Indexed OCR Text

Pages 21-40

١٣٠
٢٠
٣ - كتاب العلم / باب (٤)
وصوغه بالجملة الإسمية. قوله: ((لا يسقط ورقها)) صفة سلبية تبين أن موصوفها مختص بها
دون غيره.
قوله: ((وإنها مثل المسلم) كذلك مخرج على خلاف مقتضى الظاهر، كما ذكرنا.
قوله: ((فوقع الناس في شجر البوادي)) أي: ذهبت أفكارهم إلى شجر البوادي وذهلوا عن
النخلة، فجعل كل منهم يفسرها بنوع من الأنواع، يقال: وقع الطائر على الشجرة. إذا نزل
عليها. قوله: ((قال عبد اللَّه)) أي: عبد اللَّه به عمر، رضي الله عنهما، قوله: ((فاستحييت)) زاد
في رواية مجاهد، في: باب الفهم في العلم: ((فأردت أن أقول: هي النخلة، فإذا أنا أصغر
القوم)). وله في الأطعمة: ((فإذا أنا عاشر عشرة أنا أحدثهم)). وفي رواية نافع: ((ورأيت أبا بكر
وعمر لا يتكلمان، فكرهت أن أتكلم)). وفي رواية مالك عن عبد اللَّه بن دينار عند البخاري،
في باب الحياء في العلم، قال عبد اللَّه: ((فحدثت أبي بما وقع في (نفسي)، فقال: لئن كنت
قلتها أحب إلي من أن يكون لي كذا وكذا)). زاد ابن حبان في (صحيحه): ((أحسبه قال: حمر
النعم)).
بيان البيان: قوله: ((مثل المسلم))، بفتح الميم والثاء معاً في رواية الأصيلي وكريمة،
وفي رواية أبي ذر: مثل، بكسر الميم وسكون الثاء. قال الجوهري: مثل، كلمة تسوية. يقال:
هذا مثله ومثيله. كما يقال: شبهه وشبيهه، بمعنى. وقال الزمخشري: المثل، في أصل كلامهم
بمعنى المثل، يقال: مثل ومثل ومثيل كشبه وشبه وشبيه، ثم قيل للقول السائر الممثل مضربه
بمورده: مثل، ولم يضربوا مثلاً ولا رأوه أهلاً للتسيير، ولا جديراً بالتداول والقبول إلاَّ قولاً فيه
غرابة من بعض الوجوه. قلت: لضرب المثل شأن في إبراز خبيئات المعاني، ورفع الأستار عن
الحقائق، فإن الأمثال تري المخيل في صورة المحقق، والمتوهم في معرض المتيقن،
والغائب كأنه مشاهد، ولا يضرب مثل إلاَّ قول فيه غرابة، فإن قلت: ما المورد وما
المضرب؟ قلت: المورد: الصورة التي ورد فيها ذلك القول، والمضرب هي الصورة التي
شبهت بها. ثم اعلم أن المثل له مفهوم لغوي، وهو النظير. ومفهوم عرفي، وهو القول السائر،
ومعنى مجازي وهو الحال الغريبة، واستعير المثل هنا كاستعارة الأسد للمقدام، للحال
العجيبية أو الصفة الغريبة، كأنه قيل: حال المسلم العجيب الشأن كحال النخلة، أو: صفة
المسلم الغريبة كصفة النخلة، فالمسلم هو المشبه، والنخلة هو المشبه بها، وأما وجه الشبه
فقد اختلفوا فيه، فقال بعضهم: هو كثرة خيرها ودوام ظلها وطيب ثمرها ووجودها على
الدوام، فإنه من حين يطلع ثمرها لا يزال يؤكل منه حتى ييبس، وبعد أن ييبس يتخذ منها
منافع كثيرة، من خشبها وورقها وأغصانها، فيستعمل جذوعاً وحطباً وعصياً ومحاضر وحصراً
وحبالاً وأواني، وغير ذلك مما ينتفع به من أجزائها، ثم آخرها نواها ينتفع به، علفاً للإبل
وغيره، ثم جمال نباتها وحسن ثمرتها وهي كلها منافع، وخير وجمال، وكذلك المؤمن خير
كله من كثرة طاعاته ومكارم أخلاقه ومواظبته على صلاته وصيامه وذكره والصدقة وسائر
الطاعات، هذا هو الصحيح في وجه الشبه. وقال بعضهم: وجه التشبيه أن النخلة إذا قطعت
i
i
i
( جم۔
عجوة

٢٢
٣ - كتاب العلم / باب (٤)
رأسها ماتت بخلاف باقي الشجر، وقال بعضهم: لأنها لا تحمل حتى تلقح، وقال بعضهم:
لأنها تموت إذا مزقت أو فسد ما هو كالقلب لها. وقال بعضهم: لأن لطلعها رائحة المني،
وقال بعضهم: لأنها تعشق كالإنسان، وهذه الأقوال كلها ضعيفة من حيث إن التشبيه إنما وقع
بالمسلم، وهذه المعاني تشمل المسلم والكافر. قوله: ((حدثنا)) صورة أمر ولكن المراد منه
الطلب والسؤال، وقد علم أن الأمر إذا كان بالعلو والاستعلاء، يكون حقيقة في بابه، وإذا
كان لمساويه يكون التماساً، وإذا كان لأعلى منه يكون طلباً وسؤالاً. فافهم.
بيان استنباط الأحكام: الأول: فيه استحباب إلقاء العالم المسألة على أصحابه ليختبر
أفهامهم، ويرغبهم في الفكر. الثاني: فيه توقير الكبار وترك التكلم عندهم، وقد بوب عليه
البخاري باباً، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. الثالث: فيه استحباب الحياء ما لم يؤد إلى
تفویت مصلحة، ولهذا تمنی عمر، رضي الله عنه، أن یکون ابنه لم یسکت. الرابع: فيه جواز
اللغز مع بيانه. فإن قلت: روى أبو داود من حديث معاوية عن النبي عَّهِ: ((أنه نهى عن
الأغلوطات))، قال الأوزاعي، أحد رواته: هي صعاب المسائل. قلت: هو محمول على ما إذا
أخرج على سبيل تعنيت المسؤول أو تعجيزه أو تخجيله ونحو ذلك. الخامس: فيه جواز
ضرب الأمثال والأشباه لزيادة الأفهام، وتصوير المعاني في الذهن، وتحديد الفكر، والنظر في
حكم الحادثة. السادس: فيه تلويح إلى أن التشبيه لا عموم له، ولا يلزم أن يكون المشبه مثل
المشبه به في جميع الوجوه. السابع: فيه أن العالم الكبير قد يخفى عليه بعض ما يدركه من
هو دونه، لأن العلم منح إلهية ومواهب رحمانية، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء. الثامن:
فيه دلالة على فضيلة النخل. قال المفسرون: ﴿ضرب الله مثلاً كلمة طيبة﴾ [إبراهيم: ٢٤]
لا إله إلا الله، ﴿كشجرة طيبة﴾ [إبراهيم: ٢٤] هي: النخلة ﴿أصلها ثابت﴾ [إبراهيم: ٢٤]
في الأرض، ﴿وفرعها في السماء﴾ [إبراهيم: ٢٤] أي: رأسها ﴿تؤتي أكلها كل﴾ [إبراهيم:
٢٥] وقت.
شبه الله الإيمان بالنخلة لثبات الإيمان في قلب المؤمن، كثبات النخلة في منبتها،
وشبه ارتفاع عمله إلى السماء بارتفاع فروع النخلة، وما يكتسبه المؤمن من بركة الإيمان
وثوابه في كل وقت وزمان بما ينال من ثمر النخلة أوقات السنة كلها من الرطب والتمر، وقد
ورد ذلك صريحاً فيما رواه البزار من طريق موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال: ((قرأ
رسول الله عَّةٍ ... فذكر هذه الآية فقال: أتدرون ما هي؟ قال ابن عمر: لم يخف علي أنها
النخلة، فمنعني أن أتكلم لمكان سني، فقال رسول الله عليه السلام: هي النخلة)). وروى ابن
حبان من رواية عبد العزيز بن مسلم عن عبد اللَّه بن دينار عن عبد الله بن عمر، رضي الله
عنهما، أن النبي عَ لِ قال: ((من يخبرني عن شجرة مثلها مثل المؤمن ﴿أصلها ثابت وفرعها
في السماء﴾ [إبراهيم: ٢٤]؟ فذكر الحديث، وروى البزار أيضاً من طريق سفيان بن حسين
عن أبي بشر عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله عَّله: ((مثل المؤمن مثل النخلة،
فما أتاك منها نفعك)). هكذا أورده مختصراً، وإسناده صحيح، وقال قال البزار: لم يرو هذا
،فقرة
..-.
٠٠٠,

٢٣
٣ - كتاب العلم / باب (٥)
الحديث عن النبي، عليه السلام، بهذا السياق إلاّ ابن عمر وحده، ولما ذكره الترمذي قال:
وفي الباب عن أبي هريرة. قلت: أخرجه عبد بن حميد في (تفسيره) بلفظ: مَثل المؤمن مثل
النخلةَ، وروى الترمذي أيضاً، والنسائي، وابن حبان من حديث أنس، رضي الله عنه، أن النبي
عَّ الِ: ((قرأ: ﴿مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة﴾ [إبراهيم: ٢٤]، قال: هي النخلة)). تفرد برفعه
حماد بن سلمة. وقال الكرماني: قيل: إن النخلة خلقت من بقية طينة آدم، عليه السلام، فهي
کالعمة للأناسي. قلت: روي فيه حديث مرفوع، ولكنه لم يثبت.
٥ - باب طرحِ الإِمَامِ المَسْألَةَ عَلى أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْمِ
٦٢/٤ - حدثنا خَالِدُ بنُ مَخْلَدٍ حدّثنا سُلَيْمانُ حدّثنا عَبْدُ اللَّه بنُ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ
عَن النبيِّ عَّله قال: (إِنّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لاَ يَشْقُطُ ورَقُهَا، وإِنَّهَا مَثَلُ المُسلِمِ حَدِّثونِي مَا
هِي) قَال: فَوقعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي. قال عَبْدُاللَّه:
فَوَقَعِ فِي نَفْسي أنَّهَا النَّخْلَةُ. ثُمَّ قالوا حدِّثنا مَا هِيَ يا رسول الله! قال: ((هِيَ النَّخْلَةُ)). [ انظر
الحديث: ٦١ وأطرافه].
أي: هذا باب في بيان إلقاء الإمام المسألة على أصحابه ليختبر أي: ليمتحن، من
الاختبار وهو الامتحان. وكلمة: من، في العلم بيانية. والمناسبة بين البابين ظاهرة، فإن
الحديث فيهما واحد عن صحابي واحد، غير أن الاختلاف في الترجمة، فلذلك أعاد
الحدیث.
وأما التفاوت في نفس متن الحديث فشيء يسير، وهو وجود الفاء في: فحدثوني، في
الباب الأول، وههنا بلا فاء. على أن في بعض النسخ كلاهما بالفاء. فإن قلت: ما الفرق بين
الذي بالفاء وبين الذي بغيرها؟ قلت: الأصل عدم الفاء لعدم الجهة الجامعة بين الجملتين
المتقضية للعطف. أما الأول: فهو الفاء التي وقعت جواباً لشرط محذوف، تقديره: إن
عرفتموها فحدثوني. فإن قلت: إذا كانت إعادة الحديث لأجل استفادة الترجمة التي عقد
الباب لها منه، فما الفائدة في تغيير رجال الإسناد؟ قلت: قال الكرماني: المقامات مختلفة،
فرواية قتيبة للبخاري إنما كانت في مقام بيان معنى التحديث، ورواية خالد في مقام بيان طرح
المسألة، فلهذا ذكر البخاري في كل موضع شيخه الذي روى الحديث له لذلك الأمر الذي
روى لأجله، مع ما فيه من التأكيد وغيره. قلت: فيه قائدة أخرى، وهو التنبيه على تعدد
مشايخه، واتساع روايته حتى إنه ربما أخرج حديثاً واحداً من شيوخ كثيرة.
ثم خالد بن مخالد، بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة، أبو الهيثم القطواني، بفتح
القاف والطاء، البجلي، مولاهم الكوفي. وقطوان موضع بالكوفة. روى عن مالك وسليمان بن
بلال وغيرهما. روى عنه إسحاق بن راهويه وابنا أبى شيبة ومحمد بن بندار والبخاري عن ابن
كرامة عنه، قال أحمد بن حنبل وأبو حاتم: له أحاديث مناكير. وقال يحيى بن معين: ما به
i
١

