Indexed OCR Text

Pages 201-220

١٠٠٠
٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (٢)
٢٠١
الرجل ما لم يشهد لا يخاطب بهذه الأشياء الأربعة، ولو قالها فإنا نحكم في الوقت بإسلامه،
ثم إذا أنكر حكماً من هذه الأحكام المذكورة المبنية على الإسلام حكمنا ببطلان إسلامه،
إلاَّ أن النبي عٍَّ لما أراد بيان أن الإسلام لا يتم إلاَّ بهذه الأشياء ووجودها معه، جعله مبنياً
عليها، ولهذا المعنى سوى بينها وبين الشهادة، وإن كانت هي الإسلام بعينه. وقال الكرماني:
حاصل كلامه أن المقصود من الحديث بيان كمال الإسلام وتمامه، فلذلك ذكر هذه الأمور
مع الشهادة لا نفس الإسلام، وهو حسن، لكن قوله: ثم إذا أنكر حكماً من هذه حكمنا
ببطلان إسلامه، ليس من البحث، إذ البحث في فعل هذه الأمور وتركها لا في إنكارها.
وكيف وإنكار كل حكم من أحكام الإسلام موجب للكفر؟ فلا معنى للتخصيص بهذه
الأربعة. قلت: استدراك الكرماني لا وجه له فافهم. السادس: ما قيل: لم لم يذكر الإيمان
بالأنبياء والملائكة وغير ذلك مما تضمنه سؤال جبريل عليه السلام؟ أجيب: بأن المراد
بالشهادة تصديق الرسول مَ لهم فيما جاء به، فيستلزم جميع ما ذكر من المعتقدات. السابع:
ما قيل: لِمَ لَمْ يذكر فيه الجهاد؟ أجيب: بأنه لم يكن فرض؟ وقيل: لأنه من فروض
الكفايات وتلك فرائض الأعيان. قال الداودي: لما فتحت مكة سقط فرض الجهاد على من
بعد من الكفار، وهو فرض على من يليهم، وكان أولاً فرضاً على الأعيان. وقيل: هو مذهب
ابن عمر، رضي الله عنهما، والثوري وابن شبرمة، إلاَّ أن ينزل العدو فيأمر الإمام بالجهاد.
وجاء في البخاري في هذا الحديث في التفسير: ((أن رجلاً قال لابن عمر: ما حملك على أن
تحج عاماً وتعتمر عاماً وتترك الجهاد))؟ وفي بعضها في أوله: ((أن رجلاً قال لابن عمر: ألا
تغزو؟ وقال: سمعت رسول الله عَّه قال: بني الإسلام على خمس)) الحديث. فهذا يدل على
أن ابن عمر كان لا يرى فرضيته إما مطلقاً، كما نقل عنه، أو في ذلك الوقت. وجاء هنا
(بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلاَّ اللَّهُ) وجاء في بعض طرقه: ((على أن يوحد
الله)) وفي أخرى: ((على أن يعبد الله ويكفر بما دونه)) بدل الشهادة، قال بعضهم: جاءت
الأولى على نقل اللفظ وما عداها على المعنى. وقد اختلف في هذه المسألة، وهو جواز نقل
الحديث بالمعنى من العالم بمواقع الألفاظ وتركيبها، وأما من لا يعرف ذلك فلا خلاف في
تحريمه عليه. وجاء ههنا ((والحج وصوم رمضان)) بتقديم الحج، وفي طريقين لمسلم، وفي
بعض الطرق بتقديم رمضان. وفي بعضها: ((فقال رجل: الحج وصيام رمضان، وقال ابن عمر:
لا صیام رمضان والحج، ھکذا سمعته من رسول الله
واختلف الناس في الجمع بين الروايات. فقال المازري: تحمل مشاحة ابن عمر على
أنه كان لا يرى رواية الحديث بالمعنى، وإن أداه بلفظ یحتمل، أو کان یری: الواو توجب
الترتيب، فتجب المحافظة على اللفظ لأنه قد تتعلق به أحكام، وقيل: إن ابن عمر رواه على
الأمرين، ولكنه لما رد عليه الرجل قال: لا ترد علي ما لا علم لك به. كما رواه في
أحدهما، وقيل: يحتمل أنه كان ناسياً للأخرى عند الإنكار، ومنهم من قال: الصواب تقديم
الصوم، والرواية الأخرى وهم لإنكار ابن عمر وزجره عند ذكرها، واستضعف هذا بأنه يجر
i
i
i
i
i.
٦

٢٠٢
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣)
إلى توهين الرواية الصحيحة، وطرؤ احتمال الفساد عند فتحه لأنَّا لو فتحنا هذا الباب لارتفع
الوثوق بكثير من الروايات، إلاَّ القليل، ولأن الروايتين في الصحيح، ولا تنافي بينهما كما
تقدم من جواز رواية الأمرين. قال القاضي: وقد يكون رد ابن عمر الرجل إلى تقديم رمضان،
لأن وجوب صوم رمضان نزل في السنة الثانية من الهجرة، وفريضة الحج في سنة ست،
وقيل: تسع، بالمثناة، فجاء لفظ ابن عمر على نسقها في التاريخ، والله أعلم. وقال ابن
صلاح: محافظة ابن عمر على ما سمعه حجة لمن قال بترتيب الواو. قلت: للجمهور أن
يجيبواً عن ذلك بأن تقديم الصوم لتقدم زمنه، كما ذكرناه، وفي قوله: واستضعف هذا ... إلى
آخره نظر، وقد وقع في رواية أبي عوانة في (مستخرجه) على مسلم، عكس ما وقع في
الصحيح، وهو: أن عمر قال للرجل: اجعل صيام رمضان آخرهن كما سمعت، وأجاب عنه
ابن صلاح بقوله: لا تقاوم، هذه رواية مسلم. وقال النووي بأن القضية لرجلين. فإن قلت: ما
تقول في الرواية التي اقتصرت على إحدى الشهادتين؟ قلت: إما اكتفاء بذكر إحداهما عن
الأخرى لدلالتها عليها، وإما لتقصير من الراوي، فزاد عليه غيره، فقبلت زيادته. فافهم. والرجل
المردود عليه تقديمه الحج اسمه يزيد بن بشر السكسكي، ذكره الخطيب في (الأسماء
المبهمة) له.
٣ - باب أُمُورِ الإِيمَانِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الِبِرَّ أَنْ تُوَّلُّوا وُمُجُوهَكُمْ قِبَلَ المِشْرِقِ والمغْرِبِ ولكِنَّ الپِرَّ مَنْ
آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتَابِ والنَّبِينَ وآتى المَال عَلَى حُبّهِ ذَوِي القُّربى واليَتَامَى
والمَساكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ والسَّائِلِينَ وفي الرِّقَابِ وأَقَامَ الصَّلاَةَ وءِاتَى الزَّكّاةَ والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ
إِذَا عَاهَدُوا والصَّابرِينَ في البَأْسَاءِ والضَّرَاءِ وَحِينَ البَّأْسِ أُولَئِكَ الذَّيْنَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ
المتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] ﴿قَدْ أَقْلَحَ المُؤمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١]الآيَةَ.
أي: هذا باب في بيان أمور الإيمان، فيكون ارتفاع: باب، على أنه خبر مبتدأ
محذوف، والمراد بالأمور هي: الإيمان، لأن الأعمال عنده هي: الإيمان، فعلى هذا، الإضافة
فيه بيانية، ويجوز أن يكون التقدير: باب الأمور التي للإيمان في تحقیق حقيقته وتکمیل ذاته،
فعلى هذا، الإضافة بمعنى: اللام، وفي رواية الكشميهني: باب أمر الإيمان، بالإفراد على إرادة
الجنس؛ وقال ابن بطال: التصديق أول منازل الإيمان، والاستكمال إنما هو بهذه الأمور. وأراد
البخاري الاستكمال، ولهذا بوب أبوابه عليه فقال: باب أمور الإيمان؛ و: باب الجهاد من
الإيمان، و: باب الصلاة من الإيمان، و: باب الزكاة من الإيمان. وأراد بهذه الأبواب كلها الرد
على المرجئة القائلين بأن الإيمان قول بلا عمل، وتبيين غلطهم ومخالفتهم الكتاب والسنة.
وقال المازري: اختلف الناس فيمن عصى الله من أهل الشهادتين: فقالت المرجئة: لا تضر
المعصية مع الإيمان، وقالت الخوارج: تضره بها ويكفر بها، وقالت المعتزلة: يخلد بها فاعل
الكبيرة ولا يوصف بأنه مؤمن ولا كافر، لكن يوصف بأنه فاسق. وقالت الأشعرية: بل هو

