Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ ٣ - كتاب العلم / باب (٣١) الحديث يرده لأنه قيد في حق أهل الكتاب بقوله: ((آمن بنبيه))، وقد قلنا: إنه حال، والحال قيد، فكان الشرط في كون الأجرين للرجل الذي هو من أهل الكتاب أن يكون قد آمن بنبيه الذي كان مبعوثاً إليه، ثم آمن بالنبي عَّله. والكتابي بعد البعثة ليس له نبي غير نبينا عّلّه لما قلنا من انقطاع دعوة عيسى عَّ له بالبعثة، فإذا آمن استحق أجراً واحداً في مقابلة إيمانه بالنبي المبعوث إليه، وهو نبينا عَّله. وأما الحكم في الأخيرين، وهما: العبد وصاحب الأمة فهو مستمر إلى يوم القيامة. ثم هذا القائل: وأما ما قوى به الكرماني دعواه بكون السياق مختلفاً حيث قيل في مؤمني أهل الكتاب: ((رجل) بالتنكير، وفي العبد بالتعريف، وحيث زيدت فيه: إذا، الدالة على معنى الاستقبال، فأشعر ذلك بأن الأجرين لمؤمني أهل الكتاب لا يقع في الاستقبال، بخلاف العبد، انتهى. وهو غير مستقيم، لأنه مشى فيه مع ظاهر اللفظ، وليس متفقا عليه بين الرواة، بل هو عند المصنف وغيره مختلف، فقد عبر في ترجمة عيسى عَ ◌ّهِ: ((بإذا))، في الثلاثة. وعبر في النكاح بقوله: ((أيما رجل)). في المواضع الثلاثة، وهي صريحة في التعميم، وأما الاختلاف بالتعريف والتنكير فلا أثر له ههنا، لأن المعرف بلام الجنس مؤدٍ النكرة. قلت: ليس قصد الكرماني ما ذكره القائل، وإنما قصده بيان النكتة في ذكر أفراد الثلاثة المذكورة في الحديث بمخالفة الثاني الأول والثالث، حيث ذكر الأول بقوله: ((رجل من أهل الكتاب))، والثالث كذلك بقوله: ((رجل كانت عنده أمة)، وذكر الثاني بقوله: ((والعبد المملوك)) في التعريف، فخالف الأول والثالث في التعريف والتنكير، وأيضاً ذكر الثاني بكلمة: إذا، حيث قال: ((إذا أدى حق الله وحق مواليه))، وكان مقتضى الظاهر أن يذكر الكل على نسق واحد بأن يقال: وعبد مملوك أدى حق الله، أو رجل مملوك أدى حق الله، ثم أجاب عن ذلك بأنه لا مخالفة عند التحقيق، يعني المخالفة بحسب الظاهر، ولكن في نفس الأمر لا مخالفة. ثم بين ذلك بقوله: إذ المعرف بلام الجنس مؤد مؤدى النكرة، وكذا لا مخالفة في دخول: إذا، لأن: إذا، للظرف. و: آمن، حال، والحال في حكم الظرف، إذ معنى جاء زيد راكباً جاء في وقت الركوب وفي حاله. وتعليل هذا القائل قوله: وهو غير مستقيم، بقوله: لأنه مشى مع ظاهر اللفظ، غير مستقيم. لأن بيان النكات بحسب ما وقع في ظواهر الألفاظ، والاختلاف من الرواة في لفظ الحديث لا يضر دعوى الكرماني من قوله: إن الأجرين لمؤمني أهل الكتاب لا يقع في الاستقبال، أما وقوع: إذا، في الثلاثة، وإن كانت: إذا، للاستقبال فهو أن حصول الأجرين مشروط بالإيمان بنبيه ثم بنبينا عَّهِ، وقد قلنا: إن بالبعثة تنقطع دعوة غير نبينا عَّله، فلم يبق إلاَّ الإيمان بنبينا مَّال، فلم يحصل، إلاَّ أجر واحد لانتفاء شرط الأجرين. وأما وقوع: إيما، وإن كانت تدل على التعميم صريحاً، فهو في تعميم جنس أهل الكتاب، ولا يلزم من تعميم ذلك تعميم الأجرين في حق أهل الكتاب، ثم إعلم أن قوله: ((رجل من أهل الكتاب))، يدخل فيه أيضاً المرأة الكتابية، لما علم من أنه حيث يذكر الرجال يدخل فيهم النساء بالتبعية. قوله: ((والعبد المملوك)) إنما وصف بالمملوك لأن جميع الأناسي عباد الله تعالى، فأراد تمييزه بكونه مملوكاً للناس. قوله: ((إذا أدى حق الله)) أي: مثل i i i i ـوط i i ٦ i :002 ٠٠٠. ١٨٢ ٣ - كتاب العلم / باب (٣١) الصلاة والصوم ((وحق مواليه))، مثل خدمته. والمولى مشترك بين المعتَق والمعتِق وابن العم والناصر والجار والحليف، وكل من ولي أمر أحدٍ، والمراد هنا الأخير، أي السيد، إذ هو المتولي الأمر العبد، والقرينة المعينة له لفظ العبد فإن قلت: لِمَ لا يحمل على جميع المعاني كما هو مذهب الشافعي، إذ عنده: يجب الحمل على جميع معانيه الغير المتضادة، قلت: ذاك عند عدم القرينة، أما عند القرينة فيجب حمله على ما عينته القرينة اتفاقاً. فإن قلت: فهل هو مجاز في المعنى المعين إذ الاحتياج إلى القرينة هو من علامات المجاز أم لا؟ قلت: هو حقيقة فيه، وليس كل محتاج إليه مجازاً. نعم، المحتاج إلى القرينة الصارفة عن إرادة المعنى الحقيقي مجاز، ومحصله أن قرينة التجوز قرينة الدلالة، وهي غير قرينة الاشتراك التي هي قرينة التعيين، والأولى هي من علامات المجاز لا الثانية. فإن قلت: لِمَ عدل عن لفظ: المولي، إلى لفظ: الموالي؟ قلت: لما كان المراد من العبد جنس العبيد جمع حتى يكون عند التوزيع لكل عبد مولى، لأن مقابلة الجمع بالجمع أو ما يقوم مقامه مفيدة للتوزيع، أو أراد أن استحقاق الأجرين إنما هو عند أداء حق جميع مواليه لو كان مشتركاً بين طائفة مملوكاً لهم. فإن قلت: فأجر المماليك ضعف أجر السادات. قلت: لا محذور في التزام ذلك، أو یکون لهم أجره ضعفه من هذه الجهة، وقد یکون للسید جهات أخر یستحق بها أضعاف أجر العبد، أو المراد ترجيح العبد المؤدي للحقين على العبد المؤدي لأحدهما. فإن قلت: فعلى هذا يلزم، أن يكون الصحابي الذي كان كتابياً أجره زائد على أجر أكابر الصحابة، وذلك باطل بالإجماع. قلت: الإجماع خصصهم وأخرجهم من ذلك الحكم، ويلتزم ذلك في كل صحابي لا يدل دليل على زيادة أجره على من كان كتابياً. والله أعلم. قوله: ((يطؤها)) هو مهموز،، فكان القياس: يوطؤها، مثل: يوجل، لأن الواو إنما تحذف إذا وقعت بين الياء والكسرة، وههنا وقعت بين الياء والفتحة مثل: يسمع. قال الجوهري وغيره: إنما سقطت الواو منها لأن فعل يفعل مما اعتل فاؤه لا يكون إلاَّ لازماً، فلما جاً بين إخواتهما متعديين خولف بهما نظائرهما. فإن قلت: إذا لم يطأها لكن أدبها، هل له أجران؟ قلت: نعم إذ المراد من قوله: ((يطؤها)) يحل وطؤها سواء صارت موطوءة أو لا. قوله: ((فأدبها) من التأديب، والأدب هو حسن الأحوال والأخلاق، وقيل: التخلق بالأخلاق الحميدة. قوله: ((فأحسن تأديبها)) أي: أدبها من غير عنف وضرب بل بالرفق واللطف. فإن قلت: أليس التأديب داخلاً تحت التعليم؟ قلت: لا، إذ التأديب يتعلق بالمروآت، والتعليم بالشرعيات، أعني: أن الأول عرفي، والثاني شرعي؛ أو: الأول دنيوي، والثاني ديني. قوله: (ثم أعتقها فتزوجها)) وفي بعض طرقه: ((أعتقها ثم أصدقها))، وهو مبين لما سكت عنه في بقية الأحاديث من ذكر الصداق، فعلى المستدل أن ينظر في طريق هذه الزيادة، ومن هو المنفرد بها؟ وهل هو ممن يقبل تفرده؟ وهل هذه الزيادة مخالفة لرواية الأكثرين أم لا؟ قوله: (ثم قال عامر) أي: قال صالح: ثم قال عامر الشعبي: أعطيناكها، أي: أعطينا المسألة أو المقابلة إياك بغير شيء أي: بغير أخذ مال منك على جهة الأجرة عليه، وإلاَّ فلا شيء أعظم ١٨٣ ٣ - كتاب العلم / باب (٣١) من الأجر الأخروي الذي هو ثواب التبليغ والتعليم. فإن قلت: الخطاب في (أعطيناكها)) لمن؟ قلت: قال الكرماني: الخطاب لصالح، وليس كذلك. فإنه غره الظاهر، ولكن الخطاب لرجل من أهل خراسان سأل الشعبي عمن يعتق أمته ثم يتزوجها، على ما جاء في البخاري في باب: ﴿واذكر في الكتاب مريم﴾ [مريم: ١٦]قال: حدثنا محمد بن مقاتل، أنبأنا عبد اللَّه، قال: أنبأنا صالح بن حي أن رجلاً من أهل خراسان قال الشعبي: أخبرني. فقال الشعبي: أخبرني أبو بردة عن أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله عَّله: (إذا أدب الرجل أمته فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها كان له أجران. وإذا آمن بعيسى ثم آمن بي فله أجران، والعبد، إذا اتقى ربه وأطاع مواليه فله أجران)). قوله: ((قد كان يركب))، على صيغة المجهول، وفي بعض النسخ: فقد كان يركب، أي: يرحل ((فيما دونها))، أي: فيما دون هذه المسألة إلى المدينة، أي مدينة النبي، عليه الصلاة والسلام، واللام فيها للعهد، وقد كان ذلك في زمن النبي، عليه الصلاة والسلام، والخلفاء الراشدين، ثم تفرقت الصحابة، رضي الله عنهم، إلى البلاد بعد فتح الأمصار، فاكتفى أهل كل بلد بعلمائه إلاّ من طلب التوسع في العلم ورحل، ولهذا قال الشعبي، وهو من كبار التابعين بقوله: وقد كان يركب. فإن قلت: هل كان سؤال الخراساني من الشعبي عمن يعتق أمته ثم يتزوجها مجرد تعلم هذه المسألة، أم لمعنى آخر؟ قلت: بل لمعنى آخر، وهو ما جاء في رواية مسلم: ((أن رجلاً من أهل خراسان سأل الشعبي، فقال: يا عامر! إن من قبلنا من أهل خراسان يقولون في الرجل إذا أعتق أمته ثم تزوجها فهو كالراكب بدنته)). وفي طريق: (( كالراكب هديه))، كأنهم توهموا في العتق والتزوج الرجوع بالنكاح فيما خرج عنه بالعتق، فأجابه الشعبي بما يدل على أنه محسن إليها إحساناً بعد إحسان، وأنه ليس من الرجوع في شيء، فذكر لهم الحديث. بيان استنباط الأحكام: الأول: فيه بيان أن هؤلاء الثلاثة من الناس لهم أجران. قال الكرماني: ما العلة في التخصيص بهؤلاء الثلاثة، والحال أن غيره كذلك أيضاً مثل من صلى وصام، فإن للصلاة أجراً، وللصوم أجراً آخر، وكذا مثل الولد إذا أدى حق الله وحق والديه؟ قلت: الفرق بين هذه الثلاثة وغيرها أن الفاعل في كل منها جامع بين أمرين بينهما مخالفة عظيمة، كأن الفاعل لهما فاعل للضدين عامل بالمتنافيين، بخلاف غيره عامل. قلت: هذا الجواب ليس بشيء، بل الجواب الصحيح أن التنصيص باسم الشيء لا يدل على نفي الحكم عما عداه، وهو مذهب الجمهور. فإن قلت: التنصيص بعدد محصور يدل على نفي الحكم عن غيره، وإليه مال صاحب (الهداية)، لأن إثبات الحكم في غيره إبطال العدد المنصوص، واستدل على ذلك بقوله، عليه الصلاة والسلام: ((خمس من الفواسق يقتلن في الحل والحرم)). فإن ذلك يدل على نفي الحكم عما عدا المذكور. قلت: الصحيح من المذهب أن التنصيص باسم الشيء لا يدل على النفي فيما عداه وإن كان في العدد المحصور، والحكم في غير المذكور إنما يثبت بدلالة النص، فلا يوجب إبطال العدد عميد جـ ١٨٤ ٣ - كتاب العلم / باب (٣٢) المنصوص، فافهم. الثاني: قال المهلب: فيه دليل على من أحسن في معنيين من أي فعل كان من أفعال البر فله أجره مرتين، والله يضاعف لمن يشاء. الثالث: قال النووي: في قول الشعبي جواز قول العالم مثله تحريضاً للسامع. الرابع: فيه بيان ما كان السلف عليه من الرحلة إلى البلدان البعيدة في حديث واحد، أو مسألة واحدة. الخامس: قال ابن بطال: وفيه إثبات فضل المدينة، وأنها معدن العلم، وإليها كان يرحل في طلب العلم، وتقصد في اقتباسه. وبعض المالكية خصصوا العلم بالمدينة بقول الشعبي، وهو ترجيح بلا مرجح، فلا یقبل. ٣٢ - باب عِظَةِ الإِمام النِّساءَ وتَعْلِيمهنَّ أي: هذا باب في بيان وعظ الإمام النساء، وهو التذكير بالعواقب. وتعليمه النساء من الأمور الدينية، والعظة، بكسر العين: بمعنى الوعظ، لأنه مصدر من: وعظ يعظ وعظاً، فلما حذفت الواو تبعاً لفعله عوضت عنها الهاء. وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب السابق تعليم الرجل أهله، وهو خاص. والمذكور في هذا الباب تعليم الإمام النساء وهو عام، فتناسقا من هذه الحيثية. والمراد من الإمام هو الإمام الأعظم أو من ينوب عنه. ٩٨/٤٠ - حدّثنا سُلَيمانُ بنُ حَوْبٍ قال: حدثنا شُعْبَةُ عنْ أَيُّوبَ قال: سَمِعْتُ عَطاءً قال: سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ قال: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ عَّهِ - أو قال عَطاءٌ: اشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاس، أنّ رسولَ الله عَلَّه ◌ِ خَرَجَ ومَعَهُ بِلالٌ، فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي القُرْطَ والخَاتَمَ وبِلالٌ يَأْخُذُ فِي طَرَفٍ ثَوْبِهِ. [الحديث ٩٨ - أطرافه في: ٨٦٣، ٩٦٢، ٩٦٤، ٩٧٥، ٩٧٧، ٩٧٩، ٩٨٩، ١٤٣١، ١٤٤٩، ٤٨٩٥، ٥٢٤٩، ٥٨٨٠، ٥٥٨١، ٥٨٨٣، ٧٣٢٥]. وجه مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((فوعظهن)، لأن الوعظ يستلزم العظة، وكانت الموعظة بقوله: (إني رأيتكن أكثر أهل النار لأنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير)). فإن قلت: أين مطابقته لقوله: ((وتعليمهن)؟ قلت: في قوله: ((وأمرهن بالصدقة)). ولا شك أن في الأمر بالصدقة التعليم بها أنها تكفر الخطايا وتدفع البلايا. بيان رجاله: وهم خمسة. الأول: سليمان بن حرب الأزدي البصري، وقد تقدم. الثاني: شعبة بن الحجاج، وقد تقدم. الثالث: أيوب السختياني، وقد تقدم. الرابع: عطاء ابن أبي رباح، واسم أبي رباح: مسلم المكي القرشي، مولى ابن خيثم الفهري، وابن خيثم عامل عمر بن الخطاب على مكة، ولد في آخر خلافة عثمان، رضي الله عنه، وروی عنه ابنه. قال: أعقل قتل عثمان، ويقال إنه من مولدي الجند من مخاليف اليمن ونشأ بمكة وصار مفتيها، وهو من كبار التابعين، وروى عن العبادلة وعائشة وغيرهم، وروى عنه الليث حديثاً واحداً، ١٨٥ ٣ - كتاب العلم / باب (٣٢) وجلالته وبراعته وثقته وديانته متفق عليها، وحج سبعين حجة، وكانت الحلقة بعد ابن عباس، رضي الله عنهما، له. مات سنة خمس عشرة، وقيل أربع عشرة ومائة، عن ثمانين سنة. وكان حبشياً أسود أعور أفطس أشيل أعرج، لامرأة من أهل مكة، ثم عمي بآخرة، ولكن العلم والعمل به رفعه. ومن غرائبه أنه يقول: إذا أراد الإنسان سفراً له القصر قبل خروجه من بلده، ووافقه طائفة من أصحاب ابن مسعود، وخالفه الجمهور. ومن غرائبه أيضاً أنه إذا وافق يوم عيد يوم جمعة يصلي العيد فقط، ولا ظهر ولا جمعة في ذلك اليوم. الخامس: عبد اللَّه بن عباس. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة والسماع. ومنها: أن رواته أئمة أجلاء. ومنها: أن فيه من رأى الصحابة اثنان. ومنها: أن فيه لفظة: أشهد تأكيداً لتحققه ووثوقاً بوقوعه، لأن الشهادة خبر قاطع، تقول منه: شهد الرجل على كذا. وإنما قال: أشهد، بلفظة: على، لزيادة التأكيد في وثاقته، لأنه يدل على الاستعلاء بالعلم عن خروجه، عليه الصلاة والسلام، ومعه بلال، إذا كان لفظ: أشهد، من قول ابن عباس، أو على استعلاء العلم على سماعه من ابن عباس إذا كان لفظ: أشهد، من قوله عطاء. لأن الراوي تردد في هذه اللفظة، هل هي من قول ابن عباس أو من قول عطاء؟ ورواه أيضاً بالشك حماد بن زيد عن أيوب. أخرجه أبو نعيم في (المستخرج). وأخرجه أحمد بن حنبل عن غندر عن شعبة جازماً بلفظ: أشهد عن كل منهما. بيان من أخرجه غيره: وأخرجه مسلم أيضاً في (الصلاة) عن أبي بكر بن أبي شيبة وابن أبي عمر كلاهما عن سفيان، وعن أبي الربيع الزهراني عن حماد بن زيد عن يعقوب ابن إبراهيم الدورقي عن إسماعيل بن إبراهيم، ثلاثتهم عن أيوب به. وأخرجه أبو داود أيضاً فيها عن محمد بن كثير وحفص بن عمر، كلاهما عن شعبة به، وعن محمد بن عبيد بن حسان عن حماد بن زيد، وعن أبي معمر عن عبد الله بن عمرو، ومسدد، كلاهما عن عبد الوارث عنه به. وأخرجه النسائي في (الصلاة) وفي (العلم) عن محمد بن منصور. وأخرجه ابن ماجه في (الصلاة) عن محمد بن الصباح، كلاهما عن سفيان به، ومعنى حديثهم واحد. i بيان اللغات: قوله: ((بالصدقة))، وهي ما تبذل من المال لثواب الآخرة، وهي تتناول الفريضة والتطوع، لكن الظاهر أن المراد بها هنا هو الثاني. قوله: ((القرط))، بضم القاف وسكون الراء: ما يعلق في شحمة الأذن، وقال ابن دريد: كل ما في شحمة الأذن فهو قرط سواء كان من ذهب أو غيره. وفي (البارع): القرط يكون فيه حبة واحدة في حلقة واحدة. وفي (العباب): والجمع أقراط وقروط وقرطة وقراط، مثال: برد وأبراد وبرود، و: قلب وقلبة، و: رمح ورماح. و: ((الخاتم)) فيه أربع لغات: كسر التاء وفتحها وخيتام وخاتام، الكل بمعنى واحد. بيان الإعراب والمعاني: قوله: ((خرج)، جملة في محل الرفع لأنها خبر: أن، أي: خرج من بين صفوف الرجال إلى صف النساء. قوله: ((ومعه بلال))، جملة إسمية وقعت حالاً، جم . i ممم. ٠٠٩٠ ٣٧٢: يهو. ١٨٦ ٣ - كتاب العلم / باب (٣٢) هذه رواية الكشميهني بالواو، وفي رواية غيره: ((معه