لوضوئه فبادرت أستقي له فقال: مه يا عمر فإني لا أريد أن يعينني على وضوئي أحد)). وقال
الطبري: صح عن ابن عباس أنه صب على يدي عمر، رضي الله عنه، الوضوء بطريق مكة،
شرفها الله تعالى، حين سأله عن المرأتين اللتين تظاهرتا. وقيل: صب ابن عباس على يدي
عمر أقرب للمعونة من استقاء الماء، ومحال أن يمنع عمر، رضى الله تعالى عنه، استقاء الماء
وبييح صب الماء عليه للوضوء مع سماعه من النبي عَّهِ الكراهة. قلت: لقائل أن يقول: إن
أسامة تبرع بالصب وكذا غيره أمر منه عَّلَّم لهم. فإن قلت: هل يجوز أن يستدعي الإنسان
الصب من غيره بأمر؟ قلت: نعم لما روي الترمذي محسناً من حديث ابن عقيل عن الربيع،
قالت: ((أتيت رسول الله عَ له بميضأة فقال: اسكبي: فسكبت، فذكرت وضوءه، عليه الصلاة
والسلام)) رواه الحاكم في (المستدرك) قال: ولم يحتج البخاري بابن عقيل وهو مستقيم
الحديث متقدم في الشرف. وروى ابن ماجه بسند صحيح على شرط ابن حبان من حديث
صفوان بن عسال، قال: ((صببت على النبي، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، الماء في السفر
والحضر في الوضوء»، وعنده أيضا بسند معلل عن أم عياش، وكانت أمة لرقية بنت رسول الله
عَّ اله، قالت: «كنت أوضىء رسول الله، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، أنا قائمة وهو
قاعد)). وممن كان يستعين على وضوئه بغيره من السلف عثمان، رضي الله تعالى عنه، قال
الحسن: رأيته يصب عليه من إبريق. وفعله عبد الرحمن بن أبزى،، والضحاك ابن مزاحم،
وقال أبو الضحى: ولا بأس للمريض أن يوضئه الحائض، وبقية الأحكام ذكرناها في باب:
إسباغ الوضوء.
i
i
١٨٢/٤٦ - حدّثنا عَمْرُو بنُ عَلِيّ قالَ حدّثنا عَبْدُ الوَهَّابِ قالَ سَمِعْتُ يَحْيِى بنَّ
سَعِيدٍ قالَ أَخْبرَنِي سَعْدُ بنُ إِبْراهِيمَ أنَّ نَافِعَ بَنَ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ أُخْبَرَهُ أَنَّ سَمِعَ عُرْوَةَ بنَ المُغِيرَةِ
ابنِ شُعْبَةَ يُحَدِّثُ عَن المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ كانَ مَعَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ
وأنَّهُ ذَهَبَ لِحَاجَةٍ لَهُ وأنَّ مُغِيرَةَ جَعَلَ يَصُبُّ الماءَ عَلَيْهِ وَهْوَ يَتَوَضَّأْ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ويَدَيْهِ وَمَسَحَ
بِرَأْسِهِ وَمَسَحَ عَلَى الخفَّيْنِ. [الحديث ١٨٢ - أطرافه في: ٢٠٣، ٢٠٦، ٣٦٣، ٣٨٨،
٢٩١٨، ٤٤٢١، ٥٧٩٨، ٥٧٩٩].
i
i
ذكر البخاري هذا الحديث هنا لأجل الاستدلال على الإعانة في الوضوء.
بيان رجاله وهم سبعة. الأول: عمرو بن علي الفلاس، أحد الحفاظ الأعلام البصريين.
الثاني: عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي البصري. الثالث: يحيى بن سعيد الأنصاري
التابعي. الرابع: سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي التابعي، قاضي المدينة.
الخامس: نافع بن جبير بن مطعم القرشي النوفلي المدني التابعي. السادس. عروة بن المغيرة
الثقفي الكوفي. السابع: المغيرة، بضم الميم، تقدم في آخر كتاب الإيمان، وهو باللام مثل:
الحارث، في أنه علم يدخله لام التعريف على سبيل الجواز، لا مثل: النجم للثريا، فإن
التعريف باللام لازم فيه. فإن قلت: لماذا يدخلون اللام في مثل المغيرة وما فائدته؟ قلت:
i
*جه.

٩٢
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٥)
للمح الوصفية.
بيان لطائف إسناده منها: أن فيه التحديث بالجمع والإفراد والإخبار كذلك
والسماع والعنعنة، وراعى البخاري ألفاظ الشيوخ بعينها حيث فرق بين التحديث والإخبار
والسماع. ومنها: أن رواته ما بين بصري وكوفي ومدني. ومنها: أن فيه أربعة من التابعين
يروي بعضهم عن بعض، وهو من أحسن اللطائف: اثنان منهم تابعيان صغيران وهما: يحيى
وسعد، واثنان تابعيان وسطان وهما: نافع بن جبير وعروة بن المغيرة، وهم من نسق واحد.
