Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
كتاب السِّير/ باب ٢٩
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، وَرَوَاهُ الحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، عَنْ
قَتَادَةً نَحْوَهُ.
الرابعة أن المريض يجوز له أن يلزم المسجد ليلاً ونهارًا وإن كان له منزل سواه، مع أنه
ربما يطرأ ما يغلبه على حفظ المسجد عند المرض، ولكنه شرع له ذلك ولم يراعٍ ما يجوز من
طريان ذلك عليه.
الخامسة ترك جميع غبار الجهاد وإذهابه عنه بالماء، بخلاف الدم. وقد كان بعض الملوك
يجمعه ويجتهد بأن يكون ذريرة في كفنه، ولم أسمعه لغيره. وقد روى أبو عيسى وغيره عن أبي
هريرة قال رسول الله 8 *: ((لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع،
ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم)) وقال: هذا حديث حسن صحيح. والمعنى: إذا
كان ذلك آخر فعله ولم يعقبه ما يضادّه، والله أعلم.
السادسة: جاءه جبريل وقد عصب بثنيته الغبار، يريد: لصق، لأنه جاءه في صورة آدمي
في جملة من الملائكة ركبًا، حتى قال في الحديث الصحيح: ((فرأيت الغبار في بني غنم موكب
جپریل)، وأراد الله أن یمثلهم له في صورتهم لیکون ذلك أبين لهم.
السابعة: قوله: (ينزلوا على حكم سعد بن معاذ) يعني سيد الأوس، المعنى أن يكون هو
الذي يقضي فيهم، فرضي الله ورسوله ذلك لعلمه بأنه لا يقضي إلا بالحق، فقضى به فقتل
المقاتلة وسبى النساء والذرية، وقد تقدم بيان ذلك.
الثامنة: قوله: (وأن تقسم أموالهم) وهي مسألة أُصولية قد بيّاها في الأحكام، واختلف فيها
علماء الإسلام، وذلك أن النبي عليه السلام قسم كل ما افتتحه، وعمر لم يقسم، وقال: لولا أن
أترك الناس يبابًا، يعني: لا شيء لهم، ما افتتحت منها قرية إلا قسمتها بين أهلها، ونازعه في
ذلك من الصحابة قوم، منهم بلال، فقال: اللَّهمَّ اكفنيهم، فماتوا قبل تمام الحول، وقد ذكر الله
أن ما أفاءهم يكون للمهاجرين والأنصار ولمّن جاء من بعدهم ولو قسمت ما كان لهم.
التاسعة: قوله: (لقد حكمت فيهم بحكم الملك) دليل على أن الله في كل نازلة حكمًا هو
المطلوب بالنص أو بالنظر، وقد بيّنا ذلك في مسائل الاجتهاد وشرحنا تعيينه، وأن كل مجتهد
مصيب فيه، وفي قول سعد: إن كنت وضعت الحرب فأفجرها واجعل موتي فيها، ترغيب في
الجهاد والانتصار للدين والرسول وهي: العاشرة.
الحادية عشرة: أن موته دليل من إجابة دعوته، أن مكة فتحت صلحًا لأنها لو فتحت
عنوة لكانت قد بقيت من الحرب(١) بقية على قول الشافعي، وقال علماؤنا: فتحت عنوة،
(١) في التونسية من الصلح.

٦٢
كتاب السِّير/ باب ٣٠
١٥٨٤ - حدثنا هَنَّدٌ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَِيَّةً
القُرَغِيِّ قَالَ: عُرِضْتًا على النّبِيِّ ◌َ﴿ يَوْمَ قُرَيْظَةَ فَكَانَ مَنْ أَنْبَتَ قُتِلَ وَمَنْ لَمْ يُنْبِثْ خُلْيَ
سَبِيلُهُ فَكُنتُ مِمَّنْ لَمْ يُثْبِثْ فَخُلِّيَ سَبِيلِي (١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَالعَمَلُ على هذا عِنْدَ بَعْضٍ أهْلِ العِلْمِ
أَنَّهُمْ يَرَوْنَ الإِثْبَاتَ بُلُوغًا إِنْ لَمْ يُعْرَفِ احْتِلاَمُهُ وَلاَ سِنُهُ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدٌ وَإِسْحَقَ.
٣٠ - باب مَا جَاءَ في الحِلْفِ
[المعجم ٣٠ - التحفة ٣٠]
١٥٨٥ - هقلنا خمّيْدُ بْنُ مَسْعَدَةً، حَذْثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثْنَا حُسَيْنٌ المُعَلِّمُ عَنْ
عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّ رَسُولَ اللّهِ﴿ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ: ((أُوْفُوا بِحِلْفٍ
الجَاهِيَّةِ فَإِنَّهُ لاَ يَزِيدُهُ)) يَعْنِي الإِسْلاَمَ (إلاَّ شِدّةً وَلاَ تُحْدِثُوا حِلْفًا في الإسْلاَمِ».
وهذه الدعوة مستجابة فإنها دخلت عليه من غير منازعة ولا قتال. وقوله: (يغذو) يعني
يسيل.
الثانية عشرة: ذكر أبو عيسى حديث عطية القرظي الحسن الصحيح، أن قريظة عرضت
فكل (مَن أنبت قتل وكل مَن لم ينبت خلي سبيله)، وكان مَن لم ينبت حدًّا بين الكبير والصغير
لا كلام فيه، وقد اختلف فيه قول مالك وصمم عليه الشافعي.
باب الحلف
ذكر فيه حديث (عمرو بن شعيب أوفوا بحلف الجاهلية فإنه لا يزيده الإسلام إلا شذة ولا
تحدثوا حلفًا في الإسلام).
العارضة: كان الناس في الجاهلية سدى، لا إمام ولا أحكام ولا وازع من سلطان، فجعل
الله لهم في جملة أسباب العصمة المعاضدة بالحلف، يتعاقد الرجلان أو الرجال على الحماية
ويكون ذلك عندهم كالنسب والولادة، وحضر النبي عليه الصلاة والسلام منه في الجاهلية حلفًا
فلما جاء الإسلام نسخه الله تعالى في الأحكام وأخّره في الأنساب، فلا ميراث به ولكن ينسب
إليه، وقد بيًّا ذلك في الأحكام.
(١) (أبو داود) الحدود: باب في الغلام يصيب الحدّ. (النسائي) الطلاق: باب متى يقع طلاق الصبي،
وقطع السارق: باب حدّ البلوغ وذكر السّنّ الذي إذا بلغها الرجل والمرأة أُقيم عليهما الحدّ.
(والكبرى) السّيّر: باب حذّ الإدراك. (ابن ماجه) الحدود: باب مَن لا يجب عليه الحدّ.

