Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
كتاب الجنة/ باب ٢٠
مَزِيدٍ﴾ [قّ: ٣٠] ثُمَّ يُطْرَحُ فِيهَا فَوْجٌ، فَيُقَالُ: هَلِ امْتَلَأْتٍ، فَتَقُولُ: ﴿مَلْ مِن
مَزِيدٍ﴾، حتى إذا أَوْعَبُوا فِيهَا وَضَعَ الرَّحْمِنُ قَدَمَهُ فِيهَا وَأَزْوَى بَعْضَهَا إلى بَعْضٍ، ثُمَّ
قَالَ: قَطْ، قَالَتْ: قَطْ، قَطْ، فَإِذَا أَدْخَلَ اللَّهُ أَهْلَ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وَأَهْلَ النَّارِ النَّارَ، قَالَ:
يقولوا: هل الميزان قبل الصراط أو الحوض قبلهما أم كيف الترتيب فيهما؟ وهو أمر لم يرد
فيه خير ولا له فائدة في النظر.
الثانية عشرة: قوله: (حتى يضع الرحمن قدمه فيها) قد بيّنّاه في الأحاديث المشكلة، وما
للناس في نحوه من الطرائق. روى أحمد وأظنه من طريق أبي سعيد: ((فيأتيها ربّها فيضع قدمه
فيها)، ومهما اختلف الناس في اليدين هل هي صفة أم لا؟ فلا يختلفون في القدم أنها ليست
بصفة، وقد قال الشيخ أبو الحسن: إن اليدين صفة، ولم يقبل ذلك في القدم لأن اليدين ثبتا
ذكرًا بالقرآن قطعًا، وكذلك لم يختلفوا في الإتيان وأنه صفة فعل، ويا ليت شعري ما لا يجوز
على الله فهل يصحّ لأحد أن يقول: أقبله قرآنًا وأردّه سُنّة، فإن كان ذلك جائزًا على الله فهو
مقبول قرآنًا أو سُنّة آحادًا أو تواترًا، فإن كان له تأويل فذلك التأويل الذي يجري في مورد القرآن
يجري بعينه في مورد السُّنّة، والذي أقطع عليه أن اليد عبارة عن القدرة، وأن القدم عبارة عن
مقدمة سبقت في علم الله على جمع أنهم من أهل النار، فيجعلون فيها طبقات كما جاء في هذا
الحديث حتى يقع الوفاء بالاستيفاء على مَن سبق عليه اللفظ، وقد روى فيها (حتى يضع الرحمن
فيها رجله) وإلى الأول يعود، وإنما المراد به جملة من الخلق، فتارة عبر عنهم بلفظ القدم من
تقدّم العلم فيهم بذلك، وتارة عبّر عنهم بالرجل أي: الجماعة من الناس وغيرهم، وقد قال
بعضهم: حتى يضع الجبار فيها قدمه، أي: غير الله تنزيه الله، وهذه جهالة، فإنه جعل الوضع
والحكم لغيره، وكذلك قوله: غلظ جلد الكافر أربعون ذراعا بذراع الجبار، يعني به ذراع الله
المخلوقة التي لها من القدر ما لا يعلمه إلا الله، ولم يعلم بذلك الخلق تخويفًا لهم بالإبهام،
فربما كان في وقت أبلغ من البيان، وليس ورود ذكر ذراع الله بأشكل من ورود بيته وداره، وأنه
مرض وأنه جاع وعري وعطش، وكل ذلك صحيح مورود مراد به معانيه القائمة، وقد تكلّف
بعضهم من المُبطلين أن يبيّن أن قوله: (حتى يضع الجبار فيها قدمه) مفيد معنى لا يفيده حتى
يضع الرحمان فيها، وأنه تنویع لحكم، وذلك كله جهل وتجاهل وتلاعب في الدين وتخاذل،
· فتعالى الله، لقد قال وما أنا من المتكلفين.
الثالثة عشرة: مخاطبتها ومراجعتها تحتمل الحقيقة والمجاز، وكذلك تحاجهما، وقد قال
لنا الطرطوشي: أما كلام النار فيحتمل أن يخلقه الله مجرما فيها فيجري عليها ويسمع منها، وأما
المحاجّة فلا بدّ مع خلق الكلام فيها من خلق العلم بوجه الحجة والتفطّن للدليل والجواب،
وهذا عندي لا يلزم، فإنه يجوز أن يكون ذلك من القول مخلوقًا يجري منهما ولا يعلمان
تفصيله، كالصبي الصغير يتلو الآية من القرآن لا يعلم منها حرفًا.

٢٢
كتاب الجنة/ باب ٢٠
أَتِيَّ بِالمَوْتِ مُلَيَِّا، فَيُوقَفُ على السُّورِ الْذِي بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ وَأهْلِ النَّارِ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ
الجَنّةِ، فَيَطْلِعُونَ خَائِفِينَ، ثُمّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ، فَيَطَّلِعُونَ مُسْتَبْشِرِينَ يَرْجُونَ الشِّفّاعَةٌ،
فَيُقَالُ لأِهِلِ الجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ: هَلْ تَعْرِفُونَ هذا؟ فَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ وَهَؤُلَاءِ: قَدْ عَرَفْتَاهُ، هُوَّ
المَوْتُ الذِي وُكَّلَ بِنَا، فَيُضْجَعُ فَيُذْبَحُ ذَّبْحًا على السُّورِ الَّذِي بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثمَّ يُقَالُ:
يَا أَهْلَ الجَنَّةِ خُلودْ لاَ مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ لاَ مَوْتَ)).
قَالَ ابُو عیسی: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيَِِّ﴿ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ مِثْلَ هذا مَا يُذْكَرُ فِيهِ أَمْرُ الرُّؤْيَةِ أَنَّ النَّاسَ
يَرَوْنَ رَبَّهُمْ وَذِكْرُ القَدَمِ وَمَا أَشْبَةَ هذِهِ الأشْيَاءَ.
الرابعة عشرة: قوله: (فيؤتى بالموت ملببًا) قد كنت أمليت فيه قولاً بديعًا رأيت ذكره
بنصه ليشترك فيه أولو النهي، الفص منه والنص أن الناس اختلفوا في هذا الخبر لما سمعوه،
وقد ذهب الصدر الأول الذين كانوا أهل تقاة وهيبة ومحافظة على السّنّة، قالت طائفة: لا
تعلمه هو خبر واحد، وأيضًا فإنه جاء بما يناقض العقل، فإن الموت عرض والعرض لا ينقلب
جسمًا ولا نعقل فيه ذبحًا، ولما استحال ذلك عقلاً وجب أن نمنح الحديث ردًّا. وقالت طائفة
أخرى: إن كان ظاهره مُحالاً فإن تأويله جائز، واختلفوا في وجه تأويله على أقوال قد بيّناها
في كتاب المشكلين، أصلها قولان: أحدهما: أن هذا مثل، لو رأى ذلك أحد في المنام في
زمن وباء فيقال له: هذا الوباء قد زال، ويقع في قلبه في المنام أن ذلك هو الوباء وأنه يرتفع
يذبحه عن المكان الذي هو فيه، وهذا له رمق وربما تلفق وتنمق، وآخر الأمر لا يستمر ولا
يتحقق. الثاني: أن الذي يؤتى به متولّي الموت، وكل ميت يعرفه فإنه تولاه، فإذا استقرت
المعرفة أعدم لهم العدم الذي عهدوه، ولو شاء ربنا لخلق لهم العلم بذلك ضرورة، ولكنه
رتب لهم هذه القصة بهذه الحكمة. ويعبّر عن المتولّي للشيء باسم ذلك الشيء، قال
فصیحهم:
رسائل بني أسد ما هذه الصوت
يا أيها الراكب المزجى مطيته
قولاً يبرتكم إني أنا الموت
وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا
والذي يعضد هذا التأويل ويحققه قوله تعالى: ﴿أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء
حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا ووجد الله عنده﴾ [النور: ٣٩] فأخبره عن جزائه بذاته الكريمة،
وكذلك يخبر عن الموت بمتوليه، فاعلموا ذلك. وقد مهّدنا القول مستوفى في تفاصيل الخبر
في كتاب المشكلين بما لبابه أن خروج الروح من الجسد إن لم يكن موتًا إذ كان الموت لا
يكون حياة إلا برجوعه إلى الجسد، فإذا ذبح الكبش لم يخرج روحه فلا يرى أحد الموت،
،