وفيه رواية الأقران في موضعين الأول في الصغيرين والثاني في الوسطين.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري في الطهارة أيضاً عن عمرو بن
خالد عن الليث عن يحيى بن سعيد، وفي المغازي عن يحيى بن بكيير عن الليث، وفي
الطهارة أيضاً، وفي اللباس عن أبي نعيم عن زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي عنه به. وأخرجه
مسلم في الطهارة عن قتيبة ومحمد بن رمح، كلاهما عن الليث عن يحيى بن سعيد به،
وعن محمد بن المثنى عن عبد الوهاب الثقفي به، وعن محمد بن عبد الله بن نمير عن أبيه
عن زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي عنه به مختصراً. وأخرجه أبو داود في الطهارة عن أحمد
ابن صالح عن ابن وهب عن يونس عن الزهري نحوه، ولم يذكر قصة الصلاة خلف عبد
الرحمن بن عوف، رضي الله تعالى عنه، وعن مسدد عن عيسى بن يونس عن أبيه عن
الشعبي به. وأخرجه النسائي منه عن سليمان بن داود والحارث بن مسكين، كلاهما عن ابن
وهب عن مالك ويونس وعمرو بن الحارث، ثلاثتهم عن الزهري به، إلاَّ أن مالكاً لم يذكر
عروة بن المغيرة، وعن محمد بن إبراهيم عن غندر عن بشر بن الفضل عن ابن عون عن
الشعبي به، وهو أتم، وعن قتيبة به مختصراً. وأخرجه ابن ماجة عن محمد بن رمح به.
بيان المعنى والإعراب قوله: ((أنه كان)) أي: أن المغيرة كان مع رسول الله، عليه
الصلاة والسلام، وأدى عروة كلام أبيه بعبارة نفسه، وإلاَّ فمقتضى الحال أن يقول: قال إني
كنت مع رسول الله، عليه الصلاة والسلام. وكذا قوله: ((وأن المغيرة)) جعل والضمير في و:
أنه، وفي: له، للرسول، عليه الصلاة والسلام. قوله: ((جعل)) أي: طفق من أفعال المقاربة.
قوله: ((هو يتوضأ)) جملة إسمية وقعت حالاً. قوله: ((فغسل))، الفاء: فيه هي الفاء التي تدخل
بين المجمل والمفصل، لأن المفصل كأنه يعقب المجمل، كما ذكره الزمخشري في قوله
تعالى: ﴿فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم﴾ [البقرة:
٢٢٦، ٢٢٧] لتفصيل قوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم﴾ [البقرة: ٢٢٦] فإن قلت: لِمَ
قال: فغسل، ماضياً ولم يقل بلفظ المضارع ليناسب لفظاً: يتوضأ؟ قلت: الماضي هو الأصل،
وعدل في: يتوضأ، إلى المضارع حكاية عن الحال الماضية. قوله: ((ومسح برأسه ومسح
على الخفين)) إنما ذكر في الأول حرف الإلصاق لأنه الأصل، وفي الثاني كلمة: على، نظراً
إلى الاستعلاء، كما يقال: مسح إلى الكعب، نظراً إلى الانتهاء، وبحسب المقاصد تختلف
صلات الأفعال. فإن قلت: لم كرر لفظ: مسح، ولم يكرر لفظ: غسل؟ قلت: لأنه يريد بذكر
١

٩٣
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٦)
المسح على الخفين بيان تأسيس قاعدة شرعية، فصرح استقلالاً بالمسح عليهما، بخلاف
قضية الغسل فإنها مقررة بنص القرآن.
بيان استنباط الأحكام منها: جواز الاستعانة بغيره في الوضوء، لكن من يدعي أن
الكراهة مختصة بغير المشقة والاحتياج لا يتم له الاستدلال بهذا الحديث لأنه كان في
السفر. الثاني: فيه حكم مسح الرأس. الثالث: فيه جواز المسح على الخفين، وبقية الكلام
بعضها مضى وبعضها يأتي في باب: المسح على الخفين. الرابع: فيه من الأدب خدمة
الصغير للكبير، ولو كان لا يأمر بذلك.
٣٦ _ بابُ قِرَاءَةِ القُرْآنِ بَعْدَ الحَدَثِ وَغَيْرِهِ
أي: هذا باب في بيان حكم قراءة القرآن بعد الحدث. قال بعضهم: أي الحدث
الأصغر. قلت: الحدث أعم من الأصغر والأكبر، وقراءة القرآن بعد الأصغر تجوز دون الأكبر،
وكأن هذا القائل إنما خصص الحدث بالأصغر نظراً إلى أن البخاري تعرض هنا إلى حكم
قراءة القرآن بعد الحدث الأصغر دون الأكبر، ولكن جرت عادته أن يبوب الباب بترجمة، ثم
يذكر فيه جزءاً مما تشتمل عليه تلك الترجمة، وههنا كذلك. قوله: ((وغيره)) قال بعضهم: أي
من مظان الحدث. وقال الكرماني: أي غير القرآن من السلام وسائر الأذكار. قلت: أما قول
هذا القائل: من مظان الحدث، فليس بشيء لأن عود الضمير لا يصح إلاَّ إلى شيء مذكور
لفظاً وتقديراً بدلالة القرينة اللفظية، أو الحالية، ولم يبين أيضاً مظان الحدث، ومظنة الحدث
أيضاً على نوعين: أحدهما: مثل الحدث، والآخر: ليس مثله، فإن كان مراده النوع الأول فهو
داخل في قوله: بعد الحدث، وإن كان الثاني. فهو خارج عن الباب، فإذاً لا وجه لما قاله
على ما لا يخفى. وأما قول الكرماني: أي غير القرآن، فهو الوجه، ولكن قوله: من السلام
وسائر الأذكار، لا وجه له في التمثيل، لأن المحدث إذا جاز له قراءة القرآن، فالسلام وسائر
الأذكار بالطريق الأولى أن يجوز، ولو قال غير القرآن مثل: كتابة القرآن، لكان أوجه وأشمل
للقولي والفعلي، على أن تعليق البخاري قول منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعي مشتمل
على القسمين: أحدهما: قراءة القرآن بعد الحدث، والثاني: كتابة الرسائل في حالة الحدث.
