Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٥) بیان وصف خاص من أوصاف المسلم، وذكر جزء الحديث لأجل التبويب. ١١/١ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ يَخْيَى بْنِ سَعِيدِ القُرَشِيِّ قالَ: حدثنا أبِي قالَ: حدثنا أَبُو بُوْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى، رَضِي الله عنه، قالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَّ الإِسْلاَمِ أَفْضَلُ قَالَ (مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ). الحديث مطابق للترجمة، فإنه أخذ جزءاً منه وبوب عليه. بيان رجاله: وهم خمسة. الأول: سعيد بن يحيى بن أبان بن سعيد بن العاصي بن أمية بن عبد شمس الأموي، یکنی بأبي عثمان، وهو شيخ الجماعة ما خلا ابن ماجة، وروی عنه عبد الله بن أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم وإبراهيم الحربي والبغوي وخلق كثير، توفي سنة تسع وأربعين ومائتين، قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي ويعقوب بن سفيان: سعيد وأبوه يحيى ثقتان، وقال علي بن المديني: هو أثبت من أبيه. وقال صالح بن محمد: هو ثقة إلاّ أنه كان يغلط، والعاصي قتل يوم بدر كافراً. وأبان أخوه عمرو الأشدق. ٠٠٠ الثاني: أبوه يحيى بن سعيد المذكور، سمع يحيى الأنصاري وهشام بن عروة ويزيد وآخرين، قال ابن معين: هو من أهل الصدق وليس به بأس. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة، توفي سنة أربع وسبعين ومائة بعد أن بلغ الثمانين، روى له الجماعة. ويحيى بن سعيد في الكتب الستة: أربعة. الأول: هذا. والثاني: يحيى بن سعيد التيمي. والثالث: يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري. والرابع: يحيى بن سعيد بن فروخ القطان. الثالث: أبو بردة بضم الباء الموحدة وسكون الراء، واسمه بريد، بضم الباء الموحدة وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف، ابن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسی الکوفي، يروي عن أبيه وجده والحسن وعطاء، وعنه ابن المبارك وغيره من الأعلام، وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: ليس بالمتقن يكتب حديثه. وقال النسائي: ليس بذلك القوي. وقال أحمد بن عبد الله: كوفي ثقة، روى له الجماعة. وليس في الكتب الستة بريد غير هذا، وفي الأربعة: بريد ابن أبي مريم مالك، وفي مسند علي النسائي: بريد بن أصرم مجهول. كما قال البخاري. وليس في الصحابة من اسمه بريد، ويشتبه بريد بأربعة أشياء وهم يزيد، وبريد، وبزيد، وتريد. الرابع: أبو بردة بضم الباء الموحدة مثل الأول، وهو جد أبي بردة بريد، وافقه في كنيته لا في اسمه، فإن اسم الأول بريد كما قلنا، واسم جده هذا عامر. وقيل: الحارث. سمع: أباه وعلي بن أبي طالب وابن عمر وابن سلام وعائشة وغيرهم، روى عنه: عمر بن عبد العزيز، والشعبي وبنوه: أبو بكر وعبد الله وسعيد وبلال وابن ابنه بريد بن عبد الله، قال أبو نعيم: ولي أبو بردة قضاء الكوفة بعد شريح. قال الواقدي: توفي بالكوفة سنة ثلاث ومائة. وقال ابن سعيد: قيل: إنه توفي هو والشعبي في جمعة. وكان ثقة كثير الحديث، روى له الجماعة. وفي الصحابة: أبو بردة، سبعة. منهم: ابن نيار البلوي هاني أو الحارث أو مالك، وفي الرواة هو أبو بردة بريد المذكور. i i. i i ١٣٠ .- ١ ٢٢٢ ٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (٥) الخامس: أبو موسى عبد الله بن قيس بن سليمان، بضم السين، بن حضار بفتح الحاء المهملة وتشديد الضاد المعجمة، وقيل بكسر الحاء وتخفيف الضاد، الأشعري الصحابي الكبير، استعمله رسول الله عَّله على زبيد وعدن وساحل اليمن، واستعمله عمر، رضي الله تعالى عنه، على الكوفة والبصرة، وشهد وفاة أبي عبيدة بالأردن، وخطبة عمر بالجابية، وقدم دمشق على معاوية. له ثلثمائة وستون حديثاً، اتفقا منها على خمسين، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة عشر. روى عنه أنس بن مالك وطارق بن شهاب وخلق من التابعين وبنوه: أبو بردة وأبو بكر وإبراهيم وموسى، مات بمكة أو بالكوفة سنة خمس أو إحدى أو أربع وأربعين، عن ثلاث وستين سنة، وكان من علماء الصحابة ومفتيهم، وأبو موسى في الصحابة أربعة: هذا، والأنصاري، والغافقي: مالك بن عبادة أو ابن عبد الله، وأبو موسى الحكمي. وفي الرواة: أبو موسى جماعة، منهم: في (سنن أبي داود) اثنان، وآخر في (سنن النسائي). والله أعلم. بيان الأنساب: القرشي: نسبة إلى قريش، وهو فهر بن مالك، وقد ذكرناه. والأموي، بضم الهمزة، نسبة إلى أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، وأمية تصغير: أمة. والنسبة إليه: أموي، بالضم، قال ابن دريد: ومن فتحها فقد أخطأ، وكان الأصل فيه أن يقال: أميي، بأربع يآآت، لكن حذفت الياء الزائدة للاستثقال، كما تحذف من سليم وثقيف عند النسبة، وقلبت الياء الأولى واواً كراهة اجتماع الياآت مع الكسرتين. وحكى سيبويه قال: زعم يونس أن ناساً من العرب يقولون أميي، فلا يغيرون. وسمعنا من العرب من يقول: أموي بالفتح، وأمية أيضاً بطن من الانصار، وهو أمية بن زيد بن مالك، وفي قضاعة وهو: أمية بن عصبة، وفي طيء وهو: أمية بن عدي بن كنانة، والأشعري: نسبة إلى الأشعر، وهو نبت بن ادد، وقيل له: الأشعر، لأن أمه ولدته أشعر، منهم من أصحاب النبي عَّةِ المشاهير: أبو موسى الأشعري، رضي الله عنه. بيان لطائف أسناده: منها: أن أسناده كلهم كوفيون، ومنها: أن فيه التحديث والعنعنة فقط. ومنها: أنه ذكر في سعيد بن يحيى شيخه القرشي، ولم يقل الأموي، مع كون الأموي أشهر في نسبته نظراً إلى النسبة الأعمية. ومنها: أن فيه راويان متفقان في الكنية أحدهما: أبو بردة بريد، والآخر أبو بردة عامر أو الحارث، كما ذكرنا، وهو شيخ الأول وجده. بيان من أخرجه غيره: هذا الحديث أخرجه مسلم أيضاً من هذا الوجه بلفظه، وأخرجه أيضاً عن إبراهيم بن سعيد الجوهري عن أبي أسامة، عن أبي بردة. وفيه: ((أي المسلمين أفضل))؟ وأخرجه في الإيمان. وكذا أخرجه النسائي فيه، وأخرجه الترمذي في الزهد. بيان الإعراب: قوله: ((أي الإسلام)) كلام إضافي مبتدأ، وقوله: أفضل، خبره و: أي، ههنا للاستفهام، وقد علم أن أقسامه على خمسة أوجه. شرط: نحو ﴿أياً ما تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾ [الإسراء: ١١٠]، ﴿أيما الأجلين قضيت فلا عدوان على﴾ [القصص: ٢٨] عمدة القاري / ج١ - ١٥٣ :1 ٦٧٧٤٠ ٢٢٣ ٢ - كِتابُ الإِيمانِ / باب (٥) وموصول: نحو: ﴿لننزعن من كل شيعة أيهم أشد﴾ [مريم: ٦٩] التقدير: لنتزعن الذي هو أشد. وصفة للنكرة: نحو زيد رجل أي رجل، أي: كامل في صفات الرجال. وحال للمعرفة: كقولك مررت بعبد الله أي رجل. ووصلة إلى ما فيه: ال، نحو: يا أيها الرجل. والخامس: الاستفهام: نحو: ﴿أيكم زادته هذه إيماناً﴾ [التوبة: ١٢٤]. ﴿فيأي حديث بعده يؤمنون﴾ [الأعراف: ١٨٥ والمرسلات: ٥٠]. ومنه الحديث. فإن قيل: شرط أن تدخل على متعدد، وههنا دخلت على مفرد لأن نفس الإسلام لا تعدد فيه. قلت: فيه حذف تقديره: أي أصحاب الإسلام أفضل؟ ويؤيد هذا التقدير رواية مسلم: ((أي المسلمين أفضل))؟ وقد قدر الشيخ قطب الدين، والكرماني في (شرحيهما): أي خصال الإسلام أفضل؟ وهذا غير موجه لأن الاستفهام عن الأفضلية في المسلمين، لا عن خصال الإسلام بدليل رواية مسلم ولأن في تقديرهما لا يقع الجواب مطابقاً للسؤال. فإن قيل: أفضل، أفعل التفضيل وقد علم أنه لا بد أن يستعمل بأحد الوجوه الثلاثة وهي الإضافة ومن واللام. قلت: قد يجرد من ذلك كله عند العلم به، كما في قوله تعالى: ﴿يعلم السر وأخفى﴾ [طه: ٧] أي: أخفى من السر، وقولك الله أكبر، أي أكبر من كل شيء، والتقدير ههنا: أفضل من غيره. ومعنى الأفضل هو الأكثر ثواباً عند الله تعالى، كما تقول: الصدق أفضل من غيره. أي: هو أكثر ثواباً عند الله تعالى من غيره. قوله: (من سلم)) إلى آخره. مقول القول. فإن قلت: مقول القول يكون جملة. قلت: هو أيضاً جملة، لأن تقدير الكلام هو: من سلم، إلى آخره فالمبتدأ محذوف، ومن موصولة، وسلم المسلمون من لسانه ويده صلتها، وفيه العائد. بيان المعاني وغيره: فيه وقوع المبتدأ والخبر معرفتين الدال على الحصر، وهو على ثلاثة أقسام: عقلي: كالعدد للزوجية والفردية، ووقوعي: كحصر الكلمة على ثلاثة أقسام، وجعلي: كحصر الكتاب على مقدمة ومقالات أو كتب أو أبواب وخاتمة، ويسمى هذا: ادعائياً أيضاً. والحديث من هذا القسم. قوله: ((قال)) فاعله أبو موسى الأشعري؛ قوله: ((قالوا)) فاعله جماعة معهودون، ووقع في رواية مسلم والحسن بن سفيان وأبي يعلى في (مسنديهما) عن سعيد بن يحيى شيخ البخاري بإسناده المذكور، بلفظ: قلنا، ورواه ابن منده من طريق حسين بن محمد القباني، أحد الحفاظ عن سعيد بن يحيى المذكور بلفظ: قلت، فتعين من هذا أن السائل هو أبو موسى وحده. ومن رواية مسلم أن أبا موسى أحد السائلين، ولا تنافي بين هذه الروايات، لأن في رواية البخاري أخبر عن جماعة هو داخل فيهم، وفي رواية مسلم صرح بأنه أحد الجماعة السائلين. فإن قلت: بين رواية: قالوا، وبين رواية: قلت، منافاة. قلت: لا لإمكان التعدد، فمرة كان السؤال منهم فحکی سؤالهم، ومرة کان منه فحکی سؤال نفسه، وقد سأل هذا السؤال أيضاً اثنان من الصحابة، أحدهما: أبو ذر، حديثه عند ابن حبان، والآخر: عمير بن قتادة، حديثه عند الطبراني. قوله: (من سلم)) قد ذكرنا أنه جواب. قال الكرماني: فإن قلت: سألوا عن الإسلام أي: الخصلة. فأجاب: بمن سلم أي: ذي الخصلة، حيث قال: من سلم، ولم يقل: هو سلامة المسلمين من لسانه ويده، فكيف يكون الجواب مطابقاً للسؤال؟ قلت: i ٢٢٤ ١٢٠/٠ -. ٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٦) هو جواب مطابق وزيادة من حيث المعنى، إذ يعلم منه أن أفضليته باعتبار تلك الخصلة، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين﴾ [البقرة: ٢١٥] أو أطلق الإسلام، وأراد الصفة كما يقال العدل ويراد العادل، فكأنه قال: أي المسلمين خير، كما في بعض الروايات: أي المسلمين خير؟ قلت: هذا التعسف كله لأجل تقديره: أي خصال الإسلام أفضل؟ ولو قدر بما قدرناه لاستغنى عن هذا السؤال والجواب. فافهم. ٦ - باب إِطْعَامُ الطَّعَامِ مِنَ الإِسْلاَمِ انا ١١٣٤/١ ٠٠٠ الكلام مثل الكلام فيما قبله في الإعراب وتركه، وفي رواية الأصيلي: من الإيمان، موضع: من الإسلام، والتقدير: إطعام الطعام من شعب الإسلام أو الإيمان، وذلك لأنه لما قال: أولاً باب أمور الإيمان، وذكر فيه أن الإيمان له شعب، ذكر عقيبه أبواباً، كل باب منها يشتمل على شيء من الشعب، وهذا الباب فيه شعبتان: الأولى: إطعام الطعام والثانية: إقراء السلام مطلقاً. وبقيت المناسبة بين البابين وهي: أن الباب الأول فيه أفضلية من سلم المسلمون من لسانه ويده، وقد ذكرنا أن المراد من الأفضلية الخيرية وأكثرية الثواب، وهذا الباب فيه خيرية من يطعم الطعام ويقرأ السلام، ولا شك ان المطعم في سلامة من لسان المطعم ويده، لأنه لم يطعمه إلاّ عن قصد خير له، وكذلك المسلَّم عليه في سلامة من لسان المسلِّم ويده؛ لأن معنى: السلام عليك: أنت سالم مني ومن جهتي. فإن قلت: كان ينبغي أن يقول باب: أي الإسلام خير، كما قال في الباب الأول أي الإسلام أفضل؟ قلت: لاختلاف المقام، لأن أفضليته هناك راجعة إلى الفاعل، والخيرية ههنا راجعة إلى الفعل، وهذا وجه. وأحسن من الذي قاله الكرماني، وهو: إن الجواب ههنا وهو: تطعم الطعام، صريح في أن النبي جعل الإطعام من الإسلام، بخلاف ما تقدم، إذ ليس صريحاً في أن سلامة المسلمين منه من الإسلام، انتهى. قلت: إذا كان من سلم المسلمون من لسانه ويده أفضل ذوي الإسلام، فبالضرورة إطعام الطعام يكون بكون السلامة منه من الإسلام، على أن الكناية أبلغ من التصريح. فافهم. فإن قلت: هل فرق بين: أفضل، وبين: خير؟ قلت: لا شك أنهما من باب التفضيل، لكن أفضل يعني كثرة الثواب في مقابلة القلة، والخير يعني النفع في مقابلة الشر، والأول من الكمية، والثاني من الكيفية. وتعقبه بعضهم بقوله: الفرق لا يتم إلاّ إذا اختص كل منهما بتلك المقولة، أما إذا كان كل منهما يعقل تأتيه في الأخرى، فلا، وكأنه بنى على أن لفظ: خير، اسم لا أفعل تفضيل. انتهى. قلت: الفرق تام بلا شك، لأن الفضل في اللغة: الزيادة، ويقابله: القلة، والخير إيصال النفع، ويقابله: الشر، والأشياء تتبين بضدها. وفي (العباب) الفضل والفضيلة خلاف النقص والنقيصة، وقال: الخير ضد الشر، وقوله: كأنه بيني على أن لفظ: خير، اسم لا أفعل تفضيل، ليس موضع التشكيك، لأن لفظة: خير، ههنا أفعل التفضيل قطعاً، لأن السؤال ليس عن نفس الخيرية، وإنما السؤال عن وصف زائد وهو الأخيرية، غير أن العرب استعملت أفعل التفضيل من هذا الباب على لفظه فيقال: زيد خير من عمرو، على معنى أخير منه، ولهذا لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث. جدة ٢٢٥ ٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٦) ١٢/١ - حدثنا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قالَ: حدّثنا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ عَنْ أبِي الخَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْروٍ، رَضِي الله عنهما، أنّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ ◌َّهِ: أيُّ الإِسْلاَمِ خَيْرٌ؟ قالَ: ((تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلاَّمَ علىَ مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَغْرِفْ)). [الحديث ١٢ - طرفاه في: ٢٨، ٦٢٣٦] الحديث مطابق للترجمة لأنه أخذ جزء منه فبوب عليه. فإن قلت: لم بوب على الجزء الأول ولم يقل: باب إقراء السلام على من عرف ومن لم يعرف من الإسلام؟ قلت: لا شك أن كون إطعام الطعام من الإسلام أقوى وآكد من كون إقراء السلام منه، ولأن السلام لا يختلف بحال من الأحوال بخلاف الإطعام، فإنه يختلف بحسب الأحوال، فأدناه مستحب وأعلاه فرض، وبينهما درجات أخر، ولأن التبويب بالمقدم والمصدر أولى على ما لا يخفى. حدة جونز بیان رجاله: وهم خمسة. الأول: أبو الحسن عمرو، بفتح العين، ابن خالد بن فروخ، بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة، وفي آخره خاء معجمة، ابن سعيد بن عبد الرحمن بن واقد بن ليث بن واقد بن عبد الله الحراني، سكن مصر، روى عن: الليث بن سعد وعبيد الله بن عمر وغيرهما، روى عنه: الحسن بن محمد الصباح وأبو زرعة وأبو حاتم وقال: صدوق، وقال أحمد بن عبد الله: ثبت ثقة مصري، انفرد البخاري بالرواية عنه دون أصحاب الكتب الخمسة، وروى ابن ماجة عن رجل عنه، توفي بمصر سنة تسع وعشرين ومائتين. الثاني: الليث بن سعد المصري الإمام المشهور المتفق على جلالته وإمامته، ويكنى بأبي الحارث، مولى عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، وأهل بيته يقولون: نحن من الفرس من أهل أصبهان، والمشهور أنه فهمي، وفهم من قيس غيلان، ولد بقلقشندة قرية على نحو أربعة فراسخ من مصر، روى عن جماعة كثيرين، وروى عن أبي حنيفة وعده أصحابنا من أصحاب أبي حنيفة، و کذا قال القاضي شمس الدين ابن خلكان، وروى عنه خلق كثير، وقال أحمد: ثقة ثبت وكان سرياً نبيلاً سخياً له ضيافة، ولد في سنة أربع وتسعين، ومات يوم الجمعة النصف من شعبان سنة خمس وسبعين ومائة. الثالث: يزيد ابن أبي حبيب، واسم أبي حبيب سويد المصري أبو رجاء، تابعي جليل، سمع عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي، وأبا الطفيل عامر بن واثلة من الصحابة، وخلقاً من التابعین، روى عنه: سليمان التيمي وإبراهیم بن یزید ويحيى بن أيوب وخلق كثير من أکابر مصر، قال ابن يونس: كان يفتي أهل مصر في زمانه وكان حليماً عاقلاً، وهو أول من أظهر العلم بمصر والفقه والكلام بالحلال والحرام، وكانوا قبل ذلك إنما يتحدثون بالفتن والملاحم، وكان أحد الثلاثة الذين جعل إليهم عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، الفتيا بمصر، وعنه قال: كان يزيد نوبياً من أهل دنقلة، فابتاعه شريك بن الطفيل العامري فأعتقه، ولد سنة ثلاث وخمسين، وقال ابن سعد: مات سنة ثمان وعشرين ومائة، روى له الجماعة أيضاً. الرابع: أبو الخير، بالخاء المعجمة، مرثد، بفتح الميم وسكون الراء وفتح الثاء المثلثة، i i ٢٢٦ ٢ - کتابُ الإِيمانِ / باب (٦) أبو عبد الله اليزني المصري، روى عن: عمرو بن العاص وسعيد بن زيد وأبي أيوب الأنصاري وغيرهم، توفي سنة تسعين، روى له الجماعة. الخامس: عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد تقدم. بيان الأنساب: الحراني: نسبة إلى حران، بفتح الحاء وتشديد الراء المهملتين في آخره نون بعد الألف، مدينة عظيمة قديمة تعد من ديار مصر، واليوم خراب، وقيل: هي مولد إبراهيم الخليل ويوسف وإخوته، عليهم الصلاة والسلام؛ الیزني: بفتح الياء آخر الحروف، والزاي المعجمة بعدها نون، نسبة إلى ذي يزن، وهو عامر بن أسلم بن الحارث بن مالك بن زيد بن الغوث بن سعد بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن سرد بن زرعة بن سبأ الأصغر، وإليه تنسب الأسنة اليزنية، وهو أول من عمل سنان حديد، وإنما كانت أسنتهم صياصي البقر، وقيل: يزن: موضع. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة ليس إلا. ومنها: أن رواته كلهم مصريون، وهذا من الغرائب، لأنه في غاية القلة. ومنها: أن رواته كلهم أئمة أجلاء. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري أيضاً في باب الإيمان بعد هذا بأبواب، عن قتيبة بن سعيد، وفي الاستئذان أيضاً في باب السلام للمعرفة وغير المعرفة عن ابن يوسف، كلهم قالوا: حدثنا الليث بن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير مرثد عن ابن عمرو رضي الله عنه؛ وأخرجه مسلم في الإيمان عن قتيبة وابن رمح عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عنه؛ وأخرجه النسائي في الإيمان؛ وأبو داود في الأدب جميعاً عن قتيبة به؛ وابن ماجة في الأطعمة عن محمد بن رمح به. بيان الإعراب :: قوله: ((أن رجلاً) لم يعرف هذا من هو، وقيل: أبو ذر. قوله: («أي الإسلام خير))؟ مبتدأ وخبر، وقد مر الكلام فيه عن قريب. قوله: ((قال)) الضمير فيه يرجع إلى النبي عَّهِ. قوله: ((تطعم)) في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف بتقدير: أن، أي هو أن تطعم، فأن مصدرية، والتقدير: هو إطعام الطعام. وهذا نظير قولهم: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، أي: أن تسمع، أي: سماعك، غير أن في هذا المؤول مبتدأ، وفي الحديث المؤول خبر. قوله: ((وتقرأ)) بفتح التاء وضم الهمزة، لأنه مضارع قرأ. قوله: ((السلام)) بالنصب مفعوله. وقوله: ((على)) يتعلق بقوله تقرأ، وكلمة: من، موصولة؛ وعرفت، جملة صلتها، والعائد محذوف، والتقدير عرفته. وقوله: ((ومن لم تعرف)) عطف على: من عرفت، وهذه الجملة نظير الجملة السابقة. بيان استنباط الفوائد: منها: أن فيه حثاً على إطعام الطعام الذي هو أمارة الجود والسخاء ومكارم الأخلاق، وفيه نفع للمحتاجين وسد الجوع الذي استعاذ منه النبي : ومنها: أن فيه إفشاء السلام الذي يدل على خفض الجناح للمسلمين والتواضع والحث على تألف قلوبهم واجتماع كلمتهم وتواددهم ومحبتهم. ومنها: الإشارة إلى تعميم السلام وهو أن ٢٢٧ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٦) لا يخص به أحداً دون أحد، كما يفعله الجبابرة، لأن المؤمنين كلهم أخوة وهم متساوون في رعاية الأخوة، ثم هذا العموم مخصوص بالمسلمين، فلا يسلم ابتداء على كافر لقوله معَّةٍ: ((لا تبدأوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروه إلى أضيقه))، رواه البخاري، وكذلك خص منه الفاسق، بدليل آخر، وأما من يشك فيه فالأصل فيه البقاء على العموم حتى يثبت الخصوص، ويمكن أن يقال: إن الحديث كان في ابتداء الإسلام لمصلحة التأليف ثم ورد النهي. الأسئلة والأجوبة: منها ما قيل: لم قال تطعم الطعام، ولم يقل تؤكل ونحوه من الألفاظ الدالة عليه؟ وأجيب: بأن لفظة الإطعام عام يتناول الأكل والشرب والذوق، قال الشاعر: وإن شئت حرمت النساء سواكم وإن شئت لم أطعم تُقاخاً ولا بُردا فإنه عطف البرد الذي هو النوم على النقاخ، بضم النون وبالقاف والخاء المعجمة، الذي هو الماء العذب، وقال تعالى: ﴿ومن لم يطعمه﴾ [البقرة: ٢٤٩] أي: ومن لم يذقه، من: طعم الشيء إذا ذاقه، وبعمومه يتناول الضيافة وسائر الولائم، وإطعام الفقراء وغيرهم. ومنها ما قيل: إن باب أطعمت يقتضي مفعولين، يقال: أطعمته الطعام، فما المفعول الثاني هنا، ولم حذفه؟ وأجيب: بأن التقدير: أن تطعم الخلق الطعام، وحذف ليدل على التعميم، إشارة إلى أن إطعام الطعام غير مختص بأحد، سواء كان المطعم مسلماً أو كافراً أو حيواناً، ونفس الإطعام أيضاً سواء كان فرضاً أو سنة أو مستحباً. ومنها ما قيل: لم قال: وتقرأ السلام ولم يقل: وتسلم؟ أجيب: بأنه يتناول سلام الباعث بالكتاب المتضمن بالسلام، قال أبو حاتم السجستاني: تقول اقرأ عليه السلام، واقرأه الكتاب، ولا تقول: اقرؤه السلام إلاّ في لغة إلاَّ أن يكون مكتوباً، فتقول: أقرئه السلام، أي: اجعله يقرؤه، وفيه إشارة أيضاً إلى أن تحية المسلمين بلفظ السلام، وزيدت لفظة: القراءة، تنبيهاً على تخصيص هذه اللفظة في التحيات، مخالفة لتحايا أهل الجاهلية بألفاظ وضعوها لذلك. ومنها ما قيل: لم خص هاتين الخصلتين في هذا الحديث؟ وأجيب: بأن المكارم لها نوعان. أحدهما: مالية أشار إليها بقوله: ((تطعم الطعام))، والآخر: بدنية أشار إليها بقوله: ((وتقرأ السلام)) ويقال: وجه تخصيص هاتين الخصلتين وهو مساس الحاجة إليهما فى ذلك الوقت لما كانوا فيه من الجهد، ولمصلحة التأليف، ويدل على ذلك أنه عَ ل حث عليهما أول ما دخل المدينة، كما رواه الترمذي مصححاً من حديث عبد الله بن سلام، قال: ((أول ما قدم رسول الله عَ ليه المدينة انجفل الناس إليه، فكنت ممن جاءه، فلما تأملت وجهه واشتبهته عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، قال: وكان أول ما سمعت من كلامه أن قال: أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام)). وقال الخطابي: جعل عَ ل أفضلها إطعام الطعام الذي هو قوام الأبدان، ثم جعل خير الأقوال في البر والإكرام إفشاء السلام الذي يعم ولا يخص من عرف ومن لم يعرف، حتى يكون خالصاً لله تعالى، بريئاً من حظ النفس * هو٠ ٢٢٨ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٧) والتصنع، لأنه شعار الإسلام، فحق كل مسلم فيه شائع، ورد في حديث: ((إن السلام في آخر الزمان للمعرفة يكون)». ومنها ما قيل: جاء في الجواب ههنا أن الخير أن تطعم الطعام، وفي الحديث الذي قبله أنه من سلم المسلمون. فما وجه التوفيق بينهما؟ أجيب: بأن الجوابين كانا في وقتين، فأجاب في كل وقت بما هو الأفضل في حق السامع أو أهل المجلس، فقد يكون ظهر من أحدهما قلة المراعاة ليده ولسانه وإيذاء المسلمين، ومن الثاني إمساك من الطعام وتكبر، فأجابهما على حسب حالهما، أو علم عَ له أن السائل الأول يسأل عن أفضل التروك، والثاني عن خير الأفعال؛ أو أن الأول يسأل عما يدفع المضار، والثاني عما يجلب المسار، أو أنهما بالحقيقة متلازمان إذ الإطعام مستلزم لسلامة اليد، والسلام لسلامة اللسان. قلت: ينبغي أن يقيد هذا بالغالب أو في العادة، فافهم. ٧ - باب مِنَ الإِيمَانِ أَنْ يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِتَفْسِهِ أي: هذا باب. ولا يجوز فيه إلاَّ الإعراب بالتنوين أو الوقف على السكون، وليس فيه مجال للإضافة. والتقدير: هذا باب فيه من شعب الإيمان أن يحب الرجل لأخيه ما يحبه لنفسه؛ وجه المناسبة بين البابين: أن الشعبة الواحدة في الباب الأول هي: إطعام الطعام، وهو غالباً لا يكون إلا عن محبة المطعم، وهذا الباب فيه شعبة، وهي: المحبة لأخيه. وقال الكرماني: قدم لفظة من الإيمان بخلاف أخواته حيث يقول: حب الرسول من الإيمان، ونحو ذلك من الأبواب الآتية