Indexed OCR Text

Pages 1-20

YONE
◌ُعْدَةُ الْقَري
عظة
جون
شَرْح
صَحِيح البُخَارِيْ
تأليف
الأَمَام الْعَلَامَة بَدُر الدِّين أبي محمّد محمّد بن أحمد العيني
المتوفى سنة ٨٥٥ هـ
ضبطه وصحّه
عبد الله محمود محمّد عَمَرَ
طبعة جديدة مرقمة الكتب والأبواب والأحاديث
حسب ترقيم المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي الشريف
الجُزء الأوّل
المحتوى :
كتاب بء الوحي ، كتاب الإيمان
من الحديث (١) إلى الحديث (٥٨)
منشورات
محمد عَلى بيضون
لِنشركُتبِ السُّنْقِوَ الجِمَاعَةِ
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان

دار الكـ
جميع الحقوق محفوظة
Copyright C
All rights reserved
Tous droits réservés
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة
لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان
ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة
تنضيد الكتاب كاملاً أو مجزاً أو تسجيله على
أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو
برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة
الناشر خطياً.
Exclusive Rights by
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beirut - Lebanon
No part of this publication may be
translated, reproduced, distributed in any
form or by any means, or stored in a data
base or retrieval system, without the
prior written permission of the publisher.
Droits Exclusifs à
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beyrouth - Liban
Il est interdit à toute personne individuelle
ou morale d'éditer, de traduire, de
photocopier, d'enregistrer sur cassette,
disquette, C.D, ordinateur toute
production écrite, entière ou partielle,
sans l'autorisation signée de l'éditeur.
الطبعَة الأوْلى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت
هاتف وفاكس: ٣٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ - ٣٧٨٥٤٢ (٩٦١١)
صندوق بريد : ١١٠٩٤٢٤ بيروت - لبنان
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Beirut - Lebanon
Ramel Al-Zarif, Bohtory St., Melkart Bldg, Ist Floor
Tel. & Fax : 00 (961. 1) 37.85.42 - 36.61.35 - 36.43.98
P.O.Box : 11 - 9424 Beirut - Lebanon
Dar Al-Kotob Al-ilmiyah
Beyrouth - Liban
Ramel Al-Zarif, Rue Bohtory, Imm. Melkart, Iere Etage
Tel. & Fax : 00 (961 1) 37.85.42 - 36.61.35 - 36.43.98
B.P .: 11 - 9424 Beyrouth - Liban
ISBN 2-7451-2269-X
90000>
http://www.al-ilmiyah.com/
e-mail: sales@al-ilmiyah.com
info@al-ilmiyah.com
baydoun@al-ilmiyah.com

بِسْمِ اللَّهِ الرََّى الرَّحَةِ
الإمام البخاري ومصنّفاته
والكلام على صحيحه
ترجمة الإمام البخاري
هو الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، حبر
الإسلام والحافظ لحديث رسول الله وَطهر. ولد في بخارى سنة ١٩٤ هـ، ونشأ يتيماً، وقام
برحلة طويلة سنة ٢١٠هـ في طلب الحديث، فزار خراسان والعراق ومصر والشام، وسمع
من نحو ألف شيخ، وجمع نحو ستمائة ألف حديث اختار منها في صحيحه ما وثق برواته؛
وهو أول من وضع في الإسلام كتاباً على هذا النحو. وأقام في بخارى، فتعصب عليه
جماعة ورموه بالتهم، فأخرج إلى خَرْتَتْك (من قرى سمرقند) فمات فيها سنة ٢٥٦هـ(١).
مصنّفات الإمام البخاري
١ - كتاب الجامع الصحيح.
٢ - كتاب الأدب المفرد.
٣ - كتاب بر الوالدين.
٤ - كتاب الهبة.
٥ - كتاب القراءة خلف.
٦ - كتاب رفع اليدين في الصلاة.
٧ - كتاب خلق أفعال العبد.
٨ - كتاب التاريخ الكبير.
٩ - كتاب التاريخ الأوسط.
١٠ - كتاب التاريخ الصغير.
جور
١١ - كتاب الجامع الكبير.
١٢ - كتاب المسند الكبير.
١٣ - كتاب التفسير الكبير.
١٤ - كتاب الأشربة
١٥ - كتاب العِلل.
١٦ - كتاب أسامي الصحابة.
(١) انظر الأعلام للزركلي (٣٤/٦).
٣
!

٤
ترجمة الإمام البخاري ومصنفاته وصحيحه
١٧ - كتاب الوحدان.
١٨ - كتاب المبسوط.
١٩ - کتاب الکنی.
٢٠ - كتاب الفوائد.
رواة صحيح البخاري
قال النووي: روينا عن أبي عبد الله الفربري رحمه الله تعالى قال: سمع الصحيح من
أبي عبد الله البخاري تسعون ألف رجل فما بقي أحد يرويه غيري(١).
ورواه عن الفربري خلائق منهم أبو محمد الحموي، وأبو زيد المروزي، وأبو
إسحاق المستملي، وأبو سعيد أحمد بن محمد، وأبو الحسن علي بن أحمد بن عبد العزيز
الجرجاني، وأبو الهيثم محمد بن مكّي الكشميهني، وأبو بكر إسماعيل بن محمد بن
أحمد بن حاطب الكشاني، ومحمد بن أحمد بن متّ.
ثم رواه عن كل واحد من هؤلاء جماعات، واشتهر في بلادنا عن أبي الوقت عن
الداودي، عن الحموي، عن الفربري عن البخاري، ورويناه عن جماعة من أصحاب أبي
الوقت كما سنذكره إن شاء الله.
اسمه ودرجة صحته ومكانته
أما اسمه فقد سمّاه مؤلّفه أبو عبد الله البخاري رحمه الله تعالى ورضي عنه ((الجامع
المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله وَال﴿ وسُننه وأيامه)). وأما محله فقال العلماء:
هو أول كتاب صُنّف في الحديث الصحيح المجرّد(٢).
واتفق العلماء على أن أصحّ الكتب المصنّفة صحيحا البخاري ومسلم. واتفق
الجمهور على أن صحيح البخاري أصحّهما صحيحاً وأكثرهما فوائد، وقال الحافظ أبو علي
النيسابوري شيخ الحاكم أبي عبد الله: ((صحيح مسلم أصحّ)).
ووافقه بعض علماء المغرب وأنكر ذلك عليهم والصواب ترجيح صحيح البخاري
على مسلم، وقد قرّر الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيح صحيح
البخاري على صحيح مسلم، وذکر دلائله.
قال النووي: روينا عن الإمام أبي عبد الرحمن النسائي رحمه الله تعالى قال: ما في
(٣) .
هذه الكتب أجود من كتاب البخاري
عدد أحاديث الصحيح
جملة ما في صحيح البخاري من الأحاديث المسندة سبعة آلاف ومئتان وخمسة
وسبعون حديثاً بالأحاديث المكررة، وبحذف المكررة نحو أربعة آلاف.
(١) انظر تاريخ بغداد (٩/٢).
(٢) انظر (علوم الحديث) ص ١٤، لابن الصلاح
(٣) انظر تاريخ بغداد (٩/٢).
٢١٣٠

