Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٣٨)
عن سفيان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن يحيى بن يعمر بهذا الحديث، يزيد
وينقص. وأخرجه الترمذي في الإيمان عن أبي عمار الحسين بن حريق الخزاعي عن وكيع به.
وعن محمد بن المثنى عن معاذ بن معاذ به، وعن أحمد بن محمد عن ابن المبارك عن
كهمس به، وقال: حسن صحيح. وأخرجه النسائي في الإيمان عن إسحاق بن إبراهيم عن
النضر بن شميل عن كهمس به. وأخرجه ابن ماجة في السنة عن علي بن محمد عن وكيع
په.
قلت: رواه عن كهمس جماعة من الحفاظ، وتابعه مطر الوراق عن عبيد الله بن بريدة.
وأخرجهما أبو عوانة في (صحيحه)، وسليمان التيمي عن يحيى بن يعمر أخرجهما ابن خزيمة
في (صحيحه)، وكذا رواه عثمان بن عثمان وعبد الله بن بريدة، ولكنه قال: يحيى بن يعمر
وحميد بن عبد الرحمن معاً عن ابن عمر عن عمر، رضي الله عنه. وأخرجه أحمد في
(مسنده)، وقد خالفهم سلیمان بن بریدة أخو عبد الله فرواه عن یحیی بن یعمر عن عبد الله بن
عمر قال: ((بينما نحن عند النبي عَّله))، فجعله من مسند ابن عمر، لا من روايته عن أبيه.
وأخرجه أحمد أيضاً، وكذا رواه أبو نعيم في (الحلية) من طريق عطاء الخراساني عن
يحيى بن يعمر، وكذا روى من طريق عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن عمر، أخرجهما
الطبراني، وفي الباب عن أنس، رضي الله عنه، أخرجه البزار بإسناد حسن، وعن جرير البجلي
أخرجه أبو عوانة في (صحيحه)، وعن ابن عباس وأبي عامر الأشعري أخرجهما أحمد بإسناد
حسن.
بيان اختلاف الروايات فيه: قوله: ((كان النبي عَّهِ بارزاً يوماً للناس))، وفي رواية
أبي داود عن أبي فروة: «کان رسول الله ګے یجلس بين أصحابه فيجيء الغريب، فلا يدري
أيهم حتى يسأل، فطلبنا إلى رسول الله عَّ أن نجعل له مجلساً يعرفه الغريب إذا أتاه، قال
فينينا له دكاناً من طين يجلس عليه، وكنا نجلس بجنبته)). واستنبط منه القرطبي استحباب
جلوس العالم بمكان يختص به، ويكون مرتفعاً إذا احتاج لذلك لضرورة تعليم، ونحوه. قوله:
(فأتاه رجل)) وفي التفسير للبخاري: ((إذ أتاه رجل يمشي))، وفي رواية النسائي عن أبي فروة:
((فإنا لجلوس عنده، إذ أقبل رجل أحسن الناس وجهاً، وأطيب الناس ريحاً لكأن ثيابه لم يمسها
دنس)، وفي رواية مسلم من طريق كهمس من حديث عمر، رضي الله عنه: ((بينما نحن ذات
يوم عند رسول الله عَ ل إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر)). وفي
رواية ابن حبان: ((شديد سواد اللحية، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد حتى جلس
إلى النبي مل﴾. وأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه)). ولسليمان التيمي: ((ليس
عليه سحناء سفر، وليس من البلد، فتخطى حتى برك بين يدي النبي - عليه السلام - كما
يجلس أحدنا في الصلاة ثم وضع يده على ركبتي النبي، عليه السلام)). قلت: السحناء، بفتح
السين والحاء المهملتين والنون، وهي: الهيئة، وكذلك: السحنة، بالتحريك. قال أبو عبيدة:
لم أسمع أحداً يقولها، عنى: السحناء، بالتحريك، غير الفراء.
i
i
i
i
i
i

٤٤٢
١٠٠
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣٨)
قوله: ((فقال ما الإيمان)؟ وزاد البخاري في التفسير: ((فقال: يا رسول الله ما الإيمان))؟
قوله: ((أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله))، وفي رواية الأصيلي: واتفقت الرواة على
ذكرها في التفسير. قوله: ((وبلقائه)) كذا، وقعت هنا بين الكتب والرسل، وكذا لمسلم من
الطريقين، ولم يقع في بقية الروايات، ووقع في حديثي أنس وابن عباس: ((وبالموت وبالبعث
بعد الموت)). قوله: ((ورسله))، وفي رواية الأصيلي: ((وبرسوله))، ووقع في حديث أنس وابن
عباس، رضي الله عنهم: ((والملائكة والكتاب والنبيين)). وكذا في رواية النسائي عن أبي ذر،
وعن أبي هريرة. قوله: ((وتؤمن بالبعث)) زاد البخاري في التفسير: ((وبالبعث الآخر))، وفي
رواية مسلم في حديث عمر، رضي الله عنه ((واليوم الآخر))، وزاد الإسماعيلي في
(مستخرجه) هنا: ((وتؤمن بالقدر))، وهي رواية أبي فروة أيضاً. وفي رواية كهمس وسليمان
التيمي: ((وتؤمن بالقدر خيره وشره))، وكذا في حديث ابن عباس، وكذا لمسلم في رواية
عمارة بن القعقاع، وأكده بقوله في رواية عطاء عن ابن عمر بزيادة: ((حلوه ومره في الله)).
قوله: ((وتصوم رمضان))، وفي حديث عمر، رضي الله عنه: ((وتحج البيت إن استطعت إليه
سبيلاً)). وكذا في حديث أنس في رواية عطاء الخراساني لم يذكر الصوم، وفي حديث أبي
عامر ذكر الصلاة والزكاة فحسب، ولم يذكر في حديث ابن عباس غير الشهادتين، وفي
رواية سليمان التيمي ذكر الجميع، وزاد بعد قوله: ((وتحج البيت وتعتمر وتغتسل من الجنابة
وتتم الوضوء)). وفي رواية مطر الوراق: ((وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة)). وفي رواية مسلم:
((وتقيم الصلاة المكتوبة)). قوله ((أن تعبد الله كأنك تراه))، وفي رواية عمارة بن القعقاع: ((أن
تخشى الله كأنك تراه» وفي رواية أبي فروة: ((فإن لم تره فإنه يراك)). قوله: ((ما المسؤول
عنها بأعلم من السائل))، وفي رواية أبي فروة: ((فنكس فلم يجبه، ثم أعاد فلم يجبه شيئاً، ثم
رفع رأسه قال: ما المسؤول)). قوله ((سأخبرك)) وفي التفسير: ((سأحدثك)). قوله: ((عن
أشراطها)) وفي حديث عمر، رضي الله عنه: ((قال: فأخبرني عن أماراتها)). وفي رواية أبي
فروة: ((ولكن لها علامات تعرف بها)). وفي رواية سليمان التيمي: ((ولكن إن شئت عن
أشراطها؟ قال: أجل))، ونحوه في حديث ابن عباس. وزاد: ((فحدثني)). قوله: ((إذا ولدت
الأمة ربها))، وفي التفسير: ((ربتها))، بتاء التأنيث، وكذا في حديث عمر، رضي الله عنه، وفي
رواية: ((إذا ولدت الأمة بعلها))، يعني السراري، وفي رواية عمارة: ((إذا رأيت الأمة تلد ربتها))،
ونحوه لأبي فروة، وفي رواية عثمان بن غياث: ((إذا ولدت الإماء أربابهن)) بلفظ الجمع. قوله:
((رعاة الإبل البهم)، بضم الياء الموحدة، وفي رواية الأصيلي بفتحها، وفي رواية مسلم:
((رعاء البهم))، وفي رواية: ((وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان))، وزاد
الإسماعيلي في رواية: ((الصم البكم)). قوله: ((في خمس))، وفي حديث ابن عباس، رضي الله
عنهما: ((سبحان الله خمس)، وفي رواية عطاء الخراساني، قال: ((فمتى الساعة؟ قال: هي في
خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله)). قوله: ((والآية)) وفي رواية الإسماعيلي ((وتلا الآية إلى
آخر السورة))، وفي رواية مسلم: ((إلى قوله خبير»، وكذا في رواية أبي فروة. ووقع للبخاري
١٠

٤٤٣
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣٨)
في التفسير: ((إلى الأرحام)). قوله: ((فقال ردوه)) وزاد في التفسير: ((فأخذوا ليردوه فلم يروا
شيئاً). قوله: ((جاء يعلم)، وفي التفسير)): ((ليعلم). وفي رواية الإسماعيلي: ((أراد أن تعلموا،
إذ لم تسألوا)). ومثله لعمارة. وفي رواية أبي فروة: ((والذي بعث محمداً بالحق ما كنت بأعلم
به من رجل منكم، وإنه لجبريل)). وفي حديث أبي عامر: ((ثم ولى فلم نر طريقه، قال النبي،
عليه السلام: سبحان الله! هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم، والذي نفس محمد بيده، ما
جاءني قط إلاَّ وأنا أعرفه إلاّ أن تكون هذه المرة)). وفي رواية سليمان التيمي: ((ثم نهض
فوّى فقال رسول الله عَّله: علي بالرجل، فطلبناه كل مطلبة فلم يقدر عليه، فقال: هل تدرون
من هذا؟ هذا جبريل - عليه السلام - أتاكم ليعلمكم دينكم، خذوا عنه. فوالذي نفسي بيده
ما اشتبه علي منذ أتاني قبل مرتي هذه، وما عرفته حتى ولَّى)). وفي حديث عمر، رضي الله
عنه: ((قال: ثم انطلق فلبث ملياً، ثم قال: يا عمر! أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم.
قال: فإنه جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم)). هذا لفظ مسلم، وفي رواية الترمذي: قال عمر
رضي الله عنه: ((فلقيني رسول الله عَدُ بعد ثلاث، فقال: يا عمر! هل تدري من السائل»؟
الحديث ... وأخرجه أبو داود بنحوه. وفيه: ((فلبثت ثلاثاً). وفي رواية أبي عوانة: ((فلبثنا
ليالي، فلقيني رسول الله عَّ﴾ بعد ثلاث)). وفي رواية ابن حبان: ((بعد ثالثة))، وفي رواية ابن
منده: ((بعد ثلاثة أيام)).
بيان اللغات: قوله: ((كان النبي ◌َّل بارزاً يوماً للناس)) أي: ظاهراً لهم، وجالساً
معهم غير محتجب، والبروز الظهور، وقال ابن سيده: برز يبرز بروزاً: خرج إلى البراز، وهو
الفضاء. وبرزه إليه وأبرزه، وكلما ظهر بعد خفاء فقد برز، قال تعالى: ﴿وترى الأرض بارزة﴾
[الكهف: ٤٧] قال الهروي: أي ظاهرة ليس فيها مستظل ولا متفيأ. وفي (الأفعال) لابن
طريف: برز الشيء برزاً، ذكره عنه صاحب (الواعي). قوله: ((فأتاه رجل)) أي: ملك في صورة
رجل. قوله: ((وملائكته))، جمع ملك، وأصله ملاك، مفعل من الألوكة بمعنى الرسالة، وزيدت
التاء فيه لتأكيد معنى الجمع أو التأنيث الجمع، وهم أجسام علوية نورانية مشكلة بما شاءت
من الأشكال. قوله: ((وبلقائه))، قال الخطابي: أي: برؤية ربه تعالى في الآخرة. قوله: ((ورسله))
جمع رسول. قال الكرماني الرسول هو النبي الذي أنزل عليه الكتاب. والنبي أعم منه. قلت:
هذا التعريف غير صحيح لأنه غير جامع، لأن كثيراً من الأنبياء، عليهم السلام، لم ينزل
علیھم کتب، وهم رسل مثل: سليمان وأيوب ولوط ويونس وزكريا ويحيى ونحوهم،
والتعريف الصحيح أن يقال: الرسول من أنزل عليه كتاب أو أنزل عليه ملك، والنبي بخلافه،
فكل رسول نبي ولا عكس. قوله: ((بالبعث))، وهو بعث الموتى من القبور، ويقال: المراد منه
بعثة الأنبياء - عليه السلام - والأول أظهر. قوله: (أن تعبدوا الله)) من العبادة، وهي الطاعة مع
خضوع وتذلل. قال الهروي: يقال: طريق معبد إذا كان مذللاً للسالكين، وكل من دان للملك
فهو عابد له. وفي (المحكم) عبد الله يعبده عبادة ومعبدة ومعبدة، تأله له. وفي (الصحاح):
التعبد التنسك. قوله: ((ما الإحسان))؟ مصدر: أحسن من حسن من الحسن، وهو ضد القبح،
i
i
i
٠٠٠٠
٦
i
i
٠٠١/١/٠٠٠٠
اسے
i
i
بيو

