Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
١ - كتاب بدء الوحي / باب (٦)
وأراد به النوب يعني: الحرب بيننا وبينه نوب، نوبة لنا ونوبة له، كالمستقيين إذا كان بينهما
دلوان يستقي أحدهما دلواً، والآخر دلواً، هذا إذا أريد من السجال الدلاء، لأنه جمع سجل
بالفتح، وهو الدلو العظيم، وإن أريد به المصدر: كالمساجلة، وهي المفاخرة، وهي أن يصنع
أحدهما ما يصنع الآخر، لا يكون من هذا الباب. فافهم. قوله: ((ولا تشركوا به)) أي: بالله،
وهذه الجملة عطف على قوله: ((اعبدوا الله وحده)) من عطف المنفي على المثبت، وهو في
الحقيقة عطف الخاص على العام من قبيل: ﴿تنزل الملائكة والروح﴾ [القدر: ٤] فإن عبادة
الله أعم من عدم الإشراك به، وفي رواية: ((لا تشركوا به)) بدون الواو، فتكون الجملة الثانية
في حكم التأكيد، لأن بين الجملتين كمال الاتصال، فتكون الثانية مؤكدة للأولى، ومنزلة
منها منزلة التأكيد المعنوي من متبوعه في إفادة التقرير مع الاختلاف في اللفظ. قوله:
((واتركوا ما تقول آباؤكم)) حذف المفعول منه ليدل على العموم، أعني: عموم قوله: ((ما
كانوا عليه في الجاهلية)) وفي ذكر الآباء تنبيه على أنهم هم القدوة في مخالفتهم للنبي
عليه السلام، وهم عبدة الأوثان والنصارى واليهود. قوله: ((حين يخالط بشاشته القلوب)):
مخالطة بشاشة الإيمان القلوب كناية عن انشراح الصدر والفرح به والسرور. قوله: ((فذكرت
أنه يأمركم أن تعبدوا الله)) فيه من فن المشاكلة والمطابقة، وذلك لأن في كلام هرقل:
سألتك بما يأمركم؟ فكذلك في حكايته عن كلام أبي سفيان. قال: فذكرت أنه يأمركم،
بطريق المشاكلة، وأبو سفيان في جوابه إياه فيما مضى لم يقل: ألا قلت: يقول: اعبدوا الله؟
فعدل ههنا عنه إلى قوله: فذكرت أنه يأمركم. وقال الكرماني في جواب هذا: إن هرقل إنما
غيّر عبارته تعظيماً للرسول - عليه السلام - وتأدباً له. قوله: ((أسلم تسلم)) فيه جناس
اشتقاقي، وهو أن يرجع اللفظان في الاشتقاق إلى أصل واحد. قوله: ((فإن توليت)) أي:
أعرضت، وحقيقة التولي إنما هو بالوجه، ثم استعمل مجازاً في الإعراض عن الشيء، قلت:
هذا استعارة تبعية، وقد علم أن الاستعارة على قسمين: أصلية وتبعية، وذلك باعتبار اللفظ،
لأنه إن كان اسم جنس سواء كان عيناً أو معنى فالاستعارة أصلية: كأسد وفيل، وإن كان غير
اسم جنس فالاستعارة تبعية، وجه كونها تبعية أن الاستعارة تعتمد التشبيه، والتشبيه يعتمد
كون المشبه موصوفاً، والأمور الثلاثة عن الموصوفية بمعزل، فتقع الاستعارة أولاً في المصادر
ومتعلقات معاني الحروف، ثم تسري في الأفعال والصفات والحروف. قوله: ((وكان ابن
الناطور صاحب إيلياء وهوقل)) قال الكرماني: ولفظ الصاحب هنا بالنسبة إلى هرقل حقيقة،
وبالنسبة إلى إيلياء مجاز إذ المراد منه الحاكم فيه، وإرادة المعنى الحقيقي والمعنى
المجازي من لفظ واحد باستعمال واحد جائز عند الشافعي، وأما عند غيره فهو مجاز بالنسبة
إلى المعنيين باعتبار معنى شامل لهما، ومثله يسمى: بعموم المجاز. قلت: لا نسلم اجتماع
الحقيقة والمجاز ههنا، لأن فيه حذفاً تقديره: وكان ابن الناطور صاحب إيلياء وصاحب
هرقل، فنفي الأول مجاز، وفي الثاني حقيقة، فلا جمع ههنا، وارتكاب الحذف أولى من
ارتكاب المجاز، فضلاً عن الجمع بين الحقيقة والمجاز الذي هو كالمستحيل على ما
عمدة القاري / ج٢ - ١١٢
!
٠٠٠٠
i
جوم
i
٠
i
i

١٦٢
١ - كتاب بدء الوحي / باب (٦)
عرف في موضعه. قوله: ((من هذه الأمة)) أي من أهل هذا العصر. وإطلاق الأمة على أهل
العصر كلهم فيه تجوز، والأمة في اللغة الجماعة. قال الأخفش: هو في اللفظ واحد، وفي
المعنى جمع، وكل جنس من الحيوان أمة. وفي الحديث: ((لولا أن الكلاب أمة من الأمم
لأمرت بقتلها)). والمراد من قوله: ملك هذه الأمة قد ظهر العرب خاصة. قوله: ((فحاصوا
حيصة حمر الوحش)) أي: كحيصة حمر الوحش، شبه نفرتهم وجهلهم مما قال لهم هرقل،
وأشار إليهم من اتباع الرسول - عليه السلام - بنفرة حمر الوحش لأنها أشد نفرة من سائر
الحيوانات، ويضرب المثل بشدة نفرتها. وقال بعضهم: شبههم بالحمر دون غيرها من
الوحوش لمناسبة الجهل في عدم الفطنة، بل هم أضل. قلت: هذا كلام من لا وقوف له في
علمي المعاني والبيان، ولا يخفى وجه التشبيه ههنا على من له أدنى ذوق في العلوم.
الأسئلة والأجوبة: الأول: ما قيل: إن قصة أبي سفيان مع هرقل، إنما كانت في أواخر
عهد البعثة، فما مناسبة ذكرها لما ترجم عليه الباب وهو كيفية بدء الوحي؟ وأجيب: بأن
كيفية بدء الوحي تعلم من جميع ما في الباب، وهو ظاهر لا يخفى.
الثاني: ما قيل: إن هرقل لِمَ خص الأقرب بقوله: ((أيهم أقرب نسباً؟)) وأجيب: بأنه
أحرى بالاطلاع على أموره ظاهراً وباطناً، ولأن الأبعد لا يؤمن أن يقدح في نسبه، بخلاف
الأقرب.
الثالث: ما قيل: لم عدل عن السؤال عن نفس الكذب إلى السؤال عن التهمة؟
وأجيب: بأنه لتقريرهم على صدقه، لأن التهمة إذا انتفت انتفى سببها.
الرابع: ما قيل: إن أبا سفيان لما قال له هرقل: ((فهل يغدر))؟ قال: ((قلت: لا))فما معنى
كلامه بعده: ((ونحن منه في مدة)) إلى آخره؟ أجيب: بأنه لما قطع بعدم غدره لعلمه من
أخلاقه الوفاء والصدق، أحال الأمر على الزمن المستقبل، لكونه مغيباً، وأورده على التردد،
ومع هذا كان يعلم أن صدقه ووفاءه ثابت مستمر، ولهذا لم يقدح هرقل على هذا القدر منه.
الخامس: ما قيل: ما وجه قول أبي سفيان: ((الحرب بيننا وبينه سجال))؟ أجيب:
بأنه أشار بذلك إلى ما وقع بينهم في غزوة بدر وغزوة أحد، وقد صرح بذلك أبو سفيان يوم
أحد في قوله: يوم بيوم بدر، والحرب سجال.
السادس: ما قيل: كيف خصص أبو سفيان الأربعة المذكورة بالذكر، وهي: الصلاة
والصدق والعفاف والصلة؟ وأجيب: للإشارة إلى تمام مكارم الأخلاق، وكمال أنواع فضائله،
لأن الفضيلة إما قولية وهي: الصدق، وإما فعلية وهي: إما بالنسبة إلى الله تعالى وهي: الصلاة
لأنها تعظم الله تعالى وإما بالنسبة إلى نفسه، وهي: العفة، وإما بالنسبة إلى غيره، وهي:
الصلة. ولما كان مبنى هذه الأمور: الصدق، وصحتها موقوفة على: التوحيد وترك الإشراك
بالله تعالى، أشار إليه بقوله: أولاً: ((يقول: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً)؟ وأشار بهذا القسم
إلى التخلي عن الرذائل، وبالقسم الأول إلى التحلي بالفضائل، ويؤول حاصل الكلام إلى أنه

١٦٣
١ - كتاب بدء الوحي / باب (٦)
ينهانا عن النقائص، ويأمرنا بالكمالات. فافهم.
السابع: ما قيل: ((لا تشركوا)) كيف يكون مأموراً به، والعدم لا يؤمر به إذ لا تكليف
إلاَّ بفعل، لا سيما في الأوامر؟ وأجيب: بأن المراد به التوحيد.
الثامن: ما قيل: ((لا تشركوا) نهي، فما معنى ذلك إذ لا يقال له أمر؟ وأجيب: بأن
الإشراك منهي عنه، وعدم الإشراك مأمور به، مع أن كل نهي عن شيء أمر بضده، وكل أمر
بشيء نهي عن ضده؟ قلت: هذا الموضع فيه تفصيل، لا نزاع في أن الأمر بالشيء نهي عن
ترك ذلك الشيء بالتضمن؛ نهي تحريم إن كان الأمر للوجوب، ونهي كراهة إن كان للندب،
فإذا قال: صم، يلزمه أن لا يترك الصوم، وإنما النزاع في أن الأمر: هل هو نهي عن ضده
الوجودي؟ مثلاً قولك: اسكن عين قولك: لا تتحرك، بمعنى: أن المعنى الذي عبر عنه:
بأسكن، عين ما عبر عنه: بلا تتحرك فتكون عبارتان لإفادة معنى واحد أم لا؟ فيه النزاع لا في
أن صيغة: أسكن، عين صيغة: لا تتحرك، فإنه ظاهر الفساد لم يذهب إليه أحدٌ. فذهب بعض
الشافعية، والقاضي أبو بكر أولاً: إن الأمر بالشيء عين النهي عن ضده بالمعنى المذكور. وقال
القاضي آخراً: وكثير من الشافعية وبعض المعتزلة: أن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده، لا
أنه عينه، إذ اللازم غير الملزوم. وذهب إمام الحرمين، والغزالي وباقي المعتزلة إلى أنه: لا
حكم لكل واحد منهما في ضده أصلاً، بل هو مسكوت عنه. ومنهم من اقتصر فقال: الأمر
بالشيء عين النهي عن ضده، أو يستلزمه ولم يتجاوز، ومنهم من تجاوز إلى الجانب الآخر،
وقال: النهي عن الشيء عين الأمر بضده أو يستلزم. وقال أبو بكر الجصاص، وهو مذهب
عامة العلماء الحنفية، وأصحاب الشافعي، وأهل الحديث: إن الأمر بالشيء نهي عن ضده إذا
كان له ضد واحد، کالأمر بالإيمان نهي عن الكفر، وإن كان له أضداد، کالأمر بالقيام له
أضداد من: القعود، والركوع، والسجود، والاضطجاع، يكون الأمر به نهيا عن جميع أضداده
كلها، وقال بعضهم: يكون نهيا عن واحد منها من غير عين، وفصل بعضهم بين الأمر
بالإيجاب، والأمر بالندب، فقال: أمر الإيجاب يكون نهياً عن ضد المأمور به، وعن أضداده
لكونها مانعة من قبل الموجب، وأمر الندب لا يكون كذلك، فكانت أضداد المندوب غير
منهي عنها، لا نهي تحريم ولا نهي تنزيه، ومن لم يفصل جعل أمر الندب نهياً عن ضده نهي
ندب، حتى يكون الامتناع عن ضد المندوب مندوباً، كما يكون فعله مندوباً. وأما النهي عن
الشيء فأمر بضده، إن كان له ضد واحد باتفاقهم، كالنهي عن الكفر أمر بالإيمان، وإن كان له
أضداد، فعند بعض الحنفية، وبعض أصحاب الحديث يكون أمراً بالأضداد كلها، كما في
جانب الأمر، وعند عامة الحنفية، وعامة أصحاب الحديث يكون أمراً بواحد من الأضداد غير
عين. وذهب بعضهم إلى أنه يوجب حرمة ضده، وقال بعضهم: يدل على حرمة ضده، وقال
بعض الفقهاء: يدل على كراهة ضده، وقال بعضهم: يوجب كراهة ضده. ومختار القاضي
أبي زيد، وشمس الأئمة، وفخر الإسلام ومن تابعهم: أنه يقتضي كراهة ضده، والنهي عن
الشيء يوجب أن يكون ضده في معنى سنة مؤكدة.
i
i
i
•هدة
i
i

١٦٤
١ - كتاب بدء الوحي / باب (٦)
التاسع: ما قيل: ((وينهاكم عن عبادة الأوثان)؟ لم يذكره أبو سفيان، فلِمَ ذكره
هرقل؟ وأجيب: بأنه قد لزم ذلك من قول أبي سفيان: ((وحده)) ومن: ((ولا تشركوا)). ومن:
((واتركوا ما يقول آباؤكم)). ومقولهم كان عبادة الأوثان.
العاشر: ما قيل: ما ذكر هرقل لفظة الصلة التي ذكرها أبو سفيان، فلم تركها؟
وأجيب: بأنها داخلة في العفاف إذ الكف عن الحرام وخوارم المروءة يستلزم الصلة، وفيه
نظر، إلاَّ أن يراد أن الاستلزام عقلي. فافهم.
الحادي عشر: ما قيل: لم ما راعى هرقل الترتيب، وقدم في الإعادة سؤال التهمة
على سؤال الاتباع والزيادة والارتداد؟ وأجيب: بأن الواو ليست للترتيب، أو إن شدة اهتمام
هرقل بنفي الكذب على الله سبحانه وتعالى، عنه بعثه على التقديم.
الثاني عشر: ما قيل: السؤال من أحد عشر وجهاً، والمعاد في كلام هرقل تسعة
حيث لم يقل: وسألتك عن القتال؟ وسألتك كيف كان قتالكم؟ فلم ترك هذين الاثنين؟
وأجيب: لأن مقصوده بيان علامات النبوة، وأمر القتال لا دخل له فيها إلاّ بالنظر إلى العاقبة،
وذلك عند وقوع هذه القصة كانت في الغيب وغير معلوم لهم، أو لأن الراوي اكتفى بما
سيذكره في رواية أخرى يوردها في كتاب الجهاد، في باب دعاء النبي عَ ◌ّ الناس إلى
الإسلام، بعد تكرر هذه القصة مع الزيادات، وهو أنه قال: ((وسألتك هل قاتلتموه؟ وقاتلكم؟»
وزعمت أن قد فعل، وإن حربكم وحربه يكون دولاً، وكذلك الرسل تبتلى وتكون لها العاقبة.
الثالث عشر: ما قيل: كيف قال هرقل ((وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها؟)؟
ومن أين علم ذلك؟ وأجيب: باطلاعه في العلوم المقررة عندهم من الكتب السالفة.
الرابع عشر: ما قيل: كيف قال في الموضعين: فقلت، وفي غيرهما لم يذكره؟
وأجيب: بأن هذين المقامين مقام تكبر وبطر، بخلاف غيرهما.
الخامس عشر: ما قيل: كيف قال: ((وكنت أعلم أنه خارج))، ومأخذه من أين؟
وأجيب: بأن مأخذه: إما من القرائن العقلية، وإما من الأحوال العادية، وإما من الكتب القديمة
كما ذكرنا.
السادس عشر: ما قيل: هذه الأشياء التي سألها هرقل ليست بقاطعة على النبوة، وإنما
القاطع المعجزة الخارقة للعادة، فكيف قال: ((وكنت أعلم أنه خارج)) بالتأكيدات والجزم؟
وأجيب: بأنه كان عنده علم بكونها علامات هذا النبي - عليه السلام - وبه قطع ابن بطال.
وقال: أخبار هرقل وسؤاله عن كل فصل فصل إنما كان عن الكتب القديمة، وإنما كان ذلك
كله نعتاً للنبي - عليه السلام - مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل.
السابع عشر: ما قيل: هل يحكم بإسلام هرقل بقوله: ((فلو إني أعلم أني أخلص له
لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت رجليه؟)) وأجيب: بأنا لا نحكم به، لأنه ظهر منه ما
ينافيه حيث قال: (إني قلت مقالتي آنفاً أختبر بها شدتكم على دينكم)) فعلمنا أنه ما صدر منه

١٦٥
١ - کتاب بدء الوحي / باب (٦)
ما صدر عن التصديق القلبي والاعتقاد الصحيح، بل لامتحان الرعية، بخلاف إيمان ورقة، فإنه
لم يظهر منه ما ينافيه، وفيه نظر، لأنه يجوز أن يكون قوله ذلك خوفاً على نفسه لما رآهم
حاصوا حيصة الحمر الوحشية؟ وأراد بذلك إسكاتهم وتطمينهم، ومن أين وقفنا على ما في
قلبه؟ هل صدر هذا القول عن تصديق قلبي أم لا؟ ولكن قال النووي: لا عذر فيما قال: ((لو
أعلم لتجشمت))، لأنه قد عرف صدق النبي عَّله، وإنما شح بالملك، ورغب في الرياسة،
فآثرهما على الإسلام، وقد جاء ذلك مصرحاً به في (صحيح البخاري) ولو أراد الله هدايته
لوفقه كما وفق النجاشي، وما زالت عنه الرياسة. وقال الخطابي: إذا تأملت معاني هذا الكلام
الذي وقع في مسألته عن أحوال الرسول - عليه السلام - وما استخرجه من أوصافه، تبينت
حسن ما استوصف من أمره، وجوامع شأنه، ولله دره من رجل ما كان أعقله لو ساعد معقوله
مقدوره. وقال أبو عمر: آمن قيصر برسول الله عَّله وأبت بطارقته. قلت: قوله: ((لو أعلم أني
أخلص إليه)) يدل على أنه لم يكن يتحقق السلامة من القتل لو هاجر إلى النبي - عليه السلام
- وقاس ذلك على قصة ضفاطر الذي أظهر لهم إسلامه فقتلوه، ولكن لو نظر هرقل في
الكتاب إليه إلى قوله، عليه السلام: ((أسلم تسلم))، وحمل الجزاء على عمومه في الدنيا
والآخرة لو أسلم لسلم من كل ما كان يخافه، ولكن القدر ما ساعده، ومما يقال: إن هرقل
آثر ملكه على الإيمان، وتمادى على الضلال، أنه حارب المسلمين في غزوة مؤتة سنة ثمان
بعد هذه القصة بدون السنتين، ففي (مغازي ابن إسحاق) وبلغ المسلمين لما نزلوا معان، من
أرض الشام، أن هرقل نزل في مائة الف من المشركين، فحكى كيفية الواقعة. و کذا روى ابن
حبان في (صحيحه) عن أنس، رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله عَّ له، كتب إليه أيضاً من
تبوك يدعوه، وأنه قارب الإجابة ولم يجب، فدل ظاهر هذا على استمراره على الكفر، لكن
يحتمل مع ذلك أنه كان يضمر الإيمان ويفعل هذه المعاصي مراعاة لملكه وخوفاً من أن يقتله
قومه، لكن في (مسند أحمد)، رحمه الله، أنه كتب من تبوك إلى النبي عَّله: إني مسلم،
فقال النبي عَّلِّ: ((كذب بل هو على نصرانيته)). فعلى هذا إطلاق أبي عمر أنه آمن أي:
أظهر التصديق، لكنه لم يستمر عليه، وآثر الفانية على الباقية. وقال ابن بطال: قول هرقل ((لو
أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه) أي: دون خلع ملكه، ودون اعتراض عليه، وكانت
الهجرة فرضاً على كل مسلم قبل فتح مكة. فإن قيل: النجاشي لم يهاجر وهو مؤمن. قلت:
النجاشي كان رداً للإسلام هناك، وملجأ لمن أوذي من الصحابة، وحكم الردء حكم المقاتل،
وكذا ردء اللصوص والمحاربين عند مالك والكوفيين: يقتل بقتلهم، ويجب عليه ما يجب
عليهم، وإن لم يحضروا القتل، خلافاً للشافعي، ومثله تخلف عثمان وطلحة وسعيد بن زيد
عن بدر، وضرب لهم الشارع بسهمهم وأجرهم؛ وقال ابن بطال: ولم يصح عندنا أن هرقل
جهر بالإسلام، وإنما عندنا أنه آثر ملكه على الجهر بكلمة الحق، ولسنا نقنع بالإسلام دون
الجهر به، ولم يكن هرقل مكرهاً حتى يعذر، وأمره إلى الله تعالى. وقد حكى القاضي
عياض، فيمن اطمأن قلبه بالإيمان ولم يتلفظ، وتمكن من الإتيان بكلمتي الشهادة فلم يأت
١
٠٠۵٠
جوة.