ترجمة الشارح العلامة البدر العيني
هو الإمام العلامة الكبير. الحافظ البارع بلا نكير. شيخ حفاظ عصره. المشهود
له بالتبريز في دهره، الفقيه الناقد الورع المعمر عالم البلاد المصرية ومؤرخها الأكبر
قاضي القضاة وشيخ الإسلام بدر الدين أبو محمد محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد
ابن الحسين بن يوسف بن محمود الحلبي الأصل العينتابي المولد والمنشأ ثم القاهري
الدار والوفاة المعروف بالبدر العيني إمام عصره في المنقول والمعقول ووحيد دهره في
الفروع والأصول امتاز بين أكابر العلماء الذين وفقوا لكثرة التأليف بسعة العلم وجودة
البحث وحسن الترصيف حتى ملأ خزائن العلم في العالم بمصنفاته الجليلة في الحديث
والفقه والتاريخ والعربية وغيرها تتناقلها العلماء عصراً بعد عصر. وتشهد لمؤلفها الجليل
بالبراعة والفخر. ولا تزال آثاره الكبيرة ومؤلفاته المبسوطة ذخراً خالداً وتراثاً فياضاً
تتداولها أيدي رواد التحقيق من العلماء ليستجلوا بأنوارها عن وجوه أبحاثهم الظلماء ولا
غرو.
وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
أوليته ومبدأ أمره
كان والده القاضي شهاب الدين أحمد ابن القاضي شرف الدين موسى المار ذكر
نسبه من أهل حلب وبها ولد سنة خمس وعشرين وسبعمائة ثم انتقل إلى (عين تاب)،
وهي على ثلاثة مراحل من حلب. وولي قضاءها وبها ولد ولده البدر في السابع عشر
من رمضان سنة اثنتين وستين وسبعمائة قاله ابن حجر والسخاوي أو في السادس
والعشرين من رمضان قاله أبو المحاسن وبها نشأ البدر العيني وترعرع واشتغل بالعلوم
وبرع وتفقه على والده وغيره من شيوخ العلم في بلده حتى ناب عن والده في القضاء
مدة وباشره مباشرة جيدة وارتحل إلى شواسع البلاد قبل وفاة والده وبعدها لطلب العلوم
وتنقل في البلاد الحلبية والشامية والقدسية وغيرها وحضر عند أكابر العلماء بها وتلقى
منهم العلوم وارتحل إلى حلب سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة وأخذ عن أجله شيوخها ثم
عاد إلى بلده، ولما توفي والده بعين تاب سنة أربع وثمانين وسبعمائة ارتحل البدر أيضاً
إلى بهنا ثم إلى كختا وملطية وتلقى العلم عن شيوخها وسنذكر أسماء شيوخه الذين أخذ
i
i
i
٠٠٠

٦
ترجمة الشارح
عنهم العلوم وما تلقى منهم من الفنون عند ذكر مشايخه، ثم حج البدر العيني سنة ثمان
وثمانين وسبعمائة ودخل البلاد الحجازية وزار بيت المقدس فلقي علامة الشرق علاء
الدين علي بن أحمد بن محمد السيرامي قادماً للحج واتصل به فأخذ يصحبه ويتلقى منه
العلم وصادف ذلك أوان طلب الملك الظاهر برقوق قدوم العلماء إلى مصر ليوليه
تدريس المدرسة البرقوقية الكبرى التي كان أتم بناءها في هذا العام لما بلغه من علمه
ودينه فقدم البدر العيني بمعية شيخه العلاء المذكور وفي خدمته إلى القاهرة وحضرا في
حفلة افتتاح المدرسة المذكورة فألقى العلاء أول درس بها بمحضر السلطان والأمراء
والأعيان وتكلم على قوله تعالى: ﴿قل اللهم مالك الملك﴾ الآية بكلام كأنه الدر
المصون فتاهت عقول الحاضرين في حسن معناه وطيب مغناه وكان العلاء في عصره
يعد ملك العلماء في المعقول كما يقوله القاضي نور الدين ابن الخطيب الجوهري في
تاريخه وخلع عليه الظاهر ويولاه تدريسها وسكن بها البدر العيني يلازم شيخه العلاء
ويخدمه ويتلقى العلوم منه ومن أكابر مشايخ العلم بالقاهرة حتى اكتمل البدر وأتم هلاله
وتم في العلوم کماله.
أكابر شيوخ البدر العيني في العلوم
وللبدر العيني مشايخ كثيرة في العلوم، وقد قام هو باستيفاء تراجم شيوخه في
مجلد سماه معجم الشيوخ فمن أجلهم الحافظ زين الدين عبد الرحيم العراقي سمع عليه
صحيح البخاري بقراءة الشهاب أحمد بن محمد بن منصور الأشموني بقلعة الجبل
بالقاهرة سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، وبقراءة غيره الإلمام في أحاديث الأحكام للحافظ
ابن دقيق العيد بروايته عن الشهاب أحمد بن أبي الفرج بن البابا عنه. ومنهم الحافظ
سراج الدين البلقيني سمع عليه مصنفه محاسن الاصطلاح وتضمين مقدمة ابن الصلاح
بقراءة السراج قارىء الهداية ومنهم مسند الديار المصرية المحدث الكبير تقي الدين
محمد بن محمد بن عبد الرحمن الدجوى سمع عليه صحيح البخاري، ومسلم، وسنن
أبي داود، والترمذي، وابن ماجه، والنسائي الأصول الستة بأسرها وسمع عليه أيضاً
مسند الدارمي ومسند عبد بن حميد والثلث الأول من مسند أحمد. ومنهم العلاء علي
ابن محمد بن عبد الكريم الفوي یروي عنه السنن الكبرى للنسائي وبعض سنن
الدارقطني والتسهيل لابن مالك. ومنهم الحافظ نور الدين أبو الحسن علي الهيثمي سمع
عليه جملة كتب. ومنهم قطب الدين عبد الكريم ابن التقي بن الحافظ الحلبي قرأ عليه
المعاجيم الثلاثة للطبراني. ومنهم الشيخ المسند شرف الدين محمد بن محمد بن عبد
اللطيف بن الكويك المعروف بالشرف بن الكويك سمع عليه الشفاء للقاضي عياض
ومسند الإمام أبي حنيفة لأبي محمد البخاري الحارثي، وكذا سمع على والده العز بن
٠٠٠٠
١٠
٤٠٠٠

٧
ترجمة الشارح
الكويك. ومنهم الشيخ المحدث زين الدين تغري برمش بن يوسف التركماني المعروف
بالفقيه سمع عليه شرح معاني الآثار للإمام أبي جعفر الطحاوي بروايته عن العلامة جلال
الدين أحمد بن محمد الخجندي عن العفيف عبد الله بن محمد الخزرجي العبادي عن
المسند المعمر تقي الدين عبد الرحمن بن عبد الولي الدمشقي عن الضياء المقدسي عن
أبي موسى المديني عن إسماعيل بن الفضل السراج سماعاً عليه نا منصور بن الحسن نا
أبو بكر محمد بن إبراهيم المقري نا أبو جعفر الطحاوي، ويروي العيني عنه أيضاً
مصابيح السنة للبغوي ومنهم: الشيخ المسند قاضي القضاة نجم الدين أحمد بن عماد
الدين إسماعيل بن شرف الدين محمد بن الكشك المعروف بالنجم بن الكشك سمع
عليه بعضاً من أول صحيح البخاري عن مسند الدنيا أبي العباس أحمد بن أبي طالب
الحجار عن المسند الكبير الحسين بن المبارك الزبيدي عن أبي الوقت قال الحافظ
السخاوي: ومن اللطائف رواية العيني عن ابن الكشك عن الحجار عن ابن الزبيدي
فأربعتهم حنفیون اهـ.
ووهم ابن رجب في ذيل طبقات ابن الفراء فعد ابن الزبيدي من الحنابلة لمرافقته
بعض الحنابلة في الطلب مع أن الحسين بن المبارك الزبيدي وأخاه الحسن المترافقين في
سماع الصحيح على أبي الوقت كلاهما حنفيان كما نص على ذلك الحافظ عبد القادر
القرشي في طبقاته في ترجمتهما والقرشي ممن سمع صحيح البخاري على الحجار،
وهو أعرف بشيخ شيخه عمن سواه ولابن رجب في طبقاته يقع مثل هذا الوهم وأصاب
السخاوي في عدم اعتداده بقول ابن رجب في ذلك وإن أخطأ الشمس محمد بن طولون
في متابعته على وهمه فهذه شذرة من مرويات البدر العيني في الحديث وشيوخه فيه هم
حملة راية السنة في عصره، وأما شيوخه في بقية العلوم فقد سمع الشاطبية بقراءة الشيخ
شمس الدين محمد بن علي الزراتيني على الشيخ فتح الدين أبي الفتح محمد بن أحمد
العسقلاني المقرىء آخر أصحاب التقي الصائغ وأخذ عن العلاء السيرامي أكثر الهداية
وقطعة من أول الكشاف والتلويح على التوضيح وشرح التلخيص وهو ممن تخرج لدى
العلامة سعد الدين التفتازاني وقوام الدين الإتقاني. وتلقى عن قاضي القضاة جمال الدين
يوسف بن موسى الملطي بحلب أصول فخر الإسلام البزدوي ومنتخب الأصول للحسام
الأخسيكتي، وسمع عليه في الهداية، وهو ممن تخرج لدى الحافظ علاء الدين مغلطاي
وقوام الدين الإتقاني. وقرأ على العلامة الفقيه عيسى بن الخاص بن محمود السرماري
غالب الكشاف قراءة بحث وإتقان ومفتاح العلوم للسكاكي والتبيان في المعاني والبيان
لصاحب الكشف على الكشاف العلامة الطيبي والسرماري ممن أخذ عن الطيبي
والجاربردي. وحضر عند العلامة حسام الدين الرهاوي في تصنيفه البحار الزاخرة في
المذاهب الأربعة وأخذ المفصل للزمخشري والتوضيح لصدر الشريعة عن العلامة أثير
آهود
مے