التي مثله، إما للاهتمام بذكره، وإما للحصر، فكأنه قال: المحبة المذكورة ليست إلا من الإيمان تعظيماً لهذه المحبة وتحريضاً عليها. وقال بعضهم: هو توجيه حسن إلاّ أنه يرد عليه أن الذي بعده أليق بالاهتمام والحصر معاً، وهو قوله: باب حب الرسول من الإيمان، فالظاهر أنه أراد التنويع في العبارة، ويمكن أنه اهتم بذكر حب الرسول فقدمه. قلت: الذي ذكره لا يرد على الكرماني، وإنما يرد على البخاري حيث لم يقل: باب من الإيمان حب الرسول، ولكن يمكن أن يجاب عنه بأنه إنما قدم لفظة حب الرسول: إما اهتماماً بذكره أولاً، وإما استلذاذاً باسمه مقدماً، ولأن محبته هي عين الإيمان، ولولا هو ما عرف الإيمان. ١٣/١ - حدثنا مُسَدَّدٌ قالَ: حدّثنا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ، رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ مَظْهِ وَعَنْ حُسَيْنِ المُعلّم قال: حدثنا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسَ عَنِ النَّبِيِّ عََّلِ قَالَ: ((لاَ يُؤْمَنُ أحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبُّ لأَخِيهِ مَا يُحِبَّ لِنَفْسِهِ)). مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة لا تخفى. بيان رجاله: وهم ستة. الأول: مسدد، بضم الميم وفتح السين والدال المشددة المهملة، ابن مسرهد بن مسربل ابن مرعبل بن ارندل بن سرندل بن غرندل بن ماسك بن مستورد الأسدي، من ثقات أهل البصرة، سمع: حماد بن زيد وابن عيينة ويحيى القطان، روى عنه: أبو حاتم الرازي وأبو داود ومحمد بن يحيى الذهلي وأبو زرعة وإسماعيل بن إسحاق ٢٢٩ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٧) ونظراؤهم. قال أحمد بن عبد الله: ثقة، وقال أحمد ويحيى بن معين: صدوق، توفي في رمضان سنة ثلاث وعشرين ومائتين. روى النسائي عن رجل عنه ولم يرو له مسلم شيئاً، وقال البخاري في (تاريخه) مسدد بن مسرهد بن مسربل بن مرعبل ولم يزد على هذا، وكذا مسلم في كتاب الكنى، غير أنه قال: مغربل بدل مرعبل، وقال أبو علي الخالدي الهروي: مسدد بن مسرهد بن مسربل بن مغربل بن مرعبل بن أرندل إلى آخر ما ذكرناه. قلت: فالخمسة الأول على لفظ صيغة المفعول، ومسدد من التسديد، ومسرهد من سرهدته أي: أحسنت غداءه وسمنته، ومسربل من سربلته أي: ألبسته القميص، ومغربل من غربلته أي: قطعته، ومرعبل من رعبلته أي: مزقته، والثلاثة الأخيرة لعلها عجميات، وهي بالدال المهملة والنون، وعرندل بالعين المهملة، وبالعجمة هو الأصح. الثاني: يحيى بن سعيد بن فروخ، بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة وفي آخره خاء معجمة، غير منصرف للعلمية والعجمة، القطان الأحول التيمي، مولاهم البصري، يكنى أبا سعيد، الإمام الحجة المتفق على جلالته وتوثيقه وتميزه في هذا الشأن، سمع: يحيى الأنصاري ومحمد بن عجلان وابن جريج والثوري وابن أبي ذئب ومالكا وشعبة وغيرهم، روى عنه: الثوري وابن عيينة وشعبة وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد ويحيى بن معين وعلي ابن المديني وإسحاق بن راهويه وأبو بكر بن أبي شيبة وآخرون. قال يحيى بن معين: أقام يحيى بن سعيد عشرين سنة يختم القرآن في كل يوم وليلة، ولم يفته الزوال في المسجد أربعين سنة. وقال إسحاق الشهيدي: كنت أرى يحيى القطان يصلي العصر ثم يستند إلى أصل منارة مسجده، فيقف بين يديه: علي ابن المديني والشاذكوني وعمرو بن علي وأحمد ابن حنبل ويحيى بن معين وغيرهم يسألونه عن الحديث وهم قیام على أرجلهم إلى أن تحین صلاة المغرب، ولا يقول لأحد منهم إجلس، ولا يجلسون هيبة له. ولد سنة عشرين ومائة، وتوفي سنة، ثمان وتسعین ومائة، روی له الجماعة. الثالث: شعبة، بضم الشين المعجمة، ابن الحجاج الواسطي ثم البصري، أمير المؤمنين في الحديث، وقد تقدم. الرابع: قتادة بن دعامة، بكسر الدال، ابن قتادة بن عزيز، بزاي مكررة مع فتح العين، ابن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن سدوس، بفتح السين المهملة، ابن شیبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بالباء الموحدة ابن صعب بن بكر بن وائل السدوسي البصري التابعي، سمع: أنس بن مالك وعبد الله سرجس وأبا الطفيل عامر من الصحابة، وسمع: سعيد بن المسيب والحسن وأبا عثمان النهدي ومحمد بن سیرین وغيرهم، روى عنه: سليمان التيمي وأيوب السختياني والأعمش وشعبة والأوزاعي وخلق كثير، أجمع على جلالته وحفظه وتوثيقه وإتقانه وفضله، ولد أعمى، وقال الزمخشري في (الكشاف): يقال: لم يكن في هذه الأمة أكمه غير قتادة، أي: ممسوح العين، غير قتادة السدوسي صاحب التفسير، توفي بواسط سنة سبع عشرة ومائة، وقيل: ثماني عشرة ومائة، وهو ابن ست وخمسين أو: سبع وخمسين. روی i ے i ـة سوء ١ ١ i م/78 ٢٣٠ ٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (٧) له الجماعة، وليس في الكتب الستة من اسمه: قتادة، من التابعين وتابعيهم غيره. الخامس: حسين بن ذكوان المكتب المعلم البصري، سمع: عطاء بن أبي رباح وقتادة وآخرين، روى عنه: شعبة وابن المبارك ويحيى القطان. قال يحيى بن معين وأبو حاتم: ثقة، روى له الجماعة. السادس: أنس بن مالك بن النضر، بالنون والضاد المعجمة الساكنة، ابن ضمضم، بضادين معجمتين مفتوحتين، ابن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار الأنصاري، یکنی أبا حمزة، خادم رسول الله ټګے، خدمه عشر سنين، روي له عن رسول الله مَّ ألفا حديث ومائتا حديث وست وثمانون حديثا، اتفقا على مائة وثمانية وستين حديثاً منها، وانفرد البخاري بثلاثة وثمانين حديثاً، ومسلم بأحد وتسعين حديثا. وكان أكثر الصحابة ولداً. وقالت أمه: يا رسول الله خويدمك أنس ادع الله له فقال: اللهم بارك في ماله وولده، وأطل عمره، واغفر ذنبه. فقال: لقد دفنت من صلبي مائة، إلاّ اثنين، وكان له بستان يحمل في سنة مرتين وفيه ريحان يجيء منه ريح المسك، وقال: لقد بقيت حتى سئمت من الحياة وأنا أرجو الرابعة، قيل: عمر مائة سنة وزيادة، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، وغسله محمد بن سيرين سنة ثلاث وتسعين زمن الحجاج، ودفن في قصره على نحو فرسخ ونصف من البصرة: ويقال: إنما كني بأبي حمزة بالحاء المهملة بيقلة كان يحبها. روى له الجماعة. بيان لطائف إسناده: منها: أن رواته كلهم بصريون، فوقع له من الغرائب أن أسناد هذا كلهم بصريون، وأسناد الباب الذي قبله كلهم كوفيون، والذي قبله كلهم مصريون، فوقع له التسلسل في الأبواب الثلاثة على الولاء. ومنها: أن فيه التحديث والعنعنة. ومنها: أن هذا إسنادان موصولان. أحدهما: عن مسدد عن يحيى عن شعبة عن قتادة عن أنس والآخر: عن مسدد عن يحيى عن حسين عن قتادة عن أنس. فقوله: عن حسين عطف على شعبة، والتقدير: عن شعبة وحسين كلاهما عن قتادة، وإنما لم يجمعهما لأن شيخه أفردهما، فأورده البخاري معطوفاً اختصاراً، ولأن شعبة قال: عن قتادة، وقال حسين: حدثنا قتادة، وقال بعض المتأخرين طريق حسين معلقة وهو غير صحيح، فقد رواه أبو نعيم في (المستخرج) من طريق إبراهيم الحربي عن مسدد شيخ البخاري، عن يحيى القطان، عن حسين المعلم، وقال الكرماني قوله: وعن حسين، هو عطف، إما على حدثنا مسدد، فيكون تعليقاً، والطريق بين حسين والبخاري غير طريق مسدد، وإما على شعبة. فكأنه قال: حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن حسين، وإما على قتادة، فكأنه قال: عن شعبة عن حسين عن قتادة، ولا يجوز عطفه على يحيى لأن مسدداً لم يسمع عن الحسين وروايته عنه إنما هو من باب التعليق؛ وعلى التقدير الأول ذكره على سبيل المتابعة. قلت: هذا كله مبني على حكم العقل ولیس کذلك، ولیس هو بعطف على مسدد، ولا على قتادة، وإنما هو عطف على شعبة كما ذكرنا، والمتن الذي سيق ههنا هو لفظ شعبة، وأما لفظ حسين فهو الذي رواه أبو نعيم في (المستخرج) عن إبراهيم الحربي عن مسدد عن يحيى القطان عن حسين المعلم عن قتادة عن أنس رضي الله ٢٣١ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٧) عنه، عن النبي عَ ل﴾ قال: ((لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ولجاره)). فإن قيل: قتادة مدلس ولم يصرح بالسماع عن أنس في رواية شعبة، قلت: قد صرح أحمد بن حنبل والنسائي في روايتهما بسماع قتادة له من أنس فانتفت تهمة تدليسه. بيان اختلاف الروايات فيه: قوله: ((لا يؤمن حتى يحب)) في رواية المستملي: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب))، وفي رواية الأصيلي: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب)). وقال الشيخ قطب الدين: قد سقط لفظ أحدكم في بعض نسخ البخاري، وثبت في بعضها كما جاء في مسلم. قلت: وفي بعض نسخ البخاري: ((لا يؤمن - يعني أحدكم - حتى يحب)) وفي رواية ابن عساكر: ((لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه))، وكذا في رواية لمسلم عن أبي خيثمة، وفي رواية لمسلم: ((والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب)) ... الحديث. قوله: ((حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)). هكذا هو عند البخاري، ووقع في مسلم على الشك في قوله: (لأخيه أو لجاره))، وكذا وقع في مسند عبد بن حميد على الشك، وكذا في رواية للنسائي، وفي رواية للنسائي: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير). وكذا للإسماعيلي من طريق روح عن حسين: ((حتى يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير)). وكذا في رواية ابن منده من رواية همام عن قتادة، وفي رواية ابن حبان من رواية ابن أبي عدي عن حسين: ((لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحب)). إلى آخره. بيان من أخرجه غيره: قد عرفت أن البخاري أخرجه هنا عن مسدد عن يحيى عن شعبة وعن حسين عن قتادة عن أنس، وروى مسلم، في الإيمان عن المثنى وابن بشار عن غندر عن شعبة وعن الزهري عن يحيى القطان عن حسين المعلم كلاهما عن قتادة عن أنس وأخرجه الترمذي والنسائي أيضاً. بيان اللغة والإعراب: قد مر تفسير الإيمان فيما مضى، وأما المحبة فقد قال النووي: أصلها الميل إلى ما يوافق المحب، ثم الميل قد يكون بما يستلذه بحواسه بحسن الصورة وبما يستلذه بعقله، كمحبة الفضل والجمال، وقد يكون لإحسانه إليه ودفعه المضار عنه. وقال بعضهم: المراد بالميل هنا الاختياري دون الطبع والقسري، والمراد أيضاً بأن يحب الأخ. أن يحصل لأخيه نظير ما يحصل له لا عينه، سواء كان ذلك في الأمور المحسوسة أو المعنوية، وليس المراد أن يحصل لأخيه ما حصل له مع سلبه عنه ولا مع بقائه بعينه له، إذ قيام الجوهر أو العرض بمحلين محال. قلت: قوله: والمراد أيضاً بأن يحب إلى آخره ليس تفسير المحبة، وإنما المحبة مطالعة المنة من رؤية إحسان أخيه وبره وأياديه ونعمه المتقدمة التي ابتدأ بها من غير عمل استحقها به، وستره على معايبه، وهذه محبة العوام، قد تتغير بتغير الإحسان، فإن زاد الإحسان زاد الحب وإن نقصه نقصه، وأما محبة الخواص فهي تنشأ من مطالعة شواهد الكمال لأجل الإعظام والإجلال ومراعاة حق أخيه المسلم، فهذه لا تتغير لأنها لله تعالى لا لأجل غرض دنيوي. ويقال: المحبة ههنا هي مجرد تمني الخير لأخيه المسلم، فلا يعسر ذلك إلاَّ على القلب السقيم غير المستقيم. وقال القاضي عياض: المراد من قوله عَّ لـ جد. ٠١ i ٢٣٢ ٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (٧) ((حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) أن يحب لأخيه من الطاعات والمباحات، وظاهره يقتضي التسوية وحقيقته التفضيل. لأن كل أحد يحب أن يكون أفضل الناس، فإذا أحب لأخيه مثله فقد دخل هو من جملة المفضولين، وكذلك الإنسان يحب أن ينتصف من حقه ومظلمته، فإذا كانت لأخيه عنده مظلمة أو حق بادر إلى الإنصاف من نفسه، وقد روي هذا المعنی عن الفضيل بن عياض رحمه الله أنه قال لسفيان بن عیینة، رحمه الله: إن كنت ترید أن تكون الناس كلهم مثلك فما أديت لله الكريم نصحه، فكيف وأنت تود أنهم دونك؟ انتهى. قلت: المحبة في اللغة: ميل القلب إلى الشيء لتصور كمال فيه بحيث يرغب فيما يقربه إليه من حبه يحبه فهو محبوب، بكسر عين الفعل في المضارع، قال الشاعر: أحب أبا مروان من أجل تمرة وأعلم بأن الرفق بالمرء ارفق قال الصغاني: وهذا شاذ لأنه لا يأتي في المضاعف: يفعل، بالكسر، إلاَّ ويشركه يفعل، بالضم، أو كان متعدياً، ما خلا هذا الحرف، ويقال أيضاً: أحبه فهو محبوب، ومثله مز كوم ومجنون ومکزوز ومقرور ومسلول ومهموم ومزعوق ومضعوف ومبرور ومملوء ومضؤود ومأروض ومحزون ومحموم وموهون ومنبوت ومسعود، وذلك أنهم يقولون في هذا كله: قد فعل بغير ألف ثم بني مفعول على فعل، وإلاّ فلا وجه له، فإذا قالوا: فعله، فهو كله بالألف. وأما الإعراب: فقوله: ((لا يؤمن)) نفي، وهي جملة من الفعل والفاعل، والفاعل هو أحد، کما ثبت في بعض نسخ البخاري أو: عبد، کما وقع في إحدى روايتي مسلم، والمعنى: لا يؤمن الإيمان الكامل، لأن أصل الإيمان لا يزول بزوال ذلك، أو التقدير: لا يكمل إيمان أحدكم. قوله: ((حتى): ههنا جارة لا عاطفة ولا ابتدائية، وما بعدها خلاف ما قبلها، وأن بعدها مضمرة، ولهذا نصب: يحب، ولا يجوز رفعه ههنا لأن عدم الإيمان ليس سبباً للمحبة. قوله: (لأخيه) متعلق بقوله: يحب. قوله: (ما يحب)) جملة في محل النصب لأنها مفعول يحب، وقوله: ((لنفسه) يتعلق به، وكلمة: ما، موصولة، والعائد محذوف، أي: ما يحبه، وفيه حذف تقديره: ما يحب من الخير لنفسه، ويدل عليه ما رواه النسائي كما ذكرناه. فإن قلت: كيف يتصور أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه؟ وكيف يحصل ذلك المحبوب في محلين وهو محال؟ قلت: تقدير الكلام: حتى يحب لأخيه مثل ما يحب لنفسه. الأسئلة والأجوبة :: منها: ما قيل: إذا كان المراد بالنفي كمال الإيمان يلزم أن يكون من حصلت له هذه الخصلة مؤمناً كاملاً، وإن لم يأت ببقية الأركان. وأجيب: بأن هذا مبالغة، كأن الركن الأعظم فيه هذه المحبة نحو: ((لا صلاة إلاَّ بطهور))، أو هي مستلزمة لها، أو يلزم ذلك لصدقه في الجملة، وهو عند حصول سائر الأركان، إذ لا عموم للمفهوم. ومنها ما قيل: من الإيمان أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه ولمّ لَمْ يذكره؟. وأجيب: بأن حب الشيء مستلزم لبغض نقيضه، فيدخل تحت ذلك أو أن الشخص لا يبغض شيئاً لنفسه فلا ١/ ٢٣٣ ٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (٨) يحتاج إلى ذكره بالمحبة. ومنها ما قيل: إن قوله: لأخيه، ليس له عموم، فلا يتناول سائر المسلمين. وأجيب: بأن معنى قوله: لأخيه، للمسلمين تعميماً للحكم أو يكون التقدير: لأخيه من المسلمین، فیتناول كل أخ مسلم. ٨ - باب حُبُّ الرَّسُولِ عٍَّ مِنَ الإِيمانِ يجوز في باب الرفع مع التنوين على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا باب، ويجوز بالإضافة إلى الجملة التي بعده، لأن قوله: حب الرسول، كلام إضافي مبتدأ، أو قوله: من الإيمان خبره، ويجوز فيه الوقف. لأن الإعراب لا يكون إلاَّ بالتركيب. وجه المناسبة بين البابين من حيث اشتمال كل منهما على وجوب محبة كائنة من الإيمان، واللام في: الرسول، للعهد، والمراد به: سيدنا محمد عَّ له لا جنس الرسول ولا الاستغراق بقرينة. قوله: ((حتى أكون أحب)) وإن كانت محبة الكل واجبة. ١٤/١ - حدثنا أبو اليَمانِ قالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قالَ: حدثنا أبو الزِّنادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، أنَّ رسول الله عَّلِ قالَ: (فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتّى أَكُونَ أُحَبَّ إليهِ مِنْ والِدِهِ وَوَلَدِهِ). مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة. بيان رجاله: وهم خمسة. الأول: أبو اليمان الحكم بن نافع وقد ذكر. الثاني: شعيب ابن أبي حمزة الحمصي، وقد مر ذكره. الثالث: أبو الزناد، بكسر الزاي وبالنون، وهو عبد الله بن ذكوان المدني القرشي، وكان