٢٣
کتاب الجنة/ باب ٢٠
وَالْمَذْهَبُ في هذا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ مِنَ الأئِمَّةِ مِثْلٍ سُفْيَانَ الثّوْرِيِّ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ،
وَابْنِ المُبَارَكِ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ، وَوَكِيعِ أَنَّهُمْ رَوَوْا هذِهِ الأشْيَاءَ، ثُمَّ قَالُوا: تُرْوَى هذِهِ
الأحَادِيثُ وَنُؤْمِنُ بِهَا، وَلاَ يُقَالُ كَيْفِّ؟ وهذا الذِي اخْتَارَهُ أَهْلُ الحَدِيثِ أنْ تُرْوَى هذِهِ
الأشْيّاءُ كما جاءَتْ وَيُؤْمَنُ بِهَا وَلاَ تُفْسَّرُ وَلاَ تُتْوَهُمُ وَلاَ يُقَالُ كَيْفَ، وهذا أمْرُ أهْلِ العِلْمِ
الذي اخْتَارُوهُ وَذَهَبُوا إِلَيْهِ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ فِي الحَدِيثِ: فَيُعَرْفُهُمْ نَفْسَهُ يَعْنِي يَتَجَلَّى لَّهُمْ.
وإن رآه بعد خروج روحه فلم يذبح الموت، وإن رآه وقد خرج بعضه فليس يموت، والموت
في حقيقته لا يتبعض، وإن توقفنا في الروح هْل تدخل وتخرج؟ وإن قال: أرى مقدماته عاد
إلى المجاز وأهل القيامة لم تبق لهم غريبة لم يروها ولا عادة منخرقة إلا عاينوها، فإنهم رأوا
الأجسام الثقال تعلو، وعاينوا في الصراط الأجسام الثقال تمشي على الجرد الرحض، ثابتة
وتجري كجري الخيل وتسير سير الريح وتخطوا خطو البرق، وأحسّوا بالظما قد ارتفع من
شرب الحوض، ورأوا العرق يسيل فيأخذ كل إنسان عرقه على مقدار ذنوبه، فيكون الشخصان
متجاورين في سطح كخبزة النقى، وأحدهما قد غرق في العرق حتى يشرق وجاره قد بلغ إلى
نصف ساقه، ورأوا المقسطين على كراسي في الهواء قعودًا إلى غير ذلك من عظيم الآيات،
وأعظم منه الحياة بعد الموت والقيام من الوفاة إلى الحياة أولاً وثانيًا، فلا سالف إلا وقد
حصل عندهم في باب كان، وسحبوا عليه ذيل العرفان، فلو ذبح لهم الموت قبل البعث لقال
من رأى ولم يمت: إني قد استرحت من الموت، وإنما يرى الموت قد ذبح وهو قد كان ذبح
قبل ذلك وقطع إربًا ثم عاد حيًّا، فكيف يمتنع عنده أن يعود الموت بعد الذبح حيًّا، فكيف
يأنس بذبحه مع تجويز عوده، فإذا لهم نفس مطمئنة أم كيف يتحققون الخلود في نار وجنة؟
هيهات، ليست الحقائق في هذه الطرائق، ولا تنال المعاني بالأماني، ولا تؤخذ التحف من
المصحف، وإنما هي منقولة من الفؤاد إلى الفؤاد بواسطة اللسان والآذان، ونبذ المُحال بشدّ
الرحال، وإعمال المطي إلى المكان القصي، وملاحظة الأعيان بالعيان، وتحقيق ذلك أن الروح
يخرج من الجسد في الدنيا على أنواع يجمعها حالتان: إحداهما: أن تنتقض البنية وتتفكك
الرقبة. والثانية: أن يزهق الروح والبنية بحالها من وقص أو رفس، ومع عمل من الآدمي
كالخنق ولدم القلب ورض الأنثيين وغير ذلك من الأنواع الخفية على الناس، ووجه اتصالها
بالموت. والموت وإن اعتقده المعتقدون خروج الروح من الجسد، وأن الروح جسم ولا بد له
من منفذ لصفته المذكورة، فإذا وقع الخنق فمن أين يخرج والمنفذ منسد، وإن قال: هو جسم
لطيف، قلنا: اللطيف والكثيف له محله وسبيله بصفته، والذي يدل عليه أن الريح التي هي
نسيب الروح في الحروف تأليفًا وفي الاشتقاق وزنًا وتصريفًا وفي الكيفية ظنًّا وتخمينًا إذا سذّ
عليها المنفذ لم يكن لها مخرج، ولقد رُويَ أن الخزنة فتحت على عاد منفذ الريح في مسلك
عارضة الأحوذي/ ج ١٠/ ٢ ١٨

٢٤
کتاب الجنة/ باب ٢٠
٢٥٥٨ - عقثنا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيع. حَدِّثَنَا أَبِي عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ عَنْ عَطِيَّةً عَنْ
أبِي سَعِيدٍ يَرْفَعُهُ قَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ أَتِيَ بِالمَوْتِ كَالكَبْشِ الأَمْلَحِ، فَيُوقَفُ بَيْنَ الجَنَّةِ
وَالنَّارِ، فَيُذْبَحُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ، فَلَوْ أَنَّ أَحَدًا مَاتَ فَرَحًا لَمَاتَ أهْلُ الْجَنَّةِ، وَلَوْ أنَّ أَحَدًا
مَاتَ حَزَنَا لَماتَ أَهْلُ النَّارِ (١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ.
محصور مثل حلقة الخاتم، وعنت حتى فعلت ما فعلت بقدرة من مكّنها فتمكّنت، فأفاد أنه لا
يكون سلوكها إلا على مسلك بقدر فعلها، ومن يظن أن الروح لها دخول وخروج كدخول
الأجسام وخروجها في المعتاد فيها فهيهات له هيهات المدى، بل له معنى بديع يبرّره النظر
ويشهد له الخبر، فإن قيل: فقد رُوِيّ أن يحيى ذبح أو نشر ولم يمت، قلنا: إخبار عن غير
أحبار، ولو صحّت لقلنا إنه ذبح ثم حيي، وقد أحيي بعد الموت في الدنيا جماعة، ولابن
أبي الدنيا(٢) كتاب فيهم كبير مفيد، وقد يمكن أن يذبح الحيّ فلا يموت، فإن قيل: فحركة
المذبوح بعد الذبح ما هي؟ قلنا: هي عندهم مستعارة، وحقيقتها نبيّنها إن شاء الله، فإن قيل:
فكيف بأهل الجنة [يأكلون] من لحم حيواناتها مع بقاء الحياة، فقد رُوِيّ أنه يقع بين أيديهم
مشويًّا، قلنا: ويجوز أن يكون مع ذلك حيًّا سويًّا، ويلقم وهو يتكلم، وكما انتشوا من غير
انتشاء كذلك يؤكل حيًّا مع الاستواء، وسقطت الذكاة لأن الجنة ليست بدار تكليف، ولما
سقطت الذكاة سقطت معلقاتها والله أعلم. وطريقة الكلام في المسألة المتقدمة أن الله يخلق
لهم العلم اليقيني في دار اليقين، فإن الموت لا يعود أبدًا، ولو خلق لهم هذا العلم ابتداء
دون ذبح شيء لكان ذلك واقعًا موقعه، ولكنه بحكمته جعله مخلوقًا ومنوطًا بسبب، كما كان
عند العلم اليقيني في الدنيا أن مَن ذبح أو مات لا يعود فيها أبدًا، فرتّب لهم سبحانه شيئًا
يشبهه حتى يكون العلم الثاني على نحو ما رتب عليه العلم الأول، ويثبت في نفوسهم العلم
بالمراد كما أثبته من قبل، وكان عود الحياة بعد الموت الأول بخبره كذلك يكون امتناع العود
في الموت الثاني بخبره، وتطمين نفوس أهل الجنة بالخلود ويزيدهم قوله لهم: (أحلّ عليكم
رضائي ولا أسخط بعده أبدًا) ويقع اليأس لأولئك وتطبق عليهم النار وينفذ الحكم ويقع الفصل
ويظهر الوعد الصدق، والله يختم لنا ولكم بالحسنى برحمته.
(١) (مسلم) الجنة وصفة نعيمها وأهلها: في فاتحته.
(٢) في الأصول لابن أبيه ولعل الصواب ما ذكرناه فقد رأيت لابن أبي الدنيا كتابًا فيمن عاش بعد الموت
ولكنه ليس بكبير ولعل الكبير نسبي لأن الورقات المعدودة التي تكتب في هذا الباب الغريب والآية
العجيبة تعد كثيرة (م ا ى).