٢٠٣
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣)
مؤمن وإن عذب، ولا بد من دخوله الجنة. قوله: ((وقول الله عز وجل)) بالجر عطف على
الأمور. فإن قلت: ما المناسبة بين هذه الآية والتبويب؟ قلت: لأن الآية حصرت المتقين على
أصحاب هذه الصفات والأعمال، فعلم منها أن الإيمان الذي به الفلاح والنجاة الإيمان الذي
فيه هذه الأعمال المذكورة، وكذلك الآية الأخرى، وهي قوله: ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم
في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون * والذين هم للزكاة فاعلون * والذين هم
لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى
وراء ذلك فأولئك هم العادون﴾ [المؤمنون: ١ - ٧] وذكر الأخرى في كتاب الشريعة من
حديث المسعودي، عن القاسم، عن أبي ذر، رضي الله عنه: ((أن رجلاً سأله عن الإيمان فقرأ
عليه: ﴿ليس البر﴾ [البقرة: ١٧٧]) الآية. فقال الرجل: ليس عن البر سألتك، فقال أبو ذر:
جاء رجل إلى النبي عَّم فسأله كما سألتني فقرأ عليه كما قرأت عليك، فأبى أن يرضى كما
أبيت أن ترضى، فقال: ادن مني، فدنا منه فقال المؤمن الذي يعمل حسنة فتسره، ويرجو
ثوابها، وإن عمل سيئة تسوؤه ويخاف عاقبتها. قوله: ﴿ليس البر﴾ [البقرة: ١٧٧] أي: ليس
البر كله أن تصلوا ولا تعملوا غير ذلك. ﴿ولكن البر﴾ [البقرة: ١٧٧] بر ﴿من آمن بالله﴾
[البقرة: ١٧٧] الآية كذا قدره سيبويه. وقال الزجاج: ولكن ذا البر، فحذف المضاف كقوله
﴿هم درجات عند الله﴾ [آل عمران: ١٦٣] أي: ذوو درجات، وما قدره سيبويه أولى، لأن
المنفي هو البر، فيكون هو المستدرك من جنسه. وقال الزمخشري، رحمه الله: البر اسم
للخير، ولكل فعل مرضي وفي (الغريبين) البر: الاتساع في الإحسان والزيادة منه. وقال
السدي: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا﴾ [آل عمران: ٩٢] يعني: الجنة، والبر: أيضاً: الصلة وهو
اسم جامع للخير كله، وفي (الجامع) و(الجمهرة): البر ضد العقوق، وفي (مثلث) ابن السيد:
الإكرام، كذا نقله عنه في (الواعي): وذكر ابن عديس عنه: البر، بالكسر: الخير. وقال
الزمخشري: الخطابُ لأهل الكتاب، لأن اليهود تصلي قبل المغرب إلى بيت المقدس،
والنصارى قبل المشرق، وذلك أنهم أكثروا الخوض في أمر القبلة حين تحول رسول الله
إلى الكعبة، وزعم كل واحد من الفريقين أن البر التوجه إلى قبلته، فرد عليهم وقرأ: ﴿ليس
البر﴾ [البقرة: ١٧٧] بالنصب على أنه خبر مقدم، وقرأ عبد الله: ﴿بأن تولوا﴾ على إدخال
الباء على الخبر للتأكيد. وعن المبرد: لو كنت ممن يقرأ القرآن لقرأت: ﴿ولكن البر﴾ بفتح
الباء، وقرىء ولكن البار، وقرأ ابن عامر ونافع: ولكن البر، بالتخفيف ﴿والكتاب﴾ [البقرة:
١٧٧] جنس كتاب الله تعالى، أو القرآن: ﴿على حبه﴾ [البقرة: ١٧٧] مع حب المال والشح
به، وقيل: على حب الله، وقيل: على حب الإيتاء، وقدم ذوي القربى لأنهم أحق، والمراد:
الفقراء منهم لعدم الالتباس: ﴿والمسكين﴾ [البقرة: ١٧٧] الدائم السكون إلى الناس، لأنه لا
شيء له كالمسكير: الدائم السكر. ﴿وابن السبيل﴾ [البقرة: ١٧٧] المسافر المنقطع، وجعل
ابناً للسبيل لملازمته له، كما يقال للص القاطع: ابن الطريق، وقيل: هو الضيف لأن السبيل
ترعف به. ﴿والسائلين﴾ [البقرة: ١٧٧] المستطعمين. ﴿وفي الرقاب﴾ [البقرة: ١٧٧] وفي
/٠٥٠
i

er
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣)
٢٠٤
معاونة المكاتبين حتى يفكوا رقابهم، وقيل: في ابتياع الرقاب وإعتاقها، وقيل: في فك
الأسارى والموفون عطف على من: آمن، وأخرج الصابرين منصوباً على الاختصاص والمدح
إظهاراً لفضل الصبر في الشدائد، ومواطن القتال على سائر الأعمال، وقرىء: والصابرون،
وقرىء: والموفين والصابرين. ﴿والبأساء﴾ [البقرة: ١٧٧] الفقر والشدة والضراء والمرض
والزمانة. قوله: ﴿قد أفلح المؤمنون﴾ [المؤمنون: ١] الآية: هذه آية أخرى، ذكر الآيتين
لاشتمالهما على أمور الإيمان، والباب مبوب عليها، وإنما لم يقل: وقول الله عز وجل ﴿قد
أفلح المؤمنون﴾ [المؤمنون: ١] کما قال في أول الآية الأولى، وقول الله عز وجل: ﴿لیس
البر﴾ [البقرة: ١٧٧] الخ لعدم الالتباس في ذلك، واكتفى أيضاً بذكره في الأولى، وقال
بعضهم: ذكره بلا أداة عطف، والحذف جائز، والتقدير: وقول الله عز وجل: ﴿قد أفلح
المؤمنون﴾ [المؤمنون: ١] قلت: الحذف غير جائز، ولئن سلمنا فذاك في باب الشعر، وقال
هذا القائل أيضاً: ويحتمل أن يكون تفسيراً لقوله: المتقون هم الموصوفون بقوله: ﴿قد أفلح
المؤمنون﴾ [المؤمنون: ١] إلى آخرها. قلت: لا يصح هذا أيضاً لأن الله تعالى ذكر في هذه
الآية من وصفوا بالأوصاف المذكورة فيها، ثم أشار إليهم بقوله: ﴿وأولئك هم المتقون﴾
[البقرة: ١٧٧] بين أن هؤلاء الموصوفين هم المتقون، فأي شيء يحتاج بعد ذلك إلى تفسير
المتقين في هذه الآية حتى يفسرهم بقوله: ﴿قد أفلح﴾ الخ .... [المؤمنون: ١]، وربما كان
يمكن صحة هذه الدعوى لو كانت الآيتان متواليتين، فبينهما آيات عديدة، بل سور كثيرة،
فكيف يكون هذا من باب التفسير وهذا كلام مستبعد جداً. قوله: ((الآية)) يجوز فيها:
النصب، على معنى إقرأ الآية، و: الرفع، على معنى الآية بتمامها على أنه مبتدأ محذوف
الخبر. قوله: ﴿أفلح﴾ أي: دخل في الفلاح، وهو فعل لازم، والفلاح الظفر بالمراد، وقيل:
البقاء في الخير. وقال الزمخشري: يقال: أفلحه أجاره إلى الفلاح، وعليه قراءة طلحة بن
مصرف: أفلح للبناء للمفعول، وعنه أفلحوا على أكلوني البراغيث، أو على الإبهام والتفسير:
((والخشوع في الصلاة)) خشية القلب ((واللغو)) ما لا يعنيك من قول أو فعل كاللعب
والهزل، وما توجب المروءة إلغاءه وإطراحه. قوله: ﴿فاعلون﴾ [المؤمنون: ١] أي: مؤدون.
وقال الزمخشري: فإن قلت: هلا قيل: من ملكت؟ قلت: لأنه أريد من جنس العقلاء ما
يجري مجرى غير العقلاء، وهم الإناث.
٩/١ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ مُحَمَّدٍ قال: حدثنا أبُو عَامِرِ العَقَدِيُّ قال: حدثنا
سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أبْيٍ صَالِحٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةً، رضي الله عنه، عن
النبي عَ ◌ّهِ قالَ: ((الإِيمَانُ بِضْعّ وسِتُّونَ شُعْبَةً وَالحَياءُ شُغْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ)).
قال الشيخ قطب الدين: هذا متعلق بالباب الذي قبله، وهو أن الإيمان قول وعمل يزيد
وينقص، وجه الدليل أن الشرع أطلق الإيمان على أشياء كثيرة من الأعمال كما جاء في
الآيات والخبرين اللذين ذكرهما في هذا الباب، بخلاف قول المرجئة، في قولهم: إن الإيمان
قول بلا عمل. قلت: لا يحتاج إلى هذا الكلام، وإنما هذا الباب والأبواب التي بعده كلها

٢٠٥
٢ - کتابُ الإِيمانِ / باب (٣)
متعلقة بالباب الأول، مبينة أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، على ما لا يخفى.
بیان رجاله: وهم ستة: الأول: أبو جعفر عبد الله بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن
اليمان بن أخنس بن خنيس الجعفي البخاري المسندي، بضم الميم وفتح النون، وهو ابن عم
عبد الله بن سعيد بن جعفر بن اليمان، واليمان هذا هو مولى أحد أجداد البخاري، ولاء
إسلام، سمع وكيعاً وخلقاً، وعنه الذهلي وغيره من الحفاظ، مات سنة تسع وعشرين ومائتين،
انفرد البخاري به عن أصحاب الكتب الستة، وروى الترمذي عن البخاري عنه. الثاني: أبو
عامر عبد الملك بن عمرو بن قيس العقدي البصري، سمع مالكاً وغيره، وعنه أحمد، واتفق
الحفاظ على جلالته وثقته، مات سنة خمس، وقيل: أربع ومائتين. الثالث: أبو محمد أو أبو
أیوب سليمان بن بلال القرشي التيمي المدني، مولی آل الصدیق، سمع عبد الله بن دینار
وجمعاً من التابعين، وعنه الأعلام كابن المبارك وغيره، وقال محمد بن سعد: كان بربرياً
جميلاً حسن الهيئة عاقلاً، وكان يفتي بالبلد، وولي خراج المدينة، ومات بها سنة اثنتين
وسبعين ومائة، وقال البخاري عن هارون بن محمد: سنة سبع وسبعين ومائة، وليس في
الكتب الستة من اسمه سليمان بن هلال سوى هذا. الرابع: أبو عبد الرحمن عبد الله بن
دينار، أخو عمرو بن دينار، القرشي العدوي المدني، مولى ابن عمر، سمع مولاه وغيره، وعنه
ابنه عبد الرحمن وغيره، وهو ثقة باتفاق، مات سنة سبع وعشرين ومائة، وفي الرواة أيضاً:
عمرو بن دينار الحمصي ليس بالقوي، وليس في الكتب الستة: عمرو بن دينار، غيرهما.
الخامس: أبو صالح ذكوان السمان الزيات المدني، كان يجلب السمن والزيت إلى الكوفة،
مولى جويرية بنت الأحمس الغطفاني، وفي شرح قطب الدين: إنه مولى جويرة بنت الحارث،
امرأة من قيس، سمع جمعاً من الصحابة وخلقاً من التابعين، وعنه جمع من التابعين منهم:
عطاء، وسمع الأعمش منه ألف حديث، وروى عنه أيضاً بنوه: عبد الله وسهيل وصالح،
واتفقوا على توثيقه، مات بالمدينة سنة إحدى ومائة، وأبو صالح في الرواة جماعة، قد مضى
ذكرهم في الحديث الرابع من باب بدء الوحي. السادس: أبو هريرة اختلف في اسمه واسم
أبيه على نحو ثلاثين قولاً، وأقربها: عبد الله، أو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، وهو أول من
كني بهذه الكنية لهرة كان يلعب بها، كناه النبي معَّله بذلك، وقيل: والده، وكان عريف
أهل الصفة، أسلم عام خيبر بالاتفاق وشهدها مع رسول الله عَ له، وقال ابن عبد البر: لم
يختلف في اسم أحد في الجاهلية ولا في الإسلام كالاختلاف فيه، وروى أنه قال: كان
يسمى في الجاهلية: عبد شمس، وسمي في الإسلام: عبد الرحمن، واسم أمه ميمونة، وقيل:
أمية، وقد أسلمت بدعاء رسول الله عَ ليه، وقال أبو هريرة: نشأت يتيماً، وهاجرت مسكيناً،
وكنت أجيراً لبسرة بنت غزوان خادماً لها، فزوجنيها الله تعالى، فالحمد لله الذي جعل الدين
قواماً، وجعل أبا هريرة إماماً. قال: وكنت أرعى غنماً، وكان لي هرة صغيرة ألعب بها فكنوني
بها وقيل: رآه النبي عَّ وفي كمه هرة، فقال: يا أبا هريرة، وهو أكثر الصحابة رواية
بإجماع، روي له خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثاً، اتفقا على ثلاثمائة
هوم
i
١
i
جوم