٢٤
٤
.م.
٣ - كتاب العلم / باب (٦)
بأس. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه. وقال ابن عدي: هو من المكثرين في محدثي الكوفة،
وهو عندي، إن شاء الله، لا بأس به. وروى البقية غير أبي داود عن رجل عنه، مات في
المحرم سنة ثلاث عشرة ومائتين، وسليمان هذا هو ابن بلال أبو محمد، ويقال أبو أيوب
التيمي القرشي المدني، مولى عبد اللَّه بن أبي عتيق واسمه محمد بن عبد الرحمن ابن أبي
بكر الصديق، كان بربرياً جميلاً حسن الهيئة عاقلاً مفتياً، ولي خراج المدينة، وتوفي بها سنة
اثنتين وسبعين ومائة في خلافة هارون الرشيد. وقال أحمد: لا بأس به ثقة. وعن يحيى بن
معين: ثقة صالح، روى له الجماعة.
٦ - بابٌ القِرَاءَةُ والعَرْضُ عَلَى المُحَدِّثِ
أي: هذا باب في بيان حكم القراءة والعرض على المحدث. قوله: ((على المحدث))
يتعلق بالقراءة والعرض كليهما، فهو من باب تنازع العاملين على معمول واحد.
١٠
وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول هو قراءة الشيخ،
والمذكور في هذا الباب هو القراءة على الشيخ والسماع عليه، وهذه مناسبة قوية، وقال
الشيخ قطب الدين، لما ذكر البخاري في الباب الأول قراءة الشيخ، وهو قوله: باب قول
المحدث: حدثنا وأخبرنا وأنبأنا، عقب بهذا الباب، فذكر القراءة على الشيخ والسماع عليه،
فقال: باب القراءة والعرض على المحدث، وكان من حقه أن يقدم هذا الباب على: باب
قول المحدث: حدثنا وأنبأنا، لأن قول المحدث: حدثنا وأنبأنا فرع عن تحمله، هل كان
بالقراءة أو بالعرض، أو يقول: باب قراءة الشيخ، ثم يقول: باب القراءة على المحدث. قلت:
كلامه مشعر ببيان المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبل الباب السابق على هذا الباب،
وهو: باب قول المحدث: حدثنا وأخبرنا. وحق المناسبة هو الذي يكون بين البابين
المتواليين، كما ذكرناه الآن، وقوله: وكان من حقه ... إلخ، ليس كذلك، بل الذي رتبه هو
الحق، لأنا قد قلنا: إن المذكور في الباب السابق هو قراءة الشيخ، وفي هذا الباب القراءة
على الشيخ، وقراءة الشيخ أقوى، والأقوى يستحق التقديم.
فإن قلت: ما مقصود البخاري من وضع هذا الباب المترجم بالترجمة المذكورة؟
قلت: أراد به الرد على طائفة لا يعتدون إلاّ بما يسمع من ألفاظ المشايخ دون ما يقرأ له
عليهم، ولهذا قال عقيب الباب: ورأى الحسن والثوري ومالك القراءة جائزة ... إلخ.
فإن قلت: ما الفرق بين مفهومي القراءة والعرض؟ قلت: المفهوم من كلام الكرماني أن
بينهما مساواة، لأنه قال: المراد بالعرض هو عرض القراءة بقرينة ما يذكر بعد الترجمة، ثم
قال: فإن قلت: فعلى هذا التقدير لا يصح عطف العرض على القراءة لأنه نفسها. قلت:
العرض تفسير القراءة، ومثله يسمى بالعطف التفسيري، وقال بعضهم: إنما غاير بينهما بالعطف
لما بينهما من العموم والخصوص، لأن الطالب إذا قرأ كان أعم من العرض ومن غيره، ولا
يقع العرض إلاّ بالقراءة، لأن العرض عبارة عما يعارض به الطالب أصل شيخه معه أو مع غيره
٠ جدة

٠٩٣٥
٠٣٥٠
٢٥
٣ - كتاب العلم / باب (٦)
بحضرته، فهو أخص من القراءة. قلت: هذا كلام مخبط لأنه تارة جعل القراءة أعم من
العرض، وتارة جعلها مساوية له، لأن قوله: لأن الطالب إذا قرأ كان أعم من العرض ومن غيره،
مشعر بأن بين القراءة والعرض عموماً وخصوصاً مطلقاً لاستلزام صدق أحدهما صدق الآخر،
كالإنسان والحيوان،، وقوله: ولا يقع العرض إلاَّ بالقراءة، مشعر بأن بينهما مساواة، لأنهما
متلازمان في الصدق كالإنسان والناطق، والتحقيق في هذا الموضع أن العرض بالمعنى
الأخص مساوٍ للقراءة، وبالمعنى الأعم يكون بينهما عموم وخصوص مطلق لاستلزام صدق
أحدهما صدق الآخر، والمستلزم أخص مطلقاً، واللازم أعم، فالقراءة بمنزلة الإنسان، والعرض
بمنزلة الحيوان. وإنما قلنا: إن العرض له معنيان لأنه لا يخلو إما أن يكون بقراءة أو لا، فالأول:
يسمى عرض قراءة. والثاني: عرض مناولة، وهو أن يجيء الطالب إلى الشيخ بكتاب فيعرضه
عليه، فيتأمل الشيخ وهو عارف متيقظ، ثم يعيده إليه ويقول له: وقفت على ما فيه، وهو
حديثي عن فلان، فأجزت روايته عني، ونحوه.
وَوَأَى الحَسَنُ والثَّوْرِيُّ ومالكُ القِرَاءَةَ جائزِةٌ.
أي: رأى الحسن البصري، وسفيان الثوري، والإمام مالك القراءة على المحدث جائزة
في صحة النقل عنه، فذكر عنهم أولاً معلقاً، ثم أسند عنهم على ما يأتي عن قريب، إن شاء
الله تعالى، وهذا كلام مستأنف غير داخل في الترجمة، وجوز الكرماني أن يكون داخلاً في
الترجمة بتأويل الفعل الماضي بالمصدر، أي: باب القراءة ورأى الحسن البصري، وهذا بعيد.
واخْتَجْ بَعْضُهُم فِي القَراءَةِ عَلَى العَالِمِ بِحَدِيثٍ ضِمَامٍ بِنِ ثَعْلَبَةً قال للنَّبِي عَ لّهِ: آلله
أمَرَكَ أَنْ نُصَلِّي الصَّلَوَاتِ؟ قالَ: ((نَعَمْ)) قال: فَهذِهِ قِرَاءَةٌ عَلَى النّبِيِّ عَ لَّهِ أَخْبَرَ ضِمَامٌ قَوْمَهُ
بِذلِكَ فَأَجَازُوهُ.
أراد: بالبعض، هذا، شيخه الحميدي، فإنه احتج في جواز القراءة على المحدث في
صحة النقل عنه بحديث ضمام بن ثعلبة، فإنه قدم على النبي، عليه الصلاة والسلام، وسأله
عن الإسلام، ثم رجع إلى قومه فأخبرهم به، فأسلموا. وقوله: ((آلله أمرك)) بهمزة الاستفهام في
لفظة: ((آلله))، وارتفاعه بالابتداء. وقوله: ((أمرك)) جملة خبره، قوله: ((أن نصلي الصلاة))
أي: بأن نصلي، والباء، مقدرة فيه، ونصلي: إما بتاء الخطاب أو بنون الجمع المصدرة على
ما يأتي بيانه عن قريب إن شاء الله تعالى. قوله: (قال: نعم)) أي قال النبي عَ له: ((نعم الله أمرنا
بأن نصلي)). قوله: ((فهذه قراءة)) أي: قال البعض الذي احتج في القراءة على العالم بحديث
ضمام: هذه قراءة على النبي عَّ ه، وقال الكرماني: أي قال البعض المحتج، وهو الحسن
والثوري ونحوهما، وليس كذلك، فإن المراد بالبعض هو الحميدي كما ذكرنا.
فإن قلت: يحتمل أن يكون هذا المحتج بعض المذكورين. أعني: الحسن والثوري
ومالكاً. قلت: لا يمنع من ذلك، ولكن حق العبارة على هذا أن يقال: قال البعض المحتج من
هؤلاء المذكورين، لا كما يقوله الكرماني. قوله: ((قراءة على النبي)) هكذا هو في غالب
٠ جدة
FML
i
i