٢٥
کتاب الجنة/ باب ٢١
٢١ - باب مَا جَاءَ حُفْتِ الجَنَّةُ بِالمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ
[المعجم ٢١ - التحفة ٢١]
٢٥٥٩ - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَانِ. أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِم. أُخْبَرَنَا
حَمَّادُ بْنُ سَلَمّةً عَنْ حُمِيْدٍ وَثَابِتْ عَنْ أَنَسِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِوَ ﴾ قَالَ: ((حُفَّتِ الجَنَّةُ
بِالمَكَّارِهِ، وحُفْتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ»(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هذا الوَجْهِ صَحِيحٌ.
٢٥٦٠ - حدّئنا أبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عَمْرٍو. حَدِّثَنَا
أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الجَنَّةَ وَالنَّارَ أَرْسَلَ
جِبْرِيلَ إلى الجَنَّةِ فَقَالَ: انْظُرْ إِلَيْهَا وَإِلى مَا أَعْدَدْتُ لِأهْلِهَا فِيهَا، قَالَ: فَجَاءَهَا وَنَظَرَ إِلَيْهَا
وَإلى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لأَهْلِهَا فِيهَا، قَالَ: فَرَجَعَ إِلَيْهِ، قَالَ: فَوَعِزَِّّكَ لاَ يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إلاَّ
دَخَلَهَا، فَأُمَرَ بِهَا فَحُفّتْ بِالمَكَارِهِ، فَقَال: ارْجِعْ إِلَيْهَا فَانْظُرْ إِلى مَا أَعْدَدْتُ لِأهْلِهَا فِيهَا،
باب ما جاء في حديث حفّت الجنة بالمكاره
حديث يرويه حميد وثابت كما لو روى شعبة وسفيان ومالك والليث وهو معنى يجمع
ویذاکر به.
العارضة: في معناه انعقد. رُوِيّ بدل قوله: (حفت) (حجبت)، ومعنى حجبت جعلت
المكاره بينها وبين طالبها حجابًا، فلا يصل إليها حتى يقتحمها، وكذلك قوله: (حفّت) معناه
جعلت حقًّا فيها، أي: على جوانبها، وهو الحجب بعينه، لأن لفظ الحجاب أبلغ في بيان المنع
من الوصول، لأنه أخصّ به في الضديّة، وقوله: (حفّت النار بالشهوات) مثله في التنزيل وعكسه
في المعنى، وهو من بديع الفصاحة وغريب البيان، فمعنى (حفّت النار بالشهوات) أن الشهوات
موضوعة على جوانبها، فمتى اقتحم الشهوة سقط في النار، وكذلك قوله: (حجبت) أي جعلت
الشهوات حجابًا بين العبد وبينها، فإذا أتى الشهوة دخل النار لارتباطها معها واتصالها بها، وأنها
خطاطيفها، فالنار لا يقصدها مرتكب الشهوة وإنما يقع فيها بالتسبب، والجنة يطلبها ويقصدها
المرء عن علم ولا يصل إليها إلا باحتمال المكروه، وفي هذا قال النبي # في الصحيح خرّجه
أبو عيسى عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال رسول الله وَالر: (لما خلق الله الجنة والنار قال
لجبريل اذهب إلى الجنة فانظر إليها فرجع إليه وقال له فوعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها)
(١) (النسائي) الأيمان والنذور: باب الحلف بعزّة الله تعالى.

٢٦
کتاب الجنة/ باب ٢٢ و ٢٣
قَالَ: فَرَجِعَ إِلَيْهَا فَإِذَا هِيَ قَد حُفَّتْ بِالمَكَارِهِ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ لَّقَدْ خِفْتُ أنْ لاَ
يُدْخُلَهَا أَحَدًا قَالَ: اذْهَبْ إلى النَّارِ فَانْظُرْ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعْدَذْتَ لِأَهْلِهَا فِيهَا، فَإِذَا هِيَ
يَرْكُبُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَرَجْعَ إِلَيْهِ فَقَالَ: وَعِزْتِكَ لاَ يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ فَيَدْخُلَهَا، فَأَمَرّ بِهَا
فَحُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهَا، فَرَجَعَ إِلَيْهَا فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أنْ لاَ يَنْجُوَ
مِنْهَا أَحَدٌ إلاَّ دَخَلَهَا)).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ.
٢٢ - باب مَا جَاءَ في اختِجَاجِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ
[المعجم ٢٢ - التحفة ٢٢]
٢٥٦١ - هقدنا أبُو كُرَيْبِ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُّ سُلَيْمَانَ عَنْ مُحمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ
أَبِي سَلَمّةً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: ((احْتَجَّتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتٍ
الجَنَّةُ: يَدْخُلُنِي الضُّعَفَاءُ وَالمَسَاكِينُ، وَقَالَتِ النَّارُ: يَدْخُلُنِي الجَبَّارُونَ وَالمُتَكَبِّرُونَ،
فَقَالَ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي أَنْتَقِمُ بِكِ مِمِّنْ شِئْتُ، وَقَالَ لِلْجَنَّةِ: أنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ
مَنْ شِئْتُ).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَجِيحٌ.
٢٣ - باب مَا جَاءَ مَا لأنِنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مِنَ الكَرَامَةِ
[المعجم ٢٣ - التحفة ٢٣]
٢٥٦٢ - هقائنا سُوَيْدٌ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ. أَخْبَرَنَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ. حَدَّثِي عَمْرُو بْنُ
الحَرِثِ عَنْ تَرَاجٍ عَنْ أبي الهَيْثَمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: «أَذْنَى
أهْلِ الجَنَّةِ الَّذِي لَهُ ثَمَانُونَ أَلْفَّ خَادِمِ وَاثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ زَوْجَةٌ، وَتُنْصَبُ لَهُ قُبَّةٌ مِنْ لُؤْلُقٍ
وَزَبَرْجَدٍ وَيَاقُوتٍ كِمَا بَيْنَ الجَابِيَةِ إِلى صَنْعَاءَ)). وبهذا الإسْنَادِ عَنِ النَّبِيِِّ ﴿ قَالَ: ((مَنْ
مَاتَ مِنْ أَهْلِ الجَنّةِ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ دُونَ أَبْنَاءِ ثَلاَئِينَ في الجَنَّةِ لاَّ يَزِيدُونَ عَلَيْهَا أَبَدًا،
يعني اشتاق إلى دخولها أو احتال على دخولها (فلما خلق المكاره حولها قال له وعزتك لقد
خفت أن لا يدخلها أحد) وبمثل هذا أيضًا كان القول في النار.

٠٠
٢٧
كتاب الجنة/ باب ٢٤
وَكَذلِكَ أَهْلُ النَّارِ)). وَبِهِذَا الإِسْنَادِ عَنِ النَّبِيِِّ ﴿ قَالَ: ((إنَّ عَلَّيْهِمُ التِّيجَانَ، إِنَّ أَدْنَى لُؤْلُؤَةٍ
مِنْهَا لَتْضِيءُ مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ)»(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إلاَّ مِنْ حَدِيثٍ رِشْدِينَ.
٢٥٦٣ - حدثنا بُنْدَارٌ. حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ. حَدَّثَنَا أبي عَنْ عَامِرِ الأخوَلِ عَنْ أَبِي
الصِّدِيقِ النّاجِيِّ عَنْ أبي سَعِيدٍ الخُذْرِيِّ قَالَ: قَالُ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((المُؤْمِنُ إِذَا اشْتَهَى
الوَلَدَ فِي الجَنَّةِ كانَ حَمْلُهُ وَوَضْعُهُ وَسِتُّهُ فِي سَاعَةٍ كَمَا يَشْتَهِي» .
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في هذا، فَقَّالَ بَعْضُهُمْ: في الجَنّةِ جِمَاعٌ وَلاَ يَكُونُ وَلَدٌ،
هكذا رُوِيّ عَنْ طَاؤُوسٍ وَمُجَاهِدٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: قَالَ إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
في حَدِيثِ النَّبِيِِّ﴿: ((إِذَا اشْتَهَى المُؤْمِنُ الوَلَدَ في الجَنّةِ كانَ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ كَمّا
يَشْتَهِي وَلَكِنْ لاَ يَشْتَهِي)». قَالَ مُحمَّدٌ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أبي رَزِينِ العَقِيلِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﴾
قَالَ: ((إنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ لاَ يَكُونُ لَهُمْ فِيهَا وَلَدٌ)) وَأَبُو الصِّدِيقِ النَّاجِي اسْمُهُ بَكْرُ بْنُ عَمْرٍو،
وَيُقَالُ بَكْرُ بْنُ قَيْسٍ أَيْضًا.
٢٤ - باب مَا جَاءَ في كَلاَمِ الحُورِ العِينِ
[المعجم ٢٤ - التحفة ٢٤]
٢٥٦٤ - حدثنا هَنَّادٌ وَأَحْمَدُ بْنُ مَنِيعِ قَالاَ: حَدْثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً قَالَ: حَدَّثَنَا
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَقَ عَنِ الثَّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَلِيَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((إِنَّ
في الجْنَّةِ لَمُجْتَمّعًا لِلْحُورِ العِينِ يُرَفْعْنَ بِأَصْوَاتٍ لَمْ يَسْمَعِ الخَلَائِقُ مِثْلَهَا، قَالَ: يقُلْنَ:
باب ما جاء في كلام الحور العين
رُوِيّ غريبًا عن النعمان بن سعد عن علي (إن في الجنة لمجتمعًا للحور العين يرفعن
بأصوات لم يسمع الخلائق بمثلها). قال ابن العربي: قد ورد عن يحيى بن أبي كثير وغيره في
قوله: ﴿فهم في روضة يحبرون﴾ [الروم: ١٥] السماع، يعني مثل ما تقدم من قول الحور
العين، حقيقته أن الله سبحانه لمّا خلق الحواس قرن بها خلق المكاره في متعلقاتها ولذاتها، فلذّة
(١) (ابن ماجه) الزهد: باب صفة الجنة.