٨
1925
ترجمة الشارح
الدين جبريل بن صالح البغدادي تلميذ قوام الدين الإتقاني وسعد الدين التفتازاني.
وسمع من الشيخ المحقق شمس الدين محمد الراعي ابن الزاهد رموز الكنوز في الحكمة
للآمدي وشرح الشمسية والمطالع للقطب الرازي والشافية ومراح الأرواح في التصريف
وهو تلميذ الإمام أكمل الدين البابرتي، والشيخ ركن الدين أحمد بن محمد بن عبد
المؤمن قاضي قوم الذي شرح البخاري على أسلوب بدیع وکان ابن حجر يقر بعجزه عن
النسج على منواله وتلقى عن الشيخ ميكائيل القدوري ومنظومة النسفي في الخلاف
ومجمع البحرين لابن الساعاتي وهو تلميذ الفخر الياس والعلاء المشرقي. وأخذ عن
الشيخ محمود بن محمد العنيتابي الفرائض السراجية وتصريف العزي وغيرهما. وعن
السراج عمر صحاح الجوهري، وعن الشيخ ذي النون ضوء المصباح، وعن الشيخ خير
الدين القصير المصباح وكذا أخذ عن شارح السراجية الشيخ حيدر الرومي، وعن الشيخ
بدر الدين الكشافي في ملطية، وعن الشيخ ولي الدين البهنسي في بهنسا وعن العلامة
علاء الدين الكختاوي في كختا، وعن الشيخ شهاب الدين أحمد بن خاص التركي وكان
البدر يطريه وأخذ عن غيرهم من المشايخ علوماً استوفى البدر بيان ذلك في معجمه وفي
تواريخه عند تراجم مشايخه وفيما ذكرناه كفاية للإلمام بمشايخه ومسموعاته ومقروءاته
قال أبو المحاسن جمال الدين يوسف بن تغري بردي في المنهل الصافي المستوي
للوافي عند ترجمة البدر العيني سمع التفسير والحديث والعربية وغيرها فمن التفسير
الزمخشري والنسفي والسمرقندي ومن الحديث الأصول الستة، ومسند أحمد، وسنن
البيهقي، والدارقطني ومسند عبد بن حميد، والمعاجم الثلاثة للطبراني وغير ذلك اهـ.
تلامذة البدر العيني ومن روى عنه العلوم
وفي تلامذته كثرة عظيمة لطول مدارسته العلم ولكونه من المعمرين دام على إقراء
الحديث في المؤديدية وحدها ما يقارب أربعين سنة خلا ما له من الدروس في بقية
مدارس القاهرة. قال السخاوي إنه حدث وافتى ودرس مع لطف العشرة والتواضع
واشتهر اسمه وبعد صيته وأخذ الفضلاء عنه من كل مذهب اهـ.
وكان الحافظ ابن حجر أصغر من البدر العيني سناً باثنتي عشرة سنة وكان بينهما
من المنافسة ما يكون بين المتعاصرين ومع ذلك علق ابن حجر من فوائد العيني بل سمع
عليه حديثين من صحيح مسلم وحديثاً من مسند أحمد وخرجها عنه في البلدانيات
وترجمه في عداد شيوخه في الطبقة الثالثة من المجمع المؤسس للمعجم المفهرس
باختصار. وممن أخذ عن البدر العيني الإمام المحقق كمال الدين بن الهمام والحافظ
العلامة قاسم بن قطلوبغا والحافظ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي
والحافظ ناصر الدين أبو البقاء محمد بن أبي بكر بن أبي عمر الصالحي المعروف بابن
٠ ٠.

١٣٤
ترجمة الشارح
زريق محدث الديار الشامية والعلامة أبو الفتح محمد بن محمد بن علي العوفي والشيخ
محب الدين محمد بن محمد بن عبد الرحمن المصري وأبو إسحاق إبراهيم بن علي بن
أحمد القرشي وأبو الوفاء محمد بن خليل الصالحي الحنفي وبدر الدين الحسن بن قلقيلة
الحسيني الحنفي والعلامة زين الدين أبو بكر الكختاوي وقاضي القضاة عز الدين أحمد
ابن إبراهيم الكتاني الحنبلي والشيخ كمال الدين المالكي الشمني والد التقي الشمني
والبدر البغدادي الحنبلي وقطب الدين الخيضري والبرهان بن خضر وشمس الدين
محمد بن عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن كسباي الحنفي جدد البيت العمادي بالشام
والقاضي نور الدين علي بن داود الخطيب الجوهري الحنفي المؤرخ وأبو المحاسن
جمال الدين يوسف بن تغري بردي الظاهري المؤرخ وغيرهم من العلماء الكبار في
عصره وفي سرد أسمائهم طول وإملال. ويروي الحافظ جلال الدين السيوطي أيضاً عن
البدر العيني إلاّ أن روايته عنه بالإجازة العامة. ولم يقرأ عليه شيئاً لصغر سن السيوطي
عند وفاة البدر فأخذه عنه كأخذه عن ابن حجر سواء بسواء وإنما روايته لمؤلفات البدر
العيني ما بين قراءة وسماع وإجازة خاصة فبواسطة، العلامة قاسم بن قطلوبغا الحنفي
وقد يتساهل بعض أصحاب الإثبات في الرواية بالإجازة العامة وليس بجيد.
P
محل البدر العيني في العلم وثناء العلماء عليه
كان في الحديث والفقه والتاريخ والعربية بحراً لا تعكره الدلاء آية في استحضار
أحاديث الأحكام وإبداء علل أسانيدها ومتونها بارعاً في الموازنة بين أدلة المسائل
الخلافية عند فقهاء الأمصار. واسع الاطلاع على مذاهب سلف الأمة وآراء الأئمة
مشاهيرها وشواذها بالغاً في الفحص غايته وفي التنقيب نهايته. وفيها حق الأبحاث من
جميع مناحيها بحيث لا يدع لباحث وراء فحصه مطمعاً ولا لقوس تطلبه منزعاً يجري
على طريقة البسط والإيضاح في مؤلفاته بحيث لا يحوج إلى غير كتابه فيما له مساس
بالموضوع وكتبه شهود صدق لذلك ومع ذلك كله كان له تصلب في مذهبه وأثنى عليه
أبو المعالي الحسيني في غاية الأماني وقال هو الإمام العالم العلامة الحافظ المتقن شيخ
العصر وأستاذ الدهر محدث زمانه المنفرد بالرواية والدراية حجة الله على المعاندين وآيته
الكبرى على المبتدعين شرح صحيح الإمام البخاري بشرح لم يسبق له نظير في شروحه
مع ما كان له من المصنفات المفيدة والآثار السديدة. وبالجملة كان رحمه الله من
مشاهير عصره علماً وزهداً وورعاً وممن له اليد الطولى في الفقه والحديث اهـ.
وقال أبو المحاسن في المنهل الصافي كان بارعاً في عدة علوم مفتياً كثير الاطلاع
واسع الباع في المعقول والمنقول لا يستنقصه إلا متغرض قل أن يذكر علم إلاّ وله فيه
مشاركة جيدة ومصنفاته كثيرة الفوائد ولكلامه طلاوة وكان جيد الخط سريع الكتابة قيل
: WE
!١٣
٩
i
i
جو.

١
ترجمة الشارح
إنه كتب كتاب القدوري في الفقه في ليلة واحدة في مبادى أمره وكانت مسوداته مبيضات
اهـ. وقال السخاوي في التبر المسبوك كان إماماً عالماً علامة حافظاً للتاريخ واللغة كثير
الاستعمال لها مشاركاً في الفنون لا يمل من المطالعة والكتابة وصنف الكثير بحيث لا
أعلم بعد شيخنا أكثر تصانيف منه وقلمه أجود من تقريره وكتابته ظريفة حسنة مع السرعة
حتى استفيض عليه أنه كتب القدوري في ليلة واحدة وأخبرني شيخ المذهب وقاضيه العز
الحنبلي أنه سمع ذلك منه اهـ.
وقال أديب عصره الشمس محمد بن الحسن النواجي الشافعي في حقه وأجاد:
يقصر عنها منطقي وبياني
لقد حزت يا قاضي القضاة مناقباً
فلا زلت محموداً بكل لسان
وأثني عليك الناس شرقاً ومغرباً
وكل من ترجمه من العلماء المصنفين وصفه بالإمامة وسعة العلم والبراعة وفي
سوق نصوصهم طول وتكرير لما سبق وقد ترجمه كل من كتب في تراجم الرجال من
أهل عصره وممن بعدهم ما بين بسط واختصار وكان البدر العيني آخر مرجع لحل
المشكلات وكشف المعضلات وعند فتواه تقف ملوك الإسلام في النوازل والمهمات.
كم خلص الدولة من شرور أحدقت بها بفتوى أصدرها ومن جملة ذلك ما وقع له في
عهد الملك الأشرف برسباي حين طلب ملك الشرق شاهر خ بن تيمورلنك الطاغية من
الأشرف السماح له بأن يكسو الكعبة المعظمة وفاء لنذر نذره ولا بد وكان أمر الكسوة
إلى ملوك مصر من قديم ولها أوقاف خاصة بمصر وكان ملوك الإسلام يتنافسون في
كسوتها وكم حصل بينهم من فتن في هذا السبيل فهاجت القاهرة وماجت حوفاً مما خبأه
القدر وراء هذا الطلب وتحير العلماء في شأنه فأصدر البدر العيني فتوى بأن هذا النذر
غير منعقد ولا يجب الوفاء به. قال القاضي نور الدين ابن الخطيب الجوهري في تاريخه
نزهة النفوس فانحل العقد وزال الإشكال اهـ.
ومن سرعة قلم البدر العيني قد يتصحف على القارىء في تاريخه الثوري بالنوري
وقصروه بخسروه والمقري بالمغربي وما أشبه ذلك وقد يسقط في التراجم بعض الأسماء
عنذ ذكر أنسابهم لاسيما فيمن اتفق اسمه واسم أبيه وعابه السخاوي بهذا في ذيله على
رفع الإصر في قضاة مصر لشيخه الحافظ ابن حجر. وقال تقي الدين التميمي في طبقاته
ليس هذا في شأن العيني مما يعاب بالنظر إلى كثرة مؤلفاته التي لو كتبها السخاوي من
الأصول الصحيحة المقابلة المضبوطة لوقع في خطه ما لا يحصر من هذا القبيل (وكتابه
الضوء اللامع) الذي عليه خطه وقع فيه ما لا يحصى من هذا النوع فإن الإنسان محل
النسيان والقلم ليس بمعصوم من الطغيان، فكيف بمن جمعها من أماكنها المتفرقة وضم
شواردها المتخرقة وليس كل كتاب ينقل منه المصنف ويروي عنه مبرءاً من السقم سالماً
من العيب محفوظاً له عن ظهر الغيب حتى يلام على خطئه ويؤاخذ على تقصيره وقد

١١
ترجمة الشارح
وقفت على كتاب للبدر الزركشي وما ادرك ما الزركشي بخطه سماه عقود الجمان لا
تخلو منه صفحة عن تصحيف ولا حروف ورقة منه عن تحريف وكان هو أيضاً كالبدر
العيني في سرعة الكتابة ولو روجع كل منهما فيما وقع من ذلك لعلم صوابه من خطئه
وصحته من سقمه بأدنى لمحة منه ولكنه حمله على ذلك التعصب الذي تلقاه عن شيخه
الحافظ ابن حجر في حق البدر العيني ولو وقف على كتاب الزركشي المذكور لأتى عنه
بأجوبة شتى وأعذار مختلفة ورحم الله الجميع فإنهم كانوا جامعين لشمل العلم اهـ.
وكان السخاوي درس عليهما إلاّ إنه لمخرجه لدى ابن حجر كان يجري على
معاضدته في كل شيء ومنابذة من نابذه كائناً من كان وهذا ظاهر تمام الظهور في كتبه.
وكان بينهما من المنافسة ما لو لم يكن كان أحسن وتعصب ابن حجر على البدر ينجلي
بصورة بعيدة عن الذوق في أدوار حياته كإزالة ابن حجر الخطبة عن مسجد أقامها فيه
البدر بمجرد انفصاله عن القضاء وقد تدارك الأمر قاضي القضاة سعد الدين الديري
وأعادها كما كانت وقد تكلف أصحابه في الاعتذار عنه، وقال العيني: في تاريخه عند
ترجمة الأمير محمد بن الملك الظاهر جقمق. كان له صيت وحرمة عظيمة يتردد إليه
الناس ولا سيما القاضيان الشافعي والحنفي (يعني ابن حجر والسعد الديري) في الجمعة
مرتين أو ثلاثاً ويقاسيان مشقة تلك السلالم والمدرج حتى كان الناس يسمونهما فقهاء
الأطباق قال: وكل هذا من عدم حفظ حرمة العلم ولكنهما وسائر المترددين إليه كانوا
يؤملون استقراره في السلطنة عن قريب أما في حياة أبيه أو بعده فأتى القضاء بعكس ما
في خواطرهم اهـ.
قال السخاوي بعد أن نقل ذلك عنه و کأنه رحمه الله لم يستحضر حین کتابته لهذا
ملازمته وتردده للأشرف وغيره في قراءة التاريخ ونحوه بل لو كان في أيامه قاضياً
لبادرهما إلى الطلوع وأرجو أن يكون قصد الجميع بذلك حسناً رحمهم الله وإيانا اهـ.
قال أبو المحاسن وله نثر ونظم وليسا بقدر علمه اهـ.
وقال السخاوي وله نظم كثير فيه المقبول وغيره اهـ.
وقال السيوطي ونظمه منحط للغاية اهـ.
بل شعره من قبيل شعر الفقهاء فيه ما يقبل وما لا يقبل فكأن الله عز وجل صان
وجهه أن يتزلف إلى الأمراء بقصائد طنانة يأباها وقار العلم وشرفه فلو كان في موضع
الإجادة من الشعر لربما وقع فيما وقع فيه صاحبه وكفى البدر فخراً ما يتقنه من العلوم
بحيث لا يجارى بل قال ابن إياس في تاريخه وله شعر جيد وفيه يقول بعضهم جامعاً
الفنون السبعة هذه الأبيات المواليا.
قوماً لدوبيت قاضي قد زجل شيني
بكان وكان امتدح بين الوری زیني
i