٢٦
٣ - كتاب العلم / باب (٦)
النسخ بإظهار كلمة: على، التي للاستعلاء، وفي بعضها: قراءة النبي، فإن صحت تكون
الإضافة فيه للمفعول، ويقدر على: فيه، قوله: ((فأجازوه))، أي: قبلوا منه، وليس المراد الإجازة
المصطلحة بين أهل الحديث، والضمير المرفوع فيه يرجع إلى قوم ضمام، وجوز الكرماني:
أن يرجع الضمير إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وصحابته، وهذا بعيد، سيما من حيث
المرجع. لا يقال: إجازة قومه لا حجة فيه لأنهم كفرة، لأنا نقول: المراد الإجازة بعد
الإسلام، أو كان فيهم مسلمون يومئذٍ. فإن قلت: قوله: أخبر قومه بذلك، ليس في الحديث
الذي ساقه البخاري، فكيف يحتج به؟ قلت: إن لم يقع في هذا الطريق فقد وقع في طريق
آخر، ذكره أحمد وغيره من طريق ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن الوليد عن كريب عن
ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: ((بعث بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة)) ... فذكر الحديث
بطوله، وفي آخره: إن ضماماً قال لقومه عندما رجع إليهم: ((إن الله قد بعث رسولاً، وأنزل
الله عليه كتاباً وقد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه. قال: فوالله ما أمسى في ذلك
اليوم وفي حاضرته رجل ولا امرأة إلاَّ مسلماً».
واخْتَجْ مالِكٌ بالصَّكُّ يُقْرَأُ على القَوْمِ فِيَقُولُونَ: أَشْهْدَنَا فُلاَنُ، وَيُقْرَأُ ذَلِكَ قِراءَةً عَلَيْهِمْ،
ويُقْرَأُ على المُقْرِىءٍ فَيَقُولُ القَارِىءُ: أَقْرَأَنِي فُلانٌ.
١
أراد بالصك: المكتوب الذي يكتب فيه إقرار المقر. قال الجوهري: الصك: الكتاب،
وهو فارسي معرب، والجمع صكاك وصكوك، وفي (العباب) وهو بالفارسية: صك، والجمع:
أصك وصكاك وصكوك، وليلة الصك: ليلة البراءة، وهي ليلة النصف من شعبان، لأنه يكتب
فيها من صكاك الأوراق. قوله: ((يقرأ) بضم الياء فيه، وكذلك في: ويقرأ، الثاني. قوله:
((فلان))، منون، وفي بعضها بعد فلان: وإنما ذلك قراءة عليهم، وقال ابن بطال: وهذه حجة
قاطعة، لأن الإشهاد أقوى حالات الإخبار، وأما قياس مالك قراءة الحديث على قراءة القرآن
فرواه الخطيب في (الكتابة) من طريق ابن وهب، قال: سمعت مالكاً، وسئل عن الكتب التي
تعرض عليه: أيقول الرجل: حدثني؟ قال: نعم، كذلك القرآن، أليس الرجل يقرؤ على الرجل
فيقول، أقرأني فلان، فكذلك إذا قرىء على العالم صح أن يروى عنه، وروى الحاكم
في (علوم الحديث) عن طريق مطرف، قال: صحبت مالكاً سبع عشرة سنة فما رأيت قرأ
(الموطأ) على أحد، يقرأون عليه. قال: وسمعته يأبى أشد الإباء على من يقول: لا يجزيه إلاّ
السماع من لفظ الشيخ، ويقول: كيف لا يجزيك هذا في الحديث، ويجزيك في القرآن،
والقرآن أعظم؟
حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ سَلاَمِ حدّثنا محمدُ بنُ الحَسَنِ الوَاسِطِيُّ عن عوفٍ عَنِ الحَسَن قال:
لاَ بأسَ بالقِراءَةِ على العالِمِ.
هذا إسناده فيما ذكره عن الحسن أولاً معلقاً عن محمد بن سلام، بتخفيف اللام على
الأصح، البيكندي، عن محمد بن الحسن بن عمران المزني، قاضي واسط، أخرج له

، ص٣ ١
٢٧
٣ - كتاب العلم / باب (٦)
البخاري هذا الأثر سا خاصة، وثقه ابن معين: وقال أبو زرعة وأبو حاتم وأحمد: ليس به بأس،
توفي سنة تسع وثمانين ومائة، وهو يروي عن عوف بن أبي جميلة المعروف بالأعرابي عن
الحسن البصري، وروى الخطيب هذا الأثر بأتم سياقاً منه من طريق أحمد بن حنبل عن
محمد بن الحسن الواسطي عن عوف الأعرابي: أن رجلاً سأل الحسن، فقال: يا أبا سعيد،
منزلي بعيد والاختلاف يشق علي، فإن لم تكن ترى بأساً قرأت عليك. قال: ما أبالي قرأت
عليك أو قرأت علي. قال: فأقول: حدثني الحسن؟ قال: نعم، قل: حدثني الحسن. قوله: ((لا
بأس))، أي: في صحة النقل عن المحدث بالقراءة على العالم أي الشيخ، وقوله: ((على العالم))
ليس خبراً لقوله: لا بأس، بل هو متعلق بالقراءة.
حدثنا عُبَيْدُ اللَّه بنُ مُوسَى عنْ سُفْيانَ قال: إِذا قُرِىءٍ على المُحَدِّثِ فَلاَ بَأْسَ أن
تَقُولَ: حدّثني. قال: وسَمِعْتُ أبا عاصِمٍ يَقولُ: عنْ مالِكِ وسفيانَ: القِراءَةُ على العالِمِ وقرٍاءَتُهُ
سَواءٍ.
هذا إسناده فيما ذكره عن سفيان الثوري ومالك بن أنس أولاً معلقاً عن عبيد الله بن
موسى بن باذام العبسي، بالمهملتين، عن سفيان الثوري. قوله: ((فلا بأس))، أي على القارىء
أن يقول: ((حدثني))، كما جاز أن يقول: ((أخبرني))، فهو مشعر بأن لا تفاوت عنده بين حدثني
وأخبرني، وبين أن يقرأ على الشيخ أو يقرأه الشيخ عليه. قوله: ((قال)) أي البخاري، وسمعت
أبا عاصم، وهو الضحاك بن مخلد، بفتح الميم، ابن الضحاك بن مسلم بن رافع بن الأسود
ابن عمرو بن والان بن ثعلبة بن شيبان، البصري المشهور بالنبيل، بفتح النون وكسر الباء
الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره لام، لقب به لأنه قدم الفيل البصرة، فذهب
الناس ينظرون إليه فقال له ابن جرير: مالك لا تنظر؟ فقال: لا أجد منك عوضاً. فقال: أنت
نبيل، أو لقب به لكبر أنفه أو لأنه كان يلزم زفر، رحمه الله تعالى، وكان حسن الحال في
كسوته؟ وكان أبو عاصم آخر رث الحال ملازماً له، فجاء النبيل يوماً إلى بابه فقال الخادم
لزفر: أبو عاصم بالباب! فقال له: أيهما؟ فقال: ذلك النبيل. وقيل: لقبه المهدي، مات في
ذي الحجة سنة اثنتي عشرة ومائتين عن تسعين سنة وستة أشهر، وهذا الذي نقله أبو عاصم
عن مالك وسفيان هو مذهبه أيضاً فيما حكاه الرامهرمزي عنه، ثم اختلفوا بعد ذلك في
مساواتهما للسماع من لفظة الشيخ في الرتبة، أو دونه، أو فوقه على ثلاثة أقوال:
الأول: أنه أرجح من قراءة الشيخ وسماعه، قاله أبو حنيفة وابن أبي ذئب ومالك في
رواية، وآخرون. واستحب مالك القراءة على العالم، وذكر الدارقطني في (كتاب الرواة) عن
مالك أنه كان يذهب إلى أنها أثبت من قراءة العالم. الثاني: عكسه أن قراءة الشيخ بنفسه
أرجح من القراءة عليه، وهذا ما عليه الجمهور، وقيل: إنه مذهب جمهور أهل المشرق.
الثالث: أنهما سواء، وهو قول ابن أبي الزناد وجماعة، حكاه عنهم ابن سعد، وقيل: إنه
مذهب معظم علماء الحجاز والكوفة، وهو مذهب مالك وأتباعه من علماء المدينة، ومذهب
البخاري وغيرهم.
i
-موز
٠٠٠
٠٠٠١

٫٠٠٠
٢٨
٣ - كتاب العلم / باب (٦)
٦٣/٥ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قال: حدّثنا اللَّيثُ عن سَعِيدٍ هو المَقْبُرِيُّ عن
شَرِيكِ بن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي ◌ِخَرِ أنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بنَ مالِكِ يَقولُ: بَيْتَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيّ
عَِّ فِي المَسْجِدِ دَخَلَ رَجُلٌ على جَمَلٍ فَأَنَاخَهُ في المَسْجِدِ ثمٍ عَقَلَهُ ثم قَال لَهُمْ: أَيُّكُمْ
مُحَمَّدٌ؟ والنبيُّ عَّهِ مُتَّكِىءٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ. فَقُلْنا: هذا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ المُتَّكِىءُ. فقال لَهُ
الرَّجُلُ. ابنّ عبدِ المُطَّلِبٍ؟ فقالِ لَهُ النَّبِيُّعَ لَهِ: ((قَدْ أَجَبْتُك)) فقالِ الرَّجُلُ للَّبِيِّ عَلِّ: إِنّي
سائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي المَسْأَلَةِ فَلاَ تَجِدُ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ. فقال: ((سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ)) فقال:
أَسْأَلَكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَن قَبْلَكَ اللهِ أَرْسَلَكَ إلى الناسِ كُلِّهِمْ؟ فقال: ((اللَّهُمَّ نَعَمْ)) قال: أَنْشُدُكَ
بالله آلله أَمَرَكَ أن نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ في اليَوْمِ وِاللَّيْلَةِ؟ قال: ((اللَّهُمَّ نَعَم)). قال: أَنْشُدُكَ
بالله آلله أَمَرَكَ أَنْ نَصُومَ هِذا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ؟ قال: ((َاللَّهُمَّ نَعَمْ) قال: أَنْشُدُكَ بِاللهِ آلله أَمَرَكَ أنْ
تَأْخُذَ هذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنا فَتَقْسِمَها على فُقَرَائِنا؟ فقال النَّبِيُّ عَ لَّهِ: (اللَّهُمَّ نَعَمْ) فقال
الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ وأنا رَسُولُ مَنْ ورَائِي مِن قَوْمِي، وأنا ضِمَامُ بنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعدٍ
ابنِ بَکْرٍ.
لما ذكر احتجاج بعضهم في القراءة على العالم، لحديث ضمام بن ثعلبة، أخرجه
ههنا بتمامه.
بيان رجاله: وهم خمسة: الأول: عبد الله بن يوسف التنيسي، وقد مر. الثاني: الليث
ابن سعد المصري، وقد مر. الثالث: سعيد بن أبي سعيد المقبري، وقد مر. الرابع: شريك بن
عبد الله بن أبي نمر، بفتح النون وكسر الميم، القرشي، أبو عبد اللَّه المدني القرشي، وقال
الواقدي: الليثي، وقال غيره: الكناني؛ وجده أبو نمر شهد أحداً مع المشركين، ثم هداه الله
إلى الإسلام، سمع أنس بن مالك وسعيد بن المسيب وأبا سلمة بن عبد الرحمن وعطاء بن
يسار وغيرهم، روى عنه مالك وسعيد المقبري وإسماعيل بن جعفر وسليمان بن بلال
وغيرهم، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال يحيى بن معين: ليس به بأس، وقال
عدي: شريك رجل مشهور من أهل الحديث، حدث عنه الثقات، وحديثه إذا روى عنه ثقة
فلا بأس به، إلاّ أن يروي عنه ضعيف، روى له الجماعة إلاّ الترمذي، توفي سنة أربعين ومائة.
الخامس: أنس بن مالك، وقد مر.
بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة والسماع. ومنها: أن رواته ما بين
تنيسي ومصري ومدني. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي.
فإن قلت: هذا الحديث فيه اختلاف من وجهين: أحدهما: أن النسائي رواه من طريق
يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن الليث، قال: حدثنى محمد بن عجلان وغيره عن سعيد.
والثاني: أخرجه النسائي أيضاً، والبغوي من طريق الحارث بن عمر عن عبد اللَّه العمري عن
سعيد عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، وأخرج ابن منده من طريق الضحاك بن عثمان عن
سعيد المقبري عن أبي هريرة. قلت: أما الأول: فإنه يمكن أن يكون الليث قد سمع من سعيد
بواسطة، ثم لقيه فحدث به، ويؤيد ذلك رواية الإسماعيلي من طريق يونس بن محمد عن
'/