٦٣
كتاب السِّير/ باب ٣١
قَالَ: وفي البّابِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَأَمْ سَلَمَةً وَجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ
وَابْنِ عَبَّاسٍ وَقَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ.
٣١ - باب مَا جَاءَ فِي أَخْذِ الجِزْيَةِ مِنَ المَجُوسِ
[المعجم ٣١ - التحفة ٣١]
١٥٨٦ - عقدنا أخْمَّدُ بْنُ مَنِيع، حَدْثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً، حَدْثَنَا الحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ عَنْ
عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ بَجَالَةَ بْنِ عَبْدَةَ قَّالَ: كُنْتُ كاتِبًا لِجَزْءِ بْنِ مُعَاوِيَةً على مُنَاذِرَ فَجَاءَنَا
كِتَابُ عُمَرَ: انْظُرْ مَجُوسَ مَنْ قِبَلَكَ فَخُذْ مِنْهُمُ الجِزْيَةَ، فَإِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ
أَخْبَرَنِي أَنْ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ أَخَذَ الْجِزْيَةً مِنْ مَجُوسٍ هَجَرَ (١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ.
١٥٨٧ - حدثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ بَجَالَّةَ: أَنَّ عُمْرَ
باب أخذ الجزية من المجوس
ذكر حديث (بجالة أنه كان كاتبًا لجزء بن معاوية على مناذر - موضع - فجاء كتاب عمر
أن خذ الجزية من مجوس من قبلك وأن عبد الرحمن بن عوف أخبرني أن رسول الله # أخذ
الجزية من مجوس هجر) وكان عمر لا يأخذ الجزية منهم قبل ذلك.
الإسناد: رواه أبو عيسى عن الحجاج بن أرطاة عن عمرو عن بجالة كما سقناه، فقال:
حديث حسن. وروى آخره عن سفيان عن عمرو دينار عن بجالة، فقال: حسن صحيح، وهو
كما سقناه في البخاري عن سفيان، فسمعت عمرًا، يعني: ابن دينار قال: كنت جالسًا مع
جابر بن زيد وعمرو بن أوس فحدّثهما بجالة سنة سبعين عام حج مصعب بن الزبير بأهل البصرة
عند درج زمزم، قال: كنت كاتبًا لجزء بن معاوية عمّ الأحنف بن قيس، فأتانا كتاب عمر بن
الخطاب قبل موته بسنة: (فرّقوا بين كل ذي محرم من المجوس)، (ولم يكن عمر بن الخطاب
(١) (البخاري) الجزية والموادعة: باب الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب. (أبو داود) الخراج
والإدارة والفيء: باب في أخذ الجزية من المجوس. (النسائي في الكبرى) السِّير: باب أخذ الجزية
من المجوس.
-

٦٤
کتاب السير/ باب ٣٢
كانَ لاَ يَأْخُذُ الجِزْيّةَ مِنَ المَجُوسِ حتى أَخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَْنِ بْنُ عَوْفٍ أنَّ النَّبِيِّ :﴿ أَخَذّ
الجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسٍ هَجَرَ (١).
وفي الحَدِيثِ كلامٌ أكْثَرُ مِنْ هذا.
هذا حديثٌ حسنٌ صَحِيحٌ.
١٥٨٨ - حدّثنا الحُسَيْنُ بْنُ أَبِي كَبْشَةَ البَصْرِيِّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ
مَالِكِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ الجِزْيَةً مِنْ مَجُوسٍ
البَحْرَيْنِ، وَأَخَذَهَا عُمَرُ مِنْ فَارِسَ، وَأَخَذَهَا عُثْمَانُ مِنَ الفُرْسِ. وَسَألْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هذا؟
فَقَالَ: هُوَ مَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ التِّيِّ ◌َ.
٣٢ - باب مَا يَجِلَّ مِنْ أمْوَالِ أهْلِ الذُمَّةِ
[المعجم ٣٢ - التحفة ٣٢]
١٥٨٩ - هقائنا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الخَيْرِ عَنْ
أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن النبي # أخذ الجزية من مجوس
البحرين، وأخذها عمر من فارس، وأخذها عثمان من البربر). تقلل أبو عيسى: (أخبرناه
الحسن بن أبي كبشة البصري، أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي، عن السائب بن يزيد)، قال:
أخذ، فذكره. وقال: وسألت محمدًا عن هذا؟ فقال: هو منكر عن الزهري عن النبي عليه الصلاة
والسلام).
الأحكام: أمر الله بأخذ الجزية من أهل الكتاب، وأمر النبي ## بأخذها من المجوس،
وعمل بذلك الخلفاء، فماذا يبقى بعد هذا؟ وقد قال ابن القاسم: إذ رضيت الأمم كلها بالجزية
قبلت منهم. وقال ابن الماجشون: لا تقبل، والأول أصح، وقال ابن وهب: لا يقبل من مجوس
العرب والمسألة معدومة، لأنه ليس في العرب مجوس، وما بقي من العرب أحد إلا مَن أسلم.
وحديث بريدة المتقدم الذي قال له النبي 18: إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم، وذكر إلى
الجزية وهذا عام.
٠
باب ما يحلّ من أموال أهل الذمة
ذكر (حديث ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر قال: قلت
(١) انظر ما قبله.