٤٤٤
داه .
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣٨)
وسيأتي عن قريب معناه الشرعي. قوله: ((عن أشراطها))، بفتح الهمزة جمع: شرط، بالتحريك
يعني: علاماتها. وقيل: مقدماتها، وقيل: صغار أمورها. وفي (المحكم) و (الجامع): أوائلها.
وفي (الغريبين) عن الأصمعي: ومنه الاشتراط الذي يشترط بعض الناس على بعض، إنما هي
علامة يجعلونها بينهم. والمراد: أشراطها السابقة لأشراطها المقارنة لها؛ كطلوع الشمس من
مغربها، وخروج الدابة، ونحوهما ... قوله: ((ربها)) الرب المالك والسيد والمصلح، وفي
(العباب): رب كل شيء مالكه، والرب اسم من أسماء الله تعالى، ولا يقال في غيره إلا
بالإضافة، وقد قالوه في الجاهلية للمالك، قال الحارث بن حلزة اليشكري في المنذر ماء
السماء:
يوم الحوارين والبلابلا
وهو الرب والشهيد علي
وقال ابن الأنباري: ويقال: الرب، مخففاً، وربيت القوم أي: كنت فوقهم، ورب
الضيعة: أصلحها وأتمها، ورب فلان ولده يربه ربا، ورب بالمكان: أقام به، والربة: المولاة. ثم
قال: وفي حديث النبي - عليه السلام - حين سأله جبريل - عليه السلام - عن أمارات الساعة
فقال: ((أن تلد الأمة ربتها)). ويقال: فلانة ربة البيت، وهن ربات الحجال. قوله: ((وإذا
تطاول)) أي: تفاخر بطول البنيان وتكبر به. والرعاة، بضم الراء، جمع راع، كالقضاة جمع
قاض، وكذا الرعاة، بكسر الراء، جمع راع، كالجياع جمع جايع. قوله: ((والبهم)) بضم الباء
الموحدة، جمع: الأبهم، وهو الذي لا شية له، قاله الكرماني. وقال القاضي: جمع بهيم، وهو
الأسود الذي لا يخالطه لون غيره، وهو شر الإبل. قلت: إذا كان البهم صفة للرعاة ينبغي أن
یکون جمع: بھیم، وإن کان صفة للإبل ينبغي أن یکون جمع: بهماء، و کلا الوجهین جائز،
كما نذكره في الإعراب. وأما: البهم، بفتح الباء، كما هو في رواية الأصيلي، فلا وجه له
ههنا. قاله القاضي عياض. وأما قوله في رواية مسلم: ((رعاء البهم)، فهو بفتح الباء، فهو
جمع: بهيمة، وهي صغار الضأن والمعز. وقال النووي: هذا قول الجمهور، وقال بعضهم:
رواية مسلم ((إذا رأيت رعاء البهم)) بحذف لفظة إبل، أنسب من رواية البخاري، وهي زيادة
لفظة الإبل، لأنهم أضعف أهل البادية، أما أهل الإبل فهم أهل الفخر والخيلاء، والمعنى في
الكل: أن أهل الفقر والحاجة تصير لهم الدنيا حتى يتباهوا في البنيان. قلت: ذكر ابن التيان
في كتاب (الموعب) أن: البهم صغار الضأن، الواحدة بهمة للذكر والأنثى، والجمع: بهم،
وجمع البهم: بهام وبهامات. وفي (العين) البهمة اسم للذكر والأنثى من أولاد بقر الوحش،
ومن كل شيء من ضرب الغنم والمعز، وفي (المخصص): يكون بعد العشرين يوماً بهمة من
الضأن والمعز إلى أن يفطم. وفي (المحكم): وقيل: هي بهمة، إذا شبت، والجمع: بهم
وبهم وبهام وبهامات جمع الجمع. وقال ثعلب: البهم صغار المعز، وفي (الجامع) للقزاز:
بهمة، مفتوحة الباء ساكنة الهاء يقال لأولاد الوحش من الظباء وما جانس الضأن والمعز بهم.
وفي (الصحاح): البهام جمع بهم، والبهم جمع بهمة، والبهمة اسم للمذكر والمؤنث.
والسخال أولاد المعز، فإذا اجتمعت البهام والسخال قلت لهما جميعاً: بهام وبهم أيضاً وفي

٤٤٥
٢ - كتابُ الإِيمانِ / باب (٣٨)
(المغيث) لأبي موسى المديني: وقيل: البهمة السخلة. انتهى. والبهيمة: ذوات الأربع من
دواب البر والبحر. قوله: ((ثم أدبر)) من الإدبار وهو: التولي.
بيان الإعراب: قوله: (بارزاً) نصب لأنه خبر: ((كان)). قوله: ((يوم)) نصب على
الظرف. قوله: ((الناس)) يتعلق ببارزاً. قوله: ((ما الإيمان)) جملة إسمية وقعت مقول القول.
قوله: (أن تؤمن)) خبر المبتدأ، أعني قوله: ((الإيمان)، وأن، مصدرية. قوله: ((وتؤمن)) بالنصب
عطفاً على قوله: ((أن تؤمن)). قوله: ((أن تعبد الله) في محل الرفع على أنه خبر للمبتدأ أعني
قوله: ((الإسلام)) و: أن، مصدرية قوله: ((ولا تشرك)) بالنصب عطفاً على: ((أن تعبد)». قوله:
(شيئاً)، نصب على أنه مفعول: لتشرك. قوله: ((وتقيم)، بالنصب عطفاً على: أن تعبد،
وكذلك: تؤدي الزكاة، وكذلك: وتصوم رمضان، وأن، مقدرة في الجميع. قوله: ((ما
الإحسان))؟ كلمة: ما للاستفهام مبتدأ و: الإحسان، خبره، والألف واللام فيه للعهد في قوله
تعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس: ٢٦] و﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾
[الرحمن: ٦٠] ﴿وأحسنوا إن الله يحب المحسنين﴾ [البقرة: ١٩٥] ولتكرره في القرآن
وترتب الثواب عليه سأل عنه جبريل عليه السلام. قوله: ((قال: أن تعبد الله)) أي: قال النبي
عَّ في جوابه: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فقوله: أن، مصدرية في محل الرفع على
أنها خبر مبتدأ محذوف تقديره: الإحسان عبادتك الله كأنك تراه. وقال الكرماني: فإن قلت:
كأنك ما محله من الإعراب؟ قلت: هو حال من الفاعل أي: تعبد الله مشبهاً بمن يراه. انتهى
كلامه. قلت: تحقيق الكلام هنا أن: كأن، للتشبيه. قال الجوهري في فضل أن: وقد تزاد
علی أن کاف التشبيه، تقول: كأنه شمس، وقال غيره: إنه حرف مركب عند الجمهور، حتى
ادعى ابن هشام وابن الخباز الإجماع عليه، وليس كذلك، قالوا: والأصل في: كأن زيداً
أسدٌ، أن زيداً كأسد، ثم قدم حرف التشبيه اهتماماً به، ففتحت همزة أن لدخول الجارة؛
وذكروا لها أربعة معان: أحدها: وهو الغالب عليها والمتفق عليه: التشبيه، وهذا المعنى أطلقه
الجمهور لكأن، وزعم جماعة منهم ابن السيد أنه لا يكون إلا إذا كان خبرها إسماً جامداً
نحو: كأن زيداً أسد، بخلاف: كأن زيداً قائم، أو: في الدار، أو عندك. أو: يقدم. فإنها في
ذلك كله للظن. والثاني: الشك والظن. والثالث: التحقيق. والرابع: التقريب، قاله الكوفيون
وحملوا عليه قوله: ((كأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل)). فإذا علم هذا فنقول: قوله:
كأنك تراه، ينزل على أي معنى من المعاني المذكورة؟ فالأقرب أن ينزل على معنى التشبيه،
فالتقدير: الإحسان عبادتك الله تعالى حال كونك في عبادتك مثل حال كونك رائياً، وهذا
التقدير أحسن وأقرب للمعنى من تقدير الكرماني، لأن المفهوم م تقديره أن يكون هو في
حال العبادة مشبهاً بالرائي إياه، وفرق بين عبادة الرائي بنفسه وعبادة المشبه بالرائي بنفسه،
وأما على قول ابن السيد فتحمل: كأن، على معنى الظن، لأن خبرها غير جامد. فافهم. قوله:
(فإن لم تكن تراه)) أي: فإن لم تكن ترى الله. وكلمة: إن للشرط، وقوله: ((لم تكن تراه)
جملة وقعت فعل الشرط. فإن قلت: أين جزاء الشرط؟ قلت: محذوف تقديره: فإن لم تكن
i
١
i
i
/٠٣