١٢
ترجمة الشارح
فأبحر الشعر مجراها من العيني
وانقل موشح موالياً بلا مين
اهـ. وسيأتي أن له عدة مؤلفات في العروض وطبقات الشعراء والشواهد ومثله من
لا يجيد الإنشاء من اللغويين.
ما تقلده البدر العيني من الوظائف
لما انتقل البدر العيني إلى القاهرة مع شيخه العلاء السيرامي سنة ثمان وثمانين
وسبعمائة كما أسلفنا جعله الظاهر في عداد صوفية البرقوقية فسكن بها ملازماً لشيخه
العلاء ثم عينه في وظيفة الخدمة بها ولم يزل بالبرقوقية على وظيفته إلى أن توفي شيخه
العلاء وحينذاك أخرجه الأمير الخليلي (متولي عمارة البرقوقية وباني الخان المعروف
باسمه) عن وظيفته وأمر بنفيه لما أنهاه عنه الحسدة من الفقهاء كما يقوله أبو المحاسن
حتى شفع فيه شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني فأعفاه من النفي، وأقام بالقاهرة ملازماً
للاشتغال ثم توجه إلى بلاده وعاد وهو فقير مشهور الفضيلة كما يقوله السخاوي فتردد
إلى الأكابر من الأمراء كالأمير جكم والأمير قلمطاي الدوادار والأمير تغري بردي
القرومي وغيرهم حتى توفي الملك الظاهر برقوق وسعوا له في عهد الناصر فرج فولى
البدر العيني حسبة القاهرة لأول مرة في ذي الحجة سنة إحدى وثمانمائة عوضاً عن
العلامة تقي الدين المقريزي ولم تطل مدته ثم أعيد ثم صرف بالمقريزي في سنة اثنتين
وثمانمائة ثم عزل المقريزي وأعيد البدر وطالت مدته وحصل بينهما بعض جفاء. قال
العيني في ترجمة المقريزي كان مشتغلاً بكتابة التواريخ وبضرب الرمل تولى الحسبة
بالقاهرة في أيام الظاهر ثم عزل بمسطره، ثم تولى مرة أخرى في أيام الدوادار الكبير
سودون بن أخت الظاهر عوضاً عن مسطره وقد عزل نفسه بسبب ظلم سودون المذكور
اهـ.
وولي البدر في الدولة الناصرية عدة تداريس ووظائف دينية واشتهر اسمه واقي
ودرس وأكب على الاشتغال والتصنيف إلى أن ولي في عهد الملك المؤيد شيخ (نظر
الأحباس) وهو يوازي وزارة الأوقاف في عصرنا وصار من أعيان الفقهاء الحنفية وفوض
إليه المؤيد تدريس الحديث بالمؤيدية أول ما فتحت سنة تسع وعشرة وثمانمائة وفي
أواخرها مالت مئذنة الجامع المؤيدي على البرج الشمالي، وكادت تسقط فهدمت وبنيت
من جديد وذكر المقريزي في خططه أنه قال الحافظ ابن حجر في ذلك.
منارته بالحسن تزهو وبالزين
لجامع مولانا المؤيد رونق
تقول وقد مالت عليهم تملهوا
فليس على حسني أضر من العين
فتحدث الناس أنه في قوله بالعين قصد التورية لتخدم في العين التي تصيب
الأشياء فتتلفها وفي الشيخ بدر الدين محمود العنتابي فإنه يقال له: العيني أيضاً فقال

١٣
ترجمة الشارح
المذكور يعارضه :
وهدمها بقضاء الله والقدر
منارة كعروس الحسن إذ جليت
ما آفة الهدم إلاّ خسة الحجر
قالوا أصيبت بعين قلت ذا غلط
يعرض بالشهاب ابن حجر وكل منهما لم يصب الغرض إذ كل منهما ليس له في
المئذنة تعلق حتى تخدم التورية اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في أنباء الغمر في أبناء العمر إنه أنشد بيتيه في مجلس
المؤيد وكان العيني إذ ذاك شيخ الحديث بالمؤيدية فأراد بعض الجلساء العبث بالشيخ
بدر الدين العيني فقال له إن فلاناً عرض بك فغضب واستعان بمن نظم له بيتين ونسبهما
لنفسه وهما للنواجي لا بارك الله فيه اهـ. ملخصاً وهذا قول ابن حجر في صاحبه حطا
من مقداره ورجما بالغيب مع أن المقريزي جزم بأن البيتين للبدر العيني كما سبق وكذا
غيره ولا معنى لاستبعاد ابن حجر أن يكون البيتان من نظم البدر العيني، وقد أسلفنا عن
السخاوي وغيره أن في شعره المقبول وغيره ولا يستعصي على صاحب طبقات الشعراء
ومؤلف شرح الشواهد الكبير والصغير وشروح العروض عمل هذين البيتين، وإن كان
غالب شعره من قبيل شعر الفقهاء وابن حجر على جلالة مقداره في العلم له في تراجم
معاصريه ومن تقدمه من شيوخه وغيرهم خطة عجيبة في التحامل وقد أقر بذلك عليه
تلامذته المتحزبون له فضلاً عن غيرهم كسبطه في النجوم الزاهرة في أخبار قضاة القاهرة
والبرهان البقاعي بل السخاوي وغيرهم فمن راجع تراجم السراج البلقيني وابن الملقن
وابن خلدون والمقريزي والكختاوي وغيرهم من كتبه ثم ما كتبه الناس فيهم يعلم مبلغ
تحامله سامحه الله ولعل سبب ذلك أنه نشأ على الأدب وعلى معاناة المديح والهجاء
وعلى ذلك شب ودرج ولا تسل عما يجري إذا كان هناك شيء يمس بتعصبه المذهبي.
ثم صار البدر من خصيصي الملك المؤيد حتى أنه أرسله إلى بلاد الروم في
مصلحة تتعلق به في سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة ولما استقر الملك الظاهر ططر في
السلطنة زاد في إكرامه وإعلاء شأنه لما بينهما من الصحبة قبل ذلك ولما تسلطن الملك
الأشرف برسباي صحبه واختص به وارتفعت منزلته عنده بحيث صار يسامره ويقرأ له
التاريخ الذي جمعه باللغة العربية ثم يفسره له بالتركية لتقدمه في اللغتين ويعلمه أمور
الدين حتى حكي أن الأشرف كان يقول. (لولا العيني لكان في إسلامنا شيءٍ). ولما
مات شيخ المذهب السراج قاري الهداية شيخ الشيخونية وسعى قاضي القضاة زين الدين
التفهني في مشيختها مضافة إلى القضاء وتعصب معه أهلها فأجيب لذلك وبات على
الصعود للبس الخلعة أضمر السلطان في نفسه أخذ القضاء منه للبدر العيني وبيت معه
في تلك الليلة أن كبر غداً عمامتك واحضر بكرة من غير أن يفصح له بشيء ففعل فولاه
قضاء القضاة عوضاً عن التفهني في ربيع الآخر سنة تسع وعشرين وثمانمائة ومشيخة
٦/٠
i
i
i
i
٠٣٠
i
١٣٩٢