٦٥
كتاب السِّير/ باب ٣٣
عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَمُرُّ بِقَوْم فَلاَ هُمْ يُضَيِّقُونَا، وَلاَ هُمْ يُؤَدُّونَ مَا
لَّنَا عَلَيْهِمْ مِنَ الحَقِّ وَلاَ نَحْنُ نَأْخُذُ مِنْهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َ: ((إنْ أَبَوْا إِلاَّ أَنْ تَأْخُذُوا
◌َرْهَا فَخُذُوا))(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَقَدْ رَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يزِيدَ بْنِ أبي
حَبِيبٍ أيْضًا، وَإِنَّمَا مَعْنَى هذا الحَدِيثِ أنَّهُمْ كَانُوا يَخْرُجُونَ فِي الْغَزْوِ فَيَمُرُونَ بِقَوْمٍ وَلاَ
يَجِدُونَ مِنَ الطَّعَامِ مَا يَشْتَرُونَ بِالثَّمَنِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ◌َه: ((إِنْ أَبَوْا أنْ يَبِيعُوا إلاَّ أنْ تَأْخُذُوا
كَرْهًا فَخُذُوا»، هكذا رُوِيّ في بَعْضِ الحَدِيثِ مُفَسِّرًا. وَقَدْ رُوِيّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِنَحْوِ هذا.
٣٣ - باب مَا جَاءَ في الهِجْرَةِ
[المعجم ٣٣ - التحفة ٣٣]
١٥٩٠ - حدثنا أحمّدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ
يا رسول الله إنّا نمز بقوم فلا هم يضيفونا ولا هم يؤذون ما عليهم من الحق ولا نأخذ مهم فقال
رسول الله# إن أبوا إلا أن تأخذوا كرهًا فخذوا) حديث حسن. وقد روى هذا الحديث
الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب، وحمله على العموم في المسلمين والذمَّيِّين، وأوجب
الضيافة، وقد بيّاها في بابها. وأما أبو عيسى وغيره من الفقهاء فحملوها على أهل الذمّة لما كان
ألزمهم عمر بن الخطاب في عهده وفي وقت فتحه البلاد من الجزية، وتوابع من النفقة والضيافة،
(٢) فهذا هو الأصل في
وقد كتبت عهدة المستقر ببيت المقدس وقرأته أيام كوني بها ونصه
هذا الباب، فأما حديث عقبة فإنما معناه ما ذكره أبو عيسى آخر الباب من أن المسافر إذا نزل
بقوم لم يكن بدَّ له من أخذ ما عندهم بقرى أو شراء، فإن أبوا أخذ منهم كرهًا، والقرى عليهم
مستحب والمبيع مستحق، وكذلك إذا نزلت حاجة بالحاضر فلا بدّ من المساهمة معه أو البيع منه،
وكذلك إذا نزلت بالناس مخمصة وعند بعضهم طعام لزمهم البيع منهم، فإن أبو أجبروا عليه.
باب الهجرة
ذكر أبو عيسى (قال رسول الله ول* يوم فتح مكة لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونيّة وإذا
استتفرتم فانفروا).
(١) (البخاري) الأدب: باب إكرام الضيف وخدمته إياه بنفسه. (مسلم) اللقطة: باب الضيافة ونحوها.
(٢) بياض بالأصل وقد كتب في هامش النسخة الكتانية كلمة (نقص).
عارضة الأحوذي/ ج ٧/ م ٥

٦٦
كتاب السِّير/ باب ٣٤
المُعْتَمِرِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾﴿ يَوْمَ فَتْحِ مَكّةَ:
(لاَ هِجْرَةً بَعْدَ الفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُثْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا﴾(١) .
قَالَ: وفي البّابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَعَبْدِ اللهِ بْنِ حُبْشِيٍّ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَدْ رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ
المُعْتَمِرِ نّخْوَ هذا.
٣٤ - باب مَا جَاءَ فِي بَيْعَةِ النَّبِيّ
[المعجم ٣٤ - التحفة ٣٤]
١٥٩١ - عقدها سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ الأُقَوِيُّ، حَذْثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنِ
الأَوْزَاعِيَّ عَنْ يَخْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
العارضة: قد بيّنًا الهجرة وأقسامها في شرح الصحيح والتفسير، وذكرنا أن رؤوس أقسامها
ستة: الأول: الهجرة من الخوف على الدين والنفس كهجرة النبي #، فإنها كانت عليهم فريضة
لا يجزىء إيمان دونها. الثانية الهجرة إلى النبي # في داره الذي استقر فيها، فقد بايع من
قصده على الهجرة وبايع آخرين على الإسلام إلى تمام الأقسام. وهاتان الهجرتان اللتان انقطعتا
بفتح مكة. فأما الهجرة من أرض الكفر فهي فريضة إلى يوم القيامة، وكذلك الهجرة من أرض
الحرام والباطل بظلم أو فتنة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((خير مال المسلم غنم يتبع بها
شعف الجبال ومواقع القطر يفرّ بدينه من الفتن، أخرجه البخاري و[مالك في] الموطأ وأبو داود
والنسائي. وقد روى أشهب عن مالك: ((لا يقيم أحد في موضع يعمل فيه بغير الحق»، فإن
قيل: فإذا لم يوجد بلد إلا كذلك؟ قلنا: يختار المرء أقلها إثمّا، مثل أن يكون بلد به كفر، فبلد
فيه جور خير منه، أو بلد فيه عدل وحرام، فبلد فيه جور وحلال خير منه للمقام، أو بلد فيه
معاصي في حقوق الله فهو أولى من بلد فيه معاصي في مظالم العباد، وهذا الأنموذج دليل على
ما وراءه، وقد قال عمر بن عبد العزيز: فلان بالمدينة وفلان بمكة وفلان باليمن وفلان بالعراق
وفلان بالشام، امتلأت الأرض جورًا وظلمًا.
باب البيعة
ذكر عن (جابر بن عبد الله في قوله لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة
(١) (البخاري) الجهاد والسّيّر: باب لا هجرة بعد الفتح. (مسلم) الإمارة: باب المبايعة بعد فتح مكة
على الإسلام والجهاد والخير، وبيان معنى لا هجرة بعد الفتح.