٤٤٦
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣٨)
تراه فأحسن العبادة فإنه يراك. فإن قلت: لِمَ لا يكون قوله: فإنه يراك، جزاء للشرط؟ قلت: لا
يصح، لأنه ليس مسبباً عنه، وينبغي أن يكون فعل الشرط سبباً لوقوع الجزاء، كما تقول في:
إن جئتني أكرمتك، فإن المجيء هو السبب للإكرام، وعدمه سبب لعدمه، وههنا عدم رؤية
العبد ليست بسبب لرؤية الله تعالى، فإن الله تعالى يراه سواء وجدت من العبد رؤية أو لم
توجد. فإن قلت: ما الفاء في قوله: فإنه؟ قلت: للتعليل على ما لا يخفى. قوله: ((متى
الساعة))؟ جملة إسمية وقعت مقول القول. وفي بعض النسخ: فمتى، فإن صحت: فالفاء،
فيها زائدة. قوله: (ما المسؤول))، كلمة ما، بمعنى ليس، وقوله: بأعلم، خبرها. وزيدت فيها:
الباء، لتأكيد معنى النفي. قوله: ((وسأخبرك)) السين هنا لتأكيد الوعد بالإخبار، كما في قوله
تعالى: ﴿فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم﴾ [البقرة: ١٣٧] ومعنى السين أن ذلك كائن لا
محالة. وإن تأخر إلى حين. قوله: ((إذا ولدت الأمة)) إنما قال: إذا، ولم يقل إن،، لأن الشرط
محقق الوقوع فجاء بلفظ: إذا التي للجزم بوقوع مدخولها، فلهذا يصح أن يقال: إذا قامت
القيامة كان كذا. ولا يصح أن يقال: إن قامت القيامة كان كذا. فإن قلت: أين الجزاء؟
قلت: هو محذوف تقديره: إذا ولدت الأمة، فهي: أي الولادة من أشراطها. وقال الكرماني:
والأظهر أن تكون إذا متمحضة لمجرد الوقت، أي: وقت الولادة ووقت التطاول. قلت: هذا
تقدير ناقص، والمعنى الصحيح عندي كون إذا لمجرد الوقت، وأن يقدر مبتدأ محذوف،
والتقدير: وسأخبرك عن أشراطها: هي وقت ولادة الأمة ربها، ووقت تطاول الرعاء في البنيان.
قوله: ((رعاة الإبل)) كلام إضافي مرفوع لأنه فاعل تطاول، وقوله: ((البهم))، روي بالرفع على
أنه صفة للرعاة، أي: الرعاة السود. وقال الخطابي: معناه الرعاء المجهولون الذين لا يعرفون،
جمع: أبهم، ومنه: أبهم الأمر فهو مبهم إذا لم تعرف حقيقته. وروي بالجر على أنه صفة
للإبل أي: رعاة الإبل السود، قالوا: وهي شرها، كما ذكرناها عن قريب. قوله: ((في البنيان))
يتعلق بقوله: تطاول. قوله: ((في خمس)) في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره:
علم وقت الساعة في جملة خمس. وقوله: ((ولا يعلمهن إلاّ الله)) صفة لخمس، ومحلها
الجر أو التقدير: هي في خمس من الغيب، كما جاء في رواية عطاء الخراساني: ((هي في
خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله)). قوله: (الآية)) يجوز فيه الرفع على تقدير أن يكون مبتدأ
محذوف الخبر، أي: الآية مقروءة إلى آخرها ... والنصب، على تقدير أن يكون مفعولاً لفعل
مقدر، أي: اقرأ الآية ... والجر، على تقدير: إلى الآية، أي: إلى مقطعها وتمامها، وفيه ضعف
لا يخفى. قوله: ((هذا جبريل))، جاء مثل قوله: هذا زيد قام. قوله: ((يعلم الناس)) جملة
وقعت حالاً، فإن قلت: لم يكن معلماً وقت المجيء، فكيف يكون حالاً؟ قلت: هذه حال
مقدرة، كما في قوله تعالى: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين﴾ [الفتح: ٢٧].
بيان المعاني: قوله: ((فأتاه رجل)) ... قد ذكرنا في حديث عمر في رواية مسلم:
بينما نحن جلوس عند رسول الله عَ ل ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب،
شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي - عليه

٤٤٧
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣٨)
السلام - فأسند ر کیتیه إلى ركبتيه، ووضع کفیه علی فخذيه، وقال: يا محمد! أخبرني عن
الإسلام» .. الحديث. والضمير في: فخذيه، يعود على النبي - عليه السلام - وقال النووي:
على فخذي نفسه، يعني: نفس جبريل - عليه السلام - وأعاد الضمير إليه، وتبعه على ذلك
التوربشتي شارح (المصابيح)، وليس كذلك، بل الضمير يعود على النبي - عليه السلام -
كما ذكرنا، والدليل على ذلك ما جاء في رواية سليمان التيمي: «ثم وضع يده على ركبتي
النبي)). وبه جزم البغوي، وإسماعيل التيمي، ورجحه الطيبي من جهة البحث. والظاهر أنه لم
يقف على رواية سليمان، فلذلك رجحه من جهة البحث، ونظر النووي فيما قاله التنبيه على
أنه جلس كهيئة المتعلم بين يدي من يتعلم منه لاقتضاء باب الأدب ذلك، ولكن على رواية
سليمان: إنما فعل جبريل ذلك لزيادة المبالغة في تعمية أمره ليقوى ظن الحاضرين أنه من
جفاة الأعراب، ولهذا تخطى الناس حتى انتهى إلى النبي - عليه السلام - كما ذكرناه في
رواية سليمان التيمي، ولهذا استغربت الصحابة، رضي الله عنهم، صنيعه، لأنه ليس من أهل
البلد، وجاء ماشياً ليس له أثر السفر، فإن قيل: كيف عرف عمر، رضي الله عنه، أنه لم يعرفه
أحد؟ قيل: من قول الحاضرين، كما في رواية عثمان بن عفان: فنظر القوم بعضهم إلى
بعض، فقالوا: ما نعرف هذا.
قوله: ((أن تؤمن بالله)). الإيمان بالله هو التصديق بوجوده تعالى، وأنه لا يجوز عليه
العدم. وأنه تعالى موصوف بصفات الجلال والكمال من العلم والقدرة والإرادة والكلام
والسمع والبصر والحياة، وأنه تعالى منزه عن صفات النقص التي هي أضداد تلك الصفات،
وعن صفات الأجسام والمتحيزات، وأنه واحد حق صمد فرد خالق جميع المخلوقات،
متصرف فيها بما شاء من التصرفات، يفعل في ملكه ما يريد، ويحكم في خلقه ما يشاء.
قوله: ((وملائكته» أي: الإيمان بجمیع ملائكته، فمن ثبت تعيينه: کجبريل وميكائيل وإسرافيل
وعزرائيل عليهم السلام وجب الإيمان به، ومن لم يعرف اسمه آمنا به إجمالاً، وكذلك الأنبياء
المرسلون، من علمنا اسمه آمنا به، ومن لم نعلم آمنا به إجمالاً. وما كان من ذلك ثابتاً
بالنص أو التواتر كفر من يكفر به، والإيمان برسل الله، عليهم السلام، هو بأنهم صادقون فيما
أخبروا به عن الله تعالى، وأن الله تعالى أيدهم بالمعجزات الدالة على صدقهم، وأنهم بلغوا
عن الله رسالاته، وبينوا للمكلفين ما أمرهم ببيانه، وأنه يجب احترامهم، وأن لا يفرق بين أحد
منهم. قوله: ((وبلقائه)) الإيمان بلقائه هو التصديق برؤية الله تعالى في الآخرة. قاله الخطابي،
واعترض عليه النووي بأن أحداً لا يقطع لنفسه برؤية الله تعالى، فإنها مختصة لمن مات
مؤمناً، والمرء لا يدري بم يختم له، فکیف یکون من شروط الإيمان؟ ورد عليه، بأن المراد:
الإيمان بأن ذلك حق في نفس الأمر، وقد قيل: إنها مكررة لأنها داخلة في الإيمان بالبعث،
وهو القيام من القبور. قلنا: لا نسلم التكرار، لأن المراد باللقاء ما بعد تلك، وقال النووي:
اختلفوا في المراد بالجمع بين الإيمان بلقاء الله والبعث، فقيل: اللقاء يحصل بالانتقال إلى
دار الجزاء والبعث عند قيام الساعة، وقيل: اللقاء ما يكون بعد البعث عند الحساب. قوله:
أجورة
جوة