١٤
ترجمة الشارح
الشيخونية لا تجتمع مع القضاء على حسب شرط الواقف وهو الذي نوه بابن الهمام عند
الأشرف حتى ولاه مشيخة الأشرفية الكبرى وسنه دون ثلاثين سنة قال السخاوي في
الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التوريخ اتفق لشيخنا الكمال بن الهمام حين خطبه الأشرف
برسباي لمشيخة مدرسته ونبز عنده بصغر سنه سأله حين أحضره لإلباس خلعتها عن سنه
فقال: سني أكبر من سن عتاب ابن أسيد يعني حين ولاء النبي ◌َّفي مكة ومن فلان ومن
فلان فعد جماعة ولم يفصح له بمقدار سنه کما سبق مثله لیحیی بن أکثم. وسافر البدر
صحبة السلطان إلى حلب سنة خمس وثلاثين وثمانمائة ومات الأشرف وهو قاض. قال
أبو المحاسن باشر القضاء والحسبة ونظر الأحباس معاً مدة طويلة بحرمة وافرة وعظمة
زائدة بقربه من الملك وخصوصيته به ولكونه ولي القضاء من غير سعي منه وكان ينادم
الملك الأشرف وبيت عنده في بعض الأحيان اهـ. قال السخاوي ولم يجتمع القضاء
والحسبة ونظر الأحباس في أحد قبله فيما أظن اهـ.
وقال أبو المحاسن كان محظوظاً عند الملوك إلاّ الملك الظاهر جقمق اهـ؛ لأنه
مع كون مصر على أرغد عيش وأمن شامل في عهد حكمه آذى جماعة من العلماء
كالبدر العيني ثم الحافظ ابن حجر وابن عربشاه وغيرهم. ثم صرف البدر عن القضاء
بشيخ المذهب سعد الدين الديري سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة وعن نظر الأحباس
بالعلاء بن آقبرس في سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة وعمر مدرسة مجاورة لسكنه بالقرب
من الأزهر الشريف بحارة كتامة ووقف كتبه هناك لطلبة العلم (وقد نقلت البقية الباقية من
كتبه إلى دار الكتب المصرية الكبرى حديثاً، وتأخرت وفاته عن وفاة صاحبه ابن حجر
بثلاث سنوات وفي ليلة الثلاثاء رابع ذي الحجة سنة خمس وخمسين وثمانمائة توفي
البدر العيني وهو ابن ثلاث وتسعين سنة وصلي عليه من الغد بالجامع الأزهر ودفن
بمدرسته وكانت جنازته مشهودة وكثر أسف الناس عليه. وذكر السخاوي في ترجمة
بعض العلماء المبرزين في التاريخ ممن تأخر وفاته عن وفاة البدر العيني أن البدر
البغدادي الحنبلي قال له وهما في جنازة العيني خلا الجو إشارة إلى أنه تفرد ولم يرتضه
السخاوي وقال أبو المعالي وقد أسف المسلمون على فقده وهو الحري بقول القائل:
بأكثر من قطر الغمام وأغزر
وأني لمعذور إذا ما بكيته
كما لي فيه عبرة المتفكر
ولي عبرة لم ترق عند ادكاره
ولم تستتر أضواؤه بمستر
وقد کان لم یحجب سناه بحاجب
وواحذري إن كان يغني تحذري
فوا أسفي إن كان يغني تأسفي
فأعدمني صبري فأين تصبري
وكنت أراني في النوائب صابراً
ومن يعتذر مثلي إلى الصبر يعذر
وإني لمقبول المعاذير في الأسى
اهـ، وفي أواخر عمره ضاقت ذات يده وكان أسمر اللون قصير القامة مسترسل

١٥
ترجمة الشارح
اللحية وكان من أوعية العلم أغدق الله على ثراه سحائب الرضوان وإلى جنبه دفن
الشهاب القسطلاني بعد دهر. وإلى ابن ابنه الأمير الشهابي أحمد بن عبد الرحيم بن
البدر العيني ينسب قصر العيني بالقاهرة وهذا الأمير كان له الثروة الهائلة وله وقائع في
التاريخ ولم يكن على سيرة جده، قال السخاوي، في أنساب الضوء اللامع (في العيني)
نسبة لعين تاب وممن نسب إليها البدر محمود بن أحمد (صاحب الترجمة) وابن عبد
الرحيم وابنه الشهابي أحمد وفي (ابن العيني) الشهابي أحمد بن عبد الرحيم بن محمود
ابن أحمد وأخته عائشة وأبوهما وابن الشهابي ناصر الدين محمد وقال السخاوي: في
آخر ترجمة البدر العيني ولم يخلف في مجموعه مثله.
مؤلفات البدر العيني
وله مؤلفات كثيرة جداً بحيث لا يقاربه أحد من أهل عصره في كثرة المصنفات إلاّ
أن يكون الحافظ ابن حجر كما أقر له بذلك الحافظ السخاوي في مواضع من كتبه فمن
أجل مصنفات البدر العيني عمدة القاري في شرح الصحيح للبخاري في إحدى وعشرين
مجلدة على تجزئة المصنف وهو أوسع شروحه نقلاً وتحقيقاً وأجمعها للفوائد بحثاً
وتمحيصاً ينتهج منهج إتمام سياق الحديث حيث اختصر البخاري ويسلك مسلك تعيين
مواضع تخريجه من الكتاب إذا تعددت طرقه وتكرر تخريجه في الأبواب وفيهما أكبر
عون للفاحص ويذكر اختلاف رواة الكتاب إذا كان هناك اختلاف ويوفي حق الكلام في
الرجال وضبط الأسماء والأنساب بحيث يغني عن تطلب ذلك في شتى الكتب المؤلفة
في هذا الباب ويبين اللغات والأعراب أهم تبيان ويتعرض بأسلوب بديع لوجوه المعاني
والبيان إلى أن يستأنس من المطالعين في كتابه أنهم أصبحوا في غنية عن المضي في
بسط ذلك ويتوسع في طرائق استنباط الأحكام من الحديث ويستثير منه فوائد ثمينة تحت
عنوان يخصها ويذكر لطائف الإسناد من علو ونزول ومدني وشامي ونحوها ويبسط في
المسائل الخلافية تخريج الأحاديث المتعلقة بها على مذاهب فقهاء الأمصار بسطاً وافياً
حسبما آتاه الله من بسطة في العلم والفهم ويقارن بين الأدلة ويحاكم بينها ويسرد تحت
عنوان الأسئلة والأجوبة مواضع الأخذ والرد من فقه الحديث وينتقي من شروح من
تقدمه مواطن العلم والفوائد أجمل انتقاء مستقصياً في ذلك أكمل استقصاء والحاصل أنه
شرح الأحاديث من جميع مناحيها ووفى إيضاحها من كل نواحيها فمن أراد ما يتعلق
بالمنقول ظفر في شرحه بآماله ومن ارتاد ما يمس بالمعقول فاز بكماله وقد جعل كل
ذلك تحت عناوين خاصة ليسهل الكشف عنها ولم يحشد إلى كتابه ما هو أجدر بكتب
المصطلح مما ليس له كبير مساس بشرح الحديث ولا يطيل بتخريج طرق الحديث عن
كتب المستخرجات والأطراف المختصة بذلك إلاّ ما يحتاج إليه في شرح الكتاب وما
i