١٠
٢٠٦
٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ / باب (٣)
وخمسة وعشرين، وانفرد البخاري بثلاثة وتسعین، ومسلم بمائة وتسعین روی عنه أکثر من
ثمانمائة رجل من صاحب وتابع، منهم: ابن عباس وجابر وأنس؛ وهو أزدي دوسي يماني، ثم
مدني كان ينزل بذي الحليفة بقرب المدينة، لها بها دار تصدق بها على مواليه، ومن الرواة
عنه: ابنه المحرر، بحاء مهملة ثم راء مكررة، مات بالمدينة سنة تسع وخمسين، وقيل: ثمان،
وقيل: سبع، ودفن بالبقيع وهو ابن ثمان وسبعين سنة، والذي يقوله الناس: إن قبره بقرب
عسقلان لا أصل له فاجتنبه، نعم هناك قبر خيسعة بن جندرة الصحابي؛ وأبو هريرة من الأفراد
لیس في الصحابة من اکتنی بهذه الکنية سواه، وفي الرواة آخر اکتنی بهذه الکنية، يروي عن
مكحول وعنه أبو المليح الرقي، لا يعرف. وآخر اسمه محمد بن فراش الضبعي، روى له
الترمذي وابن ماجة، مات سنة خمس وأربعين ومائتين، وفي الشافعية آخر اكتنى بهذه الكنية،
واسمه ثابت بن شبل، قال عبد الغفار في حقه: شيخ فاضل مناظر.
بيان الأنساب: الجعفي: في مذحج ينسب إلى جعفي بن سعد العشيرة بن مالك،
ومالك هو جماع مذحج، والعقدي نسبة إلى العقد، بالعين المهملة والقاف المفتوحين، وهم
قوم من قيس، وهم بطن من الأزد، كذا في (التهذيب) وتبعه النووي في (شرحه)، وفي شرح
قطب الدين: إن العقد بطن من نخيلة، وقيل: من قيس بالولاء، قال أبو الشيخ الحافظ: إنما
سموا عقداً لأنهم كانوا لعاماً، وقال الحاكم: العقد مولى الحارث بن عباد بن ضبيعة بن
قيس بن ثعلبة، وقال صاحب (العين): العقد قبيلة من اليمن من بني عبد شمس بن سعد،
وقال الرشاطي: العقدي في قيس بن ثعلبة، وحكى أبو علي الغساني، عن أبي عمر قال:
العقديون بطن من قيس؛ والمسندي، بضم الميم وسكون السين المهملة وفتح النون، هو
عبد الله بن محمد شيخ البخاري، سمي بذلك لأنه كان يطلب المسندات ويرغب عن
المرسل والمنقطات، وقال صاحب (الإرشاد): كان يتحرى المسانيد من الأخبار، وقال
الحاكم أبو عبد الله: عرف بذلك لأنه أول من جمع مسند الصحابة على التراجم بما وراء
النهر؛ والتيمي في قبائل، ففي قريش: تيم بن مرة، وفي الرباب: تيم بن عبد مناة بن أد بن
طابخة، وفي النمر بن قاسط: تيم الله بن النمر بن قاسط، وفي شيبان بن ذهل: تيم بن شيبان،
وفي ربيعة بن نذار: تيم الله بن ثعلبة، وفي قضاعة: تيم الله بن رفيدة، وفي ضبة: تيم بن
ذهل. والعدوي نسبة إلى عدي بن كعب، وهو في قريش، وفي الرباب: عدي بن عبد مناة،
وفي خزاعة: عدي بن عمرو، وفي الأنصار: عدي بطن بن النجار، وفي طيء: عدي بن أخرم،
وفي قضاعة: عدي بن خباب، والدوسي في الأزد ينسب إلى دوس بن عدنان بن عبد الله.
بيان لطائف إسناده: منها: الأسناد كلهم مدنيون إلا العقدي فإنه بصري، وإلاّ
المسندي. ومنها: أن كلهم على شرط الستة إلاَّ المسندي كما بيناه. ومنها: أن فيه رواية
تابعي عن تابعي، وهو عبد الله بن دينار، عن أبي صالح.
بيان من أخرجه غيره: أخرجه مسلم عن عبيد الله بن سعيد، وعبد بن حميد، عن
العقدي به. ورواه أيضاً عن زهير، عن جرير، عن سهل بن عبد الله، عن ابن دينار، عنه. ورواه
.000

٢٠٧
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣)
بقية الجماعة أيضاً: فأبو داود في السنة عن موسى بن إسماعيل، عن حماد عن سهيل به.
والترمذي في الإيمان عن أبي کریب، عن و کیع، عن سفيان، عن سهیل به، وقال: حسن
صحيح. والنسائي في الإيمان أيضاً عن محمد بن عبد الله المحرمي، عن أبي عامر العقدي
به؛ وعن أحمد بن سليمان، عن أبي داود الحفري وأبي نعيم كلاهما عن سفيان به. وعن
یحیی بن حبيب بن عربي عن خالد بن الحارث، عن ابن عجلان عنه، ببعضه: ((الحياء من
الإيمان)، وابن ماجة في السنة عن علي بن محمد الطنافسي، عن وكيع به. وعن عمرو بن
رافع، عن جرير به. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي جمال الأحمر، عن ابن عجلان
نحوه.
بيان اختلاف الروايات: كذا وقع هنا من طريق أبي زيد المروزي: ((الإيمان بضع
وستون شعبة))، وفي مسلم وغيره من حديث سهيل، عن عبد الله بن دينار: ((بضع وسبعون أو
بضع وستون))، ورواه أيضاً من حديث العقدي، عن سليمان: ((بضع وسبعون شعبة)). وكذا
وقع في البخاري من طريق أبي ذر الهروي، وفي رواية أبي داود والترمذي وغيرهما من رواية
سهيل: ((بضع وسبعون)) بلا شك، ورجحها القاضي عياض، وقال إنها الصواب. وكذا رجحها
الحليمي وجماعات منهم: النووي لأنها زيادة من ثقة فقبلت، وقدمت وليس في رواية الأقل
ما يمنعها. وقال ابن الصلاح: الأشبه ترجيح الأقل لأنه المتيقن، والشك من سهيل، كما قال
البيهقي. وقد روي عن سهل عن جرير: «وسبعون) من غير شك، و کذا رواية سليمان بن بلال
في مسلم وفي البخاري ((بضع وستون)) وقال ابن الصلاح: في البخاري في نسخ بلادنا: ((إلاّ
ستون))، وفي لفظ لمسلم: ((فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق،
والحياء شعبة من الإيمان)). وفي لفظ ابن ماجة: ((فأرفعها))، ولفظ اللالكائي: ((أدناها إماطة
العظم عن الطريق)؛ وفي كتاب ابن شاهين: ((خصال الإيمان أفضلها قول لا إله إلا الله))، وفي
لفظ الترمذي: ((بضع وسبعون بابا))، وقال: حسن صحيح، ورواه محمد بن عجلان، عن عبد
الله بن دينار، عن أبي صالح: ((الإيمان ستون باباً أو سبعون أو بضع)). واحد من العددين،
ورواية قتيبة، عن بكر بن مضر، عن عمارة بن عربة، عن أبي صالح: ((الإيمان أربع وستون
باباً)، ومن حديث المغيرة بن عبد الله بن عبيدة، قال: حدثني أبي، عن جدي، وكانت له
صحبة: أن رسول الله عَّ له قال: ((الإيمان ثلاثة وثلاثون شريعة، من وافى الله بشريعة منها دخل
الجنة)). وفي كتاب ابن شاهين من حديث الإفريقي، عن عبد الله بن راشد مولى عثمان بن
عفان، رضي الله عنه، يقول: قال رسول الله عَله: ((إن بين يدي الرحمن عز وجل لوحاً فيه
ثلاثمائة وتسع عشرة شريعة يقول عز وجل: ولا يجيبني عبد من عبادي لا يشرك بي شيئاً
فيه واحدة منهن إلاّ أدخلته الجنة)). ومن حديث عبد الواحد بن زيد عن عبد الله بن راشد،
عن مولاه عثمان رضى الله عنه: سمعت أبا سعيد رضى الله عنه، يقول: قال رسول الله
((إن بين يدي الرحمن عز وجل لوحاً فيه ثلاثمائة وتسع عشرة شريعة، يقول عز وجل: لا
يجيئني عبد من عبادي لا يشرك بي شيئاً فيه واحد منها إلاَّ أدخلته الجنة)). ومن
i
E
٠٠٠٠
i
i
i
اهدة
۔۔۔
يه*
٠٠٠,