يغضب من هذه الكنية لكن اشتهر بها، ويكنى أيضاً بأبي عبد الرحمن، وقد اتفق على إمامته وجلالته، وكان الثوري يسميه: أمير المؤمنين في الحديث. وقال أبو حاتم: هو ثقة صاحب سنة وهو ممن تقوم به الحجة إذ روى عنه الثقات، وشهد مع عبد الله بن جعفر جنازة فهو إذن تابعي صغير، وروى عنه جماعات من التابعين وهذا من فضائله، لأنه لم يسمع من الصحابة، وروى عنه التابعون، وولاء عمر بن عبد العزيز خراج العراق، وقال الليث بن سعد: رأيت أبا الزناد وخلفه ثلاثمائة تابع من طالب علم وفقه وشعر وصنوف، ثم لم يلبث أن بقي وحده، وأقبلوا على ربيعة، وكان ربيعة يقول: شبر من خطوة خير من ذراع من علم، وقال أحمد: أبو الزناد أفقه من ربيعة. قال الواقدي: مات أبو الزناد فجأة في مغتسله سنة ثلاثين ومائة وهو ابن ست وستين سنة. وقال البخاري: أصح أسانيد أبي هريرة: أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. روى له الجماعة. الرابع: الأعرج وهو أبو داود عبد الرحمن بن هرمز، تابعي مدني قرشي، مولى ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، روى عن أبي سلمة وعبد الرحمن بن القاري، روى عنه: الزهري ويحيى الأنصاري ويحيى بن أبي كثير وآخرون واتفقوا على توثيقه، مات بالإسكندرية سنة سبع عشرة ومائة على الصحيح، روى له الجماعة. واعلم أن مالكاً لم يرو عن عبد الرحمن بن هرمز هذا إلاّ بواسطة، وأما عبد الله بن يزيد بن هرمز فقد روى عنه مالك، وأخذ عنه الفقه وهو عالم من ١٠ i i ٢٣٤ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٨) علماء المدينة قليل الرواية جداً، توفي سنة ثمان وأربعين ومائة، فحيث يذكر مالك بن هرمز ويحكى عنه فإنما يريد: عبد الله بن يزيد هذا الفقيه، لأن عبد الرحمن بن هرمز، صاحب أبي الزناد المحدث، هذا، إنما يحدث عنه بواسطة ذلك، ووفاته سنة: سبع عشرة ومائة على ما ذكرنا، وهذا وفاته سنة: ثمان وأربعين ومائة، وهذا موضع التباس على كثير من الناس ذكرته للفرق بينهما، فافهم. الخامس: أبو هريرة وقد مضى ذكره. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة، وفي بعض النسخ: أخبرنا شعيب، فعلى هذا يكون فيه: الإخبار أيضاً، والتفريق بين حدثنا وأخبرنا لا يقول به البخاري كما سيجيء في العلم. ومنها: أن إسناده مشتمل على حمصيين ومدنيين. ومنها: أنه قد وقع في (غرائب مالك) للدارقطني إدخال رجل، وهو أبو سلمة بن عبد الرحمن، بين الأعرج وأبي هريرة في هذا الحديث، وهي زيادة شاذة، فقد رواه الإسماعيلي بدونها من حديث مالك ومن حديث إبراهيم بن طهمان، وروى ابن منده من طريق أبي حاتم الرازي عن أبي اليمان شيخ البخاري هذا الحديث مصرحاً فيه بالتحديث في جميع الأسناد، وكذا للنسائي من طريق علي بن عياش، عن شعيب. بيان من أخرجه غيره: أخرجه البخاري هنا عن أبي هريرة وأنس رضي الله عنهما، وأخرجه النسائي أيضاً عن أبي هريرة، وأخرجه مسلم في الإيمان عن ابن المثنى، وابن بشار عن غندر عن شعبة، ورواه عن زهير عن ابن علية، وعن شيبان بن فروخ عن عبد الوارث، كلاهما عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس، وأخرجه النسائي، وفي رواية أخرى للنسائي: ((حتى أكون أحب إليه من ماله وأهله والناس أجمعين)). بيان الإعراب: قوله: ((والذي) الواو: فيه للقسم، والذي، صفة موصوفه محذوف تقديره: والله الذي. قوله: ((نفسي) مبتدأ و((بيده) خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول أعني: الذي. قوله: ((لا يؤمن)) نفي وهو جواب القسم. قوله: ((حتى) للغاية هنا ((وأكون)) منصوب بتقدير: حتى أن أكون، وقد علم أن الفعل بعد حتى لا ينتصب إلاّ إذا كان مستقبلاً، ثم إن كان استقباله بالنظر إلى زمن المتكلم فالنصب واجب نحو: ﴿لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى﴾ [طه: ٩١] وإن كان بالنسبة إلى ما قبلها خاصة فالوجهان نحو: ﴿وزلزلوا حتى يقول الرسول﴾ [البقرة: ٢١٤] الآية، فإن قولهم: إنما هو مستقبل بالنظر إلى الزلزال لا بالنظر إلى زمن قص ذلك علينا. قوله: ((أحب) نصب لأنه خبر أكون، ولفظة: أحب، أفعل التفضيل بمنى المفعول، وهو على خلاف القياس، وإن كان كثيراً إذ القياس أن يكون بمعنى الفاعل، وقال ابن مالك: إنما يشذ بناؤه للمفعول إذا خيف اللبس بالفاعل، فإن أمن بأن لم يستعمل الفعل للفاعل، أو قرن به ما يشعر بأنه للمفعول لا يشذ كقولهم: هو أشغل من ذات النحيين وهو أكسر من البصل، وعبد الله بن أبي ألعن من لعن على لسان داود وعيسى، ولا أحرم ممن عدم الإنصاف، ولا أظلم من قتيل کربلا، وهو أزهى من الديك، وأرجى، وأخوف، وأهيب ولا يقتصر على السماع لكثرة مجيئه. فإن قلت: لا يجوز الفصل بين الفعل ٢٣٥ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٨) ومعموله لأنه كالمضاف والمضاف إليه، فكيف وقع لفظة: إليه، ههنا فصلاً بينهما؟ قلت: الفصل بالأجنبي ممنوع لا مطلقاً والظرف فيه توسع فلا يمنع. بيان المعاني: فائدة: القَسَم، تأكيد الكلام به، ويستفاد منه جواز القسم على الأمر المبهم توكيداً، وإن لم يكن هناك من يستدعي الحلف، ولفظ اليد من المتشابهات، ففي مثل هذا افترق العلماء على فرقتين: إحداهما: ما تسمى مفوضة: وهم الذين يفوضون الأمر فيها إلى الله تعالى قائلين: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ [آل عمران: ٧]، والأخرى: تسمى مؤولة، وهم الذين يؤولون مثل هذا، كما يقال: المراد من اليد القدرة، عاطفين ﴿والراسخون في العلم﴾ [آل عمران: ٧] على: الله والأول أسلم، والثاني أحكم. قلت: ذكر أبو حنيفة أن تأويل اليد بالقدرة، ونحو ذلك يؤدي إلى التعطيل، فإن الله تعالى أثبت لنفسه يداً، فإذا أولت بالقدرة يصير عين التعطيل، وإنما الذي ينبغي في مثل هذا أن نؤمن بما ذكره الله من ذلك على ما أراده، ولا نشتغل بتأويله، فنقول: له يد على ما أراده لا كيد المخلوقين، وكذلك في نظائر ذلك. قوله: ((لا يؤمن)) أي: إيماناً كاملاً، ويقال المراد من الحديث: بذل النفس دونه عَّله، وقيل: في قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين﴾ [الأنفال: ٦٤] أي: وحسبك من اتبعك من المؤمنين، ببذل أنفسهم دونك. وقال ابن بطال: قال أبو الزناد: هذا من جوامع الكلم الذي أوتيه، عليه الصلاة والسلام، إذ أقسام المحبة ثلاثة: محبة إجلال وإعظام كمحبة الوالد، ومحبة رحمة وإشفاق كمحبة الولد، ومحبة مشاكلة واستحسان كمحبة الناس بعضهم بعضاً، فجمع عليه السلام، ذلك كله. قال القاضي: ومن محبته: نصرة سنته، والذب عن شريعته، وتمني حضور حياته، فيبذل نفسه وماله دونه، وبهذا يتبين أن حقيقة الإيمان لا تتم إلاَّ به، ولا يصح الإيمان إلاَّ بتحقيق إنافة قدر النبي عَّ له ومنزلته علی کل والد وولد ومحسن ومتفضل، ومن لم يعتقد ذلك واعتقد سواه فليس بمؤمن، واعترضه الإمام أبو العباس أحمد القرطبي المالكي، صاحب (المفهم) فقال: ظاهر كلام القاضي عياض صرف المحبة إلى اعتقاد تعظيمه وإجلاله، ولا شك في كفر من لا يعتقد ذلك، غير أنه ليس المراد بهذا الحديث اعتقاد الأعظمية إذ اعتقاد الأعظمية ليس بمحبة ولا مستلزماً لها، إذ قد يحمد الإنسان إعظام شيء مع خلوه عن محبته، قال: فعلى هذا من لم يجد من نفسه ذلك لم يكمل إيمانه على أن كل من آمن إيماناً صحيحاً لا يخلو من تلك المحبة، وقد قال عمرو بن العاص، رضي الله عنه، وما كان أحد أحب إلي من رسول الله عَّله ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له، وأن عمر رضي الله عنه، لما سمع هذا الحديث، قال: يا رسول الله أنت أحب إلي من كل شيء إلاَّ من نفسي، فقال: ((ومن نفسك يا عمر))، فقال: ومن نفسي. فقال: ((الآن يا عمر)). وهذه المحبة ليست باعتقاد تعظيم بل ميل قلب، ولكن الناس يتفاوتون في ذلك، قال الله تعالى: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾ [المائدة: ٥٤] ولا شك أن حظ الصحابة، رضي الله عنهم، من هذا المعنى أتم، لأن المحبة ثمرة المعرفة، وهم بقدره ومنزلته أعلم، والله أعلم. ويقال: ١ i i i ٤٣٠. ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٨) ٢٣٦ المحبة إما اعتقاد النفع، أو ميل يتبع ذلك، أو صفة مخصصة لأحد الطرفين بالوقوع، ثم الميل قد يكون بما يستلذه بحواسه كحسن الصورة، ولما يستلذه بعقله كمحبة الفضل والجمال، وقد يكون لإحسانه إليه ودفع المضار عنه، ولا يخفى أن المعاني الثلاثة كلها موجودة في رسول الله عَليه لما جمع من جمال الظاهر والباطن، وكمال أنواع الفضائل، وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايتهم إلى الصراط المستقيم ودوام النعم، ولا شك أن الثلاثة فيه أكمل مما في الوالدين لو كانت فيهما، فيجب كونه أحب منهما، لأن المحبة ثابتة لذلك، حاصلة بحسبها، كاملة بكمالها. واعلم أن محبة الرسول عليه السلام، إرادة فعل طاعته وترك مخالفته، وهي من واجبات الإسلام. قال الله تعالى: ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم﴾ إلى قوله: ﴿حتى يأتي الله بأمره﴾ [التوبة: ٢٤] وقال النووي: فيه تلميح إلى قضية النفس الأمّارة بالسوء والمطمئنة، فإن من رجح جانب المطمئنة كان حب النبي عليه السلام، راجحاً، ومن رجح جانب الأمّارة، كان حكمه بالعكس. بيان الأسئلة والأجوبة :. منها ما قيل: لِمَ ما ذكر نفس الرجل أيضاً وإنما يجب أن يكون الرسول عَ ل أحب إليه من نفسه قال تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ [الأحزاب: ٣٣]. وأجيب: بأنه إنما خصص الوالد والولد بالذكر لكونهما أعز خلق الله تعالى على الرجل غالباً، وربما يكونان أعز من نفس الرجل على الرجل، فذكرهما إنما هو على سبيل التمثيل، فكأنه قال: حتى أكون أحب إليه من أعزته، ويعلم منه حكم غير الأعزة، لأنه يلزم في غيرهم بالطريق الأولى، أو اكتفى بما ذكر في سائر النصوص الدالة على وجوب كونه أحب من نفسه أيضاً، كالرواية التي بعده. ومنها ما قيل: هل يتناول لفظ الوالد الأم كما أن لفظ الولد يتناول الذكر والأنثى؟ وأجيب: بأن الوالد إما أن يراد به ذات له ولد، وإما أن يكون بمعنى ذو ولد نحو لابن وتامر، فيتناولهما، وإما أن يكتفى بأحدهما عن الآخر كما يكتفى بأحد الضدين عن الآخر. قال تعالى: ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ [النحل: ٨١] وإما أن يكون حكمه حكم النفس في كونه معلوماً من النصوص الأخر. ومنها ما قيل: المحبة أمر طبيعي غريزي لا يدخل تحت الاختيار، فكيف يكون مكلفاً بما لا يطاق عادة؟ وأجيب: بأنه لم يرد به حب الطبع بل حب الاختيار المستند إلى الإيمان؟ فمعناه: لا يؤمن حتى يؤثر رضاي على هوى الوالدين، وإن كان فيه هلاكهما. ومنها ما قيل: ما وجه تقديم الوالد على الولد؟ وأجيب: بأن ذلك للأكثرية، لأن كل أحد له والد من غير عكس. قلت: الأولى أن يقال: إنما قدم ههنا الوالد نظراً إلى جانب التعظيم، وقدم الولد على الوالد في حديث أنس في رواية النسائي نظراً إلى جانب الشفقة والترحم. ١٥/٢ - حدّثنا يعَقُوبُ بْنُ إبرَاهِيمَ قال: حدثنا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِي عَّهِ (ح) وحدثنا آدَمُ قال: حدثنا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنِسٍ قالَ: قالَ النَّبي سَى: (وَلاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ). هذان الإسنادان عطف أحدهما على الآخر قبل أن يسوق المتن في الأول، وذلك يوهم ، جدة جيد ١٠ ٢٣٧ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٨) استواءهما وليس كذلك، فإن لفظ قتادة مثل لفظ حديث أبي هريرة، غير أن فيه زيادة وهي قوله: ((والناس أجمعين))، ولفظ عبد العزيز بن صهيب مثله إلاّ أنه قال: كما رواه ابن خزيمة في (صحيحه) عن يعقوب بن إبراهيم شيخ البخاري بهذا الإسناد: ((من أهله وماله))، بدل: ((من والده وولده)»، وكذا في رواية مسلم من طريق ابن علية، وكذا الإسماعيلي من طريق عبد الوارث بن سعيد عن عبد العزيز، ولفظه: ((لا يؤمن الرجل))، وهو أشمل من جهة، ولفظ: ((أحدكم) أشمل من جهة، وأشمل منهما رواية الأصيلي: ((لا يؤمن أحد))، فإن النكرة في سياق النفي تعم. فإن قلت: إذا كان لفظ عبد العزيز مغايراً للفظ قتادة، فلِمَ ساق البخاري كلامه بما يوهم اتحادهما في المعنى؟ قلت: البخاري كثيراً ما يصنع ذلك نظراً إلى أصل الحديث لا إلى خصوص ألفاظه، فإن قلت: لم اقتصر على لفظ قتادة، وما المرجح في ذلك؟ قلت: لأن لفظ قتادة موافق للفظ أبي هريرة في الحديث السابق. فإن قلت: قتادة مدلس ولم يصرح بالسماع؟ قلت: رواية شعبة عنه دليل على السماع لأنه لم يكن يسمع منه إلاَّ ما سمعه، على أنه قد وقع التصريح به في هذا الحديث في رواية النسائي. بیان رجالهما: وهم سبعة: الأول: أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن کثیر بن زيد بن أفلح الدورقي العبدي، أخو أحمد بن إبراهيم، وكان الأكبر صنف المسند، وكان ثقة حافظاً متقناً، رأى الليث، وسمع: ابن عيينة والقطان ويحيى بن أبي كثير وخلقاً. روى عنه: أخوه وأبو زرعة وأبو حاتم والجماعة. مات سنة اثنتين وخمسين ومائتين. الثاني: ابن علية، بضم العين المهملة وفتح اللام وتشديد الياء آخر الحروف، وهو إسماعيل، وعلية أمه، وأبوه إبراهيم ابن سهل بن مقسم البصري الأسدي، أسد خزاعة، مولاهم، أصله من الكوفة، قال شعبة فيه: سيد المحدثين، سمع عبد العزيز بن صهيب، وأيوب السختياني، وسمع من محمد بن المنكدر أربعة أحاديث، وسمع خلقاً غيرهم. وقال أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، اتفق على جلالته وتوثيقه، ولي صدقات البصرة والمظالم ببغداد في آخر خلافة هارون، توفي ببغداد، ودفن في مقابر عبد الله بن مالك، وصلى عليه ابنه إبراهيم في سنة أربع وتسعين ومائة، وكانت أمه علية نبيلة عاقلة، وكان صالح المزي وغيره من وجوه أهل البصرة وفقهائها يدخلون فتبرز لهم وتحادثهم ونسائهم، روى له الجماعة. قلت: عبد العزيز البناني، مولاهم، تابعي، سمع أنساً، روى عنه شعبة، وقال: هو عندي في أنس أحب إلي من قتادة، اتفق على توثيقه، روى له الجماعة، قال ابن قتيبة: هو وأبوه كانا مملوكين، وأجاز إياس بن معاوية شهادة عبد العزيز وحده. الرابع: آدم بن أبي إياس، وقد مر ذكره. الخامس: شعبة بن الحجاج. السادس: قتادة بن دعامة. السابع: أنس بن مالك رضي الله عنه، وقد ذكروا فيما مضی. بيان الأنساب: الدورقي: نسبة إلى دورق، بفتح الدال المهملة وسكون الواو وفتح الراء وفي آخره قاف، وهي قلانس كانوا يلبسونها فنسبوا إليها، وفي (المطالع): دورق أراه في بلاد فارس، وقيل: بل لصنعه قلانس تعرف بالدورقة نسبت إلى ذلك الموضع، وقال جـة i ١ i ٢٣٨ ٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٩) الرشاطي: دورق من كور الأهواز. وقال ابن خرداذبه: كور الأهواز رام هرمز، ومنها: أيزح وعسكر مکرم وتستر وسوس وسرق، وهي دورق، وذكر غير ذلك. قال: ومن سرق الأهواز إلى دورق في الماء ثمانية عشر فرسخاً، وعلى الظاهر أربعة وعشرون. والعبدي: في قبائل، ففي قريش: عبد بن قصي بن كلاب بن مرة، وفى ربيعة ابن نزار: عبد القيس بن قصي بن دعمي، ينسب إليه، عبدي، على القياس، وعبقسي، على غير القياس؛ وفي تميم ينسب إلى عبد الله بن دارم، وقد يقال: عبدلي، على غير قياس؛ وفي خولان ينسب إلى عبد الله بن الخيار، وفي همدان ينسب إلى عبد بن عليان بن أرحب. والبناني: بضم الباء الموحدة وبالنونين، نسبة إلى: بنانة، بطن من قريش، وبنانة كانت زوجة سعد بن لؤي بن غالب، نسب إليها بنوها، وقيل: كانت أمة له حضنت بنيه، وقيل: كانت حاضنة لبنيه فقط، ويقال: نسبة إلى سكة بنانة بالبصرة، فافهم. بيان المعاني: قوله: ((والناس أجمعين)) من باب عطف العام على الخاص، كقوله تعالى: ﴿ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم﴾ [الحجر: ٨٧] وهو عكس قوله تعالى: ﴿وملائكته ورسله وجبريل وميكال﴾ [البقرة: ٩٨] فإنه تخصيص بعد تعميم، فإن قيل: هل يدخل في لفظ الناس نفس الرجل أو يكون إضافة المحبة إليه تقتضي خروجه منهم، فإنك إذا قلت: جميع الناس أحب إلى زيد من غلامه، يفهم منه خروج زيد منهم؟ قلت: لا يخرج لأن اللفظ عام، وما ذكر ثم ليس من المخصصات. واعلم أنه قد يوجد في بعض النسخ قبل حدثنا آدم لفظة: (ح) إشارة إلى التحول من الإسناد الأول إلى إسناد آخر، وفي بعضها لا يوجد، وعلى النسختين ففيه تحول من إسناد إلى آخر قبل ذكر الحديث، وقوله: أخبرنا يعقوب، وفي رواية أبي ذر: حدثنا. ٩ - باب حَلاَوَةِ الإِيمَانِ أي: هذا باب في بيان حلاوة الإيمان، وارتفاعه على الخبرية للمبتدأ المحذوف، وجه المناسبة بين البابين من حيث إن الباب الأول مشتمل على أن كمال الإيمان لا يكون إلاّ إذا كان الرسول عَلُّ أحب إليه من سائر الخلق، وهذا الباب يبين أن ذلك من جملة حلاوة الإيمان، ولأن هذا الباب مشتمل على ثلاثة أشياء، والباب الذي قبله جزء من هذه الثلاثة، وهذا أقوى وجوه المناسبة. ١٦/١ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُّ المُثَنَّى قالَ: حدثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقفِيُّ قال: حدثنا أَيُّوبُ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِي ◌َّ لْ قالَ: (فَلَاَثّ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاَوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبُ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبُّ الْمَرَءَ لاَ يُحِبُهُ إِلاَّ لِلَّهِ، وَأَنَْ يَكَرَهَ أنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَّا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ)). [الحديث ١٦ - أطرافه في: ٢١، ٦٠٤١، ٦٩٤١]. مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة. ٢٣٩ ٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٩) بيان رجاله: وهم خمسة. الأول: محمد بن المثنى، بلفظ المفعول من التثنية بالمثلثة، ابن عبيد بن قيس بن دينار، أبو موسى العنزي البصري المعروف بالزمن، سمع: ابن عيينة ووكيع بن الجراح وإسماعيل بن علية والقطان وغيرهم، روى عنه: أبو زرعة وأبو حاتم ومحمد بن يحيى الذهلي والمحاملي. قال الخطيب: كان ثقة ثبتاً يحتج سائر الأئمة بحديثه، وقدم بغداد وحدث بها، ثم رجع إلى البصرة فمات بها، قال غيره: سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وولد هو وبندار بالسنة التي مات فيها حماد بن سلمة، سنة سبع وستين ومائة، روى عنه الجماعة، وروى الترمذي أيضاً عن رجل عنه، وقال: لا بأس به. الثاني: عبد الوهاب بن عبد المجيد بن الصلت بن أبي عبيد بن الحكم بن أبي العاص بن بشر بن عبد الله بن دهمان بن عبد همام بن أبان بن يسار مالك بن خطيط بن جشم بن قسي، وهو ثقيف بن منبه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس غيلان الثقفي البصري، سمع: يحيى الأنصاري وأيوب السختياني وخلقاً. روى عنه: محمد بن إدريس الشافعي والإمام أحمد وابن معين وابن المديني، وُثقه يحبى والعجلي، وقال ابن سعد: كان ثقة وفيه ضعف، ولد سنة ثمان ومائة وتوفي سنة أربع وتسعين ومائة، وقال خليفة بن خياط: اختلط قبل موته بثلاث سنين، أو أربع سنين، روى له الجماعة. الثالث: أيوب بن أبي تميمة، واسمه كيسان السختياني البصري، مولى عزة، ويقال جهينة، ومواليه حلفاء بني جريش، رأى أنس بن مالك، وسمع: عمر بن سلمة الجرمي وأبا عثمان النهدي والحسن ومحمد بن سيرين وأبا قلابة عبد الله بن زيد الجرمي ومجاهداً وخلقاً كثيراً. روى عنه: محمد بن سيرين وعمرو بن دينار وقتادة والأعمش ومالك والسفيانان والحمادان، وروى عنه الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه، أيضاً، وقال ابن المديني: له نحو ثمان مائة حديث. وقال النسائي: ثقة ثبت. وقال إسماعيل بن علية: ولد سنة ست وستين، وقال البخاري عن علي بن المديني: مات بالبصرة سنة إحدى وثلاثين ومائة، زاد غيره: وهو ابن ثلاث وستين، روى له الجماعة. الرابع: أبو قلابة، بکسر القاف وبالباء الموحدة، واسمه عبد الله بن زيد بن عمرو، وقیل: عامر بن نائل بن مالك الجرمي البصري، سمع: ثابت بن قيس بن الضحاك الأنصاري وأنس بن مالك الأنصاري وغيرهم من الصحابة، روى: عن أيوب وقتادة ويحيى بن أبي كثير، اتفق على توثيقه، توفي بالشام سنة أربع ومائة، روى له الجماعة. الخامس: أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه، وقد مر ذکره. بيان الأنساب: العنزي، بفتح العين المهملة والنون وبالزاي، نسبة إلى عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان حي من ربيعة. والثقفي: بالثاء المثلثة والقاف بعدها الفاء نسبة إلى ثقيف، وهو: قسي بن منبه، وقد ذكرناه الآن. والسختياني: بفتح السين المهملة نسبة إلى بيع السختيان، وهو الجلد؛ وقال الجوهري: سمي بذلك لأنه كان يبيع الجلود. قال صاحب (المطالع): ومنهم من يضم السين؛ وقال بعضهم: حكي بضم السين وكسرها. قلت: هذا اللفظ أعجمي؟ ولم يسمع منهم إلاَّ فتح السين. والجرمي: بفتح الجيم في قبائل، i i تقوم F -* سوتـ i ٢٤٠ ٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (٩) ففي قضاعة جرم بن ريان بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، وفي بجيلة جرم بن علقمة بن عبقر، وفي عاملة جرم بن شعل بن معاوية، وفي طي جرم وهو ثعلبة بن عمرو بن الغوث بن طي. بيان لطائف إسناده: منها: أن فيه التحديث والعنعنة. ومنها: أن رواته كلهم بصريون. ومنها: أن كلهم أئمة أجلاء على ما ذكرنا. بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره: أخرجه البخاري هنا، ومسلم أيضاً كلاهما عن محمد بن المثنى إلى آخره بهذا الإسناد، وأخرجه في هذا الباب أيضاً بعد ثلاثة أبواب، من طريق شعبة عن قتادة عن أنس، واستدل به على فضل من أكره على الكفر فترك التقية إلى أن قتل، وأخرجه من هذا الوجه في الأدب في فضل الحب في الله، ولفظ هذه الرواية: ((وحتى أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه)». وهي أبلغ من لفظ حديث الباب، لأنه سوى فيه بين الأمرين، وهنا جعل الوقوع في نار الدنيا أولى من الكفر الذي أنقذه الله بالخروج منه من نار الأخرى، وكذا رواه مسلم من هذا الوجه، وفي رواية للبخاري ومسلم: ((من كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع يهودياً أو نصرانياً)). وأخرجه الترمذي والنسائي أيضاً في رواية أخرى: ((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان وطعمه: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب في الله ويبغض في الله، وأن يوقد نار عظيمة فيقع فيها أحب إليه من أن يشرك بالله شيئاً). بيان اللغات: قوله: ((حلاوة الإيمان)) الحلاوة مصدر: حلا الشيء يحلو، وهو نقيض المر، واحلولى مثله، وأحليت الشيء: جعلته حلواً، وأحليته أيضاً: وجدته حلواً وحاليته أي: طايبته. والحلوى نقيض المرى، يقال: خذ الحلوى واعطه المرى، وتحالت المرأة: إذا أظهرت حلاوة وعجباً. وأما حلوت فلاناً على كذا مالاً، فأنا أحلوه حلواً وحلواناً، فمعناه: وهبت له شيئاً على شيء يفعله لك غير الأجرة، وأما: حليت المرأة أحليها حلياً، وحلوتها ... فمعناها: جلعت لها حليًّا، ويقال: حلي فلان بعيني بالكسر، وفي عيني، وبصدري أو في صدري: يحلى حلاوة إذا أعجبك، قال الراجز: إن سراجا لكريم مفخرة تحلى به العين إذا ما تجهره وهذا من المقلوب، والمعنى: يحلى بالعين، وكذلك حلا فلان بعيني وفي عيني: يحلو حلاوة. وقال الأصمعي: حلى في عيني بالكسر، وحلا في فمي بالفتح، وحليت الرجل: وصفت حليته، وحليت الشيء في عين صاحبه، وحليت الطعام: جعلته حلواً، والحلواء التي تؤكل تمد وتقصر. وأما معنى: الحلوة، في الحديث. فقال التيمي: حسنه، وقال النووي: معنى حلاوة الإيمان استلذاذ الطاعات، وتحمل المشاق في الدين، وإيثار ذلك على أعراض الدنيا ومحبة العبد الله تعالى بفعل طاعته وترك مخالفته، وكذلك محبة رسول الله عَ له. قلت: تفسير التيمي: من الحلاوة التي بابها من حلى فلان بعيني حلاوة، إذا حسن، وتفسير النووي: