Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (٢) وفي شرح الإيضاح استشهد به أبو علي على قوله: الرجلة مؤنث الرجل، وقول الفقهاء: الرجل: كل ذكر من بني آدم جاوز حد البلوغ منقوض به، وبإطلاق الرجل على الصغير أيضاً في قوله تعالى: ﴿وإن كان رجل يورث كلالة﴾ [النساء: ١٢]. قوله: ((وإن جبينه))، الجبين: طرف الجبهة وللإنسان جبينان يكتنفان الجبهة، ويقال الجبين غير الجبهة وهو فوق الصدغ، وهما جبينان عن يمين الجبهة وشمالها. قوله: ((ليتفصد))، بالفاء والصاد المهملة، أي: يسيل، من التفصد وهو: السيلان، ومنه: الفصد وهو قطع العرق الإسالة الدم. قوله: ((عرقا)) بفتح الراء وهو: الرطوبة التي تترشح من مسام البدن. بيان الصرف: قوله: ((أشده علي)): الأشد أفعل التفضيل من شد يشد. قوله: ((فيفصم) من: فصم يفصم فصماً. من باب: ضرب يضرب، ولما كانت الفاء من الحروف الرخوة، قالت الاشتقاقيون: الفصم هو القطع بلا إبانة، والقاف لما كانت من الحروف الشديدة والقلقلة التي فيها ضغط وشدة قالوا: القصم بالقاف هو القطع بإبانة، واعتبروا في المعنيين المناسبة. قوله: ((الملك)). أصله: ملأك، تركت الهمزة لكثرة الاستعمال، واشتقاقه من الألوكة وهي: الرسالة. يقال ألكني إليه: أي: أرسلني. ومنه سمي: الملك، لأنه رسول من الله تعالى، وجمعه ملائكة. قال الزمخشري: الملائكة جمع ملأك، على وزن الأصل، كالشمائل: جمع شمأل، وإلحاق التاء التأنيث الجمع. قلت: إنما قال كذلك حتى لا يظن أنه جمع: ملك، لأن وزنه: فعل، وهو لا يجمع على فعائل، ولكن أصله ملأك، ولما أريد جمعه رُد إلى أصله، كما إن الشمائل: وهي الرياح، جمع: شمأل، بالهمز في الأصل، لا جمع شمال، لأن فعالاً لا يجمع على فعائل. وفي (العباب): الألوك والألوكة والمألكة والمألك: الرسالة، وإنما سميت الرسالة الألوكة لأنها تولك في الفم من قول العرب: الفرس يألك اللجام ألكاً، أي: يعلكه علكاً. وقال ابن عباد: قد يكون الألوك: الرسول؛ وقال الصغاني: والتركيب يدل على تحمل الرسالة. قوله: ((وعيت)) من: وعاه إذا حفظه، يعيه وعياً، فهو واعٍ، وذاك موعى، وأذن واعية. بيان الإعراب: قوله: ((رسول الله) منصوب لأنه مفعول: سأل. وقوله: ((الوحي). بالرفع، فاعل يأتيك. قوله: ((أحياناً) نصب على الظرف، والعامل فيه قوله: ((يأتيني)) مؤخراً. قوله: ((مثل)) بالنصب، قال الكرماني: هو حال. أي: يأتيني مشابهاً صوته صلصلة الجرس، قلت: ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف، أي: يأتيني إتياناً مثل صلصلة الجرس، ويجوز فيه الرفع من حيث العربية لا من حيث الرواية، والتقدير: هو مثل صلصلة الجرس. قوله: ((وهو أشده) الواو فيه للحال. قوله: ((فيفصم)) عطف على قوله: ((يأتيني))، والفاء من جملة حروف العطف كما علم في موضعها، ولكن تفيد ثلاثة أمور: الترتيب: إما معنوي كما في قام زيد فعمرو، وإما ذكري وهو عطف مفصل على مجمل نحو: ﴿فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه﴾ [البقرة: ٣٦] والتعقيب: وهو في كل شيء بحسبه، والسببية وذلك i ـسوف i عمدة القارى / ١٢ - م٦ ٨٢ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (٢) غالب في العاطفة جملة أو صفة، نحو: ﴿فوكزه موسى فقضى عليه﴾ [القصص: ١٥] و﴿لآكلون من شجر من زقوم فمالؤون منها البطون فشاربون عليه من الحميم﴾ [الواقعة: ٥٢ - ٥٤]. قوله: «وقد وعیت»: الواو للحال، وقد علم أن الماضي إذا وقع حالاً يجوز فيه الواو وتركه، ولكنه لا بد من: قد، إما ظاهرة أو مقدرة، وههنا جاء بالواو وبقد ظاهرة، والمقدرة بلا واو، نحو قوله تعالى: ﴿أو جاؤوكم حصرت صدورهم﴾ [النساء: ٩٠] والتقدير: قد حصرت. قوله: (ما قال)) جملة في محل النصب لأنها مفعول لقوله: ((وقد وعيت)) وكلمة: ما، موصولة. وقوله: ((قال)) جملة صلتها، والعائد محذوف تقديره: ما قاله. واعلم أن الجملة لاحظَّ لها من الإعراب إلاّ إذا وقعت موقع المفرد، وذلك بحكم الاستقراء في ستة مواضع: خبراً لمبتدأ وخبر باب إن، وخبر باب كان، والمفعول الثاني من باب حسبت، وصفة النكرة، والحال. قوله: ((وأحياناً): عطف على أحياناً الأولى. قوله: ((الملك)»: بالرفع فاعل لقوله: يتمثل. وقوله: ((لي)) اللام فيه للتعليل، أي: لأجلي، ويجوز أن يكون بمعنى: عند، أي: يتمثل عندي الملك رجلاً. كما في قولك: كتبت لخمس خلون. قوله: ((رجلاً)): نصب على أنه تمييز، قاله أكثر الشراح، وفيه نظر، لأن التمييز ما يرفع الإبهام المستقر عن ذات مذكورة، أو مقدرة، فالأول نحو: عندي رطل زيتاً، والثاني نحو طاب زيد نفساً. قالوا: والفرق بينهما أن زيتاً رفع الإبهام عن رطل، ونفساً لم يرفع إبهاماً لا عن طاب ولا عن زيد إذ لا إبهام فيهما، بل رفع إبهام ما حصل من نسبته إليه، وههنا لا يجوز أن يكون من القسم الأول وهو ظاهر، ولا من الثاني لأن قوله: ((يتمثل» ليس فيه إبهام، ولا في قوله: ((الملك)) ولا في نسبة التمثل إلى الملك، فإذن قولهم: هذا نصب على التمييز غير صحيح بل الصواب أن يقال: إنه منصوب بنزع الخافض، وإن المعنى: يتصور لي الملك تصور رجل، فلما حذف المضاف المنصوب بالمصدرية أقيم المضاف إليه مقامه؛ وأشار الكرماني إلى جواز انتصابه بالمفعولية إن ضمن تمثل معنى: اتخذ، أي: اتخذ الملك رجلاً مثالاً، وهذا أيضاً بعيد من جهة المعنى على ما لا يخفى، وإلى انتصابه بالحالية. ثم قال: فإن قلت: الحال لا بد أن يكون دالاً على الهيئة، والرجل ليس بهيئة قلت: معناه على هيئة رجل، انتهى. قلت: الأحوال التي تقع من غير المشتقات لا تؤول بمثل هذا التأويل، وإنما تؤول من لفظها كما في قولك: هذا بسراً أطيب منه رطباً، والتقدير: متبسراً ومترطباً، وأيضاً قالوا: الاسم الدال على الاستمرار لا يقع حالاً، وإن كان مشتقاً نحو: أسود وأحمر، لأنه وصف ثابت، فمن عرف زيداً عرف أنه أسود، وأيضاً الحال في المعنى خبر عن صاحبه، فيلزم أن يصدق عليه، والرجل لا يصدق على الملك. قوله: ((فيكلمني)) الفاء فيه وفي قوله: ((فأعي)) للعطف المشير إلى التعقيب. قوله: (ما يقول): جملة في محل النصب على أنه مفعول لقوله: ((فأعي))، والعائد إلى الموصول محذوف تقديره: ما يقوله. قوله: ((قالت عائشة)): يحتمل وجهين: أحدهما: أن ٨٣ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (٢) يكون معطوفاً على الإسناد الأول بدون حرف العطف كما هو مذهب بعض النحاة صرح به ابن مالك، فحينئذٍ يكون حديث عائشة مسنداً، والآخر: أن يكون كلاماً برأسه غير مشارك للأول، فعلى هذا يكون هذا من تعليقات البخاري، قد ذكره تأكيداً بأمر الشدة، وتأييداً له على ما هو عادته في تراجم الأبواب، حيث يذكر ما وقع له من قرآن أو سنة مساعداً لها، ونفى بعضهم أن يكون هذا من التعاليق، ولم يقم عليه دليلاً. فنفيه منفي إذ الأصل في العطف أن يكون بالأداة، وما نص عليه ابن مالك غير مشهور بخلاف ما عليه الجمهور. قوله: ((ولقد رأيت)) الواو: للقسم، واللام: للتأكيد، وقد: للتحقيق، ورأيت: بمعنى أبصرت، فلذلك اكتفى بمفعول واحد. قوله: ((ينزل عليه الوحي)) جملة وقعت حالاً، وقد علم أن المضارع إذا كان مثبتاً ووقع حالاً لا يسوغ فيه الواو، وإن كان منفياً جاز فيه الأمران. قوله: ((الشديد)) صفة جرت على غير من هي له، لأنه صفة البرد لا اليوم. قوله: ((فيفصم)) عطف على قوله: ينزل. قوله: ((عرقاً) نصب على التمييز. بيان المعاني: قوله: ((كيف يأتيك الوحي))؟ فيه مجاز عقلي، وهو إسناد الإتيان إلى الوحي، كما في: أنبت الربيعُ البقلَ، لأن الإنبات لله تعالى لا للربيع، وهو إسناد الفعل أو معناه إلى ملابس له غير ما هو له عند المتكلم في الظاهر، ويسمى هذا القسم أيضاً مجازاً في الإسناد، وأصله كيف يأتيك حامل الوحي؟ فأسند إلى الوحي للملابسة التي بين الحامل والمحمول؛ وفيه من المؤكدات: واو القسم، أكدت به عائشة، رضي الله عنها، ما قاله، عليه الصلاة والسلام، من قوله: ((وهو أشده علي)). ولام التأكيد، وقد، التي وضعها للتحقيق في مثل هذا الموضع، كما في نحو قوله تعالى: ﴿قد أفلح من زكاها﴾ [الشمس: ٩] وذلك لأن مرادها الإشارة إلى كثرة معاناته، عليه الصلاة والسلام، التعب والكرب عند نزول الوحي، وذلك لأنه، عليه الصلاة والسلام، كان إذا ورد عليه الوحي يجد له مشقة ويغشاه الكرب لثقل ما يلقى عليه. قال تعالى: ﴿إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً﴾ [المزمل: ٥]. ولذلك كان يعتريه مثل حال المحموم كما روي: ((أنه كان يأخذه عند الوحي الرحضاء)» أي: البهر والعرق من الشدة، وأكثر ما يسمى به عرق الحمى، ولذلك كان جبينه يتفصد عرقاً كما يفصد، وإنما كان ذلك ليبلو صبره، ويحسن تأديبه فيرتاض لاحتمال ما كلفه من أعباء النبوة. وقد ذكر البخاري في حديث يعلى بن أمية: ((فأدخل رأسه فإذا رسول الله عَّ لِ محمر الوجه وهو يغط، ثم سري عنه) ومنه في حديث عبادة بن الصامت، رضي الله عنه، قال: «كان نبي الله، عليه الصلاة والسلام، إذا أنزل عليه كرب لذلك وتربد وجهه)). وفي حديث الإفك (قالت عائشة، رضي الله عنها: فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي، حتى إنه لينحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل القول الذي أنزل عليه)). قلت: الرحضاء، بضم الراء وفتح الحاء المهملة وبالضاد المعجمة الممدودة: العرق في أثر الحمى؛ والبهر، بالضم: تتابع النفس، وبالفتح: المصدر. قوله: ((يغط)) من الغطيط وهو: صوت يخرجه النائم مع نفسه. قوله: ((تربَّد)) بتشديد الباء الموحدة، أي: تغيَّر لونه. قوله: ((البرحاء)»، بضم الباء i ٠٣٠ حرة ٨٤ ٠٣٢ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (٢) الموحدة وفتح الراء وبالحاء المهملة الممدودة، وهو: شدة الكرب وشدة الحمى أيضاً. قوله: ((مثل الجمان))، بضم الجيم وتخفيف الميم: جمع جمانة، وهي حبة تعمل من فضة كالدرة. بيان البيان: فيه استعارة بالكناية، وهو أن يكون الوحي مشبهاً برجل مثلاً. ويضاف إلى المشبه الإتيان الذي هو من خواص المشبه به، والاستعارة بالكناية أن يكون المذكور من طرفي التشبيه هو المشبه ويراد به المشبه به، هذا الذي مال إليه السكاكي، وإن نظر فيه القزويني. وفيه تشبيه الجبين بالعرق المقصود مبالغة في كثرة العرق، ولذلك وقع عرقاً تمييزاً لأنه توضيح بعد إبهام، وتفصيل بعد إجمال، وكذلك يدل على المبالغة باب: التفعل، لأن أصله وضع للمبالغة والتشديد، ومعناه أن الفاعل يتعانى ذلك الفعل ليحصل بمعاناته: كتشجع، إذ معناه: استعمل الشجاعة وكلف نفسه إياها ليحصلها. الأسئلة والأجوبة: الأول: ما قيل: إن السؤال عن كيفية إتيان الوحي والجواب على النوع الثاني من كيفية الحامل للوحي؟ وأجيب: بأنا لا نسلم أن السؤال عن كيفية إتيان الوحي، بل عن كيفية حامله، ولئن سلمنا فبيان كيفية الحامل مشعر بكيفية الوحي حيث قال: ((فيكلمني))، أي: تارة يكون كالصلصلة، وتارة يكون كلاماً صريحاً ظاهر الفهم والدلالة. قلت: بل نسلم أن السؤال عن كيفية إتيان الوحي لأن بلفظة: كيف، يسأل عن حال الشيء. فإذا قلت: كيف زيد؟ معناه أصحيح أم سقيم. والجواب أيضاً مطابق لأنه قال: ((أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس)). غاية ما في الباب أن الجواب عن السؤال مع زيادة، لأن السائل سأل عن كيفية إتيان الوحي، وبينه، عليه الصلاة والسلام، بقوله: ((يأتيني مثل صلصلة الجرس)) مع بيان حامل الوحي أيضاً بقوله: ((وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني)). وإنما زاد على الجواب لأنه ربما فهم من السائل أنه يعود يسأل عن كيفية حامل الوحي أيضاً، فأجابه عن ذلك قبل أن يحوجه إلى السؤال. فافهم، الثاني: ما قيل: لِمَ قال في الأول: ((وعيت ما قال)) بلفظ الماضي، وفي الثاني ((فأعي ما يقول)) بلفظ المضارع؟ وأجيب: بأن الوعي في الأول حصل قبل الفصم ولا يتصور بعده، وفي الثاني: الوعي حال المكالمة ولا يتصور قبلها، أو لأنه كان الوعي في الأول عند غلبة التلبس بالصفات الملكية، فإذا عاد إلى حالته الجبلية كان حافظاً، فأخبر عن الماضي. بخلاف الثاني فإنه على حالته المعهودة. أو يقال لفظة: قد، تقرب الماضي إلى الحال. وأعي فعل مضارع للحال، فهذا لما كان صريحاً يحفظه في الحال، وذلك يقرب من أن يحفظه، إذ يحتاج فيه إلى استثبات. الثالث: ما قیل: إن أبا داود قد روی من حديث عمر، رضي الله عنه: «كنا نسمع عنده مثل دوي النحل)). وههنا يقول: ((مثل صلصلة الجرس)) وبينهما تفاوت؟ وأجيب: بأن ذلك بالنسبة إلى الصحابة، وهذا بالنسبة إلى النبي، عليه الصلاة والسلام. الرابع: ما قيل: كيف مثل بصلصلة الجرس وقد كره صحبته في السفر لأنه مزمار الشيطان؟ كما أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان؟ وقيل: كرهه لأنه يدل على أصحابه بصوته، وكان يجب أن لا يعلم العدو به حتى يأتيهم فجأة، حكاه ابن الأثير. قلت: يحتمل ٠٠٠ * :/ /٣٠ ٨٥ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (٢) أن تكون الكراهة بعد إخباره عن كيفية الوحي. الخامس: ما قيل: ذكر في هذا الحديث حالتين من أحوال الوحي وهما: مثل صلصلة الجرس، وتمثل الملك رجلاً، ولم يذكر الرؤيا في النوم مع إعلامه لنا أن رؤياه حق. أجيب: من وجھین: أحدهما: أن الرؤيا الصالحة قد يشركه فيها غيره بخلاف الأولين. والآخر: لعله علم أن قصد السائل بسؤاله ما خص به، ولا يعرف إلاَّ من جهته. وقال بعضهم: كان عند السؤال نزول الوحي على هذين الوجهين، إذ الوحي على سبيل الرؤيا إنما كان في أول البعثة، لأن أول ما بدىء رسول الله عَّه، من الوحي الرؤيا، ثم حبب إليه الخلاء كما روي في الحديث، وقيل: ذلك في ستة أشهر فقط، وقال آخرون: كانت الموجودة من الرؤيا بعد إرسال الملك منغمرة في الوحي فلم تحسب، ويقال: كان السؤال عن كيفية الوحي في حال اليقظة. i E حدة. السادس: ما قيل: ما وجه الحصر في القسمين المذكورين؟ أجيب: بأن سنة الله لما جرت من أنه: لا بد من مناسبة بين القائل والسامع حتى يصح بينها التحاور والتعليم والتعلم، فتلك المناسبة إما باتصاف السامع بوصف القائل بغلبة الروحانية عليه، وهو النوع الأول. أو باتصاف القائل بوصف السامع وهو النوع الثاني. السابع: ما قيل: ما الحكمة في ضربه عَّه في الجواب بالمثل المذكور؟ أجيب: بأنه عن الله كان معتنياً بالبلاغة، مكاشفاً بالعلوم الغيبية، وكان يوفر على الأمة حصتهم بقدر الاستعداد، فإذا أريد أن ينبئهم بما لا عهد لهم به من تلك العلوم صاغ لها أمثلة من عالم الشهادة ليعرفوا بما شاهدوه ما لم يشاهدوه، فلما سأله الصحابي عن كيفية الوحي، وكان ذلك من المسائل العويصة، ضرب لها في الشاهد مثلاً بالصوت المتدارك الذي يسمع ولا يفهم منه شيء تنبيهاً على أن إتيانها يرد على القلب في لبسة الجلال فيأخذ هيبة الخطاب حين ورودها بمجامع القلوب، ويلاقي من ثقل القول ما لا علم له بالقول مع وجود ذلك، فإذا كشف عنه وجد القول المنزل بيناً، فيلقى في الروع واقعاً موقع المسموع، وهذا معنى قوله: ((فيفصم عني)). وهذا الضرب من الوحي شبيه بما يوحى إلى الملائكة، على ما رواه أبو هريرة عن النبي عَّلهُ: ((إذا قضى الله في السماء أمراً ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كأنها سلسلة على الحجر ﴿فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير﴾)) [سبأ: ٢٣]. هذا، وقد تبين لنا من هذا الحديث أن الوحي كان يأتيه على صفتين: أولاهما أشد من الأخرى، وذلك لأنه كان يرد فيهما من الطباع البشرية إلى الأوضاع الملكية، فيوحى إليه كما يوحى إلى الملائكة. والأخرى يرد فيها الملك إلى شكل البشر وشاكلته، وكانت هذه أيسر. الثامن: ما قيل: من المراد من الملك في قوله: ((يتمثل لي الملك رجلاً))؟ أجيب: i جود i ٨٦ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (٢) بأنه جبريل - عليه السلام - لأن اللام فيه للعهد. ولقائل أن يقول: لِمَ لا يجوز أن يكون المراد به إسرافیل - علیه السلام - لأنه قرن بنبوته ثلاث سنین، کما ذکرنا؟ فإن عورض بأن إسرافيل لم ينزل القرآن قط، وإنما كان ينزل بالكلمة من الوحي. أجيب: بأنه لم يذكر ههنا شيء من نزول القرآن، وإنما الملك الذي نزل بالقرآن هو المذكور في الحديث الآتي حيث قال: «فجاءه الملك فقال له اقرأ)) الحديث. ولقد حضرت يوماً مجلس حديث بالقاهرة، وكان فيه جماعة من الفضلاء، لا سيما من المنتسبين إلى معرفة علم الحديث، فقرأ القارىء من أول البخاري حتى وصل إلى قوله: ((فجاءه الملك فقال له اقرأ)) فسألتهم عن الملك من هو؟ فقالوا: جبريل - عليه السلام - فقلت: ما الدليل على ذلك من النقل؟ فتحيروا، ثم تصدى واحد منهم فقال: لا نعلم ملكاً نزل عليه، عليه الصلاة والسلام، غیر جبريل. قلت: قد نزل عليه إسرافيل - عليه السلام - ثلاث سنين، كما رواه أحمد في (مسنده) كما ذكرناه؟ فعند ذلك قال: قال الله عز وجل: ﴿نزل به الروح الأمين﴾ [الشعراء: ١٩٣] أي: بالقرآن، والروح الأمين: هو جبريل، عليه السلام. قلت: قد سمي: بالروح، غير جبريل، قال الله تعالى: ﴿يوم يقوم الروح والملائكة صفا﴾ [النبأ: ٣٨] وعن ابن عباس: هو ملك من أعظم الملائكة خلقاً، فأفحم عند ذلك. فقلت: جبريل قد تميز عنه بصفة الأمانة، لأن الله تعالى سماه أميناً، وسمى ذلك الملك روحاً فقط، على أنه قد روي عن الشعبي، وسعيد بن جبير، والضحاك أن المراد بالروح في قوله تعالى: ﴿يوم يقوم الروح﴾ [النبأ: ٣٨] هو: جبريل، عليه السلام. فقال: من أين علمنا أن المراد من الروح الأمين هو جبريل، عليه السلام؟ قلت: بتفسير المفسرين من الصحابة والتابعين، وتفسيرهم محمول على السماع، لأن العقل لا مجال فيه. على أن من جملة أسباب العلم الخبر المتواتر، وقد تواترت الأخبار من لدن النبي معَّ له، إلى يومنا هذا، أن الذي نزل بالقرآن على نبينا - عليه السلام - هو جبريل - عليه السلام - من غير نكير منكر، ولا رد راد، حتی عرف بذ کر أهل الکتاب من اليهود والنصارى. وروي أن عبد الله بن صوریا من أحبار فدك، حاج رسول الله عَّله وسأله عمن يهبط عليه بالوحي؟ فقال: جبريل، فقال: ذاك عدونا، ولو كان غيره لآمنا بك، وقد عادانا مراراً، وأشدها أنه أنزل على نبينا أن بيت المقدس سیخربه بختنصر، فبعثنا من يقتله، فلقيه ببابل غلاماً مسكيناً، فدفع عنه جبريل، وقال: إن كان ربكم أمره بهلاككم فإنه لا يسلطكم عليه، وإن لم يكن إياه فعلى أي حق تقتلونه؟ فنزل قوله تعالى: ﴿قل من كان عدواً لجبريل﴾ [البقرة: ٩٧] الآية. وروي أنه كان لعمر، رضي الله عنه، أرض بأعلى المدينة، وكان ممره على مدارس اليهود، فكان يجلس إليهم ويسمع كلامهم، فقالوا: يا عمر، قد أحببناك، وإنا لنطمع فيك. فقال: والله لا أجيبكم لحبكم، ولا أسألكم لأني شاك في ديني، وإنما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد عَّهِ، وأرى إثارة في كتابكم، ثم سألهم عن جبريل فقالوا: ذلك عدونا، يطلع محمداً على أسرارنا، وهو صاحب كل خسف وعذاب. ويؤيد ما ذكرنا ما روي مرفوعاً ((إذا أراد الله أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي، أخذت السماء منه رجفة، أو قال: رعدة شديدة، خوفاً من الله ٨٧ ١ - کتاب بدء الوحي / باب (٢) تعالى، فإذا سمع ذلك أهل السموات صعقوا وخروا لله سجداً، فيكون أول ما يرفع رأسه جبريل - عليه السلام - فيكلمه من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل - عليه السلام - على الملائكة، كلما مر على سماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ قال: ﴿الحق وهو العلي الكبير﴾ [سبأ: ٢٣] فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل - عليه السلام - حيث أمره الله تعالی). التاسع: ما قيل: كيف كان سماع النبي صَّه والملك الوحي من الله تعالى؟ أجيب: بأن الغزالي، رحمه الله تعالى، قال: وسماع النبي والملك، عليهما السلام، الوحي من الله تعالى بغير واسطة يستحيل أن يكون بحرف أو صوت، لكن يكون بخلق الله تعالى للسامع علماً ضرورياً بثلاثة أمور: بالمتكلم، وبأن ما سمعه كلامه، وبمراده من كلامه والقدرة الأزلية لا تقصر عن اضطرار التبي والملك إلی العلم بذلك، و کما أن کلامہ تعالی لیس من جنس كلام البشر، فسماعه الذي يخلقه لعبده ليس من جنس سماع الأصوات، ولذلك عسر علينا فهم كيفية سماع موسى، عليه الصلاة والسلام، لكلامه تعالى، الذي ليس بحرف ولا صوت، كما يعسر على الأكمه كيفية إدراك البصر للألوان، أما سماعه، عليه الصلاة والسلام، فيحتمل أن يكون بحرف وصوت دال على معنى كلام الله تعالى، فالمسموع الأصوات الحادثة وهي فعل الملك دون نفس الكلام، ولا يكون هذا سماعاً لكلام الله تعالى من غير واسطة، وإن كان يطلق عليه: إنه سماع كلام الله تعالى، وسماع الأمة من الرسول، عليه الصلاة والسلام، كنتماع الرسول من الملك، وطريق الفهم فيه تقديم المعرفة بوضع اللغة التي تقع بها المخاطبة. وحكى القرافي، خلافاً للعلماء في ابتداء الوحي، هل كان جبريل - عليه السلام - ينقل له ملك عن الله عز وجل؟ أو يخلق له علم ضروري بأن الله تعالى طلب منه أن يأتي محمداً، أو غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بسورة كذا؟ أو خلق له علماً ضرورياً بأن يأتي اللوح المحفوظ فينقل منه كذا؟ العاشر: ما قيل: ما حقيقة تمثل جبريل، عليه الصلاة والسلام، له رجلاً؟ أجيب: بأنه يحتمل أن الله تعالى أفنى الزائد من خلقه، ثم أعاده عليه، ويحتمل أن يزيله عنه ثم يعيده إليه بعد التبليغ، نبه على ذلك إمام الحرمين. وأما التداخل فلا يصح على مذهب أهل الحق. الحادي عشر: ما قيل: إذا لقي جبريل النبي، عليه الصلاة والسلام، في صورة دحية، فأين تكون روحه؟ فإن كان في الجسد الذي له ستمائة جناح، فالذي أتى لا روح جبريل ولا جسده، وإن كان في هذا الذي هو في صورة دحية، فهل يموت الجسد العظيم أم يبقى خالياً من الروح المتنقلة عنه إلى الجسد المشبه بجسد دحية؟ أجيب: بأنه لا يبعد أن لا يكون انتقالها موجب موته، فيبقى الجسد حياً لا ينقص من مفارقته شيء، ويكون انتقال روحه إلى الجسد الثاني كانتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طير خضر، وموت الأجساد بمفارقة الأرواح ليس بواجب عقلاً، بل بعادة أجراها الله تعالى في بني آدم، فلا يلزم في غيرهم. i i توجد مـ تاجوم ٠٠٠٠ : جود مجم ١ - كتاب بدء الوحي / باب (٣) ٨٨ الثاني عشر: ما قيل: ما الحكمة في الشدة المذكورة؟ أجيب: لأن يحسن حفظه، أو يكون لابتلاء صبره، أو للخوف من التقصير. وقال الخطابي: هي شدة الامتحان ليبلو صبره، ويحسن تأديبه فيرتاض لاحتمال ما كلف من أعباء النبوة، أو ذلك لما يستشعره من الخوف لوقوع تقصیر فیما أمر به من حسن ضبطه، أو اعتراض خلل دونه، وقد أنزل عليه، عليه الصلاة والسلام، بما ترتاع له النفوس، ويعظم به وجل القلوب، في قوله تعالى: ﴿ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦]. الثالث عشر: ما قيل: ما وجه سؤال الصحابة عنه، عليه الصلاة والسلام، عن كيفية الوحي؟ أجيب: بأنه إنما كان لطلب الطمأنينة، فلا يقدح ذلك فيهم، وكانوا يسألونه، عليه الصلاة والسلام، عن الأمور التي لا تدرك بالحس فيخبرهم بها، ولا ينكر ذلك عليهم. استنباط الأحكام: وهو على وجوه: الأول: فيه إثبات الملائكة رداً على من أنكرهم من الملاحدة والفلاسفة. الثاني: فيه أن الصحابة كانوا يسألونه عن كثير من المعاني، وكان - عليه السلام - یجمعهم ویعلمهم، و کانت طائفة تسأل وأخرى تحفظ وتؤدي وتبلغ حتى أكمل الله تعالى دينه. الثالث: فيه دلالة على أن الملك له قدرة على التشكل بما شاء من الصور. ٣ - باب ٣/٣ - حدثنا يَحيِىَ منُ بُكَيْرٍ قال: حدَّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلِ عِنْ ابْنِ شِهَابٍ عنْ عُرْوَةَ بن الزُّبَيْرِ عنْ عَائِشَةَ أمّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالتْ: أَوَّلُ مَا بُدِىءٍ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ عََّلِ مِنَ الوَخِي الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكانَ لاَ يَرَى رُؤْيا إِلاَّ جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصَّبْحِ ثُمَّ حُبَّبَ إِلَيْهِ الخَلاءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَّيْتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِّ، قَبْلَ أَنْ يَتْرِعَ إِلى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلى خَدِيجَةٍ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِها، حَتَّىٍ جَاءَّةُ الْحَقُّ وَهُوَ في غارِ حِراءٍ، فَجَاءَهُ المَلَكُ فَقالَ: اقْرَأْ. قالَ: ((مَا أَنَا بِقارِىء). قالَ: ((فَأَخَذَنِي فَقَطْنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثمّ أَزْسَلَنِي فَقالَ: اقْرَأْ قُلتُ: مَا أَنَا بِقَارِيٍ. فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَبِي فَقالَ: اقْرَأْ. فَقُلْتُ: ما أَنَا بِقَارِيٍ. فَأَخَذَنِي فَقَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَزْسَلَيْي فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبَّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ . اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾)) [العلق: ١ - ٣] فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللهِ عَّ ◌َه يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِئْتِ ◌ُوَيْلِدٍ - رضِيَ الله عنها - فقالَ (زَمَّلوني زمَّلوني)) فَزَمَّلُوهُ حتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوُ فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وأَخْبَرَهَا الْخَبْرَ: ((لَقَدْ خَشِيتُ عِلى نَفْسِي). فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلاَّ والله ما يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَداً إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحمِلُ الْكَلِّ وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقّ، فانْطَلَقَتْ بِهِ حَدِيجَة حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَّةَ بْنَ تَوْفَلِ بنِ أَسَدِ بنِ عَبْدِ الْعُزَّى - ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةً - وكانَ آمْرَأَ تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكتُبُ الكِتَابَ العِبْرانيَّ فيَكتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَن يَكْتُبَ، وكانَ شَيْخَاً كَبِيراً قَدْ عَمِيَ، فَقَالتْ لَهُ خَدِیجٌ: يا ابْنَ عَمَّ! اسْمَغْ مِنِ ابنِ 115 ٨٩ ١ - کتاب بدء الوحي / باب (٣) أَخِيكَ. فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ عَ لَّهِ خَبَرَ مَا رَأَى فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ على مُوسىَ، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعاً، لَيْتَنِي أَكونُ حَيَاً إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكِ. فقالَ رَسُولُ اللهِعَ لَهُ: ((أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟)) قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلٍ مَا جِئْتَ بِهِ إِلاَّ عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْراً مُؤَزَّراً ثمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرِقَةُ أَنْ تُؤُفِّيَ، وَفَتَرَ الوَخيّ. [الحديث ٣ - أطرافه في: ٣٣٩٢، ٤٩٥٣، ٤٩٥٥، ٤٩٥٦، ٤٩٥٧، ٦٩٨٢]. قالَ ابنُ شِهابٍ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةُ ابْنُ عَبْدِ الرَّحمنِ أَنّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيَّ قال - وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحِي - ، فقالَ فِي حَدِيثِهِ: ((بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتاً مِنَ السَّماءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِراءٍ جَالسٌ على كُزْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ، فَرُعِبْتُ منهُ فَرَجَعْتُ فَقُلتُ: زَمِّلونِيٍ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ١ - ٢] إِلى قوله ﴿وَالرُّجْزَ فاهْجُزْ﴾ [المدثر: ٣]. فَحَمِيَ الوَخِيُّ وتَتَابَع)). تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ وَأَبُو صَالِحٍ، وَتَابَعَهُ هِلالُ بْنُ رَدَّدٍ عن الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ: (بَوَادِرُهُ)). [الحديث ٤ - أطرافه في: ٣٢٣٨، ٤٩٢٢، ٤٩٢٣، ٤٩٢٤، ٤٩٢٥، ٤٩٢٦، ٤٩٥٤، ٦٢١٤]. هذا الحديث من مراسيل الصحابة، رضي الله عنهم، فإن عائشة، رضي الله عنها، لم تدرك هذه القضية، فتكون سمعتها من النبي صَّلل أو من صحابي. وقال ابن الصلاح وغيره: ما رواه ابن عباس، رضى الله عنهما، وغيره من أحداث الصحابة، مما لم يحضروه ولم يدركوه، فهو في حكم الموصول المسند، لأن روايتهم عن الصحابة، وجهالة الصحابي غير قادحة. وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني: لا يحتج به، إلاّ أن يقول: إنه لا يروى إلاّ عن صحابي. قال النووي: والصواب الأول، وهو مذهب الشافعي والجمهور. وقال الطيبي: الظاهر أنها سمعت من النبي عَّلَّهِ لقولها: ((قال: فأخذني فغطني)) فيكون قولها: ((أول ما بدىء به رسول الله عٌَّ)) حكاية ما تلفظ به، عليه الصلاة والسلام، كقوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا ستغلبون﴾ [آل عمران: ١٢] بالتاء والياء، قلت: لِمَ لا يجوز أن يكون هذا بطريق الحكاية عن غيره، عليه الصلاة والسلام، فلا يكون سماعها منه، عليه الصلاة والسلام؟ وعلى كل تقدير، فالحديث في حكم المتصل المسند. بيان رجاله: وهم ستة. الأول: أبو زكريا يحيى بن عبد الله بن بكير، بضم الباء الموحدة، القرشي المخزومي المصري، نسبه البخاري إلى جده، يدلسه، ولد سنة أربع، وقيل: خمس وخمسين ومائة، وتوفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين، وهو من كبار حفاظ المصریین، وأثبت الناس في الليث بن سعد، روى البخاري عنه في مواضع، وروى عن محمد بن عبد الله هو الذهلي عنه في مواضع، قاله أبو نصر الكلاباذي، وقال المقدسي: تارة يقول: حدثنا محمد، ولا يزيد عليه، وتارة محمد بن عبد الله، وإنما هو: محمد بن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذؤيب الذهلي، وتارة ينسبه إلى جده، فيقول: محمد بن عبد الله، وتارة ٠٠٠٠ **** ٩٠ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (٣) محمد بن خالد بن فارس، ولم يقل في موضع: حدثنا محمد بن یحیی. وروى مسلم: حدثنا عن أبي زرعة، عن يحيى. وروى ابن ماجه عن رجل عنه. قال أبو حاتم: كان يفهم هذا الشأن، ولا يحتج به، يكتب حديثه. وقال النسائي: ليس بثقة. ووثقه غيرهما وقال الدارقطني: عندي ما به بأس. وأخرج له مسلم عن الليث وعن يعقوب بن عبد الرحمن، ولم يخرج له عن مالك شيئاً، ولعله، والله أعلم، لقول الباجي: وقد تكلم أهل الحديث في سماعه (الموطأ) عن مالك، مع أن جماعة قالوا: هو أحد من روى (الموطأ) عن مالك. الثاني: الليث بن سعد بن عبد الرحمن، أبو الحارث الفهمي، مولاهم، المصري، عالم أهل مصر من تابعي التابعين، مولى عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الفهمي، وقيل: مولى خالد بن ثابت، وفهم من قيس غيلان، ولد بقلقشندة على نحو أربع فراسخ من القاهرة سنة ثلاث أو أربع وتسعين، ومات في شعبان سنة خمس وسبعين مائة، وقبره في قرافة مصر یزار. وكان إماماً كبيراً مجمعاً على جلالته وثقته وكرمه، وكان على مذهب الإمام أبي حنيفة، قاله القاضي ابن خلكان؛ وليس في الكتب الستة من اسمه: الليث بن سعد، سواه، نعم في الرواة ثلاثة غيره: أحدهم: مصري وكنيته أبو الحارث أيضاً. وهو ابن أخي سعيد بن الحكم. والثاني: یروي عن ابن وهب، ذکرهما ابن يونس في تاريخ مصر. والثالث: تنيسي حدث عن بکر بن سهل. الثالث: أبو خالد عقيل، بضم العين المهملة وفتح القاف، ابن خالد بن عقيل، بفتح العين، الأيلي، بالمثناة تحت، القرشي الأموي، مولى عثمان بن عفان، الحافظ، مات سنة إحدى وأربعين ومائة، وقيل: سنة أربع بمصر فجأة، وليس في الكتب الستة من اسمه: عقيل، بضم العين غيره. الرابع: هو الإمام أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي، الزهري المدني، سكن الشام، وهو تابعي صغير، سمع: أنساً وربيعة بن عباد وخلقاً من الصحابة، ورأى ابن عمر، وروى عنه، ويقال: سمع منه حديثين، وعنه جماعات من كبار التابعين، منهم: عطاء وعمر بن عبد العزيز ومن صغارهم، ومن الأتباع أيضاً، مات بالشام وأوصى بأن يدفن على الطريق بقرية يقال لها: شغب وبدا في رمضان سنة أربع وعشرين ومائة وهو ابن اثنين وسبعين سنة، قلت: شغب، بفتح الشين وسكون الغين المعجمتين وفي آخره باء موحدة، وبدا، بفتح الباء الموحدة. الخامس: عروة بن الزبير بن العوام. السادس: عائشة أم المؤمنين، وقد مر ذكرهما. بيان لطائف إسناده: منها أن هذا الإسناد على شرط الستة إلاّ يحيى، فعلى شرط البخاري ومسلم. ومنها: أن رجاله ما بين مصري ومدني. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، وهما الزهري وعروة. ٦١٣٣ No ٩١ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (٣) بيان تعدد الحديث ومن أخرجه غيره: هذا الحديث أخرجه البخاري أيضاً في التفسير والتعبير. عن: عبد الله بن محمد، عن عبد الرزاق، عن معمر، وفي التفسير عن: سعيد بن مروان، عن محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة، عن أبي صالح سلمويه، عن ابن المبارك، عن يونس. وفي الإيمان عن: أبي رافع عن عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الملك، عن أبيه، عن جده، عن عقيل. وعن: أبي الطاهر، عن أبي وهب، عن يونس كلهم، عن الزهري. وأخرجه مسلم في الإيمان. والترمذي والنسائي في التفسير. بيان اللغات: قوله: ((أول ما بدىء به)) قد ذكر بعضهم أول الشيء في باب: أول، وبعضهم في باب: وأل، وذكره الصغاني في هذا الباب، وقال الأول نقيض الآخر، وأصله أوأل على وزن: أفعل، مهموز الوسط قلبت الهمزة واواً وأدغمت الواو في الواو، ويدل على هذا قولهم: هذا أول منك، والجمع: الأوائل والأوالىء على القلب، وقال قوم: أصله وول على وزن: فوعل فقلبت الواو الأولى همزة، وإنما لم يجمع على: أواول لاستثقالهم اجتماع واوين بينهما ألف الجمع، وهو إذا جعلته صفة لم تصرفه. تقول: لقيته عاماً أول، وإذا لم تجعله صفة صرفته تقول: لقيته عاماً أولاً. قال ابن السكيت: ولا تقل عام الأول. وقال أبو زيد: يقال: لقيته عام الأول، ويوم الأول بجر آخره، وهو كقولك: أتيت مسجد الجامع. وقال الأزهري: هذا من باب إضافة الشيء إلى نعته. قوله: ((بدىء به)) من بدأت بالشيء بدأ ابتدأت به، وبدأت الشيء فعلته ابتداء، وبدأ الله الخلق وأبدأهم بمعنى. قوله: (من الوحي)) قد مر تفسير الوحي مستوفى. قوله: ((الرؤيا)) على وزن: فعلى كحبلى، يقال: رأى رؤيا بلا تنوين وجمعها رؤىّ بالتنوين على وزن دعى. قوله: ((فلق الصبح)) بفتح الفاء واللام، وهو: ضياء الصبح، قال ابن عباس، رضي الله عنهما، في قوله تعالى: ﴿فالق الإصباح﴾ [الأنعام: ٩٦]: ضوء الشمس وضوء القمر بالليل، حكاه البخاري في كتاب التعبير، ويقال: الفلق، مصدر كالانفلاق، وفي (المطالع) قال الخليل: الفلق: الصبح، قلت: فعلى هذا تكون الإضافة فيه للتخصيص والبيان، ويقال: الفلق الصبح لكنه لما كان مستعملاً في هذا المعنى وفي غيره أضيف إليه إضافة العام إلى الخاص. كقولهم: عين الشيء ونفسه. وفي (العباب) يقال: هو أبين من فلق الصبح، ومن فرق الصبح، ومنه حديث عائشة رضي الله عنها: ((أول ما بدىء به رسول الله -َ الرؤيا الصالحة وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح)) أي: مبينة مثل مجيء الصبح. قال الكرماني: والصحيح أنه بمعنى المفلوق، وهو اسم للصبح، فأضيف أحدهما إلى الآخر لاختلاف اللفظين، وقد جاء الفلق منفرداً عن الصبح قال تعالى: ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ [الفلق: ١] قلت: تنصيصه على الصحيح غير صحيح، بل الصحيح أنه إما اسم للصبح وجوزت الإضافة فيه لاختلاف اللفظين، وإما مصدر بمعنى الانفلاق: وهو الانشقاق من فلقت الشيء أفلقه، بالكسر، فلقاً إذا شققته، وأما الغلق في الآية فقد اختلفت الأقوال فيه. قوله: (الخلاء)) بالمد، وهو: الخلوة، يقال: خلا الشيء يخلو خلواً، وخلوت به خلوة وخلاء، ٠ ٠٠٠ ے i ٩٢ :٢٥. ١ - کتاب بدء الوحي / باب (٣) والمناسب ههنا أن يفسر الخلاء بمعنى الاختلاء أو بالخلاء الذي هو المكان الذي لا شيء به على ما لا يخفى على من له ذوق من المعاني الدقيقة. قوله: ((بغار حراء)» الغار بالغين المعجمة، فسره جميع شراح البخاري بأنه النقب في الجبل، وهو قريب من معنى الكهف. قلت: الغار هو الكهف، وفي (العباب) الغار كالكهف في الجبل، ويجمع على غيران، ويصغر على غوير، فتصغيره يدل على أنه واوي، فلذلك ذكره في (العباب) في فصل: غور، وحراء، بكسر الحاء وتخفيف الراء بالمد، وهو مصروف على الصحيح، ومنهم من منع صرفه، ويذكر على الصحيح أيضاً، ومنهم من أنثه، ومنهم من قصره أيضاً، فهذه: ست لغات. قال القاضي عياض: يمد ويقصر، ويذكر ويؤنث، ويصرف ولا يصرف، والتذكير أكثر، فمن ذكره صرفه، ومن أنثه لم يصرفه، يعني على إرادة البقعة أو الجهة التي فيها الجبل. وضبطه الأصيلي بفتح الحاء والقصر، وهو غريب. وقال الخطابي: العوام يخطئون في حراء في ثلاثة مواضع: يفتحون الحاء وهي مكسورة، ويكسرون الراء وهي مفتوحة، ويقصرون الألف وهي ممدودة. وقال التيمي: العامة لحنت في ثلاثة مواضع: فتح الحاء، وقصر الألف، وترك صرفه وهو مصروف في الاختيار لأنه اسم جبل. وقال الكرماني: إذا جمعنا بين كلاميهما يلزم اللحن في أربعة مواضع، وهو من الغرائب إذ بعدد كل حرف لحن. ولقائل أن يقول: كسر الراء ليس بلحن لأنه بطريق الإمالة: وهو جبل بينه وبين مكة نحو ثلاثة أميال عن يسارك إذا سرت إلى منى، له قلة مشرفة إلى الكعبة منحنية. وذكر الكلبي أن حراء وثبير سميا باسمي ابني عم عاد الأولى. قلت: ثبير، بفتح الثاء المثلثة وكسر الباء الموحدة بعدها الياء آخر الحروف، وهو جبل يرى من منى والمزدلفة. قوله: ((فيتحنث))، بالحاء المهملة ثم النون ثم الثاء المثلثة، وقد فسره في الحديث بأنه التعبد، وقال الصغاني: التحنث إلقاء الحنث. يقال: تحنث أي: تنحى عن الحنث، وتأثم أي: تنحى عن الإثم، وتحرج أي: تنحى عن الحرج. وتحنث اعتزل الأصنام مثل: تحنف. وفي (المطالع) يتحنث معناه: يطرح الإثم عن نفسه بفعل ما يخرج عنه من البر، ومنه قول حكيم: أشياء كنت أتحنث، وفي رواية: كنت أتبرر بها، أي: أطلب البر بها وأطرح الإثم. وقول عائشة، رضي الله تعالى عنها؛ ((ولا أتحنث إلى نذري)» أي: أكتسب الحنث وهو الذنب، وهذا عكس ما تقدم. وقال الخطابي: ونظيره في الكلام: التحوب والتأثم، أي: ألقى الحوب والإثم عن نفسه. قالوا: وليس في كلامهم تفعل في هذا المعنى غير هذه. وقال الكرماني: هذه شهادة نفي، كيف وقد ثبت في الكتب الصرفية أن باب: تفعل، يجيء للتجنب كثيراً نحو: تحرج وتخون، أي: أجتنب الحرج والخيانة وغير ذلك؟ قلت: جاءت منه ألفاظ نحو: تحنث وتأثم وتحرج وتحوب وتهجد وتنجس وتقذر وتحنف. وقال الثعلبي: فلان يتهجد إذا كان يخرج من الهجود، وتنجس إذا فعل فعلاً يخرج به عن النجاسة. وقال أبو المعالي في (المنتهى): تحنث تعبد مثل تحنف، وفلان يتحنث من كذا بمعنى: يتأثم فيه، وهو أحد ما جاء تفعل إذا تجنب وألقى عن نفسه. وقال السهيلي: التحنث التبرر، تفعل من البر، وتفعل يقتضي الدخول في الشيء وهو الأكثر ٩٣ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (٣) فيها مثل: تفقه وتعبد وتنسك، وقد جاءت ألفاظ يسيرة تعطي الخروج عن الشيء وأطراحه: كالتأثم والتحرج والتحنث، بالثاء المثلثة، لأنه من الحنث، والحنث: الحمل الثقيل، وكذلك التقذر إنما هو تباعد عن القذر، وأما التحنف بالفاء فهو من باب التعبد. وقال المازري: يتحنث يفعل فعلاً يخرج به من الحنث، والحنث: الذنب. وقال التيمي: هذا من المشكلات، ولا يهتدي له سوى الحذاق. وسئل ابن الأعرابي عن ((يتحنث)) فقال: لا أعرفه. وسألت أبا عمرو الشيباني فقال: لا أعرف يتحنث، إنما هو يتحنف من الحنيفية دين إبراهيم، عليه السلام. قلت: قد وقع في سيرة ابن هشام: يتحنف بالفاء. قوله: ((قبل أن ينزع إلى أهله)) بكسر الزاي أي: قبل أن يرجع، وقد رواه مسلم. كذلك يقال: نزع إلى أهله إذا حن إليهم فرجع إليهم، يقال: هل نزعك غيره؟ أي: هل جاء بك وجذبك إلى السفر غيره؟ أي: غير الحج؟ وناقة نازع إذا حنت إلى أوطانها ومرعاها، وهو من: نزع ينزع بالفتح في الماضي، والكسر في المستقبل، وقال صاحب (الأفعال): والأصل في فعل يفعل إذا كان صحيحاً، وكانت عينه أو لامه حرف حلق أن يكون مضارعه مفتوحاً إلاَّ أفعالاً يسيرة جاءت بالفتح والضم مثل: جنح يجنح، ودبغ يدبغ، وإلاَّ ما جاء من قولهم: نزع ينزع، بالفتح والكسر، وهنا يهنىء؛ وقال غيره: هنأني الطعام يهنأني ويهنأني بالفتح والكسر. قلت: قاعدة عند الصرفيين أن كل مادة تكون من: فعل يفعل، بالفتح فيهما يلزم أن يكون فيها حرف من حروف الحلق، وكل مادة من الماضي والمضارع فيهما حرف من حروف الحلق لا يلزم أن يكون من باب: فعل يفعل بالفتح فيهما، فافهم. والأهل: في اللغة: العيال، وفي (العباب) آل الرجل: أهله وعياله، وآله أيضاً: اتباعه. وقال أنس، رضي الله عنه: سئل رسول الله عَّله: ((من آل محمد؟ قال: كل تقي)) والفرق بين الآل والأهل أن الآل يستعمل في الأشراف بخلاف الأهل فإنه أعم. وأما قوله تعالى: ﴿كدأب آل فرعون﴾ [آل عمران: ١١ والأنفال: ٥٢ و٥٤] فلتصوره بصورة الأشراف، وقال ابن عرفة: أراد من آل فرعون: من آل إليه بدين أو مذهب أو نسب، ومنه قوله تعالى: ﴿ادخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾ [غافر: ٤٦] قوله: ((ويتزود)» من التزود وهو: اتخاذ الزاد، والزاد هو: الطعام الذي يستصحبه المسافر. يقال: زودته فتزود. قوله: ((فغطني)) بالغين المعجمة والطاء المهملة، أي: ضغطني وعصرني، يقال: غطني وغشيني وضغطني وعسرني وغمزني وخنقني، كله بمعنى. قال الخطابي: ومنه الغط في الماء، وغطيط النائم: ترديد النفس إذا لم يجد مساغاً عند انضمام الشفتين، والغت: حبس النفس مرة وإمساك اليد أو الثوب على الفم والأنف، والغط: الخنق وتغييب الرأس في الماء. قال الخطابي: والغط في الحديث: الخنق. قوله: ((الجهد)) بضم الجيم وفتحها ومعناه: الغاية والمشقة، وفي (المحكم): الجهد، والجهد: الطاقة. وقيل: الجهد المشقة والجهد الطاقة. وفي (الموعب) الجهد: ما جهد الإنسان من مرض أو من مشاق، والجهد بلوغك غاية الأمر الذي لا تألو عن الجهد فيه، وجهدته: بلغت مشقته، وأجهدته على أن يفعل كذا. وقال ابن دريد: جهدته: حملته على أن يبلغ مجهوده، وقال ابن الأعرابي: جهد في العمل وأجهد. وقال أبو عمرو: i ٩٤ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (٣) أجهد في حاجتي وجهد. وقال الأصمعي: جهدت لك نفسي، وأجهدت نفسي. قوله: ((ثم أرسلني)) أي: أطلقني من الإرسال. قوله: ((علق)) بتحريك اللام، وهو الدم الغليظ، والقطعة منه علقة. قوله: ((يرجف فؤاده» أي: يخفق ويضطرب، والرجفان شدة الحركة والاضطراب، وفي (المحكم) رجف الشيء يرجف رجفاً ورجوفاً ورجفاناً ورجيفاً، وأرجف: خفق واضطرب اضطراباً شديداً، والفؤاد هو: القلب. وقيل: إنه عين القلب، وقيل: باطن القلب، وقيل: غشاء القلب، وسمي القلب: قلباً لتقلبه. وقال الليث: القلب: مضغة من الفؤاد معلقة بالنياط، وسمي قلباً لتقلبه. قوله: ((زملوني زملوني)). هكذا هو في الروايات بالتكرار، وهو من التزميل وهو: التلفيف، والتزمل: الاشتمال والتلفف، ومنه: التدثر، ويقال لكل ما يلقى على الثوب الذي يلي الجسد: دثار، وأصل المزمل والمدثر: المتزمل والمتدثر، أدغمت التاء فيما بعدها. قوله: ((الروع)، بفتح الراء، وهو: الفزع، وفي (المحكم): الروع والرواع والتروع: الفزع. وقال الهروي، وهو بالضم: موضع الفزع من القلب. قوله: ((كلا)) معناه النفي والردع عن ذلك الكلام، والمراد ههنا: التنزيه عنه، وهو أحد معانيها. وقد يكون بمعنى: حقاً أو بمعنى إلاّ التي للتنبيه يستفتح بها الكلام، وقد جاءت في القرآن على أقسام جمعها ابن الأنباري في باب: من كتاب (الوقف والابتداء) له، وهي مركبة عند ثعلب من: كاف التشبيه ولا النافية، قال: وإنما شددت لامها لتقوية المعنى ولدفع توهم بقاء معنى الكلمتين، وعند غيره: هي بسيطة، وعند سيبويه، والخليل، والمبرد، والزجاج، وأكثر البصريين: حرف معناه الردع والزجر لا معنى لها عندهم إلاَّ ذلك حتى يجيزون أبداً الوقف عليها والابتداء بما بعدها؛ وحتى قال جماعة منهم: متى سمعت: كلا، في سورة فاحكم بأنها مكية، لأن فيها معنى التهديد والوعيد، وأكثر ما نزل ذلك بمكة، لأن أكثر العتوّ كان بها. قالوا: وقد تكون حرف جواب بمنزلة: أي ونعم، وحملوا عليه ﴿كلا والقمر﴾ [المدثر: ٣٢] فقالوا: معناه: أي والقمر. قوله: ((ما يخزيك الله)) بضم الياء آخر الحروف وبالخاء المعجمة، من: الخزي وهو: الفضيحة والهوان. وأصل الخزي، على ما ذكره ابن سيده: الوقوع في بلية وشهوة بذلة، وأخزى الله فلاناً: أبعده. قاله في (الجامع). وفي رواية مسلم من طريق معمر، عن الزهري: ((يحزنك))، بالحاء المهملة وبالنون، من: الحزن. ويجوز على هذا فتح الياء وضمها، يقال: حزنه وأحزنه، لغتان فصيحتان قرىء بهما في السبع، وقال اليزيدي: أحزنه، لغة تميم. وحزنه، لغة قريش. قال تعالى: ﴿لا يحزنهم الفزع الأكبر﴾ [الأنبياء: ١٠٣] من حزن، وقال: ﴿ليحزنني أن تذهبوا به﴾ [يوسف: ١٣] من أحزن، على قراءة من قرأ بضم الياء، والحزن خلاف السرور، يقال: حزن، بالكسر، يحزن حزناً إذا اغتم، وحزنه غيره وأحزنه مثل: شكله وأشكله، وحكي عن أبي عمرو أنه قال: إذا جاء الحزن في موضع نصب فتحت الحاء، وإذا جاء في موضع رفع وجر ضممت، وقرىء ﴿وابيضت عيناه من الحزن﴾ [يوسف: ٨٤] وقال: ﴿تفيض من الدمع حزناً﴾ [التوبة: ٩٢] قال الخطابي: وأكثر الناس لا يفرقون بين الهم والحزن، وهما على اختلافهما يتقاربان في المعنى، إلا أن الحزن إنما يكون على أمر قد وقع، والهم إنما هو فيما 90 ١ - کتاب بدء الوحى / باب (٣) يتوقع، ولا يكون بعد. قوله: ((لتصل الرحم)) قال القزاز: وصل رحمه صلة، واصله وصلة، فحذفت الواو. كما قالوا: زنة من وزن، وأصل: صل، هو أمر من: وصل أوصل، حذفت الواو تبعاً لفعله فاستغني عن الهمزة فحذفت، فصار: صل، على وزن: على، ومعنى: لتصل الرحم تحسن إلى قراباتك على حسب حال الواصل والموصول إليه، فتارة تكون بالمال، وتارة تكون بالخدمة، وتارة بالزيارة والسلام، وغير ذلك. والرحم: القرابة، وكذلك الرحم بكسر الراء. قوله: ((وتحمل الكل)) بفتح الكاف وتشديد اللام، وأصله: الثقل، ومنه قوله تعالى: ﴿وهو كل على مولاه﴾ [النحل: ٧٦] وأصله من الكلال وهو: الإعياء، أي: ترفع الثقل. أراد: تعين الضعيف المنقطع. ويدخل في حمل الكل: الإنفاق على الضعيف واليتيم والعيال وغير ذلك، لأن الكَلَّ: من لا يستقل بأمره، وقال الداودي: الكل: المنقطع. قوله: ((وتكسب المعدوم)) بفتح التاء، هو المشهور الصحيح في الرواية والمعروف في اللغة، وروي بضمها، وفي معنى المضموم قولان: أصحهما معناه: تكسب غيرك المال المعدوم، أي: تعطيه له تبرعاً. ثانيهما: تعطي الناس لما لا يجدونه عند غيرك من معدومات الفوائد ومكارم الأخلاق. يقال: كسبت مالاً وأكسبت غيري مالاً. وفي معنى المتفق حينئذٍ قولان: أصحها أن معناه كمعنى المضموم، يقال: كسبت الرجل مالاً وأكسبته مالاً، والأول أفصح وأشهر، ومنع القزاز الثاني، وقال: إنه حرف نادر، وأنشد على الثاني: وأكسبني مالاً وأكسبته حمداً وقول الآخر: يعاتبني في الدَّيْن قومي وإنما ادیوني في أشیاء تُکسبهم حمدا روي بفتح التاء وضمها. والثاني: أن معناه: تكسب المال وتصيب منه ما يعجز غيرك عن تحصيله، ثم تجود به وتنفقه في وجوه المكارم، وكانت العرب تتمادح بذلك، وعرفت قريش بالتجارة. وضعف هذا بأنه لا معنى لوصف التجارة بالمال في هذا الموطن إلاَّ أن يريد أنه یبذله بعد تحصیله. وأصل الکسب طلب الرزق، يقال: کسب یکسب کسباً وتکسب واكتسب. وقال سيبويه، فيما حكاه ابن سيده: تكسب أصاب، وتكسب: تصرف واجتهد. وقال صاحب (المجمل) يقال: كسبت الرجل مالاً فكسبه، هذا مما جاء على فعلته ففعل، وفى (العباب): الكسب: طلب الرزق، وأصله الجمع. والكسب بالكسر لغة، والفصيح فتح الكاف، تقول: كسبت منه شيئاً، وفلاناً طيب الكسب والمكسب والمكسب والمكسبة مثال: المغفرة والكسبة مثل الجلسة، وكسبت أهلي خيراً وكسبت الرجل مالاً فكسبه؛ وقال ثعلب: كل الناس يقولون: كسبك فلان خيراً، إلاَّ ابن الأعرابي فإنه يقول: أكسبك فلان خيراً. قال: والأفصح في الحديث: تكسب، بفتح التاء. والمعدوم: عبارة عن الرجل المحتاج العاجز عن الكسب، وسماه معدوماً لكونه كالميت حيث لم يتصرف في المعيشة، وذكر الخطابي: أن صوابه المعدم، بحذف الواو، أي: تعطي العائل وترفده، لأن المعدوم لا يدخل مو ے i i IN! ٩٦ ١ - کتاب بدء الوحي / باب (٣) تحت الأفعال. وقال الكرماني التيمي: لم يصب الخطابي إذ حكم على اللفظة الصحيحة بالخطأ، فإن