٠
٦٧
كتاب السير/ باب ٣٤
﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨] قَالَ جَابِرٌ: بَايَعْنَا
رَسُولَ اللَّهِلهَ على أنْ لاَ نَفِرَّ وَلَمْ نُبَايِعْهُ على المَوْتِ.
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ سَلَّمَةَ بْنِ الأُكْوَعِ وَابْنِ عُمَّرَ وَعْبَادَةً وَجَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَقَدْ رُوِيّ هذا الحَدِيثُ عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ عَنِ الأوْزَاعِيِّ عَنْ
يَحْيِى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهِ أَبُو سَلَمَةً.
١٥٩٢ - حدثنا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: قُلْتُ
لِسَلَّمَّةَ بْنِ الأَكْوَعِ على أيِّ شَيْءٍ بَايَعْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ وَ* يَوْمُ الحُدَيْبِيَةِ؟ قَال: على
المَوْنِ(١).
وقال بايعنا رسول الله ﴿﴿ على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت) وذكر أنه انقطع تارة من طريق
يحيى بن أبي كثير، ووصل أخرى بأبي سلمة عن جابر.
غريبه: البيعة مصدر باعه يبيعه، عبارة عن فعل واحد كالضربة والقتلة، المعنى فيه أنه باع
نفسه من الله بأن بذلها له في طاعة ليأخذ الثواب عوضًا عنها أو عمّا بذل منها أو من متعلقاتها.
الفوائد :
الأولى: في أقسام البيعة. وهي ثلاثة: البيعة على الإسلام، الثاني البيعة على الجهاد،
الثالث البيعة على الإمامة. فأما بيعة الإسلام: فقد انقضت بموت النبي و9َ، وقد أحكمناها في
كتاب الأحكام. وأما بيعة الجهاد فهي مخصوصة به أيضًا ﴿﴿، وقد بايع يوم الحديبية، واختلف
في صفة البيعة فيها، فقيل: على الموت، وقيل: على الصبر، وقيل: على أن لا يفرّوا، وكل
ذلك ثابت صحيح وهو يرجع إلى معنى واحد، لأن من شرط عليه أن لا يفرّ فعاقد عليه فقد
التزم الصبر وقد رضي بالموت، فمنهم مّن نقل اللفظ: (وهو أن لا يفرّوا)، ومنهم مَن روى
على المعنى وهو (الموت والصبر)، وقد روى الأئمة واللفظ للبخاري قال: عن مجاشع بن
مسعود، جئت أنا وأبي رسولَ الله فقلت: بايعنا على الهجرة، فقال: ((مضت الهجرة
لأهلها»، قلت: علام تبايعنا؟ قال: ((على الإسلام والجهاد)»، وقد صرّحت بذلك الأنصار في
رجزها يوم الخندق حيث كانت تقول:
على الجهاد ما بقينا أبدًا
نحن الذين بايعوا محمدًا
(١) (البخاري) الأحكام: باب كيف يبايع الإمام الناس. والجهاد والسُّيّر: باب يقاتل من وراء الإمام
ويُتقى به. (مسلم) الإمارة: باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال وبيان بيعة الرضوان
تحت الشجرة.

٩٨
کتاب السّير/ باب ٣٤
هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ.
١٥٩٣ - حقتنا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ
ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا نُبَايِعُ رَسُولَ اللَّهِ وَه على السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فَيَقُولُ لَنَا: فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحُ كِلاَهُمَا. وَمَعْنَى كِلاَ الحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ قَدْ
بَايَعَهُ قَوْمٌ مِنْ أصْحَابِهٍ على المَوْتِ وَإِنَّمَا قَالُوا: لاَ نَزَالُ بَيْنَ يَدَيْكَ حتى نُقْتَلَ وَبَايَعَهُ
آخَرُونَ فَقَالُوا: لاَ نَفِرُّ.
وقد روى البخاري عن عبد الله بن زيد صاحب الأذان أن آتيًا أتاه يوم الحرّة فقال له: إن
ابن حنظلة يبايع الناس على الموت، فقال: ما كنت لأبايع على ذلك أحدًا بعد النبي عليه
السلام. وأما بيعة الإم: فقد قال جرير بن عبد الله البجلي: بايعنا رسول الله 149 على السمع
والطاعة والنصح لكل مسلم، وحديث عبادة الصحيح المشهور: بايعنا رسول الله {5* بيعة
الحرب، وكان من الإثني عشر الذين بايعوا بيعة العقبة الأولى: على السمع والطاعة، في عسرنا
ويسرنا، ومنشطنا ومكرهنا، وألا ننازع الأمر أهله، وأن نقول الحق حيث ما كنّا لا نخاف في الله
لومة لائم. (وقال ابن عمر: كنا نبايع النبي عليه السلام على السمع والطاعة ويلقننا ((فيما
استطعتم» .
الثانية: قد بيّن ابن عمر بقوله له فيه: ((فيما استطعتم)) مطلق، قال عبادة: بايعنا رسول
الله * على السمع والطاعة وأن ذلك بحسب الاستطاعة، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها،
ويقتضي أن الفكره لا يلزمه حكم لخروجه عن الاستطاعة، وقد بيّنًا في مسائل الخلاف والأصول
أن المكره مستطيع من وجه غير مستطيع من وجه، وأن الذي سلب من الاستطاعة تسلب عنه
المؤاخذة بحكم الشرع، ولا يأخذه بما بقي له منه، فضلاً من الله ونعمة.
الثالثة: قوله: (في العسر واليسر والمنشط والمكره) يعني به فيما خفّ فلم تكن فيه مشقة،
وفيما ثقل فكانت فيه مشقة وكرهته النفس المتمنية.
الرابعة: وهذا كله فيما يجوز ويحلّ لا فيما يحرم، لقول النبي #: «إنما الطاعة في
المعروف»، وفي حديث ابن عمر السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحبّ أو كره ما لم
يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة.
(١) (مسلم) الإمارة: باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال وبيان بيعة الرضوان تحت
الشجرة. (النسائي) البيعة: باب البيعة، فيما يستطيع الإنسان. (والكبرى) السّيّر: باب الطاعة فيما
يستطيع .