بلال)). بلا واو، وهو جائز بلا ضعف، نحو قوله تعالى: ﴿اهبطوا بعضكم لبعض عدو﴾ [البقرة: ٣٦ والأعراف: ٢٤] وبلال: هو ابن رباح، بفتح الراء وتخفيف الباء الموحدة، الحبشي القرشي، يكنى أبا عبد اللَّه أو أبا عمرو أو أبا عبد الرحمن أو أبا عبد الكريم، وشهرته باسم أمه حمامة. قوله: ((فظن)) أي: رسول الله عَّةِ: ((أنه لم يسمع النساء) حين أسمع الرجال، وفي بعض النسخ: فظن أنه لم يسمع، بدون لفظة النساء، و: أن مع اسمها وخبرها سدت مسد مفعولي: ظن. قوله: ((فوعظهن)) الفاء فيه تصلح للتعليل، ((وأمرهن)) عطف عليه. قوله: ((بالصدقة)) الألف واللام فيها للعهد الخارجي، وهي صدقة التطوع، وإنما أمرهن بها لما رآهن أكثر أهل النار، على ما جاء في الصحيح: (تصدقن يا معشر النساء، إني رأيتكن أكثر أهل النار)). وقيل: أمرهن بها لأنه كان وقت حاجة إلى المواساة، والصدقة يومئذٍ كانت أفضل وجوه البر. قوله: ((فجعلت المرأة)) جعلت: من أفعال المقاربة، وهي مثل: كاد، في الاستعمال، ترفع الاسم، وخبره الفعل المضارع بغير أن، متأول باسم الفاعل، وقوله: ((القرط)) بالنصب مفعول: ((تلقي)) من الإلقاء. ((والخاتم)) عطف عليه. قوله: ((وبلال) مبتدأ ((ويأخذ في أطراف ثوبه)) خبره، والجملة حالية، ومفعول: يأخذ، محذوف. بيان استنباط الأحكام: الأول: قال النووي: فيه استحباب وعظ النساء وتذكيرهن الآخرة وأحكام الإسلام، وحثهن على الصدقة، وهذا إذا لم يترتب على ذلك مفسدة أو خوف فتنة على الواعظ أو الموعوظ، ونحو ذلك. الثاني: في قوله: ((فظن أنه لم يسمع النساء)» دليل على أن على الإمام افتقاد رعيته وتعليمهم ووعظهم. الثالث: فيه أن صدقة التطوع لا تحتاج إلى إيجاب وقبول، ويكفي فيها المعاطاة، لأنهن ألقين الصدقة في ثوب بلال من غير كلام منهن ولا من بلال ولا من غيرهما، وهذا هو الصحيح من مذهب الشافعي، رحمه الله؛ خلافاً لأكثر العراقيين من أصحابه حيث قالوا: يفتقر إلى الإيجاب والقبول. الرابع: فيه دليل على أن الصدقات العامة إنما يصرفها مصارفها الإمام. الخامس: فيه دليل أن الصدقة قد تنجي من النار، قاله ابن بطال. السادس: فيه جواز صدقة المرأة من مالها بغير إذن زوجها، ولا يتوقف في ذلك على ثلث مالها. وقال مالك: لا تجوز الزيادة على الثلث إلاّ بإذن الزوج، والحجة عليه أنه، عليه الصلاة والسلام، لم يسأل: هل هذا بإذن أزواجهن أم لا؟ وهل هو خارج من الثلث أو لا؟ ولو اختلف الحكم بذلك لسأل. قال القاضي عياض، رحمه الله، احتجاجاً لمذهب مالك: الغالب حضور أزواجهن، وإذا كان كذلك، فتركهم الإنكار رضى منهم بفعلهن. وقال النووي: هذا ضعيف، لأنهن معتزلات لا يعلم الرجال المتصدقة منهم من غيرها، ولا قدر ما يتصدقن به، ولو علموا فسكوتهم ليس إذناً. فإن قلت: احتج مالك ومن تبعه في ذلك بما خرجه أبو داود من حديث موسى ابن إسماعيل عن حماد عن داود بن أبي هند، وحبيب المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله عَ لّم قال: ((لا يجوز لامرأة أمرّ في مالها إذا ملك زوجها عصمتها)). وبما خرجه النسائي وابن ماجه من ١٣٠ ١٣٧٠ ١٣٠٠ ١٨٧ ٣ - كتاب العلم / باب (٣٢) حديث أبي كامل عن خالد، يعني ابن الحارث: ثنا حسين عن عمرو بن شعيب أن أباه أخبره عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله عَ لّم قال: ((لا يحل لامرأة عطية إلاَّ بإذن زوجها)). قال البيهقي: الطريق إلى عمرو بن شعيب صحيح، فمن أثبت أحاديث عمرو بن شعيب لزمه إثباته. والجواب عنه من أوجه: أحدها: معارضته بالأحاديث الصحيحة الدالة على الجواز عند الإطلاق، وهي أقوى منه، فقدمت عليه. وقد يقال: إنه واقعة حال، فيمكن حملها على أنها كانت قدر الثلث. الثاني: على تسليم الصحة إنه محمول على الأولى، والأدب ذكره الشافعي في البويطي، قال: وقد أعتقت ميمونة، رضي الله عنها، فلم يعب النبي عَِّ عليها. وكما يقال: ليس لها أن تصوم وزوجها حاضر إلاَّ بإذنه، فإن فعلت فصومها جائز، ومثله إن خرجت بغير إذنه فباعت، فهو جائز. الثالث: الطعن فيه، قال الشافعي: هذا الحديث سمعناه وليس بثابت، فيلزمنا أن نقول به والقرآن يدل على خلافه ثم الأمر ثم المنقول ثم المعقول. قيل: أراد بالقرآن، قوله تعالى: ﴿فنصف ما فرضتم إلاّ أن يعفون﴾ [البقرة: ٢٣٧] وقوله: ﴿فإن طبن لكم عن شيءٍ منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً﴾ [النساء: ٤]. وقوله: ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ [البقرة: ٢٢٩] وقوله: ﴿من بعد وصية يوصين بها أو دين﴾ [النساء: ١٢] وقوله: ﴿وابتلوا اليتامى﴾ الآية [النساء: ٦] ولم يفرق، فدلت هذه الآيات على نفوذ تصرفها في مالها دون إذن زوجها، وقال عَّان الزوجة الزبير رضي الله عنه: (أرضخي ولاتوعي فيوعى الله عليك)). متفق عليه. وقال: ((يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة)). واختلعت مولاة لصفية بنت أبي عبيد من زوجها من كل شيء، فلم ينكر ذلك ابن عمر، رضي الله عنهما. وقد طعن ابن حزم في حديث عمرو بن شعيب بأن قال: صحيفة منقطعة، وقد علمت أن شعيباً صرح بعبد الله بن عمرو، فلا انقطاع. وقد أخرجه الحاكم من حديث حماد بن سلمة عن داود بن أبي هند وحبيب المعلم عن عمرو به، ثم قال: صحيح الإسناد، ثم ذكر ابن حزم من حديث ابن عمر: ((سئل رسول الله عَّ ◌ُله: وما حق الزوج على زوجته؟ قال: لا تصدق إلاَّ بإذنه، فإن فعلت كان له الأجر وعليها الوزر)). ثم قال: ((هذا خيرها لك))، لأن فيه موسى بن أعين وهو مجهول، وليث بن أبي سليم وليس بالقوي وهو غريب منه، فإن موسى بن أعين روى عن جماعة وعنه جماعة، واحتج به الشيخان، ووثقه أبو حاتم وأبو زرعة والنسائي. نعم، فيه الحسن بن عبد الغفار وهو مجهول، وليته أعله به. ثم ذكر حديث إسماعيل بن عياش عن شرحبيل بن مسلم الخولاني عن أبي أمامة رفعه: ((لا تنفق المرأة شيئاً من بيت زوجها إلاَّ بإذنه، قيل: يا رسول الله ولا الطعام؟ قال: ((ذلك أفضل أموالنا)). ثم إسماعيل ضعيف، وشرحبيل مجهول لا يدرى من هو، وهذا عجيب منه. فإسماعيل حجة فيما يروي عن الشاميين، وشرحبيل شامي، وحاشاه من الجهالة. روى عنه جماعة. قال أحمد: هو من ثقات الشاميين، نعم، ضعفه ابن معين، وقد أخرجه ابن ماجه والترمذي وقال: حسن. الرابع: من أوجه الجواب، ما قيل: إن المراد من مال زوجها لا من مالها، وفيه نظر. i ١٨٨ ٣ - كتاب العلم / باب (٣٣) وقال إسماعيلُ: عنْ أَيُّوبَ عنْ عَطَاءٍ، وقال عنِ ابن عَباسٍ: أَشْهَدُ علَى النبي . ٦٠ (1 إسماعيل هو ابن علية، وأيوب هو السختياني، وعطاء هو ابن أبي رباح، أراد بهذا التعليق أن إسماعيل روى عن أيوب عن عطاء عن ابن عباس: أشهد على النبي عَّهِ، بالجزم، لأن لفظة: أشهد، من كلام ابن عباس فقط. وكذا جزم به أبو داود الطيالسي في (مسنده)، وكذا قال وهيب عن أيوب: ذكره الإسماعيلي، وإنما قلنا: إنه تعليق، لأن البخاري لم يدرك إسماعيل بن علية، وهو مات في عام ولادة البخاري سنة أربع وتسعين ومائة. وقال الكرماني: ويحتمل أن يكون معنى قوله: ((وقال إسماعيل)) عطفاً على: ((قال: حدثنا شعبة))، فيكون المراد منه حدثنا سليمان قال: حدثنا إسماعيل، فيخرج عن التعليق. قلت: هذا لا يصح، لأن سليمان بن حرب لا رواية له عن إسماعيل أصلاً، لا لهذا الحديث ولا لغيره، وقد أخرجه البخاري في كتاب (الزكاة) موصولاً عن مؤمل بن هشام عن إسماعيل، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ٣٣ - بابُ الحِرْصِ علَى الحدِيثِ ٠٠٠٠ أي: هذا باب في بيان الحرص على تحصيل الحديث، والحديث في اللغة: الجديد، من حدث أمر أي: وقع، وهو من باب: نصر ينصر. ويقال: أخذني ما قدُم وما حدُث، لا يضم: حدث، في شيء من الكلام إلاَّ في هذا الموضع، وذلك لمكان: قدم، على الازدواج. والحديث: الخبر يأتي على القليل والكثير، ويجمع على: أحاديث، على غير قياس. قال الفراء: ترى أن واحد الأحاديث أحدوثة، ثم جعلوه جمعاً للحديث، وسمي حديثاً لأنه يحدث منه الشيء بعد الشيء، والأحدوثة ما يتحدث به. وقوله تعالى: ﴿وجعلناهم أحاديث﴾ [المؤمنون: ٤٤] أي: عبراً يتحدث بهلاكهم، والحدث، والحدثى مثل: بشرى والحادثة والحدثان كله بمعنى، والحدثان أيضاً: الناس. والجمع: الحدثان بالكسر، والتركيب يدل على كون شيء لم يكن، والحديث في عرف العامة: الكلام، وفي عرف الشرع: ما يتحدث عن النبي عَّهِ، وكأنه لوحظ فيه مقابلته للقرآن لأنه قديم وهذا حديث، والحديث ضد القديم، ويستعمل في قليل الكلام وكثيره، لأنه يحدث شيئاً فشيئاً كما ذكرنا. فإن قلت: ما وجه المناسبة بين البابين؟ قلت: من حيث إن من المذكور في الباب الأول هو التعليم الخاص، وكذلك المذكور في هذا الباب هو التعليم الخاص، لأن النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، أجاب أبا هريرة فيما سأله بالخطاب إليه خاصة، والجواب عن سؤال من لا يعلم جوابه تعليم من المجيب، فافهم. ٩٩/٤١ - حدثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُّ عَبْدِ اللَّهِ قال: حدّثني سُلَيْمانُ عنْ عَمْرو بن أبي عَمْرٍو عنْ سَعيد بنِ أبي سَعِيدِ المَقْبُريِّ عنْ أبي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قال: قِيلَ: يا رسولَ الله! مَنْ أَسْعَدُ ١٣٠ ١٨٩ ٣ - كتاب العلم / باب (٣٣) النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يومَ القِيامةِ؟ قال رسولُ اللهِ عَّ له: ((لَقَدْ ظَبَئْتُ يا با هُرَيْرَةَ أَنْ لا يَسْأَلَنِي عنْ هَذا الحَدِيثِ أَحَدٌ أوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِيٍ يَوْمَ القيامَةِ مَنْ قال: لا إِلَهَ إلاَّ الله، خالِصاً مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ)). [الحديث ٩٩ - طرفه في: ٦٥٧٠]. مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((لما رأيت من حرصك على الحديث)). بيان رجاله :. وهم خمسة: الأول: عبد العزيز بن عبد اللَّه بن يحيى بن عمرو بن أويس ابن سعيد بن أبي سرح، بالمهملات، ابن حذيفة بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر ابن لؤي بن فهر، أبو القاسم القرشي العامري الأويسي المدني الفقيه، روى عنه البخاري، وروى أبو داود والترمذي عن رجل عنه، وروى البخاري في الإصلاح عن محمد بن عبد اللَّه مقروناً بالفروي عنه عن محمد بن جعفر، قال أبو حاتم: مدني صدوق. وعنه قال: هو أحب إلي من يحيى بن بكير. الثاني: سليمان بن بلال، أبو محمد التيمي القريشي المدني، وقد مر ذكره. الثالث: عمرو بن أبي عمرو، بفتح العين وبالواو فيهما، وأبو عمرو اسمه: ميسرة، وعمرو يكنى أبا عثمان، وميسرة مولى المطلب بن عبد اللَّه بن حنطب، بفتح المهملة وسكون النون وفتح المهملة وبالموحدة، المخزومي القرشي المدني، روى عن أنس بن مالك وغيره، وعنه مالك والدراوردي. قال أبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وأما يحيى بن معين فقال: ضعيف ليس بالقوي وليس بحجة. وقال ابن عدي: لا بأس به لأن مالكاً روى عنه، ولا يروي إلاَّ عن صدوق ثقة. مات سنة خلافة المنصور في أولها وكانت أول سنة ست وثلاثين ومائة، وزياد بن عبد اللَّه على المدينة. روى له الجماعة. الرابع: سعيد بن أبي سعيد المقبري، بضم الباء وفتحها. وقد مر. الخامس: أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر، رضي الله عنه. i ٠٥٨ بيان لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع وصيغة الإفراد والعنعنة. ومنها: أن رواته كلهم مدنيون. ومنها: أن فيه رواية التابعي عن التابعي. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري هنا عن عبد العزيز، وفي صفة الجنة عن قتيبة عن إسماعيل بن جعفر عن عمرو بن أبي عمرو به. وأخرجه النسائي في العلم عن علي بن حجر عن إسماعيل بن جعفر به. وقال المزي. روى عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة، وحديث النسائي ليس في الرواية، ولم يذكره أبو القاسم. بيان الإعراب: قوله: ((أنه قال)) بفتح: أن. وقوله: قال، جملة في محل الرفع لأنها خبر: أن. قوله: ((قيل: يا رسول الله)) كذا هو في رواية أبي ذر وكريمة، وليس في رواية الباقين لفظة: ((قيل))، وإنما هو: ((أنه قال: يا رسول الله)). وقال القاضي عياض: وقوله: قيل، وهم، والصواب سقوط: قيل، كما جاء عند الأصيلي والقابسي، لأن السائل هو أبو هريرة نفسه، لقوله بعد: ((لقد طننت أن لا يسألني عن هذا أحد أول منك))، والأول وقع في رواية أبي ذر وهو وهم. قلت: الصواب ما قاله القاضي، فإن البخاري أخرجه في (الرقاق) كذلك. وأخرجه 1 ١٩٠ ٣ - كتاب العلم/ باب (٣٣) في (الجنة) أنه قال: ((قلت: يا رسول الله)) وهذا مما يؤيد أن: قلت، تصحف: بقيل. وفي رواية الإسماعيلي: ((أنه سأل)). وفي رواية أبي نعيم أن أبا هريرة قال: ((يا رسول الله)). قوله: ((مَنْ أسعد الناس)) مبتدأ وخبر، و: من، إستفهامية، ((ويوم القيامة)) كلام إضافي نصب على الظرف. قوله: ((لقد ظننت)) اللام فيه جواب قسم محذوف، قاله الكرماني، والأولى أن يقال: إنه لام التأكيد. قوله: ((يابا هريرة)) أصله يا أبا هريرة، فحذفت الهمزة تخفيفاً، وهو معترض بين ظننت ومفعوله، وهو قوله: ((أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد)»، ويجوز ضم اللام في: يسألني، وفتحها لأن كلمة: أن، إذا وقعت بعد الظن يجوز في مدخولها الوجهان: الرفع والنصب. واعلم أن: أن، المفتوحة الهمزة الساكنة النون على وجهين: اسم وحرف، فالحرف على أربعة أوجه: الأول: أن يكون حرفاً مصدرياً ناصباً للمضارع، وتقع في موضعين. أحدهما: في الابتداء، فتكون في موضع رفع نحو: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ [البقرة: ١٨٤] والثاني: بعد لفظ دال على معنى غير اليقين، فيكون في موضع رفع نحو: ﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله﴾ [الحديد: ١٦] ونصب نحو: ﴿وما كان هذا القرآن أن يُفترى من دون الله﴾ [يونس: ٣٧] وخفض نحو: ﴿أوذينا من قبل أن تأتينا﴾ [الأعراف: ١٢٩] ومحتملة لهما نحو: ﴿والذي أطمع أن يغفر لي﴾ [الشعراء: ٨٢] أصله: في أن يغفر لي. الثاني: أن تكون مخففة من الثقيلة، فتقعّ بعد فعل اليقين أو ما نزل منزلته، نحو: ﴿أفلا يرون أن لا يرجع إليهم قولاً﴾ [طه: ٨٩] ﴿علم أن سيكون﴾ [المزمل: ٢٠] ﴿وحسبوا أن لا تكون فتنة﴾ [المائدة: ٧١] فيمن رفع: تكون، فإن هذه ثلاثية الوضع، وهي مصدرية أيضاً، وتنصب الاسم وترفع الخبر، خلافاً للكوفيين؛ وزعموا أنها لا تعمل شيئاً، وشرط اسمها أن يكون محذوفاً، وربما ثبت في الضرورة على الأصح، وشرط خبرها أن يكون جملة، ولا يجوز إفراده إلا إذا ذكر الاسم فيجوز الأمران. الثالث: أن تكون مفسرة، بمنزلة: أي، نحو قوله تعالى: ﴿فأوحينا إليه أن اصنع الفلك﴾ [المؤمنون: ٢٧] وعن الكوفية إنكار: أن، التفسيرية البتة. وإذا ولي: أن، الصالحة للتفسير مضارع معه: لا، نحو: أشرت إليه أن لا يفعل، جاز رفعه على تقدير: لا، نافية. وجزمه على تقديرها ناهية. وعليهما فأن مفسرة، ونصبه على تقدير: لا، نافية و: أن، مصدرية. فإن فقدت: لا، امتنع الجزم وجاز الرفع والنصب. الرابع: أن تكون زائدة، ولها مواضع ذكرت في النحو. قوله: ((أحد)) بالرفع لأنه فاعل: يسألني، قوله: ((أول منك))، يجوز فيه الرفع والنصب، فالرفع على أنه صفة لأحد، أو بدل منه. والنصب على الظرفية. وقال القاضي عياض: على المفعول الثاني لظننت. وقال أبو البقاء: على الحال، أي: لا يسألني أحد سابقاً لك: قال: وجاز نصب الحال عن النكرة لأنها في سياق النفي فتكون عاملة كقولهم: ما كان أحد مثلك. واختلف في: أول، هل وزنه: أفعل أو فوعل، والصحيح أنه: أفعل، واستعماله: بمن، من جملة أدلة صحته. وقال أبو علي الفارسي: أول، تستعمل إسماً وصفة. فإن استعملت صفة ١٩١ ٣ - كتاب العلم / باب (٣٣) كانت بالألف واللام، أو بالإضالة أو: بمن، ظاهرة أو مقدرة. مثل قوله تعالى: ﴿يعلم السر