ثم المناسة بين البابين ظاهرة من وجه أن في الباب الأول حكم التوضئة، وفي هذا
الوضوء، وهذا القدر كاف. فافهم.
i
وقَالَ مَنْصُورٌ عَنْ إِبْراهِيمَ لاَ بَأْسَ بِالقِرَاءَةِ فِي الحَمَّامِ وَبِكَتْبِ الرَّسالَةِ عَلَى غَيْرٍ وُضُوءٍ
منصور هو: ابن المعتمر السلمي الكوفي، تقدم في باب من جعل لأهل العلم أياماً.
وإبراهيم هو ابن يزيد النخعي الكوفي القعنبي، مر في باب ظلم دون ظلم، وهذا التعليق
وصله سعيد بن منصور عن أبي عوانة عن منصور مثله، وروى عبد الرزاق عن الثوري عن
منصور، قال: سألت إبراهيم عن القراءة في الحمام؟ فقال: لم يُبْنَ للقراءة، وقال بعضهم: هذا
P
i
١

٩٤
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٦)
يخالف رواية أبي عوانة. قلت: لا مخالفة بينهما، لأن قولهم: لم يبن للقراءة، إخبار بما هو
الواقع في نفسه، فلا يدل على الكراهة ولا على عدمها. أو نقول: عن إبراهيم روايتان، وفي
رواية يكره، وفي رواية لا يكره. وقد روى سعيد بن منصور أيضاً عن محمد بن أبان عن
حماد بن أبي سليمان، قال: سألت إبراهيم عن القراءة في الحمام؟ فقال: يكره ذلك. فإن
قلت: لِمَ ذكر البخاري الأثر الذي فيه ذكر الحمام، والتبويب أعم من هذا؟ قلت: لأن الغالب
أن أهل الحمام أصحاب الأحداث.
واختلفوا في قراءة القرآن في الحمام. فعن أبي حنيفة أنه يكره، وعن محمد بن
الحسن أنه لا يكره، وبه قال مالك. وقال بعضهم: لأنه ليس فيه دليل خاص، قلت: إنما كره
أبو حنيفة قراءة القرآن في الحمام لأن حكمه حكم بيت الخلاء، لأنه موضع النجاسة، والماء
المستعمل في الحمام نجس عنده، وعند محمد طاهر، فلذلك لم يكرهها. قوله: ((وبكتب
الرسالة)) أي: وبكتابة الرسالة، لأن الكتب مصدر دخلت عليه الباء حرف الجر، وهو معطوف
على قوله: ((لا بأس بالقراءة))، والتقدير: ولا بأس بكتب الرسالة على غير وضوء، وهذه في
رواية كريمة، وفي رواية غيرها: ويكتب الرسالة، على صيغة المجهول من المضارع، والوجه
الأول أوجه، وهذا الأثر وصله عبد الرزاق عن الثوري أيضا عن منصور، قال: سألت إبراهيم:
أأكتب الرسالة على غير وضوء؟ قال: نعم، وقال بعضهم: وتبين بهذا أن قوله: ((على غير
وضوء)) يتعلق بالكتابة لا بالقراءة في الحمام. قلت: لا نسلم ذلك، فإن قوله: ((وبكتب
الرسالة)) على الوجهين يتعلق على قوله: ((بالقراءة)). وقوله: ((وعلى غير وضوء)) يتعلق
بالمعطوف عليه لأنهما كشيء واحد. وقال أصحابنا: يكره للجنب أو الحائض أن يكتب
الكتاب الذي في بعض سطوره آية من القرآن وإن كانا لا يقرآن شيئاً، لأنهما منهيان عن مس
القرآن، وفي الكتابة مس، لأنه يكتب بالقلم وهو في يده، وهو صورة المس: وفي
(المحيط): لا بأس لهما بكتابة المصحف إذا كانت الصحيفة على الأرض عند أبي يوسف
لأنه لا يمس القرآن بيده وإنما يكتب حرفاً فحرفاً، وليس الحرف الواحد بقرآن. وقال محمد:
أحب إليَّ أن لا يكتب لأنه في الحكم ماس للحروف، وهي بكليتها قرآن ومشايخ بخارى
أخذوا بقول محمد، كذا في (الذخيرة)
وقال حَمَّادُ عَنْ إِبْراهِيمَ إِنْ كَانَ عَلَيْهِمْ إِزَارٌ فَسَلْمْ وإلاَّ فَلاَ تُسَلِّمْ
حماد هو ابن أبي سليمان، فقيه الكوفة وشيخ أبي حنيفة، رضي الله عنه. وإبراهيم هو
النخعي، وهذا التعليق وصله الثوري في (جامعه) عنه. قوله: ((عليهم)) أي على: أهل الحمام
العراة المتطهرين، وقال بعضهم: أي على من في الحمام، والمراد الجنس. قلت: قوله: من
الحمام، يتناول العراء فيه والقاعدين بثيابهم في مسلخ الحمام، وقول إبراهيم مختص بالعراة
حيث قال: إن كان عليهم إزار فنسلم عليهم، و: إلا، أي: وإن لم يكن عليهم إزار فلا
نسلم. فكيف يطلق هذا القائل كلامه على من في الحمام على سبيل العموم، والسلام على

٩٥
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٦)
القاعدين بثيابهم لا خلاف فيه؟.