٢٠٨
١٣٢
٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٣)
حديث عبد الواحد بن زيد، عن عبد الله بن راشد، عن مولاه عثمان رضي الله تعالى عنه،
قال: قال رسول الله عَّ الله: ((إن الله تعالى مائة خلق، من أتى بخلق منها دخل الجنة)). قال
لنا أحمد: سئل إسحاق: ما معنى الأخلاق؟ قال: یکون في الإنسان حياء، یکون فيه رحمة،
یکون فيه سخاء، يكون فيه تسامح، هذا من أخلاق الله عز وجل، وفي (كتاب الديباج)
للخيلي، من حديث نوح بن فضالة، عن مالك بن زياد الأشجعي: ((الإسلام ثلاثمائة وخمسة
(١) جاء فقال: اللهم أنت السلام، وإنما الإسلام من جاء
عشر سهماً، فإذا كان في
متمسكاً بسهم من سهامي، فأدخله الجنة)) قال رسته: حدثنا ابن مهدي، عن إسرائيل، عن أبي
إسحاق، عن صلة عن حذيفة: ((الإسلام ثمانية أسهم: الإسلام سهم، والصلاة سهم، والزكاة
سهم، وصوم رمضان سهم، والحج سهم، والجهاد سهم والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن
المنکر سهم، وقد خاب من لا سهم له».
بيان اللغات: قوله: ((بضع)) ذكر ابن البناني في (الموعب) عن الأصمعي: البضع،
مثال عِلم: ما بين اثنين إلى عشرة واثني عشرة إلى عشرين فما فوق ذلك يقال: بضعة عشر
في جمع المذكر، وبضع عشرة في جمع المؤنث. قال تعالى: ﴿في بضع سنين﴾ [الروم:
٤] ولا يقال في: أحد عشر ولا اثني عشر، إنما البضع من الثلاث إلى العشر. وقال صاحب
(العين): البضع سبعة، وقال قطرب: أخبرنا الثقة، عن النبي عَ له أنه قال: ((﴿في بضع
سنين﴾ [الروم: ٤] ما بين خمس إلى سبع)). وقالوا: ما بين الثلاث إلى الخمس. وقال
الفراء: البضع نيف ما بين الثلاث إلى التسع، كذلك رأيت العرب تفعل، ولا يقولون: بضع
ومائة، ولا يضع وألف، ولا يذكر مع عشر ومع العشرين إلى التسعين. وقال الزجاج: معناه
القطعة من العدد تجعل لما دون العشرة من الثلاث إلى التسع، وهو الصحيح، وهو قول
الأصمعي. وقال غيره: البضع من الثلاث إلى التسع؛ وقال أبو عبيدة: هو ما بين نصف العشر،
يريد ما بين الواحد إلى الأربعة؛ وقال يعقوب، عن أبي زيد: بضع وبَضع، مثال: عِلم وصَقر؛
وفي (المحكم) البضع ما بين الثلاث إلى العشر، وبالهاء من الثلاثة إلى العشرة، يضاف إلى
ما يضاف إليه: الآحاد، ويبنى مع العشرة، كما يبنى سائر الآحاد، ولم يمتنع عشرة؛ وفي
(الجامع) للقزاز: بضع سنين قطعة من السنين، وهو يجري في العدد مجرى ما دون العشرة.
وقال قوم: قوله تعالى: ﴿فلبث في السجن بضع سنين﴾ [يوسف: ٤٢] يدل على أن البضع
سبع سنين، لأن يوسف - عليه السلام - إنما لبث في السجن سبع سنين. وقال أبو عبيدة:
ليس البضع العقد ولا نصف العقد؛ يذهب إلى أنه من الواحد إلى الأربعة. وفي (الصحاح):
لا تقول بضع وعشرون. وقال المطرزي في شرحه: البضع من أربعة إلى تسعة، هذا الذي
حصلناه من العلماء البصريين والكوفيين، وفيه خلاف، إلاّ أن هذا هو الاختيار. والنيف: من
واخد إلى ثلاثة، وقال ابن السيد في (المثلث) البضع، بالفتح والكسر؛ ما بين واحد إلى
خمسة في قول أبي عبيدة، وقال غيره: ما بين واحد إلى عشرة، وهو الصحيح، وفي
(١) هنا بياض في جميع الأصول.

٢٠٩
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣) .
(الغريبين) للهروي: البضع والبضعة واحد، ومعناهما القطعة من العدد، زاد عياض، بكسر الباء
فيهما وبفتحهما، وفي (العباب) قال أبو زيد: أقمت بضع سنين، بالفتح، وجلست في بقعة
طيبة، وأقمت برهة كلها بالفتح. وهو ما بين الثلاث إلى التسع. وروى الأثرم عن أبي عبيدة:
أن البضع ما بين الثلاث إلى الخمس. وتقول: بضع سنين وبضعة عشر رجلاً، وبضع عشرة
امرأة، فإذا جاوزت لفظ العشر ذهب البضع، لا تقول: بضع وعشرون، وقيل: هذا غلط، بل
يقال ذلك. وقال أبو زيد: يقال له بضعة وعشرون رجلاً وبضع وعشرون امرأة، والبضع من
العدد في الأصل غير محدود، وإنما صار مبهماً لأنه بمعنى القطعة، والقطعة غير محدودة.
قوله: ((شعبة))، بضم الشين، وهي القطعة والفرقة، وهي واحدة الشعب، وهي أغصان الشجرة.
قال ابن سيده: الشعبة الفرقة والطائفة من الشيء، ومنه شعب الآباء، وشعب القبائل، وشعبها
الأربع، وواحد شعب القبائل شعب، بالفتح، وقيل: بالكسر، وهي العظام. وكذا شعب الإناء:
صدعه بالفتح أيضاً، وقال الخليل: الشعب الاجتماع والافتراق، أي: هما ضدان، والمراد
بالشعبة في الحديث: الخصلة، أي: أن الإيمان ذو خصال متعددة. قوله: ((والحياء)» ممدوداً،
هو الاستحياء، واشتقاقه من الحياة. يقال: حيى الرجل، إذا انتقص حياته، وانتكس قوته، كما
يقال: نسى نساه أي: العرق الذي في الفخذ، وحشي إذا اعتل حشاه، فمعنى الحي: المؤف
من خوف المذمة، وقد حيى منه حياء واستحى واستحيى، حذفوا الياء الأخيرة كراهية التقاء
الساكنين، والأخيران يتعديان بحرف وبغير حرف، يقولون: استحبى منك، واستحياك، ورجل
حيي: ذو حياء، والأنثى بالتاء، والحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به
ويذم، وقد يعرف أيضاً بأنه انحصار النفس خوف ارتكاب القبائح.
بيان الإعراب: قوله: ((الإيمان)) مبتدأ وخبره قوله: ((بضع وستون شعبة)). قال
الكرماني: بضع، هكذا في بعض الأصول، وبضعه بالهاء في أكثرها، وقال بعضهم: وقع في
بعض الروايات بضعة، بتاء التأنيث. قلت: الصواب مع الكرماني، وكذا قال بعض الشراح:
كذا وقع هنا في بعض الأصول: بضع، وفي أكثرها: بضعه، بالهاء، وأكثر الروايات في غير
هذا الموضع بضع بلا هاء وهو الجاري على اللغة المشهورة، ورواية الهاء صحيحة أيضاً على
التأويل. قلت: لا شك أن بضعاً للمؤنث، وبضعة للمذكر، وشعبة يؤنث فينبغي أن يقال:
بضع، بلا هاء، ولكن لما جاءت الرواية: ببضعة يحتاج أن تؤول الشعبة، بالنوع إذا فسرت
الشعبة: بالطائفة من الشيء، وبالخلق إذا فسرت بالخصلة والخلة. قوله: ((والحياء)) مبتدأ
وخبره (شعبة)) وقوله: ((من الإيمان) في محل الرفع لأنها صفة: شعبة.
بيان المعاني والبيان: لا شك أن تعريف المسند إليه إنما يقصد إلى تعريفه لإتمام
فائدة السامع، لأن فائدته من الخبر إما الحكم أو لازمه، كما بين في موضعه وفيه الفصل بين
الجملتين بالواو، لأنه قصد التشريك وتعيين الواو لدلالتها على الجمع، وفيه تشبيه الإيمان
بشجرة ذات أغصان، وشعب، كما شبه في الحديث السابق الإسلام بخباء ذات أعمدة
وأطناب، ومبناه على المجاز، وذلك لأن الإيمان في اللغة التصديق، وفي عرف الشرع:
عملة القارئ
i
ـة هوم
i
i
i
i

٢١٠
م ١١٣
wt
٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٣)
تصديق القلب واللسان وتمامه وكماله بالطاعات، فحينئذٍ الإخبار عن الإيمان بأنه بضع وستون
شعبة، أو بضع وسبعون، ونحو ذلك يكون من باب إطلاق الأصل على الفرع، وذلك لأن
الإيمان هو الأصل، والأعمال فروع منه. وإطلاق الإيمان على الأعمال مجاز، لأنها تكون عن
الإيمان، وقد اتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أن المؤمن الذي يحكم
بإيمانه، وأنه من أهل القبلة، ولا يخلد في النار، هو الذي يعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقاداً
جازماً خالياً من الشكوك، ونطق بالشهادتين، فإن اقتصر على أحدهما لم يكن من أهل القبلة
إلاَّ إذا عجز عن النطق، فإنه يكون مؤمناً إلاّ ما حكاه القاضي عياض في (كتاب الشفاء) في
أن: من اعتقد دين الإسلام بقلبه، ولم ينطق بالشهادتين من غير عذر منعه من القول، إن ذلك
نافعه في الدار الآخرة، على قول ضعيف. وقد يكون فائزاً، لكنه غير المشهور، والله أعلم.
بيان استنباط الفوائد: وهو على وجوه. الأول: في تعيين الستين على ما جاء ههنا،
وفي تعيين السبعين على ما جاء في رواية أخرى من (الصحيح)، ورواية أصحاب السنن، أما
الحكمة في تعيين الستين وتخصيصها، فهي: أن العدد إما زائد: وهو ما أجزاؤه أكثر منه،
كالاثني عشر، فإن لها: نصفاً وثلثاً وربعاً وسدساً ونصف سدس، ومجموع هذه الأجزاء أكثر
من اثني عشر، فإنه ستة عشر، وإما ناقص: وهو ما أجزاؤه أقل منه، كالأربعة فإن لها: الربع
والنصف فقط، وإما تام: وهو ما أجزاؤه مثله كالستة، فإن أجزاءها: النصف والثلث والسدس،
وهي مساوية للستة، والفضل من بين الأنواع الثلاثة للتام، فلما أريد المبالغة فيه جعلت آحادها
أعشاراً، وهي: الستون. وأما الحكمة في تعيين السبعين فهي: أن السبعة تشتمل على جملة
أقسام العدد، فإنه ينقسم إلى: فرد وزوج، وكل منهما إلى: أول ومركب، والفرد الأول: ثلاثة،
والمركب: خمسة، والزوج الأول: اثنان، والمركب: أربعة، وينقسم أيضاً إلى منطق كالأربعة،
وأصم كالستة، فلما أريد المبالغة فيه جعلت آحادها أعشاراً. وهي: السبعون. وأما زيادة البضع
على النوعين فقد علم أنه يطلق على الست وعلى السبع، لأنه ما بين اثنين إلى عشرة، وما
فوقها كما نص عليه صاحب (الموعب) ففي الأول الستة أصل للستين وفي الثاني، السبعة
أصل للسبعین، کما ذكرناه، فهذا وجه تعیین أحد هذين العددین.
الثاني: أن المراد من هذين العددين: هل هو حقيقة أم ذكرا على سبيل المبالغة؟ فقال
بعضهم: أريد به التكثير دون التعديد، كما في قوله تعالى: ﴿إِن تستغفر لهم سبعين مرة﴾
[التوبة: ٨٠] وقال الطيبي: الأظهر معنى التكثير، ويكون ذكر البضع للترقي، يعني أن شعب
الأيمان أعداد مبهمة ولا نهاية لكثرتها، إذ لو أريد التحديد لم يبهم. وقال بعضهم: العرب
تستعمل السبعين كثيراً في باب المبالغة، وزيادة السبع عليها التي عبر عنها بالبضع لأجل أن
السبعة أكمل الأعداد، لأن الستة أول عدد تام، وهي مع الواحد سبعة، فکانت کاملة، إذ ليس
بعد التمام سوى الكمال. وسمي الأسد: سَبُعاً لكمال قوته، والسبعون غاية الغاية إذ الآحاد
غايتها العشرات. فإن قلت: قد قلت: إن البضع لما بين اثنين إلى عشرة وما فوقها، فمن أين
تقول: إن المراد من البضع السبع حتی بنی القائل المذکور کلامه على هذا؟ قلت: قد نص
/١١

١٣٠
٢١١
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٣)
صاحب (العين) على: أن البضع سبعة، كما ذكرنا، وقال بعضهم: هذا القدر المذكور هو
شعب الإيمان، والمراد منه تعداد الخصال حقيقة. فإن قلت: إذا كان المراد بيان تعداد
الخصال، فما الاختلاف المذكور؟ قلت: يجوز أن يكون شعب الإيمان بضعاً وستين وقت
تنصيصه على هذا المقدار، فذكره لبيان الواقع، ثم بعد ذلك نص على بضع وسبعين، بحسب
تعدد العشرة على ذلك المقدار، فافهم، فإنه موضع فيه دقة.
الثالث: في بيان العدد المذكور، قال الإمام أبو حاتم بن حبان بكسر الحاء وتشديد
الموحدة، البستي، في كتاب (وصف الإيمان وشعبه)؛ تتبعت معنى هذا الحديث مدة،
وعددت الطاعات فإذا هي تزيد على هذا العدد شيئاً كثيراً، فرجعت إلى السنن، فعددت كل
طاعة عددها رسول الله عَ ليه، من الإيمان، فإذا هي تنقص على البضع والسبعين، فرجعت إلى
كتاب الله تعالى، فعددت كل طاعة عدها الله من الإيمان فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين،
فضممت إلى الكتاب السنن، وأسقطت العاد، فإذا كل شىء عده الله ورسوله عليه السلام،
من الإيمان بضع وسبعون، لا يزيد عليها ولا ينقص. فعلمت أن مراد النبي صَ له؛ أن هذا العدد
في الكتاب والسنة، انتهى. وقد تكلفت جماعة في بيان هذا العدد بطريق الاجتهاد، وفي
الحكم بكون المراد ذلك نظر وصعوبة. قال القاضي عياض: ولا يقدح عدم معرفة ذلك على
التفصيل في الإيمان، إذ أصول الإيمان وفروعه معلومة محققة، والإيمان بأن هذا العدد واجب
على الجملة، وتفصيل تلك الأصول وتعيينها على هذا العدد يحتاج إلى توقيف. وقال
الخطابي: هذه منحصرة في علم الله وعلم رسوله، موجودة في الشريعة، غير أن الشرع لم
يوقفنا عليها، وذلك لا يضرنا في علمنا بتفاصيل ما كلفنا به، فما أمرنا بالعلم به عملنا، وما
نهانا عنه انتهينا، وإن لم نحط بحصر أعداده. وقال أيضاً: الإيمان اسم يتشعب إلى أمور ذوات
عدد جماعها الطاعة، ولهذا صار من صار من العلماء إلى أن الناس مفاضلون في درج الإيمان،
وإن كانوا متساوين في اسمه. وكان بدء الإيمان كلمة الشهادة، وأقام رسول الله عَ لُه بقية
عمره يدعو الناس إليها، وسمى من أجابه إلى ذلك مؤمناً إلى أن نزلت الفرائض، وبهذا الاسم
خوطبوا عند إيجابها عليهم، فقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة﴾ [المائدة:
٦] وهذا الحكم مستمر في كل اسم يقع على أمر ذي شعب: كالصلاة، فإن رجلاً لو مر
على مسجد وفيه قوم منهم من يستفتح الصلاة، ومنهم من هو راكع أو ساجد، فقال: رأيتهم
يصلون كان صادقاً مع اختلاف أحوالهم في الصلاة، وتفاضل أفعالهم فيها. فإن قيل: إذا كان
الإيمان بضعاً وسبعين شعبة، فهل يمكنكم أن تسموها بأسمائها؟ وإن عجزتم عن تفصيلها، فهل
يصح إيمانكم بما هو مجهول؟ قلنا: إيماننا بما كلفناه صحيح، والعلم به حاصل، وذلك من
وجهين. الأول: أنه قد نص على أعلى الإيمان وأدناه باسم أعلى الطاعات وأدناها، فدخل فيه
جميع ما يقع بينهما من جنس الطاعات كلها، وجنس الطاعات معلوم. والثاني: أنه لم
يوجب علينا معرفة هذه الأشياء بخواص أسمائها حتى يلزمنا تسميتها في عقد الإيمان، وكلفنا
التصديق بجملتها كما كلفنا الإيمان بملائكته وإن كنا لا نعلم أسماء أكثرهم ولا أعيانهم.
١
٢جم .
i

٢١٢
٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٣)
وقال النووي: وقد بين النبى عَّله، أعلى هذه الشعب وأدناها، كما ثبت في الصحيح، من
قوله مَ له: ((أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)) فبين أن أعلاها التوحيد
المتعين على كل مكلف، والذي لا يصح شيء غيره من الشعب إلاّ بعد صحته، وأن أدناها دفع
ما يتوقع به ضرر المسلمين، وبقي بينهما تمام العدد، فيجب علينا الإيمان به وإن لم نعرف أعيان
جمیع أفراده، کما نؤمن بالملائكة وإن لم نعرف أعيانهم وأسماءهم. انتهى.
وقد صنف في تعيين هذه الشعب جماعة، منهم: الإمام أبو عبد الله الحليمي صنف
فيها كتاباً أسماه: (فوائد المنهاج)، والحافظ أبو بكر البيهقي وسماه: (شعب الإيمان)،
وإسحاق ابن القرطبي وسماه: (كتاب النصايح)، والإمام أبو حاتم وسماه: (وصف الإيمان
وشعبه). ولم أر أحداً منهم شفى العليل، ولا أروى الغليل. فنقول ملخصاً بعون الله تعالى
وتوفيقه: إن أصل الإيمان هو: التصديق بالقلب والإقرار باللسان، ولكن الإيمان الكامل التام هو
التصديق والإقرار والعمل، فهذه ثلاثة أقسام.
فالأول: يرجع إلى الاعتقاديات، وهي تتشعب إلى ثلاثين شعبة. الأولى: الإيمان بالله
تعالى، ويدخل فيه الإيمان بذاته وصفاته وتوحيده بأن ليس كمثله شيء. الثانية: اعتقاد
حدوث ما سوى الله تعالى. الثالثة: الإيمان بملائكته. الرابعة: الإيمان بكتبه. الخامسة: الإيمان
برسله. السادسة: الإيمان بالقدر خيره وشره. السابعة: الإيمان باليوم الآخر، ويدخل فيه
السؤال بالقبر وعذابه، والبعث والنشور والحساب والميزان والصراط. الثامنة: الوثوق على
وعد الجنة والخلود فيها. التاسعة: اليقين بوعيد النار وعذابها وأنها لا تفنى. العاشرة: محبة
الله تعالى. الحادية عشر: الحب في الله والبغض في الله، ويدخل فيه حب الصحابة
المهاجرين والأنصار، وحب آل الرسول عَ ليه. الثانية عشر: محبة النبي عَ ◌ّه، ويدخل فيه
الصلاة عليه واتباع سنته. الثالثة عشر: الإخلاص، ويدخل فيه ترك الرياء والنفاق. الرابعة
عشر: التوبة والندم. الخامسة عشر: الخوف. السادسة عشر: الرجاء. السابعة عشر: ترك
اليأس والقنوط. الثامنة عشر: الشكر. التاسعة عشر: الوفاء. العشرون: الصبر. الحادية
والعشرون. التواضع، ويدخل فيه توقير الأكابر. الثانية والعشرون: الرحمة والشفقة، ويدخل
فيه الشفقة على الأصاغر. الثالث والعشرون: الرضاء بالقضاء. الرابعة والعشرون: التوكل.
الخامسة والعشرون: ترك العجب والزهو، ويدخل فيه ترك مدح نفسه وتزكيتها. السادسة
والعشرون: ترك الحسد. السابعة والعشرون: ترك الحقد والضغن. الثامنة والعشرون: ترك
الغضب. التاسعة والعشرون: ترك الغش، ويدخل فيه الظن السوء والمكر. الثلاثون: ترك
حب الدنيا، ويدخل فيه: ترك حب المال وحب الجاه، فإذا وجدت شيئاً من أعمال القلب
من الفضائل والرذائل خارجاً عما ذكر بحسب الظاهر، فإنه في الحقيقة داخل في فصل
من الفصول يظهر ذلك عند التأمل.
والقسم الثاني: يرجع إلى أعمال اللسان، وهي تتشعب إلى سبع شعب. الأولى:
التلفظ بالتوحيد. الثانية: تلاوة القرآن. الثالثة: تعلم العلم. الرابعة: تعليم العلم. الخامسة:

٢١٣
٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٣)
الدعاء. السادسة: الذكر ويدخل فيه الاستغفار. السابعة: اجتناب اللغو.
والقسم الثالث: يرجع إلى أعمال البدن، وهي تتشعب إلى أربعين شعبة، وهي على
ثلاثة أنواع:
٠ جدة
الأول: ما يختص بالأعيان وهي ستة عشر شعبة. الأولى: التطهر، ويدخل فيه طهارة
البدن والثوب والمكان، ويدخل في طهارة البدن الوضوء من الحدث، والاغتسال من الجنابة
والحيض والنفاس. الثانية: إقامة الصلاة، ويدخل فيها الفرض والنفل والقضاء. الثالثة: أداء
الزكاة، ويدخل فيها الصدقة، ويدخل فيها أداء الزكاة، ويدخل فيها صدقة الفطر، ويدخل في
هذا الباب الجود وإطعام الطعام وإكرام الضيف. الرابعة: الصوم فرضاً ونفلاً. الخامسة: الحج،
ويدخل فيه العمرة. السادسة: الاعتكاف، ويدخل فه التماس ليلة القدر. السابعة: الفرار
بالدين، ويدخل فيه الهجرة من دار الشرك. الثامنة: الوفاء بالنذر. التاسعة: التحري في الإيمان.
العاشرة: أداء الكفارة. الحادية عشر: ستر العورة في الصلاة وخارجها. الثانية عشرة: ذبح
الضحايا والقيام بها إذا كانت منذورة. الثالثة عشرة: القيام بأمر الجنائز. الرابعة عشر: أداء
الدين. الخامسة عشر: الصدق في المعاملات والاحتراز عن الرياء. السادسة عشر: أداء
الشهادة بالحق وترك کتمانها.
النوع الثاني: ما يختص بالاتباع، وهو ست شعب. الأولى: التعفف بالنكاح. الثانية:
القيام بحقوق العيال، ويدخل فيه الرفق بالخدم. الثالثة: بر الوالدين، ويدخل فيه الاجتناب عن
العقوق، الرابعة: تربية الأولاد. الخامسة: صلة الرحم. السادسة: طاعة الموالي.
النوع الثالث: ما يتعلق بالعامة، وهو ثماني عشرة شعبة. الأولى: القيام بالإمارة مع
العدل. الثانية: متابعة الجماعة. الثالثة: طاعة أولي الأمر. الرابعة: الإصلاح بين الناس، ويدخل
فيه قتال الخوارج والبغاة. الخامسة: المعاونة على البر. السادسة: الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر. السابعة: إقامة الحدود. الثامنة: الجهاد، ويدخل فيه المرابطة. التاسعة: أداء الأمانة،
ويدخل فيه أداء الخمس. العاشرة: القرض مع الوفاء به. الحادية عشرة: إكرام الجار. الثانية
عشرة: حسن المعاملة، ويدخل فيه جمع المال من حله. الثالثة عشر: إنفاق المال في حقه،
ويدخل فيه ترك التبذير والإسراف. الرابعة عشر: رد السلام. الخامسة عشر: تشميت العاطس.
السادسة عشر: كف الضرر عن الناس. السابعة عشر: اجتناب اللهو، الثامنة عشر: إماطة الأذى
عن الطريق، فهذه سبع وسبعون شعبة.
الأسئلة والأجوبة: منها ما قيل: لم جعل الحياء من الإيمان؟ وأجيب: بأنه باعث على
أفعال الخير، ومانع عن المعاصي، ولكنه ربما يكون تخلقاً واكتساباً كسائر أعمال البر،
وربما یکون غریزة، لکن استعماله على قانون الشرع یحتاج إلى اكتساب ونية، فهو من
الإيمان لهذا. الثاني: ما قيل: إنه قد ورد: ((الحياء لا يأتي إلا بخير)) وورد: ((الحياء خير
كله))، فصاحب الحياء قد يستحي أن يواجه بالحق فيترك أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر،
i
i
i

٢١٤
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٤)
فكيف يكون هذا من الإيمان؟ وأجيب: بأنه ليس بحياء حقيقة، بل هو عجز ومهانة، وإنما
تسميته حياء من إطلاق بعض أهل العرف، أطلقوه مجازاً لمشابهته الحياء الحقيقي،
وحقيقته: خلق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق ونحوه،
وأولى الحياء: الحياء من الله تعالى، وهو أن لا يراك الله حيث نهاك، وذاك إنما يكون عن
معرفة ومراقبة، وهو المراد بقوله عَ له: ((أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك))،
وقد خرج الترمذي عنه عليه السلام، أنه قال: ((استحيوا من الله حق الحياء. قالوا: إنا نستحي
والحمد لله، فقال: ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله تعالى حق الحياء أن تحفظ الرأس
وما حوى والبطن وما وعى، وتذكر الموت والبلى، فمن فعل ذلك فقد استحيى من الله حق
الحياء)). وقال الجنيد: رؤية الآلاء أي: النعم، ورؤية التقصير يتولد بينهما حالة تسمى الحياء
الثالث: ما قيل: لِمَّ أفرد الحياء بالذكر من بين سائر الشعب؟ وأجيب: بأنه کالداعي إلى سائر
الشعب، فإن الحي يخاف فضيحة الدنيا وفظاعة الآخرة فينزجر عن المعاصي ويمتثل الطاعات
كلها، وقال الطيبي: معنى إفراد الحياء بالذكر بعد دخوله في الشعب كأنه يقول: هذه شعبة
واحدة من شعبه، فهل تحصى شعبه كلها؟ هيهات ان البحر لا يغرف .!!
٤ - باب المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ
أي: هذا باب، فالمبتدأ محذوف، ويجوز ترك التنوين بالإضافة إلى ما بعده من
الجملة، ويجوز الوقف على السكون، وليس في رواية الأصيلي باب. والمناسبة بين البابين
ظاهرة، لأنه ذكر في الباب السابق أن الإيمان له شعب، هذا الباب فيه بيان شعبتين من هذه
الشعب، وهما: سلامة المسلمين من لسان المسلم ويده، والمهاجر من هجر المنهيات.
١٠/١ - حدثنا آدَمُ بْنُ أبِي إِيَاسِ قالَ: حدثنا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي السَّفَرِ
وإِسْمَاعِيلَ عَنِ الشِّغْيِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍ رضي الله عنهما عَنِ النبي صَ له قالَ: ((المُسْلِمُ
مَنْ سَلِمَ الْمِسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ والمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ ما نَهَى اللَّهُ عَنْهُ)) [الحديث ١٠ -
طرفه في ٦٤٨٤].
أوصل بهذا ما علقه أولاً، وإنما علقه لأجل التبويب. فإن قلت: لِمّ لَمْ يبوب على
الجملة الأخيرة من الحديث؟ قلت: لأن في صدر الحديث لفظة المسلم، والكتاب الذي
يحوي هذه الأبواب كلها من أمور الإيمان والإسلام. فإن قلت: هجر المنهيات أيضاً من أمور
الإسلام. قلت: بلى، ولكنه في تبويبه بصدر الحديث اعتناء بذكر لفظ فيه مادة من الإسلام.
بيان رجاله: وهم ستة. الأول: أبو الحسن آدم بن أبي إياس بكسر الهمزة وتخفيف
الياء آخر الحروف في آخره سين مهملة، واسم أبي إياس: عبد الرحمن، وقيل: ناهية، بالنون
وبین الهائین یاء آخر الحروف خفيفة، أصله من خراسان، نشأ ببغداد وكتب عن شيوخها، ثم
رحل إلى الكوفة والبصرة والحجاز ومصر والشام، واستوطن عسقلان، وتوفي بها سنة عشرين
ومائتين. قال أبو حاتم: هو ثقة مأمون متعبد، من خيار عباد الله تعالى، وكان ورَّاقاً، وكان

٢١٥
١ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٤)
عمره حين مات ثمانياً وثمانين سنة، وقيل: نيفا وتسعين سنة، وليس في كتب الحديث
آدم بن أبي إياس غير هذا، وفي مسلم والترمذي والنسائي: آدم بن سليمان الكوفي، وفي
البخاري والنسائي: آدم بن علي العجلي الكوفي أيضاً فحسب، وفي الرواة آدم بن عيينة، أخو
سفیان، لا يحتج به، وآدم بن فاید عن عمرو بن شعيب مجهول.
الثاني: شعبة، غير منصرف، ابن الحجاج بن الورد، أبو بسطام الأزدي مولاهم
الواسطي، ثم انتقل إلى البصرة وأجمعوا على إمامته وجلالة قدره، قال سفيان الثوري: شعبة
أمير المؤمنين في الحديث. وقال أحمد: كان أمة وحده في هذا الشأن، مات بالبصرة أول
سنة ستين ومائة، وكان الثغ، وليس في الكتب الستة: شعبة بن الحجاج غيره، وفي النسائي:
شعبة بن دینار الکوفي، صدوق. وفي أبي داود: شعبة بن دينار، عن مولاه ابن عباس ليس
بالقوي، وفي الضعفاء: شعبة بن عمر ويروي عن أنس. قال البخاري: أحاديثه مناکیر، وفي
الصحابة: شعبة بن التوأم وهو من الأفراد، والظاهر أنه تابعي.
الثالث: عبد الله بن أبي السفر، بفتح الفاء، وحكي إسكانها، واسم أبي السفر:
سعيد بن يحمد، بضم الياء وفتح الميم، كذا ضبطه النووي. وقال الغساني: بضم الياء وكسر
المیم، ويقال: أحمد الثوري الهمداني الكوفي، مات في خلافة مروان بن محمد روى له
الجماعة. واعلم أن السفر، كله بإسكان الفاء في الاسم، وتحريكها في الكنية. ومنهم من
سكن الفاء في عبد الله المذكور كما مضى.
الرابع: إسماعيل بن أبي خالد هرمز، وقيل: سعد، وقيل: كثير البجلي الأحمسي
مولاهم الكوفي، سمع خلقاً من الصحابة منهم: أنس بن مالك وجماعة من التابعين، وعنه
الثوري وغيره من الأعلام، وكان عالماً متقناً صالحاً ثقة، وكان يسمى: الميزان، وكان
طحاناً، توفي بالكوفة سنة خمس وأربعين ومائة.
الخامس: الشعبي، بفتح الشين المعجمة وسكون العين المهملة بعدها الباء الموحدة،
هو أبو عمرو عامر بن شراحيل، وقيل: ابن عبد الله بن شراحيل الكوفي التابعي الجليل الثقة،
روى عن خلق من الصحابة منهم: ابن عمر وسعد وسعيد، روي عنه أنه قال: أدركت
خمسمائة صحابي، قال أحمد بن عبد الله: ومرسله صحيح. روى عنه قتادة وخلق من
التابعين، ولي قضاء الكوفة، وولد لست سنين مضت من خلافة عثمان، ومات بعد المائة إما
سنة ثلاث أو أربع أو خمس أو ست، وهو ابن نيف وثمانين سنة، وكان مزاحاً، وأمه من سبي
جلولا، وهي قريبة بناحية فارس.
السادس: عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هشام بن سعيد، بضم السين وفتح
العین، ابن سهم بن عمرو بن مصیص، بضم الهاء وبصادین مهملتین، ابن کعب بن لؤي بن
غالب، أبو محمد أو عبد الرحمن أو أبو نصير، بضم النون، القرشي السهمي الزاهد العابد
الصحابي ابن الصحابي، وأمه، ريطة بنت منيه بن الحجاج، أسلم قبل أبيه وكان بينه وبين
ـةمود
i
i
i
i
E
●جمة

