Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (١) السؤال الرابع: ما قيل: لِمّ ذم على طلب الدنيا وهو أمر مباح والمباح لا ذم فيه ولا مدح؟ وأجيب: بأنه إنما ذم لكونه لم يخرج في الظاهر لطلب الدنيا، وإنما خرج في صورة طالب فضيلة الهجرة، فأبطن خلاف ما أظهر. السؤال الخامس: ما قيل: إنه أعاد في الجملة الأولى ما بعد الفاء الواقعة جواباً للشرط، مثل ما وقعت في صدر الكلام، ولم يعد كذلك في الجملة الثانية؟ وأجيب: بأن ذلك الإعراض عن تكرير ذكر الدنيا، والغض منها وعدم الاحتفال بأمرها، بخلاف الأولى، فإن التکریر فیها ممدوح. أعد ذكر نعمان لنا إنَّ ذكره هو المسك ما كررته يتوضغ السؤال السادس: ما قيل: إن النيات جمع قلة كالأعمال، وهي للعشرة فما دونها، لكن المعنى: أن كل عمل إنما هو بنية سواء كان قليلاً أو كثيراً. أجيب: بأن الفرق بالقلة والكثرة إنما هو في النكرات لا في المعارف. بيان السبب والمورد: اشتهر بينهم أن سبب هذا الحديث قصة مهاجر أم قيس، رواه الطبراني في (المعجم الكبير) بإسناد رجاله ثقات، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، رضي الله عنه، قال: ((كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر، فهاجر فتزوجها، فكنا نسميه: مهاجر أم قيس)). فإن قيل: ذكر أبو عمر في (الاستيعاب)، في ترجمة أم سليم: أن أبا طلحة الأنصاري خطبها مشركاً، فلما علم أنه لا سبيل له إليها إلاّ بالإسلام أسلم وتزوجها وحسن إسلامه، وهكذا روى النسائي من حديث أنس، رضي الله عنه، قال: ((تزوج أبو طلحة أم سليم). فكان صداق ما بينهما الإسلام، إذ أسلمت أم سليم قبل أبي طلحة، فخطبها فقالت: إنني قد أسلمت، فإن أسلمت نكحتك! فأسلم، فكان الإسلام صداق ما بينهما)). بوب عليه النسائي: التزويج على الإسلام، وروى النسائي أيضاً من حديثه قال: ((خطب أبو طلحة أم سليم، فقالت: والله ما مثلك يا أبا طلحة يرد، ولكنك رجل كافر وأنا امرأة مسلمة، ولا يحل لي أن أتزوجك، فإن تسلم فذاك مهري، ولا أسألك غيره. فأسلم، فكان ذلك مهرها. قال ثابت: فما سمعت بامرأة قط كانت أكرم مهراً من أم سليم: الإسلام، فدخل بها))، الحديث: وأخرجه ابن حبان في (صحيحه) من هذا الوجه، فظاهر هذا أن إسلامه كان ليتزوج بها، فكيف الجمع بينه وبين حديث الهجرة المذكور مع كون الإسلام أشرف الأعمال؟ وأجيب عنه من وجوه: الأول: أنه ليس في الحديث أنه أسلم ليتزوجها حتى يكون معارضاً لحديث الهجرة، وإنما امتنعت من تزويجه حتى هداه الله للإسلام، رغبة في الإسلام، لا ليتزوجها. وكان أبو طلحة من أجلاء الصحابة، رضي الله عنهم، فلا يظن به أنه إنما أسلم ليتزوج أم سليم. الثاني: أنه لا يلزم من الرغبة في نكاحها أنه لا يصح منه الإسلام، رغبة فيها، فمتى کان الداعي إلى الإسلام الرغبة في الدین، لم یضر معه کونه یعلم أنه یحل له بذلك نكاح المسلمات. ٠ ٠٠ ٠٠٠ i أجوة i ٦٢ ١ - کتاب بدء الوحي / باب (١) الثالث: أنه لا يصح هذا عن أبي طلحة، فالحديث، وإن كان صحيح الإسناد، ولكنه معلل بكون المعروف أنه لم يكن حينئذٍ نزل تحريم المسلمات على الكفار، وإنما نزل بين الحديبية وبين الفتح حين نزل قوله تعالى: ﴿لا من حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾ [الممتحنة: ١٠] كما ثبت في صحيح البخاري، وقول أم سليم في هذا الحديث: ((ولا يحل لي أن أتزوجك)) شاذ مخالف للحديث الصحيح، وما أجمع عليه أهل السير، فافهم. وقد علمت سبب الحديث ومورده وهو خاص، ولكن العبرة بعموم اللفظ فيتناول سائر أقسام الهجرة. فعدها بعضهم خمسة: الأولى: إلى أرض الحبشة، الثانية: من مكة إلى المدينة. الثالثة: هجرة القبائل إلى الرسول معَ له. الرابعة: هجرة من أسلم من أهل مكة. الخامسة: هجرة ما نهى الله عنه. واستدرك عليه بثلاث أخرى: الأولى: الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة، فإن الصحابة هاجروا إليها مرتين. الثانية: هجرة من كان مقيماً ببلاد الكفر ولا يقدر على إظهار الدين، فإنه يجب عليه أن يهاجر إلى دار الإسلام، كما صرح به بعض العلماء. الثالثة: الهجرة إلى الشام في آخر الزمان عند ظهور الفتن، کما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن عمر. وقال: سمعت رسول الله عَّله يقول: ((ستكون هجرة بعد هجرة، فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلها)). الحديث: ورواه أحمد في (مسنده) فجعله من حديث عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، وقال صاحب (النهاية): يريد به الشام، لأن إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، لما خرج من العراق مضى إلى الشام وأقام به. فإن قيل: قد تعارضت الأحاديث في هذا الباب، فروى البخاري ومسلم من حديث ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله عَله: ((لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استفرتم فانفروا)). وروى البخاري، عن ابن عمر، رضي الله عنهما، قوله: ((لا هجرة بعد الفتح)). وفي رواية له: ((لا هجرة بعد الفتح اليوم أو بعد رسول الله عَّهُ)). وروى البخاري أيضاً: أن عبيد بن عمرو سأل عائشة، رضي الله عنها، عن الهجرة فقالت: ((لا هجرة اليوم، كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى الله وإلى رسوله مخافة أن يفتن عليه، فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام، والمؤمن يعبد ربه حيث شاء ولكن جهاد ونية)). وروى البخاري ومسلم أيضاً، عن مجاشع بن مسعود قال: ((انطلقت بابني معبد إلى النبي عَ ليبايعه على الهجرة قال: ((انقضت الهجرة لأهلها)) فبايعه على الإسلام والجهاد)). وفي رواية أنه جاء بأخيه مجالد، وروى أحمد من حديث أبي سعيد الخدري، ورافع بن خديج، وزيد بن ثابت، رضي الله عنهم: ((لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية)). فهذه الأحاديث دالة على انقطاع الهجرة. وروى أبو داود والنسائي من حديث معاوية، رضي الله عنه، قال: «سمعت رسول الله عَ ◌ٍّ يقول: ((لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها). وروى أحمد من حديث ابن السعدي مرفوعاً: ((لا تنقطع الهجرة ما دام العدو يقاتل)) وروى أحمد أيضاً من حديث جنادة بن أبي أمية مرفوعاً: إن الهجرة لا تنقطع ما كان الجهاد. قلت: وفق الخطابي بين هذه الأحاديث بأن الهجرة كانت في أول الإسلام فرضاً، ثم ٦٣ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (١) صارت بعد فتح مكة مندوباً إليها غير مفروضة، قال: فالمنقطعة منها هى الفرض، والباقية منها هي الندب. على أن حديث معاوية فيه مقال، وقال ابن الأثير: الهجرة هجرتان: إحداهما التي وعد الله عليها الجنة، كان الرجل يأتي النبي، عليه الصلاة والسلام، ويدع أهله وماله لا يرجع في شيء منه، فلما فتحت مكة انقطعت هذه الهجرة. والثانية: من هاجر من الأعراب وغزا مع المسلمين، ولم يفعل كما فعل أصحاب الهجرة، وهو المراد بقوله: ((لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة)). قلت: وفي الحديث الآخر ما يدل على أن المراد بالهجرة الباقية هي هجر السيئات، وهو ما رواه أحمد في (مسنده) من حديث معاوية وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنهم، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((الهجرة خصلتان: إحداهما تهجر السيئات، والأخرى تهاجر إلى الله وإلى رسوله، ولا تنقطع الهجرة ما تقبلت التوبة، ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت طبع الله على كل قلب بما فيه، وكفى الناس العمل)). وروى أحمد أيضاً، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: ((جاء رجل أعرابي فقال: يا رسول الله أين الهجرة؟ إليك حيث كنت، أم إلى أرض معلومة، أم لقوم خاصة، أم إذا مت انقطعت؟ قال: فسكت رسول الله عَّة، ساعة ثم قال: ((أين السائل عن الهجرة))؟ قال: ها أنا ذا يا رسول الله، قال: ((إذا أقمت الصلاة، وآتيت الزكاة، فأنت مهاجر وإن مت بالخضرمة)) قال: يعني: أرضاً باليمامة)). وفي رواية له: «الهجرة أن تهجر الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، ثم أنت مهاجر وإن مت بالخضرمة». استنباط الأحكام: وهو على وجوه. الأول: احتجت الأئمة الثلاثة به في وجوب النية في الوضوء والغسل، فقالوا: التقدير فيه صحة (الأعمال بالنيات))، والألف واللام فيه لاستغراق الجنس، فيدخل فيه جميع الأعمال من: الصوم والصلاة والزكاة والحج والوضوء وغير ذلك مما يطلب فيه النية عملاً بالعموم، ويدخل فيه أيضاً: الطلاق والعتاق، لأن النية إذا قارنت الكناية كانت كالصريح. وقال النووي: تقديره: إنما الأعمال تحسب إذا كانت بنية، ولا تحسب إذا كانت بلا نية. وفيه دليل على أن الطهارة وسائر العبادات لا تصح إلاَّ بنية. وقال الخطابي: قوله: (إنما الأعمال بالنيات)) لم يرد به أعيان الأعمال لأنها حاصلة حساً وعياناً بغير نية، وإنما معناه أن صحة أحكام الأعمال في حق الدين إنما تقع بالنية، وأن النية هي الفاصلة بين ما يصح وما لا يصح. وكلمة: إنما، عاملة بركنيها إيجاباً ونفياً، فهي تثبت الشيء وتنفي ما عداه، فدلالتها أن العبادة إذا صحبتها النية صحت، وإذا لم تصحبها لم تصح. ومقتضى حق العموم فيها يوجب أن لا يصح عمل من الأعمال الدينية، أقوالها وأفعالها، فرضها ونفلها، قليلها وكثيرها، إلاّ بنية. وقال البيضاوي: الحديث متروك الظاهر، لأن الذوات غير منتفية، والمراد به نفي أحكامها: كالصحة والفضيلة، والحمل على نفي الصحة أولى، لأنه أشبه بنفي الشيء نفسه، ولأن اللفظ يدل بالتصريح على نفي الذات، وبالتبع على نفي جميع الصفات، فلما منع الدليل دلالته على نفي الذات بقي دلالته على i. i ١ ے ٦٤ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (١) نفي جميع الصفات. وقال الطيبي: كل من الأعمال والنيات جمع محلى باللام الاستغراقية، فإما أن يحملا على عرف اللغة فيكون الاستغراق حقيقياً، أو على عرف الشرع وحينئذٍ: إما أن يراد بالأعمال: الواجبات والمندوبات والمباحات، وبالنيات: الإخلاص والرياء، أو أن يراد بالأعمال: الواجبات وما لا يصح إلاَّ بالنية: كالصلاة، لا سبيل إلى اللغوي، لأنه ما بعث إلاَّ لبيان الشرع، فکیف یتصدى لما لا جدوى له فيه؟ فحينئذٍ يحمل: ((إنما الأعمال بالنيات» على ما اتفق عليه أصحابنا، أي: ما الأعمال محسوبة لشيء من الأشياء، كالشروع فيها والتلبس بها إلاَّ بالنيات، وما خلا عنها لم يعتد بها. فإن قيل: لم خصصت متعلق الخبر والظاهر العموم كمتسقر أو حاصل؟ فالجواب: إنه حينئذٍ يكون بياناً للغة لا إثباتاً لحكم الشرع، وقد سبق بطلانه، ويحمل: ((إنما لكل امرئ ما نوى)) على ما تثمره النيات من القبول والرد، والثواب والعقاب، ففهم من الأول: إنما الأعمال لا تكون محسوبة ومسقطة للقضاء إلاّ إذا كانت مقرونة بالنيات، ومن الثاني: إن النيات إنما تكون مقبولة إذا كانت مقرونة بالإخلاص. انتهى. وذهب أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وزفر، والثوري، والأوزاعي، والحسن بن حي، ومالك في رواية إلى: أن الوضوء لا يحتاج إلى نية، وكذلك الغسل. وزاد الأوزاعي، والحسن: التيمم، وقال عطاء، ومجاهد: لا يحتاج صيام رمضان إلى نية إلاَّ أن يكون مسافراً أو مريضاً. وقالوا: التقدير فيه كمال الأعمال بالنيات أو ثوابها، أو نحو ذلك، لأنه الذي يطرد. فإن كثيراً من الأعمال يوجد ويعتبر شرعاً بدونها، ولأن إضمار الثواب متفق عليه على إرادته، ولأنه يلزم من انتفاء الصحة انتفاء الثواب دون العكس، فكان هذا أقل إضماراً، فهو أولى، ولأن إضمار الجواز والصحة يؤدي إلى نسخ الكتاب بخبر الواحد، وهو ممتنع، لأن العامل في قوله: (بالنيات))، مفرد بإجماع النحاة، فلا يجوز أن يتعلق بالأعمال، لأنها رفع بالابتداء فيبقى بلا خبر، فلا يجوز. فالتقدير: إما مجزئة، أو صحيحة، أو مثيبة. فالمثيبة أولى بالتقدير لوجهين: أحدهما: إن عند عدم النية لا يبطل أصل العمل، وعلى إضمار الصحة والإجزاء يبطل، فلا يبطل بالشك. والثاني: إن قوله: «ولكل امرىء ما نوی» يدل على الثواب والأجر، لأن الذي له إنما هو الثواب، وأما العمل فعليه. وقالوا: في هذا كله نظر من وجوه. الأول: أنه لا حاجة إلى إضمار محذوف من الصحة أو الكمال أو الثواب، إذ الإضمار خلاف الأصل، وإنما حقيقته العمل الشرعي، فلا يحتاج حينئذٍ إلى إضمار. وأيضاً فلا بد من إضمار يتعلق به الجار والمجرور، فلا حاجة إلى إضمار مضاف، لأن تقليل الإضمار أولى، فيكون التقدير: إنما الأعمال وجودها بالنية، ويكون المراد الأعمال الشرعية. قلت: لا نسلم نفي الاحتياج إلى إضمار محذوف، لأن الحديث متروك الظاهر بالإجماع، والذوات لا تنتفي بلا خلاف، فحينئذٍ يحتاج إلى إضمار. وإنما يكون الإضمار خلاف الأصل عند عدم الاحتياج، فإذا كان الدليل قائماً على الإضمار يضمر إما الصحة وإما الثواب على اختلاف القولين، وقولهم: فيكون التقدير، إنما الأعمال وجودها بالنية مفض إلى بيان اللغة لا إثبات الحكم الشرعي وهو باطل. الثاني: أنه لا يلزم من تقدير ١٠٣٠ ٢٠%. ٦٥ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (١) الصحة تقدير ما يترتب على نفيها من نفي الثواب ووجوب الإعادة وغير ذلك، فلا يحتاج إلى أن يقدر: إنما صحة الأعمال والثواب وسقوط القضاء، مثلاً، بالنية، بل المقدر واحد، وإن ترتب على ذلك الواحد شيء آخر فلا يلزم تقديره. قلت: دعوى عدم الملازمة المذكورة ممنوعة، لأنه يلزم من نفي الصحة نفي الثواب، ووجوب الإعادة كما يلزم الثواب عند وجود الصحة، يفهم ذلك بالنظر. الثالث: إن قولهم: إن تقدير الصحة يؤدي إلى نسخ الكتاب بخبر الواحد، لا يخلو إما أن يريدوا به أن الكتاب دال على صحة العمل بغير نية لكونها لم تذكر في الكتاب، فهذا ليس بنسخ، على أن الكتاب ذكرت فيه نية العمل في قوله عز وجل: ﴿وما أمروا إلاَّ ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ [البينة: ٥] فهذا هو القصد والنية. ولو سلم لهم أن فيه نسخ الكتاب بخبر الواحد فلا مانع من ذلك عند أكثر أهل الأصول. قلت: قولهم: فهذا ليس بنسخ، غير صحيح، لأن هذا عين النسخ. بيانه: أن آية الوضوء تخبر بوجوب غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس، وليس فيها ما يشعر بالنية مطلقاً، فاشتراطها بخبر الواحد يؤدي إلى رفع الإطلاق وتقييده، وهو نسخ، وقولهم: على أن الكتاب ذكر فيه نية العمل لا يضرهم، لأن المراد من قوله: ﴿إِلاّ ليعبدوا الله﴾ [البينة: ٥] التوحيد، والمعنى: إلاَّ ليوحدوا الله، فليس فيها دلالة على اشتراط النية في الوضوء. وقولهم: ولو سلم لهم إلى آخره غير مسلم لهم، لأن جماهير الأصوليين على عدم جواز نسخ الكتاب بالخبر الواحد، على أن المنقول الصحيح عن الشافعي عدم جواز نسخ الكتاب بالسنة قولاً واحداً، وهو مذهب أهل الحديث أيضاً، وله في نسخ السنة بالكتاب قولان: الأظهر من مذهبه أنه لا يجوز، والآخر: أنه يجوز، وهو الأولى بالحق. كذا ذكره السمعاني من أصحاب الشافعي في (القواطع)؛ ثم نقول: إن الحديث عام مخصوص، فإن أداء الدين، وردّ الودائع، والأذان والتلاوة والأذكار، وهداية الطريق، وإماطة الأذى عبادات كلها تصح بلا نية إجماعاً، فتضعف دلالته حينئذٍ، ويخفى عدم اعتبارها أيضاً في الوضوء. وقد قال بعض الشارحين: دعوى الصحة في هذه الأشياء بلا نية إجماعاً ممنوعة، حتى يثبت الإجماع، ولن يقدر عليه. ثم نقول: النية تلازم هذه الأعمال. فإن مؤدي الدين يقصد براءة الذمة، وذلك عبادة، وكذلك الوديعة وأخواتها، فإنها لا ينفك تعاطيهن عن القصد، وذلك نية. قلت: هذا كله صادر لا عن تعقل، لأن أحداً من السلف والخلف لم يشترط النية في هذه الأعمال، فكيف لا يكون إجماعاً، وقوله: ((النية تلازم هذه الأعمال إلى آخره ... )) لا تعلق له فيما نحن فيه، فإنا لا ندعي عدم وجود النية في هذه الأشياء، وإنما ندعي عدم اشتراطها. ومؤدي الدين، مثلاً، إذا قصد براءة الذمة برئت ذمته، وحصل له الثواب، وليس لنا فيه نزاع، وإذا أدى من غير قصد براءة الذمة هل يقول أحد: إن ذمته لم تبرأ؟ ثم التحقيق في هذا المقام هو: أن هذا الكلام لما دل عقلاً على عدم إرادة حقيقته، إذ قد يحصل العمل من غير نية، بل المراد بالأعمال حكمها باعتبار إطلاق الشيء على أثره وموجبه، والحكم نوعان: نوع يتعلق بالآخرة وهو: الثواب في الأعمال المفتقرة إلى النية، والإثم في الأعمال المحرمة؛ ونوع يتعلق بالدنيا: وهو الجواز والفساد i ١. i مع القوى١٠٠٠١/١ i ٢٠٠٠ وحدة ٦٦ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (١) والكراهة والإساءة ونحو ذلك؛ والنوعان مختلفان، بدليل أن مبنى الأول على صدق العزيمة وخلوص النية، فإن وجد وجد الثواب، وإلاَّ فلا، ومبنى الثاني على وجود الأركان والشرائط المعتبرة في الشرع، حتى لو وجدت صح، وإلاّ فلا، سواء اشتمل على صدق العزيمة أو لا، وإذا صار اللفظ مجازاً عن النوعين المختلفين، كان مشتركا بينهما بحسب الوضع النوعي، فلا يجوز إرادتهما جميعاً. أما عندنا فلأن المشترك لا عموم له، وأما عند الشافعي فلأن المجازِ لا عموم له، بل يجب حمله على أحد النوعين، فحمله الشافعي على النوع الثاني بناء على أن المقصود الأهم من بعثة النبي، عليه الصلاة والسلام، بيان الحال والحرمة، والصحة والفساد، ونحو ذلك، فهو أقرب إلى الفهم، فيكون المعنى: إن صحة الأعمال لا تكون إلاَّ بالنية، فلا يجوز الوضوء بدونها. وحمله أبو حنيفة على النوع الأول، أي: ثواب الأعمال لا يكون إلاَّ بالنية، وذلك لوجهين: الأول: أن الثواب ثابت اتفاقاً إذ لا ثواب بدون النية، فلو أريد الصحة أيضاً يلزم عموم المشترك أو المجاز. الثاني: أنه لو حمل على الثواب لكان باقياً على عمومه، إذ لا ثواب بدون النية أصلاً، بخلاف الصحة، فإنها قد تكون بدون النية: كالبيع والنكاح. وفرعت الشافعية على أصلهم مسائل. منها: أن بعضهم أوجب النية في غسل النجاسة لأنه عمل واجب، قال الرافعي: ويحكى عن ابن سريج، وبه قال أبو سهل الصعلوكي فيما حكاه صاحب (التتمة)، وحكى ابن الصلاح وجهاً. ثالثاً: أنها تجب لإزالة النجاسة التي على البدن دون الثوب، وقد رد ذلك بحكاية الإجماع، فقد حكى الماوردي في (الحاوي) والبغوي في (التهذيب) أن النية لا تشترط في إزالة النجاسة. قال الروياني: لا يصح النقل في (البحر) عندي عنهما، أي: عن ابن سريج والصعلوكي؛ وإنما لم يشترطوا النية في إزالة النجاسة لأنها من باب التروك، فصار كترك المعاصي. وقال بعض الأفاضل: وقد يعترض على هذا التعليل لأن الصوم من باب التروك أيضاً، وهذا لا يبطل بالعزم على قطعه، وقد أجمعوا على وجوب النية فيه. قلت: التروك إذا كان المقصود فيها امتثال أمر الشارع وتحصيل الثواب، فلا بد من النية فيها، وإن كانت لإسقاط العذاب فلا يحتاج إليها، فالتارك للمعاصي محتاج فيها لتحصيل الثواب إلى النية. قوله: ((وقد أجمعوا على وجوب النية))، فيه نظر، لأن عطاءً ومجاهداً لا يريان وجوب النية فيه إذا كان في رمضان. ومنها: اشتراط النية في الخطبة فيه وجهان للشافعية كهما في الأذان، قاله الروياني في (البحر). وفي الرافعي في الجمعة أن القاضي حسين حكى اشتراط نية الخطبة وفرضيتها كما في الصلاة. ومنها: أنه إذا نذر اعتكاف مدة متتابعة لزمه. وأصح الوجهين عندهم أنه لا يجب التتابع بلا شرط فعلي، هذا لو نوى التتابع بقلبه، ففي لزومه وجهان أصحهما لا كما لو نذر أصل الاعتكاف بقلبه، كذا نقله الرافعي عن صحيح (البغوي) وغيره، قال الروياني: وهو ظاهر نقل المزني. قال: والصحيح عندي اللزوم لأن النية إذا اقترنت باللفظ عملت، كما لو قال: أنت طالق، ونوى ثلاثاً. ومنها: إذا أخذ الخوارج الزكاة اعتد بها على الأصح، ثالثها إن أخذت قهراً فنعم وإلاّ ٧٠ ٦٧ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (١) فلا، وبه قال مالك. وقال ابن بطال: ومما يجزىء بغير نية ما قاله مالك: إنَّ الخوارج إن أخذوا الزكاة من الناس بالقهر والغلبة أجزأت عمن أخذت منه، لأن أبا بكر وجماعة من الصحابة، رضي الله عنهم، أخذوا الزكاة من أهل الردة بالقهر والغلبة، ولو لم يجزىء عنهم ما أخذت منهم، وقال ابن بطال: واحتج من خالفهم، وجعل حديث النية على العموم، أن أخذ الخوارج الزكاة غلبة لا ينفك المأخوذ منه أنه عن الزكاة، وقد أجمع العلماء أن أَخْذ الإمام الظالم لها يجزئه، فالخارجي في معنى الظالم لأنهم من أهل القبلة، وشهادة التوحيد، وأما أبو بكر، رضي الله عنه، فلم يقتصر على أخذ الزكاة من أهل الردة، بل قصد حربهم وغنيمة أموالهم وسبيهم لكفرهم، ولو قصد أخذ الزكاة فقط لرد عليهم ما فضل عنها من أموالهم. ومنها: قال الشافعي في البويطي، كما نقله الروياني عن القاضي أبي الطيب عنه: قد قيل: إن من صرح بالطلاق والظهار والعتق ولم يكن له نية في ذلك لم يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى طلاق ولا ظهار ولا عتق، ويلزمه في الحكم. ومنها: أن لو قال لامرأته: أنت طالق، يظنها أجنبية، طلقت زوجته لمصادفة محله. وفي عكسه تردد لبعض العلماء مأخذه إلى النية وإلى فوات المحل، فلو قال لرقيق: أنت حر، يظنه أجنبياً عتق، وفي عكسه التردد المذكور. ومنها: لو وطىء امرأة يظنها أجنبية، فإذا هي مباحة له أثم ولو اعتقدها زوجته أو أمته فلا إثم، وكذا لو شرب مباحاً يعتقده حراماً أثم، وبالعكس لا يأثم، ومثله ما إذا قتل من يعتقده معصوماً فبان له أنه مستحق دمه، أو أتلف ما لا يظنه لغيره فبان ملكه. ومنها: اشتراط النية لسجود التلاوة لأنه عبادة، وهو قول الجمهور، خلافاً لبعضهم. ومنها: استدلوا به على وجوب النية على الغاسل في غسل الميت، لأنه عبادة وغسل واجب، وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي، ويدل عليه نص الشافعي على وجوب غسل الغريق، وأنه لا يكفي إصابة الماء له، ولكن أصح الوجهين كما قاله الرافعي في (المحرر) أنه لا تجب النية على الغاسل. ومنها: أنه لا يجب على الزوج النية إذا غسل زوجته المجنونة من حيض أو نفاس، أو الذمية إذا امتنعت فغسلها الزوج وهو أصح الوجهين، كما صححه النووي في التحقيق في مسألة المجنونة. وأما الذمية المتمنعة فقال في (شرح المهذب): الظاهر أنه على الوجهين في المجنونة، بل قد جزم ابن الرفعة في (الكفاية) في غسل الذمية لزوجها المسلم: أن المسلم هو الذي ينوي، ولكن الذي صححه النوي في (التحقيق) في الذمية غير الممتنعة اشتراط النية عليها نفسها. ومنها: أنهم قالوا: لما علم أن محل النية القلب، فإذا اقتصر عليه جاز إلاَّ في الصلاة على وجه شاذٍ لهم لا يعبأ به، وإن اقتصر على اللسان لم يجز إلاّ في الزكاة على وجه شاذ أيضاً، وإن جمع بينهما فهو آكد، واشترطوا المقارنة في جميع النيات المعتبرة إلاَّ الصوم للمشقة، وإلاّ الزكاة، فإنه يجوز تقديمها قبل وقت إعطائها. قيل: والكفارات فإنه يجوز تقديمها قبل الفعل والشروع. ثم هل يشترط استحضار النية أول كل عمل وإن قل وتكرر فعله مقارناً لأوله؟ فيه مذاهب: أحدها: نعم. وثانيها: يشترط ذلك في أوله ولا يشترط إذا تكرر، بل يكفيه أن ينوي i i ٦٨ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (١) أول كل عمل، ولا يشترط تكرارها فيما بعد، ولا مقارنتها، ولا الاتصال. وثالثها: يشترط المقارنة دون الاتصال. ورابعها: يشترط الاتصال، وهو أخص من المقارنة. وهذه المذاهب راجعة إلى أن النية جزء من العبادة، أو شرط لصحتها، والجمهور على الأول، ولا وجه للثاني. وإذا أشرك في العبادة غيرها من أمر دنيوي، أو رياء، فاختار الغزالي اعتبار الباعث على العمل، فإن كان القصد الدنيوي هو الأغلب لم يكن له فيه أجر، وإن كان القصد الديني هو الأغلب كان له الأجر بقدره، وإن تساويا تساقطا، واختار الشيخ عز الدين بن عبد السلام أنه لا أجر فيه مطلقاً، سواء تساوى القصدان أو اختلفا. وقال المحاسبي: إذا كان الباعث الديني أقوى بطل عمله، وخالف في ذلك الجمهور. وقال ابن جرير الطبري: إذا كان ابتداء العمل لله لم يضره ما عرض بعده في نفسه من عجب، هذا قول عامة السلف رحمهم الله. الثاني من الاستنباط: احتج به أبو حنيفة، ومالك، وأحمد في: أن من أحرم بالحج في غير أشهر الحج أنه لا ينعقد عمرة، لأنه لم ينوها، فإنما له ما نواه، وهو أحد أقوال الشافعي، إلاّ أن الأئمة الثلاثة قالوا: ينعقد إحرامه بالحج، ولكنه يكره. ولم يختلف قول الشافعي: إنه لا ينعقد بالحج، وإنما اختلف قوله: هل يتحلل بأفعال العمرة؟ وهو قوله المتقدم، أو ينعقد إحرامه عمرة، وهو نصه في (المختصر)، وهو الذي صححه الرافعي والنووي، فعلى القول الأول لا تسقط عنه عمرة الإسلام، وعلى القول الذي نص عليه في (المختصر) تسقط عنه عمرة الإسلام. الثالث: احتج به مالك في اكتفائه بنية واحدة في أول شهر رمضان، وهو رواية عن أحمد، لأن كله عبادة واحدة. وقال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد في رواية: لا بد من النية لكل يوم لأن صوم كل يوم عبادة مستقلة بذاتها، فلا يكتفى بنية واحدة. الرابع: احتج به أبو حنيفة، والثوري، ومالك في أن الصرورة(١) يصح حجه عن غيره، ولا يصح عن نفسه لأنه لم ينوه عن نفسه، وإنما له ما نواه. وذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق والأوزاعي إلى أنه: لا ينعقد عن غيره، ويقع ذلك عن نفسه، والحديث حجة عليهم. فإن قيل: روى أبو داود، وابن ماجه، من حديث ابن عباس، رضي الله عنهما. ((أن رسول الله عَّ سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة، فقال: ((أحججت قط؟)). قال: لا. قال: ((فاجعل هذه عن نفسك ثم حج عن شبرمة)). وهذه رواية ابن ماجه بإسناد صحيح. وفي رواية أبي داود: ((حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة)). قلت: قال الدارقطني: الصحيح من الرواية: اجعلها في نفسك ثم حج عن شبرمة. فإن قلت: كيف يأمره بذلك والإحرام وقع عن الأول؟ قلت: يحتمل أنه كان في ابتداء الإسلام حين لم يكن الإحرام لازماً، على ما روي (١) قال العلامة المقري في (المصباح): الصرورة بالفتح، الذي لم يحج وهذه الكلمة من النوادر التي وصف بها المذكر والمؤنث مثل: ملولة وفروقة ويقال أيضاً: صروري على النسبة وصارورة. سمي بذلك لصره على نفقته لأنه لم يخرجها في الحج، انتهى. AM.F. ٦٩ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (١) عن بعض الصحابة أنه تحلل في حجة الوداع عن الحج بأفعال العمرة، فكان يمكنه فسخ الأول وتقديم حج نفسه. وقد استدل بعضهم لأبي حنيفة ومن معه بما رواه الطبراني، ثم البيهقي من طريقه، من حديث ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: ((سمع النبي عَّه رجلاً يلبي عن أبيه، فقال: ((أيها الملبي عن أبيه، أحجج عن نفسك))، ثم قال: هذا ضعيف، فيه الحسن بن عمارة وهو متروك. قلت: ما استدل أبو حنيفة إلّ بما رواه البخاري ومسلم: ((أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله إن أبي أدركته فريضة الحج، وإنه شيخ كبير لا يستمسك على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: ((نعم، حجي عن أبيك)). وفي لفظ أخرجه أحمد: ((لو كان على أبيك دين فقضيته عنه كان يجزيه؟)) قالت: نعم قال: ((فحجي عن أبيك)). ولم يستفسر عليه الصلاة والسلام: هل حججت أم لا؟ الخامس: قالت الشافعية: فيه حجة على أبي حنيفة حيث ذهب إلى أن المقيم إذا نوى في رمضان صوم قضاء أو كفارة أو تطوع وقع عن رمضان، قالوا: إنه وقع عن غير رمضان، إذ ليس له إلاّ ما نواه، ولم ينو صوم رمضان، وتعينه شرعاً لا يغني عن نية المكلف لأداء ما كلف به، وذهب مالك، والشافعي، وأحمد أنه لا بد من تعيين رمضان لظاهر الحديث. قلت: هذا نوى عبادة الصوم فحصل له ذلك، والفرض فيه متعين، فيصاب بأصل النية كالمتوحد في الدار يصاب باسم جنسه. وقولهم: لا بد من تعيين رمضان لظاهر الحديث غير صحيح، لأن ظاهر حديث: ((الأعمال بالنيات))، لا يدل على تعیین رمضان، وإنما يدل على وجوب مطلق النية في العبادات، وقد وجد مطلق النية كما قلنا. السادس: احتجت به بعض الشافعية على أبي حنيفة في ذهابه إلى أن الكافر إذا أجنب أو أحدث فاغتسل أو توضأ ثم أسلم أنه لا تجب إعادة الغسل والوضوء عليه، وقالوا: هو وجه لبعض أصحاب الشافعي، وخالف الجمهور في ذلك، فقالوا: تجب إعادة الغسل والوضوء عليه، لأن الكافر ليس من أهل العبادة، وبعضهم يعلله بأنه ليس من أهل النية. قلت: هذا مبني على اشتراط النية في الوضوء عندهم وعدم اشتراطها عنده، ولما ثبت ذلك عنده بالبراهین لم ییق للاحتجاج بالحديث المذکور عليه وجه. السابع: احتجوا به على الأوزاعي في ذهابه إلى أن: المتيمم لا تجب له النية أيضاً كالمتوضىء. قلت: له أن يقول: التيمم عبارة عن القصد وهو النية؛ وقد رد عليه بعضهم بقوله: ورد عليه بالإجماع على أن الجنب لو سقط في الماء غافلاً عن كونه جنباً أنه لا ترتفع جنابته قطعاً، فلولا وجوب النية لما توقف صحة غسله عليها. قلت: دعوى الإجماع مردودة لأن الحنفية قالوا برفع الجنابة في هذه الصورة. الثامن: احتج به طائفة من الشافعية في اشتراط النية لسائر أركان الحج من: الطواف، والسعي، والوقوف والحلق، وهذا مردود لأن نية الإحرام شاملة لهذه الأركان، فلا تحتاج إلى نية أخرى كأركان الصلاة. i i ـدء i i ٧٠ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (١) التاسع: احتج به الخطابي على أن المطلِّق إذا طلّق بصريح لفظ الطلاق، ونوى عدداً من أعداد الطلاق، كمن قال لامرأته: أنت طالق، ونوى ثلاثاً، كان ما نواه من العدد واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً، وهو قول: مالك والشافعي وإسحاق وأبو عبيد. وعند: أبي حنيفة وسفيان الثوري والأوزاعي وأحمد: واحدة. قلت: استدلوا بقوله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن﴾ [البقرة: ٢٣٨] أثبت له حق الرد، فلا تتحقق الحرمة الغليظة، ولا يصح الاحتجاج بالحديث بأنه نوى ما لا يحتمله لفظه، فلم يتناوله الحديث، فلا تصح نيته كما لو قال: زوري أباك. العاشر: احتجت به بعض الشافعية على الحنفية في قولهم في الكناية في الطلاق كقوله: أنت بائن، إنه إن نوى ثنتين فهي واحدة بائنة، وإن نوى الطلاق ولم ينو عدداً فهي واحدة بائنة أيضاً، قالوا: الحديث حجة عليهم. وذهب الشافعي والجمهور إلى أنه إن نوى ثنتين فهي كذلك، وإن لم ينو عدداً فهي واحدة رجعية. قلت: هذا الكلام لا يحتمل العدد لأنه يتركب من الأفراد، وهذا فرد، وبين العدد والفرد منافاة، فإذا نوى العدد فقد نوى ما لا يحتمله كلامه، فلا يصح، فلا يتناوله الحديث، فإذاً لا يصير حجة عليهم. الحادي عشر: فيه رد على المرجئة في قولهم: الإيمان إقرار باللسان دون الاعتقاد بالقلب. الثاني عشر: احتج به بعضهم على أنه لا يؤاخذ به الناسي والمخطىء في الطلاق والعتاق ونحوهما، لأنه لا نية لهما. قلت: يؤاخذ المخطىء فيصح طلاقه حتى لو قال: اسقني مثلاً فجرى على لسانه: أنت طالق، وقع الطلاق، لأن القصد أمر باطن لا يوقف عليه، فلا يتعلق الحكم لوجود حقيقته، بل يتعلق بالسبب الظاهر الدال، وهو أهلية القصد بالعقل والبلوغ. فإن قيل: ينبغي على هذا أن يقع طلاق النائم. قلت: المانع هو الحديث أيضاً، فالنوم ينافي أصل العمل بالعقل، لأن النوم مانع عن استعمال نور العقل، فكانت أهلية القصد معدومة بيقين، فافهم. الثالث عشر: فيه حجة على بعض المالكية من أنهم لا يدينون من سبق لسانه إلى كلمة الكفر إذا آدعى ذلك، وخالفهم الجمهور، ويدل لذلك ما رواه مسلم في (صحيحه) من قصة الرجل الذي ضلت راحلته ثم وجدها، فقال من شدة الفرح: ((اللهم أنت عبدي وأنا ربك)). قال النبي، عليه الصلاة والسلام: ((أخطأ من شدة الفرح)). الرابع عشر: فيه أنه لا تصح العبادة من المجنون، لأنه ليس من أهل النية: كالصلاة والصوم والحج ونحوها، ولا عقوده: كالبيع والهبة والنكاح، وكذلك لا يصح منه: الطلاق والظهار واللعان والإيلاء، ولا يجب عليه القود ولا الحدود. الخامس عشر: فيه حجة لأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق في عدم وجوب القود في شبه العمد، لأنه لم ينو قتله، إلاَّ أنهم اختلفوا في الدية، فجعلها