١٦٦
١ - كتاب بدء الوحي / باب|(٦)
بها، هل يحكم بإسلامه أم لا؟ اختلافاً بين العلماء، مع أن المشهور لا يحكم به؟ وقيل:
إن قوله: هل لكم في الفلاح والرشد فتبايعوا هذا الرجل؟ يظهر أنه أعلن، والله أعلم بحقيقة
أمره.
الثامن عشر: ما قيل: إن قوله: ((يؤتك اله أجرك مرتين)) يعارضه قوله تعالى: ﴿وأن
ليس للإنسان إلاَّ ما سعى﴾ [النجم: ٣٩]. وأجيب: بأن هذا كان عدلاً، وكان ذاك فضلاً،
كما في قوله تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ [الأنعام: ١٦٠] ونحو ذلك، وإما
أنه يؤتى الأجر مرتين: مرة لإيمانه بعيسى - عليه السلام - ومرة لإيمانه بمحمد عَله، فهو موافق
لقوله تعالى: ﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين﴾ [القصص: ٥٤] الآية.
التاسع عشر: ما قيل: في قوله: ((فإن عليك إثم الإريسيين)) كيف يكون إثم غيره
عليه؟ وقد قال الله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [الإسراء: ١٥، وفاطر: ١٨، والزمر:
٧] وأجيب: بأن المراد أن إثم الإضلال عليه، والإضلال أيضاً وزره كالضلال، على أنه
معارض بقوله: ﴿وليحملن أثقالهم أثقالاً مع أثقالهم﴾ [العنكبوت: ١٣].
العشرون: ما قيل: كيف علم هرقل أمر النبي عَ له حين نظر في النجوم؟ وأجيب:
بأنه علم ذلك بمقتضى حساب المنجمين، لأنهم زعموا أن المولد النبوي كان بقران العلويين
برج العقرب، وهما يقرنان في كل عشرين سنة مرة، إلى أن يستوفي الثلاثة بروجها في ستين
سنة، وكان ابتداء العشرين الأولى المولد النبوي في القران المذكور، وعند تمام العشرين
الثانية مجيء جبريل - عليه السلام - بالوحي، وعند تمام الثالثة فتح خيبر وعمرة القضاء
التي جرت فتح مكة وظهور الإسلام، وفي تلك الأيام رأى هرقل ما رأى، وقالوا أيضاً:
إن برج العقرب مائي، وهو دليل ملك القوم الذين يختتنون، فكان ذلك دليلاً على انتقال
الملك إلى العرب، وأما اليهود فليسوا مراداً ههنا، لأن هذا لمن سينقل إليه الملك لا
لمن انقضى ملكه.
الحادي والعشرون: ما قيل: كيف سوع البخاري إيراد هذا الخبر المشعر بتقوية خبر
المنجم، والاعتماد على ما يدل عليه أحكامهم؟ وأجيب: بأنه لم يقصد ذلك، بل قصد أن
يبين أن البشارات بالنبي عليه السلام، جاءت من كل طريق، وعلى لسان كل فريق من
كاهن، أو منجم، محق أو مبطل، إنسي أو جني.
الثاني والعشرون: ما قيل: إن قوله حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقل على
خروج النبي عَ لل، وأنه نبي يدل على أن كلا من هرقل وصاحبه قد أسلم، فكيف حكمت
بإسلام صاحبه ولم تحكم بإسلام هرقل؟ وأجيب: بأن ذلك استمر على إسلامه وقتل، وهرقل
لم يستمر وآثر ملكه على الإسلام. وقد روى ابن إسحاق أن هرقل أرسل دحية إلى ضفاطر
الرومي وقال: إنه في الروم أجوز قولاً مني، وإن ضفاطر المذكور أظهر إسلامه وألقى ثيابه
التي كانت عليه، ولبس ثياباً بيضاً، وخرج إلى الروم فدعاهم إلى الإسلام وشهد شهادة
/١٣٠

١٦٧
١ - كتاب بدء الوحي / باب |(٦)
الحق، فقاموا إليه فضربوه حتى قتلوه. قال: فلما خرج دحية إلى هرقل قال له: قد قلت لك:
إنا نخافهم على أنفسنا، فضفاطر كان أعظم عندهم مني، وقال بعضهم: فيحتمل أن يكون
هو صاحب رومية الذي أبهم هنا، ثم قال: لكن يعكر عليه ما قيل: إن دحية لم يقدم على
هرقل بهذا الكتاب المكتوب في سنة الحديبية، وإنما قدم عليه بالكتاب المكتوب في غزوة
تبوك، فعلى هذا يحتمل أن يكون وقعت لضفاطر قضيتان: إحداهما: التي ذكرها ابن الناطور،
وليس فيها أنه أسلم ولا أنه قتل. والثانية: التي ذكرها ابن إسحاق. فإن فيها قصته مع دحية
بالكتاب إلى قيصر، وأنه أسلم فقتل، والله أعلم. قلت: غزوة تبوك كانت في سنة تسع من
الهجرة. وذكر ابن جرير الطبري بعث دحية بالكتاب إلى قيصر في سنة ثمان. وذكر
السهيلي، رحمه الله أن هرقل وضع كتاب رسول الله عَّةٍ، الذي كتبه إليه في قصبة من
ذهب تعظيماً، وأنهم لم یزالوا يتوارثونه کابراً عن كابر في أعز مكان حتى كان عند إذفرنش
الذي تغلب على طيطلة، وما أخذها من بلاد الأندلس، ثم كان عند ابنه المعروف بشليطن،
وحكى أن الملك المنصور قلاُون الألفي الصالحي أرسل سيف الدين طلح المنصوري إلى
ملك الغرب بهدية، فأرسله ملك الغرب إلى ملك الإفرنج في شفاعة، فقبلها، وعرض عليه
الإقامة عنده فامتنع. فقال له: لأتحفنك بتحفة سنية، فأخرج له صندوقاً مصفحاً من ذهب،
فأخرج منه مقلمة من ذهب، فأخرج منها كتاباً قد زالت أكثر حروفه، فقال: هذا كتاب نبيكم
إلی جدی قیصر، فما زلنا نتوارثه إلى الآن، وأوصانا آباؤنا أنه ما دام هذا الکتاب عندنا لا یزال
الملك فينا، فنحن نحفظه غاية الحفظ، ونعظمه ونكتمه عن النصارى ليدوم لنا الملك. ثم
اختلف الإخباريون: هل هرقل هو الذي حاربه المسلمون في زمن أبي بكر وعمر أو ابنه؟
فقال بعضهم: هو إياه. وقال بعضهم: هو ابنه، والذي أثبته في (تاريخي) عن أهل التواريخ
والأخبار: أن هرقل الذي كتب إليه رسول الله عَ له، قد هلك، وملك بعده ابنه قيصر واسمه
مورق، وكان في خلافة أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، ثم ملك بعده ابنه هرقل بن قيصر،
وكان في خلافة عمر، رضي الله عنه، وعليه كان الفتح، وهو المخرج من الشام أيام أبي
عبيدة وخالد بن الوليد، رضي الله عنهما، فاستقر بالقسطنطينية. وعدة ملوكهم أربعون ملكاً،
وسنوهم خمسمائة وسبع سنين، والله أعلم.
بيان استنباط الأحكام: وهو على وجوه. الأول: يستفاد من قوله: ((إلى عظيم
الروم)، ملاطفة المكتوب إليه وتعظيمه. فإن قلت: لِمَّ لَمْ يقل: إلى ملك الروم؟ قلت: لأنه
معزول عن الحكم بحكم دين الإسلام، ولا سلطنة لأحد إلاّ من قبل رسول الله عَ له: فإن
قلت: إذا كان الأمر كذلك، فَلِمَ لم يقل: إلى هرقل، فقط؟ قلت: ليكون فيه نوع من
الملاطفة. فقال: ((عظيم الروم) أي: الذي تعظمه الروم، وقد أمر الله تعالى بتليين القول لمن
يدعى إلى الإسلام. وقال تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة﴾
[النحل: ١٢٥]. الثاني: فيه تصدير الكتاب ببسم الله الرحمن الرحيم، وإن كان المبعوث
إليه كافراً. فإن قلت: کیف صدر سلیمان - عليه السلام - کتابه باسمه حيث قال: ﴿إِنه من
جدارة

١٦٨
١ - كتاب بدء الوحي / باب (٦)
سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم﴾ [النمل: ٣٠]؟ قلت: خاف من بلقيس أن تسب،
فقدم اسمه حتى إذا سبت يقع على اسمه دون إسم الله تعالى. وقال الشيخ قطب الدين: وفيه
أن السنة في المكاتبات أن يبدأ بنفسه، فيقول: من فلان إلى فلان، وهو قول الأكثرين، وكذا
في العنوان أيضاً يكتب كذلك، واحتجوا بهذا الحديث، وبما أخرجه أبو داود، عن العلاء بن
الحضرمي، وكان عامل النبي عٍَّ على البحرين، وكان إذا كتب إليه بدأ بنفسه، وفي لفظ
بدأ باسمه؛ وقال حماد بن زيد: كان الناس يكتبون: من فلان بن فلان إلى فلان بن فلان، أما
بعد. قال بعضهم: وهو إجماع الصحابة. وقال أبو جعفر النحاس: وهذا هو الصحيح، وقال
غيره: وكره جماعة من السلف خلافه، وهو أن يكتب أولاً باسم المكتوب إليه، ورخص فيه
بعضهم، وقال: يبدأ باسم المكتوب إليه، روي أن زيد بن ثابت كتب إلى معاوية، فبدأ باسم
معاوية، وعن محمد بن الحنفية، وأيوب السختياني أنهما قالا: لا بأس بذلك، وقيل: يقدم
الأب ولا يبدأ ولد باسمه على والده، والكبير السن كذلك. قلت: يرده حديث العلاء لكتابته
إلى أفضل البشر، وحقه أعظم من حق الوالد وغيره.
الثالث: فيه التوقي في المكاتبة واستعمال عدم الإفراط.
الرابع: فيه دليل لمن قال بجواز معاملة الكفار بالدراهم المنقوشة فيها اسم الله تعالى
للضرورة، وإن كان عن مالك: الكراهة، لأن ما في هذا الكتاب أكثر مما في هذا المنقوش
من ذكر الله تعالى.
الخامس: فيه الوجوب بعمل خبر الواحد، وإلاَّ لم يكن لبعثه مع دحية فائدة مع غيره
من الأحاديث الدالة عليه.
السادس: فيه حجة لمن منع أن يبتدأ الكافر بالسلام، وهو مذهب الشافعي وأكثر
العلماء، وأجازه جماعة مطلقاً، وجماعة للاستئلاف أو الحاجة. وقد جاء عنه النهي في
الأحاديث الصحيحة وفي (الصحيحين): أن رسول الله عَ لٍ قال: ((لا تبدأوا اليهود
والنصارى بالسلام ... )). الحديث وقال البخاري وغيره: ولا يسلم على المبتدع، ولا على من
اقترف ذنباً كبيراً ولم يتب منه، ولا يرد عليهم السلام. واحتج البخاري بحديث كعب بن
مالك وفيه: نهى رسول الله عَ له عن كلامنا.
السابع: فيه استحباب: أما بعد، في المكاتبة والخطبة، وفي أول من قالها خمسة
أقوال: داود، عليه السلام. أو: قس بن ساعدة. أو: كعب بن لؤي. أو: يعرب بن قحطان. أو:
سحبان الذي يضرب به المثل في الفصاحة. الثامن: فيه أن من أدرك من أهل الكتاب نبينا -
عليه السلام - فآمن به فله أجران. التاسع: قال الخطابي: في هذا الخبر دليل على أن النهي
عن المسافرة بالقرآن إلى أرض العدو إنما هو في حمل المصحف، والسور الكثيرة دون الآية
والآيتين ونحوهما، وقال ابن بطال: إنما فعله - عليه السلام - لأنه كان في أول الإسلام، ولم
يكن بد من الدعوة العامة، وقد نهى - عليه السلام - وقال: لا تسافر بالقرآن إلى أرض العدو.
ر م۔ ۔

١٦٩
١ - كتاب بدء الوحي / باب (٦)
وقال العلماء: ولا يمكن المشركون من الدراهم التي فيها ذكر الله تعالى. قلت: كلام
الخطابي أصوب، لأنه يلزم من كلام ابن بطال النسخ، ولا يلزم من كلام الخطابي،
والحديث محمول على ما إذا خيف وقوعه في أيدي الكفار. العاشر: فيه دعاء الكفار إلى
الإسلام قبل قتالهم، وهو واجب والقتال قبله حرام إن لم تكن بلغتهم الدعوة، وإن كانت
بلغتهم فالدعاء مستحب، هذا مذهب الشافعي وفيه خلاف للجماعة ثلاثة مذاهب حكاها
المازري والقاضي عياض. أحدها: يجب الإنذار مطلقاً، قاله مالك وغيره. والثاني: لا يجب
مطلقاً. والثالث: يجب إن لم تبلغهم الدعوة، وإن بلغتهم فيستحب وبه قال نافع والحسن
والثوري والليث والشافعي وابن المنذر. قال النووي: وهو قول أكثر العلماء، وهو الصحيح.
قلت: مذهب أبي حنيفة، رضي الله عنه، أنه يستحب أن يدعو الإمام؟ من بلغته، مبالغة في
الإنذار، ولا يجب ذلك كمذهب الجمهور. الحادي عشر: فيه دليل على أن الحسب أولى
بالتقديم في أمور المسلمين ومهمات الدين والدنيا، ولذلك جعلت الخلفاء من قريش لأنه
أحوط من أن يدنسوا أحسابهم. الثاني عشر: فيه دليل لجمهور الأصوليين أن للأمر صيغة
معروفة، لأنه أتى بقول: اعبدوا الله في جواب: ما يأمركم؟ وهو من أحسن الأدلة، لأن أبا
سفيان من أهل اللسان، وكذلك الراوي عنه ابن عباس، بل هو من أفصحهم، وقد رواه عنه
مقراً له، ومذهب بعض أصحاب الشافعي: أنه مشترك بين القول والفعل بالاشتراك اللفظي،
وقال آخرون: بالاشتراك المعنوي، وهو التواطؤ بأن يكون القدر المشترك بينهما على ما عرف
في الأصول. الثالث عشر: قال بعض الشارحین: استدل به بعض أصحابنا على جواز مس
المحدث والكافر كتاباً فيه آية أو آيات يسيرة من القرآن، مع غير القرآن. قلت: قال صاحب
(الهداية): قوله عليه السلام: ((لا يقرأ الحائض والجنب شيئاً من القرآن)) بإطلاقه يتناول ما
دون الآية. أراد أنه: لا يجوز للحائض والنفساء والجنب قراءة ما دون الآية، خلافاً للطحاوي،
وخلافاً لمالك في الحائض، ثم قال: وليس لهم مس المصحف إلاّ بغلافه، ولا أخذ درهم
فيه سورة من القرآن إلاّ بصرته، ولا يمس المحدث المصحف، إلاّ بغلافه، ویکره مسه بالکم
وهو الصحيح، بخلاف الكتب الشرعية حيث يرخص في مسها بالكم، لأن فيه ضرورة، ولا
بأس بدفع المصحف إلى الصبيان، لأن في المنع تضييع حفظ القرآن، وفي الأمر بالتطهير
حرجاً لهم. هذا هو الصحيح. الرابع عشر: فيه استحباب البلاغة والإيجاز وتحري الألفاظ
الجزلة في المكاتبة، فإن قوله، عليه الصلاة والسلام: ((أسلم تسلم) في نهاية الاختصار
وغاية الإيجاز والبلاغة وجمع المعاني، مع ما فيه من بديع التجنيس. الخامس عشر: فيه
جواز المسافرة إلى أرض الكفار. السادس عشر: فيه جواز البعث إليهم بالآية من القرآن
ونحوها. السابع عشر: فيه من كان سبباً لضلالة أو منع هداية كان آثماً. الثامن عشر: فيه أن
الكذب مهجور وعيب في كل أمة. التاسع عشر: يجب الاحتراز عن العدو، لأنه لا يؤمن أن
يكذب على عدوه. العشرون: أن الرسل لا ترسل إلاَّ من أكرم الأنساب، لأن من شرف نسبه
كان أبعد من الانتحال لغير الحق. الحادي والعشرون: فيه البيان الواضح، أن صدق رسول
i
i