٦٩
كتاب السِّير/ باب ٣٤
١٥٩٤ - حدثنا أحمَدُ بْنُ مَنِيع، حَدْثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِيِ الزُّبَيْرِ عَنْ
جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمْ نُبَايِعْ رَسُوَّلَ اللَّهِ وَ﴿ على المَوْتِ إِنَّمَا بَايَعْنَاهُ على أنْ لاَ
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
الخامسة: قوله: (وألّ ننازع الأمر أهله) يعني ألاّ ننازع أولي الأمر فيما جعل الله إليهم،
وهم الولاة والعلماء الذين اختزن الله عندهم علمه، والأمراء الذين تقلّدوا سياسة العالم، وكل
واحد منهم لله خليفة، والمفتي خليفة المفتي الأعلى، والأمير خليفة الملك الأعلى، فمَن كان
بيده علم فلا ينازع فيه وليسلم إليه ويؤخذ عنه؛ ومَن كان بيده أمر فلا يعترض عليه ولا يخالف
في حدّه، ومَن كان أهلاً بذلك فلا يعدل عنه إلى مَن ليس بأهل، فإن كان رجلان أهل للإمارة
واحدهما أفضل فقدّم المفضول، فقد اختلف الناس في ذلك، وهي مسألة محدثة مبتدعة أنشأها
اعتقاد رديء وسؤال فاسد، وجهته المبتدعة في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، إذ قال
أهل السُّنّة: خلافته حق، فقالت المبتدعة: عليّ أحق منه، فإنه كان أفضل، أو قرر هذا السؤال
في عمر أو عثمان، فرأى بعض الناس أن يقول: أختصر الجدال وأقول عليّ أفضل، ولكن
الإمامة صحيحة إذ تقديم مَن هو له أهل جائز وإن كان هنالك مَن هو أفضل، وقد بيّئًا حقيقته في
الأصول.
السادسة: فإن لم يكن أهلاً للأمر فهل ينازع ويخرج عليه؟ اختلف الناس في ذلك فمنهم
مّن قال: يخرج عليه، لأن الذي لزمت فيه العهدة وانعقدت عليه البيعة أن لا ننازع الأمر أهله،
فأما أن يترك بيد مَن ليس له بأهل يظلم ويجور ويعبث فلا، وبهذا التأويل خرج الفاضلان
الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير على يزيد، وخرج القرّاء على الحجاج، ورأى بعضهم الصبر
عليه والسكون تحت قضاء الله فيه، كما قال عبد الله بن عمر في ولاية يزيد: إن كان خيرًا
رضينا، وإن كان بلاء صبرنا، وقال القرّاء للحسن بن أبي الحسن البصري حين خرجوا على
الحجاج: كن معنا، فقال لهم الحسن: الحجاج عقوبة الله في أرضه، وعقوبة الله لا تقابل
بالسيف وإنما تقابل بالتوبة، والصبر على ظلم واحد أخف من سفك الدماء ونهب الأموال فيما
لا يتحصّل فيه الآن حُسْن العاقبة ولا حميد المآل. والأحاديث في ذلك كثيرة تقتضي الصبر على
جورهم، كقوله للأنصار: ((سترون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني))، فلما خالفوا ذلك أول مرة
ابتلوا بيوم الحزّة، وقال في جورهم: ((أذوا الذي لهم واسألوا الله الذي لكم))، وفي هذا يدخل
نكث البيعة، وهي:
(١) (مسلم) الإمارة: باب استحباب مبايعة الجيش عند إرادة القتال وبيان بيعة الرضوان تحت الشجرة.
(النسائي) البيعة: باب البيعة على أن لا نفرّ.

٧٠
کتاب السير/ باب ٣٥ و٣٦
٣٥ - باب مَا جَاءَ فِي نَكْثِ البَيْعَةِ
[المعجم ٣٥ - التحفة ٣٥]
١٥٩٥ - هذهنا أَبُو عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ :﴿: («ثَلاثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَّهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
رَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا، فَإِنْ أعْطَاهُ وَفَى لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ لَمْ يَفِ لَهُ)(١) .
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ وعلى ذلِكَ الأمْرُ بِلاَ اخْتِلاَفٍ.
٣٦ - باب مَا جَاءَ فِي بَيْعَةِ العَبْدِ
[المعجم ٣٦ - التحفة ٣٦]
١٥٩٦ - حدثنا قُتَيْيَةُ حَدِّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ
عَبْدٌ فَبَايَعَ رَسُولَ اللَّهِن ◌َ﴾ على الهِجْرَةِ وَلاَ يَشْعُرُ النَّبِيِّ وَ أَنَّهُ عَبْدٌ فَجَاءَ سَيِّدُهُ، فَقَالَ
النَّبِيُّ ◌َِهِ: (بِعْنِيهِ) فَاشْتَرَاهُ بِعَبْدَيْنِ أُسْوَدَيْنِ وَلَمْ يُبَايِعْ أَحَدًا بَعْدُ حتى يَسْأَلَهُ أَعَبْدٌ هُوَ (٢).
قَالَ: وفي الَّابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ جَابِرِ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ حَدِيثٍ
أبي الزُّبَيْرِ.
السابعة: ذكر فيها أبو عيسى (حديث أبي هريرة: ((ثلاثة لا يكلمهم الله)) الآية (٣) «رجلّ بايع
إمامًا فإن أعطاه وفّى له، وإن لم يعطه لم يفٍ)) وهذا حسن صحيح، نصّ في الصبر على الأثرة،
وتعظيم العقوبة لمَن نكث لأجل منع العطاء.
الثامنة: بيعة العبد. ذكر أبو عيسى حديث جابر في شراء النبي عليه السلام عبدًا هاجر ولم
يبايع أحدًا بعد حتى يسأله) والمعنى فيه أن العبد مملوك فلا تنعقد البيعة على ترك مولاه والقيام
(١) (البخاري) الأحكام: باب مَن بايع رجلاً لا يبايعه إلا للدنيا. (مسلم) الإيمان: باب بيان غلظ تحريم
إسبال الإزار والمنّ بالعطية وتنفيق السلعة بالحلف وبيان الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا
ينظر إليهم ولا یزگیھم ولهم عذاب أليم.
(٢) (مسلم) المساقاة: باب جواز بيع الحيوان بالحيوان من جنسه متفاضلاً. (النسائي) البيوع: باب بيع
الحيوان بالحيوان يدًا بيد متفاضلاً والبيعة: باب بيعة المماليك.
(٣) هكذا بالأصل، ولعلها: إلى قوله.