الشافعي ومحمد بن الحسن أثلاثاً، وجعلها الباقون أرباعاً، وجعلها أبو ثور أخماساً؛ وأنكر مالك شبه العمد وقال: ١٣ ٣٠! ٧١ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (١) ليس في كتاب الله إلاّ الخطأ والعمد، فأما شبه العمد فلا نعرفه، واستدل هؤلاء بما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن عمر مرفوعاً: ((ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا، مائة من الإبل)) الحديث. السادس عشر: في قول علقمة: سمعت عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، على المنبر يقول: رد لقول من يقول: إن الواحد إذا آدعى شيئاً كان في مجلس جماعة لا يمكن أن ينفرد بعلمه دون أهل المجلس، ولا يقبل حتى يتابعه عليه غيره، لما قاله بعض المالكية مستدلين بقصة ذي اليدين. السابع عشر: فيه أنه لا بأس للخطيب أن يورد أحاديث في أثناء خطبته، وقد فعل بذلك الخلفاء الراشدون، رضي الله عنهم. الثامن عشر: اختلفوا في قوله: الأعمال، فقال بعضهم: هي مختصة بالجوارح، وأخرجوا الأقوال. والصحيح الذي عليه الجمهور أنه يتناول فعل الجوارح والقلوب والأقوال، وقال بعض الشارحين: الأعمال ثلاثة: بدني وقلبي ومركب منهما، فالأول: كل عمل لا يشترط فيه النية: كرد المغصوب والعواري والودائع والنفقات. والثاني: كالاعتقادات والحب في الله والبغض فيه، وما أشبه ذلك. والثالث: كالوضوء والصلاة والحج، وكل عبادة بدنية يشترط فيها النية قولاً كانت أو فعلاً. فإن قيل: النية أيضاً عمل لأنه من أعمال القلب، فإن احتاج كل عمل إلى نية فالنية أيضاً تحتاج إلى نية، وهلم جراً. قلت: المراد بالعمل عمل الجوارح في نحو: الصلاة والزكاة، وذلك خارج عنه بقرينة العقل دفعاً للتسلسل؛ فإن قلت: فما قولك في إيجاب معرفة الله تعالى للغافل عنه؟ أجيب عنه بأنه لا دخل له في البحث، لأن المراد تكليف الغافل عن تصور التكليف لا عن التصديق بالتكليف، ولهذا كان الكفار مكلفين لأنهم تصوروا التكليف لما قيل لهم: إنكم مكلفون، وإن كانوا غافلين عن التصديق، وقال بعضهم: معرفة الله تعالى، لو توقفت على النية، مع أن النية قصد المنوي بالقلب، لزم أن يكون عارفاً بالله قبل معرفته وهو محال. (فائدة) قال التيمي: النية أبلغ من العمل، ولهذا المعنى تقبل النية بغير العمل، فإذا نوى حسنة فإنه يجزى عليها، ولو عمل حسنة بغير نية لم يجز بها؛ فإن قيل: فقد روي عن النبي مَِّ، قال: (من هم بحسنة ولم يعملها كتبت له واحدة ومن عملها كتبت له عشراً) وروي أيضاً أنه قال: ((نية المؤمن خير من عمله))، فالنية في الحديث الأول دون العمل، وفي الثاني فوق العمل، وخير منه. قلنا: أما الحديث الأول فلأن الهامّ بالحسنة إذا لم يعملها خالف العامل، لأنَّ الهامّ لم يعمل، والعامل لم يعمل حتى هم، ثم عمل. وأما الثاني فلأن تخليد الله العبد في الجنة ليس لعمله، وإنما هو لنيته، لأنه لو كان لعمله لكان خلوده فيها بقدر مدة عمله أو أضعافه، إلاّ أنه جازاه بنيته، لأنه كان ناوياً أن يطيع الله تعالى أبداً لو بقي أبداً، فلما اخترمته منيته دون نيته جزاه الله عليها، وكذا الكافر، لأنه لو كان يجازى بعمله لم يستحق التخليد في النار إلاّ بقدر مدة كفره، غير أنه نوى أن يقيم على كفره أبداً لو بقي P هوة i i i i ١ - كتاب بدء الوحي / باب (٢) فجزاه على نيته. وقال الكرماني: أقول: يحتمل أن يقال: إن المراد منه أن النية خير من عمل بلا نية، إذ لو كان المراد خير من عمل مع النية، يلزم أن يكون الشيء خيراً من نفسه مع غيره، أو المراد أن الجزاء الذي هو للنية خير من الجزاء الذي هو للعمل لاستحالة دخول الرياء فيها، أو النية خير من جملة الخيرات الواقعة بعمله، لأن النية فعل القلب وفعل الأشرف أشرف، أو أن المقصود من الطاعات تنوير القلب وتنوير القلب بها أكثر، لأنها صفته أو أن نية المؤمن خير من عمل الكافر، لما قيل، ورد ذلك حين نوى مسلم بناء قنطرة فسبق كافر إليه. فإن قلت: هذا حكمه في الحسنة، فما حكمه في السيئة؟ قلت: المشهور أنه لا يعاقب عليها بمجرد النية، واستدلوا عليها بقوله تعالى: ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ [البقرة: ٢٨٦] فإن: اللام، للخير، فجاء فيها بالكسب الذي لا يحتاج إلى تصرف، بخلاف: على، فإنها لما كانت للشر جاء فيها بالاكتساب الذي لا بد فيه من التصرف والمعالجة، ولكن الحق أن السيئة أيضاً يعاقب عليها بمجرد النية، لكن على النية لا على الفعل، حتى لو عزم أحد على ترك صلاة بعد عشرين سنة يأثم في الحال، لأن العزم من أحكام الإيمان، ويعاقب على العزم لا على ترك الصلاة، فالفرق بين الحسنة والسيئة أن بنية الحسنة يثاب الناوي على الحسنة، وبنية السيئة لا يعاقب عليها بل على نيتها. فإن قلت: من جاء بنية الحسنة فقد جاء بالحسنة، ومن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، فيلزم أن من جاء بنية الحسنة فله عشر أمثالها، فلا يبقى فرق بين نية الحسنة ونفس الحسنة. قلت: لا نسلم أن من جاء بنية الحسنة فقد جاء بالحسنة، بل يثاب على الحسنة، فظهر الفرق. انتهى. وقد دل ما رواه أبو يعلى في (مسنده) عن النبي عَ ل قال: «يقول الله تعالى للحفظة يوم القيامة: اكتبوا لعبدي كذا وكذا من الأجر، فيقولون: ربنا لم نحفظ ذلك عنه، ولا هو في صحفنا. فيقول: إنه نواه)) على كون النية خيراً من العمل. ٢ - باب ٢/٢ - حدّثنا عبدُ الله بنُ يُوسُفَ قال: أَخيرَنا مَالِكٌ عن هِشامِ بنِ عُزْوَةً عن أَبِيهِ عن عَائِشَةَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ رضي الله عنها أَنَّ الحارِثَ بنَ هِشام رضي الله عنه سَأَلَ رسولَ الله عَلَّه فقالَ: يا رسولَ الله كيفَ يَأَتِيكَ الوَحِيُّ؟ فقالَ رسولُ اللهِ عَلِ: ((أَعْياناً يَأْتِينِي مِثلَ صَلْصَلَةٍ الجَرَسِ وَهُوَ أَشَدَّهُ عَلَيَّ فَيَفْصِمُ عَنِّي وقد وَعَيْتُ عنهُ ما قالَ، وأَعْياناً يَتَمَثَّلُ لِي المَلَكُ رَجُلاً فَيُكَلِّمُبِي فَأَعِي ما يَقولُ)) [الحديث ٢ - طرفه في: ٣٢١٥]. لما كان الباب معقوداً لبيان الوحي وكيفيته، شرع بذكر الأحاديث الواردة فيه، غير أنه قدم حديث الأعمال بالنيات تنبيهاً على أنه قصد من تصنيف هذ الجامع التقرب إلى الله تعالى، فإن الأعمال بالنيات، وأيضاً فإنه مشتمل على الهجرة، وكانت مقدمة النبوة في حقه، عليه الصلاة والسلام، هجرته إلى الله تعالى، وإلى الخلوة بمناجاته في غار حراء، فهجرته إليه كانت ابتداء فضله عليه باصطفائه، ونزول الوحي عليه مع التأييد الإلهي والتوفيق الرباني. بيان رجاله: وهم ستة. الأول: عبد الله بن يوسف المصري التنيسي، وهو من أجل ٠٧٧٢ ٧٣ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (٢) من روى (الموطأ) عن مالك، رحمه الله تعالى، سمع الأعلام: مالكاً والليث بن سعد ونحوهما، وعنه الأعلام: يحيى بن معين والذهلي وغيرهما، وأكثر عنه البخاري في (صحيحه)، وقال: كان أثبت الشاميين. وروى أبو داود والنسائي والترمذي عن رجل عنه، ولم يخرج له مسلم. مات بمصر سنة ثمان عشرة ومائتين؛ وقال البخاري: لقيته بمصر سنة سبع عشرة ومائتين، ومنه سمع البخاري (الموطأ) عن مالك، وليس في الكتب الستة عبد الله بن يوسف سواه، ونسبته إلى تنيس، بكسر التاء المثناة من فوق والنون المكسورة المشددة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره سين مهملة، بلدة بمصر ساحل البحر، واليوم خراب، سمیت بتنیس بن حام بن نوح - عليه السلام - وأصله من دمشق، ثم نزل بتنيس. وفي يوسف ستة أوجه: ضم السين، وفتحها، وكسرها مع الهمزة، وتركها(١) وهو اسم عبراني، وقيل: عربي. قال الزمخشري: وليس بصحيح، لأنه لو كان عربياً لأنصرف لخلوه عن سبب آخر سوى التعريف. فإن قلت: فما تقول فيمن قرأ يوسف بكسر السين أو يوسف بفتحها هل يجوز على قراءته أن يقال: هو عربي لأنه على وزن المضارع المبني للفاعل، أو المفعول من: آسف، وإنما منع الصرف للتعريف، ووزن الفعل؟ قلت: لا، لأن القراءة المشهورة قامت بالشهادة على أن الكلمة أعجمية، فلا تكون تارة عربية وتارة أعجمیة ونحو یوسف، یونس رويت فيه هذه اللغات الثلاث(٢)، ولا يقال: هو عربي لأنه في لغتين منها بوزن المضارع من آنس وأونس، ثم الذين ذهبوا إلى أنه عربي قالوا: اشتقاقه من الأسف وهو الحزن، والآسيف وهو العبد، وقد اجتمعا في يوسف النبي - عليه السلام - فلذلك سمي يوسف، وهذا فيه نظر، لأن يعقوب - عليه السلام - لما سماه يوسف لم يلاحظ فيه هذا المعنى، بل الصحيح على ما قلنا: إنه عبراني، ومعناه جميل الوجه في لغتهم. الثاني من الرجال: الإمام مالك، رحمه الله تعالى، إمام دار الهجرة، وهو مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان بن خثيل بن عمرو بن الحارث، وهو ذو أصبح الأصبحي الحميري، أبو عبد الله المدني، وعدادهم في بني تميم بن مرة، من قريش، حلفاء عثمان بن عبيد الله التيمي، أخي طلحة بن عبيد الله. وقال أبو القاسم الدولقي: أخذ مالك عن تسعمائة شيخ، منهم ثلاثمائة من التابعين، وستمائة من تابعيهم ممن اختاره وارتضى دينه وفهمه وقيامه بحق الرواية وشروطها وسكنت النفس إليه، وترك الرواية عن أهل دين وصلاح لا يعرفون الرواية. ومن الأعلام الذين روى عنهم: إبراهيم بن أبي عبلة المقدسي، وأيوب السختياني، وثور بن زيد الديلمي، وجعفر بن محمد الصادق، وحميد الطويل، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وزيد بن أسلم، وسعيد المقبري، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان، وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، والزهري، ونافع مولى بن عمر، وهشام بن عروة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبو الزبير المكي، وعائشة بنت سعد بن أبي (١) والصحيح الذي جاء به القرآن ضمها بلا همز. (٢) والصحيح منها بلا همز كما جاء به القرآن. F ٠٠٠ ١ i ٠٫٥٠ ٧٤ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (٢) وقاص. وقال أصحابنا في طبقات الفقهاء، وفي مناقب أبي حنيفة: إن مالك بن أنس كان يسأل أبا حنيفة، رضي الله عنه، ويأخذ بقوله. وبعضهم ذكر أنه كان ربما سمع منه متنكراً، وذكروا أيضاً أن أبا حنيفة سمع منه أيضاً. ومن الأعلام الذين رووا عنه: سفيان الثوري ومات قبله، وسفيان بن عيينة، وشعبة بن الحجاج ومات قبله، وأبو عاصم النبيل، وعبد الله بن المبارك، وعبد الرحمن الأوزاعي وهو أكبر منه، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، وعبد الله بن جريج، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وقتيبة بن سعيد، والليث بن سعد وهو من أقرانه، ومحمد بن مسلم الزهري وهو من شيوخه، وقيل: لا يصح، وهو الأصح. وروى عنه الإمام الشافعي، رضي الله عنه، وهو أحد مشايخه، روى عنه وأخذ عنه العلم، وأما الذين رووا عنه (الموطأ) والذين رووا عنه (مسائل الآي) فأكثر من أن يحصوا، قد بلغ فيهم أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني في كتاب جمعه في ذلك نحو ألف رجل؛ وأخذ القراءة عرضاً عن نافع بن أبي نعيم، وقال البخاري: أصح الأسانيد: مالك عن نافع عن ابن عمر، رضي الله عنهما، وقال ابن معين: كل من روى عنه مالك ثقة، إلاَّ أبا أمية. وقال غير واحد: هو أثبت أصحاب نافع والزهري، وعن الشافعي، رضي الله عنه: إذا جاءك الحديث عن مالك فشد به يديك، وإذا جاء الأثر فمالك النجم، وعنه: مالك بن أنس معلمي، وعنه أخذنا العلم، وعنه قال محمد بن الحسن الشيباني: أقمت عند مالك بن أنس ثلاث سنين وكسراً، وكان يقول: إنه سمع منه لفظاً أكثر من سبعمائة حديث، وكان إذا حدثهم عن مالك امتلأ منزله، وكثر الناس عليه حتى يضيق بهم الموضع، وإذا حدثهم عن غير مالك من شيوخ الكوفيين لم يجئه إلاَّ اليسير. وقال الواقدي: وكان مالك شَعِراً، شديد البياض، ربعة من الرجال، كبير الرأس أصلع، وكان لا يخضب، وكان يلبس الثياب العدنية الجياد، ويكره خلق الثياب ويعيبه ويراه من المثلة، وهو أيضاً من العلماء الذين ابتلوا في دين الله. قال ابن الجوزي: ضُرب مالك بن أنس سبعين سوطاً لأجل فتوى لم توافق غرض السلطان، ويقال: شعي به إلى جعفر بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس، وهو ابن عم أبي جعفر المنصور، وقالوا له: إنه لا یری إيمان بيعتكم هذه لشيء، فغضب جعفر ودعا به وجرده وضربه بالسياط، ومُّدت يده حتى انخلع كتفه، وارتكب منه أمراً عظيماً، توفي ليلة أربع عشرة من صفر، وقيل: من ربيع الأول، سنة تسع وسبعين ومائة، وصلى عليه عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، أمير المدينة يومئذٍ، ودفن بالبقيع، وزرنا قبره غير مرة، نسأل الله تعالى العودة، ومولده في ربيع الأول سنة أربع وتسعين، وفيها ولد الليث بن سعد أيضاً، وكان حمل به في البطن ثلاث سنين، وليس في الرواة مالك بن أنس غير هذا الإمام، وغير: مالك بن أنس الكوفي، روي عنه حديث واحد عن هانىء بن حرام، وقيل: حرام، ووهم بعضهم فأدخل حديثه في حديث الإمام، نبه عليه الخطيب في كتابه (المتفق والمفترق). وهو أحد المذاهب الستة المبتدعة. والثاني: الإمام أبو حنيفة، مات ببغداد سنة خمسين ومائة عن سبعين سنة. والثالث: الشافعي، مات بمصر سنة أربع ومائتين، عن أربع وخمسين . ١٠٠ ١ ٧٥ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (٢) سنة. والرابع: أحمد بن حنبل، مات سنة إحدى وأربعين ومائتين، عن ثمانين سنة ببغداد. والخامس: سفيان الثوري مات بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة، عن أربع وستين سنة. والسادس: داود بن علي الأصبهاني، مات سنة تسعين ومائتين عن ثمان وثمانين سنة ببغداد، وهو إمام الظاهرية، وقد جمع الإمام أبو الفضل يحيى بن سلامة الخصكفي الخطيب الشافعي القراء السبعة في بيت وأئمة المذاهب في بيت فقال: ببيت تراه للأئمة جامعا جمعت لك القراء لما أردتهم علي ولا تنس المديني نافعا أبو عمرو عبد الله حمزة وعاصم لتعرفهم فاحفظ إذا كنت سامعا وإن شئت أركان الشريعة فاستمع وسفيان واذكر بعد داود تابعا محمد والنعمان مالك أحمد الثالث: هشام بن عروة بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي، أبو المنذر، وقيل: أبو عبد الله، أحد الأعلام، تابعي مدني، رأى ابن عمر، ومسح برأسه، ودعا له؛ وجابراً وغيرهما. ولد مقتل الحسين، رضي الله عنه، سنة إحدى وستين، ومات ببغداد سنة خمس وأربعين ومائة، روى له الجماعة، ولم نعرف أحداً شاركه في اسمه مع اسم أبيه. الرابع: أبو عبد الله عروة والد هشام المذكور المدني التابعي الجليل المجمع على جلالته وإمامته وكثرة علمه وبراعته، وهو أحد الفقهاء السبعة، وهم: هو، وسعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسليمان بن يسار، وخارجة - بالخاء المعجمة والراء ثم الجيم - بن زيد بن ثابت، وفي السابع ثلاثة أقوال: أحدها: أبو سلمة بن عبد الرحمن، الثاني: سالم بن عبد الله بن عمر. الثالث: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. وعلى القول الأخير جمعهم الشاعر: فقسمته ضَهْزَى من الحق خارجة ألا إنَّ من لا يقتدي بأئمة سعيد أبو بكر سليمان خارجة فخذهم: عبيد الله عروة قاسم وأم عروة: أسماء بنت الصديق، وقد جمع الشرف من وجوه، فرسول الله ٹ۔ صهره، وأبو بكر جده، والزبير والده، وأسماء أمه، وعائشة خالته. ولد سنة عشرين، ومات سنة أربع وتسعين، وقيل: سنة ثلاث، وقيل تسع. روى له الجماعة، وليس في الستة عروة بن الزبير سواه، ولا في الصحابة أيضاً. الخامس: أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق، رضي الله عنهما، تكنى بأم عبد الله، كناها رسول الله عَ لله بابن اختها: عبد الله بن الزبير، وقيل: بسقط لها وليس بصحيح، وعائشة مأخوذة من العيش، وحكي: عيشة، لغة فصيحة، وأمها أم رومان، بفتح الراء وضمها، زينب بنت عامر، وهي أم عبد الرحمن أخي عائشة أيضاً، ماتت سنة ست في قول الواقدي، والزبير وهو الأصح؛ تزوجها رسول الله عَ له، بمكة قبل الهجرة بسنتين. وقيل: بثلاث، وقيل: بسنة ونصف أو نحوها، في شوال، وهي بنت ست سنين، وقيل: سبع، وبنى بها في شوال i i ٧٦ ١ - کتاب بدء الوحي / باب (٢) أيضاً بعد وقعة بدر في السنة الثانية من الهجرة. أقامت في صحبته ثمانية أعوام وخمسة أشهر، وتوفي عنها وهي بنت ثماني عشرة، وعاشت خمساً وستين سنة، وكانت من أكبر فقهاء الصحابة، وأحد الستة الذين هم أكثر الصحابة رواية، روي لها ألفا حديث ومائتا حديث وعشرة أحاديث. اتفق البخاري ومسلم على مائة وأربعة وسبعين حديثاً، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين، ومسلم بثمانية وخمسين. روت عن خلق من الصحابة، وروى عنها جماعات من الصحابة والتابعين قريب من المائتين، ماتت بعد الخمسين، إما سنة خمس، أو ست، أو سبع، أو ثمان في رمضان، وقيل: في شوال. وأمرت أن تُدفن ليلاً بعد الوتر بالبقيع، وصلى عليها أبو هريرة، رضي الله تعالى عنه. وهل هي أفضل من خديجة بنت خويلد؟ فيه خلاف. فقال بعضهم: عائشة أفضل، وقال آخرون: خديجة أفضل، وبه قال القاضي والمتولي، وقطع ابن العربي المالكي وآخرون وهو الأصح؛ وكذلك الخلاف موجود: هل هي أفضل أم فاطمة؟ والأصح أنها أفضل من فاطمة. وسمعت بعض أساتذتي الكبار أن فاطمة أفضل في الدنيا، وعائشة أفضل في الآخرة، والله أعلم. وجملة من في الصحابة اسمه عائشة عشرة: عائشة هذه، وبنت سعد، وبنت حز، وبنت الحارث القريشية، وبنت أبي سفيان الأشهلية، وبنت عبد الرحمن بن عتيك زوجة ابن رفاعة، وبنت عمير الأنصارية، وبنت معاوية بن المغيرة أم عبد الملك بن مروان، وبنت قدامة بن مظعون، وعائشة من الأوهام، وإنما هي بنت عجرد. وسمعت ابن عباس: وليس في الصحيحين من اسمه عائشة من الصحابة سوى الصديقة، وفيهما: عائشة بنت طلحة بن عبيد الله عن خالتها عائشة، أصدقها مصعب ألف ألف، وكانت بديعة جداً. وفي البخاري: عائشة بنت سعد بن أبي وقاص، تروي عن أبيها؛ وفي ابن ماجه: عائشة بنت مسعود بن العجماء العدوية عن أبيها، وعنها ابن أخيها محمد بن طلحة، وليس في مجموع الكتب الستة غير ذلك، وثم عائشة بنت سعد أخرى بصرية تروي عن الحسن. فإن قلت: ما أصل قولهم في عائشة وغيرها من أزواج النبي، عليه الصلاة والسلام، أم المؤمنين؟ قلت: أخذوه من قوله تعالى: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ [الأحزاب: ٦] وقرأ مجاهد: وهو أب لهم، وقيل: إنها قراءة أبي بن كعب؛ وهن أمهات في وجوب احترامهن وبرهن، وتحريم نكاحهن، لا في جواز الخلوة والمسافرة، وتحريم نكاح بناتهن، وكذا النظر في الأصح، وبه جزم الرافعي، ومقابله حكاه الماوردي. وهل يقال لإخوتهن أخوال المسلمين، ولأخواتهن خالات المؤمنين؛ ولبناتهن أخوات المؤمنين؟ فيه خلاف عند العلماء، والأصح المنع لعدم التوقيف، ووجه مقابله أنه مقتضى ثبوت الأمومة وهو ظاهر النص، لكنه مؤول. قالوا: ولا يقال: آباؤهن وأمهاتهن أجداد المؤمنين وجداتهم. وهل يقال فيهن أمهات المؤمنات؟ فيه خلاف، والأصح أنه لا يقال بناء على الأصح: إنهن لا يدخلن في خطاب الرجال، وعن عائشة، رضي الله عنها، أنها قالت: أنا أم رجالكم لا أم النساء. وهل يقال للنبي - عليه السلام - أبو المؤمنين؟ فيه وجهان، والأصح الجواز، ونص عليه الشافعي أيضاً، أي: في الحرمة، ومعنى قوله تعالى /١٣٠ ١٣٠ ٧٧ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (٢) ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم﴾ [الأحزاب: ٤٠] لصلبه. وعن الأستاذ أبي إسحاق أنه: لا يقال: أبونا، وإنما يقال: هو كأبينا، لما روي أنه، عليه الصلاة والسلام، أنه قال: ((إنما أنا لکم کالوالد». السادس: الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، أخو أبي جهل لأبویه، وابن عم خالد بن الوليد، شهد بدراً کافراً فانهزم، وأسلم یوم الفتح وحسن إسلامه، وأعطاه النبي - عليه الصلاة والسلام - يوم حنين مائة من الإبل، قتل باليرموك سنة خمس عشرة، وكان شريفاً في قومه، وله اثنان وثلاثون ولداً، منهم: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أحد الفقهاء السبعة على قول، وليس في الصحابة الحارث بن هشام إلاّ هذا، وإلاَّ الحارث بن هشام الجهني، روى عنه المصريون، ذكره ابن عبد البر، وقال بعض الشارحين: هذا الحديث أدخله الحفاظ في مسند عائشة دون الحارث، وليس للحارث هذا في (الصحيحين) رواية، وإنما له رواية في (سنن ابن ماجه) فقط، وعده ابن الجوزي فيمن روى من الصحابة حديثين، مراده في غير (الصحيحين)، وليس في الصحابة في (الصحيحين) من اسمه الحارث غير الحارث بن ربعي أبي قتادة، على أحد الأقوال في اسمه، والحارث بن عوف أبي واقد الليثي، وهما بكنيتهما أشهر، وأما خارج (الصحيحين) فجماعات كثيرون فوق المائة والخمسين. قلت: أدخل الإمام أحمد في (مسنده): الحارث بن هشام، فإنه رواه عن عامر بن صالح، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن الحارث بن هشام. قال: سألت رسول الله عَّله، الحديث ... واعلم أن الحارث قد يكتب بلا ألف تخفيفاً، وهشام بكسر الهاء، وبالشين المعجمة. بيان لطائف إسناده: منها أن رجاله كلهم مدنيون خلا شيخ البخاري، ومنها أن فيه تابعياً عن تابعي. ومنها أن قولها: سأل رسول الله عَّلم يحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون عائشة رضي الله عنها، حضرته. والآخر أن يكون الحارث أخبرها بذلك، فعلى الأول ظاهر الاتصال، وعلى الثاني مرسل صحابي، وهو في حكم المسند. ومنها أن في الأول: حدثنا عبد الله، وفي الثاني أخبرنا مالك، والبواقي بلفظة: عن، المسماة بالعنعنة، قال القاضي عياض: لا خلاف أنه يجوز في السماع من لفظ الشيخ أن يقول السامع فيه: حدثنا، وأخبرنا، وأنبأنا، وسمعته يقول، وقال لنا فلان، وذكر فلان، وإليه مال الطحاوي، وصحح هذا المذهب ابن الحاجب، ونقل هو وغيره عن الحاكم أنه مذهب الأئمة الأربعة، وهو مذهب جماعة من المحدثين منهم: الزهري، ومالك، وسفيان بن عيينة، ويحيى القطان؛ وقيل: إنه قول معظم الحجازيين والكوفيين، وقال آخرون: بالمنع في القراءة على الشيخ إلاّ مقيداً مثل: حدثنا فلان قراءة عليه، وأخبرنا قراءة عليه، وهو مذهب ابن المبارك، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن يحيى التميمي، والمشهور عن النسائي وصححه الآمدي والغزالي، وهو مذهب المتكلمين. وقال آخرون بالمنع في: حدثنا، والجواز في: أخبرنا، وهو مذهب الشافعي وأصحابه، ومسلم بن الحجاج، وجمهور أهل المشرق. ونقل عن أكثر المحدثين، منهم: ابن جريج، والأوزاعي، ! i i. i ـة قة، ٧٨ ١ - کتاب بدء الوجي / باب (٢) والنسائي، وابن وهب، وقيل: إنه أول من أحدث هذا الفرق بمصر، وصار هو الشائع الغالب على أهل الحديث. والأحسن أن يقال فيه: إنه اصطلاح منهم أرادوا التمييز بين النوعين، وخصصوا قراءة الشيخ: بحدثنا، لقوة إشعاره بالنطق والمشافهة. واختلف في المعنعن، فقال بعضهم: هو مرسل، والصحيح الذي عليه الجماهير أنه متصل إذا أمكن لقاء الراوي المروي عنه، وقال النووي: ادعى مسلم إجماع العلماء على أن المعنعن، وهو الذي فيه فلان عن فلان، محمول على الاتصال والسماع إذا أمكن لقاء من أضيفت العنعنة إليهم بعضهم بعضاً، يعني مع براءتهم من التدليس، ونقل، أي: مسلم، عن بعض أهل عصره أنه قال: لا يحمل على الاتصال حتى يثبت أنهما التقيا في عمرهما مرة، فأكثر، ولا يكفي إمكان تلاقيهما، وقال: هذا قول ساقط، واحتج عليه بأن المعنعن محمول على الاتصال إذا ثبت التلاقي مع احتمال الإرسال، وكذا إذا أمكن التلاقي. قال النووي: والذي رده هو المختار الصحيح الذي عليه أئمة هذا الفن: البخاري وغيره، وقد زاد جماعة عليه، فاشترط القابسي أن يكون قد أدركه إدراكاً بيناً، وأبو المظفر السمعاني طول الصحبة بينهما. بيان تعدد الحديث ومن أخرجه غيره: قد رواه البخاري أيضاً في بدء الخلق عن فروة، عن علي بن مسهر، عن همام. ورواه مسلم في الفضائل عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن ابن عيينة، عن أبي كريب، عن أبي أسامة وعن ابن نمير، عن أبي بشر