١٨٣/٤٧ - حدثنا إسْماعِيلُ قال حدثني مالكٌ عَنْ مَخْرِمَةَ بنِ سُلَيْمانَ عَنْ كُرَيْبٍ
مَوْلى ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ عبَّاسٍ أَخْبرَهُ أنَّهُ بَاتَ لَيْلَةً عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النبيِّ صلى الله
عليه وسلم وَهْيَ خالَتُهُ فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الوِسَادَةِ واضْطَجَعَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه
وسلم وَأهلُهُ فِي طُولِهَا فَنَامَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى إذا انْتَصَف اللَّيْلُ أَوْ قَبْلَهُ
بِقَلِيلِ أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلِ اسْتَثْقَظَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَجَلَسَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ
بِيَدِهِ ثُمَّ قَرَأَ العَشْرَ أَلاَيَاتِ الخَوَاتِيمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَان ثُمَّ قامَ إِلَي شَنّ مُعلَّقَةٍ فَتَوَضأَ مِنْهَا
فَاحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ قامَ يُصَلِّي قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقِمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ ما صنَعَ ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ
إِلَى جَنْبِهِ فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنِى عَلَى رَأْسِي وَأَخَذَ بِأُذُنِي اليُمْنَى يَفْتِلُهَا فَصَلَّى رَكْعَتِيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ
ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَوْتَرَ ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى أَتَاهُ المُؤَذِّنُ فَقَامَ
فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ. [انظر الحديث: ١١٧ وأطرافه].
قيل: مطابقة الحديث للترجمة في قراءة القرآن بعد الحدث، وهو أنه عَ لّه قرأ العشر
الآيات من آخر آل عمران بعد قيامه من نومه قبل وضوئه. قلت: كيف يقال هذا ونومه لا
ينقض وضوءه؟ وقال بعضهم: الأظهر أن مناسبة الحديث للترجمة من جهة أن مضاجعة الأهل
في الفراش لا تخلو من الملامسة. قلت: هذا أبعد من ذاك، لأنا لا نسلم وجود ذلك على
التحقيق، ولئن سلمنا ذلك فمراده من الملامسة اللمس باليد أو الجماع؟ فإن كان الأول:
فلا ينقض الوضوء أصلاً، سيما في حقه، عليه السلام؛ وإن كان الثاني: فيحتاج إلى
الاغتسال، ولم يوجد هذا أصلا في هذه القصة، والظاهر أن البخاري وضع هذا الحديث في
هذا الباب بناء على ظاهر الحديث، حيث توضأ بعد قيامه من النوم، وإلاّ فلا مناسبة في
وضعه هذا الحديث ههنا. فافهم.
بيان رجاله: وهم خمسة. الأول: إسماعيل بن أبي أويس الأصبحي. الثاني: مالك بن
أنس، خال إسماعيل المذكور. الثالث: مخرمة، بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح
الراء. ابن سليمان الوالي المدني. الرابع: کریب، مولى ابن عباس. الخامس: عبد الله بن
عباس، رضي الله عنهما.
بيان لطائف إسناده منها: أن فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والإخبار. ومنها:
أن رواته مدنيون. ومنها: أن فيه الراوي عن خاله، وهو رواية إسماعيل عن خاله مالك.
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضاً في الصلاة عن عبد الله بن
يوسف، وفي الوتر عن القعنبي، وفي التفسير عن قتيبة وعن علي بن عبد الله، وفي الصلاة
أيضاً عن أحمد عن ابن وهب. وأخرجه مسلم في الصلاة عن يحيى بن يحيى عن مالك به،
وعن هارون ابن سعيد عن ابن وهب به، وعن محمد بن سلمة عن ابن وهب، وعن محمد
ابن رافع. وأخرجه أبو داود عن القعنبي وعن عبد الملك بن شعيب. وأخرجه الترمذي في
F
!
i
i

٩٦
م عبد
، صر .
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٦)
الشمائل عن قتيبة به، وعن إسحاق بن موسى وعن محمد بن عبد الله. وأخرجه ابن ماجة فى
الطهارة عن أبي بكر بن خلاد عن معن به.
