Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ ٠ -. ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣١) الطحاوي هذا بعد أن ذكر اختلاف العلماء، فروى أولاً عن ابن عباس أن رسول الله عَ ليه صلى بذي الحليفة ثم أتى براحلته فركبها، فلما استوت به البيداء أهلّ، ثم قال: فذهب قوم إلى هذا فاستحبوا الإحرام من البيداء لإحرام النبي، عليه الصلاة والسلام، منها. وأراد بالقوم هؤلاء: الأوزاعي وعطاء وقتادة، وخالفهم في ذلك آخرون، وأراد بهم الأئمة الأبعة وأكثر أصحابهم، فإنهم قالوا: سنة الإحرام أن يكون من ذي الحليفة. وفي (شرح الموطأ): استحب مالك وأكثر الفقهاء أن يهل الراكب إذا استوت به راحلته قائمة، واستحب أبو حنيفة أن يكون إهلاله عقب الصلاة إذا سلم منها، وقال الشافعي: يهل إذا أخذت ناقته في المشي، وحين كان يركب راحلته قائمة كما يفعله كثير من الحجاج اليوم، وقال عياض: جاء في رواية: ((أهل رسول الله، عليه الصلاة والسلام، إذا استوت الناقة)). وفي رواية أخرى: ((حتى استوت به راحلته))، وفي أخرى: ((حتى تنبعث به ناقته))، وكل ذلك متفق عليه. ثم قال الطحاوي: أجاب هؤلاء عما قاله أهل المقالة الأولى من استحباب الإحرام من البيداء. وحاصله: لا نسلم أن إحرامه، عليه الصلاة والسلام، من البيداء يدل على استحباب ذلك، وأنه فضيلة اختارها رسول الله عَّله، لأنه يجوز أن يكون ذلك، لا القصد أن للإحرام منها فضيلة على الإحرام من غيرها، وقد فعل، عليه الصلاة والسلام، في حجته في مواضع لا لفضل قصده، ومن ذلك نزوله بالمحصب. وروى عطاء عن ابن عباس، قال: ليس المحصب بشيء، إنما هو منزل نزله رسول الله، عليه الصلاة والسلام، فلما حصب رسول الله، عليه السلام، ولم يكن ذلك لأنه سنة، فكذلك يجوز أن يكون إحرامه من البيداء كذلك. قال: وأنكر قوم أن يكون رسول الله عَّله أحرم من البيداء، وقالوا: ما أحرم إلاَّ من المسجد، وأراد بالقوم هؤلاء: الزهري وعبد الملك بن جريج وعبد الله بن وهب، ورووا في ذلك ما رواه مالك عن موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه أنه قال: ((بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول الله، عليه الصلاة والسلام، أنه أهل منها، ما أهل رسول الله، عليه الصلاة والسلام، إلاّ من عند المسجد))، يعني: مسجد ذي الحليفة، أخرجه الطحاوي عن يزيد بن سنان عن عبد الله بن مسلم عن مالك عن موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه، وأخرجه الترمذي أيضاً. فإن قلت: كيف يجوز لابن عمر أن يطلق الكذب على الصحابة؟ قلت الكذب يجيء بمعنى الخطأ، لأنه يشبهه في كونه ضد الصواب، كما أن ضد الكذب الصدق، وافترقا من حيث النية والقصد، لأن الكاذب يعلم أن الذي يقوله كذب، والمخطىء لا يعلم ولا يظن به أنه كان ينسب الصحابة إلى الكذب. قال الطحاوي: فلما جاء هذا الاختلاف بيَّنَّ ابن عباس الوجه الذي جاء منه الاختلاف كما ذكرنا آنفاً. ٣١ _ بابُ التَّيَمُّنِ في الوُضُوءِ والغُسل أي: هذا باب في بيان التيمن في الوضوء والغسل، والتيمن هو الأخذ باليمين. والمناسبة بين الأبواب ظاهرة من حيث إن الأبواب الماضية في أحكام الوضوء، i i ٤٢ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣١) والتيمن أيضاً من أحكامه، ولا سيما بينه وبين الباب الذي قبله، لأنه في غسل الرجلين وفيه التيمن أيضا سنة أو مستحب. ١٦٧/٣٢ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قال حدّثنا إسماعيلُ قال حدّثنا خالِدٌ عنْ حَفْصَةً بِنْتِ سيرِينَ عنْ أمّ عطِيَّةَ قالتْ: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لَهُنَّ في غسْلِ ابْنَتِهِ: ((ابْدَأْنَ بِيَامِهَا وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا)) [الحديث ١٦٧ - أطرافه في: ١٢٥٣، ١٢٥٤، ١٢٥٥، ١٢٥٦، ١٢٥٧، ١٢٥٨، ١٢٥٩، ١٢٦٠، ١٢٦١، ١٢٦٢، ١٢٦٣]. مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((بميامنها))، لأن الأمر بالتيمن في التغسيل والتوضئة كليهما مستفاد من عموم اللفظ. بيان رجاله ... وهم خمسة: الأول: مسدد بن مسرهد، وقد ذكر. الثاني: إسماعيل: هو ابن علية، وقد مر. الثالث: خالد الحذاء، وقد مضى. الرابع: حفصة بنت سيرين الأنصارية، أخت محمد بن سيرين. الخامس: أم عطية بنت كعب، ويقال: بنت الحارث الأنصارية، واسمها نسيبة، بضم النون وفتح السين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة وفي آخره هاء، وحكي فتح النون مع كسر السين: يعني يحيى بن معين، ولها صحبة ورواية، تعد في أهل البصرة، وكانت تغسل الموتى وتمرض المرضى وتداوي الجرحى وتغزو مع رسول الله، عليه الصلاة والسلام، غزت معه سبع غزوات، وشهدت خيبر وكان علي، رضي الله تعالى عنه، يقيل عندها، وكانت تنتف إبطه بورسة. لها أربعون حديثاً اتفقا على سبعة أو ستة، وللبخاري حديث، ولمسلم آخر، روى لها الجماعة. بيان لطائف إسناده: منها: أن رواته كلهم بصريون. ومنها: أن فيه التحديث والعنعنة. ومنها: أن فيه رواية التابعية عن الصحابية. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الجنائز عن محمد بن عبد الوهاب الثقفي، وعن حامد بن عمر عن حماد بن زيد، كلاهما عن أيوب به، وحديث الثقفي أتم. وأخرجه مسلم والنسائي جميعاً فيه عن قتيبة عن حماد بن زيد به. وأخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن الثقفي به. بيان المعاني: قوله: ((لهن) أي: لأم عطية ولمن معها. قوله: ((في غسل ابنته)) أي: صفة غسل ابنته. قيل: اسمها أم كلثوم زوج عثمان بن عفان، غسلتها أسماء بت عميس وصفية بنت عبد المطلب، وشهدت أم عطية غسلها، وذكرت قوله، عليه السلام، في كيفية غسلها، وفي (صحيح مسلم) أنها زينب، رضي الله تعالى عنها، بنت رسول الله عَّ له، وماتت في السنة الثانية، ولما نقل القاضي عياض عن بعض أهل السير أنها أم كلثوم قال: الصواب زینب، کما صرح به مسلم في روايته، وقد يجمع بينهما بأنها: غسلت زينب وحضرت غسل أم كلثوم، وذکر المنذري في حواشیه: أن أم كلثوم توفيت ورسول الله ێے ببدر غائب، وغلط في ذلك، فتلك رقية، ولما دفن أم كلثوم قال، عليه الصلاة والسلام: ((دفن البنات من المكرمات))، والعجب من الكرماني أنه يقول: قال النووي في (تهذيب الأسماء): إن S ory ٤٣ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣١) المغسولة اسمها زينب، وهذا مسلم قد صرح به، فكأنه ما كان ينظر فيه حتى نسب ذاك إلى النووي. بيان استنباط الأحكام: الأول: استحباب الوضوء في أول غسل الميت، عملاً بقوله: ((ومواضع الوضوء منها))، ونقل النووي عن أبي حنيفة عدم استحبابه. قلت: هذا غير صحيح، ففي كتبنا مثل (القدوري) و (الهداية) يذكر ذلك، قال في (الهداية): لأن ذلك من سنة الغسل، غير أنه لا يمضمض ولا يستنشق، لأن إخراج الماء من فمه متعذر، وهل يتوضأ في الغسلة الأولى أو الثانية أو فيهما؟ فيه خلاف للمالكية حكاه القرطبي. الثاني: استحباب تقديم الميامن في غسل الميت، ويلحق به الطهارات، وبه تشعر ترجمة البخاري، وكذا أنواع الفضائل، والأحاديث فيه كثيرة، وبالاستحباب قال أكثر العلماء. وقال ابن حزم: ولا بد من البدء بالميامن. وقال ابن سيرين: يبدأ بمواضع الوضوء ثم بالميامن. وقال أبو قلابة: يبدأ بالرأس ثم باللحية ثم بالميامن. الثالث: فيه فضل اليمين على الشمال، ألا ترى قوله، عليه الصلاة والسلام، حاكيا عن ربه: ((وكلتا يديه يمين))؟ وقال تعالى: ﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه﴾ [الحاقة: ١٩، والانشقاق: ٧]. وهم أهل الجنة. ١٦٨/٣٣ - حدّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ قال حدّثنا شُعْبَة قال أخبرني أشْعَثُ بنُ سُليْمِ قالَ سَمِعْتُ أبي عنْ مَسْرُوقٍ عنْ عَائِشَةَ قَالتْ كانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ في تَنَعْلِهِ وَتَرَجُلِهِ وطُهُورِهِ وفي شَأْنِهِ كُلِهِ. [الحديث ١٦٨ - أطرافه في: ٤٢٦، ٥٣٨٠، ٥٨٥٤، ٥٩٢٦]. فيه المطابقة للترجمة، لأن فيه إعجابه، عليه الصلاة والسلام، في شأنه كله، وهو بعمومه يتناول استحباب التيامن في كل شيء: في الوضوء والغسل والتغسيل وغير ذلك. أما المناسبة بين الحديثين فظاهرة. بيان رجاله: وهم ستة: الأول: حفص بن عمر الحوضي البصري الثبت الحجة، قال أحمد: لا يؤخذ عليه حرف، مات سنة خمس وعشرين ومائتين بالبصرة، وليس في البخاري حفص بن عمر غيره، وفي السنن مفرقاً جماعات. الثاني: شعبة بن الحجاج، وقد مر ذكره. الثالث: أشعث، بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح العين المهملة وفي آخره ثاء مثلثة: ابن سليم، بالتصغير، من ثقات شيوخ الكوفيين وهو الرابع: من الرواة، وهو سليم بن الأسود المحاربي، بضم الميم، الكوفي أبو الشعثاء، وشهرته بكنيته أكثر من اسمه. الخامس: مسروق بن الأجدع الكوفي، أبو عائشة، أسلم قبل وفاة النبي عَّةِ، وأدرك الصدر الأول من الصحابة، وكانت عائشة أم المؤمنين قد تبنت مسروقاً فسمى ابنته عائشة، فكني بأبي عائشة، وقد مر في باب علامات المنافق. السادس: أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها. بيان لطائف إسناده منها: أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة. ومنها: أن رواته ما بين i i i i i ٤٤ ١٣٣٠ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣١) بصري وكوفي. ومنها: أن فيه رواية الابن عن الأب. ومنها: أن فيه كبيرين قرينين من أتباع التابعين وهما: أشعث وشعبة. ومنها: أن فيه كبيرين قرينين من كبار التابعين وهما: سليم ومسروق. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضا في الصلاة عن سليمان ابن حرب، وفي اللباس عن أبي الوليد وحجاج بن المنهال، وفي الأطعمة عن عبدان عن عبد الله بن المبارك، خمستهم عن شعبة عن أشعث بن أبي الشعثاء عن أبيه به. وأخرجه مسلم في الطهارة عن عبيد الله بن معاذ عن أبيه شعبة به، وعن يحيى بن يحيى عن أبي الأحوص عن أشعث به. وأخرجه أبو داود في اللباس عن حفص بن عمر وسلمة بن إبراهيم، كلاهما عن شعبة به. وأخرجه الترمذي في آخر الصلاة عن هناد بن السري عن أبي الأحوص به: وقال: حسن صحيح، وفي الشمائل عن أبي موسى عن غندر عن شعبة به وأخرجه السنائي في الطهارة، وفي الزينة عن محمد بن عبد الأعلى عن خالد بن الحارث، وعن سويد بن نصر عن ابن المبارك، كلاهما عن شعبة به. وأخرجه ابن ماجة في الطهارة عن هناد به، وعن سفيان بن و کیع عن عمر بن عبيد عن أشعث به. بيان اللغات: قوله: ((يعجبه)) من: الإعجاب، يقال: أعجبني هذا الشيء لحسنه. والعجيب: الأمر الذي يُتعجب منه وكذلك العجاب بالضم والتخفيف وبالتشديد أكثر منه، وكذلك الأعجوبة، وعجبت من كذا وتعجبت منه واستعجبت بمعنى، والمصدر: العجب، بفتحتين. وأما العجب، بضم العين وسكون الجيم. فهو اسم من أعجب فلان بنفسه فهو معجب بفتح الجيم برأيه وبنفسه، وأما العجب، بفتح العين وسكون الجيم: فهو أصل الذنب. قوله: ((التيمن)) هو الأخذ باليمين في الأشياء. قوله: ((تنعله)) أي في لبسه النعل وهي التي. تلبس في المشي، تسمى الآن تأسومة، قاله ابن الأثير، وهي مؤنثة، يقال: نعلت وانتعلت إذا لبست النعل، وأنعلت الخيل، بالهمزة ومنه الحديث: (إن غسان تنعل خيلها))، وفي روايات البخاري كلها: ((في تنعله))، بفتح التاء المثناة من فوق وفتح النون وتشديد العين، وهكذا ذكره الحميدي والحافظ عبد الحق في كتابيهما (الجمع بين الصحيحين) وفي رواية مسلم: ((في نعله)) على إفراد النعل، وفي بعض الروايات: ((نعليه)) بالتثينة، وقال النووي: وهما صحیحان ولم ير في شيء من نسخ بلادنا غير هذين الوجهين. قلت: الروايات كلها صحيحة. قوله: ((وترجله)) أي: في تمشيطه الشعر وهو تسريحه، وهو أعم من أن يكون في الرأس وفي اللحية، وقال بعضهم: وهو تسريحه ودهنه. قلت: اللفظ لا يدل على الدهن، فهذا التفسير من عنده ولم يفسره أهل اللغة كذلك، وفي (المغرب) للمطرزي: رجل شعره أي: أرسله بالمرجل، وهو المشط. وترجل فعل ذلك بنفسه، ويقال: شعر رجل ورجل، وهو: السبوطة والجعودة، وقد رجل رجلاً ورجله هو، ورجل رجل الشعر ورجل، وجمعها أرجال ورجال، ذكره ابن سيده في (المحكم)، فانظر هل ترى شيئاً فيه هذه المواد يدل على الدهن؟ والمرجل، بكسر الميم: المشط، وكذلك 5.09 جبينبـ ٤٥ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣١) المسرح، بالكسر، ذكره في (الغريبين). قوله: ((وطهوره)) قال الكرماني: هو بضم الطاء ولا يجوز فتحها هنا. قلت: لا نسلم هذا على الإطلاق، لأن الخليل والأصمعي وأبا حاتم السجستاني والأزهري وآخرين ذهبوا إلى أن الطهور، بالفتح في الفعل الذي هو المصدر والماء الذي يتطهر به. وقال صاحب (المطالع): وحكي الضم فيهما، والفرق المذكور نقله ابن الأنباري عن جماعة من أهل اللغة، فإذا كان كذلك فقول الكرماني: ولا يجوز فتحها، غير صحيح على الإطلاق. قوله: ((في شأنه)) الشأن هو الحال والخطب، وأصله الشأن، بالهمزة الساكنة في وسطه، ولكنها سهلت بقلبها ألفاً لكثرة استعماله، والشأن أيضاً واحد الشؤون وهي، مواصل قبائل الرأس وملتقاها، ومنها تجيء الدموع. P بيان الإعراب: قوله: ((يعجبه)) فعل ومفعول، و: التيمن، فاعله، والجملة في محل النصب على أنها خبر: كان، قوله: ((في تنعله)) في محل النصب على الحال من الضمير المنصوب الذي في يعجبه، والتقدير كان يعجبه التيمن حال كونه لابساً النعل. ويجوز أن يكون من التيمن أي: يعجبه التيمن حال كون التيمن في تنعله. قوله: ((وترجله)) عطف على: تنعله، و: طهوره، عطف على: ترجله. قوله: ((في شأنه)) بدل من الثلاثة المذكورة قبله بدل الاشتمال، والشرط في بدل الاشتمال أن يكون المبدل منه مشتملاً على الثاني، أي: متقاضياً له بوجه ما، وههنا كذلك على ما لا يخفى، وإذا لم يكن المبدل منه مشتملاً على الثاني يكون بدل الغلط، وإنما قيل لهذا بدل الاشتمال من حيث اشتمال المتبوع، على التابع، لا كاشتمال الظرف على المظروف، بل من حيث كونه دالاً عليه إجمالاً ومتقاضياً له بوجه ما، والعجب من الكرماني حيث نفى كونه بدل الاشتمال لكون الشرط أن يكون بينهما ملابسة بغير الجزئية والكلية. وههنا الشرط منتف. ثم يقول: ما قولك فيه؟ ثم يجيب بأنه بدل الاشتمال، وههنا الملابسة موجودة، ومع هذا قوله: لكون الشرط ... إلى آخره، ليس على الإطلاق لأنه يدخل فيه بعض الغلط، نحو: جاءني زيد غلامه أو حماره، ولقيت زيداً أخاه. ولا شك في كونها بدل الغلط. ـةيو. ومن العجيب أيضاً أنه قال: ولا يجوز أن يكون بدل الغلط لأنه لا يقع في فصيح الكلام، ثم قال: أو هو بدل الغلط وقد يقع في الكلام الفصيح قليلاً، ولا منافاة بين الغلط والبلاغة. قلت: لا يقع بدل الغلط الصرف ولا بدل النسيان في كلام الفصحاء، وإنما يقع بدل البداء في كلام الشعراء للمبالغة والتفنن، وبدل البداء أن يذكر المبدل منه عن قصد وتعمد ثم يتدارك بالثاني، وبدل الصرف وهو يدل على غلط صريح فيما إذا أردت أن تقول: جاءني حمار فيسبقك لسانك إلى رجل ثم تداركت الغلط فقلت: حمار، وبدل النسيان أن تتعمد ذكر ما هو غلط، ولا يسبقك لسانك إلى ذكره، لكن تنسى المقصود ثم بعد ذلك تتداركه بذكر المقصود، فمن هذا عرفت أن أنواع بدل الغلط ثلاثة. فإن قلت: في رواية أبي الوقت: ((وفي شأنه))، يإثبات الواو، قلت: على هذا يكون عطف العام على الخاص، وهو ظاهر. فإن قلت: هل يجوز أن تقدر: الواو، وفي الرواية الخالية عن: الواو؟ قلت: جوزه بعض النحاة إذا i / ٤٦ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣١) قامت قرينة عليه. وقال بعضهم ناقلاً عن الكرماني من غير تصريح به. قوله: ((في شأنه كله)) بدون: الواو، متعلق: بيعجبه، لا: بالتيمن، أي يعجبه في شأنه كله التيمن في تنعله ... إلى آخره أي: لا يترك ذلك سفراً ولا حضراً، ولا في فراغة ولا شغله ونحو ذلك. قلت: كلام الناقل والمنقول منه ساقط، لأنه يلزم منه أن يكون إعجابه التيمن في هذه الثلاثة مخصوصة في حالاته كلها، وليس كذلك، بل كان يعجبه التيمن في كل الأشياء في جميع الحالات. ألا ترى أنه أكد الشأن بمؤكد؟ والشأن بمعنى الحال، والمعنى في جميع حالاته؟ ثم قال هذا الناقل: وقال الطيبي، في قوله: ((في شأنه)) بدل من قوله: ((في تنعله))، بإعادة العامل، وكأنه ذكر التنعل لتعلقه بالرجل، والترجل لتعلقه بالرأس، والطهور لكونه مفتاح أبواب العبادة، فكأنه نبه على جميع الأعضاء، فيكون كبدل الكل من الكل. قلت: هذا لم يتأمل كلام الطيبي، لأن كلامه ليس على رواية البخاري وإنما هو على رواية مسلم، وهي: ((كان رسول الله، عليه الصلاة والسلام، يحب التيمن في شأنه كله: في تنعله وترجله)). لأن صاحب المشكاة نقل عبارة مسلم، وقال الطيبي في شرحه: بهذه العبارة أقول. قوله: ((في طهوره وترجله وتنعله)) بدل من قوله: ((في شأنه))، بإعادة العامل ولعله إنما بدأ فيها بذكر الطهور لأنه فتح لأبواب الطاعات كلها، وثنى بذكر الترجل وهو يتعلق بالرأس، وثلث بالتنعل وهو مختص بالرجل ليشمل جميع الأعضاء، فيكون كبدل الكل من الكل، والعجب من هذا الناقل أنه لما نقل كلام الطيبي على رواية مسلم، ثم قال: ووقع في رواية مسلم بتقديم قوله: ((في شأنه كله)) على قوله في: تنعله. إلى آخره، قال: فيكون بدل البعض من الكل، فكأنه ظن أن كلام الطيبي من الرواية التي فيها ذكر الشان متأخراً كما هي رواية البخاري هنا، ثم قال: ووقع في رواية مسلم بتقديم قوله: ((في شأنه))، وهذا كما ترى فيه خبط ظاهر. بيان المعاني قوله: ((التيمن)) لفظ مشترك ترك بين الابتداء باليمين، وبين تعاطي الشيء باليمين، وبين التبرك وبين قصد اليمن، ولكن القرينة دلت على أن المراد المعنى الأول. قوله: ((في تنعله ... )) إلى آخره زاد أبو داود فيه عن مسلم بن إبراهيم عن شعبة: ((وسواكه)، وفي رواية لأبي داود: ((كان يحب التيامن ما استطاع في شأنه))، وفي رواية للبخاري أيضاً عن شعبة: ((ما استطاع))، فنبه على المحافظة على ذلك ما لم يمنع مانع، وفي رواية ابن حبان: ((كان يحب التيامن في كل شيء حتى في الترجل والانتعال)). وفي رواية ابن منده: ((كان يحب التيامن في الوضوء والانتعال)). قوله: ((كله)) تأكيد لقوله: ((في شأنه))، فإن قلت: ما وجه التأكيد وقد استحب التياسر في بعض الأفعال كدخول الخلاء ونحوه؟ قلت: هذا عام مخصوص بالأدلة الخارجية. قال الكرماني: وما من عام إلا وقد خص: إلاّ ﴿والله بكل شيء عليم﴾ [البقرة: ٢٨٢، النساء: ١٧٦، النور: ٣٥ و٦٤، الحجرات: ١٦، التغابن: ١١]. قلت: إن أراد به أنه يقبل التخصيص أو يحتمله فمسلم، وإن أراد بالإطلاق ففيه نظر. وقال الشيخ محيى الدين: هذه قاعدة مستمرة في الشرع، وهي أن ما كان من باب ٤٧ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣١) التكريم والتشريف: كلبس الثوب والسراويل والخف ودخول المسجد والسواك والاكتحال وتقليم الأظفار وقص الشارب وترجيل الشعر ونتف الإبط وحلق الرأس والسلام من الصلاة وغسل أعضاء الطهارة والخروج إلى الخلاء والأكل والشرب والمصافحة واستلام الحجر الأسود، وغير ذلك مما هو في معناه، يستحب التيامن فيه؛ وأما ما كان بضده: كدخول الخلاء والخروج من المسجد والامتخاط والاستنجاء وخلع الثوب والسراويل والخف وما أشبه ذلك، فيستحب التياسر فيه، ويقال: حقيقة الشأن ما كان فعلاً مقصوداً، وما يستحب فيه التياسر ليس من الأفعال المقصودة، بل هي إما تروك وإما غير مقصودة. جدة بيان استنباط الأحكام: الأول: فيه الدلالة على شرف اليمين وقد مر في معنى الحديث السابق. الثاني: فيه استحباب البداءة بشق الرأس الأيمن في الترجل والغسل والحلق. فإن قلت: هو من باب الإزالة، فكان ينبغي أن يبدأ بالأيسر. قلت: لا، بل هو من باب التزيين والتجميل. الثالث: فيه استحباب البداية في التنعل والتخفف كذلك. الرابع: فيه استحباب البداءة باليمن في الوضوء، وقال ابن المنذر: أجمعوا على أن لا إعادة على من بدأ بيساره في وضوئه قبل يمينه وروينا عن علي وابن مسعود، رضي الله تعالى عنهما، أنهما قالا: ((لا تبالي بأي شيء بدأت)). زاد الدارقطني: أبا هريرة، ونقل المرتضى الشيعي(١) عن الشافعي في (القديم): وجوب تقديم اليمنى على اليسرى، ونسب المرتضى في ذلك إلى الغلط، فكأنه ظن أن ذلك لازم من وجوب الترتيب عند الشافعي، وقال النووي: أجمع العلماء على أن تقديم اليمنى في الوضوء سنة من خالفها فاته الفضل وتم وضوؤه، والمراد من قوله: العلماء أهل السنة، لأن مذهب الشيعة الوجوب، وقد صحف العمراني في (البيان) والبندنيجي في (التجريد) الشيعة، بالشين المعجمة، بالسبعة من العدد في نسبتها القول بالوجوب إلى الفقهاء السبعة، وفي كلام الرافعي أيضاً ما يوهم أن أحمد بن حنبل قال بوجوبه، وليس كذلك، لأن صاحب (المغني) قال: لا نعلم في عدم الوجوب خلافاً. فإن قلت: روى أبو داود والترمذي بإسناد جيد عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، أنه، عليه الصلاة والسلام، قال: ((إذا توضأتم فابدأوا بميامنكم)). وفي أكثر طرقه: ((بأيامنكم))، جمع: أيمن، ((إذا لبستم وإذا توضأتم)). قلت: الأمر فيه للاستحباب. وقال النووي: واعلم أن الابتداء باليسار، وإن كان مجزئاً، فهو مكروه، نص عليه الشافعي، رضي الله عنه في (الأم)، وقال أيضاً: ثم اعلم أن من الأعضاء في الوضوء ما لا يستحب فيه التيامن وهو: الأذنان والكفان والخدان، بل يطهران دفعة واحدة، فإن تعذر ذلك كما في حق الأقطع ونحوه قدم اليمين، ومما روي في هذا الباب عن ابن عمر قال: خير المسجد المقام ثم ميامن المسجد. وقال سعيد بن المسيب، يصلي في الشق الأيمن من المسجد، وكان إبراهيم يعجبه أن يقوم عن يمين الإمام، وكان أنس يصلي في الشق الأيمن، و کذا عن الحسن وابن سيرين. (١) وفي نسخة بدل الشيعي (السبيعي) بسين مهملة بعدها باء موحدة. i ١٣٠٠ ٤٨ + مو، ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٢) ٣٢ _ بابُ الْتِمَاسِ الوَضُوءِ إذا حانَتِ الصَّلاةُ أي: هذا باب في بيان التماس الوضوء إذا حانت الصلاة. والوضوء، بفتح الواو: وهو الماء الذي يتوضأ به. قوله: ((إذا حانت)) أي: قربت، يقال: حان حينه أي: قرب وقته. وجه المناسبة بين البابين ما يأتي إلاَّ بالجر الثقيل، وهو أن المذكور في الباب السابق طلب التيمن لأجل الوضوء والغسل، وههنا طلب الماء لأجل الوضوء. وقالَتْ عَائِشَةُ حَضَرَتِ الصبْحُ فالتُّمِسَ المَاءُ فلمْ يُوجَدْ فَنْزَلَ التَّيَمُّمُ مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((فالتمس الماء)). وفي قوله: ((فالتمس الناس الوضوء))، وهذا تعليق صحيح لأنه أخرجه في كتابه مسنداً في مواضع شتى، وهو قطعة من حديثها في قصة نزول آية التيمم، ذكره في كتاب التيمم. قوله: ((حضرت الصبح))، القياس: حضر الصبح، لأنه مذكر، والتأنيث باعتبار صلاة الصبح. قوله: ((فالتمس)) بضم التاء على صيغة المجهول. قوله: ((فنزل التيمم) أي: فنزلت آية التيمم، وإسناد النزول إلى التيمم مجاز عقلي. ١٦٩/٣٤ - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ إسْحاقَ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أبي طَلْحَةَ عِنْ أَنَسِ بنِ مالِكِ أَنَّهُ قَالَ رَّأَيْتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وحانَتْ صَلاةُ العَصْرِ فالْتَمَسَ النَّاسُ الوَضُوءَ فَلَمْ يَجِدُوهُ فَأَتِيَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِوَضُوءٍ فَوَضَعَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في ذَلِكَ الإِناءِ يَدَهُ وأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّؤُوا مِنْهُ قَالَ فَرَأَيْثُ المَاءَ يَنْبِعُ مِنْ تَحْتِ أصابِعِهِ حَتَّى تَوَضَّؤُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ. [الحديث ١٦٩ - أطرافه في: ١٩٥، ٢٠٠، ٣٥٧٢، ٣٥٧٣، ٣٥٧٤، ٣٥٧٥] وجه مطابقته للترجمة ما ذكرناه. بيان رجاله: وهم أربعة. قد ذكروا كلهم، وهو من رباعيات البخاري، وأبو طلحة اسمه زيد بن سهل الأنصاري. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة. ومنها: أن رواته ما بين تنيسي ومدني وبصري، فعبد الله بن يوسف شامي نزل تنيس، بلدة بساحل البحر الملح، بالقرب من دمياط، واليوم خراب: ومالك بن أنس وإسحاق مدنيان، وأنس بن مالك يعد من أهل البصرة. ومنها: أن إسناده قريب إلى النبي، عليه الصلاة والسلام. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في علامات النبوة عن القعنبي. وأخرجه مسلم في الفضائل عن إسحاق بن موسى الأنصاري عن معن، وعن أبي الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح عن ابن وهب وأخرجه الترمذي في المناقب عن إسحاق بن موسى عن معن وأخرجه النسائي في الطهارة عن قتيبة، خمستهم عنه به، وقال الترمذي: ١٠ ٤٩ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٢) حديث حسن صحيح. بيان لغاته وإعرابه: قوله: ((حانت)) بالحاء المهملة، أي: قرب وقت صلاة العصر، وزاد قتادة: ((وهو بالزوراء»، وهو سوق بالمدينة. قوله: ((فالتمس الناس)) الالتماس: الطلب. قوله: ((الوضوء))، بفتح الواو: وهو الماء الذي يتوضأ به، وكذا قوله: ((فأتوا رسول الله عَلَّه بوضوء)) بالفتح، قوله: ((ينبع)) فيه ثلاث لغات: ضم الباء الموحدة وكسرها وفتحها، ومعناه: يخرج مثل ما يخرج من العين. قوله: ((من بين أصابعه)) جمع: أصبع، فيه لغات: إصبع، بكسر الهمزة وضمها، والباء مفتوحة فيهما، ولك أن تتبع الضمة الضمة والكسرة الكسرة. وأما الإعراب: فقوله: ((رأيت رسول الله عَّلِ)) بمعنى: أبصرت، فلذلك اقتصر على مفعول واحد. قوله: ((وحانت)) الواو، فيه للحال، والتقدير: والحال أنه قد حانت صلاة العصر. قوله: ((فلم يجدوه)) بالضمير المنصوب، رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: ((فلم يجدوا))، بدون الضمير، وهو من الوجدان بمعنى الإصابة. قوله: ((فأتوا رسول الله عَلَّةٍ)) والصحيح من الرواية: ((فَأَتي رسول الله عٍَّ)) بصيغة المجهول. قوله: ((في ذلك الإناء» متعلق بقوله: ((فوضع))، و ((يده)) منصوب به. قوله: ((أن يتوضؤوا)) أي: بان يتوضؤوا، و: أن، مصدرية اي: بالتوضى منه، أي: من ذلك الإناء. قوله: ((قال)) الضمير فيه يرجع إلى أنس، رضي الله تعالى عنه، قوله: ((ينبع)) جملة من الفعل والفاعل وهو الضمير الذي هو فيه الذي يرجع إلى الماء، وهي في محل النصب على الحال، وقد علم أن الجملة الفعلية إذا وقعت حالاً تأتي بلا واو إذا كان فعلها مضارعاً. فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً لرأيت؟ قلت: قد قلت لك إن: رأيت، هنا بمعنى: أبصرت، فلا تقتضي إلاَّ مفعولاً واحداً. قوله: ((حتى توضؤوا)) قال الكرماني: حتى، للتدريج: ومن، للبيان أي: توضأ الناس حتى توضأ الذين من عند آخرهم ... وهو كناية عن جميعهم، ثم نقل عن النووي أن: من، في: من عند آخرهم، بمعنى إلى، وهي لغة. ثم قال: أقول ورود: من، بمعنى إلى شاذ قلما، يقع في فصيح الكلام. قلت: حتى، ههنا حرف ابتداء، يعني حرف يبتدأ بعده جملة، أي: تستأنف فتكون إسمية أو فعلية، والفعلية يكون فعلها ماضياً ومضارعاً، ومثال الإسمية قول جرير: جدة ٠٥٥٤ بدجلة حتى ماء دجلة أشكل فما زالت القتلى تمج دماؤها ومثال الفعلية التي فعلها ماض: ﴿حتى عفوا﴾ [الأعراف: ٩٥]. و: ((حتى توضؤوا))، ومثال الفعلية التي فعلها مضارع: ﴿حتى يقول الرسول﴾ [البقرة: ٢١٤] في قراءة نافع. قوله: ((من)، للبيان. قلت: إنما تكون من للبيان إذا كان فيما قبلها إبهام، ولا إبهام ههنا، لأن التقدير: وأمر الناس أن يتوضؤوا فتوضؤوا حتى توضأ من عند آخرهم، على أن: من، التي للبيان كثيراً ما يقع بعد: ما، ومهما. الإفراط إبهامهما، نحو: ﴿ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها﴾ [فاطر: ٢] ﴿ومهما تأتنا به من آية﴾ [الأعراف: ١٣٢] ومع هذا أنكر قوم مجيء: من، لبيان الجنس. والظاهر ان: من، ههنا للغاية، توضأ الناس ابتداء من أولهم حتى انتهوا إلى آخرهم. على أن: من، تأتي على خمسة عشر وجهاً، والغالب عليها أن تكون للغاية عمدة القاري / ج٣ / ٤٢ i ٠٣٠ ٥٠ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٢) حتى ادعى قوم أن سائر معانيها راجعة إليها، ولم أجد في هذه المعاني الخمسة عشرة مجيء: من، بمعنى: إلى. وادعى الكرماني أنها لغة قوم ولم يبين ذلك، ثم ادعى أنه شاذ. قلت: إن استعمل بمعنى: إلى، في كون كل منهما للغاية لأن: من، لابتداء الغاية، و: إلى، لانتهاء الغاية، يجوز ذلك لأن الحروف ينوب بعضها عن بعض، والمراد، بالغاية في قولهم ابتداء الغاية وانتهاء الغاية، جميع المسافة، إذ لا معنى لابتداء الغاية وانتهاء الغاية، فيكون معنى الحديث: حتى توضأ وانتهوا إلى آخرهم ولم يبق منهم أحد، والشخص هو آخرهم داخل في هذا الحكم لأن السياق يقتضي العموم والمبالغة، فإن قلت: عند، ظرف خاص واسم للحضور الحسي، فالعموم من أين يأتي؟ قلت: عند هنا تجعل لمطلق الظرفية حتى تكون بمعنى: في، كأنه. قال: حتى توضأ الذين هم في آخرهم، وأنس، رضي الله تعالى عنه، داخل في عموم لفظ الناس، ولكن الأصوليين اختلفوا في أن المخاطب بكسر الطاء داخل في عموم متعلق خطابه أمراً أو نهياً أو إخباراً أم غير داخل؟ والجمهور على أنه داخل. بيان المعاني: قوله: ((فأتوا رسول الله عَّ بوضوء)) وفي بعض الروايات: ((فأتي بقدح رحراح)) وفي بعضها: ((زجاج)، وفي بعضها: ((جفنة))، وفي بعضها: ((ميضأة))، وفي بضعها: ((مزادة)). وفي رواية ابن المبارك: ((فانطلق رجل من القوم فجاء بقدح من ماء يسير)). وروى المهلب أنه كان مقدار وضوء رجل واحد. قوله: ((وأمر الناس»، وكانوا خمس عشرة ومائة، وفي بعض الروايات ثمانمائة، وفي بعضها زهاء ثلاثمائة، وفي بعضها، ثمانين، وفي بعضها سبعين. قوله: ((ينبع من تحت أصابعه)) وفي بعض الروايات: ((يفور من بين أصابعه))، وفي بعضها: ((يتفجر من أصابعه كأمثال العيون))، وفي بعضها: ((سكب ماء في ركوة ووضع إصبعه وبسطها وغسلها في الماء)»، وهذه المعجزة أعظم من تفجر الحجر بالماء. وقال المزني، نبع الماء بين أصابعه أعظم مما أوتيه موسى، عليه الصلاة والسلام، حين ضرب بعصاه الحجر في الأرض، لأن الماء معهود أن يتفجر من الحجارة، وليس بمعهود أن يتفجر من بين الأصابع، وقال غيره: وأما من لحم ودم فلم يعهد من غيره معَّلِ. وقال القاضي عياض: وهذه القضية رواها الثقات من العدد الكثير عن الجم الغفير عن الكافة متصلاً عمن حدث بها من جملة الصحابة، وأخبارهم أن ذلك كان في مواطن اجتماع الكثير منهم من محافل المسلمين ومجمع العساكر، ولم يرو واحد من الصحابة مخالفة للراوي فيما رواه، ولا إنكاراً عما ذكر عنهم أنهم رأوه كما رآه، فسكوت الساكت منهم كنطق الناطق منهم، إذ هم المنزهون عن السكوت على الباطل، والمداهنة في كذب وليس هناك رغبة ولا رهبة تمنعهم، فهذا النوع كله ملحق بالقطعي من معجزاته، عليه الصلاة والسلام، وفيه رد على ابن بطال حيث قال في شرحه: هذا الحديث شهده جماعة كثيرة من الصحابة، إلاَّ أنه لم يروَ إلاَّ من طريق أنس، رضي الله تعالى عنه، وذلك، والله تعالى أعلم لطول عمره، ويطلب الناس العلو في السند. بيان استنباط الأحكام: الأول: فيه عدم وجوب طلب الماء للتطهر قبل دخول 1 ٥١ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٣) الوقت، لأن النبي، عليه الصلاة والسلام، لم ينكر عليهم التأخير، فدل على الجواز. وذكر ابن بطال: أن إجماع الأمة على أنه إن توضأ قبل الوقت فحسن، ولا يجوز التيمم عند أهل الحجاز قبل دخول الوقت، وأجازه