٢٨
کتاب الجنة/ باب ٢٥
نَحْنُ الخَالِدَاتُ فَلاَ نِّيدُ، وَنَحْنُ النَّعِمَاتُ فَلاَ نَبْؤُسُ، وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلاَ نَسْخَطُ، طُوبَى
لِمَنْ كانَ لَّا وَكُنَّا لَّهُ)).
وفي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَأَنَسٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عَلِيّ حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
٢٥٦٥ - حقّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ. حَدِّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُيَادَةَ عَنِ الأوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ
أبي كَثِيرٍ فِي قَوْلِهِ عَزْ وَجَلَّ: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُخْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥] قَالَ: السَّمَّاعُ.
وَمَعْنَى السَّمَّاعِ مِثْلُ مَا وَرَدَ في الحَدِيثِ أنَّ الحُورَ العِينَ يُرَفْعْنَ بِأَصْواتِهِنَّ (١).
٢٥ - باب
[المعجم ٢٥ - التحفة ٢٥]
٢٥٦٦ - هقدنا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعْ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي الْيَقْظَانِ عَنْ زَاذَانَ عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: (ثَلاثَةٌ على كِثْبَانِ المِسْكِ))، أُرَاهُ قَالَ: ((يَوْمَ
القِيَامَةِ، يَغْبِطُهُمُ الأوّلُونَ وَالآخِرُونَ: رَجُلٌ يُنَادِي بِالصَّلَوَاتِ الخَمْسِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ .
وَرَجُلٌ يَؤُمُّ قَوْمًا وَهُمْ بِهِ رَاضُونَ. وَعَبْدٌ أدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ)).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثُّوْرِيِّ،
وَأَبُو الْيَقْظَّانِ اسْمُهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَيُقَالُ ابْنُ قَيْسٍ.
-
الفم بالطعم والذوق، ولذة الأنف بالشم، ولذّة الجسم كله باللّمس، ولذّة الأَذِّن بالسمع، وكل
وجه تقترن به اللذة في هذه الحواس يقترن به مكروه، ولكل واحد تفصيل وتفسير، والمعنى
الذي لأجله يستحسن ويستقبح لا يعلم إلا على الجملة بالملاءمة والمخالفة بالصوت أثر عظيم
في النفس عند إدراكه، وعلى قدر حسنه يكون وقع أثره في النفس بالإصغاء إليه أو الإعراض
له، وبالقبول له أو الردّ، فإن اعتضد بمحبة أو إشراف إلى المحدث أو الحديث زادت اللذّة،
فإن اقترنت له مَسَرّة أو انفردت كان أكثر منه أو مثله، فإن كان المنطق رخيمًا، رقيق الحواشي
ليس بهراء، أوسع الأَذّن سماعًا والنفس ميلاً وقبولاً، فإن كان منغمًا انتهى، وذلك بتقدير
الحركات والسكنات منه وترديد الأنفاس عليه، وذلك هو التحبير في الكلام والتنغيم في الغناء،
(١) مرّ في البر والصلة رقم (١٩٨٧).

٢٩
کتاب الجنة/ باب ٢٥
٢٥٦٧ - حدثنا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدِّثَنَا يَخِيّى بْنُ آدَمَ عَنْ أبي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنِ
الأعْمَشِ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ خِرَاشٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يَرْفَعُهُ قَالَ: ثَلاثَةٌ
يُحِبُّهُمُ اللَّهُ: رَجُلٌ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَثْلُو كِتَابَ اللَّهِ. وَرَجُلْ تَصَدَّقَ صَدَقَّةٌ بِيَمِينِهِ يُخْفِيهَا، أُرَاهُ
قَالَ: مِنْ شِمَالِهِ. وَرَجُلٌ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ فَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ فَاسْتَقْبَلَ العَدُوّ(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هذا الوَجْهِ، وَهُوَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ. وَالصَّحِيحُ
مَا رَوَى شُعْبَةُ وَغَيْرُهُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ رِبْعِيْ بْنِ خِرَاشٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ظَبْيَانَ عَنْ أَبِي ذَرِّ عَنٍ
النَّبِيِّ ◌َه وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشِ كَثِيرُ الغَلّطِ.
٢٥٦٨ - حدثنا مُحمَّدُ بْنُ بَشّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ المُثَنِى قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ.
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ المُعْتَمِرِ قَالَ: سَمِعْتُ رِبْعِيَّ بْنَ خِرَاشِ يُحَدِّثُ عَنْ زَيْدِ بْنِ
ظَبْيَانَ يَرْفَعُهُ إلى أبي ذَرِّ عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: ((ثَلاثَةٌ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ، وَثَلاثَةٌ يَبْغَضُهُمُ اللَّهُ؛ فَأُمَّا
الَّذِينَ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ: فَرَجُلٌ أَتَى قَوْمًا فَسَألَهُمْ بِاللَّهِ وَلَمْ يَسْألُهُمْ بِقَرَابَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فَمَنَعَوهُ،
فَتَخَلَّفَ رَجُلٌ بِأعْقَابِهِمْ فَأَغْطَاهُ سِرًا لاَ يَعْلَمُ بِعَطِيْتِهِ إِلاَّ اللَّهُ، وَالَّذِي أَعْطَاهُ. وَقَوْمٌ سَارُوا
لَيْلَتَهُمْ حتى إذَا كانَ النَّوْمُ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِمَّا يُعْدَلُ بِهِ نَزِلُوا فَوَضَعُوا رُؤُوسَهُمْ، فَقَامَ أحَدُهُمْ
يَتَمَلِّقُنِي وَيَتْلُو آيَاتِي. وَرَجُلٌ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ فَلَقِيَ العَدُوِّ فَهُزِمُوا وَأقْبَلَ بِصَدْرِهِ حتى يُقْتَلَ أَوْ
يُفْتَحَ لَهُ. وَالثَّلاثَةُ الَّذِينَ يَبْغَضُهُمُ اللَّهُ: الشّيْخُ الزَّانِي. وَالفَقِيرُ المُخْتَالُ. وَالغَنِيُّ
الظُّلُومُ))(٢).
هذه جملة كافية. أما التفصيل فإن الذكر محصل الأمل، فاضت نفسه، وقد مات قوم من الفقراء
في السماع للحق ومات كثير من البطالين في السّماع لشهوة العشق، وكل شيء بقضاء وقدر،
وإن الذي في الآخرة من ذلك شهوة حقيقة من لذاته لا توازيها لذّة، وهي جسمانية غير نفسانية
كما تقوّله النصارى والمتفلسفة، وذكر في هذا الحديث ولم يصح ما يتغنى به الحور العين فقال:
نحن الخالدات والناعمات والراضيات، وهذا الأسلوب إذا عرضته على طريقة التنغيم لم يستتب،
وليست الطريفة التي وقع سرد الإنشاء للأشعار المعتادة للنفوس في الدنيا مما يلزم ألا تكون لذّته
(١) (النسائي) الزكاة: باب ثواب مَن يعطي. وقيام الليل وتطوع النهار: باب فضل صلاة الليل في
السفر. و(الكبرى) الرجم: باب تعظم الزنا.
(٢) (البخاري) الفتن: باب خروج النار. (مسلم) الفتن: باب لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن
جبل من ذهب.

٣٠
کتاب الجنة/ باب ٢٦
حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنٌ. حَدْثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ عَنْ شُعْبَةٌ نحْوَهُ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وهكّذَا رَوَى شَيْبَانُ عَنْ مَنْصُورٍ نحوَ هذا،
وهذا أصحُ مِنْ حَدِيثٍ أپي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ.
٢٦ - باب
[المعجم ٢٦ - التحفة ٢٦]
٢٥٦٩ - عقدنا أَبُو سَعِيدٍ الأشْجُ. حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ
عِنْ خُبَيْبٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَدِّهِ حَقْصٍ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ وَ﴿: ((يُوشِكُ القُرَاتُ يَحْسِرُ عَنْ كَثْرٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَمَنْ حَضَرَهُ فَلاَ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا))(١).
قَالَ أبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ.
٢٥٧٠ - حدثنا أَبُو سَعِيدِ الأشْجُ. حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ أَبي
الزِّنَّادِ عَنِ الأعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ مِثْلَهُ، إِلاَّ أَنَّهُ قَالَ: يَخْسِرُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ
ذَهَبٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
إلا به أو منه أو على نحو طريقة، فأنت ترى سجعًا ألِفَه الأندلسيون سمّوه موشحًا في طريق
آخر، وكذلك المشرقيون لهم طريقة يسمونها كان، وكان منها قول بعضهم في صفة فرس:
متقبيه
حوافر
أشقر أغر محجل
صم الصفا رضراض
من شدة الوقع صير
فهذا في القول الأسفل الذي تتردد فيه الأغراض وتختلف عليه طرق السماع، فكيف في
أعلى منه وأعظم وهو كلام إذا سمع صوت الأنثى هاجت نفسه، فإن سمعه منغمًا طار إليه
لّه، فإن تلقّاه الحور العين وإن الله بفضله سيقرن به فيًّا من اللذة لا تناسبه لذّة، فإنه ليس في
الجنة مما في الدنيا لا سيما هو يُروَى عن ابن عباس، وذلك أعظم كيفية وأكثر لذّة، وإذا
أردتم الدليل الأعظم فهذا القرآن العظيم المنزل بلسان عربي مبين، إذا وضعته على أقراء الشعر
(١) (البخاري) الفتن: باب خروج النار. (مسلم) الفتن: باب لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن
جبل من ذهب.

٣١
کتاب الجنة/ باب ٢٧
٢٧ - باب مَا جَاءَ في صِفَةِ أَنْهَارِ الجَنَّةِ
[المعجم ٢٧ - التحفة ٢٧]
٢٥٧١ - حدثنا مُحَمِّدُ بْنُ بَشّارٍ. حَدِّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونٌ. أخْبَرَنَا الجُرَيْرِيُّ عَنْ
حَكِيمٍ بْنِ مُعَاوِيَةً عَنْ أَبِهِ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ ﴿ قَالَ: ((إِنَّ في الجَنَّةِ بَخْرَ المَاءِ وَبَحْرَ العَسَلِ وَيَخْرَ
اللَّنِ وَبَحْرَ الخَمْرِ، ثُمَّ تُشَقّقُ الأَنْهَارُ بَعْدُ»(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ. وَحَكِيمُ بْنُ مُعَاوِيَةَ هُوَ وَالِدُ بَهْزِ بُنِ
حَكِيمٍ. وَالجُرَيْرِيُّ يُكْنَى أَبَا مَسْعُودٍ وَاسْمُهُ سَعِيدُ بْنُ إِيَّاسٍ.
٢٥٧٢ - حدثنا هَنَّادٌ. حَدَّثَنَا أَبُو الأخوَصِ عَنْ أبي إِسْحَقَ عَنْ بُرّيْدِ بْنِ أبِي مَرْيَمَ
عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَه: ((مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الجَنَّةَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ قَالَتِ
الجَنَّةُ: اللَّهُمْ أَدْخِلْهُ الجَنَّةَ، وَمَنِ اسْتَجَارَ مِنَ النَّارِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ قَالَتِ النَّارُ: اللَّهُمَّ أَجِرْهُ مِنَ
النّارِ)).
قَالَ مَكَذَا رَوَى يُونُسُ بْنُ أبِي إسْحَقٌّ عَنْ أبِي إِسْطَقَ هذا الحَدِيثَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ أبِي
مَرْيَمَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ نَحْوَهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي إِسْتَقّ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ أبِي مَرْيَمَ عَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالِكِ مَوْقوفًا أيْضًا.
كمل كتاب صفة الجنة
ويتلوه كتاب صفة جهنم
أعاذنا الله منها والمسلمين بمنّه وكرمه وحُرمَة نبيّه
لم يلتئم عليه، وإذا تلوته ورجعته كما كان يرجع النبي وافر فيه آآآ جاء منه نظام عظيم لا يشبه
النظام، كما أنه كلام عظيم لا يشبه الكلام، فالله يقرن بكلام الحور العين فنًّا من النعيم لا
تدركه قدرة بشر.
كمل كتاب أبواب صفة الجنة
ويتلوه كتاب أبواب جهنم
أعاذنا الله منها والمسلمين بمنّه وكرمه وحرمة نبيّه
(١) (النسائي) الاستعاذة: باب الاستعاذة من حرّ النار. و(عمل اليوم والليلة) (ص ٥٢) باب مَن استجار
بالله من النار ثلاث مرات وسأل الجنة ثلاث مرات. (ابن ماجه) الزهد: باب صفة الجنة.

بسم الله الرحمن الرحيم
٤٠ - كتاب صفة جهنم
عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
١ - باب مَا جَاءَ فِي صِفَّةِ الثَّارِ
[المعجم ١ - التحفة ١]
٢٥٧٣ - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَانِ. أَخْبَرَنَا عُمَّرُ بْنُ حَقْصٍ بْنِ غِيّاتٍ.
حَدَّثَنَا أبِي عَنِ العَلاَءِ بْنٍ خَالِدِ الكَاهِلِيِّ عَنْ شَقِيقٍ بْنِ سَلّمَةً عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَله: ((يُؤْثَى بِجَهَنْمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ، مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفّ
مَلَّكٍ يَجُرُّونَهَ)). قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَالثَّوْرِيَّ لاَ يَرْفَعُهُ(١).
حَدْثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. حَدَّثْنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عُمَرَ وَأَبُو عَامِرِ العَقَّدِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ
العَلاَءِ بْنِ خَالِدٍ بِهِذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ وَلَمْ يَرْفَعُهُ.
بسم الله الرحمن الرحيم
أبواب صفة النار
ذكر جهنم: رُوِيّ (من شقيق عن عبد الله قال: قال رسول الله#: يؤتى بجهنم لها
سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها) وعقبه بحديث أبي صالح عن أبي
(١) (مسلم) الجنة وصفة نعيمها وأهلها: باب في شدة حرّ نار جهنم وبعد قعرها وما تأخذ من
المعذیین .

٣٣
كتاب صفة النار/ باب ١
٢٥٧٤ - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الجُمَّحِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ عَنٍ
الأعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِهِ: «تَخْرُجُ عُنُقٌّ مِنَ النَّارِ
يَوْمَ القِيَامَةِ لَهَا عَيْنَانِ تُبْصِرَانِ وَأَذْنَانِ تَسْمَعَانِ وَلِسَانٌ يَتْطِقُ، يَقُولُ: إِنِّي وُكُلْتُ بِثَلاثَةٍ: بِكُلّ
جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وَبِكُلٌ مَنْ دَعَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَبِالْمُصَوِّرِينَ))(١).
وفي البَّابِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنِ الأعْمَشِ
عَنْ عَطِيَّةً عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ وَّ نخْوَ هذا.
وَرَوَى أَشْعَتُ بْنُ سَوَّارٍ عَنْ عَِيَّةً عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ عَنِ النّبيََِِّّ نَّحْوَهُ.
هريرة قال: (قال رسول الله ◌َّ تخرج عنق من النار يوم القيامة لها عينان تبصران وأُذُنان تسمعان
ولسان ينطق تقول إني وُكُلتُ بكل جبار عنيد وكل مَن دعا مع الله إلهًا آخر وبالمصوِّرين). أما
الحديث الأول فقال: إن الثوري لا يرفعه، وقال في حديث أبي هريرة: حديث صحيح غريب.
الفوائد: الأولى: قدرة الله في تعديد الأزمة وتعديد الممسكين متسعة لذلك وأضعافه،
وتقدير التعديد غير معلوم الحكمة فيما ذكر منه، والله العليم.
الثانية: قوله: (يجرونها) يحتمل أن تستعصي عليهم فيجرونها قسرًا، ويحتمل أن تكون
ذات ثقل عظيم في قدرها فيجرها مَن يستقل بحمل ذلك الثقل، والأول أظهر بوجهين:
أحدهما: أن ذلك يشهد له ما يقال في الشمس: إنه يتوكّل بها سبعون ألف ملك يضربونها لتطلع
وهي تتقاعس لأجل مّن يعبدها بالسجود من دون الله إذا طلعت، والثاني: أن الحديث بعد الأول
بكونها تأتي ذات عينين وأَذُنين ولسان، وقد جاء في الحديث ((مَن كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ بين
عيني جهنم مقعدًا»، قيل له: يا رسول الله أوّلجهنم عينان؟ فقال: ((أما سمعتم الله يقول: ﴿إذا
رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظًا وزفيرًا﴾ [الفرقان: ١٢]) وهي:
الثالثة: وهي أن قدرة الله متّسعة لتركيب ما ذكر وجوده بجهنم من السمع والبصر والنطق
بالعبارات واللسان، وجهنم أجسام وكل جسم يحتمل ذلك ولا تشترط فيه الهيأة ولا البلّة ولا
الرطوبة، وإنما يأتي ما يشاهد من ذلك على هذه الوتيرة عادة، والبارىء يخرق العادة ويصرف
المقدورات. وفي الحديث (إن الجساسة دابة أهلب كثيرة الشعر لا يعرف قُبُلها من دُبرها تكلم
الناس كما تكلمهم دابة الأرض).
(١) (مسلم) الزهد والرقائق: في فاتحته. (النسائي في الكبرى) الرقائق.