وأخفى﴾ [طه: ٧] أي: أخفى من السر، فإن كانت: بمن، جرت في الأحوال كلها على لفظ واحد، تقول: هند أول من زينب، والزيدان أول من العمرين، وإن كان معناه الصفة تقول: رأيت زيداً أول من عامنا، فأول بمنزلة: قبل، كأنك قلت: رأيت زيداً عاماً قبل عامنا، فحكم له بالظرف حتى قالوا: أبدأ بهذا أوله، وبنوه على الضم كما قالوا: أبدأ به قبل، فصار كأنه قطع عن الإضافة. ومن النصب على الظرف قوله تعالى: ﴿الركب أسفل منكم﴾ [الأنفال: ٤٢] كما تقول: الركب أمامك، وأصله الصفة، وصار: أسفل، ظرفاً. والتقدير: والركب في مكان أسفل من مكانكم، ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، فصار: أسفل منكم، بمنزلة: تحتكم، ومن لم يجعل أولاً صلة صرفه بمنزلة: فكل، الذي هو بمعنى: الرعدة. وليس فيه إلاّ وزن الفعل. تقول: ما ترك لنا أولاً ولا آخر، كقولك: لا قديماً ولا حديثاً. قوله ((لما رأيت)) بكسر اللام و: ما، موصولة، والعائد محذوف. و: من، بيانية تقديره: للذي رأيته من حرصك. أو تكون: ما، مصدرية و: من، تبعيضية، وتكون مفعول: رأيت، والتقدير. لرؤيتي بعض حرصك. قوله: ((على الحديث)) يتعلق بالحرص. قوله: ((أسعدُ الناس)) كلام إضافي مبتدأ. والباء في: ((بشفاعتي)) يتعلق به: ((ويوم القيامة)) نصب على الظرفية. وقوله: ((من قال)) في محل الرفع على أنه خبر المبتدأ. و: ((من)، موصولة. وقوله: ((خالصاً))، حال من الضمير الذي في: ((قال)). وقوله: ((من قلبه)) يجوز أن يتعلق بقوله: خالصاً، أو بقوله: قال. والظاهر أن يتعلق: بقال. فإذا تعلق: بقال يكون ظرفاً لغواً، وإن تعلق بخالصاً، يكون ظرفاً مستقراً، إذ تقديره حينئذٍ ناشئاً من قلبه، واللغو لا محل له من الإعراب. والمستقر هنا منصوب على الحال. بيان المعاني: قوله: ((من أسعد الناس)) أسعد: أفعل، والسعد هو اليمن، تقول منه: سعد يومنا يسعد سعوداً، والسعودة خلاف النحوسة، والسعادة خلاف الشقاوة، تقول منه: سعد الرجل بالكسر فهو سعيد، مثال: سلم فهو سليم. وسعد، على ما لم يسم فاعله، فهو: مسعود. فإن قلت: أسعد، هنا من أي الباب؟ قلت: من الباب الثاني، وهو من باب: فعل يفعل بالكسر في الماضي والفتح في الغابر، والأول من باب: فعل يفعل، بالفتح في الماضي والضم في الغابر. فإن قلت: أفعل التفضيل يدل على الشركة، والمشرك والمنافق لا سعادة لهما. قلت: أسعد ههنا بمعنى سعيد، يعني سعيد الناس، كقولهم: الناقص والأشج أعدلا بني مروان، يعني عادلا بني مروان، ويجوز أن يكون على معناه الحقيقي المشهور، والتفضيل بحسب المراتب أي: هو أسعد ممن لم يكن في هذه المرتبة من الإخلاص المؤكد البالغ غايته، وكثير من الناس يحصل له سعد بشفاعته، لكن المؤمن المخلص أكثر سعادة بها، فإن النبني، عليه السلام، يشفع في الخلق بإراحتهم من هول الموقف، ويشفع في بعض الكفار بتخفيف العذاب، كما صح في حق أبي طالب، ويشفع في بعض المؤمنين بالخروج من النار بعد أن دخلوها، وفي بعضهم بعدم دخولها بعد أن يستوجبوا دخولها، وفي بعضهم بدخول الجنة بغير حساب، وفي بعضهم برفع الدرجات فيها، فظهر الاشتراك في مطلق ١٩٢ ٣ - كتاب العلم / باب (٣٣) السعادة بالشفاعة، وأن أسعدهم بها المؤمن المخلص. قوله: ((بشفاعتك))، الشفاعة مشتقة من الشفع، وهو ضم الشيء إلى مثله، كأن المشفوع له كان فرداً فجعله الشفيع شفعاً بضم نفسه إليه، والشفاعة: الضم إلى إلى آخر معاوناً له، وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى مرتبة إلى من هو أدنى. وقال ابن بطال: فيه دليل على أن الشفاعة إنما تكون في أهل الإخلاص خاصة، وهم أهل التوحيد، وهذا موافق لقوله، عليه الصلاة والسلام: ((لكل نبي دعوة، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله تعالى من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً). قلت: هذا الحديث مع غيره من الآيات والأحاديث الواردة في الباب، الجارية مجرى القطع، دليل على ثبوت الشفاعة. قال عياض: مذهب أهل السنة جواز الشفاعة عقلاً، ووجوبها بصريح الآيات والأخبار التي بلغ مجموعها التواتر لصحتها في الآخرة لمذنبي المؤمنين. وأجمع السلف الصالح ومن بعدهم من أهل السنة على ذلك، ومنعت الخوارج وبعض المعتزلة منها، وتأولت الأحاديث على زيادات الدرجات والثواب، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ [المدثر: ٤٨] ﴿ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع﴾ [غافر: ١٨] وهذه إنما جاءت في الكفار، والأحاديث مصرحة بأنها في المذنبين. وقال: الشفاعة خمسة أقسام. أولها: الإراحة من هول الموقف. الثانية: الشفاعة في إدخال قوم الجنة بغير حساب، وهذه أيضاً وردت للنبي، عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيح. وقال الشيخ تقي الدين القشيري: لا أعلم هل هي مختصة أم لا؟ قلت: يريد القاضي بالصحيح ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، وفيه: ((فأنطلق تحت العرش فأقع ساجداً)، وفيه: ((فيقال يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة))، وشبهه من الأحاديث. الثالثة: قوم استوجبوا النار فيشفع فيهم نبينا محمد عَّله في عدم دخولهم فيها، قال القاضي: وهذه أيضاً يشفع فيها نبينا محمد، عليه الصلاة والسلام، من شاء الله أن يشفع. الرابعة: قوم دخلوا النار من المذنبين فيشفع فيهم نبينا محمد، عليه الصلاة والسلام، والملائكة والأنبياء والمؤمنون. الخامسة: الشفاعة في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها، وهذه لا تنكرها المعتزلة. وقال القاضي: عرف بالاستفاضة سؤال السلف الصالح الشفاعة، ولا يلتفت إلى قول من قال: يكره سؤالها لأنها لا تكون إلا للمذنبين، فقد يكون لتخفيف الحساب وزيادة الدرجات، ثم كل عاقل معترف بالتقصير مشفق أن يكون من الهالكين غير معتد بعمله، ويلزم هذا القائل أن لا يدعو بالمغفرة والرحمة لأنها لأصحاب الذنوب، وهذا كله خلاف ما عرف من دعاء السلف والخلف. وقال النووي: الشفاعة الأولى هي الشفاعة العظمى. قيل: وهي المراد بالمقام المحمود، والمختصة بنبينا، عليه الصلاة والسلام، وهي الأولى والثانية، ويجوز أن تكون الثالثة والخامسة أيضاً. والله أعلم. قوله: (أسعد الناس)، التقييد بالناس لا يفيد نفي السعادة عن الجن والملك، لأن مفهوم اللقب ليس بحجة عند الجمهور. قوله: ((من قال)) فيه دليل على اشتراط النطق بكلمة ٠٠٠ ١٩٣ ٣ - كتاب العلم / باب (٣٤). الشهادة. فإن قلت: هل يكفي مجرد قوله: لا إله إلا الله، دون: محمد رسول الله؟ قلت: لا يكفي، لكن جعل الجزء الأول من كلمة الشهادة شعاراً لمجموعها، فالمراد الكلمة بتمامها. كما تقول: قرأت: ﴿آلم ذلك الكتاب﴾ [البقرة: ١ - ٢] أي: السورة بتمامها. فإن قلت: الإيمان هو التصديق القلبي على الأصح، وقول الكلمة لإجراء أحكام الإيمان عليه، فلو صدق بالقلب ولم يقل الكلمة يسعد بالشفاعة؟ قلت: نعم، لو لم يكن مع التصديق منافٍ. وقال الكرماني: المراد بالقول النفساني لا اللساني، أو ذكر على سبيل التغليب إذ الغالب أن من صدق بالقلب قال باللسان الكلمة. قلت: لا يحتاج إلى ارتكاب المجاز، والنبي، عليه الصلاة والسلام، مشرع، وفي الشرعِ لا يعتبر إلاّ القول اللساني، والقول النفساني يعتبر عند اللَّه، وهو أمر مبطن لا يقف عليه إلاّ الله تعالى. قوله: ((خالصاً) وفي بعض النسخ: مخلصاً، من الإخلاص، والإخلاص في الإيمان ترك الشرك وفي الطاعة ترك الرياء. قوله: ((من قلبه)) ذكر للتأكيد، لأن الإخلاص معدنه القلب، كما في قوله تعالى: ﴿فإنه آثم قلبه﴾ [البقرة: ٢٨٣] وإسناد الفعل إلى الجارحة التي تعمل بها أبلغ. ألا ترى أنك تقول إذا أردت التأكيد: أبصرته عيني وسمعته أذني! قوله: ((أو نفسه)) شك من الراوي. وقال الكرماني: شك من أبي هريرة. قلت: التعيين غير لازم لأنه يحتمل أن يكون من أحد من الرواة ممن هم دونه، وفي رواية البخاري في الرقاق: ((خالصاً من قبل نفسه)). بيان استنباط الأحكام: الأول: فيه الحرص على العلم والخير، فإن الحريص يبلغ بحرصه إلى البحث عن الغوامض ودقيق المعاني، لأن الظواهر يستوي الناس في السؤال عنها لاعتراضها أفكارهم، وما لطف من المعاني لا يسأل عنه إلاَّ الراسخ، فيكون ذلك سبباً للفائدة. ويترتب عليها أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة. الثاني: فيه تفرس العالم في متعلمه، وتنبيهه على ذلك لكونه أبعث على اجتهاده في العلم. الثالث: فيه سكوت العالم عن العلم إذا لم يسأل حتى يسأل، ولا يكون ذلك كتماً، لأن على الطالب السؤال، اللهم إلاّ إذا تعين عليه، فليس له السكوت إلاَّ إذا تعذر. السابع: فيه أن الشفاعة تكون لأهل التوحيد، كما ذكرنا. الخامس: فيه ثبوت الشفاعة، وقد مر مفصلاً. السادس: فيه فضيلة أبي هريرة، رضي الله عنه. السابع: فيه جواز القسم للتأكيد. الثامن: فيه جواز الكنية عند الخطاب، والله أعلم أ بالصواب. i ٣٤ - باب كَيْفَ يُقْبَضُ العِلْمُ أي: هذا باب، والباب منون، والمعنى: هذا باب في بيان كيفية قبض العلم، و: كيف، يستعمل في الكلام على وجهين: أحدهما: أن يكون شرطاً، فيقتضي فعلين متفقي اللفظ والمعنى غير مجزومين. نحو: كيف تصنع أصنع. ولا يجوز: كيف تجلس أذهب، باتفاق، ولا: كيف تجلس أجلس الجزم عند البصريين إلاّ قطرباً. والآخر: وهو الغالب فيها أن تكون استفهاماً: إما حقيقياً نحو: كيف زيد؟ أو غيره، نحو: ﴿كيف تكفرون بالله﴾ عمدة القاري/ ج١٣٥/٢ .Ni i ١٩٤ راء ٠٠٥,، :سيس ٣٠ _ كتاب العلم / باب (٣٤) الآية [البقرة: ٢٨]، فإنه أخرج مخرج التعجب، والقبض نقيض البسط، والمراد منه الرفع والانطواء، كما يراد من البسط الانتشار. وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب السابق الحرص على الحديث الذي هو من أشرف أنواع العلوم، والمذكور في هذا الباب ارتفاع العلوم، فبينهما تقابل فتناسقا من هذه الجهة. وإنما ذكر هذا الباب عقيب الباب السابق تنبيهاً على أن يهتم بتحصيل العلوم مع الحرص عليها، لأنها مما تقبض وترفع فتستدرك غنائمها قبل فواتها. وكَتَبَ عُمَرُ بنُّ عَبْدِ العَزِيزِ إلى أبي بَكْرِ بنِ حَزْمٍ: انْظُرْ ما كانَ مِنْ حديثٍ رسول الله عَّهِ فَأَكْتُبُهُ، فإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العِلْمِ وذَهابَ العُلمَاءِ، ولا يُقْبِلُ إِلاَّ حَدِيثُ النبيِّ عََّهِ، ولْيُفْشُوا العِلْمَ وَلْيَجْلِسُوا حَتَّى يُعلَّمَ مَنْ لَ يَعْلَمُ فإِنَ الْعَلْمَ لا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا. هذا تعليق لم يقع وصله عند الكشميهني وكريمة وابن عساكر، ووقع وصله للبخاري عند غيرهم، وهو بقوله في بعض النسخ: حدثنا العلاء بن عبد الجبار ... إلى آخره، على ما يأتي ذكره عن قريب. وقد روى أبو نعيم في (تاريخ أصبهان) هذه القصة بلفظ: كتب عمر ابن عبد العزيز، رضي الله عنه، إلى الآفاق: انظروا حديث رسول الله عَ لَّه فاجمعوه. أما عمر بن عبد العزيز فهو أحد الخلفاء الراشدين المهديين، وقد مر في كتاب الإيمان، وأما أبو بكر بن حزم فهو: ابن محمد بن عمرو بن حزم، بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي، ابن زيد بن لودان بن عمر بن عبد عوف بن مالك بن النجار الأنصاري المدني. قال الخطيب: يقال: إن اسمه أبو بكر، وكنيته أبو محمد، ومثله: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، أحد الفقهاء السبعة. كنيته أبو عبد الرحمن. قال الخطيب: لا نظير لهما. وقد قيل في أبي بكر بن محمد: لا كنية له غير أبي بكر اسمه. وقال أبو عمر بن عبد البر: قيل: إن اسم أبي بكر بن عبد الرحمن هذا: المغيرة، ولا يصح. قلت: أراد الخطيب قوله: لا نظير لهما، أي: ممن اسمه أبو بكر وله كنية، وأما من اشتهر بكنيته ولم يعرف له اسم غيره فكثير، ذكر ابن عبد البر منهم جماعة، وأبو بكر بن حزم ولي القضاء والإمرة والموسم لسليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز، وقال الواقدي: لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة ولى أبا بكر إمرة المدينة، فاستقضى أبو بكر ابن عمه على القضاء، وكان أبو بكر هو الذي يصلي بالناس ويتولى أمرهم، وكان يخضب بالحناء والكتم، توفي سنة عشرين ومائة في خلافة هشام بن عبد الملك وهو ابن أربع وثمانين سنة، روى له الجماعة إلا الترمذي، سئل يحيى ابن معين عن حديث عثمان بن حكيم عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، قال: عرضت على النبي عَةٍ فقال: مرسل. قوله: (انظر ما كان من حديث)) أي: اجمع الذي تجد، ووقع هنا للكشميهني: عندك، معناه في بلدك. قوله: ((فاكتبه)) فيه إشارة إلى أن ابتداء تدوين الحديث النبوي كان في أيام عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه، وكانوا قبل ذلك يعتمدون على الحفظ، فلما خاف عمر ١٩٥ ٣ - كتاب العلم / باب (٣٤) - رضي الله عنه، وكان على رأس المائة الأولى - من ذهاب العلم بموت العلماء، رأى أن في تدوينه ضبطاً له وإبقاء. قوله: ((فإني) الفاء فيه للتعليل. قوله: ((دروس العلم) ضم الدال، من: درس يدرس، من باب: نصر ينصر، دروساً أي: عفى ودرست الكتاب أدرسه وأدرسه من باب نصر ينصر وضرب يضرب درساً ودراسة ودرس الحنطة درساً ودراساً أي: داسها. قوله: ((ولا يقبل)) بضم الياء أعني حرف المضارعة. قوله: ((وليفشوا) بصيغة ا أمر من الإفشاء، وهو الإشاعة. ويجوز فيه تسكين اللام كما في بعض الروايات. وقوله: ((العلم) بالنصب مفعوله. قوله: ((وليجلسوا)) بصيغة الأمر أيضاً من الجلوس لا من الإجلاس، ويجوز في لامه التسكين أيضاً. قوله: ((حتى يعلم) على صيغة المجهول من التعليم، أعني بتشديد اللام، وفي رواية الكشميهني: حتى يعلم: بفتح حرف المضارعة واللام من العلم. قوله: (من لا يعلم) بصيغة المعلوم من العلم. وكلمة: من موصولة في محل الرفع لأنه فاعل يعلم الذي هو على صيغة المعلوم، وأما إذا قرىء على صيغة المجهول من التعليم فتكون مفعولاً ناب عن الفاعل. فافهم. قوله: ((لا يهلك)) بفتح حرف المضارعة وكسر اللام، أي: لا يضيع. وفتح اللام لغة. وقرأ الحسن البصري وأبو حيوة وابن أبي إسحاق: ﴿ويهلك الحرث والنسل﴾ [البقرة: ٢٥] بفتح الياء، واللام ورفع الثاء. قوله: ((حتى يكون سراً) أي: خفية، وأراد به كتمان العلم. وقال ابن بطال: في أمر عمر بن عبد العزيز بكتابة حديث النبي، عليه الصلاة والسلام، خاصة وأن لا يقبل غيره، الحض على اتباع السنن وضبطها، إذ هي الحجة عند الاختلاف. وفيه: ينبغي للعالم نشر العلم وإذاعته. حدّثنا العَلاءُ بنُ عَبْدِ الجَبَّارِ قال: حدّثنا عبدُ العزيز بنُ مُسُلْمٍ عَن عبدِ اللهِ بنِ دِینارٍ بِذلك، يَعْنِي حَدِيثَ عُمَرَ بنِ عبدِ العَزِيز، إلى قَولِهِ: ذَهابَ العُلماءِ. أشار بهذا إلى أنه روى أثر عمر بن عبد العزيز موصولاً، و: لكن: ((إلى قوله ذهاب العلماء) فسر ذلك بقوله: يعني حديث عمر بن عبد العزيز إلى قوله ذهاب العلماء. قال الكرماني: قوله بذلك يعني بجميع ما ذكر، يعني: إلى قوله: حتى يكون سراً. ثم قال: وفي بعض النسخ بعده: يعني بعد قوله بذلك يعني حديث عمر بن عبد العزيز إلى قوله: ذهاب العلماء، ثم قال: والمقصود منه أن العلاء روى كلام عمر بن عبد العزيز إلى قوله: ذهاب العلماء فقط. قلت: أما بعد قوله: ذهاب العلماء، يحتمل أن يكون كلام عمر، ولكنه لم يدخل في هذه الرواية، ويحتمل أن لا يكون من كلامه، وهو الأظهر، وبه صرح أبو نعيم في (المستخرج) فإذا كان كذلك يكون هذا من كلام البخاري أورده عقيب كلام عمر بن عبدالعزيز بعد انتهائه: أنبأني الشيخ قطب الدين عبد الكريم إجازة، قال: أخبرني جدي إجازة الحافظ الثقة العدل قطب الدين عبد الكريم، ثنا محمد بن عبد المنعم بقراءتي عليه، أنبأنا عبد العزيز بن باقاء البغدادي إجازة، أنبأنا يحيى بن ثابت سماعاً، أنبأنا ثابت بن بندار، أنبأنا الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب البرقاني، أنبأنا الإمام الحافظ الإسماعيلي، i /٠٠٠١ sent 4 ١٩٦ ٣ - كتاب العلم / باب (٣٤) ثنا العلاء بن عبد الجبار، ثنا عبد العزيز بن مسلم عن عبد الله بن دينار، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم ... فذكره إلى قوله: وذهاب العلماء. فإن قلت: لِمَ أخر إسناد كلام عمر بن عبد العزيز عن كلامه، والعادة تقديم الإسناد. قلت: قال الكرماني: للفرق بين إسناد الأثر وبين إسناد الخبر، وفيه نظر لأنه غير مطرد، ويحتمل أن يكون قد ظهر بإسناده بعد وضع هذا الكلام، فألحقه بالأخير، على أنا قلنا: إن هذا الإسناد ليس بموجود عند جماعة. وأما العلاء بن عبد الجبار فهو أبو الحسن البصري العطار الأنصاري مولاهم، سكن مكة، أخرج البخاري من رواية أبي إسحاق بن إبراهيم، وأبي الهيثم في (العلم) عنه عن عبد العزيز هذا الأثر ولم يخرج عنه غيره، قال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال العجلي: ثقة، توفي سنة اثنتي عشرة ومائتين، وروى الترمذي والنسائي وابن ماجه عن رجل عنه، ولم يخرج له مسلم شيئاً. وعبد العزيز بن مسلم القسملي مولاهم، أخو المغيرة بن مسلم الخراساني المروزي نسبة إلى القساملة، وقيل لهم ذلك لأنهم من ولد قسملة، واسمه معاوية بن عمرو ابن مالك بن فهم بن غنم بن دوس بن عدنان، ولهم محلة بالبصرة معروفة بالقسامل، وقيل: نزل فيهم فنسب إليهم، وأخرج ه البخاري في (التعبير) و(الذبائح) وكتاب المرضى وغير موضع عن مسلم بن إسماعيل عنه عن عبد اللَّه بن دينار، وحصين والأعمش. وأخرج له هذا الأثر عن العلاء عنه. قال يحيى بن معين وأبو حاتم: ثقة. وقال يحيى بن إسحاق: ثنا عبد العزيز ابن مسلم، وكان من الأبدال. قال عمرو بن علي: مات سنة سبع وستين ومائة، روى له الجماعة إلاَّ ابن ماجه. وأما عبد اللَّه بن دينار القرشي المدني، مولى ابن عمر فقد مر في: باب أمور الإيمان. ٤٢/ ١٠٠ - حدّثنا إِسْماعِيلُ بنُ أبي أُوَيْسٍ قال: حدّثني مالِكٌ عنْ هِشَامٍ بنِ عُرْوَةَ عنْ أبِيهِ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو بن العاصِ قال: سمِعْتُ رسول الله عَّهِ يَقُولُ: ((إنَّ الله لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِراعاً يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبادِ، ولَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بَقَبْضِ العُلماءِ، حَتَّى إِذا لَمْ يُيُقِ عالِماً اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوساً مجهَّالاً، فَشُعِلُوا فَأَقْتَوْا بغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وأَضَلُّوا)). [الحديث ١٠٠ - طرفه في: ٧٣٠٧]. مطابقة الحديث للترجمة في قوله: ((ولكن يقبض العلم)). بيان رجاله: وهم خمسة ذكروا كلهم، ومالك هو الإمام المشهور، أخرج هذا الحديث في (الموطأ). وقال الدارقطني: لم يروه في (الموطأ) إلاَّ معن بن عيسى، وقال أبو عمر: رواه أيضاً فيه سليمان بن برد، ورواه أصحاب مالك كابن وهب وغيره خارج (الموطأ)، وقد اشتهر هذا الحديث من رواية هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير بن العوام، ووافقه على روايته عن أبيه عروة أبو الأسود المدني وحديثه في (الصحيحين)، والزهري وحديثه في النسائي، ويحيى بن أبي كثير وحديثه في (صحيح أبي عوانة)، ووافق أباه على روايته عن عبد الله بن عمر، وعمر بن الحكم بن ثوبان وحديثه في مسلم. ١٠ ١٩٧ ٣ - كتاب العلم / باب (٣٤) بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في (الاعتصام) عن سعيد ابن تليد عن ابن وهب عن عبد الرحمن بن شريح وغيره جميعاً عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن يتيم عروة عن عروة نحوه. وأخرجه مسلم في (القدر) عن قتيبة عن جرير وعن أبي الربيع الزهراني عن حماد بن زيد، وعن يحيى بن يحيى عن عباد بن عباد وأبي معاوية، وعن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب كلاهما عن وكيع، وعن أبي كريب عن عبد اللَّه ابن إدريس وأبي أسامة وعبد الله بن نمير وعبدة بن سليمان، وعن ابن أبي عمر عن سفيان بن عيينة، وعن محمد بن حاتم عن يحيى بن سعيد وعن أبي بكر بن نافع عن عمر ابن علي المقدمي، وعن عبد بن حميد عن يزيد بن هارون عن شعبة، الثلاثة عشر كلهم عن هشام بن عروة به، وعن حرملة بن يحيى عن ابن وهب عن عبد الرحمن بن شريح وحده به. وأخرجه الترمذي في (العلم) عن هارون بن إسحاق الهمداني عن عبدة بن سليمان به، وقال: حسن صحيح. وقد روي هذا الحديث عن الزهري عن عروة عن عبد الله بن عمر، وعن عروة عن عائشة عن النبي عَّم مثل هذا. وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عنه به، وعن عمرو بن علي عن عبد الوهاب الثقفي عن أيوب ويحيى بن سعيد الأنصاري، كلاهما عن هشام بن عروة به. قال عبد الوهاب: فلقيت هشاماً فحدثني عن أبيه عنه به، وعن أبيه مثله. وأخرجه ابن ماجه في السنة عن أبي كريب عن عبد اللَّه بن إدريس وعبدة بن سليمان وأبي معاوية وعبد اللَّه بن نمير ومحمد بن بشر، وعن سويد بن سعيد عن مالك وعلي بن مسهر وحفص بن ميسرة وشعيب بن إسحاق، تسعتهم عن هشام بن عروة به. بيان الإعراب: قوله: ((يقول)، جملة وقعت حالاً، وإنما ذكر بلفظ المضارع حكاية لحال الماضي واستحضاراً له، وإلاَّ فالأصل أن يقال: قال: ليطابق: سمعت. قوله: ((لا يقبض العلم)) جملة في محل الرفع لأنها خبر إن. قوله: (انتزاعاً) يجوز في نصبه أوجه. الأول: أن يكون مفعولاً مطلقاً عن معنى يقبض، نحو: رجع القهقرى، وقعد جلوساً. الثاني: أن يكون مفعولاً مطلقاً مقدماً على فعله، وهو: ينتزعه. ويكون: ينتزعه، حالاً من الضمير في: يقبض، تقديره: إن الله لا يقبض العلم حال كونه ينتزعه انتزاعاً من العباد. الثالث: أن يكون حالاً من العلم بمعنى: منتزعاً، تقديره: إن الله لا يقبض العلم حال كونه منتزعاً. فإن قلت: على هذا ما يقع ينتزعه؟ قلت: قيل: يكون ينتزعه جواباً عما يقال: ممن ينتزع العلم؟ وفيه نظر، والأصوب أن يكون في محل النصب صفة، إما لانتزاعاً، أو لمنتزعاً من الصفات المبينة. قوله: ((ولكن) للاستدراك. وقوله: ((يقبض العلم)) من قبيل إقامة المظهر. موضع المضمر لزيادة تعظيم المضمر كما في قوله تعالى: ﴿الله الصمد﴾ [الإخلاص: ٢] بعد قوله: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] وكان مقتضى الظاهر أن يقال: هو الصمد، كما أن المقتضى هنا: ولكن يقبضه. قوله: ((حتى)) ابتدائية دخلت على الجملة، تدل على أن ذلك واقع بالتدريج، كما أن إذا تدل على أنه واقع لا محالة، و: إذا ظرفية، والعامل فيها: اتخذ، ويحتمل أن تكون i ٠٠ ٢٠٠٠ i i ٠٠٠ ١٩٨ ٣ - كتاب العلم / باب (٣٤) شرطية. فإن قلت: إذا للاستقبال ولم لقلب المضارع ماضياً، فكيف يجتمعان؟ قلت: لما تعارضا تساقطا فبقي على أصله وهو المضارع، أو تعادلا فيفيد الاستمرار. فإن قلت: إذا كانت شرطية يلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط، ومن وجود المشروط وجود الشرط، لكنه ليس كذلك لجواز حصول الاتخاذ مع وجود العلم. قلت: ذلك في الشروط العقلية، أما في غيرها فلا نسلم اطراد هذه القاعدة، ثم ذلك الاستلزام إنما هو في موضع لم يكن للشرط بدل، فقد يكون لمشروط واحد شروط متعاقبة: كصحة الصلاة بدون الوضوء عند التيمم، أو المراد بالناس جميعهم، فلا يصح أن الكل اتخذوا رؤوساً جهالاً إلاَّ عند عدم بقاء العالم مطلقاً، وذلك ظاهر. قوله: ((لم بيق) بفتح حرف المضارعة من البقاء. وقوله: ((عالم) بالرفع، فاعله، وفي رواية الأصيلي: ((لم يبق عالماً)) بضم حرف المضارعة من الإبقاء، والضمير فيه يرجع إلى الله، ((وعالماً): منصوب به. وفي رواية مسلم: ((حتى إذا لم يترك عالماً). قوله: (اتخذ)) أصله: اتخذ، فقلبت الهمزة ثم أدغمت التاء في التاء، و: ((الناس)) بالرفع فاعله. قوله: ((رؤوساً) بضم الهمزة وبالتنوين جمع رأس، قال النووي: ضبطناه بضم الهمزة، وفي رواية أبي ذر: ((رؤساء) بفتح الهمزة وفي آخره همزة أخرى مفتوحة، جمع رئيس، والأول أشهر. قوله: ((جهالاً) بضم الجيم وفتح الهاء المشددة: جمع جاهل، صفة لرؤوساً. قوله: ((فسئلوا)) بضم السين والضمير فيه، مفعول ناب عن الفاعل، أي: فسألهم السائلون فأفتوا لهم. قوله: ((فضلوا) عطف على: فأفتوا، وهو من الضلال، و: ((أضلوا)) من الإضلال، يعني: فضلوا في أنفسهم وأضلوا السائلين. فإن قلت: الضلال متقدم على الإفتاء، فما معنى الفاء؟ قلت: المجموع المركب من الضلال والإضلال هو متعقب على الإفتاء وإن كان الجزء الأول مقدماً عليه إذ الضلال الذي بعد الإفتاء غير الضلال الذي قبله. فإن قلت: الإضلال ظاهر، وأما الضلال فإنما يلزم أن لو عمل بما أفتى وقد لا يعمل به، قلت: إن إضلاله للغير ضلال له عمل بما أفتى أو لم يعمل. بيان المعاني: قوله: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً) أي: إن الله لا يقبض العلم من بين الناس على سبيل أن يرفعه من بينهم إلى السماء، أو يمحوه من صدورهم، بل يقبضه بقبض أرواح العلماء وموت حملته. وقال ابن بطال: معناه أن الله لا ينزع العلم من العباد بعد أن يتفضل به عليهم، ولا يسترجع ما وهب لهم من العلم المؤدي إلى معرفته وبث شريعته، وإنما يكون انتزاعه بتضييعهم العلم فلا يوجد من يخلف من مضى، فأنذر عَّهِ بقبض الخير كله، وكان تحديث النبي عَ ◌ّهم بذلك في حجة الوداع، كما رواه أحمد والطبراني من حديث أبي أمامة، رضي الله عنه، قال: ((لما كان في حجة الوداع قال النبي، عَّله: خذوا العلم قبل أن يقبض أو يرفع، فقال أعرابي: كيف يرفع؟ فقال: ألا إن ذهاب العلم ذهاب حملته، ثلاث مرات)) وقال ابن المنير: محو العلم من الصدور جائز في القدرة، إلاّ أن هذا الحديث دل على عدم وقوعه. قوله: ((بغير علم))، وفي رواية أبي الأسود في (الاعتصام) عند البخاري: ((فيفتون برأيهم)). قوله: (جهالاً) فإن قلت: المراد بهذا الجهل: الجهل البسيط، وهو عدم ١٩٩ ٣ - كتاب العلم / باب (٣٥) العلم بالشيء لا مع اعتقاد العلم به، أم الجهل المركب وهو عدم العلم بالشيء مع اعتقاد العلم به؟ قلت: المراد هنا القدر المشترك بينهما المتناول لهما. فإن قلت: أهذا مختص بالمفتين، أم عام للقضاة الجاهلين؟ قلت: عام، إذ الحكم بالشيء مستلزم للفتوى به. بيان استنباط الأحكام: الأول: فيه دلالة للقائلين بجواز خلو الزمان عن المجتهد على ما هو مذهب الجمهور خلافاً للحنابلة. الثاني: فيه التحذير عن اتخاذ الجهال رؤوساً. الثالث: فيه الحث على حفظ العلم والاشتغال به. الرابع: فيه أن الفتوى هي الرياسة الحقيقية، وذم من يقدم عليها بغير علم. الخامس: قال الداودي: هذا الحديث خرج مخرج العموم. والمراد به الخصوص، لقوله عَّلة. ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله)). ويقال هذا بعد إتيان أمر الله تعالى إن لم يفسر إتيان الأمر بإتيان القيامة، أو عدم بقاء العلماء إنما هو في بعض المواضع كفي غير بيت المقدس مثلاً إن فسرناه به، فيكون محمولاً على التخصيص جمعاً بين الأدلة. قال الفِرَبْرِيُّ: حدّثنا عبَّاسٌ قالَ: حدّثنا قُتَيْبَةُ، حدّثنا جَرِيرٌ عنْ هِشَامِ نخوَهُ. هذا من زيادات الراوي عن البخاري في بعض الأسانيد وهي قليلة. والفربري، بكسر الفاء وفتحها وفتح الراء وإسكان الباء الموحدة: نسبة إلى فربر، وهي قرية من قرى بخارى على طرف جيحون، وهو أبو عبد اللَّه محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر. وقال الكلاباذي: كان سماع الفربري من البخاري (صحيحه) مرتين: مرة بفربر سنة ثمان وأربعين ومائتين، ومرة ببخارى سنة اثنتين وخمسين ومائتين. ولد سنة إحدى وثلاثين ومائتين، ومات سنة عشرين وثلثمائة، سمع من قتيبة بن سعيد فشارك البخاري في الرواية عنه، قال السمعاني في (أماليه): وكان ثقة ورعاً. وعباس: هو ابن الفضل بن زكريا الهروي أبو منصور البصري ثقة مشهور من الثانية عشر، بل من التي بعدها ولد بعد موت ابن ماجه، ومات سنة اثنتين وسبعين وثلثمائة، من (أسماء الرجال) لابن حجر. وقتيبة: هو ابن سعيد أحد مشايخ البخاري، وقد تقدم. وجرير: هو ابن عبد الحميد الضبي، أبو عبد اللَّه الرازي ثم الكوفي، ثقة، روى له الجماعة. وهشام بن عروة بن الزبير بن العوام، وقد تقدم. قوله: ((نحوه))، أي نحو حديث مالك، ورواية الفربري هذه أخرجها مسلم عن قتيبة عن جرير عن هشام به. ٣٥ - بابٌ هَلْ يُجْعَلُ لِلنِّساءِ يَوْمٌ عَلَى حِدَةٍ في العِلْم أي: هذا باب، وهو منون، وهل، للاستفهام: و: يجعل، على صيغة المجهول. و: ويوم، بالرفع مفعول له ناب عن الفاعل، وهذه رواية الأصيلي وكريمة؛ وفي رواية غيرهما: يجعل، على صيغة المعلوم. أي: يجعل الإمام. و: يوماً، بالنصب مفعوله. قوله: ((على حدة)، i ٢٠٠٠ i i i i i i : و :** ٦٢٠٠ ٣ - كتاب العلم / باب (٣٥) ٢٠٠ بكسر الحاء المهملة وتخفيف الدال، أي: على انفراده، وهو على وزن العدة. قال الجوهري: تقول أعط كل واحد منهم على حدة، أي: على حياله، والهاء عوض من الواو. قلت: لأنه من: وحد يحد وحوداً ووحودة ووحداً ووحدة وحدة. وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب السابق هو كيفية قبض العلم، ومن فوائده الحث على حفظ العلم، ومن فوائد حديث هذا الباب أيضاً الحث على حفظ العلم، وذلك أن النساء لما سألن رسول الله، عليه الصلاة والسلام، أن يجعل لهن يوماً، ووعدهن يوماً يأتي إليهن فيه، أتاهن فيه وحثهن على حفظ العلم، وهذا القدر كافٍ في رعاية المناسبة. ١٠١/٤٣ - حدّثنا آدَمُ قالَ: حدثنا شُعْبَةُ قالَ: حدّثني ابنُ الأَصْهَانِيّ قالَ: سمعتُ أبا صالِح ذَكْوان يَحُدِّثُ عنْ أبي سَعِيدٍ الخذْرِيِّ: قالَتِ النِّساءُ للنِّبِيِّعَلَّهِ: غَلَبِنَا عَلَيْكَ الرِّجالُ فاجْعَلَ لنَا يَوْماً مِنْ نَفْسِكَ، فَوَعَدَهُنَّ يَوْماً لَقِيَهُنَّ فِيهِ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ. فَكَانَ فِيما قالَ لَهُنَّ: (ما مِنْكُنَّ امْرَةً تُقدِّمُ ثَلاثَةً مِنْ وَلَدِها إِلاَّ كانَ لَها حِجاباً مِنَ النَّارِ) فَقالَتِ امْرَأَةٌ: واثنَيْنِ؟ قال: (واثْنَيْنِ)). [الحديث ١٠١ - طرفاه في: ١٢٤٩، ٧٣١٠]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة. بيان رجاله: وهم خمسة: الأول: آدم بن أبي إياس. الثاني: شعبة بن الحجاج. الثالث: عبد الرحمن بن عبد اللَّه الأصبهاني الكوفي، مولى لجديلة قيس، وهم بطن من قيس غيلان، وهم فهم وعدوان ابنا عمرو بن قيس، أمهم جديلة، بفتح الجيم، نسبوا إليها. أخرج البخاري في (العلم) و(المحضر) و(شهود الملائكة بدراً) عن شعبة وأبي عوانة وابن عيينة عنه عن عبد الله بن معقل، وأبي صالح ذكوان أصله من أصبهان خرج منها حين افتتحها أبو موسى الأشعري. قال أبو حاتم: لا بأس به، وقال أبو بكر بن منجويه: توفي في إمارة خالد على العراق، روى له الجماعة إلاَّ النسائي، وأصبهان، بفتح الهمزة وكسرها وبالباء والفاء، وأهل المشرق يقولون: أصفهان بالفاء، وأهل المغرب بالباء: وهي مدينة بعراق العجم عظيمة، خرج منها جماعة من العلماء والمحدثين. الرابع: أبو صالح ذكوان، بفتح الذال المعجمة وسكون الكاف غير منصرف، وقد تقدم. الخامس: أبو سعيد سعد بن مالك الخدري. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث بصيغة الجمع وصيغة الإفراد والسماع والعنعنة. ومنها: أن رواته ما بين كوفي وواسطي ومدني. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري هنا عن آدم، وفي (الجنائز) عن مسلم بن إبراهيم، وفي (العلم) أيضاً عن بندار، ثلاثتهم عن شعبة، وفي (الاعتصام) عن مسدد عن أبي عوانة كلاهما عنه به، وفي حديث غندر عن شعبة عنه، قال: وسمعت أبا حازم عن أبي هريرة قال: ((ثلاثة لم يبلغوا الحنث)). وقال عقيب حديث مسلم بن إبراهيم: وقال شريك عن ابن الأصبهاني: حدثني أبو صالح عن أبي سعيد وأبي هريرة عن النبي عَّله. وأخرجه 1005