٢٩
٣ - كتاب العلم / باب (٦)
الليث: حدثني سعيد، وكذا رواية ابن منده من طريق ابن وهب عن الليث. وأما الثاني فلأن
الليث أثبتهم في سعيد.
بيان من أخرجه غيره: أخرجه أبو داود في (الصلاة) عن عيسى بن حماد عن الليث
نحوه، والنسائي في (الصوم) عن عيسى بن حماد به، وعن عبيد اللّه بن سعد بن إبراهيم بن
سعد، عن عمه يعقوب بن إبراهيم عن الليث: حدثني ابن عجلان وغيره، من أصحابنا، عن
سعيد المقبري، وأخرجه ابن ماجه في (الصلاة) عن عيسى بن حماد به.
بيان اللغات: قوله: ((على جمل)، وهو زوج الناقة، وتسكين الميم فيه لغة، ومنه قراءة
أبي السماك ﴿حتى يلج الجمل﴾ [الأعراف: ٤٠] بسكون الميم، والجمع: جمال وجمالة
وجمالات وجمائل وأجمال. قوله: ((فأناخه)) يقال: أنخت الجمل أبركته، ويقال أيضاً: أناخ
الجمل نفسه أي: برك. وقال ابن الأعرابي: لا يقال: أناخ ولا ناخ. قوله: ((ثم عقله))، بفتح
العين المهملة والقاف، قال الجوهري: عقلت البعير أعقله عقلاً، وهو أن يثني وظيفه مع ذراعه
ليشدهما جميعاً في وسط الذراع، والوظيف هو مستدق الساق والذراع من الإبل، والحبل
الذي يشد به هو العقال، والجمع عُقُل. قوله: ((متكىء))، مهموز، يقال: اتكأ على الشيء فهو
متكىء، والموضع متكأ، كله مهموز الآخر، وتوكأت على العصا، وكل من استوى على وطاء
فهو متكىء، وهذاالمعنى هو المراد في الحديث. قوله: ((بين ظهرانيهم))، بفتح الظاء والنون،
وفي (الفائق): يقال: أقام فلان بين ظهراني قومه، وبين ظهرانيهم، أي: بينهم، وأقحم لفظ،
الظهر، ليدل على أن إقامته بينهم على سبيل الاستظهار بهم، أي: منهم والإستناد إليهم،
وكان معنى التثنية فيه أن ظهراً منهم قدامه وآخر وراءه، فهو مكتوف من جانبيه، ثم كثر
استعماله في الإقامة بين القوم مطلقاً، وإن لم يكن مكتوفاً، وأما زيادة الألف والنون بعد التثنية
فإنما هي للتأكيد، كما تزاد في النسبة، نحو نفساني في النسبة إلى النفس، ونحوه. قوله: ((فلا
تجد علي)، بكسر الجيم، أي: لا تغضب يقال: وجد عليه موجدة في الغضب، ووجد
مطلوبه وجوداً، ووجد ضالته وجداناً، ووجد في الحزن وجداً، ووجد في المال جدة، أي
استغنى. هذا الذي ذكره الشراح، وهي خمسة مصادر، وقال بعضهم: ومادة وجد متحدة
الماضي والمضارع، مختلفة المصادر بحسب اختلاف المعاني. قلت: لا نسلم ذلك، بل
يقال: وجد مطلوبه يجده، بكسر الجيم، ويجده، بالضم، وهي لغة عامرية، ووجد، بكسر
الجيم، لغة، قاله في (العباب): وكذلك يقال: وجد عليه في الغضب يجد، بكسر الجيم،
ويجد، بضمها، موجدة ووجداناً أيضاً، حكاها بعضهم. وأنشد الفراء في نوادره، لصخر الغي
يرثي ابنه تليداً:
/٠٠٠١
i.
i
١
بعينك آخر العمر الجديد
وقالت: لن ترى أبداً تليداً.
كلانا رد صاحبه بيأس
وإثبات ووجدانٍ شديد
وكذا يقال: وجد في المال وجداً ووجداً ووجداً، وجدة، أربع مصادر. وقرأ الأعرج
i
i
/ ٠٣

٦٩٦٠٠
٠٠
٣٠
٣ - كتاب العلم / باب (٦)
ونافع ويحيى بن يعمر وسعيد بن جبير وابن أبي عبلة وطاووس وأبو حيوة وأبو البر هشيم: من
وجد کم، بفتح الواو. وقرأ أبو الحسن روح بن عبد المؤمن: من وجدکم، بالكسر، والباقون
من وجدكم، بالضم. قوله: ((عما بدا))، أي ظهر، من البدو. قوله: ((أنشدك))، بفتح الهمزة و
كون النون وضم الشين المعجمة، ومعناه: أسألك بالله، وقال الجوهري: نشدت فلاناً أنشده
نشداً، إذا قلت له: نشدتك الله، أي: سألتك بالله، كأنك ذكرته إياه، فتنشد، أي: تذكر. وقال
البغوي في (شرح السنة): أصله من النشيد، وهو رفع الصوت. والمعنى: سألتك رافعاً صوتي،
وفي (العباب): نشدت فلاناً أنشده نشداً، ونشدت الضالة أنشدها نشداً ونشدة ونشداناً،
طلبتها. قوله: ((هذه الصدقة))، أراد به الزكاة.
بيان التصريف: قوله: ((جلوس)) جمع: جالس، کرکوع جمع: راكع. قوله: («فأناخه))
أصله: فأنوخه، قلبت الواو ألفاً بعد نقل حركتها إلى ما قبلها. قوله: ((والنبي متكىء) اسم فاعل
من: اتكأ يتكىء، أصله موتكأ، قلبت الواو تاء وأدغمت التاء في التاء، وكذلك أصل: اتكأ
ویتکیء یوتکیء، لأن مادته: واو وكاف وهمزة، ومنه يقال: رجل تكاة، أصله وكأة، مثل تؤدة
إذا كان كثير الاتكاء، والإتكاء أيضاً ما يتكؤ عليه، وهي المتكأ. قال الله تعالى: ﴿وَأَعْتَدَتْ
لهن متكأ﴾ [يوسف: ٣١]. قال الأخفش: هو في معنى: مجلسٍ. قوله: ((فمشدد))، اسم فاعل
من شدد تشديداً، والمسألة، بفتح الميم، مصدر ميمي يقال: سألته الشيء، وسألته عن الشيء
سؤالاً ومسألة. وقد تخفف الهمزة فيقال: سأل يسأل، وقرأ أبو جعفر ونافع وابن كثير. ﴿سأل
سائل﴾ [المعارج: ١] بتخفيف الهمزة. قوله: ((سل)). أمر من: سأل يسأل، وأصله إسأل، على
وزن: إفعل فنقلت حركة الهمزة إلى السين، فحذفت للتخفيف، واستغنى عن همزة الوصل،
فحذفت فصار: سل، على وزن: قل، لأن الساقط هو عين الفعل. قوله: ((فلا تجد)) على
أصله: فلا توجد لأنه من وجد عليه. قوله: ((بدا) فعل ماض، تقول: بدا الأمر بدواً، مثل: قعد
قعوداً أي: ظهر. وأبديته: أظهرته.
بيان الإعراب: قوله: ((بينما)) أصله، بين، زيدت عليه: ما، وهو من الظروف الزمانية
اللازمة الإضافة إلى الجملة، وبين، وبينما، يتضمنان بمعنى المجازات، ولا بد لهما من
جواب، والعامل فيهما الجواب إذا كان مجرداً من كلمة المفاجأة، وإلاّ فمعنى المفاجأة.
قوله: ((نحن) مبتدأ و: جلوس، خبره. قوله: ((في المسجد)) اللام فيه للعهد، أي: مسجد
رسول الله عَّ﴾. قوله: ((دخل رجل))، هو جواب. بينما، وفي رواية الأصيلي، ((إذ دخل
رجل)). وقد مر غير مرة، أن الأصمعي لا يستفتصح إذ وإذا في جواب: بين وبينما. قوله:
((على جمل)) في محل الرفع على أنه صفة الرجل. قوله: ((فأناخه)) عطف على قوله دخل.
قوله: ((أيكم))، كلام إضافي مبتدأ و(محمد)، خبره. وأي، ههنا للاستفهام. قوله: ((والنبي
متكىء))، جملة اسمية وقعت حالاً. قوله: ((هذا الرجل))، مبتدأ، وخبر، مقول القول، والأبيض
بالرفع صفة للرجل، وكذلك المتكىء. قوله: ((فقال له)) أي فقال الرجل للنبي، عليه الصلاة
والسلام. قوله: ((ابن عبد المطلب)). بفتح النون لأنه منادى مضاف، وأصله: يا ابن عبد
٠٠٠٠