٣٤
كتاب صفة النار/ باب ٢ و ٣
٢ - باب مَا جَاءَ في صِفَةٍ قَعْرِ جَهَنَّمَ
[المعجم ٢ - التحفة ٢]
٢٥٧٥ - عقدنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. حَدّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ الجُعْفِيُّ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ
عِيَاضٍ عَنْ هِشّامٍ عَنِ الحَسَنِ قَالَ: قَالَ عُثْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ على مِنْبَرِنَا هذا مِثْبَرِ البَصْرَةِ عَنْ
النَّبِيِّ ﴾ قَالَ: ((إِنَّ الصَّخْرَةَ العَظِيمَةَ لْتُلْقَى مِنْ شَفِيرٍ جَهَنَّمَ فَتَهْوِي فِيهَا سَبْعِينَ عَامًا وَمَا
تُفْضِي إِلى قَرَارِهَا))، قَالَ: وَكَانَ عُمّرُ يَقُولُ: أَكْثِرُوا ذِكْرَ النَّارِ فَإنَّ حَرَّهَا شَدِيدٌ، وَإِنَّ قَعْرَهَا
بَعِيدٌ، وَإِنَّ مَّقَامِعَهَا حَدِيدٌ(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: لاَ نَعْرِفُ لِلْحَسَنِ سَمَاعًا مِنْ عُثْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ وَإِنَّمَا قَدِمَ عُثْبَةُ بْنُ
غَزْوَانَ الْبَصْرَةَ فِي زَمَنِ عُمَرَ، وَوُلِدَ الحَسَنُ لِسَنَتَيْنِ بَقِيْتًا مِنْ خِلاَقَةٍ عُمْرَ.
٢٥٧٦ - حقشنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. حَدْثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُوسَى عَنِ ابْنٍ لَهِيعَةً عَنْ ذَرَّاجٍ
عَنْ أَبِي الهَيْثَم عَنْ أبي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ قَالَ: ((الصُّعُودُ جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَتَصَمّدُ فِيهِ
الكَافِرُ سَبْعِينَ خَرِيفًا وَبَهْوِي بِهِ كَذلِكَ مِنْهُ أَبَدً)).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إلاَّ مِنْ حَدِيثِ ابْنٍ لَهِيعَةً.
٣ - باب مَا جَاءَ في عِظَم أهلِ النَّارِ
[المعجم ٣ - التحفة ٣]
٢٥٧٧ - حدثنا عَبَّاسُ الدُّورِيُّ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى. أخْبَرَنَا شَيْبَانُ عَنِ
الأعْمَشِ عَنْ أبي صَالِحٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةً عَنِ النَّبِيِّ :﴿ قَالَ: ((إنَّ غِلّظَ جِلدِ الكَافِرِ اثْنَانٍ
وَأَزْبَعُونَ ذِرَاعًا، وَإِنْ ضِرْسَهُ مِثْلُ أُحُدٍ، وَإِنَّ مَجْلِسَهُ مِنْ جَهَنَّمَ كَمَا بَيْنَ مَكّةً وَالمَدِينَةِ)».
الرابعة: قوله: (وكّلت بكل جبار عنيد) لما في ذلك من مضرّة الخلق، وبكل كافر لما في
ذلك من الفساد في الأرض (وبالمصورين) لأنهم يضاهون خلق الله ويتعرّضون لمعارضته في
تدبير ملکه.
باب ما جاء في عظم أهل النار
حديث (إن غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعًا وإن ضرسه مثل أحد وإن مجلسه من جهنم كما
(١) سيأتي في تفسير سورة المدثر.

٣٥
کتاب صفة النار/ باب ٣
هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ الأعْمَشِ.
٢٥٧٨ - حدثنا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ. أَخْبَرَنًا مُحَمِّدُ بْنُ عَمَّارٍ. حَدَّثَنِي جَدِّي مُحمَّدُ بْنُ
عَمَّارٍ وَصَالِحٌ مَوْلَى التَّوْامَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((ضِرْسُ الْكَافِرِ يَوْمَ
القِيَامَةِ مِثْلُ أُحُدٍ، وَفَخِذُهُ مِثْلُ البَيْضَاءِ، وَمَفْعَدُهُ مِنَ النَّارِ مَسِيرَةُ ثَلاَثٍ مِثْلَ الرَّْذَةِ»(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنّ غَرِيبٌ.
وَمِثْلُ الرَّبْذَةِ كَمَا بَيْنَ المَدِينَةِ وَالرَّبْذَةِ، وَالْبَيْضَاءُ: جَبَلٌ مِثْلُ أُحُدٍ.
٢٥٧٩ - حدثنا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ المِقْدَامِ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانٌ عَنْ أَبي
حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ قَالَ: ضِرْسُ الكَافِرِ مِثْلُ أُحُدٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَأَبُو حَازِمٍ هُوَ الأشْجَعِيُّ اسْمُهُ سَلْمَانُ مَوْلَى
عَزَّةٌ الأشْجَعِيَّةِ.
٢٥٨٠ - حدثنا هَنَّادٌ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عنِ الفَضْلِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أبي المَخَارِقِ
عَنِ ابْنِ عُمَّرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَه: ((إنَّ الكافِرَ لَيُسْحَبُ لِسَانُهُ الفَرْسَخَ وَالفَرْسَخَيْنِ
يَتَوَطُّؤُهُ النَّاسُ﴾(٢) .
بين مكة والمدينة) حسن صحيح. وذكر عن محمد بن عمار عن صالح مولى التوأمة عن أبي
هريرة قال: (قال رسول الله # ضرس الكافر مثل أحد وفخذه مثل البيضاء ومقعده من النار
مسيرة ثلاث مثل الربذة) والبيضاء جبل، وذكر عن الفضل بن يزيد عن أبي المخارق (عن ابن
عمر قال: قال رسول الله # إن الكافر يسحب لسانه للفرسخ والفرسخين يتوطأه الناس).
الإسناد: ذكرٍ علماؤنا رحمة الله عليهم أن هذا الكافر الذي قال فيه النبي عليه السلام:
(ضرسه في النار كأُحُد) معين، قال الدارقطني في المؤتلف والمختلف: أخبرنا جعفر عن محمد
المؤذن، عن السري بن يحيى، عن شعيب، عن سيف، عن طلحة بن الأعلم، عن عبيد بن
عمير، عن قفال الحنفي قال: كان قهار الرجال بن عبقرة قد هاجر إلى النبي عليه السلام وقرأ
القرآن وفقه في الدين، فبعثه النبي عليه السلام معلمًا لأهل اليمامة فكان أعظم فتنة على بني
حنيفة من مسيلمة، شهد له أنه سمع محمدًا يقول قد أشرك معه في الرسالة فصدقوه واستجابوا
(١) (مسلم) الجنة وصفة نعيمها وأهلها: باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء.
(٢) سيأتي في تفسير سورة المعارج ورقم (٢٥٩٢).

