Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ ٣ - كتاب العلم / باب (١٠) للتقوى﴾ [المائدة: ٨]. قوله: ((علماً)، إنما نكره ليتناول أنواع العلوم الدينية، وليندرج فيه القليل والكثير. قوله: ((سهل الله له))، أي في الآخرة، أو المراد منه: وفقه الله للأعمال الصالحة فيوصله بها إلى الجنة أو: سهل عليه ما يزيد به علمه، لأنه أيضاً من طرق الجنة بل أقربها. وقال جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿إنّما يَخْشَى الله مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨] هذا في المعنى عطف على قوله: لقول الله تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ [محمد: ١٩]. المعنى؛ إنما يخاف الله من عباده العلماء، أي: من علم قدرته وسلطانه، وهم العلماء. قاله ابن عباس. وقال الزمخشري: المراد العلماء الذين علموه بصفاته وعدله وتوحيده، وما يجوز عليه وما لا يجوز، فعظموه وقدروه وخشوه حق خشيته، ومن ازداد به علماً ازداد منه خوفاً، ومن كان عالماً به كان آمناً. وفي الحديث: ((أعلمكم بالله أشدكم له خشية)). وقال رجل للشعبي: افتني أيها العالم؟ فقال: العالم من خشي الله. وقيل: نزلت في أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، وقد ظهر عليه الخشية حتى عرفت. انتهى. وقرىء: ((إنما يخشى الله)) برفع لفظة: الله، ونصب: العلماء، وهو قراءة عمر بن عبد العزيز وأبي حنيفة، رضي الله عنهما، ووجه هذه القراءة أن الخشية فيها تكون استعارة، والمعنى: إنما يجلهم ويعظمهم، ومن لوازم الخشية التعظيم، فيكون هذا من قبيل ذكر الملزوم وإرادة اللازم. وفي أيام اشتغالي على الإمام العلامة أبي الروح شرف الدين عيسى السر ماري في علمي التفسير والمعاني والبيان، تغمده الله برحمته، حضر شخص من أهل العلم وقت الدرس وسأله عن هذه الآية، فقال: خشية الله تعالى مقصورة على العلماء بقضية الكلام، وقد ذكر الله تعالى في آية أخرى أن الجنة لمن خشي، وهو قوله تعالى: ﴿ذلك لمن خشي ربه﴾ [البينة: ٨] فليزم من ذلك أن لا تكون الجنة إلا للعلماء خاصة، فسكت جميع من كان هناك من الفضلاء الأذكياء الذين كان كل منهم يزعم أنه المغلق في العلمين المذكورين، فأجاب الشيخ، رحمه الله: إن المراد من العلماء: الموحدون، وإن الجنة ليست إلاَّ للموحدين الذين يخشون الله تعالى. فإن قلت: ما وجه إدخال هذه الآية في الترجمة؟ قلت: هو ظاهر، وذلك أن الباب في العلم، والآية في مدح العلماء، ولم يستحقوا هذا المدح إلاَّ بالعلم. وقال ﴿وما يَعْقِلُها إِلاَّ العالِمُون﴾[العنكبوت: ٤٣] أي: وما يعقل الأمثال المضروبة إلاَّ العلماء الذين يعقلون عن الله، وروى جابر، رضي الله عنه: ((أن النبي عَ لّ لما تلا هذه الآية، فقال: العالم الذي عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه)). ووجه إدخالها في الترجمة ما ذكرناه في الآية السابقة. ﴿وقالوا: لو كُنّا نَسْمَعُ أو نَعقِلُ ما كُنَّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾[الملك: ١٠] هذا حكاية عن قول الكفار حين دخولهم النار، أي: لو كنا نسمع الإنذار سماع طالبين i i ا منة i i i i ٦٢ ٣ - كتاب العلم / باب (١٠) للحق، أو نعقله عقل متأملين، وإنما حذف مفعول نعقل لأنه جعل كالفعل اللازم، والمعنى: لو كنا من أهل العلم لما كنا من أهل النار، وإنما جمع بين السمع والعقل لأن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل. وقال الزجاج: معناه لو كنا نسمع سمع من يعي، أو نعقل عقل من يميز وينظر، ما كنا من أهل النار. وروى أبو سعيد الخدري مرفوعاً: ((إن لكل شيء دعامة، ودعامة المؤمن عقله)). فبقدر ما يعقل يعبد ربه، ولقد ندم الفجار يوم القيامة فقالوا: ﴿لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾ [الملك: ١٠] روى أنس، رضي الله عنه، مرفوعاً؛ ((إن الأحمق ليصيب بحمقه أعظم من فجور الفاجر، وإنما يرتفع العباد غداً في الدرجات، وينالون الزلفى من ربهم على قدر عقولهم. فإن قلت: ما وجه إدخال هذه الآية في الترجمة؟ قلت: وجهه أن المراد. من العقل العلم ههنا، فإن الكفار تمنوا أن لو كان لهم العلم لما دخلوا النار. وقال ﴿هَلْ يَسْتَوِي الذِينَ يَعلَمُون والذِينَ لاَّ يَعلمُون﴾ [الزمر: ٩] أراد بالذين يعلمون: العاملين من علماء الديانة، كأنه جعل من لا يعمل غير عالم، وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون العلوم ثم يفتنون بالدنيا، ووجه دخولها في الترجمة هو أن الله تعالى نفى المساواة بين العلم والجهل، ويقتضي نفي المساواة أيضاً بين العالم والجهال، وفيه مدح للعلم وذم للجهّل. وقال النَّبيُّ عَلَّهِ: مَن يُرِدِ الله ◌ِهِ خَيراً يُفَقِّههُ ذكره معلقاً، وقد علم أن ما كان من هذا فهو عنده في حكم المتصل لإيراده له بصيغة الجزم، مع أنه ذكره موصولاً بعد هذا ببابين، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، من حديث معاوية، رضي الله عنه. قوله: ((يفقهه)) أي: يفهمه، إذ الفقه في اللغة الفهم. قال تعالى ﴿يفقهوا قولي﴾ [طه: ٢٨] أي: يفهموا قولي، من فقه يفقه، من باب: علم يعلم، ثم خص به علم الشريعة، والعالم به يسمى فقيهاً. وجاء: فقه، بالضم، فقاهة، وهكذا رواية الأكثرين: يفقه، وفي رواية المستملي: بالهاء المشددة المكسورة بعدها ميم، وأخرجه ابن أبي عاصم بهذا اللفظ في كتاب العلم من طريق ابن عمر عن عمر، رضي الله عنه، مرفوعاً بإسناد حسن. وإنما العِلم بالتَّعَلَم قال الكرماني: يحتمل أن يكون هذا من كلام البخاري. قلت: هذا حديث مرفوع أورده ابن أبي عاصم والطبراني من حديث معاوية، رضي الله عنه، بلفظ: ((يا أيها الناس تعلموا إنما العلم بالتعلم، والفقه بالتفقه ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين))، إسناده حسن، والمبهم الذي فيه اعتضد بمجيئه من وجه آخر، ورواه الخطيب في كتاب (الفقيه والمتفقه) من ٩۴۴. ٦٣ ٣ - كتاب العلم / باب (١٠) حديث مكحول عن معاوية ولم يسمع منه. قال النبي، عليه الصلاة والسلام: ((يا أيها الناس إنما العلم بالتعلم والفقه بالتفقه)). وروى البزار نحوه من حديث ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه، موقوفاً: ((بالتعلم))، بفتح العين وتشديد اللام، وفي بعض النسخ بالتعليم، أي ليس العلم المعتد إلاَّ المأخوذ عن الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، على سبيل التعلم والتعليم، فيفهم منه أن العلم لا يطلق إلاَّ على علم الشريعة، ولهذا لو أوصى رجل للعلماء لا ينصرف إلاَّ على أصحاب الحديث والتفسير والفقه. وقال أبُو ذَرٍّ: لَوْ وَضَعْتُمُ الصمَّصْامَةَ على هِذه، وأشارَ إلى قَفَاهُ، ثم ظَنَنْتُ أَنِّي أُنْفِذُ كَلِمَةً سَمِعْتُها مِنَ النَّبِيِّ عَِّ قَبْلَ أن تُجِيزُوا عَلَيَّ لأَنْفَذْتُها. هذا التعليق رواه الدارمي موصولاً في (مسنده) من طريق الأوزاعي: حدثني مرثد بن أبي مرثد عن أبيه قال: ((أتيت أبا ذر وهو جالس عند الجمرة الوسطى، وقد اجتمع الناس عليه يستفتونه، فأتاه رجل فوقف عليه، ثم قال: ألَمْ تُنْهَ عن الفتيا؟ فرفع رأسه إليه، فقال: أرقيب أنت علي؟ لو وضعتم ... )) فذكر مثله. ورواه أحمد بن منيع عن سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن مرثد بن أبي مرثد عن أبيه قال: ((جلست إلى أبي ذر الغفاري، رضي الله عنه، إذ وقف عليه رجل فقال: ألم ينهك أمير المؤمنين عن الفتيا؟ فقال أبو ذر: والله لو وضعتم الصمصامة على هذه، وأشار إلى حلقه، على أن أترك كلمة سمعتها من رسول الله، عَّةٍ، لأنفذتها قبل أن يكون ذلك)). قلت: كان سبب ذلك أن أبا ذر كان بالشام، واختلف مع معاوية في تأويل قوله تعالى ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ [التوبة: ٢٤] فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب خاصة، وقال أبو ذر: نزلت فينا وفيهم، فكتب معاوية إلى عثمان، رضي الله عنه، فأرسل إلى أبي ذر، فحصلت منازعة أدت إلى انتقال أبي ذر عن المدينة، فسكن الربذة، بفتح الراء والباء الموحدة والذال المعجمة، إلى أن مات، وقد ذكرناه، واسمه جند بن جنادة. قوله: ((الصمصامة)) قال الجوهري: الصمصام والصمصامة: السيف الصارم الذي لا ينثني، وأشار بقوله: هذه، إلى: القفا، والقفا: يذكر ويؤنث، وهو مقصور مؤخر العنق. قوله: ((أنفذ))، بضم الهمزة والذال المعجمة، أي ظننت أني أقدر على إنفاذ كلمة أي: تبليغها. وقوله: ((قبل أن تجيزوا))، بضم التاء المثناة من فوق وكسر الجيم وبعد الياء زاي معجمة، أي قبل أن يقطعوا علي، أراد به: قبل أن يقطعوا رأسي. وقال الصغاني: والتركيب يدل على قطع الشيء. قلت: ومنه قوله: ـى أجاز الوادي. أي: قطعه. ـز. ـيـ فأكون أول من بـ أي: أول من يقطع مسافة الصراط. وقال الكرماني: وتجيزوا، أي الصمصامة علي، أي: على قفاي. قلت: هو من أجاز الشيء إذا أنفذه، و: الصمصامة، مفعوله، وكلمة: عليَّ مدة . i ٦٤ ٣ - كتاب العلم / باب (١٠) ليست صلة لأجل التعدي. وحاصل المعنى: أنه يبلغ ما يحمله في كل حال، ولا ينثني عن ذلك، ولو عرض عليه القتل أو وضع على قفاه السيف، وفيه دليل على أن أبا ذر، رضي الله عنه، كان لا يرى بطاعة الإمام إذا نهاه عن الفتيا، لأنه كان يرى أن ذلك واجب عليه لأمر النبي عَّه بالتبليغ عنه، ولعله أيضاً سمع الوعيد في حق من كتم علماً يعلمه. فإن قلت: (لو)) لامتناع الثاني لامتناع الأول على المشهور، فمعناه: انتفى الإنفاذ لانتفاء الوضع، وليس المعنى عليه. قلت: هو مثل: ((لو لم يخف الله لم يعصه)). يعني: يكون الحكم ثابتاً على تقدير النقيض بالطريق الأولى، فالمراد أن الإنفاذ حاصل على تقدير الوضع، وعلى تقدير عدم الوضع حصوله أولى، أو إن: ((لو)) ههنا لمجرد الشرط يعني حكمها حكم: ((إن))، من غير ملاحظة الامتناع. وفيه من الفقه أنه يجوز للعالم أن يأخذ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالشدة، ويتحمل الأذى، ويحتسب رجاء ثواب الله تعالى، ويباح له أن يسكت إذا خاف الأذى كما قال أبو هريرة، رضي الله عنه: لو حدثتكم بكل ما سمعت من رسول الله عَّة. لقطع هذا البلعوم، وعنه: لو حدثتكم بكل ما في جوفي لرميتموني بالبعر. وقال الحسن: صدق، وكأنه أراد ما يتعلق بالفتن مما لا يتعلق بذكره مصلحة شرعية. وقال ابنُ عَباسٍ: كُونُوا رَبَّانِيِّينَ حُلَماءَ فُقَهَاءَ هذا التعليق رواه الخطيب في كتاب (الفقيه والمتفقه) بسند صحيح عن أبي بكر الحربي: ثنا أبو محمد حاجب ابن أحمد الطوسي، ثنا عبد الرحيم بن حبيب، ثنا الفضيل ابن عياض عن عطاء عن سعيد عن جبير عنه. ورواه ابن أبي عاصم في كتاب (العلم) عن المقدمي: ثنا أبو داود عن معاذ عن سماك عن عكرمة عنه، وقد فسر ابن عباس: الرباني بأنه الحكيم الفقیه، ووافقه ابن مسعود فيما رواه إبراهيم الحربي في غريبه عنه بإسناد صحيح، والرباني: منسوب إلى الرب، وأصله الربي، فزيدت فيه الألف والنون للتأكيد والمبالغة في النسبة. وقال أبو المعاني في كتابه (المنتهى): في اللغة الرباني: المتأله العارف بالله تعالى، وربيت القوم سستهم أي: كنت فوقهم. وقال أبو نصر: هو من الربوبية، وعن ابن الأعرابي لا يقال للعالم رباني حتى يكون عالماً معلماً. ويقال: هو العالي الدرجة في العلم، وقال الإسماعيلي: الرباني منسوب إلى الرب كأنه الذي يقصد ما أمره الرب، وفي كتاب (الفقيه) للخطيب عن مجاهد: الربانيون الفقهاء، وهم فوق الأحبار. وقال نفطويه: قال أحمد بن يحيى: إنما قيل للعلماء ربانيون لأنهم يربون العلم، أي: يقومون به. وفي كتاب (الفقه) عنه إذا كان الرجل عالماً عاملاً معلماً قيل له: هذا رباني. فإن خرم خصلة منها لم يقل له رباني. وعند الطبري عن ابن زيد: الربيون الأتباع، والربانيون الولاة، والربيون الرعية. وعن الأزهري: هم أرباب العلم الذين يعلمون ما يعلمون. وقال أبو عبيد: سمعت رجلاً عالماً بالكتب يقول: الربانيون العلماء بالحلال والحرام. وفي (الجامع) للقزاز: الربي، والجمع: ربيون: هم العباد الذين يصحبون الأنبياء، عليهم السلام، ويصبرون معهم، وهم الربانيون، نسبوا إلى عبادة ٦٥ ٣ - كتاب العلم / باب (١١) الرب، سبحانه وتعالى. وقيل: هم العلماء الصبر. وقيل: ليس ربيون بلغة العرب، إنما هي سريانية أو عبرانية. وحكي عن بعض اللغويين أن العرب لا تعرف الرباني، وقال: إنما فسره الفقهاء. قال القزاز: وأنا أرى أن يكون عربياً. قوله: ((حكماء)) جمع حكيم، والحكمة صحة القول والعقد والفعل، ويقال: الحكمة، الفقه في الدين. وقيل: الحكمة معرفة الأشياء على ما هي عليه، والفقهاء جمع فقيه، والفقه: الفهم لغة، وفي الاصطلاح: العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، وفي بعض النسخ: ((حلماء))، جمع حليم باللام، والحلم هو الطمأنينة عند الغضب، وفي بعضها علماء، وهو من باب ذكر الخاص بعد العام، والظاهر أن حكماء وفقهاء تفسير للربانيين. ويُقالُ: الرََّّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي الناسَ بِصِغارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ هذا حكاية البخاري عن قول بعضهم، وهو من التربية أي: الذي يربي الناس بجزئيات العلم قبل كلياته، أو بفروعه قبل أصوله، أو بمقدماته قبل مقاصده. فإن قلت: هذا كله هو الترجمة، فأين ما هذه ترجمته؟ قلت: إما أنه أراد أن يلحق الأحاديث المناسبة إليها، فلم يتفق له. وإما أنه للإشعار بأنه لم يثبت عنده بشرطه ما يناسبها، وإما أنه اكتفى بما ذكره تعليقاً، لأن المقصود من الباب بيان فضيلة العلم، ويعلم ذلك من المذكور آية وحديثاً وإجماعاً سكوتياً من الصحابة، رضي الله عنهم، بحيث انتهى إلى حد علم الضرورة فلم يحتج إلى الزيادة، أو لسبب آخر، والله أعلم. ١١ - باب ما كانَ النبيُّ يَتَخَوَّلُهُمْ بالمؤْعِظَةِ والعِلْم كَي لاَ يَنْفِرُوا الكلام فيه على أنواع: الأول: إن التقدير: هذا باب في بيان ما كان النبي، عليه السلام، يتخول الصحابة، رضي الله عنهم، بالموعظة، وارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف وهو مضاف إلى ما بعده من الجملة، وكلمة: ما، مصدرية تقديره: باب كون النبي عليه السلام يتخولهم. الثاني: وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول هو العلم، والمذكور في هذا الباب هو التخول بالعلم. الثالث: قوله: يتخولهم، بالخاء المعجمة وفي آخره اللام، معناه: يتعهدهم، وهو من التخول، وهو التعهد يعني: كان يتعهدهم ويراعي الأوقات في وعظهم، ويتحرى منها ما كان مظنة القبول، ولا يفعله كل يوم لئلا يسأم. والخائل القائم المتعهد للحال، ذكره الخطابي. والآن يأتي مزيد الكلام فيه إن شاء الله تعالى. قوله: ((بالموعظة)) قال الصغاني: الوعظ والعظة والموعظة مصادر قوله: وعظته أعظه. والوعظ: هو النصح والتذكير بالعواقب، وعطف العلم على الموعظة من باب عطف العام على الخاص، عكس: وملائكته وجبريل. وذكره الموعظة لكونها مذكورة في الحديث، وأما العلم فإنما ذكره استنباطاً. قوله: ((كي لا ينفروا)): أي: لئلا يملوا عنه ويتباعدوا منه، يقال: نفر ينفر، من باب: ضرب يضرب، ونفر ينفر من باب نصر ينصر نفوراً بالضم، ونفار بالفتح، عمدة القاري/ ج٢/م٥ ١ وحدة ٢٠٠٠ ١ i ٦٦ ٣ - كتاب العلم / باب (١١) والنفور أيضاً جمع نافر كشاهد وشهود، ويقال: في الدابة نفار، بكسر النون، وهو اسم مثل الحران، والتركيب يدل على تجافٍ وتباعد. ٦٨/١٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قال أخْبَرَنا سُفْيانُ عن الأعْمَشِ عن أبي وائِلٍ عنِ ابْنِ مَسْعُودَ قال كان النبيُّ عَ لّه يَتَخَوَّلُنا بالمَوْعِظَةِ في الأيَّامِ كَرَاهةَ السآمة عَلَيْنا. [الحديث ٦٨ - طرفاه في: ٧٠، ٦٤١١]. مطابقة الحديث لإحدى الترجمتين وهي قوله: ((بالموعظة)) ظاهرة، والباب مترجم بترجمتين إحداهما: قوله: ((بالموعظة)) والأخرى: قوله: ((كي لا ينفروا))، فأورد فيه حديثين كل منهما يطابق واحدة منهما. بيان رجاله: وهم خسمة: الأول: محمد بن يوسف، قال الشيخ قطب الدين في (شرحه): هو محمد بن يوسف بن واقد الفريابي، أبو عبد اللَّه الضبي، مولاهم، سكن قيسارية من ساحل الشام، أدرك الأعمش وروى عنه وعن السفيانين وغيرهم، وروى عنه أحمد بن حنبل ومحمد الذهلي ومحمد بن مسلم ابن وارة وغيرهم، وروى عنه البخاري في مواضع كثيرة، وروى في كتاب الصداق عن إسحاق غير منسوب عنه، وروى بقية الجماعة عن رجل عنه. قال أحمد: كان رجلاً صالحاً. وقال النسائي وأبو حاتم: ثقة. وقال البخاري: كان من أفضل أهل زمانه، مات في ربيع الأول سنة اثنتي عشرة ومائتين. وقال الكرماني: هو محمد بن يوسف أبو أحمد البيكندي، وهذا وهم، لأن البخاري حيث يطلق محمد بن يوسف لا يريد به، إلاّ الفريابي، وإن كان يروي أيضاً عن البيكندي. فافهم. الثاني: سفيان الثوري: فإن قلت: محمد بن الفريابي يروي عن سفيان بن عيينة أيضاً كما ذكرنا، فما المرجح ههنا لسفيان الثوري؟ قلت: الفريابي، وإن كان يروي عن السفيانين، ولكنه حيث يطلق لا يريد به، إلاّ الثوري. الثالث: سليمان بن مهران الأعمش. الرابع: أبو وائل، شقيق بن سلمة الكوفي. الخامس: عبد اللَّه بن مسعود، رضي الله عنه. بيان الأنساب: الفريابي، بكسر الفاء وسكون الراء بعدها الياء آخر الحروف وبعد الألف باء موحدة نسبة إلى فرياب، اسم مدينة من نواحي بلخ. قال الصغاني: فرياب مثل جربال، ويقال: فيرياب مثل: كيمياء، ويقال: فارياب، مثل: قاصعاء، وأما: فاراب، فهي ناحية وراء نهر سيحون في تخوم بلاد الترك، وفراب مثل سحاب قرية في سفح جبل على ثمانية فراسخ من سمرقند، وفراب مثل: كفار، قرية من قرى أصبهان. الضبي، بفتح الضاد المعجمة وتشديد الباء الموحدة: نسبة إلى ضبة بن اد بن طابخة بن الياس بن مضر، وفي قريش أيضاً: ضبة بن الحارث بن فهر، ذكره ابن حبيب. وفي هذيل أيضاً: ضبة بن عمرو ابن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل. البيكندي، بكسر الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف الساكنة وفتح الكاف وسكون النون بعدها الدال المهملة: نسبة إلى بيكند، قرية من قرى بخارى. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة. ومنها: أن رواته كوفيون ما خلا ٦٧ ٣ - كتاب العلم / باب (١١) الفريابي. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي. فإن قلت: الأعمش مدلس وقد عنعن هنا، وقد روى مسلم من طريق علي بن مسهر عن الأعمش عن شقيق عن عبد اللَّه، فذكر الحديث: قال علي بن مسهر قال الأعمش: وحدثني عمرو بن مرة عن شقيق عن عبد اللَّه مثله، فقد يوهم هذا أن الأعمش دلسه، أولاً عن شقيق، ثم سمى الواسطة بينهما. قلت: صرح أحمد في رواية هذا الحديث بسماع الأعمش عن شقيق، فقال: سمعت شقيقاً، وهو أبو وائل، وكذا صرح الأعمش بالتحديث عند البخاري في (الدعوات) من رواية حفص بن غياث عنه، قال: حدثني شقيق، وزاد في أوله: إنهم كانوا ينتظرون عبد الله بن مسعود ليخرج إليهم فيذكرهم، وإنه لما خرج قال: أما إني أخبر بمكانكم، ولكنه يمنعني من الخروج إليكم ... فذكر الحديث. ، محرة بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في الباب الذي يليه عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير عن منصور عن أبي وائل عن ابن مسعود به، وأخرجه أيضاً في (الدعوات) عن عمر بن حفص عن أبيه عن الأعمش، وأخرجه مسلم في (التوبة) عن أبي بكر ابن أبي شيبة عن وكيع، وأبو معاوية ومحمد بن نمير عن أبي معاوية، وعن الأشج عن ابن إدريس، وعن منجاب عن علي بن مسهر، وعن إسحاق بن إبراهيم وابن خشرم عن عيسى بن يونس عن ابن أبي عمر عن سفيان، كلهم عن الأعمش. زاد الأعمش في رواية ابن مسهر: وحدثني عمرو بن مرة عن شقيق عن عبد اللَّه مثله. وأخرجه الترمذي في (الاستئذان) عن محمد بن غيلان عن أبي أحمد الزبيري عن سفيان الثوري به، وعن محمد بن بشار عن يحيى بن سعيد عن سليمان الأعمش به، وفي نسخة عن محمد بن بشار عن يحيى عن سفیان عن الأعمش به، وقال: حسن صحيح. بيان اللغات: قوله: ((يتخولنا))، بالخاء المعجمة وباللام، من التخول، وهو: التعهد، من: خال المال، وخال على الشيء خولاً، إذا تعهد، ويقال: خال المال يخوله خولاً إذا ساسه وأحسن القيام عليه، والخائل المتعاهد للشيء المصلح له، وخول الله الشيء أي: ملكه إياه، وخول الرجل حشمه، الواحد خائل، وقال أبو عمرو الشيباني: الصواب يتحولهم، بالحاء المهملة، أي: يطلب أحوالهم التي ينشطون فيها للموعظة، فيعظهم ولا يكثر عليهم فيملوا. وكان الأصمعي يرويه: يتخوننا، بالنون والخاء المعجمة، أي: يتعهدنا. حكاه عنهما صاحب (نهاية الغريب). وفي (مجمع الغرائب) قال الأصمعي: أظنه يتخونهم، بالنون، وهو بمعنى: التعهد. وقيل: إن أبا عمرو بن العلاء سمع الأعمش يحدث هذا الحديث فقال: يتخولنا، باللام، فرده عليه بالنون فلم يرجع لأجل الرواية، وكلا اللفظين جائز، والصواب: بالخاء المعجمة وباللام، وقال ابن الأعرابي: معناه يتخذنا خولاً. ويقال: يناجينا بها. وقيل: يصلحنا. وقال أبو عبيدة: يذللنا بها، يقال: خول الله لك أي: ذلله لك وسخره. وقيل: يحبسهم عليها كما يحبس الخول. قوله: ((كراهية السآمة)) من كرهت الشيء أكرهه كراهة وكراهية، والسآمة مثل الملالة، بناء ومعنى، وقال أبو زيد: سئمت من الشيء أسأم سأماً وسآمةً وسآماً: إذا مللته، هدة ٦٨ ٣ - كتاب العلم / باب (١١) ورجل سؤوم. بيان الإعراب: قوله: ((النبي))، مرفوع لأنه اسم كان. وقوله: ((يتخولنا))، جملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل النصب على أنها خبر: كان. فإن قلت: كان لثبوت خبرها ماضياً، و: يتخولنا، إما حال وإما استقبال، فما وجه الجمع بينهما؟ قلت: كان يراد به الاستمرار، وكذا الفعل المضارع، فاجتماعهما يفيد شمول الأزمنة. وقال الأصوليون: قوله: كان حاتم يكرم الضيف، يفيد تكرار الفعل في الأزمان، والباء في: بالموعظة، تتعلق: بيتخولنا، قوله: ((في الأيام))، صفة لموعظة أي: بالموعظة الكائنة في الأيام. قوله: ((كراهية السآمة))، كلام إضافي منصوب على أنه مفعول له، أي: لأجل كراهية السآمة، وصلة السآمة محذوفة، لأنه يقال: سأمت من الشيء، والتقدير: كراهية السآمة من الموعظة. وقوله: ((علينا) إما يتعلق بالسآمة على تضمين السآمة معنى المشقة، أي: كراهة المشقة علينا، إذ المقصود بيان رفق النبي، عليه السلام، بالأمة وشفقته عليهم ليأخذوا منه بنشاط وحرص لا عن ضجر وملل، وإما يجعل صفة، والتقدير: كراهية السآمة الطارئة علينا. وإما يجعل حالاً، والتقدير: كراهية السآمة حال كونها طارئة علينا. وإما يتعلق بالمحذوف، والتقدير: كراهية السآمة شفقة علينا. فافهم. بيان المعاني: المعنى: أن النبي عَّله كان يعظ الصحابة في أوقات معلومة، ولم يكن يستغرق الأوقات خوفاً عليهم من الملل والضجر، كما كان نهاهم بقوله: ((لا يصلي أحد خاماً وركيه)). وكما قال: ((ابدأوا بالعشاء لئلا تشغلوا عن الإقبال على الله تعالى بغيره)). وعن الصلاة وعن النية، وقد وصفه الله تعالى بالرفق بأمته فقال: ﴿عزيز عليه ماعنتم﴾ [التوبة: ١٢٨] الآية: فإن قلت: أيجوز أن يكون المراد من السآمة سآمة رسول الله، عليه الصلاة والسلام، من القول؟ قلت: لا يجوز، ويدل عليه السياق وقرينة الحال. ٦٩/١١ - حدثنا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ قال: حدّثنا يَحْتَى بنُ سَعِيدٍ قال: حدّثنا شُعْبَةُ قال: حدّثني أبو التَّاح عن أنسٍ، رضي الله عنه، عن النبيّ عَّ له قال: ((يَسْرُوا ولا تُعَشِّرُوا وبشِّرُوا ولا تُنَفِّرُوا)). [الحديث ٦٩ - طرفه في: ٦١٢٥]. هذا الحديث للترجمة الثانية كما ذكرناه. بيان رجاله: وهم خمسة: الأول: محمد بن بشار، بفتح الباء الموحدة وتشديد الشين المعجمة، ابن عثمان بن داود بن كيسان العبدي البصري، كنيته أبو بكر ولقبه بندار، واشتهر به لأنه كان بنداراً في الحديث، جمع حديث بلده، وبندار، بضم الباء الموحدة وسكون النون والدال المهملة وبالراء: الحافظ. وقال أحمد: كتبت عنه نحواً من خمسين ألف حديث، روى عنه السنة وإبراهيم الحربي وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان وعبد اللَّه بن محمد البغوي ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وعنه قال: كتب عني خمسة قرون، وسألوني الحديث وأنا ابن ثمان عشرة سنة. وقال: ولدت سنة سبع وستين ومائة، وقال البخاري: مات في .١٣ ٦٩ ٣ - كتاب العلم / باب (١١) رجب سنة اثنتين وخمسين يعني ومائتين. الثاني: يحيى بن سعيد القطان الأحول. الثالث: شعبة بن الحجاج. الرابع: أبو التياح، بفتح التاء المثناة من فوق وتشديد الياء آخر الحروف وفي آخره حاء مهملة، واسمه يزيد بن حميد، بالتصغير، الضبعي من أنفسهم، سمع أنساً وعمران بن حصين من الصحابة، وخلقاً من التابعين ومن بعدهم، قال أحمد: هو ثقة ثبت. وقال علي بن المديني: هو معروف ثقة، مات سنة ثمان وعشرين ومائة، روى له الجماعة. الخامس: أنس بن مالك. بيان الأنساب: العبدي: نسبة إلى عبد بن نصر بن كلاب بن مرة في قريش، وفي ربيعة بن نزار عبد القيس بن أفصى، وفي تميم عبد اللَّه بن دارم، وفي خولان عبد اللَّه بن جبار، وفي همدان عبد بن غيلان بن أرحب. الضبعي، بضم الضاد المعجمة وفتح الباء الموحدة: نسبة إلى ضبيعة بن زيد بن مالك في الأنصار، وفي ربيعة بن نزار ضبيعة بن ربيعة ابن نزار، وفي بني ثعلبة ضبيعة بن قيس. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة. ومنها: أن رواته كلهم بصريون. ومنها: أنهم أئمة أجلاء. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في (الأدب) عن آدم عن شعبة به، ورواه مسلم في (المغازي) عن عبد اللَّه بن معاذ عن أبيه، وعن أبي بكر بن أبي شيبة عن عبيد بن سعيد، وعن محمد بن الوليد عن غندر، كلهم عن شعبة به، فوقع للبخاري عالياً رباعياً من طريق آدم، وآدم ممن انفرد به البخاري عن مسلم، وأخرجه النسائي في (العلم) عن بندار به. بيان اللغات: قوله: ((يسروا)، أمر من: يسر ييسر تيسيراً من اليسر، وهو نقيض العسر. قوله: ((ولا تعسروا))، من عسر تعسيراً. يقال: عسرت الغريم أعسره عسراً، إذا طلبت منه الدين على عسرته. وقال ابن طريف: هذا مما جاء على فعل وأفعل: كعسرتك عسراً وأعسرتك، إذا طلبت منك الدين على عسرة، وعسر الشيء وعسر، بضم السين وكسرها، عسراً وعسارة، وعسر الرجل: قل سماحه وضاق خلقه، وأعسر الرجل: افتقر. وفي (العباب): قد عسر الأمر، بالضم، عسراً فهو عسر وعسير، وعسر عليه الأمر، بالكسر، يعسر عسراً، بالتحريك، أي: التاث، فهو عسر. ويقال: عسرت الناقة بذنبها تعسر عسراً أو عسراناً، مثال: ضرب يضرب ضرباً وضربانا: إذا شالت به، وعسرت المرأة إذا عسر ولادها، وعسرني فلان إذا جاء على يساري، والمعسور ضد الميسور، والمعسرة ضد الميسرة، وهما مصدران. وقال سيبويه: هما صفتان، والعسرى نقيص اليسرى. قوله: ((وبشروا))، من البشارة وهي الإخبار بالخير، وهي نقيض: النذارة، وهي الإخبار بالشر. يقال: بشرت الرجل أبشره، بالضم، بشراً وبشوراً من البشرة، وكذلك الإبشار والتبشير. يقال: أبشر وبشر. قال الله تعالى: ﴿وأبشروا بالجنة﴾ [فصلت: ٣٠] ﴿وبشر الذين آمنوا﴾ [البقرة: ٢٥، ويونس: ٢] ﴿ذلك الذي يبشر﴾ [الشورى: ٢٣] ثلاث لغات في القرآن أبشر وبشر وبشر بالتخفيف، والاسم: البشارة i F i •جدة IN ١٫٠٣٤ « جراچ ٧ -٨٤ ٣ - كتاب العلم / باب (١١) والبشارة، بالكسر والضم، تقول: بشرته بمولود، وأبشرتك بالخير، وبشرتك. وقال الصغاني: البشارة، بالكسر والضم، أي حق ما يعطى على التبشير. وقال اللحياني، رحمه الله تعالى: البشارة ما بشرت من بطن الأديم، وقال ابن الأعرابي: البشارة والقشارة والخسارة. إسقاط الناس، وبشرت بكذا، بكسر الشين، أبشر، أي: استبشرت. قوله: ((ولا تنفروا))، من: نفر، بالتشديد، تنفيراً. وقد مر الكلام فيه عن قريب. بيان الإعراب: قوله: ((يسروا) جملة من الفعل والفاعل مقول القول. قوله: ((ولا تعسروا)) عطف على: يسروا، ويجوز عطف النهي على الأمر كما بالعكس، والخلاف في عطف الخبر على الإنشاء وبالعكس، كما عرف في موضعه، وكذا الكلام في قوله: ((بشروا ولا تنفروا)). بيان المعاني: قوله: ((يسروا) أمر بالتيسير، لا يقال: الأمر بالشيء نهي عن ضده، فما الفائدة في قوله: ((ولا تعسروا)؟ لأنا نقول: لا نسلم ذلك، ولئن سلمنا فالغرض التصريح بما لزم ضمناً للتأكيد. ويقال: لو اقتصر على قوله: (يسروا)، وهو نكرة لصدق ذلك على من يسر مرة وعسر في معظم الحالات، فإذا قال: ولا تعسروا، انتفى التعسير في جميع الأحوال من جميع الوجوه، وكذلك الجواب عن قوله: ((ولا تنفروا)) لا يقال: كان ينبغي أن يقتصر على قوله: ((ولا تعسروا ولا تنفروا) لعموم النكرة في سياق النفي، لأنه لا يلزم من عدم التعسير ثبوت التيسير، ولا من عدم التنفير ثبوت التيسير، فجمع بين هذه الألفاظ لثبوت هذه المعاني، لأن هذا المحل يقتضي الإسهاب، وكثرة الألفاظ لا الاختصار لشبهه بالوعظ، والمعنى: وبشروا الناس أو المؤمنين بفضل الله تعالى وثوابه، وجزيل عطائه وسعة رحمته، وكذا المعنى في قوله: ((ولا تنفروا)) يعني: بذكر التخويف وأنواع الوعيد، فيتألف من قرب إسلامه بترك التشديد عليهم، وكذلك من قارب البلوغ من الصبيان، ومن بلغ وتاب من المعاصي يتلطف بجميعهم بأنواع الطاعة قليلاً قليلاً، كما كانت أمور الإسلام على التدريج في التكليف شيئاً بعد شيء، لأنه متى يسر على الداخل في الطاعة المريد للدخول فيها، سهلت عليه وتزايد فيها غالباً، ومتى عسر عليه أوشك أن لا يدخل فيها. وإن دخل أوشك أن لا يدوم أو لا يستحملها. وفيه الأمر للولاة بالرفق، وهذا الحديث من جوامع الكلم لاشتماله على خيري الدنيا والآخرة، لأن الدنيا دار الأعمال، والآخرة دار الجزاء، فأمر رسول الله عَ ل فيما يتعلق بالدنيا بالتسهيل، وفيما يتعلق بالآخرة بالوعد بالخير والإخبار بالسرور تحقيقاً لكونه رحمة للعالمين في الدارين. بيان البديع: اعلم أن بين: ((يسرو))، وبين (بشروا))، جناس خطي، والجناس بين اللفظين تشابههما في اللفظ، وهذا من الجناس التام المتشابه، وهذا باب من أنواع البديع الذي يزيد في كلام البليغ حسناً وطلاوة. فإن قلت: كان المناسب أن يقال بدل: ((ولا تنفروا) ولا تنذروا، لأن الإنذار وهو نقيض التبشير لا التنفير. قلت: المقصود من الإنذار ٧٠ ١٧٠ ٧١ ٣ - كتاب العلم / باب (١٢) التنفير، فصرح بما هو المقصود منه. ١٢ - باب مَنْ جَعَلَ لأَهْلِ العِلْمِ أَيَّاماً مَعْلُومَةً أي: هذا باب في بيان من جعل، فالباب مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف مضاف إلى: من، هذا رواية كريمة. وفي رواية الكشميهني: ((أياماً معلومات))، وفي رواية غيرهما: (يوماً معلوم)). وجه المناسبة بين البابين ظاهر، لأن الباب الأول في التخويل بالموعظة والعلم، وقد ذكرنا أن معناه هو التعهد في أيام خوفاً من الملل والضجر، وهذا الباب أيضاً كذلك. ٧٠/١٢ - حدّثنا عُثْمانُ بنُ أَبِي شَيْبَةَ قال: حدّثنا جَرِيرٌ عنْ مَنْصورٍ عنْ أَبِي وَائِلٍ قال: كان عَبْدُ اللَّهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ في كُلِّ خَمِيسٍ، فقال لَهُ رَجُلٌ: يا أبا عَبْدِ الرَّحْمنِ! لَوَدِدْتُ أَنَّكَّ ذَكّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ. قال: أمَا إِنَّهُ يُمْتَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أنْ أُمِلَّكُم، وإِنِّي أَتَخَوَّلُكُم بِالمَوعِظَةِ كما كان النبيُّ عَّ لَهِ يَتَخَوَّلُنَا بِها مِخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا. [انظر الحديث، ٦٨ وأطرافه]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، والدليل عليها، إما أن يكون بفعل الصحابي عند من يقول به، أو بالاستنباط من فعل النبي. عَ لَّه. بيان رجاله: وهم خمسة: الأول: عثمان بن محمد بن إبراهيم بن أبي شيبة بن عثمان ابن خواستي، بضم الخاء المعجمة وبعد الألف سين مهملة ثم تاء مثناة من فوق، أبو الحسن العبسي الكوفي، أخو أبي بكر وقاسم، وهو أكبر من أبي بكر بثلاث سنين، وأبو بكر أجل منه، نزل بغداد ورحل إلى مكة والري، وكتب الكثير، روى عنه يحيى بن محمد الذهلي ومحمد بن سعد وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان والبخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه، وروى النسائي عن رجل عنه، سئل عنه محمد بن عبد اللَّه بن نمير، فقال: ومثله يسأل عنه؟ وقال يحيى بن معين وأحمد بن عبد اللَّه ثقة. وقال أحمد بن حنبل: ما علمت إلاَّ خيراً، وأثنى عليه وكان ينكر عليه أحاديث حدث بها. منها حديث جرير عن الثوري عن ابن عقيل عن جابر قال: شهد النبي، عليه الصلاة والسلام، عيد المشركين، توفي لثلاث بقين من المحرم سنة تسع وثلاثين ومائتين. الثاني: جرير بن عبد الحميد بن قرط بن هلال، وقيل: تيري بدل هلال، الضبي الكوفي. قال: ولدت سنة مات الحسن، وهي سنة عشر ومائة، وتوفي سنة ثمان وثمانين ومائة، وقيل: سبع، روى عنه ابن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو بكر، قال محمد بن سعد: كان ثقة كثير العلم يرحل إليه، وقال أبو حاتم: ثقة. وقال أبو زرعة: صدوق من أهل العلم روى له الجماعة. الثالث: منصور بن المعتمر بن عبد اللَّه بن ربيعة، ويقال: ابن المعتمر بن عتاب بن عبد اللَّه بن ربيعة، بضم الراء، وعتاب، بفتح العين المهملة وبالتاء المثناة من فوق، روى عنه أيوب والأعمش ومسعر والثوري. وهو أثبت الناس فيه، أخرج له البخاري في العلم والوضوء والغسل والحج وغير موضع عن شعبة والثوري وابن عيينة وشيبان وروح بن القاسم وحماد بن زيد وجرير بن عبد الحميد عنه عن أبي وائل، i / .. (١ ٢٠٠٦ ويود .م2 ٧٢ ٣ - كتاب العلم / باب (١٣) وإبراهيم النخعي والشعبي ومجاهد والزهري وربعي وسالم بن أبي الجعد، أريد على القضاء فامتنع. قيل: صام أربعين سنة وقام ليلها، وقيل: ستين سنة، وعمش من البكاء، ومات سنة ثلاث، وقيل: اثنتين وثلاثين ومائة، روى له الجماعة. الرابع: أبو وائل شقيق بن سلمة. الخامس: عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه. بيان لطائف إسناده: منها: أن في إسناده التحديث والعنعنة. ومنها: أن رواته كوفيون. ومنها: أنهم أئمة أجلاء. بيان الإعراب والمعاني: قوله: ((يذكر الناس))، جملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل النصب لأنها خبر: كان. قوله: ((فقال له))، أي لعبد اللَّه، رجل قيل: إنه يزيد بن معاوية النخعي. قوله: ((يا أبا عبد الرحمن)) هو كنية عبد اللَّه بن مسعود. قوله: ((لوددت)) اللام فيه جواب قسم محذوف، أي: والله لوددت أي: لأحببت. وقول: ((أنك)) بفتح الهمزة، لأنه مفعول وددت. وقوله: ((ذكرتنا)) في محل الرفع لأنه خبر أن. قوله: ((كل يوم)) كلام إضافي منصوب على الظرف. قوله: ((أما))، بفتح الهمزة وتخفيف الميم، من حروف التنبيه، قاله الكرماني. قلت: أما، هذه على وجهين: أحدهما: أن يكون حرف استفتاح بمنزلة ألا، ويكثر قبل القسم. والثاني: أن يكون بمعنى حقاً، وأما، ههنا من القسم الأول. قوله: (إنه))، بكسر الهمزة، والضمير فيه للشأن، وبفتح أن بعد أما إذا كان بمعنى حقاً. قوله: ((يمنعني)) فعل ومفعول. وقوله: ((أني أكره)، بفتح الهمزة من: أني، فاعل يمنعني، و: أكره، جملة في محل الرفع لأنها خبر أن. قوله: ((أن أملكم)) أن: هذه مصدرية، و: أملكم، بضم الهمزة وكسر الميم وتشديد اللاَّم، والتقدير: أكره إملالكم وضجركم. قوله: ((وإني)) بكسر الهمزة. قوله: ((أتخولكم)) جملة في محل الرفع لأنها خبر: إن. قوله: « کما کان)) الكاف للتشبيه، و: ما، مصدرية. قوله: ((بها)) أي بالموعظة. قوله: ((علينا)) يتعلق بالمخافتة، ويحتمل أن يتعلق بالسآمة. قال ابن بطال: فيه ما كان عليه الصحابة، رضي الله عنهم، من الاقتداء بالنبي عَّ﴾، والمحافظة على سنته على حسب معاينتهم لها منه وتجنب مخالفته لعلمهم بما في موافقته من عظم الأجر، وما في مخالفته بعكس ذلك. ١٣ - باب مَنْ يُرِدِ الله بِهِ خَيْراً يُفَقِّههُ في الدِّينِ أي هذا باب في بيان من يرد الله به خيراً ومن موصولة ((ويرد الله به خيراً) صلتها وإنما جزم يرد لأنه فعل الشرط(لأن) من يتضمن معنى الشرط وخيراً منصوب لأنه مفعول يرد، وقوله ((يفقهه)) مجزوم لأنه جواب الشرط، قوله ((في الدين)» في رواية الكشميهني وفي رواية غيره ساقط. وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول شأن من يذكر الناس في أمور دينهم ببيان ما ينفعهم وما يضرهم وليس هذا إلا شأن الفقيه في الدين والمذكور في هذا الباب هو مدح هذا الفقيه وكيف لا يكون ممدوحاً وقد أراد الله به خيراً حيث جعله فقيهاً في دينه عالماً بأحكام شرعه. ٧٣ ٣ - كتاب العلم / باب (١٣) ٧١/١٣ - حدّثنا سَعِيدُ بنُ عُفَيْرٍ قال: حدّثنا ابنُ وَهْبٍ عنْ يُونُسَ عنِ ابنِ شِهابٍ قال: قال محُمَيْدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: سَمِعْتُ مُعاويَةَ خَطِيباً يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِي عَ لَّه يَقُولُ: ((مَنْ يُردِ الله بهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ وَأََّا أَنا قاسِمٌ والله يُعْطِي وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأَمَّةُ قائِمَةً عَلَى أمر الله لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِي أَمْرُ الله)). [الحديث ٧١ - أطرافه في: ٣١١٦، ٣٦٤١، ٧٣١٢، ٧٤٦٠]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، فإنها كلها من عين الحديث. وقال الكرماني: في قوله: باب من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، اعلم أن مثله سمي مرسلاً عند طائفة والحق وعليه الأكثر أنه إذا ذكر الحديث مثلاً، ثم وصل به إسناده يكون مسنداً لا مرسلاً، قلت: لا دخل للإسناد والإرسال في مثل هذا الموضع لأنه ترجمة، ولا يقصد بها إلا الإشارة إلى ما قصده من وضع هذا الباب. بيان رجاله: وهم ستة. الأول: سعيد بن عفير، بضم العين المهملة وفتح الفاء وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره راء، وهو سعيد بن كثير بن عفير بن مسلم بن يزيد بن حبيب ابن الأسود، أبو عثمان البصري، سمع مالكاً، وابن وهب والليث وآخرين، روى عنه محمد ابن يحيى الذهلي والبخاري، وروى مسلم والنسائي عن رجل عنه، وقال ابن حاتم في كتاب (الجرح والتعديل): سمعت منه، أي: وقال: لم يكن بالثبت، كان يقرأ من كتب الناس وهو صدوق. وقال المقدسي: وكان سعيد بن عفير من أعلم الناس بالأنساب والأخبار الماضية والتواريخ والمناقب أديباً فصيحاً، حاضر الحجة مليح الشعر، توفي سنة ست وعشرين ومائتين. الثاني: عبد اللَّه بن وهب بن مسلم البصري، أبو محمد القرشي الفهري، مولى يزيد ابن رمانة، مولى أبي عبد الرحمن يزيد بن أنيس الفهري. سمع مالكاً والليث والثوري وابن أبي ذئب وابن جريج وغيرهم، وذكر بعضهم أنه روى عن نحو أربعمائة رجل، وأن مالكاً لم يكتب إلى أحد: (الفقيه) إلاَّ إليه، وقال أحمد: هو صحيح الحديث، يفصل السماع من العرض، والتحديث من الحديث، ما أصح حديثه وما أثبته. وقال يحيى بن معين: ثقة. وقال ابن أبي حاتم: نظرت في نحو ثمانين ألف حديث من حديث ابن وهب بمصر وغير مصر، فلا أعلم أني رأيت حديثاً لا أصل له. وقال: صالح الحديث صدوق. وقال أحمد بن صالح: حدث بمائة ألف حديث، وقال ابن بكير بن وهب: أفقه من ابن القاسم، ولد في ذي القعدة سنة خمس وعشرين ومائة، وقيل: سنة أربع، وفيها مات الزهري، وتوفي بمصر سنة سبع وتسعين ومائة، لأربع بقين من شعبان، روى له الجماعة، وليس في (الصحيحين) عبد الله بن وهب غيره، فهو من أفرادهما، وفي الترمذي وابن ماجه: عبد اللَّه بن وهب الأسدي تابعي، وفي النسائي: عبد الله بن وهب بن تميم الداري، وصوابه: ابن موهب، وفي الصحابة عبد الله ابن وهب خمسة. الثالث: يونس بن يزيد الأيلي، وقد تقدم. الرابع: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وقد تقدم. الخامس: حميد بن عبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنه، وقد تقدم. السادس: معاوية بن أبي سفيان: صخر بن حرب الأموي، كاتب الوحي، أسلم عام i i i i ٠٠٠٠ /١٣٠ ٧٤ ٣ - كتاب العلم / باب (١٣) الفتح، وعاش ثمانياً وسبعين سنة، ومات سنة ستين في رجب، ومناقبه جمة، وفي آخر عمره أصابته لقوة، روي له عن رسول الله، عليه السلام، مائة حديث وثلاثة وستون حديثاً، ذكر البخاري منها ثمانية، ومسلم خمسة، واتفقا على أربعة أحاديث. روى له الجماعة، وليس في الصحابة معاوية بن صخر غيره، وفيهم معاوية فوق العشرين. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة والسماع. ومنها: أن رواته ما بين بصري وأيلي ومدني. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي. ومنها: أنه قال في هذا الإسناد وعن ابن شهاب قال: قال حميد بن عبد الرحمن، ولم يذكر فيه لفظ السماع. وهكذا هو في جميع النسخ من البخاري، وجاء في مسلم فيه عن ابن شهاب حدثني حميد بلفظ التحديث، وقد اتفق أصحاب الأطراف وغيرهم على أنه من حديث ابن شهاب عن حميد المذكور. قال الشيخ قطب الدين: فلا أدري لم قال فيه: قال حميد، مع الاتفاق على تحديث ابن شهاب عن حميد المذكور. قلت: يمكن أن يكون ذلك لأجل شهرة تحديث ابن شهاب عنه بهذا الحديث اقتصر فيه على هذا القول، ولهذا قال في باب الاعتصام: عن ابن شهاب، أخبرني حميد. وللبخاري عادة بذلك. وقد قال في(كتاب التوكيل) في: باب قول النبي عَّه: (رجل آتاه الله القرآن))، فقال فيه: حدثنا علي بن عبد اللَّه، ثنا سفيان قال الزهري ... وذكر الحديث، ثم قال: سمعت من سفيان مراراً، لم أسمعه يذكر الخبر، وهو من صحيح حديثه، لكن يمكن أن يقال: سفيان مدلس، فلذلك نبه عليه البخاري. بيان اللغات: قوله: ((من يرد الله))، بضم الياء، مشتق من الإرادة، وهي عند الجمهور صفة مخصصة لأحد طرفي المقدور بالوقوع، وقيل: إنها اعتقاد النفع أو الضر، وقيل: ميل يتبعه الاعتقاد، وهذا لا يصح في الإرادة القديمة. قوله: ((خيراً) أي: منفعة، وهو ضد: الشر، وهو اسم ههنا، وليس بافعل التفضيل. قوله: ((يفقهه))، أي يجعله فقيهاً في الدين. والفقه لغة: الفهم، وعرفا: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال، ولا يناسب هنا إلاَّ المعنى اللغوي ليتناول فهم كل علم من علوم الدين. وقال الحسن البصري: الفقيه هو الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، والبصير بأمر دينه، المداوم على عبادة ربه. وقال ابن سيده في (المخصص): فقه الرجل فقاهة وهو فقيه من قوم فقهاء، والأنثى فقيهة. وقال بعضهم: فقه الرجل فقها وفقها وفقها، ويعدى فيقال: فقهته، كما يقال علمته. وقال سيبويه: فقه فقهاً وهو فقيه كعلم علماً وهو عليم، وقد أفقهته وفقهته: علمته وفهمته، والتفقه تعلم الفقه، وفقهت عليه فهمت، ورجل فقه وفقيه، والأنثى فقهة. ويقال للشاهد: كيف فقاهتك لما أشهدناك، ولايقال في غير ذلك. والفقه: الفطنة. وقال عيسى بن عمر: قال لي أعرابيّ شهدت عليك بالفقه. أي: بالفطنة. وفي (المحكم): الفقه العلم بالشيء والفهم له، وغلب على علم الدين لسيادته وشرفه وفضله على سائر أنواع العلوم، والأنثى: فقيهة من نسوة فقهاية، وحكى اللحياني: من نسوة فقهاء، وهي نادرة. وكأن قائل هذا من العرب لم يعتد بهاء التأنيث، ونظيرها نسوة فقراء، وفي (الموعب) لابن التيامي: فقه فقهاً مثال: حذر إذا ٢٠٠ ٧٥ ٣ - كتاب العلم / باب (١٣) فهم، وأفقهته إذا بينت له. وقال ثعلب: القرآن أصل لكل علم به فقه العلماء، فمن قال: فقه فهو فقيه، مثال: مرض فهو مريض، وفقه فهو فقيه، ككرم وظرف فهو كريم وظريف. وفي (الصحاح): فاقهته إذا باحثته في العلم. وفي (الجامع) لأبي عبد اللَّه: فقه الرجل تفقه فقهاً فهو فقيه. وقيل: أفصح من هذا فقه يفقه مثل علم يعلم علماً، والفقه علم الدين، وقد تفقه الرجل تفقها كثر علمه، وفلان ما يتفقه ولا يفقه، أي: لا يعلم ولا يفهم، وقالوا: كل عالم بشيء فهو فقيه به، وفي (الغريبين): فقه: فهم، وفقه: صار فقيها. وقال ابن قتيبة: يقال للعلم الفقه لأنه عن الفهم يكون، والعالم فقيه لأنه إنما يعلم بفهمه على تسمية الشيء بما كان له سبباً. وقال ابن الأنباري: قولهم: رجل فقيه، معناه: عالم. قوله: ((قاسم) اسم فاعل من قسم الشيء يقسمه قسماً، بالفتح، والقسم، بالكسر، الحظ والنصيب، وبالفتح أيضاً هو: القسمة بين النساء في البيتوتة، والقسم، بفتحتين: اليمين. والقسمة الاسم. قوله: (ولن تزال)): الفرق بين: زال يزال، وزال يزول هو أن الأول من الأفعال الناقصة، ويلزمه النفي بخلاف الثاني، والأمة: الجماعة. قال الأخفش: هو في اللفظ واحد، وفي المعنى جمع. وكل جنس من الحيوان أمة. وفي الحديث: ((لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها)). والأمة القامة، والأمة الطريقة والدين. وقوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة﴾ [آل عمران: ١١٠] قال الأخفش: يريد أهل أمة، أي: خير أهل دين، والأمة الحين. قال تعالى: ﴿واذكر بعد أمة﴾ [يوسف: ٤٥] وقال: ﴿ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة﴾ [هود: ٨] والأمة، بالكسر، لغة في الأمة، والأمة، بالكسر أيضاً: النعمة، والأمة، بالضم: الملك أيضاً، وأتباع الأنبياء أيضاً. والأمة: الرجل الجامع للخير أيضاً، والأمة: الأم، والأمة: الرجل المنفرد برأيه لا يشار كه فيه أحد. جدة بيان الإعراب: قوله: ((سمعت معاوية))، فيه حذف المسموع، لأن المسموع هو الصوت لا الشخص. قال الزمخشري: تقول سمعت رجلاً يقول كذا، فتوقع الفعل على الرجل، وتحذف المسموع لأنك وصفته بما يسمع، أو جعلته حالاً عنه فأغناك عن ذكره، ولولا الوصف أو الحال لم يكن منه بد أن يقال: سمعت قول فلان. قوله: ((خطيباً) نصب على الحال من معاوية. وقال الكرماني: حال من المفعول لا من الفاعل، لأنه أقرب. ولأن الخطبة تليق بالولاة. قلت: لا يبادر الوهم قط ههنا إلى كون حميد هو الخطيب حتى يعلل بهذين التعليلين، ولو قال مثل ما قلنا لكان كفى. قوله: ((يقول)) جملة في محل النصب على الحال. وقوله: (سمعت النبي ◌َّل) مقول القول، وقوله: يقول، أيضاً حال. وقوله: ((من)، موصولة يتضمن معنى الشرط، فلذلك جزم: يرد، و: يفقه، لأنهما فعل الشرط والجزاء. قوله: (إنما)، من أداة الحصر، و: أنا، مبتدأ، و: قاسم، خبره. وقوله: ((والله)) أيضاً مبتدأ، ويعطي خبره، والجملة تصح أن تكون حالاً. قوله: ((ولن تزال)) كلمة: لن، ناصبة للنفي في الاستقبال، وتزال من الأفعال الناقصة. وقوله: ((هذه الأمة)) اسمه: وقائمة، خبره. قوله: ((لا يضرهم)) جملة من الفعل والمفعول، وقوله: ((من)) فاعله، وهي موصولة، و: خالفهم، جملة ١ i ٧٦ ٠٫٠٠ ٣ - كتاب العلم / باب (١٣) صلتها. فإن قلت: ما موقع هذه الجملة، أعني قوله: لا يضرهم من خالفهم؟ قلت: حال، وقد علم أن المضارع المنفي، إذا وقع حالاً يجوز فيه الواو وتركه. قوله: ((حتى)) غاية لقوله: لن تزال، فإن قلت: حكم ما بعد الغاية مخالف لما قبلها، فيلزم منه أن يوم القيامة لا تكون هذه الأمة على الحق، وهو باطل. قلت: المراد من قوله: ((على أمر الله)) هو التكاليف، ويوم القيامة ليس زمان التكاليف، والأحسن أن يقال: ليس المقصود منه معنى الغاية، بل هو مذكور لتأكيد التأبيد، نحو قوله تعالى: ﴿ما دامت السموات والأرض﴾ [هود: ١٠٧ - ١٠٨] ويقال: حتى، للغاية على أصله، ولكنه غاية لقوله: لا يضرهم، لأنه أقرب. والمراد من قوله: ((حتى يأتي أمر الله)) حتى يأتي بلاء الله فيضرهم حينئذٍ، فيكون ما بعدها مخالفاً لما قبلها، أو يكون ذكره لتأكيد عدم المضرة، كأنه قال. لا يضرهم أبداً، والمراد قوله: حتى يأتي أمر الله يوم القيامة، والمضرة لا تمكن يوم القيامة، فكأنه قال: لا يضرهم من خالفهم أصلاً. فإن قلت: إذا جاء الدجال مثلاً، وقتلهم فقد ضرهم. قلت: على تفسير أمر الله ببلاء الله ظاهر لا يرد شيء، وعلى التفسير بيوم القيامة، يقال: ليس ذلك مضرة في الحقيقة، إذ الشهادة أعظم المنافع من جهة الآخرة، وإن كانت مضرة بحسب الظاهر. فإن قلت: هل يجوز أن تتعلق ((حتى)) بالفعلين المذكورين بأن يتنازعا فيها. قلت: لا مانع من ذلك، لا من جهة المعنى ولا من جهة الإعراب. فإن قلت: إذا كان: حتى، بمعنى: إلى، ويكون معنى: حتى يأتي أمر الله: إلى أن يأتي أمر الله. هل يكون بينهما فرق؟ قلت: نعم بينهما فرق، لأن مجرور: حتى، يجب أن يكون آخر جزء من الشيء أو ما يلاقي آخر جزء منه. وقال الزمخشري في قوله: ﴿ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم﴾ [الحجرات: ٥] الفرق بينهما أن: حتى، مختصة بالغاية المضروبة، أي المعينة. تقول: أكلت السمكة حتى رأسها، ولو قلت: حتى نصفها أو صدرها لم يجز، و: إلى، عامة في كل غاية. فافهم. بيان المعاني: فيه تنكير قوله: خيراً، لفائدة التعميم، لأن النكرة في سياق الشرط كالنكرة في سياق النفي، فالمعنى: من يرد الله به جميع الخيرات. ويجوز أن يكون التنوين للتعظيم، والمقام يقتضي ذلك كما في قول الشاعر: له حاجب عن كل أمر يشينه أي: صاحب عظيم، ومانع قوي. وفيه إنما التي تفيد الحصر، والمعنى: ما أنا إلاَّ قاسم. فإن قلت: كيف يصح هذا وله صفات أخرى مثل كونه رسولاً ومبشراً ونذيراً. قلت: الحصر بالنسبة إلى اعتقاد السامع، وهذا ورد في مقام كان السامع معتقداً كونه معطياً، وإن اعتقد أنه قاسم فلا ينفي إلاَّ ما اعتقده السامع، لا كل صفة من الصفات، وحينئذٍ إن اعتقد أنه معطٍ لا قاسم فيكون من باب قصر القلب، أي: ما أنا إلاَّ قاسم، أي: لا معط، وإن اعتقد أنه قاسم ومعط أيضاً فيكون من قصر الإفراد، أي: لا شركة في الوصفين، أي: بل أنا قاسم فقط، ومعناه أنا أقسم بينكم، فألقي إلى كل واحد ما يليق به، والله يوفق من يشاء منكم لفهمه والتفكر في معناه. وقال التوربشتي: اعلم أن النبي، عليه الصلاة والسلام، أعلم أصحابه أنه لم وحدة ٧٧ ٣ - كتاب العلم / باب (١٣) يفضل في قسمة ما أوحى الله إليه أحداً من أمته على أحد، بل سوَّى في البلاغ وعدل في القسمة، وإنما التفاوت في الفهم وهو واقع من طريق العطاء، ولقد كان بعض الصحابة، رضي الله عنهم، يسمع الحديث فلا يفهم منه إلاّ الظاهر الجلي، ويسمعه آخر منهم، أو من بعدهم، فيستنبط منه مسائل كثيرة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وقال الشيخ قطب الدين في شرحه: (إنما أنا قاسم))، يعني: أنه لم يستأثر بشيء من مال الله، وقال النبي، عليه الصلاة والسلام: (ما لي بما أفاء الله عليكم إلاّ الخمس، وهو مردود عليكم)). وإنما قال: ((أنا قاسم)) تطييباً لنفوسهم لمفاضلته في العطاء، فالمال الله والعباد لله وأنا قاسم بإذن الله ماله بين عباده. قلت: بين الكلامين بونٌّ، لأن الكلام الأول يشعر القسمة في تبليغ الوحي وبيان الشريعة، وهذا الكلام صريح في قسمة المال. ولكل منهما وجه. أما الأول: فإن نظر صاحبه إلى سياق الكلام فإنه أخبر فيه أن من أراد الله به خيراً يفقهه في الدين، أي: في دين الإسلام. قال الله تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ [آل عمران: ١٩] وقيل: الفقه في الدين الفقه في القواعد الخمس، ويتصل الكلام عليها في الأحكام الشرعية، ثم لما كان فقههم متفاوتاً لتفاوت الأفهام أشار إليه النبي عَ لِّ بقوله: ((إنما أنا قاسم)). يعني هذا التفاوت ليس مني، وإنما الذي هو مني هو القسمة بينكم يعني: تبليغ الوحي إليهم من غير تخصيص بأحد، والتفاوت في أفهامهم من الله تعالى، لأنه هو المعطي، يعطي الناس على قدر ما تعلقت به إرادته، لأن ذلك فضل منه يؤتيه من يشاء. وأما الثاني: فإن نظر صاحبه إلى ظاهر الكلام، لأن القسمة حقيقة تكون في الأموال، ولكن يتوجه هنا السؤال عن وجه مناسبة هذا الكلام لما قبله، ويمكن أن یجاب عنه بأن مورد الحديث كان وقت قسمة المال حين خصص، عليه السلام، بعضهم بالزيادة لحكمة اقتضت ذلك، وخفيت عليهم، حتى تعرض منهم بأن هذه قسمة فيها تخصيص لناس، فرد عليهم النبي، عليه الصلاة والسلام، وبقوله: ((من يرد الله به)) إلى آخره ... ، يعني: من أراد الله به خيراً يوفقه ويزيد له في فهمه في أمور الشرع، ولا يتعرض لأمر ليس على وفق خاطره، إذ الأمر كله لله، وهو الذي يعطي ويمنع، وهو الذي يزيد وينقص، والنبي، عليه الصلاة والسلام، قاسم وليس بمعط حتى ينسب إليه الزيادة والنقصان، وعن هذا فسر أصحاب الكلام الثاني قوله عليه الصلاة والسلام: ((والله يعطي) بقولهم: أي: من قسمت له كثيراً فبقدر الله تعالى، وما سبق له في الكتاب، وكذا من قسمت له قليلاً فلا يزداد لأحد في رزقه، كما لا يزداد في أجله. وقال الداودي: في قوله: ((إنما أنا قاسم والله يعطي))، دليل على أنه إنما يعطي بالوحي، ثم قال في آخر كلامه: إن شأن أمته القيام على أمر الله إلى يوم القيامة، وهم الذين أراد الله بهم خيراً، حتى فقهوا في الدين، ونصروا الحق ولم يخافوا ممن خالفهم، ولا أكثر ثوابهم: ﴿أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون﴾ [المجادلة: ٢٢] . ٠٥٥٠ ـ جـ. جود i قوله: ((والله يعطي) فيه تقديم لفظة الله لإفادة التقوية عند السكاكي، ولا يحتمل . جوة ٧٨ ٣ _ كتاب العلم / باب (١٤) التخصيص أي: الله يعطي لا محالة، وأما عند الزمخشري فيحتمله أيضاً، وحينئذٍ يكون معناه: الله يعطي لا غيره. فإن قلت: إذا كانت هذه الجملة حالية، أعني قوله: ((والله يعطي))، فما يكون معنى الحصر حينئذ؟ قلت: الحصر بإنما دائماً في الجزء الأخير فيكون معناه: ما أنا بقاسم إلاّ في حال إعطاء الله لا في حال غيره، وفيه حذف المفعول أعني: مفعول يعطي، لأنه جعله كاللازم إعلاماً بأن المقصود منه بيان اتخاذ هذه الحقيقة، أي: حقيقة الإعطاء لا بيان المفعول، أي المعطي. قوله: ((ولن تزال)) ... الخ، أراد به أن أمته آخر الأمم، وأن عليها تقوم الساعة، وإن ظهرت أشراطها وضعف الدين فلا بد أن يبقى من أمته من يقوم به، فإن قيل: قال، عليه السلام: ((لا تقوم الساعة حتى لا يقول أحد الله))، وقال أيضاً: ((لا تقوم الساعة إلاَّ على شرار الخلق)). قلنا: هذه الأحاديث لفظها العموم والمراد منها الخصوص، فمعناه: لا تقوم على أحد يوحد الله تعالى إلاَّ بموضع كذا، إذ لا يجوز أن تكون الطائفة القائمة بالحق توحد الله هي شرار الخلق، وقد جاء ذلك مبيناً في حديث أبي أمامة، رضي الله عنه. أنه، عَّله، قال: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم، قيل: وأين هم يا رسول الله؟ قال: ببيت المقدس، أو أكناف بيت المقدس)). وقال النووي: لا مخالفة بين الأحاديث، لأن المراد من أمر الله الريح اللينة التي تأتي قريب القيامة، فتأخذ روح كل مؤمن ومؤمنة، وهذا قبل القيامة. وأما الحديثان الأخيران فهما على ظاهرهما إذ ذلك عند القيامة. فإن قلت: من هؤلاء الطائفة؟ قلت: قال البخاري: هم أهل العلم. وقال الإمام أحمد: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم. وقال القاضي عياض: إنما أراد الإمام أحمد أهل السنة والجماعة. وقال النووي: يحتمل أن تكون هذه الطائفة مفرقة من أنواع المؤمنين، فمنهم مقاتلون ومنهم فقهاء ومنهم محدثون ومنهم زهاد إلى غير ذلك. بيان استنباط الأحكام: الأول: فيه دلالة على حجية الإجماع، لأن مفهومه أن الحق لا يعدو الأمة، وحديث: ((لا تجتمع أمتي على الضلالة))، ضعيف. الثاني: استدل به البعض على امتناع خلو العصر عن المجتهد. الثالث: فيه فضل العلماء على سائر الناس. الرابع: فيه فضل الفقه في الدين على سائر العلوم، وإنما ثبت فضله لأنه يقود إلى خشية الله تعالى والتزام طاعته. الخامس: فيه إخباره، عليه الصلاة السلام، بالمغيبات. وقد وقع ما أخبر به، ولله الحمد، فلم تزل هذه الطائفة من زمنه وهلم جراً، ولا تزول حتى يأتي أمر الله تعالى. ١٤ - باب الفَهمِ في العِلْمِ أي: هذا باب في بيان الفهم في العلم. قال الكرماني: قال الجوهري: فهمت الشيء، أي: علمته، فالفهم والعلم بمعنى واحد، فكيف يصح أن يقال: الفهم في العلم؟ ثم أجاب بقوله: المراد من العلم المعلوم، فكأنه قال: باب إدراك المعلومات. قلت: تفسير الفهم بالعلم غير صحيح، لأن العلم عبارة عن الإدراك الكلي، والفهم جودة الذهن، والذهن قوة تقتنص الصور والمعاني، وتشمل الإدراكات العقلية والحسية. وقال الليث: يقال: فهمت الشيء، ٧٩ ٣ - كتاب العلم / باب (١٤) أي: عقلته وعرفته، ويقال: فهم وفهم، بتسكين الهاء وفتحها، وهذا قد فسر الفهم بالمعرفة، وهو غير العلم. فإن قلت: ما وجه المناسبة بين البابين؟ قلت: من حيث إن الفهم في العلم داخل في قوله، عليه الصلاة والسلام: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)). وقد مر أن الفقه هو الفهم. فافهم. ٧٢/١٤ - حدّثنا عَلِيٌّ حدّثنا سُفْيانُ قال: قال لِي ابنُ أبي نَجِيحٍ: عن مُجاهدٍ قال: صَحِبْتُ ابنَ عُمَرَ إِلَى المَدِينَةِ فَلْم أسْمَعه يُحدِّثُ عن رسولِ اللهِ عَِّ إلاَّ حَدِيثاً واحِداً، قال: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ◌َلِ فَأَتِيَّ بِمُجمَّارٍ فقال: ((إنّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثلُها كَمثَلِ المُسْلِم))، فَأَرَدْتُ أن أقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ، فإذَا أنا أَصْغَرُ القَوْم، فَسَكَتُّ. قال النبي عَلَّهِ: ((هِيَ النَّخْلُّةُ)). [أنظر الحديث ٦١ وأطرافه]. مطابقة الحديث للترجمة من حيث إن قول النبي عَّ له: ((إن من الشجر)) ... الحديث، كان على سبيل الاستعلام منهم، وأن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، فهم ذلك العلم، ولكنه منعه عن الإبداء حياؤه وصغره. بيان رجاله: وهم خمسة: الأول: علي بن عبد اللَّه بن جعفر بن نجيح، بفتح النون وكسر الجيم وبالحاء المهملة، السعدي، مولاهم أبو الحسن المديني الإمام المبرز في هذا الشأن. وقال البخاري: ما استصغرت نفسي عند أحد قط إلاّ عند ابن المديني. وقال: علي خير من عشرة آلاف مثل الشاذكوني. وقال عبد الرحمن: علي أعلم الناس بحديث رسول الله، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، خاصة. وقال السمعاني وغيره: كان أعلم أهل زمانه بحديث رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، وعنه قال: تركت من حديثي مائة ألف حديث، منها ثلاثون ألفاً لعباد بن صهيب. وقال الأعين: رأيت علي بن المديني مستلقياً، وأحمد بن حنبل عن يمينه، ويحيى بن معين عن يساره، وهو يملي عليهما. روى عنه أحمد وإسماعيل القاضي والذهلي وأبو حاتم والبخاري وغيرهم، وروى أبو داود والترمذي عن رجل عنه، ولم يخرج له مسلم شيئاً، أخرج البخاري عنه عن ابن عيينة وابن علية وعن القطان ومروان بن معاوية وغيرهم، ولد سنة إحدى وستين ومائة بسامرا، وقال البخاري: مات بالعسكر لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة أربع وثلاثين ومائتين. الثاني: سفيان بن عيينة، وقد تقدم. الثالث: عبد اللَّه بن يسار، وكنية يسار: أبو نجيح، مولى الأخنس بن شريق. قال يحيى القطان: كان قدرياً. وقال أبو زرعة: مكي ثقة، يقال فيه: يرى القدر صالح الحديث. وقال علي: سمعت يحيى يقول: ابن أبي نجيح من رؤساء الدعاة، أخرج البخاري في العلم .والجنائز، وفي غير موضعٍ عن شعبة والثوري وابن عيينة وإبراهيم بن نافع وابن علية عنه عن عطاء، ومجاهد وعبد الله بن كثير، وعن أبيه عن مسلم، ولم يخرج البخاري لأبيه شيئاً، توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة. الرابع: مجاهد بن جبر، بفتح الجيم وسكون الباء الموحدة، وقيل: جبير، أبو الحجاج المخزومي، مولى عبد الله بن السائب من الطبقة الثانية من تابعي أهل مكة وفقهائها، إمام متفق على جلالته وإمامته وتوثيقه، وهو إمام في الفقه والتفسير ٠ جدة i. ٨٠ ٣ - كتاب العلم / باب (١٤) والحديث، روى عن ابن عباس وجابر وأبي هريرة، وأخرج ه البخاري في باب: إثم من قتل معاهداً بغير جرم، عن الحسن بن عمر، وعنه عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً: ((من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة)). وهو مرسل. كما قال الدارقطني: مجاهد لم يسمع من عبد الله بن عمرو بن العاص، وإنما سمعه من جنادة بن أبي أمية عن ابن عمرو، وكذلك رواه مروان عن الحسن بن عمرو عنه، وأنكر شعبة وابن أبي حاتم سماعه من عائشة، وكذا ابن معين: لكن حديثه عنها في (الصحيحين)، وقال مجاهد: قال لي ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما: وددت أن نافعاً يحفظ كحفظك. وقال يحيى القطان: مرسلات مجاهد أحب إلي من مرسلات عطاء. وقال مجاهد: عرضت القرآن على ابن عباس، رضي الله عنهما، ثلاثين مرة. مات سنة مائة، وقيل: اثنتين، وقيل: ثلاث، وقيل: أربع عن ثلاث وثمانين سنة، وقد رأى هاروت وماروت وكاد يتلف، وليس في الكتب الستة: مجاهد بن جبر، غير هذا. وفي مسلم والأربعة: مجاهد بن موسى الخوارزمي، شيخ ابن عيينة، وفي الأربعة: مجاهد بن وردان عن عروة. الخامس: عبد اللَّه ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما. بيان الأنساب: السعدي: في قبائل، ففي قيس غيلان: سعد بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة، بن حفصة بن قيس غيلان. وفي كنانة: سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناف، وفي أسد بن خزيمة: سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد، وفي مراد: سعد بن غطيف ابن عبد اللَّه بن ناجية بن مراد، وفي طيء: سعد بن نبهان بن عمرو بن الغوث بن طي، وفي تميم: سعد بن زيد مناة بن تميم، وفي خولان قضاعة: سعد بن خولان، وفي جذام: سعد بن إياس ابن حرام بن حزام، وفي خثعم: سعد بن مالك. المديني: بإثبات الياء آخر الحروف، نسبة إلى المدينة. وكان أصله من المدينة ونزل البصرة، وقال السمعاني: والأصل فيمن ينسب إلى مدينة النبي عَّ له أن يقال فيه: مدني: بحذف الياء، وإلى غيرها بإثبات الياء، واستثنوا هذه، فقالوا: المديني ياثبات الياء. المخزومي: نسبة إلى مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي ابن غالب بن فهر، وهو في قريش، وفي عبس أيضاً: مخزوم بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس. بيان لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث والعنعنة والسماع. ومنها: أن رواته ما بين بصري ومكي وكوفي. ومنها: أن فيه سفيان، قال: قال لي ابن نجيح، ولم يقل: حدثني، وفي (مسند الحميدي) عن سفيان: حدثني ابن أبي نجيح. وقال الكرماني: روى عن مجاهد معنعنا، وعن ابن أبي نجيح بلفظ: قال، والبخاري لا يذكر المعنعن إلاّ إذا ثبت السماع، ولا يكتفي بمجرد إمكان السماع، كما اكتفى به مسلم، فالمعنعن إذا لم يكن من المدلس كان أعلى درجة من: قال، لأن: قال: إنما تذكر عند المجاورة، لا على سبيل النقل والتحميل، ثم في لفظة: لي، إشارة إلى أنه جاور معه وحده. وقال البخاري: كلما قلت: قال لي فلان، فهو عرض ومناولة، فما روي عن سفيان يحتمل أن يكون عرضاً لسفيان أيضاً. وبقية ما فيه من الكلام من تعدد موضعه. ومن أخرجه، ولغاته، وإعرابه ومعانيه، قد ٣٠.