٠٠٠
١ - كتاب بدء الوحي / باب (٦)
١٧٠
الله عٍَّ وعلاماته كان معلوماً لأهل الكتاب علماً قطعياً، وإنما ترك الإيمان من تركه منهم عناداً
أو حسداً أو خوفاً على فوات مناصبهم في الدنيا.
وَوَاهُ صَّالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ويُونُسُ وَمَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ.
أي روى الحديث المذكور: صالح بن كيسان، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله،
عن ابن عباس. أخرجه البخاري بتمامه في كتاب الحج من طريق: إبراهيم بن سعد، عن
صالح بن كيسان به. ولكنه انتهى عند قول أبي سفيان: حتى أدخل الله علي الإسلام، ولم
يذكر قصة ابن الناطور؛ وكذا أخرجه مسلم بدونها من رواية إبراهيم المذكور. وصالح هو:
أبو محمد، ويقال أبو الحارث بن كيسان الغفاري، بكسر الغين المعجمة والفاء المخففة
وبالراء، والدوسي، بفتح الدال المهملة، مولاهم، المدني، مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز،
رضي الله عنه. سمع ابن عمر وابن الزبير وغيرهما من التابعين، وعنه من التابعين عمرو بن دينار
وغيره. سئل أحمد عنه فقال: بخ بخ. قال الحاكم: توفي وهو ابن مائة سنة ونيف وستين
سنة، وكان لقي جماعة من الصحابة، ثم بعد ذلك تلمذ عن الزهري وتلقن منه العلم وهو ابن
تسعين سنة. قال الواقدي: توفي بعد الأربعين ومائة، قال غيره: سنة خمس وأربعين. قلت:
فعلى هذا يكون أدرك النبي - عليه السلام - وعمره نحو عشرين، وفيما قاله الحاكم نظر،
وليس في الكتب الستة صالح بن كيسان غير هذا. فافهم. قوله: ((ويونس)) أي: رواه أيضاً
يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، وأخرج رواية البخاري أيضاً بهذا الاسناد في الجهاد
مختصرة من طريق الليث، وفي الاستئذان مختصرة أيضاً من طريق ابن المبارك. كلاهما عن
يونس، عن الزهري بسنده بعينه، ولم يسقه بتمامه، وقد ساقه بتمامه الطبراني من طريق عبد
الله بن صالح عن الليث، وذكر فيه قصة ابن الناطور. قوله: ((ومعمر)) أي: رواه أيضاً معمر بن
راشد، عن الزهري، وأخرج روايته أيضاً البخاري بتمامها في التفسير، فقد ظهر لك أن هؤلاء
الثلاثة عند البخاري عن أبي الیمن الحكم بن نافع، وأن الزهري إنما رواه لأصحابه بسند واحد
عن شيخ واحد، وهو: عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس، رضى الله عنهما، لا كما توهمه
الكرماني حيث يقول: إعلم أن هذه العبارة تحتمل وجهين: أن يروي البخاري عن الثلاثة
بالإسناد المذكور أيضاً، كأنه قال: أخبرنا أبو اليمان الحكم بن نافع قال: أخبرنا هؤلاء الثلاثة
عن الزهري، وأن يروي عنه بطريق آخر، كما أن الزهري أيضاً يحتمل في روايته للثلاثة أن
يروي عن عبيد الله، عن عبد الله بن عباس، وأن يروي لهم عن غيره، وهذا توهم فاسد من
وجهين: أحدهما: أن أبا اليمان لم يلحق صالح بن كيسان، ولا سمع من يونس. والآخر: لو
احتمل أن يروي الزهري هذا الحديث لهؤلاء الثلاثة، أو لبعضهم، عن شيخ آخر لكان ذلك
خلافاً قد يفضي إلى الاضطراب الموجب للضعف، وهذا إنما نشأ منه لعدم تحريره في النقل،
واعتماده من هذا الفن على العقل.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ
٢ - كِتَابُ الإِيمَانِ
أي: هذا كتاب الإيمان، فيكون ارتفاع الكتاب على أنه خبر مبتدأ محذوف، ويجوز
العکس، ويجوز نصبه على: هاك کتاب الإيمانِ، أو: خذه، ولما كان باب: كيف كان بدء
الوحي كالمقدمة في أول (الجامع) لم يذكره بالكتاب، بل ذكره بالباب، ثم شرع يذكر
الكتب على طريقة أبواب الفقه، وقدم: كتاب الإيمان، لأنه ملاك الأمر كله، إذ الباقي مبني
عليه مشروط به، وبه النجاة في الدارين، ثم أعقبه: بكتاب العلم، لأن مدار الكتب التي تأتي
بعده كلها عليه، وبه تعلم وتميز وتفصل، وإنما أخره عن الإيمان لأن الإيمان أول واجب على
المكلف، أو لأنه أفضل الأمور على الإطلاق وأشرفها. وكيف لا؟ وهو مبدأ كل خير علماً
وعملاً ومنشأ كل كمال دقاً وجلاً، فإن قلت: فلم قدم باب الوحي؟ قلت: قد ذكرت لك أن
باب الوحي كالمقدمة في أول (الجامع)، ومن شأنها أن تكون أمام المقصود، وأيضاً فالإيمان
وجميع ما يتعلق به يتوقف عليه، وشأن الموقوف عليه التقديم، أو لأن الوحي أول خبر نزل
من السماء إلى هذه الأمة، ثم ذكر بعد ذلك: كتاب الصلاة، لأنها تالية الإيمان، وثانيته في
الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة﴾ [البقرة:
٣]، وأما السنة فقوله عليه السلام: ((بني الإسلام على خمس)) ... الحديث: ولأنها عماد
الدين، والحاجة إليها ماسة لتكررها كل يوم خمس مرات، ثم أعقبها: بالزكاة، لأنها ثالثة
الإيمان، وثانية الصلاة فيهما، ولاعتناء الشارع بها لذكرها أكثر من الصوم والحج في الكتاب
والسنة، ثم أعقبها: بالحج لأن العبادة إما بدنية محضة، أو مالية محضة، أو مركبة منهما،
فرتبها على هذا الترتيب، والمفرد مقدم على المركب طبعاً، فقدمه أيضاً وضعاً ليوافق الوضع
الطبع، وأما تقديم الصلاة على الزكاة، فلما ذكرنا، ولأن الحج ورد فيه تغليظات عظيمة،
بخلاف الصوم، ولعدم سقوطه بالبدل لوجوب الإتيان به: إما مباشرة أو استنابة، بخلاف
الصوم، ثم أعقب الحج بالصوم لكونه مذكوراً في الحديث المشهور مع الأربعة المذكورة،
وفي وضع الفقهاء الصوم مقدم على الحج، نظراً إلى كثرة دورانه بالنسبة إلى الحج، وفي
بعض النسخ يوجد: كتاب الصوم، مقدماً على: كتاب الحج، كأوضاع الفقهاء، ثم أنه توج
كل واحد منها بالكتاب، ثم قسم الكتاب، إلى الأبواب، لأن كل كتاب منها تحته أنواع.
فالعادة أن يذكر كل نوع بياب، وربما يفصل كل باب بفصول كما في بعض الكتب الفقهية،
والكتاب يجمع الأبواب لأنه من الكتب وهو: الجمع، والباب هو: النوع، وأصل موضوعه
المدخل، ثم استعمل في المعاني مجازاً، ثم لفظة: الكتاب، ههنا يجوز أن تكون بمعنى
المكتوب، كالحساب بمعنى المحسوب، وهو في الأصل مصدر، تقول: كتب يكتب كتباً
١٧١
٢٠٠

١٧٢
.-.
٠٠r
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (١)
وكتابة وكتاباً، ولفظ (ك ت ب) في جميع تصرفاته راجع، إلى معنى الجمع والضم، ومنه:
الكتيبة وهي الجيش لاجتماع الفرسان فيها، وكتبت القربة إذا خرزتها، وكتبت البغلة إذا جمع
بين شفرتيها بحلقة أو سير، وكتبت الناقة تكتيباً إذا صررتها. ثم إنه يوجد في كثير من النسخ
على أول كل كتاب من الكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، وذلك عملاً بقوله لعَّ له: ((كل أمر
ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أجذم أو أقطع))، فهذا وإن كانت البسملة
مغنية عنه، لكنه كررها لزيادة الاعتناء على التمسك بالسنة، وللتبرك بابتداء اسم الله تعالى في
أول كل أمر.
١ - بابُ الإِيمانِ وقولُ النَّبِيِّ عَّهِ: ((يُنِي الإِسْلاَمُ على خَمْسٍ))
أي: هذا باب في ذكر قول النبي عَ له: ((بني الإسلام على خمس)) فيكون ارتفاع:
باب، على أنه خبر مبتدأ محذوف، ويجوز النصب على: خذ باب قول النبي عَّهِ، وفي
بعض النسخ، باب الإيمان وقول النبي عَّ له: ((بني الإسلام على خمس)). والأولى أصح، لأنه
ذكر أولاً كتاب الإيمان، ولا يناسب بعده إلاَّ الأبواب التي تدل على الأنواع، وذکر باب
الإيمان بعد ذكر كتاب الإيمان لا طائل تحته على ما لا يخفى، وليس في رواية الأصيلي ذكر
لفظ: باب، وقد أخرج قوله، عليه السلام: ((بني الإسلام على خمس)) ... الحديث، هنا
مسنداً وفي غيره أيضاً على ما نبينه عن قريب، إن شاء الله تعالى. وقال بعضهم: واقتصاره
على طرفه من تسمية الشيء باسم بعضه. قلت: لا تسمية هنا ولا إطلاق اسم بعض الشيء
على الشيء، وإنما البخاري، لما أراد أن يبوب على هذا الحديث باباً، ذكر أولاً بعضه لأجل
التبويب، واكتفى عن ذكر كله عند الباب بذكره إياه مسنداً فيما بعد، فافهم.
والكلام في الإيمان على أنواع:
الأول: في معناه اللغوي. قال الزمخشري رحمه الله: الإيمان أفعال من: الأمن، يقال:
آمنته وآمنته غيري، ثم يقال: آمنه، وحقيقته آمنه التكذيب والمخالفة، وأما تعديته بالباء
فلتضمينه معنى أقر وأعترف. وأما ما حكى أبو زيد عن العرب: ما آمنت أن أجد صحابة، أي
ما وثقت، فحقيقته صرت ذا أمن به، أي: ذا سكون وطمأنينة. وقال بعض شراح كلامه:
وحقيقة قولهم: آمنت، صرت ذا أمن وسكون، ثم ينقل إلى الوثوق ثم إلى التصديق، ولا
خفاء أن اللفظ مجاز بالنسبة إلى هذين المعنيين، لأن من آمنه التكذيب فقد صدقه، ومن
كان ذا أمن فهو في وثوق وطمأنينة، فهو انتقال من الملزوم إلى اللازم.
الثاني: في معناه باعتبار عرف الشرع: فقد اختلف أهل القبلة في مسمى الإيمان في
عرف الشرع علی أربع فرق.
فرقة: قالوا: الإيمان فعل القلب فقط، وهؤلاء قد اختلفوا على قولين: أحدهما: هو
مذهب المحققين، وإليه ذهب الأشعري وأكثر الأئمة كالقاضي عبد الجبار، والاستاذ أبي
إسحاق الإسفرايني، والحسين بن الفضل وغيرهم، أنه مجرد التصديق بالقلب أي: تصديق
وفقرة

١٣
//
١٧٣
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (١)
الرسول - عليه السلام - في كل ما علم مجيئه به بالضرورة تصديقاً جازماً مطلقاً، أي: سواء
كان لدليل أو لا. فقولهم: مجرد التصديق، إشارة إلى أنه لا يعتبر فيه كونه مقروناً بعمل
الجوارح، والتقييد بالضرورة لإخراج ما لا يعلم بالضرورة أن الرسول - عليه السلام - جاء به
کالاجتهاديات، كالتصديق بأن الله تعالى عالم بالعلم أو عالم بذاته، والتصديق بكونه مرئياً أو
غير مرئي، فإن هذين التصديقين وأمثالهما غير داخلة في مسمى الإيمان، فلهذا لا يكفر منكر
الاجتهاديات بالإجماع. والتقييد بالجازم لإخراج التصديق الظني، فإنه غير كاف في حصول
الإيمان، والتقييد بالإطلاق لدفع وهم خروج اعتقاد المقلد فإن إيمانه صحيح عند الأکثرین،
وهو الصحيح: فإن قيل: اقتصر النبي عَّ له عند سؤال جبريل - عليه السلام - عن الإيمان في
الحديث الذي رواه عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، بذكر الإيمان بالله وملائكته وكتبه
ورسله واليوم الآخر، فلم زيد عليه: الإيمان بكل ما جاء به رسول الله عَ له؟ قلت: لاشتمال
الإيمان بالكتب عليه، لأن من جملة الكتب: القرآن، وهو يدل على وجوب أخذ كل ما جاء
به - عليه السلام - باعتقاد حقيته والعمل به لقوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾
[الحشر: ٧]. والقول الثاني: إن الإيمان معرفة الله تعالى وحده بالقلب والإقرار باللسان ليس
بركن فيه ولا شرط، حتى إن من عرف الله بقلبه، ثم جحد بلسانه، ومات قبل أن يقر به فهو
مؤمن كامل الإيمان، وهو قول جهم بن صفوان، وأما معرفة الكتب والرسل واليوم الآخر فقد
زعم أنها غير داخلة في حد الإيمان، وهذا بعيد من الصواب لمخالفة ظاهر الحديث،
والصواب ما حكاه الكعبي عن جهم: أن الإيمان معرفة الله تعالى مع معرفة كل ما علم
بالضرورة کونه من دین محمد
والفرقة الثانية: قالوا: إن الإيمان عمل باللسان فقط، وهم أيضاً فريقان. الأول: إن
الإقرار باللسان هو الإيمان فقط، ولكن شرط كونه إيماناً حصول المعرفة في القلب، فالمعرفة
شرط لكون الإقرار اللساني إيماناً، لأنها داخلة في مسمى الإيمان، وهو قول غيلان بن مسلم
الدمشقي، والفضل الرقاشي. الثاني: أن الإيمان مجرد الإقرار باللسان، وهو قول الكرامية،
وزعموا أن المنافق مؤمن الظاهر كافر السريرة، فيثبت له حكم المؤمنين في الدنيا، وحكم
الكافرين في الآخرة.
والفرقة الثالثة: قالوا: إن الإيمان عمل القلب واللسان معاً، أي: في الإيمان الإستدلالي
دون الذي بين العبد وبين ربه. وقد اختلف هؤلاء على أقوال. الأول: إن الإيمان إقرار باللسان
ومعرفة بالقلب، وهو قول أبي حنيفة، وعامة الفقهاء، وبعض المتكلمين. الثاني: إن الإيمان
هو التصديق بالقلب واللسان معاً. وهو قول بشر المريسي، وأبي الحسن الأشعري. الثالث:
إن الإيمان إقرار باللسان. وإخلاص بالقلب. فإن قلت: ما حقيقة المعرفة بالقلب على قول أبي
حنيفة، رضي الله عنه؟ قلت: فسروها بشيئين: الأول: بالاعتقاد الجازم، سواء كان اعتقاداً
تقليدياً، أو كان علماً صادراً عن الدليل. وهو الأكثر والأصح، ولهذا حكموا بصحة إيمان
المقلد. الثاني: بالعلم الصادر عن الدليل، وهو الأقل، فلذلك زعموا أن إيمان المقلد غير
F
i
،٠٠٩
i
i
i
i