١٦
ترجمة الشارح
يفيد ترجيح لفظ على لفظ في الروايات ولا يفوته موضع الفائدة من ذلك قلما يحيل
بالمطالع إلى مواضع قد يتيه في تطلبها حرصاً على وقته الثمين بخلاف صاحبه الشهاب
ابن حجر فإنه كثير الإحالة وقد لا توجد الفائدة حيث أحال وخلو عن غالب ما سبق من
مزايا شرح البدر ومما يزيد شرح العيني مزية على مزاياه أنه كان يطلع على شرح
الشهاب ابن حجر جزءاً فجزءاً بواسطة البرهان بن خضر أحد أصحاب الشهاب وينتقده
في مواطن انتقاده على توافق بين الشرحين في النقول في بعض المواضع لتوافق
مراجعهما وقد يظن بعضهم أن الثاني أخذ ذلك من الأول وليس كذلك بل ذلك كما قلنا
ويظهر عند الكشف عن مواطن اتفاقهما في مراجعهما ما ذكرناه وليس أحدهما بأحق من
الآخر في النقل عن كتب من تقدمهما وكان البدر العيني ابتدأ في شرحه سنة إحدى
وعشرين وثمانمائة، وأتم سنة سبع وأربعين وثمانمائة بعد فراغ ابن حجر من شرحه
بخمس سنوات واندهش ابن حجر وأصحابه من ظهور شرح البدر بهذا المظهر الباهر
فابتدأ أصحابه يذيعون أعذاراً لشيخهم مولدة ويبخسون البدر حقه عدواناً وبعد أن اطلع
الشهاب على شرح البدر أخذ يؤلف في دفع اعتراضاته كتاباً سماه انتقاض الاعتراض
فكتب الاعتراضات وترك ما تحتها بياضاً ليتسنى له الإجابة عنها فاخترمته المنية ولم يقدر
أن يجيب عن غالبها وإن أصلح بعض مواضع من شرحه بعد ذلك مع أنه عاش بعد
إتمام البدر وشرحه خمس سنوات والكمال لله وحده وكلاهما شرح حافل ويحكي
العلامة ابن خلدون عن مشايخه أن شرح البخاري دين على الأمة لم يقم بوفائه أحد من
العلماء حسبما يجب ولو عاش ابن خلدون إلى زمن ظهور الشرحين لربما حكم لهما
بقضاء هذا الدين ويميل السخاوي إلى أن القائم بذلك هو شيخه ابن حجر وصاحب
كشف الظنون حكم لهما بوفاء الدين على حد سواء لكن الظاهر أن للعيني الحظ الأوفر
في ذلك عند من أنصف، ولم يتجبر فمن خاض في بحار شرحه الفياض يرى نفسه أنه
في ملتقى سبل العلوم وقام فطاحل العلماء من كل فن على مسالكها بتيار من الأنوار
يضيئون طرائق الفهم من جميع المناحي لغة وإعراباً وبلاغة واستنباطاً وكشفاً عن تراجم
الرجال وضبط كناهم وألقابهم وأسمائهم وأنسابهم وبياناً لفوائد حديثية ولطائف إسنادية
ومسائل أصلية وفرعية ودقائق عقلية ونقلية وتخريجاً لأدلة الأحكام الخلافية مع
المحاكمة بينها وبسطاً لمذاهب العلماء في الصدر الأول ويجد فرق ما بينهما فرق ما بين
البدر والشهاب ويحكم للعيني بإنه هو القائم بقضاء هذا الدين بلا ارتياب وللناس فيما
يعشقون مذاهب.
شكر الله سعيهما ونفع الأمة بهما، ومنها نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في
شرح شرح معاني الآثار للإمام أبي جعفر الطحاوي في عشر مجلدات أوسع ما ألف في
أحاديث الأحكام لا يستغني عنه فريق من الفقهاء، ومنها معاني الأخيار في رجال معاني
٠٣٠

١٧
ترجمة الشارح
الآثار في مجلدين من أنفع الكتب في علم الرجال وأحسنها ترتيباً من حيث أنه لم يسق
الصحابة والتابعين، وتبع التابعين في مساق واحد بل جعل لكل طبقة منهم موضعاً خاصاً
ومن حيث أن الطحاوي شارك الخمسة في بعض شيوخهم وفي كتابه ما ليس في الستة
من الرجال يتطلع الفقيه والمحدث إلى معرفتهم.
ومنها شرح سنن أبي داود في مجلدين يتوسع فيه في أحاديث الأحكام وتراجم
رجالها وهو من امتع الشروح ولم يتم.
ومنها تكميل الأطراف في مجلد كتاب يشهد له بالبراعة والتبحر.
ومنها كشف اللثام عن سيرة ابن هشام ولم يتم قال السخاوي في الإعلان شرح
قطعة كبيرة منها شيخنا البدر العيني ورواها عنه جماعة حسبما بينت ذلك كله واضحاً في
جزء عملته حين ختم قراءتها اهـ.
ومنها البناية في شرح الهداية للإمام المرغيناني في عشر مجلدات يتوسع فيه جداً
في تخريج أحاديث الأحكام وبيان مذاهب علماء الأمصار لا يغني عنها فتح ابن الهمام
ومنها الدرر الزاهرة في شرح البحار الزاخرة لشيخه الرهاوي في المذاهب الأربعة في
مجلدین.
ومنها غرر الأفكار في شرح درر البحار للفتوى في المذاهب الأربعة أيضاً. ومنها
المستجمع في شرح المجمع في مجلد ضخم، ومنها رمز الحقائق في شرح كنز
الدقائق. ومنها الوسيط في مختصر المحيط في مجلدين.
ومنها مختصر الفتاوي الظهيرية، ومنها منحة السلوك في شرح تحفة الملوك.
ومنها العلم الهيب في شرح الكلم الطيب لابن تيمية وكان الكلم الطيب يقرأ في
مجالس الملوك المصرية لما فيه من الفوائد الجمة وكان يولي قراءتها لعالم من أشهر
علماء عصرهم خصيصاً بذلك.
ومنها تحفة الملوك في المواعظ والرقائق ..
ومنها زين المجالس وشارح الصدور في ثماني مجلدات.
ومنها الحواشي على كل من الكشاف وتفسير أبي الليث وتفسير البغوي.
ومنها شرح المنار في الأصول. ومنها طبقات الحنفية، ومنها عقد الجمان في
تاريخ الزمان وهو التاريخ البدري الكبير في خمس وعشرين مجلدة في مكتبة شيخ
الإسلام ولي الدين ويقال إنه في ستين مجلداً كما في مفتاح السعادة.
ومنها مختصره في ثمان مجلدات، ومنها مختصر مختصره في ثلاث مجلدات.
ومنها تاريخ الأكاسرة، ومنها السيف المهند في سيرة الملك المؤيد شيخ.
٠٠٦
i
i
i
١٠٠٠
٤

١٠
٦٠٠
١٨
ترجمة الشارح
ومنها الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر.
ومنها سيرة الملك الأشرف برسباي، ومنها مختصر وفيات الأعيان لابن خلكان.
ومنها مختصر تاريخ دمشق الكبير لابن عساكر. ومنها طبقات الشعراء. ومنها
شرح قصيدة الساوي في العروض. ومنها شرح لأمية ابن الحاجب في العروض. ومنها
مقدمة في العروض ومنها شرح الشواهد الواقعة في شروح الألفية في تصنيفين كبير في
مجلدين وصغير في مجلد وعليه معول الفضلاء.
ومنها الحواشي على شرح الألفية لابن المصنف، ومنها الحواشي على التوضيح،
ومنها الحواشي على شرح الشافية للجاربردي، ومنها شرح العوامل الجرجانية، ومنها
شرح مراح الأرواح وهو أول تصنيفه ألفه وهو ابن تسع عشرة سنة.
ومنها الفوائد على شرح اللباب للسيد، ومنها شرح تسهيل ابن مالك مطول
ومختصر: ومنها تذكرة نحوية، ومنها مقدمة في التصريف. ومنها سير الأنبياء. ومنها
معجم الشيوخ في مجلد ومنها النوادر. إلى غير ذلك مما لم نستحضره الآن وله تقريظ
على الرد الوافر لابن ناصر الدين الدمشقي قال السخاوي: تقريظ العيني غاية في
الانتصار لابن تيمية اهـ.
وكان يجله اعترافاً بسعة علمه وبراعته من غير مشايعة له في شواذه الأصلية
والفرعية وكذا له تقريظ على السيرة المؤيدية لابن ناهض وغير ذلك وفيما ذكرنا كفاية
في معرفة هذا الإمام العظيم معرفة إجمالية وقد ترجمه أبو المحاسن في المنهل الصافي
والسخاوي في الضوء اللامع والتبر المسبوك وذيل القضاة والشمس محمد بن طولون في
الأربعين الأربعين والكفوي في كتائب الأخيار وتقي الدين التميمي في طبقاته والسيوطي
في جملة كتب له، وابن العماد في شذرات الذهب ما بين بسط واختصار وغيرهم ممن
لهم عناية بتراجم الرجال من أهل عصره وممن بعده من أصحاب المشيخات والمعاجم
والتواريخ ما بين موف وباخس ورضي الله عن الجميع وغفر لهم ونفعنا بعلومهم
وبركاتهم آمين والحمد لله أولاً وآخراً.