٤٤٨
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣٨)
((وتقيم الصلاة)) المراد بها المكتوبة، كما صرح بها في رواية مسلم، وهو احتراز عن النافلة،
فإنها، وإن كانت من وظائف الإسلام، لكنها ليست من أركانه فتحمل المطلقة ههنا على
المقيدة في الرواية الأخرى جمعاً بينهما. قوله: ((الزكاة المفروضة)) قيل: احترز بالمفروضة
عن الزكاة المعجلة قبل الحول فإنها ليست مفروضة حال الأداء، وقيل: احتراز من صدقة
التطوع، فإنها زكاة لغوية. قوله: (ما الإحسان)؟ وهو يستعمل لمعنيين: أحدهما متعد بنفسه
كقولك: أحسنت كذا، إذا حسنته وكملته، منقولة بالهمزة من حسن الشيء، والآخر: بحرف
الجر كقولك: أحسنت إليه، إذا أوصلت إليه النفع والإحسان، وفي الحديث بالمعنى الأول،
فإنه يرجع إلى إتقان العبادات ومراعاة حق الله تعالى ومراقبته.
ويقال الإحسان على مقامين: الأول: كما قال ◌َ له: ((أن تعبد الله كأنك تراه) فهذا
مقام. الثاني: قوله: ((فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) قال عبد الجليل: الأول: على ثلاثة
أقسام:
الأول في مقام الإسلام، وذلك أن الأمور في عالم الحس ثلاثة: معاصي وطاعات
ومباحات المعايش. فأما قسم المعاصي: على اختلاف أنواعها فإن العبد مأمور بأن يعلم أن
الله يراه، فإذا هم بمعصية وعلم أن الله يراه ويبصره، على أي حالة كانت، وأنه يعلم خائنة
الأعين وما تخفي الصدور، كف عن المعصية ورجع عنها. وأما الإنسان فيذهل عن نظر الله
إليه فينسى حين المعصية أنه يراه، أو يكون جاهلاً فيظن أن الله تعالى بعيد منه، ولا يتذكر،
ويعلم أنه يحرك جوارحه حين العمل المعمول، فينسى ذلك أو يجهل، فيقع في المعصية. ولو
علم وتحقق أن والده، أو رجلاً كبيراً لو يراه حين المعصية لكف عنها وهرب منها، فإذا علم
العبد أن الله يراه في حين المعصية كف عنها بحصول البرهان الإحساني عنده، وهو البرهان
الذي أوتيه، ورآه يوسف عليه السلام، وهو قيام الدليل الواضح العلمي بأن الله تعالى موجود
حق، وأنه ناظر إلى كل شيء، ومصرف لكل شيء ومحركه ومسكنه، فمن أراه الله تعالى
هذا البرهان عند جميع المهمات صرف عنه السوء والفحشاء من جميع المنكرات. الثاني:
قسم الطاعات، فهي أن تعلم أن الله تعالى موجود حق، وتبرهن عنده أنه يراه لا محالة، إلاّ
أن يكون زنديقاً جاحداً، لا يقر برب فإن كان مقراً بوجوده فترك العبادة فإنما تركها تهاوناً
النقصان البرهان الإحساني عنده، وهذه حال المضيعين للفرائض لجهلهم بقدر الأمر وقدر
آمره. الثالث: من المباحات، وهو محل الغفلة والسهو عن هذا المقام الإحساني، فإذا تذكر
العبد أن الله تعالى يراه في تصرفه، وأنه أمره بالإقبال عليه وقلة الإعراض عنه، استحبى أن يراه مكباً
على الخسيس الفاني، مستغرقاً في الاشتغال به عن ذكره، وعن الإقبال على ما يقطع عنه.
المقام الثاني في عالم الغيب، فإن العبد إذا ذكر في مواطن الآخرة من موت وقبر
وحشر وعرض وحساب وغير ذلك، وعلم أنه معروض على الله تعالى في ذلك العالم
ومواطنه، تهيأ لذلك العرض، فيتزين للآخرة بزينة أهل الآخرة ما استطاع.
وأما المقام الثالث في الإحسان، فإن العبد إذا علم أن سره موضع نظر الله تعالى،

٤٤٩
٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٣٨)
وجب عليه تصفية سره لمولاه، وإصلاح ذلك وتنقيته مما يكرهه الله تعالى أن يراه وينظر إليه
في قلوب أوليائه، فيزيل الصفات المهلكات، ويطهره منها، ويتصف بالمحمودات حتى
يجعل سره كالمرآة المجلوة.
قوله: ((كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) قال النووي: هذا أصل عظيم من
أصول الدين، وقاعدة مهمة من قواعد المسلمين، وهو عمدة الصديقين، وبغية السالكين، وكنز
العارفين، ودأب الصالحين، وتلخيص معناه: أن تعبد الله عبادة من يرى الله تعالى ويراه الله
تعالى، فإنه لا يستبقي شيئاً من الخضوع والإخلاص وحفظ القلب والجوارح، ومراعاة الآداب
ما دام في عبادته. وقوله: ((فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) يعني: أنك إنما تراعي الأدب، إذا رأيته
ورآك لكونه يراك لا لكونك تراه، وهذا المعنى موجود، وإن لم تره لأنه يراك. وحاصله الحث
على كمال الإخلاص في العبادة، ونهاية المراقبة فيها، وقال: هذا من جوامع الكلم التي
أوتيها رسول الله، عليه الصلاة والسلام، وقد ندب أهل الحقائق إلى مجالسة الصالحين
ليكون ذلك مانعاً من تلبسه بشيء من النقائص، احتراماً لهم واستحياءً منهم، فكيف بمن لا
يزال الله تعالى مطلعاً عليه في سره وعلانيته؟ وقال القاضي عياض: قد اشتمل على شرح
جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة من عقود الإيمان، وأعمال الجوارح، وإخلاص السرائر،
والحفظ من آفات الأعمال حتى إن علوم الشريعة كلها راجعة إليه ومتشعبة منه. قوله: ((متى
الساعة)) الساعة: مقدار من الزمان غير معين لقوله تعالى: ﴿ما لبثوا غير ساعة﴾ [الروم: ٥٥]،
وفي عرف أهل الشرع عبارة عن يوم القيامة، وفي عرف المعدلين جزء من أربعة وعشرين
جزءاً من أوقات الليل والنهار.
وحدة
i
i
i
FML
٠٠٠
قوله: ((إذا ولدت الأمة ربها))، أي: مالكها وسيدها، وذكروا في معنى هذا أوجهاً:
الأول: قال الخطابي: معناه اتساع الإسلام واستيلاء أهله على بلاد الشرك، وسبي ذراريهم،
فإذا ملك الرجل الجارية واستولدها كان الولد فيه بمنزلة ربها، لأنه ولد سيدها، وقال النووي
وغيره: هذا قول الأكثرين وقال بعضهم: لكن في كونه المراد نظر، لأن استيلاد الإماء كان
موجوداً حين المقالة، والاستيلاء على بلاد الشرك وسبي ذراريهم واتخاذهم سراري وقع أكثره
في صدر الإسلام، وسياق الكلام يقتضي الإشارة إلى وقوع ما لم يقع مما سيقع في قيام
الساعة. قلت: في نظره نظر، لأن قوله: إذا ولدت الأمة ربها، كناية عن كثرة التسري من
كثرة فتوح المسلمين واستيلائهم على بلاد الشرك، وهذا بلا شك، لم يكن واقعاً وقت
المقالة، والتسري، وإن كان موجوداً حين المقالة، ولكنه لم يكن من استيلاء المسلمين على
بلاد الشرك، والمراد: أن يكون من هذه الجهة. فافهم. والثاني: معناه أن الإماء يلدن
الملوك، فتكون أم الملك من جملة الرعية وهو سيدها وسيد غيرها من رعيته، وهذا قول
إبراهيم الحربي. والثالث: معناه أن تفسد أحوال الناس فيكثر بيع أمهات الأولاد في آخر
الزمان، فيكثر تردادها في أيدي المشترين، حتى يشتريها ابنها وهو لا يدري، وعلى هذا القول
لا يختص بأمهات الأولاد، بل يتصور في غيرهن، فإن الأمة قد تلد حراً بوطىء غير سيدها
عمدة القاري / ج١ - م٢٩

15
٤٥٠
٢ -- کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣٨)
بشبهة، أو ولداً رقيقاً بنكاح أو زنا، ثم تباع الأمة في الصورتين بيعاً صحيحاً، وتدور في
الأيدي حتى يشتريها ابنها أو بنتها، وعلى هذا يكون من الأشراط غلبة الجهل بتحريم بيع
أمهات الأولاد. والرابع: أن أم الولد لما عتقت بولدها فكأنه سيدها، وهذا بطريق المجاز،
لأنه لما كان سبباً في عتقها بموت أبيه، أطلق عليه ذلك. والخامس: أن يكثر العقوق في
الأولاد، فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة وغير ذلك، وأطلق عليه ربها مجازاً
لذلك، وقال بعضهم: يجوز أن يكون المراد بالرب المربي، فيكون حقيقة، وهذا أوجه
الأوجه عندي لعمومه. قلت: هذا ليس بأوجه الأوجه، بل أضعفها، لأن النبي عَ لّه، إنما عد
هذا من أشراط الساعة لكونه على نمط خارج الاستغراب، أو على وجه دال على فساد أحوال
الناس، والذي ذكره هذا القائل ليس من هذا القبيل، فافهم. وأما رواية بعلها، فالصحيح في
معناها أن: البعل هو السيد أو المالك، فيكون بمعنى ربها على ما سلف. قال أهل اللغة: بعل
الشيء ربه ومالكه، قال تعالى: ﴿أتدعون بعلاً﴾ [الصافات: ١٢٥] أي: رباً. قاله ابن عباس،
والمفسرون وقيل: المراد هنا: الزوج، وعلى هذا معناه نحو ما سبق: أنه يكثر بيع السراري
حتى يتزوج الإنسان أمه ولا يدري، وهذا أيضاً معنى صحيح إلاَّ أن الأول أظهر لأنه إذا أمكن
حمل الروايتين في القضية الواحدة على معنى واحد كان أولى.
قوله: (وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان)) المعنى: أن أهل البادية أهل الفاقة،
تنبسط لهم الدنيا حتى يتباهوا في إطالة البنيان، يعني العرب تستولي على الناس وبلادهم،
ويزيدون في بنيانهم، وهو إشارة إلى اتساع دين الإسلام، كما أن العلامة الأولى أيضاً فيها
اتساع الإسلام، قال الكرماني: ومحصله أن من أشراطها تسلط المسلمين على البلاد والعباد،
وقال ابن بطال: معناه أن ارتفاع الأسافل من العبيد، والسفلة الجمالين وغيرهم من علامات
القيامة. وروى الطبراني من حديث ابن أبي جمرة، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، مرفوعاً:
((من انقلاب الدين تفصح النبط، واتخاذهم القصور في الأمصار)). وقال القرطبي: المقصود
الإخبار عن تبدل الحال بأن يستولي أهل البادية على الأمر، ويتملكوا البلاد بالقهر، فتكثر
أموالهم، وتنصرف هممهم إلى تشييد البنيان والتفاخر به، وقد شاهدنا ذلك في هذا الزمان.
وقال الطيبي: المقصود أن علاماتها انقلاب الأحوال، والقرينة الثانية ظاهرة في صيرورة الأعزة
أذلة، ألا ترى إلى الملكة بنت النعمان حيث سبيت وأحضرت بين يدي سعد بن أبي وقاص،
رضي الله عنه، كيف أنشدت:
إذ نحن فيهم سوقة نتنصف
بينا نسوس الناس والأمر أمرنا
تقلب تارات بنا وتصرف
فأفّ لدنيا لا يدوم نعيمها
قوله: ((في خمس)) إلى آخره. قال القرطبي: لا مطمع لأحد في علم شيء من هذه
الأمور الخمس لهذا الحديث، وقد فسر النبي عَ لل قول الله تعالى: ﴿وعنده مفاتح الغيب لا
يعلمها إلاَّ هو﴾ [الأنعام: ٥٩] بهذه الخمس وهو الصحيح. قال: فمن ادعى علم شيء منها
غير مسند إلى رسول الله عَ ليه، كان كاذباً فى دعواه. قال: وأما ظن الغيب فقد يجوز من
١٠٠٠