-.
١٧٤
٢ - كِتَابُ الإِيمانِ / باب (١)
صحيح. ثم اعلم أن لهؤلاء الفرقة اختلافاً في موضع آخر أيضاً، وهو أن الإقرار باللسان: هل
هو ركن الإيمان أم شرط له في حق إجراء الأحكام؟ قال بعضهم: هو شرط لذلك حتى إن
من صدق الرسول عَّله في جميع ما جاء به من عند الله تعالى فهو مؤمن فيما بينه وبين الله
تعالى، وإن لم يقر بلسانه. وقال حافظ الدين النسفي: هو المروي عن أبي حنيفة، رضي الله
عنه، وإليه ذهب الأشعري في أصح الروايتين، وهو قول أبي منصور الماتريدي. وقال بعضهم:
هو ركن لكنه ليس بأصلي له كالتصديق، بل هو ركن زائد، ولهذا يسقط حالة الإكراه
والعجز. وقال فخر الإسلام: إن كونه ركناً زائداً مذهب الفقهاء، وكونه شرطاً لإجراء الأحكام
مذهب المتكلمين.
والفرقة الرابعة: قالوا: إن الإيمان فعل القلب واللسان مع سائر الجوارح، وهم أصحاب
الحديث، ومالك، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي. وقال الإمام: وهو مذهب المعتزلة،
والخوارج، والزيدية.
أما أصحاب الحديث فلهم أقوال ثلاثة. الأول: إن المعرفة إيمان كامل، وهو الأصل،
ثم بعد ذلك كل طاعة إيمان على حدة، وزعموا أن الجحود وإنكار القلب كفر، ثم كل
معصية بعده كفر على حدة، ولم يجعلوا شيئاً من الطاعات إيماناً ما لم توجد المعرفة والإقرار،
ولا شيئاً من المعاصي كفراً ما لم يوجد الجحود والإنكار، لأن أصل الطاعات الإيمان، وأصل
المعاصي الكفر، والفرع لا يحصل دون ما هو أصله، وهو قول عبد الله بن سعيد. القول
الثاني: إن الإيمان اسم للطاعات كلها: فرائضها ونوافلها، وهي بجملتها إيمان واحد، وإن من
ترك شيئاً من الفرائض فقد انتقص إيمانه ومن ترك النوافل لا ينقص إيمانه. القول الثالث: إن
الإيمان اسم للفرائض دون النوافل، وأما المعتزلة فقد اتفقوا على أن الإيمان إذا عدي بالباء
فالمراد به في الشرع التصديق، يقال: آمن بالله أي: صدق. فإن الإيمان بمعنى أداء الواجبات لا
يمكن فيه هذه التعدية، لا يقال: فلان آمن بكذا إذا صلى أو صام، بل يقال: آمن لله. كما
يقال: صلى الله، فالإيمان المعدى بالباء يجري على طريق اللغة. وأما إذا ذكر مطلقاً غير
معدى، فقد اتفقوا على أنه منقول نقلاً ثانياً من معنى التصديق إلى معنى آخر. ثم اختلفوا فيه
على وجوه: أحدها: أن الإيمان عبارة عن فعل كل الطاعات، سواء كانت واجبة أو مندوبة، أو
من باب الاعتقادات، أو الأقوال والأفعال، وهو قول واصل بن عطاء، وأبي الهذيل، والقاضي
عبد الجبار. والثاني: أنه عبارة عن فعل الواجبات فقط دون النوافل، وهو قول أبي علي
الجبائي، وأبي هاشم. والثالث: أن الإيمان عبارة عن اجتناب كل ما جاء فيه الوعيد، وهو قول
النظام، ومن أصحابه من قال: شرط كونه مؤمناً، عندنا وعند الله، اجتناب كل الكبائر. وأما
الخوارج فقد اتفقوا على أن الإيمان بالله يتناول معرفة الله تعالى، ومعرفة كل ما نصب الله
عليه دليلاً عقلياً أو نقلياً، ويتناول طاعة الله تعالى في جميع ما أمر به ونهى، صغيراً كان أو
كبيراً. قالوا: مجموع هذه الأشياء هو الإيمان: ويقرب من مذهب المعتزلة مذهب الخوارج؛
ويقرب من مذهبهما ما ذهب إليه السلف وأهل الأثر أن الإيمان عبارة عن مجموع ثلاثة

١٣٤
١٧٥
٢ - كِتَّابُ الإِيمَانِ / باب (١)
أشياء: التصديق بالجنان، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان. إلاّ أن بين هذه المذاهب فرقاً،
وهو أن: من ترك شيئاً من الطاعات، سواء أكان من الأفعال أو الأقوال، خرج من الإيمان عند
المعتزلة، ولم يدخل في الكفر، بل وقع في مرتبة بينهما، يسمونها: منزلة بين المنزلتين. وعند
الخوارج: دخل في الكفر، لأن ترك كل واحدة من الطاعات كفر عندهم، وعند السلف: لم
يخرج من الإيمان. وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: وهذه أول مسألة نشأت في الاعتزال.
ونقل عن الشافعي أنه قال: الإيمان هو التصديق والإقرار والعمل، فالمخل بالأول وحده منافق،
وبالثاني وحده كافر، وبالثالث وحده فاسق ينجو من الخلود في النار ويدخل الجنة. قال
الإمام: هذا في غاية الصعوبة، لأن العمل إذا كان ركناً لا يتحقق الإيمان بدونه فغير المؤمن
كيف يخرج من النار ويدخل الجنة؟ قلت: قد أجيب عن هذا الإشكال بأن الإيمان في كلام
الشارع قد جاء بمعنى أصل الإيمان. وهو الذي لا يعتبر فيه كونه مقروناً بالعمل كما في قوله
مَ ا: ((الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله، وتؤمن بالبعث، والإسلام أن تعبد الله
ولا تشرك به، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان ... )) الحديث. وقد
جاء بمعنى الإيمان الكامل، وهو المقرون بالعمل كما في حديث وفد عبد القيس: ((أتدرون ما
الإيمان بالله وحده؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وأن محمداً
رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس)).
والإيمان بهذا المعنى هو المراد بالإيمان المنفي في قوله عَّله: ((لا يزني الزاني حين يزني
وهو مؤمن)). الحديث .. ". وهكذا كل موضع جاء بمثله، فالخلاف في المسألة لفظي، لأنه
راجع إلى تفسير الإيمان. وأنه في أي المعنيين منقول شرعي، وفي أيهما مجاز. ولا خلاف
في المعنى، فإن الإيمان المنجي من دخول النار هو الثاني باتفاق جميع المسلمين، والإيمان
المنجي من الخلود في النار هو الأول باتفاق أهل السنة، خلافاً للمعتزلة والخوارج، ومما
يدل على ذلك قوله عَ ل في حديث أبي ذر: (ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على
ذلك إلا دخل الجنة)). قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: ((وإن زنى وإن سرق ... )).
الحديث. وقوله عليه السلام: ((يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من الإيمان))،
فالحاصل أن السلف والشافعي إنما جعلوا العمل ركناً من الإيمان بالمعنى الثاني دون الأول،
وحكموا مع فوات العمل بيقاء الإيمان بالمعنى الأول، وبأنه ينجو من النار باعتبار وجوده، وإن
فات الثاني فبهذا يندفع الإشكال، فإن قلت: ما ماهية التصديق بالقلب؟ قلت: قال الإمام قولاً
حاصله: إن المراد من التصديق الحكم الذهني. بيان ذلك: أن من قال: إن العلم محدث،
ليس مدلول هذه الألفاظ كون العالم موصوفاً بالحدوث، بل حكم ذلك القائل بكون العالم
حادثاً، فالحكم بثبوت الحدوث للعالم مغاير لثبوت الحدوث له، فهذا الحكم الذهني
بالثبوت أو الانتفاء أمر يعبر عنه في كل لغة بلفظ خاص به، واختلاف الصيغ والعبارات، مع
كون الحكم الذهني أمراً واحداً، يدل على أن الحكم الذهني أمر مغاير لهذه الصيغ
والعبارات، ولأن هذه الصيغ دالة على ذلك الحكم، والدال غير المدلول. ثم نقول: هذا
٠٠
i
!
!
i
4.00