٧١
كتاب السِّير/ باب ٣٧
٣٧ - باب مَا جَاءَ فِي بَيْعَةِ النِّسَاءِ
[المعجم ٣٧ - التحفة ٣٧]
١٥٩٧ - حدثنا قُتَيْبَةُ، حَذْثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةً عَنِ ابْنِ المُنْكَدِرِ سَمِعَ أُمَيْمَةٌ
بِئْتَ رُقَيْقَةَ تَقُولُ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ :﴿ فِي نِسْوَةٍ فَقَالَ لَنَا: ((فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ
وَأَطَقْتُنَّ»، قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَرْحَمُ بِنَّا مِنَّا بِأَنْفُسِنَا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بَايِعْنَا، قَالَ
سُفْيّانُ: تَعْنِي صَافِحْنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ه: ((إِنَّمَا قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ كَقَوْلِي لاِمْرَأَةٍ
وَاحِدَةٍ)(١).
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عَائِشَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأَسْمَاءَ بِئْتِ يَزِيدَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَدِيثٍ مُحَمَّدِ بْنِ
المُنكّدِرِ، وَرَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ هذا الْحَدِيثَ عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ المُنكَلِرِ وَنَحْوَهُ. قَالَ: وَسَألْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هذا الحَدِيثِ فَقَالَ: لاَ أَعْرِفُ
لأَمَيْمَةَ بِئْتِ رُقَيْقَةَ غَيْرَ هذا الحَدِيثِ، وَأُمَيْمَةُ امْرَأَةٌ أُخْرَى لَهَا حَدِيثٌ عَنْ رَسُولٍ
اللَّهِ ﴾.
مع النبي، لأن حق المولى مقدم على حق الهجرة، ولا يصح للعبد دين حتى يؤدّي حق الله
وحق مولاه، كما جاء في الحديث الصحيح.
التاسعة: كان النبي عليه السلام يصافح الرجال في البيعة باليد تأكيدًا لشدة العقدة بالقول
والفعل، فسأل النساء ذلك فقال لهنّ: (قولي لامرأة واحدة كقولي لمائة امرأة) ولم
يصافحهنّ، لما أوعز إلينا في الشريعة من تحريم المباشرة لهنّ إلا مَن يحلّ له ذلك منهنّ،
وهذا الحديث في مبايعة النساء لأميمة بنت رقيقة، وليس لها إلا هذا الحديث الواحد، وهو
حسن صحيح.
(١) (النسائي) البيعة مختصرًا: باب البيعة فيما يستطيع الإنسان وباب بيعة النساء تامًا. (والكبرى) السِّيّر:
باب بيعة النساء وباب الطاعة فيما يستطيع. وفي التفسير. وعشرة النساء: باب مصافحة النساء
ببعضه. (ابن ماجه) الجهاد: باب بيعة النساء ببعضه.

٧٢
كتاب السّير/ باب ٣٨ و٣٩
٣٨ - باب مَا جَاءَ في عِدَّةِ أَصْحَابِ أهْلِ بَذْر
[المعجم ٣٨ - التحفة ٣٨]
١٥٩٨ - حدثنا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الأعْلَى، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّشٍ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ
عَنِ البَرَاءِ قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أنَّ أَصْحَابٍ بَذْرٍ يَوْمَ بَدْرٍ كَعِدَّةِ أَصْحَاب طَالُوتَ ثَلاثَمائَةٍ
وَثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلاً. قَالَ: وفي البَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَدْ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي إِسْحَقّ.
٣٩ - باب مَا جَاءَ في الخُمُسِ
[المعجم ٣٩ _ التحفة ٣٩]
١٥٩٩ - حدثنا قُتََّةُ، حَدَّثَنَا عَبَّدُ بْنُ عَبَّادِ المُهَلَّبِيُّ عَنْ أَبِي جَمْرَةً عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ
النَّبِيِّ ﴿ قَالَ لِوَفْدٍ عَبْدِ القَيْسِ: ((آمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا خُمُسَ مَا غَيِمْتُمْ)(١).
باب عدة أصحاب بدر
قال: (عن البراء كنّا نتحدّث أن أصحاب بدر يوم بدر كعدة أصحاب طالوت ثلثمائة وثلاثة
عشر) رجع. قال ابن العربي: لكن غاب منهم عن المشهد ثمانية رجال: عثمان بن عفان وأقام
بالمدينة على رقية بنت رسول الله # ليمرضها، فماتت يوم قَدِمَ زيد بن حارثة بخبر الوقعة،
فوجدهم ينفضون أيديهم من تربتها. طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل،
بعثهما طليعة قبلغا الحوراء. أبو لبابة بن عبد المنذر خلفه على المدينة. عاصم بن عدي خلفه
على العالية وقباء. والحارث بن حاطب خلفه في بني عمرو بن عوف لأمر. والحارث بن وابصة
كسر بالروحاء. وخوات بن جبير كسر بالروحاء لا خلاف فيهم. سعد بن عبادة روى فيه مثلهم.
وقال: إنه كان راهبًا وكان يأتي دور الأنصار فيحضّهم على الخروج، فنهش فضرب له بسهمه
وأجّره، وسعد بن مالك الساعدي ضرب له بسهمه وأجره ومات خلافه، وأوصى إلى النبي عليه
السلام ورجل من الأنصار ورجل آخر لم يتفق على هؤلاء الأربعة. ورُويّ أنه أسهم لجعفر، ورُوِيّ
أنه أسهم لأهل السفينة في غير ذلك، ولم يصح كل الصحة، وفي مثلها قال النبي عليه السلام في
غزوة تبوك: ((إن بالمدينة قومًا ما سلكتم واديًا ولا قطعتم شعبًا إلا وهم معكم حبسهم العذر)).
باب الخمس
ذكر حديث (ابن عباس في وفد عبد القيس مختصرًا ثم قال: وفي الحديث قصة). ونصّها
(١) (البخاري) الصلاة: باب ﴿مُنيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين﴾. (مسلم) =