٤٥١
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣٨)
المنجم وغيره إذا كان غير أمر عادي، وليس ذلك بعلم، وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على
تحريم أخذ الأجرة والجعل وإعطائها في ذلك.
استنباط الأحكام: وهو على وجوه. الأول: فيه أن الإيمان هو أن يؤمن العبد بالله
وملائكته وبلقائه ورسله ويؤمن بالبعث والنشور. الثاني: أن الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به
شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان. الثالث: أن الإحسان أن تعبد الله كأنه
يراك وتراه. الرابع: احتج به من يدعي تغاير الإيمان والإسلام، ومع هذا تقدم غير مرة أن
الإسلام والإيمان والدين عند البخاري عبارات عن معنى واحد، وقال محيي السنة: جعل النبي
عَّ الإسلام إسماً لما ظهر من الأعمال، والإيمان اسماً لما بطن من الاعتقاد، وليس ذلك،
لأن الأعمال ليست من الإيمان، والتصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل ذلك تفصيل لجملة
هي كلها شيء واحد، وجماعها الدين، ولهذا قال، عليه الصلاة والسلام: ((أتاكم جبريل
يعلمكم دينكم)) والتصديق، والعمل يتناولهما اسم الإيمان والإسلام جميعاً. وقال ابن الصلاح:
ما في الحديث بيان لأصل الإيمان، وهو التصديق الباطن، وأصل الإسلام وهو الاستسلام
والانقياد الظاهر، ثم اسم الإيمان يتناول ما فسر به الإسلام وسائر الطاعات لكونها ثمرات
للتصديق الباطن الذي هو أصل الإيمان، ولهذا فسر الإيمان في حديث الوفد بما هو الإسلام
ههنا، واسم الإسلام يتناول أيضاً ما هو أصل الإيمان، وهو التصديق الباطن، ويتناول الطاعات،
فإن ذلك كله استسلام، فتحقق ما ذكرنا أنهما يجتمعان فيه ويتفرقان. وقال من قال: إنهما
حقيقتان متباينتان أن حديث جبريل - عليه السلام - جاء على الوضع الأصلي بالتفرقة بين
الإيمان والإسلام، فالإيمان في اللغة: التصديق مطلقاً، وفي الشرع: التصديق بقواعد الشرع.
والإسلام في اللغة: الاستسلام والانقياد، ومنه قوله تعالى: ﴿قل لم تؤمنوا ولكن قولوا
أسلمنا﴾ [الحجرات: ١٤] وفي الشرع: الانقياد في الأفعال الظاهرة الشرعية، لكن الشرع
توسع فأطلق الإيمان على الإسلام في حديث وفد عبد القيس. وقوله: ((الإيمان بضع وسبعون
باباً أدناها إماطة الأذى عن الطريق)). وأطلق الإسلام يريد به الأمرين. قال الله تعالى: ﴿إِن
الدين عند الله الإسلام﴾ [آل عمران: ١٩]. وقال بعض العلماء: تنافس العلماء في هذه
الأسماء تنافساً لا طائل تحته، فإنهم متفقون على أنه يستفاد منها بالشرع زيادة على أصل
الوضع، فهل ذلك المعنى يصير تلك الأسماء موضوعة كالوضع الابتدائي كما في لفظ الدابة؟
أو هي مبقاة على الوضع اللغوي، والشرع إنما تصرف في شروطها وأحكامها؟
قلت: وهذا الثاني هو قول القاضي أبي بكر الباقلاني، قال: والقول بالأول يحصل
غرض الشيعة على الصحابة، فإذا قيل: إن الله تعالى وعد المؤمنين بالجنة وهم قد آمنوا،
يقولون: الإيمان هو التصديق في قلوبهم، لكن الشرع نقل هذه الألفاظ إلى الطاعات، وهم
صدقوا وما أطاعوا في أمر الخلافة، فإذا قلنا: لم تنقل انسد الباب الرديء وقد قال الشيخ أبو
إسحاق الشيرازي: يمكننا أن نقول: بأن الأسماء الشرعية منقولة إلا هذه المسألة. الخامس:
وجوب الإيمان بهذه المذكورات في الحديث. السادس: فيه عظم مرتبة هذه الأركان التي
i
i

٤٥٢
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣٨)
فسر الإسلام بها. السابع: فيه جواز قول رمضان بلا شهر. الثامن: فيه عظم محل الإخلاص
والمراقبة. التاسع: فيه لا أدري، من العلم والاعتراف بعدم العلم، وأن ذلك لا ينقصه ولا
يزيل ما عرف من جلالته، بل ذلك دليل على ورعه وتقواه، ووفور علمه وعدم تبجحه بما
ليس عنده. العاشر: فيه دليل على تمثل الملائكة بأي صورة شاؤوا من صور بني آدم كقوله
تعالى: ﴿فتمثل لها بشرا سويا﴾ [مريم: ١٧] وقد كان جبريل - عليه السلام - يتمثل بصورة
دحية، ولم يره النبي عَّه في صورته التي خلق عليها غير مرتين. فإن قلت: لو كان جبريل -
عليه السلام - متمثلاً بصورة دحية في ذلك الوقت لکان النبي - عليه السلام - عرفه من أول
الأمر، وما عرف أنه جبريل إلاَّ في آخر الحال. قلت: ادعى أن جبريل ما يتمثل إلاَّ بصورة
دحية فقط فعليه البيان على أن الذي ذكرنا من الروايات أن جبريل أتاه في صورة رجل حسن
الهيئة لكنه غير معروف لديهم يرد عليهم. فإن قلت: وقع في رواية النسائي من طريق أبي
فروة، في آخر الحديث: وأنه لجبريل نزل في صورة دحية الكلبي. قلت: قوله نزل في صورة
دحية الكلبي، وهم لأن دحية معروف عندهم، وقد قال عمر، رضي الله عنه، في حديثه: ما
يعرفه منا أحد، وقد أخرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب الإيمان له من الوجه الذي
أخرجه منه النسائي، فقال في آخره: ((فإنه جبريل جاء ليعلمكم دينكم)) حسب، وهذه الرواية
هي المحفوظة لموافقتها باقي الروايات. الحادي عشر: قال القرطبي: هذا الحديث يصلح
أن يقال له: أم السنة، لما تضمن من جملة علم السنة. وقال الطيبي: لهذه النكتة استفتح به
البغوي كتابه (المصابيح)، وشرح السنة اقتداء بالقرآن في افتتاحه بالفاتحة، لأنها تضمنت
علوم القرآن إجمالاً. وقال القاضي عياض: اشتمل هذا الحديث على جميع وظائف العبادات
الظاهرة والباطنة من عقود الإيمان ابتداء، وحالاً، ومآلاً، ومن أعمال الجوارح، ومن إخلاص
السرائر، والتحفظ من آفات الأعمال، حتى إن علوم الشريعة كلها راجعة إليه ومتشعبة منه.
الثاني عشر: فيه دليل على أن رؤية الله تعالى في الدنيا بالإبصار غير واقعة، فإن قلت:
فالنبي عَ لّه قد رآه، قلت: قال بعضهم: وأما النبي - عليه السلام - فذاك لدليل آخر. قلت:
رؤية النبي - عليه السلام - ربه، عز وجل، لم يكن في دار الدنيا، بل كانت في الملكوت
العليا، والدنيا لا تطلق عليها. والدليل الصريح على عدم وقوع رؤية الله تعالى بالإبصار في
الدنيا، ما رواه مسلم من حديث أبي أمامة، قال عليه السلام: ((واعلموا أنكم لن تروا ربكم
حتى تموتوا)). وأما الرؤية في الآخرة فمذهب أهل الحق أنها واقعة بالإبصار. فإن قلت: الرؤية
يشترط فيها خروج شعاع، وانطباع صورة المرئى فى الحدقة، والمواجهة والمقابلة، ورفع
الحجب، فكيف يجوز ذلك على الله، سبحانه وتعالى؟ قلت: هذه الشروط للرؤيا عادة في
الدنيا وأما في الآخرة فيجوز أن يكون الله تعالى مرئياً لنا، إذ هي حالة يخلقها الله تعالى في
الحاسة، فتحصل بدون هذه الشروط، ولهذا جوز الأشاعرة أن يرى أعمى الصين بقعة أندلس،
وقد ادعى بعض غلاة الصوفية جواز رؤية الله تعالى بالإبصار في دار الدنيا. وقال: في قوله:
((فإن لم تكن تراه) إشارة إلى مقام المحو والفناء، وتقديره: فإن لم تصر شيئاً وفنيت عن

٤٥٣
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣٨)
نفسك حتی کأنك لیس بموجود، فإنك حينئذ تراه. قلت: هذا تأويل فاسد بدليل رواية
كهمس، فإن لفظها: ((فإنك إن لا تراه فإنه يراك»، فسلط النفي على الرؤية لا على الكون،
وكذلك ببطل تأويلهم رواية أبي فروة: ((فإن لم تراه فإنه يراك))، ورد عليهم بعضهم، بقوله: لو
كان المراد ما زعموا لكان قوله: «تراه)»، محذوف الألف لأنه يصير مجزوماً لكونه على
تأويلهم جواب الشرط ولم يجىء حذف الألف في شيء من طرق هذا الحديث، وهذا
الجواب لا يقطع به شغبهم، لأن لهم أن يقولوا: الجزاء جملة حذف صدرها، تقديره: فأنت
تراه، والجزم في الجملة لا يظهر، والمقدر كالملفوظ. قوله: ((متى الساعة)؟ قال القرطبي:
المقصود من هذا السؤال كف السامعين عن السؤال عن وقت الساعة، لأنهم كانوا قد أكثروا
السؤال عنها، كما ورد في كثير من الآيات والحديث، فلما حصل الجواب بما ذكر، حصل
اليأس من معرفتها، بخلاف الأسئلة الماضية، فإن المراد بها استخراج الأجوبة ليتعلمها
السامعون ويعملوا بها. وهذا السؤال والجواب وقعا بين عيسى ابن مريم وجبريل، عليهما
السلام أیضاً، لکن کان عیسی سائلاً وجبريل مسؤولاً. قال الحميدي: حدثنا سفيان، حدثنا
مالك بن مغول عن إسماعيل بن رجاء عن الشعبي قال: ((سأل عيسى ابن مريم جبريل - عليه
السلام - عن الساعة، قال: فانتفض بأجنحته، وقال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل)).
قوله: (جاء يعلم الناس دينهم))، أي: قواعد دينهم وكلياتها. وقال ابن المنير: فيه دلالة على
أن السؤال الحسن يسمى علماً وتعليماً، لأن جبريل - عليه السلام - لم يصدر منه سوى
السؤال، ومع ذلك فقد سماه معلماً، وقد اشتهر قولهم: السؤال نصف العلم.
الأسئلة والأجوبة: منها ما قيل: ما سبب ورود هذا الحديث؟ وأجيب: بأن سببه ما
رواه مسلم من رواية عمارة بن القعقاع أن رسول الله عَ ليه قال: ((سلوني، فهابوه أن يسألوه،
فجاء رجل فجلس عند ركبتيه فقال: يا رسول الله ما الإسلام؟)) الحديث ... ومنها ما قيل: ما
وجه تفسير الإيمان بأن تؤمن، وفيه تعريف الشيء بنفسه؟ وأجيب: بأنه ليس تعريفاً بنفسه إذ
المراد من المحدود الإيمان الشرعي، ومن الحد الإيمان اللغوي، أو المتضمن للاعتراف، ولهذا
عدي بالباء، أي: أن تصدق معترفاً بكذا. ومنها ما قيل: كيف بدأ جبريل عليه السلام،
بالسؤال قبل السلام؟ وأجيب: بأنه يحتمل أن يكون ذلك مبالغة في التعمية لأمره، أو ليبين أن
ذلك غير واجب، أو سلم فلم ينقله الراوي. قلت: الأولان ضعيفان، والاعتماد على الثالث،
لأنه ثبت في رواية أبي فروة بعد قوله: ((كأن ثيابه لم يمسها دنس، حتى سلم من طرف
البساط فقال: السلام عليك يا محمد، فرد عليه السلام. قال: أدنو يا محمد؟ قال: أدن، فما
زال يقول: أدنو؟ مراراً، ويقول: أدن)) ... ونحوه في رواية عطاء عن ابن عمر، رضي الله
عنهما، لكن قال: ((السلام عليك يا رسول الله)). وفي رواية: ((يا رسول الله أدنو؟ فقال: أدن))،
ولم يذكر السلام، فاختلفت الرواية. هل قال: يا محمد؟ أو قال: يا رسول الله؟ وهل سلم
أولاً؟ وطريق التوفيق أن رواية من قال: سلم مقدمة على رواية من سكت عنه، أو أنه قال أولاً:
يا محمد، كما كان الأعراب يقوله قصداً للتعمية، ثم خاطبه بعد ذلك بقوله: يا رسول الله،