الصواب ما اشتهر بين أصحاب الحديث ورواه الرواة. وقال بعضهم: لا يمتنع أن يطلق على المعدم المعدوم لكونه. كالمعدوم الميت الذي لا تصرف له. قلت: الصواب ما قاله الخطابي، وكذا قال الصغاني في (العباب): الصواب وتكسب المعدم أي: تعطي العائل وترفده، نعم المعدوم له وجه على معنى غير المعنى الذي فسروه، وهو أن يقال: وتكسب الشيء الذي لا يوجد تكسبه لنفسك، أو تملكه لغيرك، وإليه أشار صاحب (المطالع). قوله: ((وتقري الضيف)) بفتح التاء، تقول: قريت الضيف أقريه قرىّ، بكسر القاف والكسر، وفاعله: قارٍ، كقضى فهو قاضٍ، وقال ابن سيده: قَرى الضيف قِرىّ وقِراءَ، أضافه؛ واستقراني واقتراني وأقراني: طلب مني القرى، وإنه لقرى للضيف، والأنثى: قرية، عن اللحياني. وكذلك: إنه لمقري للضيف ومقراء، والأنثى: مقرأة ومقراء، الأخيرة عن اللحياني. وفي (أمالي الهجري): ما اقتريت الليلة، يعني: لَم آكل من القرى شيئاً. أي: لم آكل طعاماً. قوله: ((وتعين على نوائب الحق) النوائب جمع نائبة وهي: الحادثة والنازلة خيراً أو شراً، وإنما قال: نوائب الحق لأنه تكون في الحق والباطل. قال لبيد: فلا الخير ممدود ولا الشر لازب نوائبُ من خيرٍ وشرٌّ كلاهما تقول: ناب الأمر نوبة: نزل، وهي النوائب والنوب. قوله: ((قد تنصر)) أي: صار نصرانياً وترك عبادة الأوثان وفارق طريق الجاهلية، والجاهلية: المدة التي كانت قبل نبوة رسول الله عٍَّ لما كانوا عليه من فاحش الجهالات، وقيل: هو زمان الفترة مطلقاً. قوله: ((وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية)) أقول: لم أر شارحاً من شرّاح البخاري حقق هذا الموضع بما يشفي الصدور، فنقول بعون الله وتوفيقه، قوله: ((الكتاب)): مصدر تقول: كتبت كتباً وكتاباً وكتابةً، والمعنى: وكان يكتب الكتابة العبرانية، ويجوز أن يكون الكتاب اسماً وهو الكتاب المعهود، ومنه قوله تعالى: ﴿الم ذلك الكتاب﴾ [البقرة: ١ - ٢] والعبراني، بكسر العين وسكون الباء: نسبة إلى العبر. وزيدت الألف والنون في النسبة على غير القياس، وقال ابن الكلبي: ما أخذ على غربي الفرات إلى برية العرب يسمى العبر، وإليه نسب العبريون من اليهود لأنهم لم يكونوا عبروا الفرات. وقال محمد بن جرير: إنما نطق إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، بالعبرانية حين عبر النهر فاراً من النمرود، وقد كان النمرود قال للذين أرسلهم خلفه: إذا وجدتم فتى يتكلم بالسريانية فردوه، فلما أدركوه استنطقوه فحول الله لسانه عبرانياً وذلك حين عبر النهر فسميت العبرانية لذلك وفي العباب والعبرية لغة اليهود والمفهوم من قوله: ((فيكتب من الإنجيل بالعبرانية)) أن الإنجيل ليس بعبراني لأن الباء في قوله: (بالعبرانية)) تتعلق بقوله: ((فيكتب)) والمعنى فيكتب باللغة العبرانية من الإنجيل وهذا من قوة تمكنه في دين النصارى ومعرفة كتابتهم كان يكتب من الإنجيل بالعبرانية إن شاء وبالعربية إن شاء، وقال التيمي: الكلام العبراني هو الذي أنزل به جميع الكتب كالتوراة والإنجيل ونحوهما وقال الكرماني فهم منه أن الإنجيل عبراني قلت ليس كذلك بل التوراة عبرانية والإنجيل سرياني. ٠٠٠٠ ١ ٩٧ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (٣) وكان آدم عليه الصلاة والسلام يتكلم باللغة السريانية وكذلك أولاده من الأنبياء وغيرهم، غير أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام حولت لغته إلى العبرانية حين عبر النهر أي الفرات كما ذكرنا وغير ابنه إسماعيل عليه الصلاة والسلام فإنه كان يتكلم باللغة العربية فقيل لأن أول من وضع الكتاب العربي والسرياني والكتب كلها آدم عليه الصلاة والسلام لأنه كان يعلم سائر اللغات وكتبها في الطين وطبخه فلما أصاب الأرض الغرق أصاب كل قوم كتابهم، فكان إسماعيل، عليه الصلاة والسلام، أصاب كتاب العرب، وقيل: تعلم إسماعيل، عليه الصلاة والسلام، لغة العرب من جرهم حين تزوج امرأة منهم، ولهذا يعدونه من العرب المستعربة لا العاربة، ومن الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، من كان يتكلم باللغة العربية هو صالح، وقيل: شعيب أيضاً، عليه الصلاة والسلام، وقيل: كان آدم، عليه الصلاة والسلام، يتكلم اللغة العربية، فلما نزل إلى الأرض حولت لغته إلى السريانية. وعن ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما: لما تاب الله عليه رد عليه العربية. وعن سفيان أنه، ما نزل وحي من السماء إِلاَّ بالعربية، فكانت الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، تترجمه لقومها. وعن كعب: أول من نطق بالعربية جبريل - عليه السلام - وهو الذي ألقاها على لسان نوح، عليه الصلاة والسلام، فألقاها نوح، عليه الصلاة والسلام، على لسان ابنه سام، وهو أبو العرب، والله أعلم. فإن قلت: ما أصل السريانية؟ قلت: قال ابن سلام: سميت بذلك لأن الله سبحانه وتعالى، حين علم آدم الأسماء علمه سراً من الملائكة. وأنطقه بها حينئذٍ. قوله: ((هذا الناموس)) بالنون والسين المهملة، وهو: صاحب السر، كما ذكره البخاري في أحاديث الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، قال صاحب (المجمل) وأبو عبيد في (غريبه): ناموس الرجل: صاحب سره، وقال ابن سيده: الناموس السر، وقال صاحب (الغريبين) هو: صاحب سر الملك. وقيل: إن الناموس والجاسوس بمعنى واحد، حكاه القزاز في (جامعه) وصاحب (الواعي). وقال الحسن في (شرح السيرة): أصل الناموس: صاحب سر الرجل في خيره وشره. وقال ابن الأنباري في (زاهره): الجاسوس الباحث عن أمور الناس، وهو بمعنى التجسس سواء. وقال بعض أهل اللغة: التجسس بالجيم البحث عن عورات الناس، وبالحاء المهملة الاستماع لحديث القوم. وقيل: هما سواء. وقال ابن ظفر(١) في (شرح المقامات): صاحب سر الخير ناموس، وصاحب سر الشر جاسوس؛ وقد سوى بينهما رؤبة بن العجاج. وقال بعض الشراح: وهو الصحيح، وليس بصحيح، بل الصحيح الفرق بينهما على ما نقل النووي في (شرحه) عن أهل اللغة: الفرق بينهما بأن الناموس في اللغة صاحب سر الخير، والجاسوس صاحب سر الشر. وقال الهروي: الناموس صاحب سر الخير، وهو هنا جبريل، عليه الصلاة والسلام، سمي به لخصوصه بالوحي والغيب؟ والجاسوس: صاحب سر الشر. وقال الصغاني في (العباب): ناموس الرجل صاحب سره الذي يطلعه على باطن أمره ويخصه به ويستره عن غيره، وأهل الكتاب يسمون جبريل عليه السلام: الناموس الأكبر، والناموس أيضاً: الحاذق. والناموس: الذي يلطف مدخله، قال P ے (١) هو الإمام محمد بن عبد الله بن محمد المكي الصقلي المالكي المتوفى سنة ٥٦٥ ج٧٢٠١ عمدة القاري ٧٠ *. **** ٩٨ "می ٦٩٢٤ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (٣) الأصمعي: قال رؤية: وتخصب اللعابة الجاسوسا لا تمكن الخناعة الناموسا خصب الغواة العومج المنسوسا بعشر أيديهن والضغبوسا والناموس: أيضاً قترة الصائد، والناموسة: عريسة الأسد، ومنه قول عمرو بن معدي کرب: أسد في ناموسته، والناموس والنماس: النمام، والناموس: الشَّرك لأنه يوارى تحت الأرض، والناموس: ما التمس به الرجل من الاختيال، تقول: نمست السر أنمسه، بالكسر، نمساً: كتمته، ونمست الرجل ونامسته، أي: ساررته. وقال ابن الأعرابي: لم يأت في الكلام فاعول، لام الكلمة فيه سين إلاّ الناموس: صاحب سر الخير، والجاسوس للشر، والجاروس: الكثير الأكل، والناعوس: الحية، والبابوس: الصبي الرضيع، والراموس: القبر، والقاموس، وسط البحر، والقابوس: الجميل الوجه، والعاطوس: دابة يتشاءم بها، والناموس: النمام، والجاموس: ضرب من البقر، وقيل: أعجمي تكلمت به العرب، وقيل: الحاسوس بالحاء غير المعجمة. قلت: قال الصغاني: الحاسوس، بالحاء المهملة: الذي يتحسس الأخبار مثل الجاسوس، يعني بالجيم. وقيل: الحاسوس في الخير، والجاسوس في الشر. وقال ابن الأعرابي: الجاسوس المشؤوم من الرجال، ويقال: سنة حاسوس وحسوس، إذا كانت شديدة قليلة الخير. والقابوس قيل: لفظ أعجمي عربوه، وأصله: كاووس، فأعرب فوافق العربية، ولهذا لا ينصرف للعجمة والتعريف. وأبو قابوس: كنية النعمان بن المنذر ملك العرب، والعاطوس، بالعين المهملة، والبابوس، بالبائين الموحدتين، قال ابن عباد: هو الولد