٧٣
کتاب السير/ باب ٣٩
قَالَ: وفي الحَدِيثِ قِصَّةٌ.
في الصحيح عن أبي جمرة: قلت لابن عباس: إن لي جزة ينتبذ لي [أهلي] فيها نبيذًا فأشربه
حلوًا في حرّ أكثرت منه، فجالست القوم فأطلت الجلوس خشيت أن أفتضح، وكنت أقعد معه
على سريره، وتمتعت فنهاني ناس فسألت ابن عباس فأمرني، فرأيت في المنام كأن رجلاً قال
لي: حجّ مبرور وعمرة متقبلة، فأخبرت ابن عباس فقال: سُنّة النبي ــ، وقال: أقم عندي
وأجعل لك سهمًا من مدتي للرؤيا التي رأيت، فأقمت معه شهرين، ثم قال: إن وفد عبد القيس
لمّا أتوا النبي وَير قال: ((مَن القوم))؟ أو: ((مَن الوفد))؟ قالوا: ربيعة، قال: ((مرحبًا بالوفد، غير
خزايا ولا ندامى))، فقالوا: إنّا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحيّ
من كفّار مضر، فمُرنا بأمر فصل نخبر به مَن وراءنا، وندخل به الجنة، وسألوه عن الأشربة
فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع: أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: ((أتدرون ما الإيمان بالله
وحده؟؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام
الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس)) أو («تؤدّوا إليّ خمس ما
غنمتم))، ونهاهم أو (أنهاكم عن أربع: لا تشربوا في الحنتم والدباء والنقير والمزفت))، وربما
قال: ((المقير، احفظوهنّ وأخبروا بهنّ مَن وراءكم، وعليكم بالموكا»، قالوا: يا نبي الله وما
علمك بالنقير، قال: ((بلى، جذع تنقرونه فتقذفون)) ويُروى («فتديفون فيه من القطيعاء، ثم تصبّون
عليه من الماء، حتى إذا سكن غليانه شربتموه، على أن أحدكم ليضرب ابن عمّه بالسيف، قال:
وفي القوم رجل أصابته جراحة كذلك، قال: وكنت أخبؤها حياء من رسول الله صل 9، فقلت:
فَفِيمَ نشرب؟ قال: ((اشربوا في أسقية الأدم التي تلاث على أفواهها»، قال: ((وإن أكلتها الجرذان))
ثلاثًا، وقال النبي عليه السلام: ((لا شج عبد القيس، إن فيك خصلتين يحبهما الله، الحلم
والأناة».
غريبه: النبيذ فعيل بمعنى مفعول، عبارة عمّا طرح فيه ما يحلو لي به، وسمّي به ماء
العنب الذي يطبخ طبخة ويبقى مُسكِرًا، يريدون أن يشبّهوه بذلك الجائز، ولم يبيّن له المتعة،
ومعناها تقديم العمرة على الحج في أشهر الحج بشروط ستة أو سبعة. الوفد من يقدم بنيّة
الرجوع. مرحبًا مفعل من الرحب، المعنى: لقيت مرحبًا. الخزيان الذلّ، والذي جاء بما يستحي
فيه منه. ندامى جمع نادم على غير قياس. الفصل القول الذي فصل من المشكل وقطع عنه.
الحنتم فخار ◌ُلِيَ بزجاج. الدباء ممدود القرع واحدته دباءة. المقير المطلي بالقار وهو الزفت.
السقاء إناء الماء الأدم جمع أديم وهو الجلد. الجرذان الفأر واحدها جرذ كنفر ونفران وصرد
وصردان.
الإيمان: باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله * وشرائع الدين والدعاء إليه والسؤال عنه وحفظه
=
وتبليغه من لم يبلغه.

٧٤
کتاب السير/ باب ٣٩
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، حَدِّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ
أبي جَمْرَةً عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ.
الفوائد: كثيرة بيانها في الكتاب الكبير إشارتها في الأصول:
الأولى: أن هذا دليل على أن إيمان العبد مخلوق لأن الله أمر به ولا يأمر إلا بما يخلق
ويوجد، إذ لا يتعلق الأمر بالقديم.
الثانية: تقرير أبي عبد الله البخاري لأداء الخمس في خصال الإيمان. وقد عوّل الفقهاء
على أن جميع فروع الشريعة إيمان، وهو صحيح على ما بيّنّاه في الكتاب الكبير، إذ الإيمان
طلب الأمان، وأمان الله يطلب بإقامة حدود وامتثال شرائعه. وفيه من الفوائد: (الأولى): سؤال
القاصد عن الاسم وفيه حديث مسلسل في جملتها. (الثانية): البداية بالإكرام قبل معرفة
المطلوب. (الثالثة): بيّن لهم النبي عليه السلام جملة من خصال الإيمان وأبقى كثيرًا منها ما
سمعوا به، ومنها ما إذا سمعوه قبلوه. (الرابعة): أمرهم النبي عليه السلام بالحفظ، وهو فرض
عين عليهم لما يلزمهم من الدين في أنفسهم، والإبلاغ فرض كفاية عليهم مَن قام به منهم سقط
عن الباقين، وهي: (الخامسة). (السادسة): ذكر لهم النبي عليه السلام لهم الخمس دون سائر
حقوق المال، لأنهم كانوا يدينون بالمرباع أو لأنهم كانوا أهل بأس وغارة، فقدّم إليهم سنتها في
الدين حتى يؤذونها فيها. (السابعة): كان في الجاهلية المرباع والصفايا والنشيطة والفضول
والتحكيم فنسخ الله ذلك بالخمس من الغنيمة، والصفي لرسول الله عليه السلام، وسقط الباقي
وهو ما شذّ وفضل، والتحكيم بأخذ ما أراد زائدًا على ذلك، وقد بيّنا ذلك في الأحكام.
(الثامنة): النهي عن الانتباذ منسوخ، قال: ((فانتبذوا في كل وعاء ولا تشربوا مُسكِرًا)).
(التاسعة): قوله: (وإن أكلتها الجرذان) دليل على أن الحاجة تُبيح المحظور بما تبيحه الضرورة.
(العاشرة): جواز المدح في الوجه لأن النبي عليه السلام قال: ((فيك خصلتان يحبهما الله الحلم
والأناة)) وسيأتي جواز المدح في كتاب الأدب إن شاء الله بصفته وشرطه. (الحادية عشرة): إنما
لم يذكر لهم الحج لأنه لم يفرض بعد. (الثانية عشرة): قوله: (آمركم بأربع) وذكر لهم سنًّا:
الشهادة لله، الشهادة لرسول الله، الصلاة، الزكاة، الصوم، الخمس. وقد بيّنّا وجه التعديد بطرق
الحديث المختلفة في الكتاب الكبير على الاستيفاء، ومن وجوهه أنه قال: الإيمان بالله وعقد
واحدة، ثم فسّرها بالشهادة لله ولرسوله، الصلاة ثانية، الزكاة ثالثة، الخمس رابعة، إذ قد سقط
في بعض الروايات ذكر رمضان، فإن ثبت فإنه عنى الشهادة والصلاة والزكاة والصوم وزاد
الخمس على الأربع على الوجوه المذكورة هنالك. (الثالثة عشرة): أن الله سبحانه قد بيْن
مستحق الخمس في آية الأنفال قال سبحانه: ﴿فإن لله خمسه﴾ [الأنفال: ٤١] قال أبو العالية:
هو سهم الكعبة، وكذلك كان النبي عليه السلام يقبض من الغنيمة ويقول: (هذا للكعبة)) وهذا
مما لم يصحّ بحال. الثاني أن قوله: ﴿لله﴾ استفتاح كلام كقوله: ﴿قل الأنفال لله﴾ والرسول
والملك كله لله. (الرابعة عشرة): سهم الرسول قيل: هو استفتاح كلام، والصحيح ما قال النبي