٤٥٤
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣٨)
ووقع عند القرطبي أنه قال: السلام عليكم يا محمد، واستنبط من هذا أنه يستحب للداخل
أن يعمم بالسلام ثم يخصص من يريد تخصيصه. ومنها ما قيل: لِمَ قدم السؤال عن الإيمان؟
وأجيب: بأنه الأصل، وثنى بالإسلام فإنه يظهر به تصديق الدعوى، وثلَّث بالإحسان لأنه
متعلق بهما. وقد وقع في رواية عمارة بن القعقاع: بدأ بالإسلام، وثنى بالإيمان، وقالوا: إنما بدأ
بالإسلام لأنه بالأمر الظاهر، ثم بالإيمان لأنه بالأمر الباطن، ورجح الطيبي هذا، وقال: لما فيه
من الترقي. ووقع في رواية مطر الوراق: بدأ بالإسلام، وثنَّى بالإحسان، وثلث بالإيمان. ويمكن
أن يقال هنا: إن الإحسان هو الإخلاص، كما ذكرنا، فكما أن محله القلب فكذلك ذکر في
القلب، والحق أن هذا التقديم والتأخير من الرواة. والله تعالى أعلم. ومنها ما قيل: إن السؤال
عن ماهية الإيمان لأنه سأله بكلمة: ما، ولا يسأل بها إلاَّ عن الماهية. وماهية الإيمان التصديق،
والجواب غير مطابق. وأجيب: بأنه - عليه السلام - علم منه أنه إنما سأله عن متعلقات الإيمان،
إذ لو كان سؤاله عن حقيقته لكان جوابه: التصديق. وقال الطيبي: قوله: ((أن تؤمن بالله)) يوهم
التكرار وليس كذلك، فإنه يتضمن معنى أن تعترف، ولهذا عداه بالباء. وقال بعضهم:
والتصديق أيضاً يعدى بالباء، فلا يحتاج إلى دعوى التضمين. قلت: الطيبي ادعى تضمين
الإيمان معنى الاعتراف، وكون التصديق يتعدى بالباء لا يمنع دعوى تضمين الإيمان معنى
الاعتراف، حتى يقال: لا يحتاج إلى دعوى التضمين. ومنها ما قيل: الإيمان بالكتب أيضاً
واجب، ولِمَ تركه؟ وأجيب: بأن الإيمان بالرسل مستلزم للإيمان بما أنزل عليهم، على أنه
مذكور في رواية الأصيلي ههنا كما ذكرناه. ومنها ما قيل: لِمَّ كرر لفظ: تؤمن، في قوله
((تؤمن بالبعث))؟ وأجيب: بأنه نوع آخر من المؤمن به، لأن البعث سيوجد فيما بعد، وأخواته
موجودة الآن. ومنها ما قيل: ظاهر الحديث يدل على الإيمان لا يتم إلا على من صدق
بجميع ما ذكر، فما بال الفقهاء يكتفون بإطلاق الإيمان على من آمن بالله ورسوله؟ وأجيب:
بأن الإيمان برسوله هو الإيمان به وبما جاء به من ربه، فيدخل جميع ذلك تحت ذلك. ومنها
ما قيل: إن المراد من قوله: ((أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً) إن كان معرفة الله تعالى
وتوحيده فلا يحتاج إلى قوله: ((ولا تشرك به شيئاً)، وإن كان المراد الطاعة مطلقاً فيدخل
فيها جميع الوظائف، وما الفائدة بعد ذلك في ذكر الصلاة والصوم؟ وأجيب: بأن المراد
النطق بالشهادتين، صرح بذلك في حديث عمر، رضي الله عنه، قال: ((الإسلام أن تشهد أن
لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله)). ولما عبر الراوي عن ذلك بالعبادة احتيج أن يوضح
ذلك بقوله: ولا تشرك به شيئاً، ولم يحتج إليه في رواية عمر، رضي الله تعالى عنه،
لاستلزامها ذلك. ولئن سلمنا أن المراد منها مطلق الطاعة، فذكر الصلاة وأخواتها يكون من
باب عطف الخاص على العام. ومنها ما قيل: إن السؤال عن الإسلام والجواب خاص لقوله:
(أن تعبد الله)، وكذا قوله في الإيمان: ((أن تؤمن)، وفي الإحسان: ((أن تعبد)). وأجيب: بأنه
ليس المراد بمخاطبة الأفراد اختصاصه بذلك، بل المراد تعليم السامعين الحكم فهي حقهم
وحق من تخلف عنهم، وقد بين ذلك بقوله في آخر الحديث: ((يعلم الناس دينهم)). ومنها
مجانيوب
ـي عراك: ٠١٧٢

٤٥٥
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣٨)
ما قيل: لِمَّ لَمْ يذكر الحج؟ وأجيب: بأنه لم يكن فرض حينئذ، ويرد هذا ما رواه ابن منده
في كتاب الإيمان بإسناده الذي هو على شرط مسلم، من طريق سليمان التيمي من حديث
عمر، رضي الله عنه، أوله: أن رجلاً في آخر عمر النبي لمَ لم جاء إلى رسول الله عَ لَه.
فذكر الحديث بطوله، فهذا يدل على أنه إنما جاء بعد إنزال جميع الأحكام لتقرير أمور الدين
والصواب أن تركه من الرواة إما ذهولاً، وإما نسياناً، والدليل على ذلك اختلافهم في ذكر
بعض الأعمال دون بعض، ففي رواية كهمس: ((وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً)، وكذا
في حديث أنس، وفي رواية عطاء الخراساني لم يذكر الصوم، وفي حديث أبي عامر ذكر
الصلاة والزكاة حسب كما ذكرناه عن قريب. ومنها ما قيل: لفظة: أعلم في قوله: ((ما
المسؤول عنها بأعلم من السائل)، مشعرة بوقوع الاشتراك في العلم، والنفي توجه إلى
الزيادة، فيلزم أن يكون معناه أنهما متساويان في العلم به، لكن الأمر بخلافه لأنهما متساويان
في نفي العلم به. وأجيب: بأن اللازم ملتزم لأنهما متساويان في القدر الذي يعلمان منه، وهو
نفس وجودها، وأنه عَّةٍ نفى أن يكون صالحاً لأن يسأل عنه، ذلك لما عرف أن المسؤول
في الجملة ينبغي أن يكون أعلم من السائل. ومنها ما قيل: لِمَ قال: ((ما المسؤول عنها
بأعلم من السائل)) والمقام يقتضي أن يقال: لست بأعلم بها منك؟ وأجيب: بأنه قال كذلك
إشعاراً بالتعميم، تعريضاً للسامعين أن كل سائل ومسؤول فهو كذلك. ومنها ما قيل: إن
الأشراط جمع شرط، وأقله ثلاث على الأصح، ولم يذكر هنا إلاَّ اثنان؟ وأجيب: بأنه إما أنه
ورد على مذهب أن أقله اثنان، أو حذف الثالث لحصول المقصود بما ذكر، وقال بعضهم:
في هذه الأجوبة نظر، ولو أجيب بأن هذا دليل القول الصائر إلى أن أقل الجمع اثنان لما بعد
عن الصواب. قلت: هذا الذي قاله بعيد عن الصواب، لأنه كيف يكون هذا دليلاً لمن يقول:
أن أقل الجمع اثنان، لأنه لا يخلو إما أن يستدل على ذلك بلفظ الأشراط. أو بلفظ إذا
ولدت، وإذا تطاول، فكل منهما لا يصح أن يكون دليلاً، أما الأول: فلأنه لم يقل أحد إنه
ذكر الأشراط وأراد به الشرطين، بل المراد أكثر من ثلاثة. وأما الثاني: فلأنه ليس بصورة
التثنية حتى يقال: ذكرها وأراد بها الجمع، فافهم. وقوله: أو حذف الثالث لحصول
المقصود، هو الجواب المرضي، لأن المذكور من الأشراط ثلاثة، وإنما بعض الرواة اقتصر
على اثنين منها لأن البخاري ذكر هنا: الولادة والتطاول، وفي التفسير ذكر الولادة ورؤوس
الحفاة وفي رواية محمد بن بشر التي أخرج مسلم إسنادها، وساق ابن خزيمة لفظها عن أبي
حيان، ذكر الثلاثة، وكذا في (مستخرج) الإسماعيلي من طريق ابن علية، وكذا ذكرها
عمارة بن القعقاع. ومنها ما قيل: لِمَ ذكر جمع القلة، والعلامات أكثر من العشرة في الواقع؟
وأجيب: بأنه جاز، لأنه قد تستقرض القلة للكثرة وبالعكس، أو لفقد جمع الكثرة للفظ
الشرط، أو لأن الفرق بالقلة والكثرة إنما هو في النكرات لا في المعارف. ومنها ما قيل: كيف
أطلق الرب على غير الله تعالى، وقد ورد النهى عنه، بقوله، عليه الصلاة والسلام: ((ولا يقل
أحدكم ربي، وليقل سيدي ومولاي))؟ وأجيب: بأن هذا من باب التشديد والمبالغة، أو أن
Sot s
عوة.
ـومدة
i