٢١٦
٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٤)
أبيه في السن: اثنتي عشرة سنة، وقيل: إحدى عشرة، وكان غزير العلم مجتهداً في العبادة،
وكان أكثر حديثاً من أبي هريرة، لأنه كان يكتب وأبو هريرة لا يكتب، ومع ذلك فالذي
روي له قليل بالنسبة إلى ما روي لأبي هريرة. روي له سبعمائة حديث اتفقا منها على سبعة
عشر، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بعشرين: مات بمكة أو بالطائف أو بمصر في ذي
الحجة من سنة خمس أو ثلاث أو سبع وستين، أو اثنتين أو ثلاث وسبعين، عن اثنتين وسبعين
سنة. وفي الصحابة عبد الله بن عمرو جماعات آخر عدتهم: ثمانية عشر نفساً. وعمرو،
ويكتب بالواو ليتميز عن عمر، وهذا في غير النصب، وأما في النصب فيتميز بالألف.
بيان الأنساب: الأزدي: في كهلان ينسب إلى الأزد بن الغوث بن نبت ملکان بن
زيد بن كهلان بن سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان، يقال له: الأزد بالزاي، والأسد
بالسين. والواسطي: نسبة إلى واسط، مدينة اختطها الحجاج بن يوسف بين الكوفة والبصرة
في أرض كسكر، وهي نصفان على شاطىء دجلة وبينهما جسر من سفن، وسميت، واسط،
لأنه منها إلى البصرة خمسين فرسخاً، ومنها إلى الكوفة خمسين فرسخاً، وإلى الأهواز خمسين
فرسخاً، وإلى بغداد خمسين فرسخاً، والبجلي: بضم الباء والجيم، في كهلان ينسب إلى
بجيلة بنت صعب بن سعد العشيرة بن مالك، وهو مذحج. والشعبى: نسبة إلى شعب، بطن
من همدان، بسكون الميم وبالدال المهملة، ويقال: هو من حمير، وعداده في همدان،
ونسب إلى جبل باليمن نزله حسان بن عمرو الحميري هو وولده، ودفن به، وقال الهمداني:
الشعب الأصغر بطن منهم: عامر بن شراحيل. قال: والشعب الأصغر بن شراحيل بن حسان بن
الشعب الأكبر بن عمرو بن شعبان. وقال الجوهري: شعب جبل باليمن، وهو ذو شعبتين، نزله
حسان بن عمرو الحميري وولده فنسبوا إليه، وأن من نزل من أولاده بالكوفة يقال لهم:
شعبيون. منهم عامر الشعبي، ومن كان منهم بالشام قيل لهم: شعبيون ومن كان منهم باليمن
يقال لهم: آل ذي شعبين، ومن كان منهم بمصر والمغرب يقال لهم: الأشعوب.
بيان لطائف إسناده: منها: أن هذا الإسناد كله على شرط الستة إلاَّ آدم فإنه ليس من
شرط مسلم وأبي داود. ومنها: أن شعبة فيه يروي عن اثنين: أحدهما: عبد الله بن أبي السفر،
والآخر: إسماعيل بن أبي خالد، وكلاهما يرويانه عن الشعبي، ولهذا إسماعيل بفتح اللام
عطفاً على عبد الله وهو مجرور، وإسماعيل أيضاً مجرور جر ما لا ينصرف بالفتحة، كما
عرف في موضعه، ومنها: أن فيه التحديث والعنعنة.
بيان من أخرجه غيره: هذا الحديث انفرد البخاري بجملته عن مسلم، وأخرجه أيضاً
في الرقاق عن أبي نعيم، عن زكريا، عن عامر. وأخرج مسلم بعضه في (صحيحه) عن جابر
مرفوعاً: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده))، مقتصراً عليه، وخرج أيضاً من حديث
عبد الله بن عمر أيضاً: (إن رجلاً سأل رسول الله عَ ل؛ أي المسلمون خير؟ قال: من سلم
المسلمون من لسانه ويده). وزاد ابن حبان، والحاكم في (المستدرك) من حديث أنس
صحيحاً: ((والمؤمن من أمنه الناس)). وأخرج أبو داود، والنسائي أيضاً مثل البخاري من حديث
١٠٠٠

٢١٧
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٤)
عبد الله بن عمرو، إلاَّ أن لفظ النسائي: ((من هجر ما حرم الله عليه).
بيان اللغات: قوله: ((من يده) اليد هي اسم للجارحة، ولكن المراد منها أعم من أن
تكون يداً حقيقية، أو يداً معنوية، كالاستيلاء على حق الغير بغير حق، فإنه أيضاً إيذاء، لكن
لا باليد الحقيقية. قوله: ((المهاجر)) هو الذي فارق عشيرته ووطنه. قوله: (من هجر)) أي:
ترك، من هجره يهجره، بالضم هجراً وهجراناً. والاسم: الهجرة، وفي (العباب): الهجرة ضد
الوصل. والتركيب يدل على قطع وقطيعة، والمهاجر مفاعل منه. قيل: لأنه لما انقطعت
الهجرة وفضلها، حزن على فواتها من لم يدركها، فأعلمهم النبي عَّدٍ، أن المهاجر على
الحقيقة من هجر ما نهى الله عنه، وقيل: بل أعلم المهاجرين لئلا يتكلوا على الهجرة. فإن
قلت: المهاجر من باب المفاعلة. وهي تقتضي الاشتراك بين الاثنين. قلت: المهاجر بمعنى
الهاجر، كالمسافر بمعنى السافر، والمنازع بمعنى النازع، لأن باب: فاعل، قد يأتي بمعنى فعل.
بيان الإعراب: قوله: ((المسلم) مبتدأ وخبره، قوله: ((من سلم المسلمون))، ويجوز
أن يكون: من سلم خبر مبتدأ محذوف، فالجملة خبر المبتدأ الأول، والتقدير: المسلم هو
من سلم، فمن موصولة، وسلم المسلمون صلتها، وقوله: ((من لسانه)) متعلق بقوله: ((سلم)).
قوله: ((والمهاجر)) عطف على قوله: ((المسلم). ومن أيضاً في: ((من هجر)) موصولة. و: ((ما
نهى الله عنه)) جملة في محل النصب لأنها مفعول هجر، وكلمة: ((ما))، موصولة، ((ونهى الله
عنها)، صلتها.
بيان المعاني: قوله: ((المسلم من سلم) إلى آخره ظاهره يدل على الحصر لوقوع
جزئي الجملة معرفتين، ولكن هذا من قبيل قولهم: زيد الرجل، أي: زيد الكامل في الرجولية،
فيكون التقدير: المسلم الكامل من سلم ... إلى آخره. وقال القاضي عياض وغيره: المراد
الكامل الإسلام والجامع لخصاله ما لم يؤذ مسلماً بقول ولا فعل، وهذا من جامع كلامه
عليه الصلاة والسلام، وفصيحه كما يقال: المال الإبل، والناس العرب، على التفضيل لا على
الحصر، وقد بين البخاري ما يبين هذا التأويل، وهو قول السائل: أي الإسلام خير؟ قال: من
سلم المسلمون من لسانه ويده. وقال الخطابي: معناه أن المسلم الممدوح من كان هذا
وصفه، وليس ذلك على معنى أن من لم يسلم الناس منه ممن دخل في عقد الإسلام فليس
ذلك بمسلم، وكان ذلك خارجاً عن الملة أيضاً، إنما هو كقولك: الناس العرب، تريد أن أفضل
الناس العرب، فههنا المراد أفضل المسلمين من جمع إلى أداء حقوق الله أداء حقوق
المسلمين والكف عن أعراضهم، وكذلك المهاجر الممدوح هو الذي جمع إلى هجران وطنه
ما حرم الله تعالى عليه، ونفي اسم الشيء على معنى نفي الكمال عنه مستفيض في كلامهم.
قلت: وكذا إثبات اسم الشيء على الشيء على معنى إثبات الكمال مستفيض في كلامهم.
فإن قلت: إذا كان التقدير: المسلم الكامل من سلم، يلزم من ذلك أن يكون من اتصف بهذا
خاصة كاملا. قلت: الملازمة ممنوعة، لأن المراد هو الكامل مع مراعاة باقي الصفات، أو
يكون هذا وارداً على سبيل المبالغة تعظيماً لترك الإيذاء، كما كان ترك الإيذاء هو نفس
i
١ جون
جوة
ـغوط