٣٦
كتاب صفة النار/ باب ٣
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، إنَّما نَعْرِفُهُ مِنْ هذا الوَجْهِ.
وَالفَضْلُ بْنُ يَزِيدَ هُوَ كُوفِيَّ قَدْ رَوَى عَنْهُ غيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الأئمةِ، وأبُو المَخَارِقِ لَيْسَ
بِمَغْرُوفٍ.
له. وروى أبو هريرة قال: جلست مع النبي عليه السلام في رهط ومعنا الرجال بن عبقرة،
وقال: إن فيكم لرجلاً ضرسه مثل أَحُد في النار، فهلك القوم وبقيت أنا والرجال، وكنت لها
متخوفًا حتى خرج الدجال مع مسيلمة وشهد له بالنبوّة، وقتل يومئذ بين يدي مسيلمة، قتله
زيد بن الخطاب. وقال عبد الغني: هو الرحال بالحاء المهملة، والأمير والدارقطني أعرف منه،
لكن قد ذكر قبله ابن سعد في الطبقات عن الواقدي، علي بن محمد المدايني، والله أعلم.
غريبه: الربذة مياه على مسيرة ثلاث من المدينة وفيما بين الكوفة ومكة على الطريق،
وردته ليلة الخميس هلال ذي الحجة سنة تسع وثمانين وأربعمائة فنزلت به، ورأيت قبر أبي ذر
على يمينك وأنت ذاهب إلى مكة والناس يصلّون عليه أفذاذًا، كلّ مَن ورد نزل فصلى فنزلنا
وصلّينا كما صلّوا، وذلك على مذهب الشافعي كما بيّنًا في كتاب الجنائز من القول في الصلاة
على القبر والميت الغائب والميت الرحيم على العهد القديم، والذي يهدم قاعدتهم أن السلف
لما مات النبي عليه السلام لم يرووا عن أحد منهم قطّ أنه جاء قبره فصلّى عليه. والبيضاء جبل
قريب منها يتصل بحماها القديم بها يشهد لذلك قوله: (ضرسه مثل أُحُد وفخذه مثل البيضاء)
وهذا يدل على أنهما جبلان تعظم أعضاء الكافر كعظمهما، وتقتضي النسبة النبوية أن تكون
البيضاء جبلاً أكبر من أُحُد، كما أن الفخذ أكبر من الضرس.
فوائده: هذه المقادير التي يكون عليها الكافر في جلده وجسمه ولحمه وعظامه ولسانه،
قال علماؤنا: ليست مخلوقة ابتداء وإنما هي الأجزاء التي كانت في الدنيا موجودة وباينت
الجسم على طول مداه، فيجمعها الله سبحانه له من غذاء تغذاه وما أكل الهواء والفساد منه،
ويحتمل أن تكون الأجزاء التي أفسدها أو ظلم بها توصل به حتى يكون ذلك أعظم لآلامه،
فإن البدن متى كان أكثر أجزاءًا كان الألم أعظم عادة أجراها الله تعالى، وكون الخلق يتوطئون
فيه ذلّة له وصغار، فإن الذي هو فيه من العذاب أعظم من الوطء على اللسان، ويحتمل أن
يكون الله يخلف له من الألم وجعًا في لسانه وذلّة في قلبه أضعاف أو مثل ما يخلقه عند
اتصال الأجزاء بالنار، فإن الآلام عندنا ليست على مقادير الأسباب وإنما هي بحسب ما يخلق
الله منها عند اتصالها بمسبباتها، وفي هذه الأصول التي قررنا لكم دستور ينبئكم يفسر ما بقي
عليكم فاتخذوها له، وقول أبي هريرة: كنت لها متخوفًا حتى قتل الرجال، صحيح المعنى،
لأن كل أحد يخاف سوء الخاتمة وأن تنفذ من الله سابقة لم يعلم بها، حتى روى أحمد بن
حنبل أن جبريل يخاف عذابه مع أنه أمين الله وواسطته إلى رسله، وقد بيّنًا ذلك في أنوار
الفجر وفي المشكلين وغيره.

٣٧
كتاب صفة النار / باب ٤
٤ - باب مَا جَاءَ فِي صِفَّةٍ شَرَابٍ أَهْلِ النَّارِ
[المعجم ٤ - التحفة ٤]
٢٥٨١ - حدثنا أبو كُرَيْبِ. حَدَّثَنَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الحُرِثِ عَن دَرَاجِ
عَنْ أبِي الْهَيْثَمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ :﴿ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَالمُهْلِ﴾ [الكهف: ٢٨] قَالَ:
كَعَكِرِ الزَّيْتِ، فَإِذَا قَرِّبَهُ إلى وَجْهِهِ سَقَطَتْ فَرْوَةُ وَجْهِهِ فِهِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ لاَ تَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ حَدِيثٍ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ وَرِشْدِینُ قَدْ
تُكُلِّمَ فِیهِ.
٢٥٨٢ - حدثنا سُوَيْدٌ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ. أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ أَبِي السَّمْحِ عَنٍ
ابْنِ حُجَيْرَةً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ قَالَ: ((إنَّ الحَمِيمَ لَيُصَبُّ على رُؤُوسِهِمْ فَيَنْفُذُ
الحَمِيمُ حتى يَخْلُصَ إلى جَوْفِهِ فَيَسْلِتُ مَا فِي جَوْفِهِ حتى يَعْرُقَ مِنْ قَدَمَيْهِ وَهُوَ الصِّهْرُ ثُمَّ
يُعَادُ كما كانَ))(١).
وَسَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ يُكْنَى أَبَا شُجَاعٍ وَهُوَ مِصْرِيٍّ. وَقَدْ رَوَى عَنْهُ اللَّيْتُ بْنُ سَعْدٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ..
وابْنُ حُجَيْرَةٌ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُجَيْرَةَ المِصْرِيُّ.
٢٥٨٣ - حدثنا سُوَّيْدُ بْنُ نَصْرٍ. أخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ. أَخْبَرَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو عنْ .
عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةً عَنِ النَّبِيِِّنَّهَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءِ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ﴾
[إبراهيم: ١٦] قَالَ: يُقَرَّبُ إلى فِيهِ فَيَكْرَهُهُ، فَإِذَا أُدْنِيَ مِنْهُ شَوَى وَجْهَهُ وَوَقَعَتْ فَرْوَةٌ
وَأْسِهِ، فَإِذَا شَرِبَهُ قَطَّعَ أَمْعَاءَهُ حتى تَخْرُجُ مِنْ دُبْرِهِ، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَسُقُوا مَاءَ حَمِيمًا فَقَطَّعَ
أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥] وَيَقُولُ: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلٍ يَشْوِي الوُجُوهَ بِثْسَ
الشّرَابُ﴾ [الكهف: ٢٨](٢).
باب ما جاء في شراب أهل النار
حديث عن أبي الدرداء يرويه شهر بن حوشب (عن أم الدرداء
(١) (النسائي في الكبرى) التفسير.
(٢) مر رقم (٢٥٨٩) وسيأتي في تفسير سورة المعارج.

٣٨
كتاب صفة النار/ باب ٤
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
وهكذا قَالَ محمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ بُشْرٍ، وَلاَ نَعْرِفُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ بُشْرٍ
إلاّ في هذا الحديثِ.
وَقَدْ رَوَى صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ صَاحِبِ النَّبِيِّ ◌َِ﴿ُ غَيْرَ هذا
الحَدِيثِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ لَهُ أَخْ قَدْ سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ وَ ﴿ وَأَخْتُهُ قَدْ سَمِعَتْ مِنَ
النَّبِيِّ وَ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرِ الَّذِي رَوَى عَنْهُ صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو هذا الحَدِيثَ رَجُلٌ آخَرُ
لَیْسَ بِصَاحِبٍ.
٢٥٨٤ - عقدنا سُوَيْدٌ. أخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبَارَكِ. أخْبَرَنَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ.
حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الحَرِثِ عَنْ دَرَّاجِ عَنْ أبي الهَيْثَمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ◌ِّ
قَالَ: ﴿كَالْمُهْلٍ﴾ كَعَكِرِ الزَّيْتِ، فَإِذَا قُرِّبَ إِلَيْهِ سَقَطَّتْ فَرْوَةُ وَجْهِهِ فِيهِ(١).
وبهذا الإِسْتَادِ عَنِ النّبِيِّ ﴿ قَالَ: ((لِسُرَادِقِ النَّارِ أرْبَعَةُ جُدُرٍ كِثَفُ كُلِّ جِدَارٍ مِثْلُ
مَسِيرَةٍ أَرْبَعِينَ سَنَةً».
وبهذا الإِسْتَادِ عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: «لَوْ أَنَّ دَلْوًا مِنْ غَسَّاقٍ يُهَرَاقُ في الدُّنْيَا لَأَنْتَنَ أهْلُ
الدُّنْيَا)».
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثُ إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثٍ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ، وفي رِشْدِينٌ .
مَقَالٌ، وَقَدْ تُكُلُّمَ فِيهِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: كِثَفُ كُلِّ جِدَارٍ: يَعْنِي غِلَظَهُ.
٢٥٨٥ - حقثنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ. حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ. أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ
مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ فَرَأَ هذِهِ الآيَةَ: ﴿انَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ
إلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ: (لَوْ أنَّ قَطْرَةٌ مِنَ الزَّقُومِ
قُطِرَتْ فِي دَارِ الدُّنْيَا لِأَفْسَدَتْ على أهْلِ الدُّنْيَا مَعَائِشَهُمْ فَكَيْفَ بِمَنْ يَكُونُ طَعَامَهُ».
عن أبي الدرداء في شراب أهل النار وطعامهم قال يلقى على أهل النار
(١) (النسائي في الكبرى) التفسير. (ابن ماجه) الزهد: باب صفة النار.

٣٩
كتاب صفة النار/ باب ٥
قَالَ ابُو عِیسی: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَجِيحٌ.
٥ - باب مَا جَاءَ في صِفَةِ طَعَامِ أهلِ النَّارِ
[المعجم ٥ - التحفة ٥]
٢٥٨٦ - عقلنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ يُوسُفَ. حَدَّثَنَا
قَطَبَةُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةً عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أُمّ الدِّزْدَاءِ
عَنْ أَبِي الدَّزْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿: ((يُلْقَّى على أهْلِ النَّارِ الجُوعُ فَيَعْدِلُ مَا هُمْ فِيهِ
مِنَ العَذَابِ فَيَسْتَغِيثُونَ فَيُغَاثُونَ بِطْعَامٍ مِنْ ضَرِيعٍ لاَ يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ، فَيَسْتَغِيثُونَ
بِالطَّعَامِ فَيُغَاثُونَ بِطَعَامِ ذِي غُصَّةٍ، فَيَذْكُرُونَ أَنْهُمَّ كَانُوا يُجِيزُونَ الغَصَصَ فِي الدُّنْيَا بِالشّرَابِ
فَيَسْتَغِيِئُونَ بِالشّرَابِ فَيُزْفَعُ إِلَيْهِمُ الحَمِيمُ بِكَلاَلِيبِ الحَدِيدِ، فَإِذَا دَنَتْ مِنْ وُجُوهِهِمْ شَوَتْ
وُجُوهَهُمْ، فَإِذَا دَخَلَتْ بُطُونَهُمْ قَطَّعَتْ مَا فِي بُطُونِهِمْ، فَيَقُولُونَ: أَدْعُوا خَزَنَةَ جَهَنَّمَ،
فَيَقُولُونَ: ﴿أَلَمْ تَكُ تَأْتِيَكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيْئَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الكَافِرِينَ إلاَّ
فِي ضَلالٍ﴾ [غافر: ٥٠] قَالَ: فَيَقُولُونَ: ادْعُوا مَالِكًا، فَيَقُولُونَ: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا
رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧]؟ قَالَ: فَيُجِيبُهُمْ: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]))(١).
قَالِ الأعْمَشُ: نُبِئْتُ أنَّ بَيْنَ دُعَائِهِمْ وَبَيْنَ إِجَابَةٍ مَالِكٍ إِيَّاهُمْ أَلْفَ عَامِ. قَالَ:
فَيَقُولُونَ: ادعُوا رَبَّكُمْ فَلاَ أَحَدَ خَيْرٌ مِنْ رَبَّكُمْ، فَيَقُولونَ: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا
قَوْمًا ضَالِّينَ رَبِّنَا أخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٦، ١٠٧] قَالَ:
فَيُجِيبُهُمُ: ﴿اخْسَثُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونٍ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] قَالَ: فَعِنْدَ ذلِكَ يَيْسُوا مِنْ كُلِّ
الجوع فيعدل ما هم فيه من العذاب) ثم ذكر الحديث، قال: (فيدعون خَزَّنة جهنم ليخفّف الله
عنهم يومًا من العذاب فيقولون لهم ألم تأتكم رسلكم بالبينات) فيحتجون عليهم بما يوجب لهم
العذاب وهذا لا يلزم في حق الله تعالى، ولكنه أمر نفذ به حكمه واقتضته حكمته، فإذا سمعوا
جوابهم (قالوا: يا مالك ليقض علينا ربك، فيقول لهم مالك: إنكم ماكثون)، فيقولون: قد
استغثنا بالخزنة وبواليهم فما أغنوا عنّا، أما نستغيث بربنا، (فيقولون: ﴿ربنا غلبت علينا شقوتنا
وكنّا قومًا ضالْين﴾ [المؤمنون: ١٠٦] الاية إلى قوله سبحانه: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾
[المؤمنون: ١٠٨]). وقال علماؤنا: في هذا نكتة بديعة، وهي أن المتقدم من قولهم كان في
(١) سيأتي في تفسير سورة المؤمنين.
عارضة الأحوذي/ ج ١٠/ م ١٩

٤٠
كتاب صفة النار / باب ٦
خَيْرٍ، وَعِنْدَ ذلِكَ يَأْخُذُونَ فِي الزَّفِيرِ وَالحَسْرَةِ وَالوَيْلِ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وَالنَّاسُ لاَ
يَرْفَعُونَ هذا الحَدِيثَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: إنما نَعْرِفُ هذا الحَدِيثَ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةً عَنْ
شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أُمْ الدَّرْدَاءِ عَنْ أبي الدَّرْدَاءِ قَوْلَهُ وَلَيْسَ بِمَرْفُوعٍ، وَقَطَبَةُ بْنُ
عَبْدِ العَزِيزِ هُوَ ثِقَّةٌ عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ.
٢٥٨٧ - ◌َشَتَأْ سُوَيْدٌ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبَارَكِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدٌ أَبِي شُجَاعٍ
عَنْ أبي السَّمْحِ عَنْ أبي الهَيْثَمِ عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُذْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: ﴿وَهُمْ فِيهَا
كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤] قَالَ: تَشْوِيهِ النَّارُ فَتَقَلَّصُ شَفَتُهُ العُلْيَا حتى تَبْلُغَ وَسَطَ رَأْسِهِ
وَتَسْتَرْخِيَ شَفَتُهُ السُّفْلَى حتى تَضْرِبَ سُرَّتَهُ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، وَأَبُو الهَيْثَمَ اسْمُهُ سُلَيْمَانُ بْنُ
عَمْرِو بْنِ عَبْدِ العُتْوَارِيُّ وَكَانَ يَتِيمًا في حِجْرٍ أَبِي سَعِيدٍ .
٦ - باب
[المعجم ٦ - التحفة ٦]
٢٥٨٨ - حدّثنا سُوَيْدٌ. أخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ. أخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ أَبِي السَّمْحِ عَنْ
عِيسَى بْنِ هِلاَلِ الصَّدَفِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِ:
((لَوْ أَنَّ رُضَاضَةٌ مِثْلَ هذِهِ، وَأَشَارَ إلى مِثْلِ الجُمْجُمّةِ أُرْسِلَتْ مِنَ السَّماءِ إلى الأرضِ،
وَهِيَ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةٍ سَنَّةٍ لَبَلَغَتِ الأرْضَ قَبْلَ اللَّيْلِ، وَلَوْ أَنَّهَا أُرْسِلَتْ مِنْ رَأْسِ السِّلْسِلَةِ
لَصَارَتْ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ قَبْلَ أنْ تَبْلُغَ أَصْلَهَا أَوْ قَعْرَهَا» .
سبيل الاحتجاج واردًا على نظام مفهومه، فاستحقّوا الجواب، فلما أرادوا أن يكلموا الباري
سبحانه بهتوا، فجاؤوا بمُحال من القول لا يستحقون عليه جوابًا، فلذلك قال لهم: ﴿اخسئوا
فيها ولا تكلمون﴾، وبيان فساد قولهم إنهم قالوا: ﴿ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قومًا ضالّين﴾
الآية إلى قوله: ﴿اختوا فيها ولا تكلمون﴾ فاعترفوا بأن الشقوة السابقة نفذت فيهم ثم قالوا:
﴿ربنا أخرجنا منه بال عدنا فإنّا ظالمون﴾ [المؤمنون: ١٠٧] وهذا تناقض، لأنه لو أخرجهم
بعد أن أخبر بأنه سبقت عليهم الشقوة لكان تناقضًا، ولظهر خبر الله بخلاف مخبره، وذلك باطل
على الله سبحانه، فهذا معنى ذلك وفسّره، فأفهموه إن شاء الله .