العراقيون: الثاني: أن فيه دليلاً على وجوب المواساة عند الضرورة لمن كان في مائه فضل عن وضوئه. الثالث: فيه دليل على أن الصلاة لا تجب إلاَّ بدخول الوقت. الرابع: يستحب التماس الماء لمن كان على غير طهارة، وعند دخول الوقت يجب. الخامس: فيه رد على من ينكر المعجزة من الملاحدة. السادس: استنبط المهلب منه أن الأملاك ترتفع عند الضرورة، لأنه لما أتي رسول الله، عليه الصلاة والسلام، بالماء لم يكن أحد أحق به من غيره، بل كانوا فيه سواء، ونوقش فيه، وإنما تجب المواساة عند الضرورة لمن کان في مائه فضل عن وضوئه. ٣٣ _ بابُ المَاءِ الَّذِي يُفْسَلُ بِهِ شَغرُ الإِنْسانِ أي: هذا باب في بيان الماء الذي يغسل به شعر بني آدم. والمناسبة بين البابين من حيث إن في الباب الأول التماس الناس الوضوء، ولا يلتمس للوضوء إلا الماء الطاهر، وفي هذا الباب غسل شعر الإنسان، وشعر الإنسان طاهر، فالماء الذي يغسل به طاهر، فعلم أن في كل من البابين اشتمال على حكم الماء الطاهر. وكانَ عَطاءٌ لاَ يَرَى بِهِ بَأْساً أنْ يُتَّخَذَ مِنْهَا الخُيُوطُ والحِبَالُ هذا التعليق وصله محمد بن إسحاق الفاكهي في (أخبار مكة) بسند صحيح إلى عطاء ابن أبي رباح أنه كان لا يرى بأساً بالانتفاع بشعور الناس التي تحلق بمنى، ولم يقف الكرماني على هذا حتى قال: الظاهر أن عطاء هو ابن أبي رباح. قوله: ((أن يتخذ)) بفتح: أن، بدلاً من الضمير المجرور في: به، كما في قوله: مررت به المسكين، أي: لا يرى بأساً باتخاذ الخيوط من الشعر. وفي بعض النسخ لم يوجد لفظ: به، وهو ظاهر. قوله: الخيوط، جمع خيط، و: الحبال، جمع حبل، والفرق بينهما بالرقة والغلظ، ويروى عن عطاء أن نجس الشعر، وقال ابن بطال: أراد البخاري بهذه الترجمة رد قول الشافعي: إن شعر الإنسان إذا فارق الجسد نجس، وإذا وقع في الماء نجسه، إذ لو كان نجساً لما جاز اتخاذه خيوطاً وحبالاً. ومذهب أبي حنيفة أنه طاهر، وكذا شعر الميتة والأجزاء الصلبة التي لا دم فيها: كالقرون والعظم والسن والحافر والظلف والخف والشعر والوبر والصوف والعصب والريش والأنفحة الصلبة، قاله في (البدائع). وكذا من الآدمي على الأصح، ذكره في (المحيط) و (التحفة) وفي (قاضيخان) على الصحيح: ليست بنجسة عندنا، وقد وافقنا على صوفها ووبرها وشعرها وريشها مالك وأحمد وإسحاق والمزني، وهو مذهب عمر بن عبد العزيز والحسن وحماد وداود في العظم أيضا. وقال النووي في (شرح المهذب): حكى العبدري عن الحسن وعطاء والأوزاعي i ٠٠٠ i وحدة ٠٠٠٠٦ i i i ,* .2507 ٥٢ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٣) والليث: إنها تنجس بالموت، لكن تطهر بالغسل. وعن القاضي أبي الطيب: الشعر والصوف والوبر والعظم والقرن والظلف تحلها الحياة وتنجس بالموت، هذا هو المذهب، وهو الذي رواه المزني والبويطي والربيع وحرملة عن الشافعي، وروى إبراهيم البكري عن المزني عن الشافعي أنه رجع عن تنجيس شعر الآدمي، وحكاه أيضاً الماوردي عن ابن شريح عن القاسم الأنماطي عن المزني عن الشافعي، وحكى الربيع الجيزي عن الشافعي أن الشعر تابع للجلد يطهر بطهارته وينجس بنجاسته، قال: وأما شعر النبي، عليه الصلاة والسلام، فالمذهب الصحيح القطع بطهارته. وقال الإسماعيلي: في الشعر خلاف، فإن عطاء يروى عنه أنه نجسه. قلت: يشير بذلك إلى أن استدلال البخاري بما روى عن عطاء في طهارة الماء الذي يغسل به الشعر نظر، ثم قال: ورأى ابن المبارك رجلاً أخذ شعرة من لحيته ثم جعلها في فيه، فقال له: مه، أترد الميتة إلى فيك؟ فأما شعر رسول الله عَّ له فهو مكرم معظم خارج عن هذا. قلت: قول الماوردي: وأما شعر النبي عَّم فالمذهب الصحيح القطع بطهارته، يدل على أن لهم قولاً بغير ذلك، فنعوذ بالله من ذلك القول. وقد اخترق بعض الشافعية، وكاد أن يخرج عن دائرة الإسلام، حيث قال: وفي شعر النبي عٍَّ وجهان، وحاشا شعر النبي، عليه الصلاة والسلام، من ذلك، وكيف قال هذا وقد قيل بطهارة فضلاته فضلا عن شعره الكريم؟ وقد قال الماوردي: إنما قسم النبي، عليه الصلاة والسلام، شعره للتبرك، ولا يتوقف التبرك على كونه طاهراً. قلت: هذا أشنع من ذلك، وقال كثير من الشافعية نحو ذلك، ثم قالوا: الذي أخذ كان يسيراً معفواً عنه. قلت: هذا أقبح من الكل، وغرضهم من ذلك تمشية مذهبهم في تنجيس شعر بني آدم، فلما أورد عليهم شعر النبي، عليه الصلاة والسلام. وذكر القاضي حسين في العذرة وجهين، وأنكر بعضهم على الغزالي حكايتهما فيها، وزعم نجاستها بالاتفاق. قلت: يا للغزالي من هفوات حتى في تعلقات النبي، عليه الصلاة والسلام، وقد وردت أحاديث كثيرة أن جماعة شربوا دم النبي، عليه الصلاة والسلام، منهم أبو طيبة الحجام، وغلام من قريش حجم النبي، عليه الصلاة والسلام، وعبد الله بن الزبير شرب دم النبي، عليه الصلاة والسلام، رواه البزار والطبراني والحاكم والبيهقي وأبو نعيم في (الحلية). ويروى عن علي، رضي الله تعالى عنه، أنه شرب دم النبي، عليه الصلاة والسلام، وروي أيضاً أن أم أيمن شربت بول النبي عَُّلّةِ، رواه الحاكم والدارقطني والطبراني وأبو نعيم، وأخرج الطبراني في (الأوسط) في رواية سلمى امرأة أبي رافع أنها شربت بعض ماء غسل به رسول الله، عليه الصلاة والسلام، فقال لها حرم الله بدنك على النار. وقال بعضهم: الحق أن حكم النبي، عليه الصلاة والسلام، كحكم جميع المكلفين في الأحكام التكليفية: إلاَّ فيما يخص بدليل. قلت: يلزم من هذا أن يكون الناس مساويين للنبي، عليه الصلاة والسلام، ولا يقول بذلك إلاَّ جاهل غبي، وأين مرتبته من مراتب الناس؟ ولا يلزم أن يكون دليل الخصوص بالنقل دائماً، والعقل له مدخل في تميز النبي، عليه الصلاة والسلام، من غيره في مثل هذه الأشياء، وأنا اعتقد أنه لا يقاس عليه غيره، وإن قالوا غير ذلك فأذني عنه صماء. ١ ١ ٥٣ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٣) وسُؤْرِ الكِلابِ وَمَمرّها في المَسْجِدِ وسؤر الكلاب، بالجر، عطف على قوله: الماء، والتقدير: وباب سؤر الكلاب، يعني: ما حكمه، وفي بعض النسخ جمعهما في موضع واحد، وفي بعضها ذكروا كلها بعد قوله: ((وممرها في المسجد))، وفي بعضها ساقط، وقصد البخاري بذلك إثبات طهارة الكلب وطهارة سؤر الكلب. وقال الإسماعيلي: أرى أبا عبد الله عني نحو تطهير الكلب حياً، وأباح سؤره، لما ذكره من هذه الأخبار، وهي لعمري صحيحة، إلاّ أن في الاستدلال بها على طهارة الكلب نظراً، والسؤر، بالهمزة، بقية الماء التي يبقيها الشارب: وقال ثعلب: هو ما بقي من الشراب وغيره. وقال ابن درستويه: والعامة لا تهمزه، وترك الهمزة ليس بخطأ، ولكن الهمزة أفصح وأعرف. وفي (الواعي): السؤر والسأر: البقية من الشيء. وقال أبو هلال العسكري، في كتاب (البقايا): هو ما يبقى في الإناء من الشراب بعد ما شرب، يقال منه أسأر إسآراً، وهو مسئر، وجاء: سأر، بالتشديد في المبالغة. i P وقالَ الزُّهْرِيُّ إذا وَلَغَ الكَلْبُ في إناءٍ لَيْسَ لَهُ وَضُوءٌ غَيْرُهُ يَتَوَضَّأُ بِهِ قول الزهري هذا رواه الوليد بن مسلم في مصنفه عن الأوزاعي، وغيره عنه، ولفظه: سمعت الزهري: محمد بن مسلم بن شهاب. قوله: ((ولغ)) أي: الكلب، والقرينة تدل عليه، وجاء في بعض الروايات: ((إذا ولغ الكلب))، بذكره صريحاً، ولغ: ماضٍ من الولغ، وهو من الكلاب والسباع كلها هو أن يدخل لسانه في الماء وغيره من كل مائع فيحركه فيه، وعن ثعلب: تحريكاً قليلاً أو كثيراً، قاله المطرزي. وقال مكي في شرحه: فإن كان غير مائع قيل: لعقه ولحسه. قال المطرزي: فإن كان الإناء فارغاً يقال: لحسه، فإن كان فيه شيء يقال: ولغ، وقال ابن ستويه: معنى ولغ: لطع بلسانه شرب فيه أو لم يشرب، كان فيه ماء أو لم يكن. وفي (الصحاح): ولغ الكلب بشرابنا وفي شرابنا ومن شرابنا. وقال ابن خالويه: ولغ يلغ ولغاً وولغاناً، وولغ ولغاً وولغاً وولغاناً