الصغير بالرومية والناموس، بالنون والميم، وقد جاء فاعول أيضاً، آخره سين فاقوس: بلدة من بلاد مصر. قوله: ((جذعا»، بالذال المعجمة المفتوحة، يعني: شاباً قوياً حتى أبالغ في نصرتك، ويكون لي كفاية تامة لذلك؛ والجذع في الأصل للدواب فاستعير للإنسان، قال ابن سيده: قيل الجذع الداخل في السنة الثانية، ومن الإبل فوق الحق، وقيل الجزع من الإبل لأربع سنين، ومن الخيل لسنتين، ومن الغنم لسنة. والجمع: جذعان وجذاع، بالكسر، وزاد يونس: جذاع، بالضم، وأجذاع. قال الأزهري: والدهر يسمى جذعاً، لأنه شاب لا يهرم. وقيل: معناه: يا ليتني أدرك أمرك فأكون أول من يقوم بنصرك، كالجذع الذي هو أول الإنسان. قال صاحب (المطالع): والقول الأول أبين. قوله: ((قط))، بفتح القاف وتشديد الطاء مضمومة في أفصح اللغات، وهي: ظرف الاستغراق ما مضى، فيختص بالنفي، واشتقاقه من قططته أي: قطعته، فمعنى: ما فعلت قط، ما فعلته فيما انقطع من عمري، لأن الماضي منقطع عن الحال والاستقبال، وبنيت لتضمنها معنى: مذ، وإلى، لأن المعنى منذ أن خلقت إلى الآن. وعلى حركة لئلا يلتقي ساكنان، وبالضمة تشبيهاً بالغايات، وقد يكسر على أصل التقاء الساكنين، وقد تتبع قافه طاءه في الضم، وقد تخفف طاؤه مع ضمها أو إسكانها. قوله: (مؤزرا))، بضم الميم وفتح الهمزة بعدها زاي معجمة مشددة ثم راء مهملة، أي: قوياً بليغاً من: الأزر، وهو القوة والعون، ومنه قوله تعالى: ﴿فَآزره﴾ [الفتح: ٢٩] أي: قواه، وفي (المحكم): آزره ووازره: أعانه على الأمر، ١٣٠ ٩٩ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (٣) الأخير على البدل، وهو شاذ. وقال ابن قتيبية: مما تقوله العوام بالواو، وهو بالهمز: آزرته على الأمر، أي: أعنته. فأما: وازرته فبمعنى: صرت له وزيراً. قوله: ((ثم لم ينشب)) أي: لم يلبث، وهو بفتح الياء آخر الحروف وسكون النون وفتح الشين المعجمة، وفى آخره باء موحدة، وكأن المعنى: فجاءه الموت قبل أن ينشب في فعل شيء، وهذه اللفظة عند العرب عبارة عن السرعة والعجلة، ولم أر شارحاً ذكر باب هذه المادة، غير أن شارحاً منهم قال: وأصل النشوب: التعلق، أي: لم يتعلق بشيء من الأمور حتى مات، وبابه من: نشب الشيء في الشيء، بالكسر، نشوباً إذا علق فيه، وفي حديث الأحنف بن قيس أنه قال: ((خرجنا حجاجاً، فمررنا بالمدينة أيام قتل عثمان بن عفان، رضي الله عنه، فقلت لصاحبي: قد أفل الحج وإني لا أرى الناس إلاَّ قد نشبوا في قتل عثمان، ولا أراهم إلاَّ قاتليه))، أي: وقعوا فيه وقوعاً لا منزع لهم عنه. قوله: ((وفتر الوحي)) معناه احتبس. قاله الكرماني. قلت: معناه احتبس بعد متابعته وتواليه في النزول. وقال ابن سيده: فتر الشيء يفتر ويفتر فتوراً وفتاراً: سكن بعد حدة، ولان بعد شدة، وفتر هو، والفتر: الضعف. بيان اختلاف الروايات: قوله: ((من الوحي الرؤيا الصالحة)) وفي (صحيح مسلم). ((الصادقة)) وكذا رواه البخاري في كتاب التعبير أيضاً، ووقع هنا أيضاً: ((الصادقة))، في رواية معمر ويونس، وكذا ساقه الشيخ قطب الدين في شرحه، ومعناهما واحد، وهي: التي لم يسلط عليه فيها ضغث ولا تلبس شيطان. وقال المهلب: الرؤيا الصالحة هي تباشير النبوة، لأنه لم يقع فيها ضغث فيتساوى مع الناس في ذلك؟ بل خص حَد بصدقها كلها. وقال ابن عباس، رضي الله عنهما: رؤيا الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، وحي. قوله: ((وكان يخلو بغار حراء» وقال بعضهم: وكان يجاور بغار حراء. ثم فرق بين المجاورة والاعتكاف بأن المجاورة قد تكون خارج المسجد، بخلاف الاعتكاف، ولفظ الجوار، جاء في حديث جابر الآتي في (كتاب التفسير) في (صحيح مسلم) فيه: ((جاورت بحراء شهراً فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي)). الحديث ... وحراء، بكسر الحاء وبالمد في الرواية الصحيحة، وفي رواية الأصيلي، بالفتح والقصر، وقد مر الكلام فيه مستوفى. قوله: ((فيتحنث)) قال أبو أحمد العسكري: رواه بعضهم: يتحنف بالفاء، وكذا وقع في (سيرة ابن هشام) بالفاء. قوله: ((قبل أن ينزع)) وفي رواية مسلم: ((قبل أن يرجع)) ومعناهما واحد. قوله: ((حتى جاءه الحق) ورواه البخاري في التفسير: ((حتى فجئه الحق))، وكذا في رواية مسلم، أي: أتاه بغتة. يقال: فجىء يفجأ بكسر الجيم في الماضي، وفتحها في الغابر، وفجأ يفجأ بالفتح فيهما. قوله: ((ما أنا بقارئ)) وقد جاء في رواية: ((ما أحسن أن اقرأ)). وقد جاء في رواية ابن إسحاق: ((ماذا أقرأ))، وفي رواية ابن الأسود في (مغازيه) أنه قال: ((كيف أقرأ)؟ قوله: ((فغطني))؟ وفي رواية الطبري: ((فغتني)) بالتاء المثناة من فوق، والغت: حبس النفس مرة، وإمساك اليد والثوب على الفم والأنف. والغط: الخنق وتغييب الرأس في الماء، وعبارة الداودي: معنى غطني صنع بي شيئاً حتى ألقاني إلى الأرض كمن تأخذه الغشية. وقال i i i i i i i i ١٠٠ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (٣) الخطابي: وفي غير هذه الروايات: فسأبني من سأبت الرجل سأباً إذا خنقته، ومادته سين مهملة وهمزة وباء موحدة. وقال الصغاني رحمه الله: ومنه حديث النبي، عليه الصلاة والسلام، وذكر اعتكافه بحراء فقال: ((فإذا أنا بجبريل، عليه الصلاة والسلام، على الشمس وله جناح بالمشرق وجناح بالمغرب، فهلت منه»، وذكر كلاماً ثم قال: «أخذني فسلقني بحلاوة القفاء ثم شق بطني فاستخرج القلب)) وذكر كلاماً ((ثم قال لي: اقرأ، فلم أدر ما أقرأ: فأخذ بحلقي فسأبني حتى أجهشت بالبكاء فقال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ [العلق: ١] فرجع بها رسول الله عَ ◌ّلم ترجف بوادره)) قوله: ((فهلت)) أي: خفت، من: هاله إذا: خوفه، ويروى: فسأتني بالسين المهملة والهمزة والتاء المثناة من فوق. قال الصغاني: قال أبو عمرو: سأته يسأنه سأتاً: إذا خنقه حتى يموت، مثل: سأبه. وقال أبو زيد مثله، إلاّ أنه لم يقل: حتى يموت. ويروى: ((فدَعتني)) من ألدعت، بفتح الدال وسكون العين المهملتين وفي آخره تاء مثناة من فوق. قال ابن دريد: الدعت: الدفع العنيف. عربي صحيح، يقال: دعته يدعته إذا دفعه، بالدال وبالذال المعجمة: زعموا. قلت: ومنه حديث الآخر: ((إن الشيطان عرض لي وأنا أصلي، فدعته حتى وجدت برد لسانه، ثم ذكرت قول أخي سليمان عليه السلام ﴿رب هب لي ملكاً﴾ [الشعراء: ٨٣]) الحديث، قلت: بمعناه: ذاته، بالذال المعجمة. قال أبو زيد: ذاته: إذا خنقه أشد الخنق حتى أدلع لسانه. قوله: ((يرجف فؤاده)) وفي رواية مسلم: ((بوادره))، وهو بفتح الباء الموحدة: اللحمة التي بين المنكب والعنق ترجف عند الفزع. قوله: ((والله ما يخزيك)) من الخزيان، كما ذكرناه. وهكذا رواه مسلم، من رواية يونس وعقيل عن الزهري، ورواه من رواية معمر عن الزهري: ((يحزنك)) من الحزن، وهو رواية أبي ذر أيضاً ههنا. قوله: ((وتكسب))، بفتح التاء، هو الرواية الصحيحة المشهورة، وفي رواية الكشميهني بالضم. قوله: ((المعدوم)) بالواو، وهي الرواية المشهورة، وقال الخطابي: الصواب المعدم، وقد ذكرناه، وذكر البخاري في هذا الحديث في كتاب التفسير: ((وتصدق الحديث))، وذكره مسلم ههنا، وهو من أشرف خصاله، وذكر في السيرة زيادة أخرى: ((إنك لتؤدي الأمانة))، ذكرها من حديث عمرو بن شرحبيل. قوله: ((فكان يكتب الكتاب العبراني، ويكتب من الإنجيل بالعبرانية)). وفي رواية يونس ومعمر: ((ويكتب من الإنجيل بالعربية))، ولمسلم: ((وكان يكتب الكتاب العربي)» والجميع صحيح، لأن ورقة كان يعلم اللسان العبراني والكتابة العبرانية، فكان يكتب الكتاب العبراني كما كان يكتب الكتاب العربي لتمكنه من الكتابين واللسانين، وقال الداودي: يكتب من الإنجيل الذي هو بالعبرانية بهذا الكتاب العربي، فنسبه إلى العبرانية إذ بها كان يتكلم عيسى، عليه السلام؛ قلت: لا نسلم أن الإنجيل كان عبرانياً، ولا يفهم من الحديث ذلك، والذي يفهم من الحديث أنه كان يعلم الكتابة العبرانية، ويكتب من الإنجيل بالعبرانية، ولا يلزم من ذلك أن يكون الإنجيل عبرانياً، لأنه يجوز أن يكون سريانياً، وكان ورقة ينقل منه باللغة العبرانية، وهذا يدل على علمه بالألسن الثلاثة وتمكنه فيها، حيث ينقل السريانية إلى العبرانية. قوله: ((يا ابن عم) كذا وقع