مور
٤٥٦
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣٩)
الرسول - عليه السلام - مخصوص به. قلت: الممنوع إطلاق الرب على غير الله تعالى بدون
الإضافة، وأما بالإضافة فلا يمنع، يقال: رب الدار، ورب الناقة. ومنها ما قيل: من أين استفاد
الحصر من قوله تعالى: ﴿إِن الله عنده علم الساعة﴾ [لقمان: ٣٤] الآية، حتى يوافق الحصر
الذي في الحديث؟ وأجيب: من تقديم: عنده، وأما بيان الحصر في أخواتها فلا يخفى على
العارف بالقواعد. ومنها ما قيل: ما وجه الانحصار في هذه الخمس، مع أن الأمور التي لا
يعلمها إلاَّ الله كثيرة؟ أجيب: بأنه إما لأنهم كانوا سألوا الرسول عن هذه الخمس فنزلت الآية
جواباً لهم، وإما لأنها عائدة إلى هذه الخمس. فافهم. ومنها ما قيل: ما النكتة في العدول عن
الإثبات إلى النفي في قوله: ﴿وما تدري نفس ماذا تكسب غدا﴾ [لقمان: ٣٤] وكذا في
التعبير بالدراية دون العلم؟ وأجيب: للمبالغة والتعميم، إذ الدراية اكتساب علم الشيء بحيلة،
فإذا انتفى ذلك عن كل نفس مع كونه مختصاً بها ولم يقع منه على علم، كان عدم اطلاعه
على علم غير ذلك من باب أولى. ومنها ما قيل: ما الحكمة في سؤال الساعة، حيث عرف
جبريل - عليه السلام - أن وقتها غير معلوم لخلق الله؟ وأجيب: بأن أقله التنبيه على أنه لا
يطمع أحد في التطلع إليه، والفصل بين ما يمكن معرفته، وما لا يمكن، وقد مر الكلام فيه عن
قريب. ومنها ما قيل: إن جبريل - عليه السلام - سأل فقط، والناس تعلموا الدين من الجواب
لا منه، فكيف قال: يعلّم الناس، بإسناد التعليم إليه؟ وأجيب: بأنه لما كان سبباً فيه أطلق
المعلم عليه، أو لما كان غرضه التعليم أطلق عليه.
قال: أَبُو عبدِ اللَّهِ: جَعَلَ ذلك كُلَّهُ مِنَ الإِيمان.
أبو عبد الله هو: البخاري. قوله: ((جعل)) أي النبي، عليه الصلاة والسلام، وأشار بذلك
إلى ما ذكر في الحديث، فإن قلت: قال البخاري أولاً، فجعل ذلك كله ديناً، وقال ههنا: جعل
ذلك كله من الإيمان. قلت: أما جعله ديناً فظاهر حيث قال - عليه السلام - في آخر الحديث
((يعلم الناس دينهم))، وأما جعله إيماناً فكلمة: من إما تبعيضية، والمراد بالإيمان هو الإيمان
الكامل المعتبر عند الله تعالى وعند الناس فلا شك أن الإسلام والإحسان داخلان فيه، وإما ابتدائية،
ولا يخفى أن مبدأ الإحسان والإسلام هو الإيمان بالله، إذ لولا الإيمان به لم تتصور العبادة له.
٣٩ - باب
كذا وقع بلا ترجمة في رواية كريمة وأبي الوقت، وسقط ذلك بالكلية من رواية أبي
ذر والأصيلي وغيرهما، ورجح النووي الأول، قال: لأن الترجمة، يعني: سؤال جبريل عليه
السلام، عن الإيمان لا يتعلق بها هذا الحديث، فلا يصح إدخاله فيه، وقد قيل: نفي التعليق لا
يتم هنا على الحالين، لأنه إن ثبت لفظ باب بلا ترجمة فهو بمنزلة الفصل من الباب الذي
قبله، فلا بد له من تعلق به، وإن لم يثبت فتعلقه به متعين، لكنه يتعلق بقوله في الترجمة:
جعل ذلك كله ديناً. ووجه بيان التعلق أنه سمى الدين: إيماناً في حديث هرقل، فيتم مراد
البخاري بكون الدين هو الإيمان. فإن قلت: لا حجة له فيه لأنه منقول عن هرقل. قلت: إنه ما
١٠

٤٥٧
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣٩)
قاله من قبل اجتهاده. وإنما أخبر به عن استقرائه من كتب الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام،
وأيضاً فهرقل قاله بلسانه الرومي، فرواه عنه أبو سفيان بلسانه العربي، وألقاه إلى ابن عباس،
رضي الله عنهما، وهو من علماء اللسان، فرواه عنه، ولم ينكره، فدل على أنه صحيح لفظاً
ومعنى. وقد يقال: إن هذا لم يكن أمراً شرعياً، وإنما كان محاورة، ولا شك أن محاوراتهم
كانت على العرف الصحيح المعتبر الجاري على القولين، فجاز الاستدلال بها. فإن قلت:
باب، كيف يقرأ؟ وهل له حظ من الإعراب؟ قلت: إن قدرت له مبتدأ يكون مرفوعاً على
الخبرية، والتقدير: هذا باب، وإلا لا يستحق الإعراب لا يكون إلاّ بعد العقد والتركيب،
ويكون مثل الأسماء التي تعد، وهو هنا بمنزلة قولهم بين الكلام: فصل كذا وكذا، يذكرونه
ليفصلوا به بين الكلامين.
٥١/٠٠٠ - حدّثنا إبْرَاهِيمُ بنُ حَمْزَةَ قال: حدّثنا إنْرَّاهِيمُ بنُ سَعِدٍ عنْ صالِحِ عنِ ابنِ
شهابٍ عنْ عُبَيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ أنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عِبَّاس أَخْبَرَهُ قال: أَخْبَرَنِي أَبُو شَفْيَانَ أنّ
هرقْلَ قَال لَهُ سَأَلْتُكَ هَلْ تَزِيدُونَ أَمْ يَتْقُصونَ؟ فَزَعَمْتَ أَنْهُمْ تَزِيدُونَ. وكَذلكَ الإيمانُ حتَّى يَتَمَّ.
وسألْتُكَ هلْ يَوْتَدُ أحدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أن يَدْخُلَ فيهِ؟ فَزَعَمْتَ أن لا، وكذلكَ الإيمانُ حِينَ
تُخالِطُ بِشَاشَتُهُ القُلُوبَ لا يَسْخَطُهُ أحدٌ. [الحديث ٥١ - أنظر الحديث ٧ وأطرفه].
لم يضع لهذا ترجمة، وإنما اقتصر من حديث أبي سفيان الطويل على هذه القطعة
لتعلق غرضه بها، وساقه في كتاب الجهاد تاماً بهذا الإسناد الذي أورده ههنا، ومثل هذا
يسمى: خرماً، وهو أن يذكر بعض الحديث ويترك البعض، فمنعه بعضهم مطلقاً، وجوزه
الآخرون مطلقاً، والصحيح أنه يجوز من العالم إذا كان ما تركه غير متعلق بما رواه بحيث لا
يختل البيان، ولا تختلف الدلالة، ولا فرق بين أن يكون قد رواه قبل على التمام أو لم يروه.
قال الكرماني: فممن وقع هذا الخرم؟ قلت: الظاهر أنه من الزهري لا من البخاري لاختلاف
شيوخ الإسنادين بالنسبة إلى البخاري، فلعل شيخه: إبراهيم بن حمزة لم يذكر في مقام
الاستدلال على أن الإيمان دين إلاَّ هذا القدر. قلت: كيف يكون الخرم من الزهري وقد
أخرجه البخاري بتمامه بهذا الإسناد في كتاب الجهاد؟ وليس الخرم إلاّ من البخاري للعلة
التي ذكرناها آنفاً.
ذكر رجاله: وهم ستة: الأول: إبراهيم بن حمزة بن محمد بن مصعب بن عبد الله بن
زبير بن العوام، القرشي الأسدي المدني، روى عن جماعة من الكبار، وروى عنه البخاري وأبو
داود وغيرهما، وروى النسائي عن رجل عنه، قال ابن سعد: ثقة صدوق، مات سنة ثلاثين
ومائتين بالمدينة. الثاني: إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي
المدني، وقد مر فيما مضى. الثالث: صالح بن كيسان الغفاري المدني، وتقدم. الرابع:
محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وتقدم ذكره غير مرة. الخامس: عبيد الله بن عبد الله،
بتصغير الابن وتكبير الأب، ابن عتبة بن مسعود، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة وقد مر ذكره.
السادس: عبد الله بن عباس.
قسوة
i
i
i
i
ے