بيان لغاته: قوله: ((في عرض الوسادة))، بفتح العين وسكون الراء، وقال السفاقسي؛
ضم العين غير صحيح، ورويناه بفتحها عن جماعة، وقال أبو عبد الملك: روي بفتح العين
وهو ضد الطول، وبالضم الجانب، والفتح أكثر. وقال الداودي عرضها بضم العين، وأنكره أبو
الوليد، وقالى: لو كان كما قال لقال: توسد النبي عَّلّه وأهله طول الوسادة، وتوسد ابن عباس
عرضها. فقوله: ((فاضطجع في عرضها)) يقتضي أن يكون العرض محلاً لاضطجاعه، ولا
يصح ذلك إلاّ أن يكون فراشاً. وفي (المطالع): الفتح عند أكثر مشايخنا، ووقع عن جماعة
منهم: الداودي وحاتم الطرابلسي والأصيلي بضم العين، والأول أظهر. قال النووي: هو
الصحيح، والوساد: المتكأ. قال ابن سيده: وقد توسد ووسده إياه. وفي (المجمل): جمع
الوسادة وسائد، والوسادة ما يتوسد عند النوم، والجمع وسد. وفي (الصحاح): الوساد
والوسادة: المخدة، والجمع: وسائد ووسد، وزعم ابن التين أن الوساد الفراش الذي ينام عليه،
فكأن اضطجاع ابن عباس في عرضها عند رؤوسهما أو أرجلهما، كذا قال أبو الولي: قال
النووي: وهذا باطل. قوله: ((إلى شن)) بفتح الشين المعجمة وتشديد النون: وهو وعاء الماء
إذا كان من أدم فأخلق، وجمعه: شنان، بكسر الشين المعجمة وتخفيف النون. قوله: ((بأذني))
بضم الهمزة وسكون الذال المعجمة. قوله: ((يفتلها)) أي: يدلكها ويعركها. قوله: ((ثم خرج))
أي من الحجرة إلى المسجد فصلى الصبح أي بالجماعة.
بيان المعاني والإعراب: قوله: ((فاضطجعت)) أي: وضعت الجنب على الأرض
وكان مقتضى الظاهر أن يقول: اضطجع بصورة الماضي الغائب، كما قال: إنه بات. أو قال:
بت كما قال: فاضطجعت، بصورة المتكلم فيهما، ولكنه قصد بذلك التفنن في الكلام وهو
نوع من أنواع الالتفات. فإن قلت: من هو القاصد لذلك؟ قلت: كريب، لأنه هو الذي نقل
كلام ابن عباس، والظاهر أن اختلاف العبارتين من ابن عباس ومن كريب، لأن كريباً أخبر
أولاً عن ابن عباس أنه بات ليلة عند ميمونة، ثم أضمر لفظ: قال، قبل قوله: ((فاضطجعت))،
فيكون الكلام على أسلوب واحد. قوله: ((حتى)) للغاية. قوله: ((أو قبله)) ظرف لقوله:
((استيقظ)). إن قلنا: إن: اذا ظرفية اي: حتى استيقظ وقت انتصاف الليل، أو قبل انتصافه.
وكلمة: أو، للتشكيك أو يكون متعلقاً بفعل مقدر. إن قلنا: إن إذا، شرطية و: استيقظ،
جزاؤها، والتقدير: حتى إذا استنصف الليل، أو كان قبل الانتصاف، استيقظ. قوله: ((فجلس
يمسح النوم عن وجهه بيده)) وفي بعض النسخ: ((فجعل يمسح النوم)). ففي الوجه الأول
يكون: يمسح، التي هي جملة من الفعل والفاعل في محل النصب على الحال من الضمير
الذي في: فجلس وفي الوجه الثاني: تكون الجملة خبر: فجعل، لأنه من أفعال المقاربة.
ومسح النوم من العينين من باب إطلاق اسم الحال على المحل، لأن المسح لا يقع إلاَّ على
العينين، والنوم لا يمسح. وقال بعضهم: أو أثر النوم من باب إطلاق اسم السبب على

٩٧
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٦)
المسبب. قلت: أثر النوم من النوم لأنه بقيته، فكيف يكون من هذا الباب؟ قوله: ((ثم قرأ
العشر الآيات)) بإضافة العشر إلى الآيات، ويجوز دخول لام التعريف على العدد عند الإضافة،
نحو: الثلاثة الأثواب، وهو من باب إضافة الصفة إلى الموصوف. قوله: ((الخواتم)) بالنصب
لأنه صفة: العشر، وهو مجمع خاتمة أي: أواخر سورة آل عمران، وهو قوله تعالى: ﴿إِن في
خلق السموات والأرض﴾ [آل عمران: ١٩٠] الى آخر السورة. فإن قلت: ذكر في هذا
الحديث الذي تقدم في باب التخفيف، هكذا: فتوضأ من شن معلق وضوءاً خفيفاً، بتذكير
وصف الشن، وتوصيف الوضوء بالخفة، وههنا أنث الوصف حيث قال: معلقة، وقال: فأحسن
وضوءه، والمراد به الإتمام والإتيان بجميع المندوبات. فما وجه الجمع بينهما؟ قلت: الشن:
يذكر ويؤنث، والتذكير باعتبار لفظه أو باعتبار الأدم أو الجلد، والتأنيث باعتبار القربة، وإتمام
الوضوء لا ينافي التخفيف، لأنه يجوز أن يكون أتى بجميع المندوبات مع التخفيف، أو هذا
كان في وقت، وذاك في وقت آخر. قوله: ((فصنعت مثل ما صنع)) أي: قال ابن عباس:
فصنعت مثل ما صنع النبي عَّ له أي: توضأت نحواً مما توضأ، كما صرح به في باب
التخفيف، ويحتمل أن يريد به أعم من ذلك فيشمل النوم حتى انتصاف الليل ومسح العينين
عن النوم وقراءة العشر الآيات والقيام إلى الشن والوضوء وإحسانه. قوله: ((يفتلها)) جملة وقعت
حالاً، وأما فتله أذنه: إما للتنبيه عن الغفلة وإما لإظهار المحبة. كذا قاله الكرماني. قلت: لم
يكن فتله أذنه إلاَّ لأجل أنه لما وقف وقف بجنبه اليسار فأخذ أذنه وعركها وأداره إلى يمينه.