عنه. بيان اللغات: قوله: ((الوحي) قد فسرناه فيما مضى، ولنذكر ههنا أقسامه وصوره، أما أقسامه في حق الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، فعلى ثلاثة أضرب. أحدها: سماع الكلام القديم، كسماع موسى - عليه السلام - فعلى ثلاثة أضرب. أحدها: سماع الكلام القديم، كسماع موسى - عليه السلام - بنص القرآن، ونبينا معَّ له بصحيح الآثار. الثاني: وحي رسالة بواسطة الملك. الثالث: وحي تلق بالقلب، كقوله، عليه الصلاة والسلام، ((إن روح القدس نفث في روعي)) أي: في نفسي، وقيل: كان هذا حال داود، عليه السلام. والوحي إلى غير الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، بمعنى الإلهام كالوحي إلى النحل. وأما صوره على ما ذكره السهيلي فسبعة. الأولى: المنام، كما جاء في الحديث. الثانية: أن يأتيه الوحي مثل صلصلة الجرس، كما جاء فيه أيضاً. الثالثة: أن ينفث في روعه الكلام، كما مر في الحديث المذكور آنفاً، وقال مجاهد وغيره في قوله تعالى: ﴿أن يكلمه الله إِلاَّ وحياً﴾ [الشورى: ٥١] وهو أن ينفث في روعه، بالوحي. الرابعة: أن يتمثل له الملك رجلاً، كما في هذا الحديث، وقد كان يأتيه في صورة دحية. قلت: اختصاص تمثله بصورة دحية دون غيره من الصحابة لكونه أحسن أهل زمانه صورة، ولهذا كان يمشي متلثماً خوفاً أن يفتتن به النساء. الخامسة: أن يتراءى له جبريل - عليه السلام - في صورته التي خلقها الله تعالى له بستمائة جناح ينتشر منها اللؤلؤ والياقوت. السادسة: أن يكلمه الله تعالى من وراء حجاب، إما في اليقظة: كليلة الإسراء)، أو في النوم، كما جاء في الترمذي مرفوعاً: ((أتاني ربي في أحسن صورة فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى)) الحديث، وحديث عائشة الآتي ٧٩ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (٢) ذكره: ((فجاءه الملك فقال اقرأ)) ظاهره أن ذلك كان يقظة. وفي السيرة: فأتاني وأنا نائم، ويمكن الجمع بأنه جاء أولاً مناماً توطئة وتيسيراً عليه وترفقاً به. وفي (صحيح مسلم) من حديث ابن عباس، رضي الله عنهما: ((مكث عليه الصلاة والسلام بمكة خمسة عشر سنة يسمع الصوت ويرى الضوء سبع سنين ولا يرى شيئاً، وثماني سنين يوحى إليه)». السابعة: وحي إسرافيل - عليه السلام - كما جاء عن الشعبي أن النبي، عليه الصلاة والسلام، وكل به إسرافيل - عليه السلام - فكان يتراءى له ثلاث سنين، ويأتيه بالكلمة من الوحي والشيء، ثم وكل به جبريل - عليه السلام - وفي (مسند أحمد) بإسناد صحيح عن الشعبي: ((أن رسول الله عَّ نزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته إسرافيل - عليه السلام - ثلاث سنين، فكان يعلمه الكلمة والشيء، ولم ينزل القرآن، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل - عليه السلام - فنزل القرآن على لسانه عشرين سنة، عشراً بمكة وعشراً بالمدينة، فمات وهو ابن ثلاث وستين سنة)). وأنكر الواقدي وغيره كونه وكل به غير جبريل - عليه السلام - وقال أحمد بن محمدُ البغدادي: أكثر ما كان في الشريعة مما أوحى إلى رسول الله عَِّ على لسان جبريل - عليه السلام - قوله: ((أحياناً) جمع حين، وهو الوقت، يقع على القليل والكثير، قال الله تعالى: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر﴾ [الإنسان: ١] أي: مدة من الدهر. قال الجوهري: الحين الوقت، والحين المدة، وفلان يفعل كذا، أحياناً، وفي الأحايين. والحاصل أن الحين يطلق على لحظة من الزمان فما فوقه، وعند الفقهاء: الحين والزمان يقع على ستة أشهر حتى لو حلف لا يكلمه حيناً أو زماناً، أو الحين أو الزمان فهو على ستة أشهر. قالوا: لأن الحين قد يراد به الزمان القليل، وقد يراد به أربعون سنة. قال الله تعالى: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر﴾ [الإنسان: ١] أي: أربعون سنة، وقد يراد به ستة أشهر. قال الله تعالى: ﴿تؤتي أكلها كل حين﴾ [إبراهيم: ٢٥]. قلت: هذا إذا لم ينو شيئاً، أما إذا نوى شيئاً فهو على ما نواه، لأنه حقيقة كلامه. قوله: ((مثل صلصلة الجرس)) الصلصلة بفتح الصادين المهملتين: الصوت المتدارك الذي لا يفهم أول وهلة. ويقال: هي صوت كل شيءٍ مصوت، كصلصلة السلسلة، وفي (العباب): صلصلة اللجام صوته إذا ضوعف. وقال الخطابي: يريد أنه صوت متدارك يسمعه ولا يشتبه أول ما يقرع سمعه حتى يفهمه من بعد، وقال أبو علي الهجري في (أماليه) الصلصة للحديد والنحاس والصفر ويابس الطين وما أشبه ذلك: صوته. وفي (المحكم) صلّ يصل صليلاً، وصلصل وتصلصل صلصلة وتصلصلا: صوت، فإن توهمت ترجيع صوت قلت: صلصل وتصلصل. وقال القاضي: الصلصلة صوت الحديد فيما له طنين. وقيل: معنى الحديث هو: قوة صوت حفيف أجنحة الملائكة لتشغله عن غير ذلك، ويؤيده الرواية الأخرى: ((كأنه سلسلة على صفوان)) أي: حفيف الأجنحة. والجرس بفتح الراء هو: الجلجل الذي يعلق في رأس الدواب. وقال الكرماني: الجرس شبه ناقوس صغير، أو صطل في داخله قطعة نحاس معلق منكوساً على البعير، فإذا تحرك تحركت النحاسة فأصابت الصطل i ١ i i. ١ i i i i جدة ٨٠ ٠٩ ١ - كتاب بدء الوحي / باب (٢) فتحصل صلصلة. والعامة تقول: جرص، بالصاد، وليس في كلام العرب كلمة اجتمع فيها الصاد والجيم إلا: الصمج، وهو: القنديل، وأما: الجص، فمعرَّب، قال ابن دريد: اشتقاقه من الجرس، أي: الصوت والحس، وقال ابن سيده: الجرس والجرس والجرس الأخيرة عن كراع الحركة والصوت من كل ذي صوت؛ وقيل: الجرس بالفتح إذا أفرد، فإذا قالوا: ما سمعت له حساً ولا جرساً، كسروا، فأتبعوا اللفظ باللفظ، قال الصغاني: قال ابن السكيت: الجرس والجرس: الصوت، ولم يفرق. وقال الليث: الجرس مصدر الصوت المجروس، والجرس، بالكسر، الصوت نفسه، وجرس الحرف: نغمة الصوت، والحروف الثلاثة لا جروس لها، أعني: الواو والياء والألف اللينة، وسائر الحروف مجروسة. قوله: ((فيفصم))، فيه ثلاث روايات. الأولى: وهي أفصحها، بفتح الياء آخر الحروف، وإسكان الفاء وكسر الصاد، وقال الخطابي: معناه يقطع ويتجلى ما يغشاني منه. قال: وأصل الفصم: القطع، ومنه ﴿لا انفصام لها﴾ [البقرة: ٢٥٦] وقيل: إنه الصدع بلا إبانة، وبالقاف: قطع بإبانة، فمعنى الحديث: أن الملك فارقه ليعود. الثانية: بضم أوله وفتح ثالثه: وهي رواية أبي ذر الهروي. قلت: هو على صيغة المجهول من المضارع الثلاثي فافهم. الثالثة: بضم أوله وكسر الثالثة. من: أفصم المطر، إذا أقلع، وهي لغة قليلة. قلت: هذا من الثلاثي المزيد فيه، أفصمت عنه الحمى. قوله: ((وقد وعيت)) بفتح العين، أي: فهمت وجمعت وحفظت. قال صاحب (الأفعال): وعيت العلم: حفظته، ووعيت الأذن: سمعت، وأوعيت المتاع: جمعته في الوعاء، وقال ابن القطاع: وأوعيت العلم مثل وعيته. وقوله تعالى: ﴿والله أعلم بما يوعون﴾ [الانشقاق: ٢٣] أي: بما يضمرون في قلوبهم من التكذيب؛ وقال الزجاج: بما يحملون في قلوبهم. فهذا من أوعيت المتاع. قوله: ((يتمثل)) أي: يتصور، مشتق من المثال، وهو أن يتكلف أن يكون مثالاً لشيء آخر، وشبيهاً له. قوله: ((الملك)): جسم علوي لطيف يتشكل بأي شكل شاء، وهو قول أكثر المسلمين. وقالت الفلاسفة: الملائكة جواهر قائمة بأنفسها ليست بمتحيزة البتة، فمنهم من هي مستغرقة في معرفة الله تعالى فهم الملائكة المقربون، ومنهم مدبرات هذا العالم: إن كانت خيرات فهم الملائكة الأرضية، وإن كانت شريرة فهم الشياطين. قوله: ((رجلاً) قال في (العباب): الرجل خلاف المرأة، والجمع رجل ورجالات، مثل: جمال وجمالات. وقال الكسائي: جمعوا رجلاً: رجلة، مثل عنبة، وأراجل. قال أبو ذؤيب الهذلي: وقالوا: تعد واغز وسط الأراجل أهم بنيه صيفهم وشتاؤهم يقول: أهمتهم نفقة صيفهم وشتائهم، وقالوا لأبيهم: تعد، أي: انصرف عنا. وتصغير الرجل: رُجيل ورُويجل أيضاً على غير قياس، كأنه تصغير راجل. ومنه قوله معَّله: ((أفلح الرويجل إن صدق)). فإن قلت: هل يطلق على المؤنث من هذه المادة؟ قلت: نعم، قيل: المرأة رجلة، أنشد أبو علي وغيره: لم يراعوا حرمة الرجلة خرقوا جيب فتاتهم