٣١
٣ - كتاب العلم / باب (٦)
المطلب، فحذف حرف النداء. وفي رواية الكشميهني: ((يا ابن عبد المطلب))، بإثبات حرف
النداء. قوله: ((فقال له الرجل)) أي: الرجل المذكور، في قوله: ((دخل رجل على جمل))،
قوله: (إني سائلك)) جملة إسمية مؤكدة بأن، مقول القول. قوله: ((فمشدد)) عطف على:
((سائلك)). قوله: ((فلا تجد)) نهي كما ذكرناه. قوله: ((فقال: سل)) أي: فقال الرسول، عليه
الصلاة والسلام، للرجل: ((سل)). قوله: ((بربك) أي: الباء للقسم. قوله: ((آلله؟)) بالمد في المواضع
كلها، لأنها همزتان: الأولى همزة الاستفهام، والثانية: همزة لفظة الله، وهو مرفوع بالابتداء،
وأرسلك، خبره. قوله: ((اللهم نعم))، قال الكرماني: اللهم، أصله: يا ألله، فحذف حرف النداء،
وجعل الميم بدلاً منه. والجواب: هو نعم، وذكر لفظ: اللهم، للتبرك، وكأنه استشهد بالله في
ذلك تأكيداً لصدقه.
قلت: اللهم، تستعمل على ثلاثة أنحاء: الأول: للنداء المحض، وهو ظاهر. والثاني:
للإيذان بندرة المستثنى، كما يقال: اللهم إلاَّ أن يكون كذا. والثالث: البدل على تيقن
المجيب في الجواب المقترن هو به، كقولك لمن قال: أزيد قائم؟ اللهم نعم. أو: اللهم لا.
كأنه يناديه تعالى مستشهداً على ما قاله من الجواب. قوله: ((أنشدك))، جملة من الفعل
والفاعل، والباء في: بالله، للقسم. قوله: ((أن تصلي)) بتاء الخطاب، ووقع عند الأصيلي بالنون،
قوله: ((الصلوات الخمس)) هكذا بجمع الصلوات عند الأكثرين ووقع في رواية الكشميهني
والسرخسي: ((الصلاة)). بالإفراد. فإن قلت: على هذا كيف توصف الصلاة بالخمس وهي
مفردة؟ قلت: هي للجنس، فيحتمل التعدد. وقال القاضي عياض: أن نصلي، بالنون، أوجه،
ويؤيده رواية ثابت عن أنس بلفظ: ((إن علينا خمس صلوات ليومنا وليلتنا)). قوله: ((أن تصوم))
بتاء المخاطبة. وعند الأصيلي: بالنون. قوله: (هذا الشهر)) أي: شهر رمضان من السنة، أي:
من كل سنة إذ اللام للعهد، والإشارة فيه لنوع هذا الشهر لا لشخص ذلك الشهر بعينه. قوله:
(أن تأخذ هذه الصدقة))، بتاء المخاطب، وكذلك: ((تقسمها)) :. وأن، مصدرية، وأصلها: بأن
تأخذ، أي: تأخذ الصدقة. قوله: (فتقسمها) بالنصب، عطف على قوله: (أن تأخذها)). قوله:
(بما جئت))، أي: بالذي جئت به. قوله: ((وأنا))، مبتدأ و((رسول)) خبره مضاف إلى: من، بفتح
الميم، وهي موصولة. وكلمة: من، في قوله: من قومي، للبيان.
بيان المعاني: قوله: ((فأناخه في المسجد)) فيه حذف، والتقدير، فأناخه في رحبة
المسجد، ونحوها. وإنما قلنا هكذا لتتفق هذه الرواية بالروايات الأخرى، فإن في رواية أبي
نعيم: ((أقبل على بعير له حتى أتى المسجد فأناخه ثم عقله، فدخل المسجد)). وفي رواية
أحمد والحاكم عن ابن عباس، رضي الله عنهما، ولفظها: ((فأناخ بعيره على باب المسجد
فعقله ثم دخل)). قوله: ((هذا الرجل الأبيض) المراد به البياض النير الزاهر، وأما ما ورد في
صفته أنه، ليس بأبيض ولا آدم، فالمراد به البياض الصرف كلون الجص، كريه المنظر، فإنه
لون البرص. ويقال: المراد بالأبيض، وهو الأبيض المشرب بحمرة، يدل عليه ما جاء في
رواية الحارث بن عمير: ((فقال: أيكما ابن عبد المطلب؟ فقالوا: هو الأمغر المرتفق)). قال
i
٠٠٠٠
٠٠٠
i
i
i

٣٢
٣ - كتاب العلم / باب (٦)
الليث: الأمغر الذي في وجهه حمرة مع بياض صاف. وقال غيره: الأمغر: الأحمر الشعر
والجلد على لون المغرة، وقال ابن فارس: الأمغر من الخيل الأشقر. قلت: مادته: میم وغين
معجمة وراء مهملة. قوله: ((أجبتك))، ومعناه: سمعتك. وقال الكرماني: فإن قلت: متى أجاب
حتى أخبر عنه؟ قلت: أجبت بمعنى: سمعت، أو المراد منه إنشاء الإجابة، وإنما أجابه، عليه
السلام: بهذه العبارة لأنه أخل بما يجب من رعاية غاية التعظيم والأدب بإدخال الجمل في
المسجد، وخطابه: بأيكم محمد؟ وبابن عبد المطلب؟ انتهى.
قلت: لا يخلو ضمام إما أنه قدم مسلماً وإما غير مسلم، فإن كان الأول: فإنه يحمل
ما صدر منه من هذه الأشياء على أنه لم يكن في ذلك الوقت وقف على أمور الشرع، ولا
على النهي، وهو قوله تعالى: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً﴾ [النور:
٦٣] على أنه كانت فيه بقية من جفاء الأعراب وجهلهم، وإن كان الثاني: فلا يحتاج إلى
الاعتذار عنه. واختلفوا، هل كان مسلماً عند قدومه أم لا؟ فقال جماعة: إنه كان أسلم قبل
وفوده، حتى زعمت طائفة منهم أن البخاري فهم إسلام ضمام قبل قدومه، وأنه جاء يعرض
على النبي، عليه السلام، ولهذا بوب عليه: باب القراءة والعرض على المحدث، ولقوله آخر
الحديث: ((آمنت بما جئت به وأنا رسول من ورائي من قومي)). وإن هذا إخبار، وهو اختيار
البخاري، ورجحه القاضي عياض، وقال جماعة أخرى: لم يكن مسلماً وقت قدومه، وإنما
کان إسلامه بعده، لأنه جاء مستثبتاً. والدليل عليه ما في حديث ابن عباس، رواه ابن إسحاق
وغيره، وفيه: (أن بني سعد بن بكر بعثوا ضمام بن ثعلبة)) ... الحديث، وفي آخره: ((حتى إذا
فرغ قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله))، وأجابوا عن قوله: آمنت، بأنه
إنشاء وابتداء إيمان، لا إخبار بإيمان تقدم منه، وكذلك قوله: ((وأنا رسول من ورائي)) ورجحه
القرطبي لقوله في حديث ثابت عن أنس عند مسلم وغيره: ((فإن رسولك زعم)). قال: والزعم:
القول الذي لا يوثق به. قاله ابن السكيت وغيره: وقال بعضهم: فيه نظر، لأن الزعم يطلق
على القول المحقق أيضاً، كما نقله أبو عمر الزاهد في شرح فصيح شيخه، ثعلب. قلت:
أصل وضعه، كما قاله ابن السكيت، واستعماله في القول المحقق مجاز يحتاج إلى قرينة،
وأجابوا أيضاً عن قولهم: إن البخاري فهم إسلام ضمام قبل قدومه، بأنه لا يلزم من تبويب
البخاري ما ذكروه، لأن العرض على المحدث هو القراءة عليه، أعم من أن يكون تقدمت له،
أو أبتدىء الآن على الشيخ بقراءة شيء لم يتقدم قراءته ولا نظره، وقالوا: قد بوب أبو داود
عليه باب المشرك يدخل المسجد. وهو أيضاً يدل على أنه لم يكن مسلماً قبل قدومه. وقد
مال الكرماني إلى مقالة الأولين حيث قال: فإن قلت: من أين عرف حقيقية كلام الرسول،
عليه السلام، وصدق رسالته، إذ لا معجزة فيما جرى من هذه القصة؟ وهذا الإيمان لا يفيد
إلاَّ تأكيداً وتقريراً؟ قلت: الرجل كان مؤمناً عارفاً بنبوته، عالماً بمعجزاته قبل الوفود، ولهذا ما
سأل إلاَّ عن تعميم الرسالة إلى جميع الناس، وعن شرائع الإسلام. قلت: عكسه القرطبي
فاستدل به على إيمان المقلد بالرسول، ولو لم تظهر له معجزة، وكذا أشار إليه ابن الصلاح.
١٠٣
.24.