قوله: ((فصلى ركعتين)) لفظ: ركعتين، ست مرات فيكون المجموع، اثني عشر ركعة. قوله:
(ثم أوتر)) قال الكرماني: أي جاء بركعة أخرى فردة. قلت: لم لا يجوز أن يكون معنى قوله:
أوتر، صلى ثلاث ركعات، لأنها وتراً أيضاً، بل الأوجه هذا لأنه ورد النهي عن البتيراء، وهو
التنفل بركعة واحدة. ثم اعلم أن قوله: ((فصلى ركعتين)) إلى قوله: ((ثم أوتر)) تقييد وتفسير
للمطلق الذي ذكر في باب التخفيف حيث قال هناك: فصلى ما شاء الله.
بيان استنباط الأحكام الأول: قال ابن بطال فيه رد على من كره قراءة القرآن على
غير طهارة لمن لم يكن جنباً، وهي الحجة الكافية في ذلك، لأنه، عليه الصلاة والسلام، قرأ
العشر الآيات بعد قيامه من النوم قبل الوضوء، وقال الكرماني: أقول: ليس ذلك حجة كافية،
لأن قلب رسول الله، عليه الصلاة والسلام، لا ينام ولا ينتقض وضوؤه به، وكذا رد عليه ابن
المنير، ثم قال: وأما كونه توضأ عقيب ذلك فلعله جدد الوضوء أو أحدث بعد ذلك فتوضأ.
واستحسن بعضهم كلامه بالنسبة إلى كلام ابن بطال حيث قال: بعد قيامه من النوم، ثم قال:
لأنه لم يتعين كونه أحدث في النوم، لكن لما عقب ذلك بالوضوء كان ظاهراً في كونه
أحدث، ولا يلزم من كون نومه لا ينقض وضوءه أن لا يقع منه حدث وهو نائم، نعم، إن وقع
شعر به بخلاف غيره، وما أدعوه من التجديد وغيره الأصل عدمه. قلت: قوله: ولا يلزم من
كون نومه ... إلى آخره غير مسلم، وكيف يمنع عدم الملازمة، بل يلزم من كون نومه لا
ينقض وضوءه أن لا يقع منه حدث في حالة النوم، لأن هذا من خصائصه، فيلزم من قول هذا
عمدة القاري / ج٣ / ٧٢
دعوة
i
!
i

٩٨
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٧)
القائل أن لا يفرق بين نوم النبي عَّله ونوم غيره، وقوله: وما أدعوه من التجديد وغيره الأصل
عدمه. قلت: هذا عند عدم قيام الدليل على ذلك، وههنا قام الدليل بأن وضوءه لم يكن
لأجل الحدث، وهو قوله، عليه الصلاة والسلام: ((تنام عيناي ولا ينام قلبي))، وحينئذ يكون
تجديد وضوئه لأجل طلب زيادة النور، حيث قال: الوضوء نور على نور. الثاني: فيه جواز
الاضطجاع عند المحرم، وإن كان زوجها عندها. الثالث: فيه استحباب صلاة الليل وقراءة
الآيات المذكورة بعد الانتباه من النوم. الرابع: فيه جواز عرك أذن الصغير لأجل التأديب، أو
لأجل المحبة. الخامس: فيه استحباب مجيء المؤذن إلى الإمام وإعلامه بإقامة الصلاة.
السادس: فيه تخفيف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح مع مراعاة أدائها. وغير ذلك من
الأحكام التي مضى ذكر بعضها، وسيأتي بعضها أيضا في كتاب الوتر. إن شاء الله تعالى.