وولوغاً، ولا يقال: ولغ في شيء من جوارحه سوى لسانه. وقال ابن جني: الولغ في الأصل شرب السباع بألسنتها، ثم كثر فصار الشرب مطلقاً، وذكر المطرزي أنه يقال: ولغ، بكسر اللام، وهي لغة غير فصيحة، ومستقبله: يلغ، بفتح اللام وكسرها، وقال ابن القطاع: سكن بعضهم اللام فقال: ولغ. قوله: ((ليس له)) أي: لمن أراد أن يتوضأ، قوله: ((وضوء))، بفتح الواو: أي الماء الذي يتوضأ به. قوله: ((غيره)) ما ولغ فيه، فيجوز فيه الرفع والنصب، والجملة المنفية حال. وقوله: ((يتوضأ)) جواب الشرط. قوله: ((به)) أي: بالماء، وفي بعض النسخ: بها، فيؤول الإناء: بالمطهرة أو الإدارة، فالمعنى: يتوضأ بالماء الذي فیھا. وقالَ سُفْيانُ: هَذَاَ الفِقْهُ بَعَيْنِهِ يَقُولُ اللهُ تَعالىَ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦] وهذَا ماءٌ وفي النَّفْسِ مِنْهُ شَيْءٌ يَتَوضَأُ بِهِ وَيَتَيَمَّمُ رة i ١ i i ٠-٠ ٥٤ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٣) سفيان هذا هو الثوري، لأن الوليد بن مسلم لما روى هذا الأثر الذي رواه الزهري ذكر عقيبه بقوله: فذكرت ذلك لسفيان الثوري، فقال: هذا والله الفقه بعينه، ولولا هذا التصريح لكان المتبادر إلى الذهن أنه سفيان بن عيينة لكونه معروفاً بالرواية عن الزهري دون الثوري. قوله: ((هذا الفقه بعينه)) أراد أن الحكم بأنه يتوضأ به هو المستفاد من قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦] هذا نص القرآن، ووقع في رواية أبي الحسن القابسي عن أبي زيد المروزي، في حكاية قول سفيان، يقول الله تعالى: ﴿فإن لم تجدوا ماء﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦] وكذا حكاه أبو نعيم في (المستخرج) على البخاري. وقال القابسي: قد ثبت ذلك في الأحكام لإسماعيل القاضي، يعني بإسناده إلى سفيان، قال: وما أعرف من قرأ بذلك. وقال بعضهم: لعل الثوري رواه بالمعنى. قلت: لا يصح هذا أصلاً، لأنه قلب كلام الله تعالى، والظاهر أنه سهو، أو وقع غلطاً. ١٧٠/٣٥ - حدثنا مالِكُ بنُ إِسْماعِيلَ قال حدّثنا إِسْرائِيلُ عنْ عاصِمٍ عن ابنِ سيرِينَ قال قُلْتُ لَعبِيدَةَ عِنْدَنا مِنْ شَعَرِ النبيّ صلى الله عليه وسلم أصَبْنَاهُ مِنْ قِبَلِ أَنَسٍ أَوْ مِنْ قِبَلِ أهْلِ أَنَسٍ فقالَ لأَنْ تَكُونَ عِنْدِي شَعَرَةٌ مِنْهُ أحَبُّ إِليَّ مِنَ الدُّنْيا وما فيها. [الحديث ١٧٠ - طرفه في: ١٧١] الكلام فيه من وجوه: الأول في رجاله: وهم خمسة: الأول: مالك بن إسماعيل، أبو غسان النهدي، الحافظ الحجة العابد، روى عنه مسلم والأربعة بواسطة، مات في سنة تسع عشرة ومائتين، وليس في الكتب الستة: مالك بن إسماعيل، سواه. الثاني: إسرائيل بن يونس، وقد تقدم. الثالث: عاصم بن سليمان الأحول البصري الثقة الحافظ، مات سنة اثنتين وأربعين ومائة. الرابع: محمد بن سيرين وقد تقدم. الخامس: عبيدة، بفتح العين وكسر الباء الموحدة وفي آخره هاء: ابن عمرو، ويقال: ابن قيس بن عمرو السلماني، بفتح السين وسكون اللام: المرادي الكوفي، أسلم في حياة النبي، عليه الصلاة والسلام، ولم يلقه. وقال العجلي: هو كوفي تابعي ثقة جاهلي أسلم قبل وفاة رسول الله عَ ليه بسنتين، وكان أعور؛ وقال سفيان بن عيينة: كان عبيدة يوازي شريحاً في العلم والقضاء، وقال ابن نمير: كان شريح إذا أشكل عليه الأمر كتب إلى عبيدة، روى له الجماعة، مات سنة اثنتين وسبعين وقيل: ثلاث. الثاني في لطائف إسناده: منها: أن رواته ما بين بصري وكوفي. ومنها: أن فيه التحديث والعنعنة والقول. ومنها: أن فيه رواية التابعي عن التابعي. الثالث: أخرجه الإسماعيلي، وفي روايته: أحب إلي من كل صفراء وبيضاء. الرابع في معناه وإعرابه. قوله: ((عندنا من شعر النبي، عليه الصلاة والسلام)) أي: عندنا شيء من شعر، ويحتمل أن تكون: من، للتبعيض، والتقدير: بعض شعر النبي، عليه الصلاة والسلام، فيكون: بعض، مبتدأ وقوله: عندنا، خبره. ويجوز أن يكون المبتدأ محذوفاً أي: عندنا شيء من شعر النبي، عليه الصلاة والسلام، أو عندنا من شعر النبي، عليه السلام شيء. قوله: ((أصبناه من قبل أنس)) أي: حصل لنا من جهة أنس ابن مالك، رضي الله عنه. ١٠٠ ٥٥ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٣) وقوله: ((أو)) للتشكيك. قوله: ((لأن تكون))، اللام: فيه لام الابتداء للتأكيد، و: أن، مصدرية، و: تكون، ناقصة، ويحتمل أن تكون تامة، والتقدير: كون شعرة عندي من شعر النبي، عليه الصلاة والسلام أحب إلي من الدنيا وما فيها من متاعها. حدة الخامس في حكم المستبط منه: وهو أنه لما جاز أتخاذ شعر النبي، عليه الصلاة والسلام، والتبرك به لطهارته ونظافته، دل على أن مطلق الشعر طاهر، ألا ترى أن خالد بن الوليد، رضي الله عنه، جعل في قلنسوته من شعر رسول الله، عليه السلام، فكان يدخل بها في الحرب ويستنصر ببركته، فسقطت عنه يوم اليمامة، فاشتد عليها شدة، وأنكر عليه الصحابة، فقال: إني لم أفعل ذلك لقيمة القلنسوة. لكن كرهت أن تقع بأيدي المشركين وفيها من شعر النبي، عليه الصلاة والسلام. ثم إن البخاري استدل به على أن الشعر طاهر وإلاَّ لما حفظوه، ولا تمنى عبيدة أن تكون عنده شعرة واحدة منه، وإذا كان طاهراً فالماء الذي يغسل به طاهر، وهو مطابق لترجمة الباب، ولما وضعه البخاري في الماء الذي يغسل به شعر الإنسان ذكر هذا الأثر مطابقاً للترجمة، ودليلاً لما ادعاه، ثم ذكر حديثاً آخر مرفوعاً على ما يأتي الآن. ٠٠٠٠ ١٧١/٣٦ - حدّثنا مُحمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحيم قال أخبرنا سَعِيدُ بنُ سُلَيْمانَ قال حدّثنا عَبَّادٌ عَنِ ابنِ عَوْنٍ عَنِ ابْنَ سِيرِينَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لَمَّا حَلَقَ رَأْسَهُ كانَ أَبُو طَلْحَةَ أوَّلَ مِنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ. [انظر الحديث: ١٧٠ ] هذا هو الدليل الثاني لما ادعاه البخاري من طهارة الشعر، وطهارة الماء الذي يغسل به، المطابق للترجمة الأولى، وهي قوله: ((طهارة الماء الذي يغسل به شعر الإنسان)). بيان رجاله: وهم سبعة. الأول: محمد بن عبد الرحيم صاعقة، تقدم. الثاني: سعيد ابن سليمان الضبي البزار أبو عثمان سعدويه الحافظ الواسطي، روى عنه البخاري وأبو داود، حج ستين حجة، مات سنة خمس وعشرين ومائتين عن مائة سنة. الثالث: عباد، بتشديد الباء الموحدة: هو ابن العوام الواطي، أبو سهل، مات سنة خمس وثمانين ومائة، ثقة صدوق، عن أحمد أنه مضطرب الحديث. وقال محمد بن سعد: كان يتشيع، فأخذه هارون فحبسه زماناً ثم خلى عنه، وأقام ببغداد. الرابع: ابن عون، بفتح العين المهملة وفي آخر نون: هو عبد الله ابن عون، تابعي سيد قراء زمانه، وقد تقدم في باب قول النبي، عليه الصلاة والسلام، رب مبلغ. الخامس: محمد بن سيرين، وقد تكرر ذكره. السادس: أنس بن مالك، رضي الله عنه. السابع: أبو طلحة الأنصاري، زوج أم سليم، والدة أنس، رضي الله عنه. واسم أبي طلحة: زيد بن سهل بن الأسود النجاري، شهد العقبة وبدراً وأحداً والمشاهد كلها مع رسول الله، عليه الصلاة والسلام، مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين، وصلى عليه عثمان بن عفان. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة. ومنها: أن رواته ما بين بغدادي، وهو شيخ البخاري، وواسطي وبصري. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، فالأول i i i ١ ١٣٠٠ ٠٠, ٥٦ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٣) عبد الله بن عون. وفي مسلم وللنسائي عبد الله بن عون بن أمير مصر، وليس في الكتب الستة غيرهما، ومع هذه اللطائف إسناده نازل، لأن البخاري سمع من شيخ شيخه سعيد بن سليمان، بل سمع من ابن عاصم وغيره من أصحاب ابن عون، فيقع بينه وبين ابن عون واحد، وهنا بينه وبينه ثلاثة أنفس. بيان من أخرجه غيره: لم يخرجه أحد من الستة غيره بهذه العبارة وهذا السند، وهو أيضاً أخرجه هنا في كتابه فقط، وأخرجه أبو عوانة في صحيحه، ولفظه: ((إن رسول الله عَ ليه أمر الحلاق فحلق رأسه ودفع إلى أبي طلحة الشق الأيمن، ثم حلق الشق الآخر فأمره أن يقسمه بين الناس)). ورواه مسلم من طريق ابن عيينة عن هشام بن حسان عن ابن سيرين بلفظ: ((لما رمى الجمرة ونحر نسكه ناول الحلاق شقه الأيمن فحلقه، ثم دعا أبا طلحة فأعطاه إياه، ثم ناوله الشق الأيسر فحلقه فأعطاه أبا طلحة، فقال: إقسمه بين الناس)). وله من رواية حفص بن غياث عن هشام: ((أنه قسم الأيمن فيمن يليه))، وفي لفظ: ((فوزعه بين الناس. الشعرة والشعرتين. وأعطي الأيسر أم سليم)). وفي لفظ: أبا طلحة. فإن قلت: في هذه الروايات تناقض ظاهر. قلت: لا تناقض، بل يجمع بينهما بأنه ناول أبا طلحة كلاً من الشقين، فأما الأيمن فوزعه أبو طلحة بأمره بين الناس وأما الأيسر فأعطاه لأم سليم زوجته بأمره، عليه الصلاة والسلام أيضاً، زاد أحمد في رواية له: ((لتجعله في طيبها)). بيان استنباط الأحكام من الأحاديث المذكورة: الأول: أن فيه المواساة بين الأصحاب في العطية والهبة. الثاني: المواساة لا تستلزم المساواة. الثالث: فيه تنفيل من يتولى التفرقة على غيره. الرابع: فيه أن حلق الرأس سنة أو مستحبة اقتداء بفعله، عليه الصلاة والسلام. الخامس: فيه أن الشعر طاهر. السادس: أن فيه التبرك بشعر النبي، عليه الصلاة والسلام. السابع: أن فيه جواز اقتناء الشعر، فإن قلت: من كان الحالق لرسول الله عليه الصلاة والسلام؟ قلت: اختلفوا فيه، قيل: هو خراش بن أمية، وهو بكسر الخاء المعجمة وفي آخره شين معجمة أيضاً. وقيل: معمر بن عبد الله، وهو الصحيح، وكان خراش هو الحالق بالحديبية. ٣٧/ ١٧٢ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ عَن مالِكِ عنَ أبي الزِّنادِ عَنِ الأَعْرَجِ عِنْ أبي هُرِيْرَةَ قالَ إِنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: ((إذا شَرِبَ الكَلْبُ في إناء أحَدِ كُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعاً)). لما ذكر البخاري في هذا الباب حكمين ثانيهما في سؤر الكلب، أتى بدليل من الحديث المرفوع وهو أيضاً مطابق للترجمة. بيان رجاله: وهم خمسة كلهم ذكروا غير مرة، ومالك هو ابن أنس، وأبو زناد، بكسر الزاي المعجمة بعدها النون، واسمه عبد الله بن ذكوان، والأعرج اسمه عبد الرحمن بن هرمز. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة. ومنها: أن رواته كلهم أئمة أجلاء. ومنها: أن رواته ما بين تنيسي ومدني. ١٠٣٠ 1 ٣٠ ٢٩٢ ٥٧ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٣) بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري هنا عن عبد الله بن يوسف. وأخرجه مسلم في الطهارة عن يحيى بن يحيى. وأخرجه أبو داود فيه أيضاً عن الحارث بن مسكين عن عبد الرحمن بن القاسم. وأخرجه النسائي فيه أيضاً عن قتيبة. وأخرجه ابن ماجة أيضاً عن محمد بن يحيى عن روح بن عبادة، خمستهم عن مالك به. وأخرجه مسلم أيضاً من حديث الأعمش عن ابن رزين، وأبي صالح عن أبي هريرة، بلفظ: ((إذا ولغ))، بدل: ((شرب))، ومن حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة: «طهور إناء أحدكم إذا ولع فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب، وإذا ولغت فيه الهرة غسله مرة واحدة)). وأخرجه أبو داود في الطهارة عن مسدد. وأخرجه الترمذي فيه عن سوار بن عبد الله العنبري، كلاهما عن معتمر بن سليمان به، ووقفه مسدد ورفعه سواه. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال أبو داود: ذكر الهر موقوف. وقال البيهقي: مدرج. بيان المعاني قوله: ((إذا شرب الكلب)) كذا هو في (الموطأ)، والمشهور عن أبي هريرة من رواية جمهور أصحابه عنه: ((إذا ولغ))، وهو المعروف في اللغة. وقال الكرماني: ضمن: شرب، معنى: ولغ، فعدي تعديته. يقال: ولغ الكلب من شرابنا، كما يقال: في شرابنا، ويقال: ولغ شرابنا أيضاً. قلت: الشارع أفصح الفصحاء، وروي عنه: ((شرب))، و: ((ولغ))، لتقاربهما في المعنى، ولا حاجة إلى هذا التكليف. فإن قلت: الشرب أخص من الولوغ فلا يقوم مقامه. قلت: لا نسلم عدم قيام الأخص مقام الأعم، لأن الخاص له دلالة على العام اللازم، كلفظ الإنسان له دلالة على مفهوم الحيوان بالتضمن، لأنه جزء مفهومه، وكذا له دلالة على مفهوم الماشي بالقوة بالالتزام، لكونه خارجاً عن معنى الإنسان لازماً له، فعلى هذا يجوز أن يذكر الشرب ويراد به الولوغ. وادعى ابن عبد البر أن لفظة: شرب، لم يروه إلاَّ مالك، وأن غيره رواه بلفظ: ولغ، وليس كذلك، فقد رواه ابن خزيمة وابن المنذر من طريقين عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة بلفظ: ((إذا شرب))، لكن المشهور عن هشام بن حسان بلفظ: ((إذا ولغ))، كذا أخرجه مسلم وغيره من طريق عنه، وقد رواه عن أبي الزناد شيخ مالك بلفظ: ((إذا شرب))، وروي أيضا عن مالك بلفظ: ((إذا ولغ)) أخرجه أبو عبيد في (كتاب الطهور) له عن إسماعيل بن عمر عنه، ومن طريقه أورده الإسماعيلي، وكذا أخرجه الدارقطني في (الموطأ) له من طريق أبي علي الحنفي. بيان استنباط الأحكام الأول: فيه دلالة على نجاسة الكلب، لأن الطهارة لا تكون إلاَّ عن حدث أو نجس، والأول منتف فتعين الثاني، فإن قلت: استدل البخاري في هذا الباب المشتمل على الحكمين على الحكم الثاني وهو سؤر الكلب بالأثر الذي رواه عن الزهري والثوري، ثم استدل بهذا الحديث المرفوع، فما وجه دلالة هذا على ما ادعاه، والحال أن الحديث يدل على خلاف ما يقوله؟ قلت: أجاب عنه من ينصره ويتغالى فيه بأن سؤر الكلب طاهر، وأن الأمر بغسل الإناء سبعاً من ولوغه أمر تعبدي، فلا يدل على نجاسته. قلت: هذا بعيد جداً، لأن دلالة ظاهر الحديث على خلاف ما ذكروه، على أنا، ولئن سلمنا أنه يحتمل i وحدة i i ٠٫٠٠ ٥٨ 5 தல் + ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٣) أن يكون الأمر لنجاسته، ويحتمل أن يكون للتعبد، ولكن رجح الأول ما رواه مسلم: ((طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب))، وروايته أيضاً ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات))، ولو كان سؤره طاهراً لما أمر بإراقته، والذي قالوه نصرة للبخاري بغير ما يذكر عن المالكية. فإن قلت: من قال إن البخاري ذهب إلى ما نسبوه له؟ قلت: قال ابن بطال في شرحه: ذكر البخاري أربعة أحاديث في الكلب، وغرضه من ذلك إثبات طهارة الكلب وطهارة سؤره. أقول: كلام ابن بطال ليس بحجة، فلم، لا يجوز أن يكون غرضه بيان مذاهب الناس فبين في هذا الباب مسألتين: أولاهما الماء الذي يغسل به الشعر، والثانية: سؤر الكلاب؟ بل الظاهر هذا، والدليل عليه أنه قال في المسألة الثانية: وسؤر الكلاب، واقتصر على هذه اللفظة ولم يقل وطهارة سؤر الكلاب. الثاني: فيه نجاسة الإناء، ولا فرق بين الكلب المأذون في اقتنائه وغيره، ولا بين الكلب البدوي والحضري لعموم اللفظ، وللمالكية فيه أربعة أقوال: طهارته، ونجاسته، وطهارة سؤر المأذون في اتخاذه دون غيره، والفرق بين الحضري والبدوي. وقال الرافعي في (شرحه الكبير): وعند مالك لا يغسل في غير الولوغ، لأن الكلب طاهر عنده. والغسل من الولوغ تعبدي. وقال الخطابي: إذا ثبت أن لسانه الذي يتناول به الماء نجس، علم أن سائر أجزائه في النجاسة بمثابة لسانه، فأي جزء من بدنه مسه وجب تطهيره. الثالث: فيه دليل على أن الماء النجس يجب تطهير الإناء منه. الرابع: قال الكرماني: فيه دليل على تحريم بيع الكلب إذا كان نجس الذات، فصارت كسائر النجاسات. قلت: يجوز بيعه عند أصحابنا لأنه منتفع به حراسةً واصطياداً. قال الله تعالى ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾ [المائدة: ٤]، فإن قلت: نهى رسول الله عَ ليه عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن، قلت: هذا كان في زمن كان النبي، عليه الصلاة والسلام، أمر فيه بقتل الكلاب، وكان الانتفاع بها يومئذ محرماً، ثم بعد ذلك رخص في الانتفاع بها، وروى الطحاوي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عبد الله ابن عمر، رضي الله عنهما، أنه قضى في كلب صيد قتله رجل بأربعين درهماً، وقضى في كلب ماشية بكبش، وعنه عن عطاء: لا بأس بثمن الكلب، فهذا قول عطاء، رضي الله عنه، وروي عن النبي عَّ ل أن ثمن الكلب من السحت، وعنه عن ابن شهاب أنه إذا قتل الكلب المعلم فإنه تقوم قيمته فيغرمه الذي قتله، فهذا الزهري يقول هذا، وقد روي عن أبي بكر بن عبد الرحمن أن ثمن الكلب من السحت، وعنه عن مغيرة عن إبراهيم قال: لا بأس بثمن كلب الصيد، وروي عن مالك إجازة بيع كلب الصيد والزرع والماشية، ولا خلاف عنه أن من قتل كلب صيد أو ماشية فإنه يجب عليه قيمته، وعن عثمان، رضي الله عنه، أنه أجاز الكلب الضاري في المهر وجعل على قاتله عشرين من الإبل، ذكره أبو عمر في (التمهيد) الخامس: استدلت به الشافعية على وجوب غسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب سبع مرات، ولا فرق عندهم بين ولوغه وغيره، وبين بوله وروثه ودمه وعرقه ونحو ذلك، ولو ولغ ٥٩ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٣) كلاب أو كلب واحد مرات في إناء فيه ثلاثة أوجه: الصحيح: يكفي للجميع سبع مرات. والثاني: أنه يجب لكل واحد سبع. والثالث: أنه يكفي لولغات الكلب الواحد سبع، ويجب لك كلب سبع، ولو وقعت نجاسة أخرى فيما ولغ فيه كفى عن الجميع سبع، ولو كانت نجاسة الكلب دمه فلم تزل عينه إلاَّ بست غسلات مثلاً، فهل يحسب ذلك ست غسلات أم غسلة واحدة أم لا يحسب من السبع أصلاً؟ فيه أيضاً ثلاثة أوجه أصحها واحدة، قال الكرماني: فإن قلت: ظاهر لفظ الحديث يدل على أنه لو كان الماء الذي في الإناء قلتين ولم تتغير أوصافه لكثرته كان الولوغ فيه منجساً أيضا، لكن الفقهاء لم يقولوا به. قلت: لا نسلم أن ظاهره دل عليه، إذ الغالب في أوانيهم أنها ما كانت تسع القلتين، فيلفظ الإناء خرج عنه قلتان وما فوقه. قلت: إذا كان الإناء يسع القلتين أو أكثر، فماذا يكون حكمه؟ والإناء لا يطلق إلاَّ على ما لأُ يسع فيه إلاَّ ما دون القلتين، واللفظ أعم من ذلك. السادس: أنه ورد في هذا الحديث ((سبعاً)) أي: سبع مرات، وفي رواية: ((سبع مرات أولاهن بالتراب)). وفي رواية: ((أولاهن أو أخراهن))، وفي رواية: ((سبع مرات السابعة بتراب))، وفي رواية: ((سبع مرات وعفروه الثامنة بالتراب)). وقال النووي: وأما رواية: وغفروه الثامنة بالتراب، فمذهبنا ومذهب الجماهير، إذ المراد: إغسلوه سبعاً واحدة منهن بتراب مع الماء، فكان التراب قائماً مقام غسله، فسميت ثامنة. وقال بعضهم: خالف ظاهر هذا الحديث المالكية والحنفية، أما المالكية فلم يقولوا بالتتريب أصلاً مع إيجابهم السبع على المشهور عندهم، وأجيب: عن ذلك بأن التتريب لم يقع في رواية مالك، على أن الأمر بالتسبيع عنده للندب لكون الكلب طاهراً عنده. فإن عورض بالرواية التي روى عنه أنه نجس، أجيب بأن قاعدته أن الماء لا ينجس إلاَّ بالتغير، فلا يجب التسبيع للنجاسة بل للتعبد، فإن عورض بما رواه مسلم عن أبي هريرة: ((طهور إناء أحدكم) أجيب: بأن الطهارة تطلق على غير ذلك كما في ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم﴾ [التوبة: ١٠٣] و: ((السواك مطهرة للفم))، فإن عورض بأن اللفظ الشرعي إذا دار بين الحقيقة اللغوية والشرعية حملت على الشرعية إلاّ إذا قام دليل، أجيب: بأن ذلك عند عدم الدليل، وهنا يحتمل أن يكون من قبيل قوله، عليه الصلاة والسلام: ((التيمم طهور المسلم)). وبعض المالكية قالوا: الأمر بالغسل من ولوغه في الكلب المنهي عن اتخاذه دون المأذون فيه، فإن عورض بعدم القرينة في ذلك، أجيب: بأن الإذن في مواضع جواز الاتخاذ قرينة، وبعضهم قالوا: إن ذلك مخصوص بالكلب الكَلِب، والحكمة فيه من جهة الطب، لأن الشارع اعتبر السبع في مواضع، منها قوله: ((صبوا علي من سبع قرب))، ومنها قوله: ((من تصبح بسبع تمرات))، فإن عورض بأن الكلب الكلب لا يقرب الماء، فكيف يأمر بالغسل من ولوغه؟ أجيب: بأنه لا يقرب بعد استحكام ذلك، أما في ابتدائه فلا يمتنع، فان عورض بمنع استلزام التخصيص بلا دليل، والتعليل بالتنجيس أولى، لأنه في معنى النصوص، وقد ثبت عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم التصريح بأن الغسل من ولوغ الكلب لأنه رجس، رواه محمد بن نضر المروزي بأسناد صحيح، ولم يصح عن أحد من P ٠ ١ i ١ ١٣٧٤ ين، :*** ٦٠ ٤ - كتاب الوضوء/ باب (٣٣) الصحابة خلافه. أجيب: بأنه يحتمل أن يكون هذا الإطلاق مثل إطلاق الرجس على الميسر والأنصاب. وأما الحنفية فلم يقولوا بوجوب السبع، ولا التتريب. قلت: لم يقولوا بذلك لأن أبا هريرة، رضي الله تعالى عنه، الذي روى السبع، روي عنه غسل الإناء مرة من ولوغ الكلب ثلاثاً فعلاً وقولاً مرفوعاً وموقوفاً من طريقين: الأول: أخرجه الدارقطني بإسناد صحيح من حديث عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة قال: ((إذا ولغ الكلب في الإناء فأهرقه ثم اغسله ثلاث مرات))، قال الشيخ تقي الدين في الإمام: هذا إسناد صحيح. الطريق الثاني: أخرجه ابن عدي في (الكامل) عن الحسين بن علي الكرابيسي، قال: حدّثنا إسحاق الأزرق، حدّثنا عبد الملك عن عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَليهِ: ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه وليغسله ثلاث مرات))، ثم أخرجه عن معمر بن شبة أيضاً: حدّثنا إسحاق الأزرق به موقوفاً، ولم يرفعه غير الكرابيسي. قلت: قال البيهقي: تفرد به عبد الملك من أصحاب عطاء، ثم عطاء من أصحاب أبي هريرة والحفاظ الثقات من أصحاب عطاء وأصحاب أبي هريرة يروونه: سبع مرات، وفي ذلك دلالة على خطأ رواية عبد الملك ابن أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة في الثلاث، وعبد الملك لا يقبل منه ما يخالف الثقات، ولمخالفته أهل الحفظ والثقة في بعض رواياته تركه شعبة بن الحجاج ولم يحتج به البخاري في (صحيحه). قلت: عبد الملك أخرج له مسلم في صحيحه، وقال أحمد والثوري: هو من الحفاظ، وعن الثوري: هو ثقة فقيه متقن، وقال أحمد بن عبد الله: ثقة ثبت في الحديث، ويقال: كان الثوري يسميه الميزان. وأما الكرابيسي فقد قال: ابن عدي قال لنا: أحمد بن الحسن الكرابيسي له كتب مصنفة ذكر فيها اختلاف الناس في المسائل وذكر فيها أخباراً كثيرة، وكان حافظاً لها، ولم أجد له حديثاً منكراً، والذي حمل عليه أحمد بن حنبل فإنما هو من أجل اللفظ بالقرآن. فأما في الحديث فلم أر به بأساً. وأما الطحاوي فقال، بعد أن روى الموقوف عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة: فثبت بذلك نسخ السبع لأن أبا هريرة هو راوي السبع، والراوي إذا عمل بخلاف روايته أو أفتى بخلافها لا يبقى حجة، لأن الصحابي لا يحل له أن يسمع من النبي عَ لَّه شيئاً، ويفتي أو يعمل بخلافة إذ تسقط به عدالته، ولا تقبل روايته، وإنا نحسن الظن بأبي هريرة، فدل على نسخ ما رواه. وقد عارض هذا القائل بأن الحنفية خالفوا ظاهر هذا الحديث بقوله: يحتمل أن يكون أفتى بذلك لاعتقاد ندبية السبع لا وجوبها، أو كان نسي ما رواه، ومع الاحتمال لا يثبت النسخ، ورد بأن هذا إساءة الظن بأبي هريرة، والاحتمال الناشىء من غير دليل لا يعتد به، وادعاء الطحاوي النسخ مبرهن بما رواه بإسناده عن ابن سيرين أنه كان إذا حدث عن أبي هريرة، فقيل له: عن النبي عَّه، فقال: كل حديث أبي هريرة عن النبي، عليه الصلاة والسلام، ثم قال الطحاوي: ولو وجب العمل برواية السبع ولا يجعل منسوخاً لكان ما روي عن عبد الله بن مغفل في ذلك من النبي، عليه الصلاة والسلام، أولى مما رواه أبو هريرة،