٣٣
٣ - كتاب العلم / باب (٦)
قوله: ((وأنا ضمام ابن ثعلبة))، بكسر الضاد المعجمة، وثعلبة، بالثاء المثلثة المفتوحة والباء
الموحدة، أخو بني سعد بن بكر السعدي، قدم على النبي، عليه السلام، بعثه إليه بنو سعد،
فسأله عن الإسلام، ثم رجع إليهم فأخبرهم به فأسلموا. وقال ابن عباس: ما سمعنا بوافد قط
أفضل من ضمام ابن ثعلبة. قال ابن إسحاق: وكان قدوم ضمام هذا سنة تسع، وهو قول أبي
عبيدة والطبري وغيرهما، وقال الواقدي: كان سنة خمس، وهو قول محمد بن حبيب، وفيه
نظر من وجوه الأول: أن في رواية مسلم أن ذلك كان حين نزل النهي في القرآن عن سؤال
الرسول، عليه السلام، وآية النهي في المائدة، ونزولها متأخر. الثاني: أن إرسال الرسل إلى
الدعاء إلى الإسلام، إنما كان ابتداؤه بعد الحديبية، ومعظمه بعد فتح مكة، شرفها الله. الثالث:
أن في حديث ابن عباس، رضي الله عنهما، أن قومه أطاعوه ودخلوا في الإسلام بعد رجوعه
إليهم، ولم يدخل بنو سعد بن بكر بن هوازن في الإسلام إلاّ بعد وقعة حنين، وكانت في
شوال سنة ثمان. قوله: ((أخو بني سعد بن بكر)) بن هوازن، وهم أخوال رسول الله، عليه
الصلاة والسلام، وفي العرب سعود قبائل شتى، منها: سعد تميم، وسعد هذيل، وسعد قيس،
وسعد بكر هذا. وفي المثل: بكل واد بنو سعد.
بيان استنباط الأحكام: وهو على وجوه. الأول: قال ابن الصلاح. فيه دلالة لصحة ما
ذهب إليه العلماء من أن العوام المقلدين مؤمنون، وأنه يكتفى منهم بمجرد اعتقادهم الحق،
جزماً من غير شك وتزلزل، خلافاً للمعتزلة، وذلك أنه، عليه الصلاة والسلام، قرر ضماماً على
ما اعتمد عليه في تعرف رسالته، وصدقه بمجرد إخباره إياه بذلك، ولم ينكره عليه، ولا قال
له: يجب عليك معرفة ذلك بالنظر إلى معجزاتي، والاستدلال بالأدلة القطعية. الثاني: قال ابن
بطال: فيه قبول خبر الواحد، لأن قومه لم يقولوا له: لا نقبل خبرك عن النبي عَ ◌ّلم حتى يأتينا
من طريق آخر. الثالث: قال أيضاً: فيه جواز إدخال البعير فى المسجد، وهو دليل على طهارة
أبوال الإبل وأروائها، إذ لا يؤمن ذلك منه مدة كونه في المسجد. قلت: هذا احتمال لا
يحكم به في باب الطهارة، على أنا قد بينًا أن المراد من قوله: ((في المسجد)) في الحديث
في رحبة المسجد، ونحوها. الرابع: فيه جواز تسمية الأدنى للأعلى دون أن يكنيه، إلاَّ أنه
نسخ في حق الرسول، عليه السلام: بقوله تعالى: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء
بعضكم بعضاً﴾ [النور: ٦٣]. الخامس: فيه جواز الاتكاء بين الناس في المجالس. السادس:
فيه ما كان للنبي، عليه السلام، من ترك التكبر، لقوله: ((ظهرانيهم)). السابع: فيه جواز تعريف
الرجل بصفة من البياض والحمرة، والطول والقصر، ونحو ذلك. الثامن: فيه الاستحلاف
على الخبر لعلم اليقين، وفي مسلم: ((فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب هذه
الجبال، آلله أرسلك؟ قال: نعم)). التاسع: فيه التعريف بالشخص، فإنه قال: ((أيكم محمد؟
وقال: ابن عبد المطلب؟)). العاشر: فيه النسبة إلى الأجداد، فإنه قال: ((ابن عبد المطلب؟)
وجاء في (صحيح مسلم): ((يا محمد)). الحادي عشر: استنبط منه الحاكم طلب الإسناد
العالي، ولو كان الراوي ثقة، إذ البدوي لم يقنعه خبر الرسول عن النبي عَ ل حتى رحل
عمدة القاري/ ج٢ /٣٢
٢٠٠
تضوء
i

٣٤
٣ - كتاب العلم / باب (٦)
بنفسه، وسمع ما بلغه الرسول عنه، قيل: إنما يتم ما ذكره إذا كان ضمام قد بلغه ذلك أولاً.
قلت: قد جاء ذلك مصرحاً به في رواية مسلم. الثاني عشر: فيه تقديم الإنسان بين يدي
حديثه مقدمة يعتذر فيها ليحسن موقع حديثه عند المحدث، وهو من حسن التوصل، وإليه
الإشارة بقوله: (إني سائلك فمشدد عليك)).
الأسئلة والأجوبة: منها ما قيل: قال: ((على فقرائنا))، وأصناف المصرف ثمانية لا
تنحصر على الفقراء. وأجيب: بأن ذكرهم باعتبار أنهم الأغلب من سائر الأصناف، أو لأنه في
مقابلة ذكر الأغنياء. ومنها ما قيل: لمَ لَمْ يذكر الحج؟ أجيب: بأنه كان قبل فرضية الحج، أو
لأنه لم يكن من أهل الاستطاعة له، قاله الكرماني. قلت: لم يذكر الحج في رواية شريك بن
عبد الله بن أبي نمر عن أنس، وقد ذكره مسلم وغيره في رواية ثابت عن أنس وهو في
حديث أبي هريرة وابن عباس أيضاً، وما قاله الكرماني هو منقول عن ابن التين، والحامل لهم
على ذلك ما روي عن الواقدي من أن قدوم ضمام كان سنة خمس، وقد بينا فساده. ومنها
ماقيل: لِمَ لَمْ يخاطب بالنبوة ولا بالرسالة، وقد قال الله تعالى: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول
بينكم كدعاء بعضكم بعضاً﴾ [النور: ٦٣] وأجيب: بأوجه: الأول: أنه لم يكن آمن بعد.
الثاني: أنه باقٍ على جفاء الجاهلية، لكنه لم ينكر عليه، ولا رد عليه. الثالث: لعله كان قبل
النهي عن مخاطبته عليه السلام بذلك. الرابع: لعله لم يبلغه، وقد مر الكلام فيه، عن قريب،
ويقال إنما قال: (بن عبد المطلب؟) لأنه لما دخل على النبي عَ لّه قال: ((أيكم ابن عبد
المطلب؟ فقال له النبي، عليه السلام: أنا ابن عبد المطلب)). فقال ابن عبد المطلب، على ما
رواه أبو داود في (سننه) من طريق ابن عباس أنه قال: ((أيكم ابن عبد المطلب؟ فقال النبي،
عليه السلام: انا ابن عبد المطلب)). فقال: ياابن عبد المطلب، وساق الحديث. ومنها ما قيل: إن
النبي عَ ل كان يكره الانتساب إلى الكفار، فكيف قال في هذا الحديث: أناابن عبد
المطلب؟. وأجيب: بأنه أراد به ههنا تطابق الجواب السؤال. لأن ضماماً خاطبه بقوله: ((أيكم ابن
عبد المطلب؟ فأجاب عليه السلام، بقوله: أنا ابن عبد المطلب)) فإن قلت: كيف كان يكره
ذلك؟ وقد قال عليه السلام يوم حنين: ((أنا ابن عبد المطلب؟)) قلت: لم يذكره إلاّ للإشارة
إلى رؤيا رآها عبد المطلب مشهورة، كانت إحدى دلائل نبوته، فذكرهم بها، وبخروج الأمر
على الصدق. ومنها ما قيل: ما فائدة الإيمان المذكورة؟ وأجيب: بأنها جرت للتأكيد وتقرير
الأمر، لا لافتقار إليها كما أقسم الله تعالى على أشياء كثيرة كقوله: ((قل: أي وربي إنه لحق))،
((قل: بلى وربي لتبعثن))، ((فورب السماء والأرض إنه لحق)). ومنها ما قيل: هل النجدي السائل
في حديث طلحة بن عبيد الله المذكور فيما مضى هو ضمام بن ثعلبة أو غيره؟ أجيب: بأن
جماعة قد قالوا: إنه هو إياه، والنجدي هو ضمام بن ثعلبة، ومال إلى هذا ابن عبد البر والقاضي
عياض وغيرهما، وقال القرطبي: يبعد أن يكونا واحداً لتباين ألفاظ حديثيهما ومساقهما.
وَواهُ مُوسَى وَعَلِيُّ بنُ عبدِ الحَميدِ عِنْ سُلَيْمانَ عِنْ ثَابِتٍ عِنْ أَنَسِ عَنِ النَّبِيِّ عَ لَّهِ
بهذا.

٣٥
٣ - كتاب العلم / باب (٧)
أي روى الحديث المذكور موسى بن إسماعيل أبو سلمة المنقري التبوذكي، وهو
شيخ البخاري، وقد مر ذكره، وهو يروي هذا الحديث عن سليمان بن المغيرة أبي سعيد
القيسي البصري عن ثابت البناني عن أنس بن مالك، رضي الله عنه وأخرجه أبو عوانة في
(صحيحه) موصولاً بهذا الطريق، وكذا ابن منده في الإيمان. فإن قلت: لم علقه البخاري ولم
يخرجه موصولاً؟ قلت: قال الكرماني: يحتمل أن يكون البخاري يروي عن شيخه موسى
بالواسطة، فيكون تعليقاً. وفائدة ذكره الاستشهاد وتقوية ما تقدم. وقال بعضهم: إنما علقه
البخاري لأنه لم يحتج بشيخه سليمان بن المغيرة، يعني شيخ موسى بن إسماعيل الذي هو
شيخ البخاري. قلت: كيف يقول: لم يحتج به، وقد روى له حديثاً واحداً عن ابن أبي إياس
عن سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن أبي صالح السمان، قال: ((رأيت أبا سعيد
الخدري، رضي الله عنه، في يوم جمعة يصلي إلى شيء يستره من الناس)) ... الحديث، ذكره
في باب: يرد المصلي من بين يديه؟ وقال أحمد بن حنبل فيه: ثبت ثبت ثقة ثقة. وقال ابن
سعد: ثقة ثبت. وقال شعبة: سيد أهل البصرة. وقال أبو داود الطيالسي: كان من خيار الناس،
سمع الحسن وابن سيرين وثابت البناني، روى عنه الثوري وشعبة، وتوفي سنة خمس وستين
ومائة، روى له الجماعة. قوله ((وعلي بن عبد الحميد)) عطف على موسى، وروى الحديث
المذكور أيضاً علي بن عبد الحميد عن سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس، رضي الله
عنه، وأخرجه الترمذي موصولاً من طريقه، وأخرجه الدارمي عن علي بن عبد الحميد ... الخ،
وهو علي بن عبد الحميد بن مصعب أبو الحسين المعني، بفتح الميم وسكون العين المهملة
وكسر النون بعدها ياء النسبة، نسبة إلى معن بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس. قال
الرشاطي: المعني في الأزد وفي طي وفي ربيعة. فالذي في أزد: معن بن مالك. والذي في
طي: معن بن عتود بن غسان بن سلامان بن نفل بن عمرو بن الغوث بن طي، والذي في
ربيعة: معن بن زائدة بن عبدالله بن زائدة بن مطر بن شريك. وروى عنه أبو زرعة وأبو حاتم،
وقالا: هو ثقة. وقال ابن عساكر: روى عنه البخاري تعليقاً، وتوفي سنة اثنتين وعشرين
ومائتين. قلت: ليس له في البخاري سوى هذا الموضع المعلق، وأما ثابت البناني فهو ابن
أسلم، أبو حامد البناني البصري العابد، سمع ابن الزبير وابن عمر وأنساً وغيرهم من الصحابة
والتابعين، روى عنه خلق كثير، وقال أحمد ويحبى وأبو حاتم: ثقة، ولا خلاف فيه. توفي سنة
ثلاث وعشرين ومائة، روى له الجماعة، والبناني: بضم الياء الموحدة وبالنونين، نسبة إلى
بنانة بطن من قريش. وقال الزبير بن بكار: كانت بنانة أمة لسعد بن لؤي حضنت بنيه فنسبوا
إليها. وقال الخطيب: بنانة هم بنو سعد بن غلب، وأم سعد بنانة. قوله: ((بهذا))، أشار إلى
معنى الحديث المذكور، لأن اللفظ مختلف فافهم.
٧ - باب ما يُذْكَرُ في المُناوَلَّةِ
أي هذا باب في بيان ما يذكر في المناولة، وهي في اللغة من: ناولته الشيء فتناوله،