٣٧ - بابُ مَنْ لَمْ يرَ الوُضُوءَ إلا مِنَ الغَشْيِ المُثْقِلِ
أي: هذا باب في بيان من لم ير الوضوء إلاَّ من الغشي، بفتح الغين المعجمة وسكون
الشين المعجمة وفي آخره ياء آخر الحروف. يقال: غشى عليه غشية وغشياناً فهو مغشي
عليه، والغشى: مرض يعرض من طول التعب والوقوف، وهو ضرب من الإغماء، إلاَّ أنه أخف
منه. وقال صاحب (العين): غشي عليه: ذهب عقله، وفي القرآن: ﴿كالذي يغشى عليه من
الموت﴾ [الأحزاب: ١٩] وقال الله تعالى ﴿فأغشيناهم فهم لا يبصرون﴾ [يس: ٩]. قوله:
((المثقل))، بضم الميم: من أثقل يثقل إثقالاً فهو مثقل بكسر القاف للفاعل، وبفتحها
للمفعول، وهو ضد الخفيف. فإن قلت: كيف يجوز هذا الحصر وللوضوء أسباب أخر غير
الغشي؟ قلت: أينما يقع مثل هذا الحصر فالمراد أنه رد لاعتقاد السامع حقيقة أو ادعاءً، فكأن
ههنا من يعتقد وجوب الوضوء من الغشي مطلقاً، سواء كان مثقلاً أو غير مثقل، وأشركهما
في الحكم، فالمتكلم حصر على أحد النوعين من الغشي فأفرده بالحكم مزيلاً للشركة، ومثله
يسمى قصر الإفراد، ومعناه أنه لا يتوضأ إلاّ من الغشي المثقل، لا من الغشي الغير المثقل،
وليس المعنى أنه يتوضأ توضأ من الغشي المثقل لا من سبب من أسباب الحدث، وجواب
آخر: أنه استثناء مفرغ، فلا بد من تقدير المستثنى منه مناسباً له، فتقديره من لم ير الوضوء من
الغشي. إلاّ من الغشي المثقل.
والمناسبة بين البابين من حيث إن في الباب السابق عدم لزوم الوضوء عند القراءة،
وههنا عدم لزومه عند الغشي الغير المثقل.
١٨٤/٤٨ - حدّثنا إسماعيلُ قالَ حدّثني مالِكٌ عَنْ هِشَامِ بنِ عُزوةَ عَنِ امْرَأْتِهِ فَاطِمةِ
عن جَدَّتِها أسْماءَ بِئْتِ أبِي بَكْرِ أَنَّها قالتْ أَتَيْتُ عَائِشَة زَوْجَ النَّبِيِّ عَلَّهِ حِينَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ
فاذَا النَّاسُ قِيَامٌ يُصَلُّونَ وإِذَا هِي قَائِمَةٌ تُصَلِّي فَقُلْتُ مَا لِلنَّاسِ فَأَشَارَتْ بِيَدِهَا نَحْوَ السَّمَاءِ
وقالَتْ سُبْحَانَ اللَّهِ فِقُلْتُ آيَةٌ فَأَشَارَتْ أَنْ نَعَمْ فَقُمْتُ حَتَّى تَجَلأَّنِي الغَشْيُ وَجَعَلْتُ أَصُبُّ فَوْقَ
رَأْسِي ماءٌ فَلَمَّا انْصَرَفَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَمِد اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قال: ((ما مِنْ
٠٠٠.

٩٩
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٨)
شَيْءٍ كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إِلاَّ قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا حَتَّى الجَنَّةِ وَالنَّارِ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ
تُفْتَثُونَ فِي القُبُورِ مِثْلَ أَوْ قَرِيباً مِن فِتْتَةِ الدَّجَالِ لاَ أدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَّتْ أسْمَاءُ يُؤْتَي أَحَدُكُمْ
فَيُقَال لَه ما عِلْمُكَ بِهَذَاَ الرَّجُلِ فَأَمَا المُؤْمِنُ أَوِ المُوقِنُ لاَ أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ
فَيَقُولُ هُوَ مُحَمَّدٌ رسولُ اللَّهِ جَاءَنَا بِالْبَيَّاتِ والهُدَّى فَاجَبْنَا وآمنًّا واتَّبَعْنَا فَيُقالُ تَمْ صَالِحاً
فَقَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُؤْمِناً وأمَّا المُنَافِقُ أَوِ المُؤْتَابُ لا أدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قالتْ أُسمَاءُ فَيَقُولُ
لاَ أذرِي سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شيئاً فقلْتُهُ)). [انظر الحديث: ٨٦ وأطرافه].
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة في قوله: ((حتى تجلاني الغشي))، لأنه لو كان مثقلاً
لكان انتقض الوضوء منها، لأنه كالإغماء حينئذ، والدليل على أنه لم يكن مثقلاً لأنها صبت
الماء على رأسها ليزول الغشي، وذلك يدل على أن حواسها كانت حاضرة، وهو يدل على
عدم انتقاض وضوئها.
ق
بيان رجاله: وهم ستة: الأول: إسماعيل بن أبي أويس، وقد مر عن قريب. الثاني:
مالك بن أنس. الثالث: هشام بن عروة بن الزبير بن العوام القريشي؛ والرابع: فاطمة بنت
المنذر بن الزبير بن العوام. الخامس: جدتها أسماء، على وزن حمراء، بنت أبي بكر
الصديق، رضي الله عنهم، وزوجة الزبير بن العوام، وفي بعض النسخ عن: جدته، بتذكير
الضمير، وكلاهما صحيحان بلا تفاوت في المعنى، لأن أسماء جدة لهشام ولفاطمة كليهما،
وتقدم ذكر الثلاثة في باب: من أجاب الفتيا بإشارة اليد. السادس: عائشة أم المؤمنين، رضي
الله عنها.