١٧٦
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (١)
الحكم الذهني غير العلم، لأن الجاهل بالشيء قد يحكم به، فعلمنا أن هذا الحكم الذهني
مغاير للعلم، فيكون المراد من التصديق هو هذا الحكم الذهني، ويعلم من هذا الكلام أن
المراد من التصديق ههنا هو التصديق المقابل للتصور. واعترض عليه صدر الشريعة بأن ذلك
غير كافٍ، فإن بعض الكفار كانوا عالمين برسالة محمد عَّ له لقوله تعالى: ﴿الذين آتيناهم
الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾ [البقرة: ١٤٦ والأنعام: ٢٠] الآية. وفرعون كان عالماً
برسالة موسى - عليه السلام - لقوله تعالى، حكاية عن خطاب موسى عليه السلام له، مشيراً
إلى المعجزات التي أوتيها: ﴿قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلاَّ رب السموات﴾ [الإسراء:
١٠٢] الآية. ومع ذلك کانوا کافرین، ولو كان ذلك كافياً لكانوا مؤمنين، لأن من صدق
بقلبه فهو مؤمن فيما بينه وبين الله تعالى، والإقرار باللسان شرط إجراء الأحكام، كما هو
مروي عن أبي حنيفة، وأصح الروايتين عن الأشعري، بل المراد به معناه اللغوي، وهو: أن
ينسب الصدق إلى المخبر اختياراً. قال: وإنما قيدنا بهذا لأنه إن وقع في القلب صدق المخبر
ضرورة، كما إذا ادعى النبي النبوة وأظهر المعجزة، ووقع صدقه في قلب أحد ضرورة من غير
أن ينسب الصدق إلى النبي عَّلل اختياراً، لا يقال في اللغة: إنه صدقه، فعلم أن المراد من
التصديق إيقاع نسبة الصدق إلى المخبر اختياراً، الذي هو الكلام النفسي، ويسمى: عقد
الإيمان، والكفار العالمون برسالة الأنبياء، عليهم السلام، إنما لم يكونوا مؤمنين لأنهم كذبوا
الرسل، فهم كافرون لعدم التصديق لهم. ولقائل أن يقول: التصديق بالمعنى اللغوي عين
التصديق المقابل للتصور، لأن إيقاع نسبة الصدق إلى المخبر هو الحكم بثبوت الصدق له،
وهو عين هذا التصديق، وإنما لم يكن الكفار العالمون برسالة الرسل مؤمنين، مع حصول
التصديق لهم، لأن من أنكر منهم رسالتهم أبطل تصديقه القلبي تكذيبه اللساني، ومن لم
ينكرها أبطله بترك الإقرار اختياراً، لأن الإقرار شرط إجراء الأحكام على رأي، كما مر؛ وركن
الإيمان حالة الاختيار على رأي، كما مر؛ فلا يدل كفرهم على أن هذا التصديق غير كاف،
ولهذا لو حصل التصديق لأحد، ومات من ساعته فجأة قبل الإقرار، يكون مؤمناً إجماعاً.
وبقي هنا شيء آخر، وهو: أن التصديق مأمور به فيكون فعلاً اختيارياً، والتصديق المقابل
للتصور ليس باختياري، كما بين في موضعه، فينبغي أن يجعل التصديق فعلاً من أفعال النفس
الاختيارية، أو يقيد بأن يكون حصوله اختياراً بمباشرة سببه المعد لحصوله، كما قيد
المعترض التصديق اللغوي بذلك، إلا أنه يلزم على هذا اختصاص التصديق بأن يكون علماً
صادراً عن الدليل.
إذا عرفت هذا فنقول: احتج المحققون بوجوه. منها: ما يدل على أن الإيمان هو
التصديق. ومنها: ما يدل على أن الإيمان بالاجتهادیات کاعتقاد كونه، عز وجل، مرئياً أو غير
مرئي ونحوه غير واجب. ومنها: ما يدل على صحة إيمان المقلد، وعدم اختصاص التصديق
بما يكون عن دليل.
القسم الأول: ثلاثة أوجه. الأول: أن الخطاب الذي توجه علينا بلفظ: آمنوا بالله، إنما
١٠٠٠

١٧٧
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (١)
هو بلسان العرب، ولم تكن العرب تعرف من لفظ الإيمان فيه إلا التصديق، والنقل عن
التصديق لم يثبت فيه، إذ لو ثبت لنقل إلينا تواتراً، واشتهر المعنى المنقول إليه لتوفر الدواعي
على نقله ومعرفة ذلك المعنى، لأنه من أكثر الألفاظ دوراً على ألسنة المسلمين، فلما لم
ينقل كذلك عرفنا أنه باقٍ على معنى التصديق. الثاني: الآيات الدالة على أن محل الإيمان
هو القلب، مثل قوله تعالى: ﴿أولئك كتب في قلوبهم الإيمان﴾ [المجادلة: ٢٢] وقوله تعالى:
﴿من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم﴾ [المائدة: ٤١] ويؤيده قوله عَ ل لأسامة،
حين قتل من قال: لا إله إلا الله، واعتذر بأنه لم يقله عن اعتقاد، بل عن خوف القتل: ((هلا
شققت عن قلبه))؟ فإن قلت: لا يلزم من كونه محل الإيمان هو القلب كون الإيمان عبارة عن
التصديق لجواز كون عبارة عن المعرفة كما ذهب إليه جهم بن صفوان. قلت: لا سبيل إلى
كونه عبارة عن المعرفة لوجهين: الأول: أن لفظ الإيمان في خطاب آمنوا بالله، مستعمل في
لسان العرب في التصديق، وأنه غير منقول عنه إلى معنى آخر، فلو كان عبارة عن المعرفة لزم
صرفه عما يفهم عند العرب إلى غيره من غير قرينة. وذلك باطل، وإلا لجاز مثله في سائر
الألفاظ، وفيه إبطال اللغات، ولزوم تطرق الخلل إلى الدلائل السمعية، وارتفاع الوثوق عليها،
وهذا خلف. الثاني: أن أهل الكتاب وفرعون كانوا عارفين بنبوة محمد وموسى، عليهما
السلام، ولم يكونوا مؤمنين لعدم التصديق، فتعين كونه عبارة عن التصديق، إذ لا قائل بثالث.
الوجه الثالث: أن الكفر ضد الإيمان، ولهذا استعمل في مقابلته، قال الله تعالى: ﴿فمن يكفر
بالطاغوت ويؤمن بالله﴾ [البقرة: ٢٥٦] والكفر: هو التكذيب والجحود، وهما يكونان
بالقلب، فكذا ما يضادهما، إذ لا تضاد عند تغاير المحلين، فثبت أن الإيمان فعل القلب، وأنه
عبارة عن التصديق، لأن ضد التكذيب التصديق. فإن قلت: جاز أن يكون حصول التكذيب
والتصديق باللسان بدون التصديق القلبي، لا وجوداً ولا عدماً، أما وجوداً: ففي المنافق، وأما
عدماً: ففي المكره بالقتل على إجراء كلمة الكفر على لسانه، إذا كان قلبه مطمئناً بالإيمان،
قال الله تعالى: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ [البقرة: ٨]
نفى عن المنافقين الإيمان مع التصديق اللساني لعدم التصديق القلبي. وقال تعالى: ﴿إلا من
أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ [النحل: ١٠٦] أباح للمكره التكذيب باللسان عند وجود
التصديق القلبي.
القسم الثاني: ثمانية أوجه: الأول: وهو ما يدل على أن الإقرار باللسان غير داخل
فيه ما أشرنا أنه لا يدل وجوده على وجود الإيمان، ولا عدمه على عدمه، فجعل شرطاً لاجراء
الأحكام، لأن الأصل في الأحكام أن تكون مبنية على الأمور الظاهرة إذا كانت أسبابها الحقيقية
خفية لا يمكن الاطلاع عليها إلاَّ بعسر، وأن تقام هي مقامها، كما في: السفر مع المشقة،
والتقاء الختانين مع الإنزال، فكذلك ههنا لما كان التصديق القلبي الذي هو مناط الأحكام
الإسلامية أمراً باطناً، جعل دليله الظاهر وهو الإقرار بالقلب قائماً مقامه، لأن الموضوع للدلالة
على المعاني الحاصلة في القلب إذا قصد الإعلام بها على ما هو الأصل إنما هي العبارة لا
عمدة القارى / ١٢ - ١٢٠
"العارية )
i
٠ جوة
i
i
i
i
i