٣٦
٣ - كتاب العلم / باب (٧)
من النوال. وهو العطاء. وفي اصطلاح المحدثين هي على نوعين: أحدهما: المقرونة
بالاجازة، كما أن يرفع الشيخ إلى الطالب أصل سماعه مثلاً، ويقول: هذا سماعي، واجزت لك
روايته عني، وهذه حالة السماع عند مالك والزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري، فيجوز
إطلاق: حدثنا وأخبرنا فيها، والصحيح أنه منحط عن درجته، وعليه أكثر الأئمة، والآخر
المناولة المجردة عن الإجازة بأن يناوله أصل السماع، كما تقدم، ولا يقول له: أجزت لك
الرواية عني، وهذه لا تجوز الرواية بها على الصحيح، ومراد البخاري من الباب القسم الأول.
فإن قلت: ما وجه المناسبة بين البابين؟ قلت: من حيث إن المذكور في الباب السابق، وفي
الباب الذي قبله، وفي هذا الباب وجوه التحمل المعتبرة عند الجمهور، والأبواب الثلاثة أنواع
شيء واحد ولا توجد مناسبة أقوى من هذا.
وكِتَابٍ أَهْلِ العِلْمِ بالعِلْمِ إلى الِلْدَانِ
وكتاب: بالجر عطف على قوله في: المناولة، والتقدير: وما يذكر في كتاب أهل
العلم، وقال الكرماني: ولفظ الكتاب يحتمل عطفه على المناولة، وعلى ما يذكر، قلت:
الفرق بينهما أن لفظ الكتاب يكون مجروراً في: الأول: بحرف الجر، وفي الثاني: بالإضافة،
والكتاب هنا مصدر وكلمة إلى، التي للغاية تتعلق به. وقوله: ((إلى البلدان))، فيه حذف، أي:
إلى أهل البلدان، وهو جمع بلد، وهذا على سبيل المثال دون القيد، لأن الحكم عام بالنسبة
إلى أهل القرى والصحارى وغيرهما. ثم اعلم أن المكاتبة هي أن يكتب الشيخ إلى الطالب
شيئاً من حديثه، وهي أيضاً نوعان: إحداهما: المقرونة بالإجازة، والأخرى: المتجردة عنها.
والأولى: في الصحة والقوة شبيهة بالمناولة المقرونة بالإجازة. وأما الثانية: فالصحيح
المشهور فيها أنها تجوز الرواية بها، بأن يقول: كتب إلي فلان قال: حدثنا بكذا، وقال
بعضهم: يجوز حدثنا وأخبرنا فيها، وقد سوى البخاري الكتابة المقرونة بالإجازة بالمناولة،
ورجح قوم المناولة عليها لحصول المشافهة بها، بالإذن دون المكاتبة، وقد جوز جماعة من
القدماء الإخبار فيهما، والأول ما عليه المحققون من اشتراط بيان ذلك.
وقال أَنَسّ: نَسَخَ عُثْمَانُ المَصَاحِفَ فَبَعَثَ بِهَا إِلَى الآفاقِ.
١٠
أنس: هو ابن مالك الصحابي، خادم رسول الله عَّةٍ، وعثمان: هو ابن عفان، أحد
الخلفاء الراشدين، رضي الله عنهم، والمصاحف بفتح الميم، جمع مصحف، ويجوز في
ميمه الحركات الثلاث عن ثعلب، قال: الفتح: لغة صحيحة فصيحة، وقال الفراء: قد
استثقلت العرب الضمة في حروف، وكسروا ميمها، وأصلها الضم، من ذلك مصحف
ومخدع ومطرف ومغزل ومجسد، لأنها مأخوذة في المعنى من: أصحفت، أي: جمعت فيه
الصحف، وأطرف، أي جعل في طرفيه علماً، وأجسد، أي: ألصق بالجسد، وكذلك المغزل،
إنما هو أدير وفتل، وقال أبو زيد: تميم تقول بكسر الميم، وقيس تقول بضمها. ثم قلنا: إن
المصحف ما جمعت فيه الصحف، والصحف، بضمتين، جمع صحيفة، والصحيفة: الكتاب.
١٠

١٣٠
٠٥٣
٣٧
٣ - كتاب العلم / باب (٧)
قال الله تعالى ﴿صحف إبراهيم وموسى﴾ [الأعلى: ١٩] يعني: الكتب التي أنزلت عليهما،
وأصل التركيب يدل على انبساط في الشيء وسعة، ثم هذا الذي ذكره البخاري من
قوله: ((قال أنس: نسخ عثمان المصاحف))، قطعة من حديث لأنس، رضي الله عنه، ذكره
البخاري في (فضائل القرآن) عن أنس: أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، رضي الله عنه،
وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية، وفيه: ففزع حذيفة من اختلافهم في القراءة، فقال
لعثمان، رضي الله عنه: أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود
والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة، رضي الله عنها، أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في
المصاحف، ثم نردها إليك. فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد اللَّه بن
الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، رضي الله عنهم، فنسخوها في
المصاحف،
وفيه: حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة
وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا. وفي غير البخاري: أن عثمان، رضي الله عنه، بعث
مصحفاً إلى الشام، ومصحفاً إلى الحجاز، ومصحفاً إلى اليمن، ومصحفاً إلى البحرين، وأبقى
عنده مصحفاً ليجتمع الناس على قراءة ما يعلم ويتيقن. وقال أبو عمرو الداني: أكثر العلماء
على أن عثمان كتب أربع نسخ، فبعث إحداهن إلى البصرة، وأخرى إلى الكوفة، وأخرى إلى
الشام، وحبس عنده أخرى. وقال أبو حاتم السجستاني: كتب سبعة، فبعث إلى مكة واحداً،
وإلى الشام آخر، وإلى اليمن آخر وإلى البحرين آخر، وإلى البصرة آخر، وإلى الكوفة آخر،
ودلالة هذا على تجويز الرواية بالمكاتبة ظاهرة، فإن عثمان، رضي الله عنه، أمرهم بالاعتماد
على ما في تلك المصاحف، ومخالفة ما عداها. والمستفاد من بعثه المصاحف إنما هو قبول
إسناد صورة المكتوب بها، لا أصل ثبوت القرآن، فإنه متواتر.
وَوَأَى عبدُ اللَّه بنُ عُمَّرَ وَيَخْتِى بِنُ سَعِيدٍ ومالِكٌ ذَلكَ جائزاً.
أي: عبد اللَّه بن عمر بن عاصم بن عمر بن الخطاب، أبو عبد الرحمن القرشي العدوي
المدني، ويحيى بن سعيد الأنصاري المدني، ومالك بن أنس المدني. أما عبد اللَّه ابن عمر
هذا فإنه روي عنه أنه قال: كنت أرى الزهري يأتيه الرجل بكتاب لم يقرأه عليه، ولم يقرأ
عليه، فيقول: أرويه عنك؟ فيقول: نعم. وقال: ما أخذنا نحن ولا مالك عن الزهري إلا
عرضاً. وأما يحيى ومالك فإن الأثر عنهما بذلك أخرجه الحاكم في (علوم الحديث) من
طريق إسماعيل بن أبي أويس. قال: سمعت خالي، مالك بن أنس، يقول: قال يحيى بن سعيد
الأنصاري، لما أراد الخروج إلى العراق: التقط لي مائة حديث من حديث ابن شهاب، حتى
أرويها عنك! قال مالك: فكتبتها، ثم بعثتها إليه.
وقال بعضهم: عبد اللَّه بن عمر هذا، كنت أظنه، العمري المدني، ثم ظهر لي، من
قرينة تقديمه في الذكر على يحيى بن سعيد، أنه ليس إياه، لأن يحيى بن سعيد أكبر منه سناً
i
ـة سد <
مود
i
i
i
i
i
i
ے

٣٨
٣ - كتاب العلم / باب (٧)
وقدراً، فتتبعته فلم أجده. عن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب صريحاً، ولكن وجدت في
(كتاب الوصية) لابن القاسم بن منده من طريق البخاري بسند له صحيح إلى أبي عبد اللَّه
الحبلي، بضم المهملة والموحدة، أنه أتى عبد اللَّه بكتاب فيه أحاديث، فقال انظر في هذا
الكتاب، فما عرفت منه اتركه، وما لم تعرفه امحه. وعبد اللَّه: يحتمل أن يكون هو ابن عمرو
ابن العاص، فإن الحبلى مشهور بالرواية منه. قلت: فيه نظر من وجوه:
الأول: أن تقديم عبد اللَّه بن عمر المذكور على يحيى بن سعيد لا يستلزم أن يكون
هو العمري المدني المذكور، فمن ادعى ذلك فعليه بيان الملازمة. الثاني: أن قول الحبلي:
إنه أتى عبد اللَّه، لا يدل بحسب الاصطلاح إلاَّ على عبد الله بن مسعود، فإنه إذا أطلق عبد
اللَّه غير منسوب يفهم منه عبد الله بن مسعود إن كان مذكوراً بين الصحابة، وعبد اللَّه بن
المبارك إن كان فيما بعدهم. الثالث: أنه إن أراد من قوله: ويحتمل أن يكون هو عبد اللَّه بن
عمرو بن العاص، أن يكون المراد من قول البخاري من: عبد اللَّه بن عمر، عبد الله بن عمرو
ابن العاص، فذاك غير صحيح، لأنه لم يثبت في نسخة من نسخ البخاري إلا عبد اللّه بن
عمر، بدون الواو، والذي يظهر لي أن عبد اللَّه بن عمر هذا هو العمري المدني كما جزم به
الكرماني، مع الاحتمال القوي أنه عبد اللَّه بن عمر بن الخاطب، رضي الله عنهما. ولا يلزم
من عدم وجدان هذا القائل مع تتبعه عن عبد اللَّه بن عمر في ذلك شيئاً صريحاً أن لا يكون
عنه رواية في هذا الباب، وأن لا يكون هو عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، رضي الله عنهما.
قوله: ((ذلك جائزاً) إشارة إلى كل واحد من: المناولة والكتابة باعتبار المذكور، وقد وردت
الإشارة بذلك إلى المثنى، كما في قوله تعالى: ﴿عوان بين ذلك﴾ [البقرة: ٦٨].
ثم اعلم أن البخاري، رحمه الله، بوب على أعلى الإجازة، ونبه على جنس الإجازة
بذكر نوعين منها، فهذه ثمانية أوجه لأصول الرواية، وقد تقدمت الثلاثة الأول في البابين
الأولين. وأما الرابع: فالمناولة المقرونة بالإجازة، وصورتها أن يقول الشيخ: هذه روايتي، أو
حديثي عن فلان، فاروه عني، أو: أجزت لك روايته عني، ثم يملكه الكتاب. أو يقول: خذه
وانسخه، وقابل به ثم رده إلي، أو نحوه، أو يأتي إليه بكتاب فيتأمله الشيخ العارف المتيقظ
ويعيده إليه، فيقول له: وقفت على ما فيه وهو روايته، فاروه عني. أو: أجزت لك ذلك، وهذا
كالسماع بالقوة عند جماعة، حكاه الحاكم عنهم، منهم: الزهري، وربيعة، ويحيى الأنصاري،
ومجاهد، وابن الزبير، وابن عيينة في جماعة من المكيين و: علقمة وإبراهيم وقتادة وأبو
العالية وابن وهب وابن القاسم وأشهب وغيرهم، وروى الخطيب بإسناده إلى عبد اللَّه العمري
أنه قال: دفع إلي ابن شهاب صحيفة فقال: إنسخ ما فيها وحدث به عني. قلت: أوَيجوز
ذلك؟ قال: نعم، ألم تر إلى الرجل يشهد على الوصية ولا يفتحها، فيجوز ذلك ويؤخذ به.
قال أبو عمر وابن الصلاح: والصحيح أنها منحطة عن السماع والقراءة، وهو قول الثوري
والأوزاعي وابن المبارك وأبي حنيفة والشافعي، والبويطي والمزني صاحبيه، وأحمد وإسحاق
ويحيى بن يحيى، ومنه أن يناول الشيخ الطالب سماعه ويخبره به، ثم يمسكه الشيخ، وهذه