٢١٨
٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (٤)
الإسلام الكامل، وهو محصور فيه على سبيل الادعاء. وأمثاله كثيرة. فافهم. وقال بعضهم:
يحتمل أن يكون المراد بذلك الإشارة إلى حسن معاملة العبد مع ربه، لأنه إذا أحسن معاملة
إخوانه فأولى، أن يحسن معاملة ربه، من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى. قلت: فيه نظر
وخدش من وجهين. أحدهما: أن قوله: يحتمل أن يكون المراد بذلك الإشارة إلى حسن
معاملة العبد مع ربه ممنوع، لأن الإشارة ما ثبت بنظم الكلام وتركيبه مثل العبارة، غير أن
الثابت من الإشارة غير مقصود من الكلام، ولا سيق الكلام له فانظر هل تجد فيه هذا
المعنى؟ والثاني: أن قوله: فأولى أن يحسن معاملة ربه ممنوع أيضاً، ومن أين الأولوية في
ذلك، والأولوية موقوفة على تحقق المدعي والدعوى غير صحيحة، لأنَّا نجد كثيراً من الناس
يسلم الناس من لسانهم وأيديهم، ومع هذا لا يحسنون المعاملة مع الله تعالى؛ وفيه العطف
بين الجملتين تنبيهاً على التشريك في المعنى المذكور.
وفيه من أنواع البديع: تجنيس الاشتقاق، وهو أن يرجع اللفظان في الاشتقاق إلى أصل
واحد، نحو قوله تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين القيم﴾ [الروم: ٤٣] فإن: أقم والقيم، يرجعان
في الاشتقاق إلى: القيام.
بيان استنباط الفوائد: الأولى: فيه الحث على ترك أذى المسلمين بكل ما يؤذي.
وسر الأمر في ذلك حسن التخلق مع العالم، كما قال الحسن البصري في تفسير الأبرار: هم
الذين لا يؤذون الذر ولا يرضون الشر. الثانية: فيه الرد على المرجئة، فإنه ليس عندهم
إسلام ناقص. الثالثة: فيه الحث على ترك المعاصي واجتناب المناهي.
الأسئلة والأجوبة: منها ما قيل: لم خص اليد مع أن الفعل قد يحصل بغيرها؟ أجيب:
بأن سلطنة الأفعال إنما تظهر في اليد إذ بها البطش والقطع والوصل والأخذ والمنع والإعطاء
ونحوه، وقال الزمخشري: لما كانت أكثر الأعمال تباشر بالأيدي غلبت، فقيل: في كل
عمل: هذا مما عملت أيديهم، وإن كان عملاً لا يأتي فيه المباشرة بالأيدي. ومنها: ما قيل
لم قرن اللسان باليد؟ أجيب: بأن الإيذاء باللسان واليد أكثر من غيرهما. فاعتبر الغالب.
ومنها: ما قيل: لم قدم اللسان على اليد؟ أجيب: بإن إيذاء اللسان أكثر وقوعاً وأسهل. ولأنه
أشد نكاية، ولهذا كان النبي عَّلّ يقول لحسان: ((اهج المشركين فإنه أشق عليهم من
رشق النبل)) وقال الشاعر:
جراحات السنان لها التئام
ولا يلتام ما جرح اللسان
ومنها: ما قيل: المفهوم منه أنه إذا لم يسلم المسلمون منه لا يكون مسلماً، لكن
الاتفاق على أنه إذا أتى بالأركان الخمسة فهو مسلم بالنص والإجماع. وأجيب: بأن المراد
منه المسلم الكامل كما ذكرنا، وإذا لم يسلم منه المسلمون فلا يكون مسلماً كاملاً، وذلك
لأن الجنس إذا أطلق يكون محمولاً على الكامل، نص عليه سيبويه في نحو: الرجل زيد.
وقال ابن جني: من عادتهم أن يوقعوا على الشيء الذي يخصونه بالمدح اسم الجنس، ألا

بم وتس
٠٣٠
٢١٩
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٤)
ترى كيف سموا الكعبة بالبيت؟ وقد يقال: سلامة المسلمين خاصة المسلم، ولا يلزم من
انتفاء الخاصة انتفاء ما له الخاصة. ومنها: ما قيل: ما يقال في إقامة الحدود، وإجراء التعازير،
والتأديبات إلى آخره؟ وأجيب: بأن ذلك مستثنى من هذا العموم بالإجماع، أو أنه ليس إيذاء
بل هو عند التحقيق استصلاح وطلب للسلامة لهم ولو في المآل. ومنها: ما قيل: إذا آذى
ذمياً ما يكون حاله؟ لأن الحديث مقيد بالمسلمين، أجيب: بأنه قد ذکر المسلمون هنا
بطريق الغالب، ولأن كف الأذى عن المسلم أشد تأكيداً لأصل الإسلام، ولأن الكفار بصدد
أن يقاتلوا، وإن كان فيهم من يجب الكف عنه. ومنها: ما قيل: ما حكم المسلمات في
ذلك، لأنه ذكر بجمع التذكير؟ وأجيب: بأن هذا من باب التغليب، فإن المسلمات يدخلن
فيه كما في سائر النصوص والمخاطبات. ومنها: ما قيل: لِمَ عبر باللسان دون القول، فإنه لا
يكون إلاَّ باللسان؟ أجيب: بأنه إنما عبر به دون القول حتى يدخل فيه من أخرج لسانه على
سبيل الاستهزاء. ومنها: ما قيل: ما الفرق بين الأذى باللسان وبين الأذى باليد؟ أجيب: بأن
إيذاء اللسان عام، لأنه يكون في الماضين والموجودين والحادثين بعد بخلاف اليد، لأن
إيذاءها مخصوص بالموجودين، اللهم إلاّ إذا كتب باليد، فإنه حينئذٍ تشارك اللسان، فحينئذٍ
يكون الحديث عاماً بالنسبة إليهما، وأما في الصورة الأولى فإنه عام بالنسبة إلى اللسان دون
الید. فافهم.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وقالَ أَبُو مُعَاوَيَةً: حدثنا داودُ عَنْ عامِرٍ قال: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ عَنِ
النَّبِيِّ عَّهِ، وقالَ عَبْدُ الأَعْلَى: عَنْ دَاودَ عَنْ عَبْدِ الله عَنِ النَِّيِّ
هذان تعليقان رجالهما خمسة. الأول: أبو معاوية محمد بن خازم، بالخاء والزاي
المعجمة، الضرير الكوفي التميمي، السعدي، مولى سعد بن زيد مناة بن تميم، يقال: عمي
وهو ابن أربع سنين أو ثمان، روى عن الأعمش وغيره، وعنه أحمد وإسحاق، وهو ثبت في
الأعمش، وكان مرجعاً، مات في صفر سنة خمس وتسعين ومائة، وفي الرواة أيضاً: أبو معاوية
النخعي عمر، وأبو معاوية شيبان. الثاني: داود بن أبي هند دينار، مولى امرأة من قشير،
ويقال: مولى عبد الله عامر بن كريز، أحد الأعلام الثقات، بصري، رأى أنساً وسمع الشعبي
وغيره من التابعين، وعنه شعبة والقطان، له نحو مائتي حديث، وكان حافظاً صواماً دهره قانتاً
لله، مات سنة أربعين ومائة بطريق مكة عن خمس وسبعين سنة، روى له الجماعة، والبخاري
استشهد به هنا خاصة، وليس له في (صحيحه) ذكر إلاَّ هنا. الثالث: عبد الأعلى بن عبد
الأعلى السامي، بالسین المهملة، من بني سامة بن لؤي بن غالب القرشي البصري، روی عن
الجريري وغيره، وعنه بندار، وهو ثقة قدري لكنه غير داعية، مات في شعبان سنة تسع
وثمانين ومائة، وفي (الصحيحين): عبد الأعلى ثلاثة: هذا، وفي ابن ماجة آخر واهٍ، وآخر
كذلك وآخر صدوق، وفي النسائي آخر ثقة، وفيه وفي الترمذي آخر ثقة، وفي الأربعة آخران
ضعفهما أحمد، فالجملة تسعة، وفي الضعفاء سبعة أخرى. الرابع: عامر، هو الشعبي
المذكور عن قريب. الخامس: عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد مر آنفاً.
P

١١٠
٢٢٠
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (٥)
وأراد بالتعليق الأول بيان سماع الشعبي من عبد الله بن عمرو لأن وهيب بن خالد
روى عن داود، عن رجل، عن الشعبي، عن عبيد الله بن عمرو. وحكاه ابن منده، فأخرج
البخاري هذا التعليق لينبه به على سماع الشعبي من عبد الله بن عمرو، فعلى هذا لعل الشعبي
بلغه ذاك عن عبد الله بن عمرو، ثم لقيه فسمعه منه. وأخرج هذا التعليق إسحاق بن راهويه في
(مسنده) عن أبي معاوية موصولاً، وأخرجه ابن حبان في (صحيحه) فقال: حدثنا أحمد بن
یحیی بن زهير الحافظ بتستر، حدثنا محمد بن العلاء بن کریب، حدثنا أبو معاوية، حدثنا
داود بن أبي هند، عن الشعبي قال: سمعت عبد الله بن عمرو ورب هذه البنية لسمعت رسول
الله عَ ◌ّالله يقول: ((المهاجر من هجر السيئات، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده)).
وأراد بالتعليق الثاني: التنبيه على أن عبد الله الذي أبهم في رواية عبد الأعلى هو عبد
الله بن عمرو الذي بين في رواية أبي معاوية، وقال قطب الدين في (شرحه): هذا من تعليقات
البخاري، لأن البخاري، لم يلحق أبا معاوية ولا عبد الأعلى، والحديث المعلق عند أهل
الحديث هو الذي حذف من مبتدأ إسناده واحد فأكثر، وقد أكثر البخاري في (صحيحه) ولم
يستعمله مسلم إلاَّ قليلاً، قال أبو عمرو بن الصلاح: فيما جاء بصيغة الجزم، كقال وحدث
وذكر، دون ما جاء بغير صيغته: كيروى ويذكر، وإنما كان ذلك لأن صاحبي (الصحيحين)
ترجما كتابيهما بالصحيح من أخبار رسول الله عَ ل﴾، فلولا أنه عندهما مسند متصل صحيح
لم يستجيز أن يدخلا في كتابيهما:
قوله: ((قال أبو عبد الله) هو البخاري نفسه، لأن أبا عبد الله كنيته. قوله: ((حدثنا داود
عن عامر» وفي رواية ابن عساكر: حدثنا داود هو ابن أبي هند. قوله في حديث ابن حبان:
((والمسلم من سلم الناس)): يتناول المسلمين وأهل الذمة، وقال بعضهم: والمراد بالناس هنا
المسلمون. كما في الحديث الموصول، فهم الناس حقيقة، ويمكن حمله على عمومه على
إرادة شرط وهو إلاّ بحق، وإرادة هذه الشرط متعينة على كل حال؛ قلت: فيه نظر من وجوه.
الأول: قوله: فهم الناس حقيقة يدل على أن غير المسلمين من بني آدم ليسوا بإنسان حقيقة،
وليس كذلك، بل الناس يكون من الإنس ومن الجن، قاله في (العباب). والثاني: قوله:
((ويمكن حمله)). استعمال الإمكان ههنا غير سديد، بل هو عام قطعاً. والثالث: تخصيصه
الشرط المذكور بهذا الحديث غير موجه، بل هذا الشرط مراعى ههنا وفي الحديث
الموصول، فبهذا الشرط يخرج عن العموم في حق الأذى بالحق، وأما في حق المسلم
والذمي فعلى عمومه. فافهم.
٥ - باب أيُّ الإِسْلاَم أفْضَلُ؟
يجوز في: باب، التنوين وتركه للإضافة إلى ما بعده، وعلى كل التقدير أي بالرفع لا
غير، وفي الوجهين هو: خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا باب، ويجوز التسكين فيه من غير
إعراب، لأن الإعراب لا يكون إلاّ بالتركيب. والمناسبة بين البابين ظاهرة لأن كليهما فى