١٧٨
٢ - کِتابُ الإِيمَانِ / باب (١)
الإشارة والكتابة وأمثالهما، فيحكم بإيمان من تلفظ بكلمتي الشهادة، سواء تحقق معه
التصديق القلبي أو لا، ويحكم بكفر من لم يتلفظ بهما مع تمكنه، سواء كان معه التصديق
القلبي أو لا. ومن جعله ركناً فإنما جعله ركناً أيضاً لدلالته على التصديق لا لخصوص كونه
إقراراً. ألا ترى أن الكافر إذا صلى بجماعة يحكم بإسلامه، وتجري عليه أحكام أهل الإيمان
عند أبي حنيفة وأصحابه، خلافاً للشافعي، لأن الصلاة بالجماعة أيضاً جعلت دليلاً على تحقق
الإيمان لِقوله عَّةِ: ((من صلى صلاتنا واستقبل قبلتا فهو منا))أي: الصلاة المختصة بنا،
وهي: الصلاة بالجماعة، بخلاف الصلاة منفرداً، وسائر العبادات لعدم اختصاصها بملتنا، هذا
كله في الإيمان الاستدلالي الذي تجري عليه الأحكام، وأما الإيمان الذي يجري بين العبد
وبین ربه، فإنه يتحقق بدون الإقرار فيمن عرف الله تعالى وسائر ما يجب الإيمان به بالدليل،
واعتقد ثبوتها ومات قبل أن يجد من الوقت قدر ما يتلفظ بكلمتي الشهادة، أو وجده لكنه لم
يتلفظ بهما، فإنه يحكم بأنه مؤمن لقوله عَّله: ((يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة
من الإيمان). وهذا قلبه مملوء من الإيمان، فكيف لا يكون مؤمناً؟ فإن قيل: يلزم من هذا أن
لا يكون الإقرار باللسان معتبراً في الإيمان وهو خلاف الإجماع، لأن الإجماع منعقد على أنه
معتبر، وإنما الخلاف في كونه ركناً أو شرطاً. قلت: منع الغزالي هذا الإجماع وحكم بكونه
مؤمناً، وأن الامتناع عن النطق يجري مجرى المعاصي التي يؤتى بها مع الإيمان، ومن كلامه
يفهم جواز ترك الإقرار حالة الاختيار أيضاً في الجملة، وهو بمعنى ثان لكونه ركناً زائداً.
الثاني: أنه يدل على أن أعمال سائر الجوارح غير داخلة فيه، لأنه عطف العمل
الصالح على الإيمان في قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات
الفردوس نزلا﴾ [الكهف: ١٠٧] وقوله: ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾ [البقرة: ٣] الآية. وقوله:
﴿إنما يعمر مساجد الله﴾ [التوبة: ١٨] الآية. فهذه كلها تدل على خروجه عنه إذ لو دخل فيه
يلزم من عطفه عليه التكرار من غير فائدة.
الثالث: مقارنته بضد العمل الصالح، كما في قوله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين
اقتتلوا﴾ [الحجرات: ٩] الآية. ووجه دلالته على المطلوب أنه لا يجوز مقارنة الشيء بضد
جزئه.
الرابع: قوله تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ [الأنعام: ٨٢] أي: لم
يخلطوه بارتكاب المحرمات، ولو كانت الطاعة داخلة في الإيمان لكان الظلم منفياً عن
الإيمان، لأن ضد جزء الشيء يكون منفياً عنه، وإلاَّ يلزم اجتماع الضدين، فيكون عطف
الاجتناب منها عليه تكراراً بلا فائدة.
الخامس: أنه تعالى جعل الإيمان شرطاً لصحة العمل، قال الله تعالى: ﴿واصلحوا ذات
بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين﴾ [الأنفال: ١] وقال الله تعالى: ﴿ومن يعمل من
الصالحات وهو مؤمن﴾ [طه: ١١٢] وشرط الشيء يكون خارجاً عن ماهيته.

١٣٠
٠٣٠
١٧٩
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (١)
السادس: أنه تعالى خاطب عباده باسم الإيمان، ثم كلفهم بالأعمال کما في آيات
الصوم والصلاة والوضوء، وذلك يدل على خروج العمل من مفهوم الإيمان، وإلاّ يلزم التكليف
بتحصيل الحاصل.
السابع: أن النبي عَّالدِ، اقتصر عند سؤال جبريل - عليه السلام - عن الإيمان بذكر
التصدیق حیث قال: ((الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث)» ثم قال
في آخره: ((هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم)). ولو كان الإيمان اسماً للتصديق مع شيء
آخر كان النبي عَِّ مقصراً في الجواب، وكان جبريل - عليه السلام - آتيا ليلبس عليهم أمر
دینهم لا ليعلمهم إياه.
الثامن: أنه تعالى أمر المؤمنين بالتوبة في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذي آمنوا توبوا إلى الله
توبة﴾ [التحريم: ٨] وقوله تعالى: ﴿وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون﴾ [النور: ٣١] وهذا
يدل على صحة اجتماع الإيمان مع المعصية، لأن التوبة لا تكون إلاَّ من المعصية، والشيء لا
يجتمع مع ضد جزئه.
القسم الثالث: وجه واحد: وهو أنه - عليه السلام - كان يحكم بإيمان من لم يخطر
بياله كونه تعالى عالماً بذاته، أو: بالعلم، أو: كونه عالماً بالجزئيات على الوجه الكلي أو
على الوجه الجزئي، ولو كان التصديق بأمثال ذلك معتبراً في تحقق الإيمان، لما حكم النبي
مَالآخِ بإيمان مثله.
القسم الرابع: وجهان: وتقريرهما موقوف على تحرير المسألة. أولاً: وهي متفرعة
على إطلاق التصديق في تعريف الإيمان فنقول: قال أهل السنة: من اعتقد أركان الدين من:
التوحيد والنبوة والصلاة والزكاة والصوم والحج تقليداً، فإن اعتقد مع ذلك جواز ورود شبهة
عليها، وقال: لا آمن ورود شبهة يفسدها، فهو كافر. وإن لم يعتقد جواز ذلك، بل جزم على
ذلك الاعتقاد، فقد اختلفوا فيه: فمنهم من قال: إنه مؤمن، وإن كان عاصياً بترك النظر
والاستدلال المؤديين إلى معرفة قواعد الدين كسائر فساق المسلمين، وهو في مشيئة الله
تعالى، إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة، وإن شاء عذبه بقدر ذنبه وعاقبة أمره الجنة لا محالة،
وهو مذهب: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، والأوزاعي، والثوري، وأهل
الظاهر، وعبد الله بن سعيد القطان، والحارث بن أسد، وعبد العزيز بن يحيى المكي، وأكثر
المتكلمين. وقال عامة المعتزلة: إنه ليس بمؤمن ولا كافر. وقال أبو هاشم: إنه كافر، فعندهم
إنما يحكم بإيمانه إذا عرف ما يجب الإيمان به من أصول الدين بالدليل العقلي على وجه يمكنه
مجادلة الخصوم، وحل جميع ما يورد عليه من الشبه، حتى إذا عجز عن شيء من ذلك لم
يحكم بإسلامه. وقال الأشعري وقوم من المتكلمين: لا يستحق أن يطلق عله اسم الإيمان إلاّ
بعد أن يعرف كل مسألة من مسائل أصول الدين بدليل عقلي، غير أن الشرط أن يعرف ذلك
بقلبه، سواء أحسن العبارة عنه أو لا، يعني: لا يشترط أن يقدر على التعبير عن الدليل بلسانه
ویبینه مرتباً موجهاً. وقالوا: هذا، وإن لم یکن مؤمناً عندنا على الإطلاق، لكنه ليس بكافر
i
ICY
أ جوة
١٨٠

١٨٠
٢ - کِتابُ الإِيمانِ / باب (١)
أيضاً لوجود ما يضاد الكفر فيه وهو التصديق، وقالوا: وإنما قيدنا الدليل بالعقلي لأنه لا يجوز
الاستدلال في إثبات أصول الدين بالدليل السمعي، لأن ثبوت الدليل السمعي موقوف على
ثبوت وجود الصانع والنبوة. فلو أثبت وجود الصانع والنبوة به لزم الدور. والمراد من التقليد
هو: اعتقاد حقية قول الغير على وجه الجزم من غير أن يعرف دليله. وإذا عرف هذا جئنا إلى
بیان وجهي المذهب الأصح:
الأول: أن المقلد مأمور بالإيمان، وقد ثبت أن الإيمان هو التصديق القلبي، وقد أتى به،
فيكون مؤمناً، وإن لم يعرف الدليل. ونظير هذا الاحتجاج ما روي أن أبا حنيفة، رحمه الله
تعالى، لما قيل له: ما بال أقوام يقولون: يدخل المؤمن النار؟ فقال: لا يدخل النار إلاّ
المؤمن. فقيل له: والكافر؟ فقال: كلهم مؤمنون يومئذٍ، كذا ذكره في الفقه الأكبر، فقد جعل
الكفار مؤمنين في الآخرة لوجود التصديق منهم، والكافر أيضاً عند الموت يصير مؤمناً، لأنه
بمعاينة ملك الموت، وأمارات عذاب الآخرة يضطر إلى التصديق، إلاَّ أن الإيمان في الآخرة،
وعند معاينة العذاب لا يفيد حصول ثواب الآخرة، ولا يندفع به عقوبة الكفر، وهذا هو المعنى
من قول العلماء: إن إيمان اليأس لا يصح. أي: لا ينفع، ولا يقبل، لا أنه لا يتحقق، إذ حقيقة
الإيمان التصديق، وهو يتحقق إذ الحقائق لا تتبدل بالأحوال، وإنما يتبدل الاعتبار والأحكام.
الثاني: أن النبي ◌َّ له كان يعد من صدقه في جميع ما جاء به من عند الله مؤمناً، ولا.
يشتغل بتعليمه من الدلائل العقلية في المسائل الاعتقادية مقدار ما يستدل به مستدل، ويناظر
به الخصوم، ويذب عن حريم الدين، ويقدر على حل ما يورد عليه من الشبه، ولا بتعليم
كيفية النظر والاستدلال وتأليف القياسات العقلية، وطرق المناظرة والإلزام، وكذا أبو بكر
الصديق، رضي الله عنه، قبل إيمان من آمن من أهل الردة ولم يعلمهم الدلائل التي يصيرون
بها مستبصرين من طرق العقل، وكذا عمر، رضي الله عنه، لما فتح سواد العراق، قبل هو
وعماله إيمان من كان بها من الزط والأنباط، وهما صنفان من الناس مع قلة أذهانهم وبلادة
أفهامهم، وصرفهم أعمارهم في الفلاحة وضرب المعاول وكري الأنهار والجداول، ولو لم
يكن إيمان المقلد معتبراً لفقد شرطه، وهو الاستدلال العقلي، لاشتغلوا بأحد أمرين: إما
بالإعراض عن قبول إسلامهم، أو بنصب متكلم حاذق بصير بالأدلة، عالم بكيفية المحاجة:
ليعلمهم صناعة الكلام حتى يحكموا بإيمانهم، ولما امتنعوا عن كل واحد من هذين الأمرين،
وامتنع أيضاً كل من قام مقامهم إلى يومنا هذا عن ذلك، ظهر أن ما ذهب إليه الخصم باطل،
لأنه خلاف صنيع رسول الله عَ لله وأصحابه العظام، وغيرهم من الأئمة الأعلام.
النوع الثالث: في أن الإيمان هل يزيد وينقص، وهو أيضاً من فروع اختلافهم في
حقيقة الإيمان، فقال بعض من ذهب إلى أن الإيمان هو التصديق: إن حقيقة التصديق شيء
واحد لا يقبل الزيادة والنقصان، وقال آخرون: أنه لا يقبل النقصان. لأنه لو نقص لا يبقى
إيماناً، ولكن يقبل الزيادة، لقوله تعالى: ﴿وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً﴾ [الأنفال: ٢]
ونحوها من الآيات. وقال الداودي: سئل مالك عن نقص الإيمان، وقال: قد ذكر الله تعالى
مے