بيان لطائف إسناده منها: أن فيه التحديث بصيغة الجمع وبصيغة الإفراد والعنعنة
والقول. ومنها: أن رواته كلهم مدنيون. ومنها: أن فيه رواية الأقران هشام وامرأته فاطمة.
i
بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري في خمسة مواضع في الطهارة
عن إسماعيل، وفي الكسوف عن عبد الله بن يوسف، وفي الاعتصام عن القعنبي، ثلاثتهم عن
مالك، وفي العلم عن موسى بن إسماعيل عن وهيب، وفي الجهاد، وقال محمود: حدّثنا أبو
أسامة، ثلاثتهم عن هشام بن عروة به، وفي السمر عن يحيى ابن سليمان عن ابن وهب عن
سفيان الثوري عن هشام به مختصراً. وأخرجه مسلم في الصلاة عن أبي كريب عن عبد الله
ابن نمير عن هشام بن عروة به، وعن أبي بكر وأبي كريب، كلاهما عن أبي أسامة نحوه، وقد
مر الكلام في هذا الحديث مستوفى في كتاب العلم في باب: من أجاب الفتيا بإشارة اليد
والرأس، وكانت ترجمة الباب فيه.
٣٨ - بابُ مَسْحِ الرَّأْسِ كُلِّهِ
أي: هذا باب في بيان حكم مسح كل الرأس في الوضوء ولفظ: ((كله))، موجود
عندهم إلاّ في رواية المستملي فإنه ساقط.
١٣٠
١١٠٠

١٠٠
٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٨)
والمناسبة بين البابين أن الباب الأول مترجم بترك الوضوء من الغشي إلاَّ إذا كان مثقلاً،
وهذا الباب يشتمل على مسح جميع الرأس، وهو جزء من الوضوء.
لِقَوْلِ اللهِ تَعالىَ: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]
احتج البخاري في وجوب مسح جميع الرأس بقوله تعالى ﴿وامسحو برؤوسكم﴾
[المائدة: ٦] واحتجاجه به إنما يتم إذا كانت: الباء، زائدة كما ذهب إليه مالك، رحمه الله
تعالى.
وقالَ ابنُ المُسَيَّبِ المَرْأةُ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ تَمْسَحُ عَلَى رَأْسِهَا
أي: قال ابن المسيب، رضي الله تعالى عنه، ووصله ابن أبي شيبة في (مصنفه): حدّثنا
وكيع عن سفيان عن عبد الكريم يعنى ابن مالك عن سعيد بن المسيب المرأة والرجل في
مسح الرأس سواء. قوله: ((بمنزلة الرجل)) أي: في وجوب مسح جميع الرأس، هكذا فسره
الكرماني، ومع هذا يحتمل أن يكون مراده أنه بمنزلة الرجل في وجوب أصل المسح، فحينئذ
هذا الأثر لا يساعد البخاري في تبويبه لمسح كل الرأس، ونقل عن أحمد أنه قال: يكفي
المرأة مسح مقدم رأسها.
وَسُئِلَ مالِك: أَيُجْزِىءُ أنْ يَمْسَحَ بَعْضَ الرَّأْسِ فاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بنِ زَيْدٍ
أيجزىء: يجوز فيه الوجهان: أحدهما: بفتح الياء من جزى أي كفى، والهمزة فيه
للاستفهام. والثاني: بضم الياء من الإجزاء وهو الأداء الكافي لسقوط التعبد به، وفي بعض
النسخ: ببعض رأسه، وفي بعضها: بعض الرأس، والسائل عن مالك في مسح الرأس هو
إسحاق بن عيسى بن الطباع، بينه ابن خزيمة في (صحيحه) من طريقه، ولفظه: سألت مالكاً
عن الرجل يمسح مقدم رأسه في وضوئه أيجزيه؟ فقال: حدثني عمرو بن يحيى عن أبيه عن
عبد الله بن زيد، قال: ((مسح رسول الله عَّ ﴾ في وضوئه من ناصيته إلى قفاه، ثم رد يدبه إلى
ناصيته فمسح رأسه كله). وقال بعضهم: موضع الدلالة من الحديث والآية: أن لفظ الآية
مجمل لأنه يحتمل أن يراد بها مسح الكل، عن أن: الباء، زائدة، أو مسح البعض على أنها
تبعيضية، فتبين بفعل النبي عَّم أن المراد الأول. قلت: لا إجمال في الآية، وإنما الإجمال في
المقدار دون المحل، لأن الرأس وهو معلوم، وفعله عَ لو كان بياناً للإجمال الذي في
المقدار، وهذا القائل لو علم معنى الإجمال لما قال لفظ الآية مجمل. قوله: ((فاحتج)) أي:
مالك احتج بحديث عبد الله بن زيد الذي ساقه هنا على عدم الإجزاء في مسح بعض الرأس،
والمعنى: أنه لما سئل عن مسح الرأس روى هذا الحديث واحتج به على أنه لا يجوز أن
يقتصر ببعض الرأس.
١٨٥/٤٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قالَ أخبرنا مالِكٌ عَنْ عَمرو بن يَخْبِى المَازِنِيِّ
/٠