جم
٤٥٨
:11
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٤٠)
ذكر لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة. ومنها: أن رواته
مدنيون. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين. ومنها: أن بينه وبين الزهري ههنا ثلاثة أنفس. وفي
الحديث المتقدم الذي فيه قصة هرقل شيخان هما: أبو اليمان الحكم بن نافع وشعيب بن
أبي حمزة.
ثم اعلم أنا قد استوفينا الكلام في هذا الحديث في أول الكتاب، غير أن فيه ههنا
بعض التغييرات في الألفاظ نشير إليها. فنقول قوله: (هل يزيدون)) وقع هنا: ((أيزيدون))،
بالهمزة وكان القياس بالهمزة، لأن: أم، المتصلة مستلزمة للهمزة، ولكن نقول: إن: أم، ههنا
منقطعة لا متصلة، تقديره: بل ينقصون، حتى يكون إضراباً عن سؤال الزيادة واستفهاماً عن
النقصان، ولئن سلمنا أنها متصلة لكنها لا تستلزم الهمزة بل الاستفهام، قال الزمخشري: أم،
لا تقع إلاَّ في الاستفهام إذا كانت متصلة، فهو أعم من الهمزة، فإن قيل: شرط بعض النحاة
وقوع المتصلة بين الإسمين. قلت: قد صرحوا أيضاً بأنها لو وقعت بين الفعلين جاز اتصالها،
لكن بشرط أن يكون فاعل الفعلين متحداً كما في مسألتنا. فإن قلت: المعنى على تقدير
الاتصال غير صحيح، لأن: هل، لطلب الوجود، و: أم، المتصلة لطلب التعيين، سيما في هذا
المقام فإنه ظاهر أنه للتعيين. قلت: يجب حمل مطلب: هل، على أعم منه تصحيحاً للمعنى،
وتطبيقاً بينه وبين الرواية المتقدمة في أول الكتاب. قوله: ((فزعمت))، وفيما مضى:
((فذكرت)). قوله: ((وكذلك أمر الإيمان) وفيما مضى: ((وكذلك الإيمان)). قوله: ((هل يرتد))،
وفيما مضى: ((أيرتد)). قوله: ((فزعمت)) وفيما مضى: ((فذكرت)). قوله: ((لا يسخطه أحد)»، لم
يذكر فيما مضى.
٤٠ - بابُ فَضْلٍ مَنِ اسْتَرأَ لِدِينِهِ
الكلام فيه على أنواع. الأول: أن قوله: باب، مرفوع مضاف تقديره: هذا باب فضل
من استبرأ، وكلمة: من، موصولة، و: استبرأ، جملة من الفعل والفاعل، وهو الضمير المستتر
فيه الراجع إلى: من، صلة للموصولة. و: استبرأ، استفعل، أي: طلب البراءة لدينه من الذم
الشرعي، أي: طلب البراءة من الإثم. يقال: برئت من الديون والعيوب، وبرئت منك براءة،
وبرئت من المرض بُرأ، بالضم، وأهل الحجاز يقولون: برأت من المرض برأ، بالفتح، ويقول
كلهم في المستقبل: يبرأ بالفتح، وبرأ الله الخلق برأ أيضاً، بالفتح، وهو البارىء. وفي
(العباب): والتركيب يدل على التباعد عن الشيء ومزايلته، وعلى الخلق. قوله: ((لدينه)) أي
لأجل دينه. النوع الثاني: وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول
بيان الإيمان والإسلام والإحسان، وإن ذلك كله دين، والمذكور ههنا الاستبراء للدين الذي
يشمل الإيمان والإحسان، ولا شك أن الاستبراء للدين من الدين. النوع الثالث: وجه الترجمة
وهو أنه لما أراد أن يذكر حديث النعمان بن بشير، رضي الله عنه، عقيب حديث أبي هريرة،
رضي الله عنه، للمناسبة التي ذكرناها، عقد له باباً. وترجم له بقوله: فضل من استبرأ لدينه،
٦٥١٤.٠

٤٥٩
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٤٠)
وعين هذا اللفظ لعمومه واشتماله سائر ألفاظ الحديث، وإنما لم يقل: استبرأ لعرضه ودينه،
اكتفاء بقوله: دينه، لأن الاستبراء للدين لازم للاستبراء للعرض لأن الاستبراء للعرض لأجل
المروءة في صون عرضه، وذلك من الحياء، والحياء من الإيمان، فالاستبراء للعرض أيضاً من
الإيمان.
٥٢/٠٠٠ - حدّثنا أبُو نُعَيْم حدّثنا زَكَرياءُ عن عامِرٍ قال: سَمِعتُ النُّعمانَ بنَ بَشِيرٍ
يقولُ: سَمِعْتُ رسولُ اللَّهِ عَ لَّه يَقُولُ: ((الحَلالُ بَيِّنّ والحَرامُ بَيِّنَّ وَبِيْنَهُما مُشَبَّهَاتٌ لا
يَعْلَمُها كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ ومَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ
كَرَاعِي يَرْعَى حَولَ الحِمى يُوشِكُ أن يُواقِعَهُ، ألا وإنّ لِكُلِّ مَلِكِ حِمَّى، ألا إنَّ حِمَّى اللَّهِ
في أرضِهِ مَحَارِمُهُ، ألا وإنّ في الجَسَدِ مُضْغَةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسدُ كُلُّهُ وإِذا
فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ ألا وهيَ القَلبُ)). [الحديث ٥٢ - طرفه في: ٢٠٥١].
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، وهو أنه أخذ جزءاً منه وترجم به كما ذكرنا.
بيان رجاله: وهم أربعة: الأول: أبو نعيم، بضم النون، الفضل، بالضاد المعجمة، ابن
دكين، بضم الدال المهملة وفتح الكاف، وهو لقب له، واسمه عمرو ابن حماد بن زهير
القرشي التيمي الطلحي الملائي، مولى آل طلحة بن عبد الله، وكان يبيع الملاء فقيل له:
الملائي، بضم الميم والمد. سمع الأعمش وغيره من الكبار، وقل من يشاركه في كثرة
الشيوخ، وعنه أحمد وغيره من الحفاظ. قال أبو نعيم: شاركت الثوري في أربعين شيخاً أو
خمسين شيخاً، واتفقوا على الثناء عليه، ووصفه بالحفظ والإتقان. وقال أيضاً: أدركت ثمانمائة
شيخ، منهم الأعمش فمن دونه، فما رأيت أحداً يقول بخلق القرآن، وما تكلم أحد بهذا إلاّ
رُمِيَ بالزندقة. وروى البخاري عنه بغير واسطة، ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة بواسطة،
ولد سنة ثلاثين ومائة، ومات سنة ثمان، أو: تسع عشرة ومائتين بالكوفة. الثاني: زكريا بن
أبي زائدة، واسمه: خالد بن ميمون الهمداني الكوفي، سمع جمعاً من التابعين منهم الشعبي
والسبيعي، وعنه الثوري وشعبة وخلق، ومات سنة سبع أو تسع وأربعين ومائة. قال النسائي:
ثقة، روى له الجماعة. الثالث: عامر الشعبي وقد تقدم ذكره. الرابع: النعمان بن بشير، بفتح
الباء الموحدة وكسر الشين المعجمة، ابن سعد بن ثعلبة بن خلاس، بفتح الخاء المعجمة
وتشديد اللام، الأنصاري الخزرجي، وأمه عمرة بنت رواحة أخت عبد الله بن رواحة، ولد بعد
أربعة عشر شهراً من الهجرة، وهو أول مولود ولد للأنصار بعد الهجرة والأكثرون يقولون: ولد
هو وعبد الله بن الزبير، رضي الله عنهم، في العام الثاني من الهجرة، وقال ابن الزبير: هو أكبر
مني، روي له مائة حديث وأربعة عشر حديثاً، قتل فيما بين دمشق وحمص يوم واسط سنة
خمس وستين، وكان زبيرياً، وقال علي بن عثمان النفيلي، عن أبي مسهر: كان النعمان بن
بشير عاملاً على حمص لابن الزبير، لما تمردت أهل حمص خرج هارباً، فاتبعه خالد بن حلى
الكلاعي فقتله، وقال المفضل بن غسان الغلابي: قتل في سنة ست وستين بسلمية وهو
صحابي ابن صحابي ابن صحابية، روى له الجماعة، وليس في الصحابة من اسمه النعمان بن
ے

٤٦٠
٢ - كتابُ الإِيمانِ / باب (٤٠)
بشير غير هذا، فهو من الأفراد، ومنهم: النعمان، جماعات فوق الثلاثين.
بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة والسماع. ومنها: أن رجاله كلهم
كوفيون، وقد دخل النعمان الكوفة وولي إمرتها وقد روى أبو عوانة في (صحيحه) من طريق
ابن أبي حريز، بفتح الحاء المهمة في آخره زاي معجمة، عن الشعبي أن النعمان بن بشير
خطب به بالكوفة، وفي رواية لمسلم أنه خطب به بحمص، والتوفيق بينهما بأنه سمع مرتين،
فإن النعمان ولي إمرة البلدتين واحدة بعد أخرى. ومنها: أن هذا وقع للبخاري بسماع
النعمان بن بشير عن النبي عَّله وفيه رد على من يقول: لم يسمع من النبي لمَّهِ. وقال أبو
الحسن القابسي: قال أهل المدينة: لا يصح للنعمان سماع من النبي عَّه، وحكاه القاضي
عياض عن يحيى بن معين، ويحكى عن الواقدي أيضاً. وقال أهل العراق: سماعه صحيح،
ويدل عليه ما في رواية مسلم والإسماعيلي من طريق زكريا، وأهوى النعمان بإصبعيه إلى
أذنيه، وهذا تصريح بسماعه، وكذا قول النعمان: ههنا سمعت، وهو الصحيح. وقال النووي:
المحكي عن قول أهل المدينة باطل أو ضعيف. قلت: وهو ممن تحمل عن رسول الله عَ ليه
صبياً، وأداه بالغاً وفيه دليل على صحة تحمل الصبي المميز لأن النبي صَ لليه مات والنعمان
ابن ثمان سنين. فإن قلت: إن زكريا موصوف بالتدليس وههنا قد عنعن، وكذا في غير هذه
الرواية ليس له رواية عن الشعبي، إلاَّ معنعناً. قلت: قد قال أبو عمر: هذا الحديث لم يروه
عن النبي عَّل غير النعمان بن بشير، ولم يروه عن النعمان غير الشعبي. قلت: أما الأول: فإن
کان مراده من وجه صحیح فمسلم، وإن أراد مطلقاً فلا نسلم، لأنه روي من حديث ابن عمر
وعمار وابن عباس، رضي الله عنهم، أخرج حديثهم الطبراني، وكذا روي من حديث واثلة،
أخرجه الأصبهاني، وفي أسانيدها مقال. وأما الثاني: فإنه رواه عن النعمان أيضاً خيثمة بن
عبد الرحمن، أخرجه أحمد وعبد الملك بن عمير، أخرجه أبو عوانة وسالم بن حرب، أخرجه
الطبراني، ولكنه مشهور عن الشعبي، رواه عنه خلق كثير من الكوفيين، ورواه عنه من
البصريين عبد الله بن عون، وقد ساق البخاري إسناده في البيوع على ما نذكره الآن، ولم
یسق لفظه، وساقه أبو داود.
بیان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري ههنا عن أبي نعيم عن ز کریا
عن عامر عنه به، وأخرجه في البيوع عن علي بن عبد الله، وعبد الله بن محمد، كلاهما عن
سفيان بن عيينة، وعن محمد بن كثير عن سفيان الثوري، كلاهما عن أبي فروة الهمداني،
وعن محمد بن المثنى عن ابن أبي عدي عن عبد الله بن عون، كلاهما عنه به. وأخرجه
مسلم في البيوع عن محمد بن عبد الله بن نمير عن أبيه، وعن أبي بكر بن أبي شيبة عن
و کیع، وعن إسحاق بن إبراهيم عن عیسی بن یونس، ثلاثتهم عن ز کریا به، وعن إسحاق بن
إبراهيم عن جرير عن مطرف وأبي فروة، وعن عبد الملك بن شعيب بن الليث عن أبيه عن
جده عن خالد بن يزيد، وعن سعيد بن أبي هلال عن عون بن عبد الله بن عتبة، وعن قتيبة عن
يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عجلان عن عبد الرحمن بن سعيد، أربعتهم عنه به،
أموت .