بِسْمِ اللهِ الرََّمَنِ الرَّحَيةِ
الحمد لله الذي أوضح وجوه معالم الدين. وأفضح وجوه الشك بكشف النقاب
عن وجه اليقين. بالعلماء المستنبطين الراسخين. والفضلاء المحققين الشامخين. الذين
نزهوا كلام سيد المرسلين. مميزين عن زيف المخلطين المدلسين. ورفعوا مناره بنصب
العلائم. وأسندوا عمده بأقوى الدعائم. حتى صار مرفوعاً بالبناء العالي المشيد.
وبالإحكام الموثق المدمج المؤكد، مسلسلاً بسلسلة الحفظ والإسناد. غير منقطع ولا
واه إلى يوم التناد. ولا موقوف على غيره من المباني. ولا معضل ما فيه من المعاني.
والصلاة: على من بعث بالدين الصحيح الحسن. والحق الصريح السنن. الخالي
عن العلل القادحة. والسالم من الطعن في أدلته الراجحة. محمد المستأثر بالخصال
الحميدة. والمجتبى المختص بالخلال السعيدة. وعلى آله وصحبه الكرام. مؤيدي الدین
ومظهري الإسلام. وعلى التابعين بالخير والإحسان. وعلى علماء الأمة في كل زمان.
ما تغرد قمري على الورد والبان. وناح عندليب على نور الأقحوان.
وبعد: فإن عانى رحمة ربه الغني. أبا محمد محمود بن أحمد العيني. عامله ربه
ووالديه بلطفه الخفي. يقول إن السنة إحدى الحجج القاطعة. وأوضح المحجة
الساطعة. وبها ثبوت أكثر الأحكام. وعليها مدار العلماء الأعلام. وكيف لا وهي القول
والفعل من سيد الأنام. في بيان الحلال والحرام. الذين عليهما مبنى الإسلام. فصرف
الأعمار في استخراج كنوزها من أهم الأمور، وتوجيه الأفكار في استكشاف رموزها من
تعمير العمور. لها منقبة تجلت عن الحسن والبها ومرتبة جلت بالبهجة والسنا. وهي
أنوار الهداية ومطالعها. ووسائل الدراية وذرائعها. وهي من مختارات العلوم عينها،
ومن متنقدات نقود المعارف فضها وعينها. ولولاها لما بان الخطأ عن الصواب. ولا
تميز الشراب من السراب. ولقد تصدت طائفة من السلف الكرام. ممن كساهم الله
تعالى جلابيب الفهم والأفهام. ومكنهم من انتقاد الألفاظ الفصيحة المؤسسة على
المعاني الصحيحة. وأقدرهم على الحفظ بالحفاظ من المتون والألفاظ. إلى جمع سنن
من سنن سيد المرسلين هادية إلى طرائق شرائع الدين. وتدوين ما تفرق منها في أقطار
بلاد المسلمين. بتفرق الصحابة والتابعين الحاملين. وبذلك حفظت السنن. وحفظ لها
السنن. وسلمت عن زيغ المبتدعين. وتحريف الجهلة المدعين. فمنهم الحافظ الحفيظ
الشهيد. المميز الناقد البصير. الذي شهدت بحفظه العلماء الثقات. واعترفت بضبطه
١٩
٠۵۵٦
i

٢٠
مقدمة الشارح
المشايخ الأثبات. ولم ينكر فضله علماء هذا الشأن. ولا تنازع في صحة تنقيده اثنان.
الإمام الهمام. حجة الإسلام. أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري. أسكنه الله
تعالى بحابيح جنانه بعفوه الجاري. وقد دون في السنة كتاباً فاق على أمثاله. وتميز على
أشكاله. ووشحه بجواهر الألفاظ من درر المعاني. ورشحه بالتبويبات الغريبة المباني.
بحيث قد أطبق على قبوله بلا خلاف. علماء الأسلاف والأخلاف. فلذلك أصبح
العلماء الراسخون الذين تلألأ في ظلم الليالي أنوار قرائحهم الوقادة. واستنار على
صفحات الأيام آثار خواطرهم النقادة. قد حكموا بوجوب معرفته. وأفرطوا في قريضته
ومدحته. ثم تصدى لشرحه جماعة من الفضلاء. وطائفة من الأذكياء. من السلف
النحارير المحققين. وممن عاصرناهم من المهرة المدققين. فمنهم من أخذ جانب
التطويل. وشحنه من الأبحاث بما عليه الاعتماد والتعويل. ومنهم من لازم الاختصار
في البحث عما في المتون. ووشحه بجواهر النكات والعيون. ومنهم من أخذ جانب
التوسط مع سوق الفوائد ورصعه بقلائد الفرائد. ولكن الشرح أي الشرح ما يشفي
العليل. ويبل الأكباد ويروي الغليل. حتى يرغب فيه الطلاب. ويسرع إلى خطبته
الخطاب. سيما هذا الكتاب الذي هو بحر يتلاطم أمواجاً. رأيت الناس يدخلون فيه
أفواجاً. فمن خاض فيه ظفر بكنز لا ينفد أبداً. وفاز بجواهره التي لا تحصى عدداً. وقد
كان يختلج في خلدي أن أخوض في هذا البحر العظيم. لأفوز من جواهره ولآليه بشيء
جسيم. ولكني كنت أستهيب من عظمته أن أحول حوله. ولا أرى لنفسي قابلية لمقابلتها
هوله. ثم إني لما رحلت إلى البلاد الشمالية الندية. قبل الثمانمائة من الهجرة
الأحمدية. مستصحباً في أسفاري هذا الكتاب لنشر فضله عند ذوي الألباب. ظفرت
هناك من بعض مشايخنا بغرائب النوادر. وفوائد كاللآليء الزواهر. مما يتعلق باستخراج
ما فيه من الكنوز. واستكشاف ما فيه من الرموز. ثم لما عدت إلى الديار المصرية. ديار
خير وفضل وأمنية أقمت بها برهة من الخريف. مشتغلاً بالعلم الشريف. ثم اخترعت
شرحاً لكتاب معاني الآثار. المنقولة من كلام سيد الأبرار. تصنيف حجة الإسلام.
الجهبذ العلامة الإمام. أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي. أسكنه الله تعالى
من الجنان في أحسن المآوي. ثم أنشأت شرحاً على سنن أبي داود السجستاني. بوأه
الله دار الجنان. فعاقني من عوائق الدهر ما شغلني عن التتميم. واستولى علي من
الهموم ما يخرج عن الحصر والتقسيم. ثم لما انجلى عني ظلامها وتجلى علي قتامها.
في هذه الدولة المؤيدية. والأيام الزاهرة السنية ندبتني إلى شرح هذا الكتاب. أمور
حصلت في هذا الباب.
الأول: أن يعلم أن في الزوايا خبايا. وأن العلم من منايح الله عز وجل ومن أفضل
العطايا .