٣٩
٣ - كتاب العلم / باب (٧)
دونه، لكنه يجوز الرواية بها إذا وجد الكتاب أو ما قوبل به كما يعتبر في الإجازة المجردة
في معين. الخامس: المناولة المجردة، مثل أن يناوله مقتصراً على قوله: هذا سماعي، ولا
يقول إروه عني، أو أجزت لك روايته، ونحوه. قال ابن الصلاح: لا يجوز الرواية بها على
الصحيح، وقد أجاز بها الرواية جماعة. السادس: الكتابة المقرونة، مثل أن يكتب مسموعه
لغائب أو حاضر بخطه أو بأمره، ويقول: أجزت لك ما كتبت إليك، ونحوه، وهي مثل
المناولة في الصحة والقوة. السابع: الكتابة المجردة، أجازها الأكثرون منهم أيوب ومنصور
والليث وأصحاب الأصول وغيرهم، وعدوه من الموصول لإشعاره بمعنى الإجازة. وقال
السمعاني: هي أقوى من الإجازة، واكتفوا فيها بمعرفة الخط. والصحيح أنه يقول في الرواية
بها: كتب إلي فلان، أو أخبرني كتابة، ونحوه. ولا يجوز إطلاق: حدثنا وأخبرنا فيه،
وأجازهما الليث ومنصور وغيرهم. الثامن: الإجازة، وأقواها أن يجيز معيناً لمعين، كأجزتك
البخاري وما اشتمل عليه فهرسته، والصحيح جواز الرواية والعمل، وقال الباجي: لا خلاف في
جواز الرواية والعمل بالإجازة، وادعى الإجماع في ذلك، وإنما الخلاف في العمل. وقال ابن
الصلاح وغيره: والصحيح ثبوت الخلاف، وجواز الرواية بها، إحدى الروايتين عن الشافعي،
وهو قول جماعة. وقال شعبة: لو صحت الإجازة لبطلت الرحلة. وعن عبد الرحمن بن القاسم
قال: سألت مالكاً عن الإجازة، فقال: لا أرى ذلك، وإنما يريد أحدهم أن يقيم المقام اليسير
ويحمل العلم الكثير. وقال الخطيب: قد ثبت عن مالك أنه كان يصحح الرواية والإجازة بها،
ويحمل هذا القول من مالك على كراهة أن يجيز العلم لمن ليس من أهله ولا خدمه. ومنها:
أن يجيز غير معيّن بوصف العموم، كأجزت المسلمين، وأهل زماني. ففيه خلاف المتأخرين.
١
واختَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الحجَازِ في المُناوَلَةِ بِحَدِيثِ النبيِّ عَلَّهِ حَيثُ كَتَبَ لِأَمِيرِ السّريّةِ
كِتَاباً وقال: ((لا تَقْرَأَةُ حَتَّى تَبْلُغَ مَكانَ كَذَا وكَذا)) فَلمَّا بَلَغَ ذَلكَ المَكانَ قَرَأَهُ على النَّاسِ
وأخْتَرَهُمْ بِأَمْرِ النَّبِي عَِّ.
المراد من بعض أهل الحجاز هو الحميدي شيخ البخاري، فإنه احتج في المناولة أي
في صحة المناولة، بحديث النبي عَِّ. والكلام فيه على أنواع. الأول: أن هذا الحديث لم
يذكره البخاري في كتابه موصولاً. وله طريقان: أحدهما مرسل ذكره ابن إسحاق في
المغازي عن زيد بن بن رومان، وأبو اليمان في نسخته عن شعيب عن الزهري، كلاهما عن
عروة بن الزبير. الآخر موصول: أخرجه الطبراني من حديث البجلي بإسناد حسن، وله شاهد
من حديث ابن عباس، رواه الطبراني في تفسيره. الثاني: وجه الاستدلال به أنه جاز له الإخبار
عن النبي عَّله بما فيه، وإن كان النبي، عليه السلام، لم يقرأه ولا هو قرأ عليه، فلولا أنه حجة
لم يجب قبوله، ففيه المناولة ومعنى الكتابة ويقال: فيه نظر، لأن الحجة إنما وجبت به لعدم
توهم التبديل والتغيير فيه لعدالة الصحابة، بخلاف من بعدهم. حكاه البيهقي. قلت: شرط
قيام الحجة بالكتابة أن يكون الكتاب مختوماً، وحامله مؤتمناً، والمكتوب إليه يعرف الشيخ،
إلى غير ذلك من الشروط، لتوهم التغيير. الثالث: قوله: أهل الحجاز، هي بلاد سميت به
i
i

٤٠
٣ - كتاب العلم / باب (٧)
لأنها حجزت بين نجد والغور، وقال الشافعي: هو مكة والمدينة ويمامة ومخاليفها، أي: قراها:
كخيبر للمدينة، والطائف لمكة شرفها الله تعالى. قوله: (أمير السرية) اسمه عبد اللَّه بن
جحش الأسدي، أخو زينب، أم المؤمنين. وقال الشيخ قطب الدين: عبد اللّه بن جحش ابن
رباب، أخو أبي أحمد وزينب زوج النبي عَّه، وأم حبيبة وحمنة أخوهم عبيد الله، تنصر
بأرض الحبشة. وعبد اللَّه وأبو أحمد كانا من المهاجرين الأولين. وعبد اللَّه يقال له:
المجدع، شهد بدراً وقتل يوم أحد بعد أن قطع أنفه وأذنه. وقال محمد بن إسحاق: كانت
هذه السرية أول سرية غنم فيها المسلمون، وكانت في رجب من السنة الثانية قبل بدر
الكبرى، بعثه النبي عَّ ومعه ثمانية رهط من المهاجرين، وكتب له كتاباً وأمره أن لا ينظر
حتى يسير يومين، ثم ينظر فيه، فيمضي لما أمر به، ولا يستكره من أصحابه أحداً، فلما سار
يومين فتحه، فإذا فيه: إذا نظرت في كتابي هذا فامضٍ حتى تنزل نخلة، بين مكة والطائف،
فترصد بها قريشاً، وتعلم لنا أخبارهم، وفيه: وقتلوا عمرو بن الحضرمي في أول يوم من رجب
واستأسروا اثنين، فأنكر عليهم النبي عَّه، وقال: ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام. وقالت
قريش: قد استحل محمد الشهر الحرام، فأنزل الله تعالى: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال
فيه قل قتال فيه كبير﴾ [البقرة: ٢١٧] فهذه أول غنيمة، وأول أسير، وأول قتيل قتله
المسلمون انتهى. والسرية، بتشديد الياء آخر الحروف: قطعة من الجيش.
٦٤/٦ - حدّثنا إسماعيلُ بن عبدِ اللَّه قال: حدّثني إبْراهِيمُ بنُ سَعْدٍ عن صالِحٍ عنِ
ابن شهابٍ عن عُبَيْدِ اللَّه بنِ عبدِ اللَّه بنِ عُثْبَةَ بنِ مَسْعودٍ أنّ عبدَاللَّه بنَ عَبَّاسٍ أُخْبَرَهُ أَنْ رَسولَ
اللَّه عَظِّ بَعَثَ بِكِتابِهِ رَجُلاً وَأَمَرَهُ أَن يَدْفَعَهُ إلى عَظِيمِ البَحَرَيْنِ، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ البَحْرَيْن إلى
كِسْرَى، فَلَمَّا قَرَأْهُ مَزَّقَهُ. فَحَسِبْتُ أنّ ابنَ المُسَيَّبِ قال: فَدَعا عَلَيْهِم رسولُ اللهِ عَ لَّهِ أَن يُمَرَّقُوا
كُلَّ مُعَزَّقٍ. [الحديث ٦٤ - أطرافه في: ٢٩٣٩، ٤٤٢٤، ٧٢٦٤].
مطابقة الحديث لجزئي الترجمة ظاهرة، أما للجزء الأول فمن حيث إن النبي، عليه
الصلاة والسلام، ناول الكتاب لرسوله، وأمر أن يخبر عظيم البحرين أن هذا الكتاب كتاب
رسول الله، عليه الصلاة والسلام، وإن لم يكن سمع ما فيه ولا قرأه، وأما للجزء الثاني فمن
حيث إنه، عليه الصلاة والسلام، كتب كتاباً وبعثه إلى عظيم البحرين ليبعثه إلى كسرى، ولا
شك أنه كتاب من سيدي ذوي العلوم إلى بعض البلدان.
بيان رجاله: وهم ستة، الأول: إسماعيل بن عبد اللَّه، وهو ابن أبي أويس المدني.
الثاني: إبراهيم بن سعد، سبط عبد الرحمن بن عوف. الثالث: صالح بن كيسان الغفاري
المدني. الرابع: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. الخامس: عبيد الله بن عبد الله، بتصغير
الابن وتكبير الأب، أحد الفقهاء السبعة. السادس: عبد اللَّه بن عباس، والكل قد مر ذكرهم.
بيان لطائف إسناده: منها أن فيه التحديث، بالجمع والإفراد، والعنعنة والإخبار. ومنها:
أن رواته كلهم مدنيون. ومنها: أن فيه رواية التابعي عن التابعي.
ے