٧٥
كتاب السِّير/ باب ٤٠
٤٠ - باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَّةِ الُّهْبَةِ
[المعجم ٤٠ - التحفة ٤٠]
١٦٠٠ - هقلنا هَنَّادٌ، حَدِّثَنَا أَبُو الأخْوَصِ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ
رِفَاعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدُّهِ رَافِعِ بْنٍ خَدِيجٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ه في سَفَرٍ فَتَقَدَّمَ
سَرَّعَانُ النَّاسِ فَتَعَجُلُوا مِنَ الغَنَائِمِ فَاطَبَخُوْا وَرَسُولُ اللَّهِ وَه فِي أَخْرَى النَّاسِ فَمَرَّ بِالقُّدُورِ
فَأُمَرَ بِهَا فَأَكْفِئَتْ ثُمَّ قَسَمَ بَيْنَهُمْ فَعَدَلَ بَعِيرًا بِعَشْرِ شِيَاءٍ (١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَرَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبَايَةَ عَنْ جَدِّهِ رَافِعٍ بْنِ خَدِیٍ
وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ أَبِيهِ، حَدْثَنَا بِذلِكَ مَحْمُودُ بْنُّ غَيْلاَنَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ وهذا
اُصَخُ.
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ الحَكَمِ، وَأَنَسٍ وَأَبِي رَيْحَانَةَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ،
وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةً، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدِ، وَجَابِرٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي أَيُّوبَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وهذا أُصَحُّ وَعَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَةَ سَمِعَ مِنْ جَدْهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ.
عليه السلام: ((ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود فيكم))، قال الشافعي في
قوله: هو في مصالح المسلمين العامة، وقيل: في الكراع والسلاح، وقال مالك: هو للإمام
يجعله حيث يراه، وهو نحو الذي قلناه من قول الشافعي. (الخامسة عشرة): سهم أولي القربي.
هم بنو هاشم وبنو المطلب لقول عثمان وجبير بن مطعم للنبي عليه السلام: أعطيت بني
المطلب وتركتنا ونحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال: ((إن بني المطلب لم يفارقونا في
جاهلية ولا إسلام))، وتمام الأقوال في الأحكام، وهذا باقٍ إلى الآن لم ينسخ، وقال أبو
حنيفة: لا يعطى لهم إلا أن يكونوا فقراء، وهذه غفلة عظيمة، فإن المسكنة تقتضي ذلك، فما
فائدة ذكر القربى.
باب كراهية النهبة
قال عن (رافع بن خديج كنا مع النبي عليه السلام في سفر فتقدم سرعان الناس فتعجلوا من الغنائم
فطبخوها ورسول الله # فى أخرى الناس فأمر بالقدور فأكفئت ثم قسم بينهم فعدل بعيرًا بعشر شياء)
(١) (البخاري) الذبائح والصيد: باب إذا أصاب قوم غنيمة فذبح بعضهم غنمًا أو إبلاً بغير أمر أصحابها
لم تؤكل لحديث رافع عن النبي #. (مسلم) الأضاحي: باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم إلا
السّنّ والظفر وسائر العظام.

٧٦
كتاب السِّير/ باب ٤١
١٦٠١ - عقدنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴾: (مَنِ انْتَهَبَ فَلَيْسَ مِنَّ)).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثٍ أَنَسٍ.
٤١ - باب مَا جَاءَ في التَّسْلِيم على أهلِ الكِتَابِ
[المعجم ٤١ - التحفة ٤١]
١٦٠٢ - حدثنا قُتَنْيَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ
أبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنْ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ: ((لاَ تَبْدَؤُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلاَمِ وَإِذَا لَقِيتُمْ
أَخَدَهُمْ في الطّرِيقِ فاضْطَرُوهُمْ إلى أضْيَقِهِ»(١).
وأدخل فيه (حديث أنس قال مَن انتهب فليس منا) والحديثان صحيحان. وذكر أبو داود عن أبي
لبيد قال: كثّا مع عبد الرحمن بن سمرة بكابل، فأصاب الناس غنيمة فانتهبوها فقام خطيبًا،
فقال: سمعت رسول الله ( ينهى عن النهبى فردوا ما أخذوا فقسمها بينهم.
غريبه: سرعان بكسر السين وسكون الواو وبفتح السين لغة. قوله: (أُكفئت) أي قلبت
فأريق ما فيها، يقال كفأت الإناء وأكفأته، وقيل: كفأته كيبته وأكفأته قلبته.
الفقه: اختلف في إكفاء القدر على أقوال: الأول: أنها ذبحت بغير أمره، فلم تكن ذكية،
هذا يدل على تحريم ذبح الشاة المغصوبة، ونحو منه ما جاء في الصحيح أن النبي عليه السلام
لما ورد الحجر ديار ثمود ونهاهم أن يستقوا إلا من بئر الناقة فاعتجنوا من غيرها، فأمر النبي
عليه السلام بإلقاء الطعام، رواه بسرة بن معبد وأبو الشموس في التراجم. الثاني: أنهم تقدموه
والله يقول: ﴿لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾ [الحجرات: ١] فكان من حقهم أن يكونوا معه،
فأما أن يسبقوه ولا يحفوا به ويقبلوا على دنياهم دونه فلا يجوز ذلك. الثالث: أنها لم تقسم
فكان انتهابها تعديًّا، أخذ كل منهم ما لا يتحقق أنه حظّه الواجب له، وإنما إذِنَّ لهم في الطعام
لا في الحيوان، فإن قيل: فكيف لم يقسم بينهم ما كان في القدور، قلنا: إما لأنه كان غير ذكي
كما قال بعضهم، وإما عقوبة لهم حين تعجلوا ما لم يكن لهم.
باب التسليم أهل الكتاب
(أبو هريرة أنه قال لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتم أحدهم في الطريق
فاضطروه إلى أضيقه).
(١) (مسلم) السلام: باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف نردّ عليهم. وسيأتي في كتاب=

٧٧
كتاب السير/ باب ٤١
قَالَ: وفي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ وَأَبِي بَصْرَةَ الغِفَارِيِّ صَاحِبِ النَّبِيِّ ◌َ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
١٦٠٣ - هذانا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ
عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: (إنَّ اليَهُودَ إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَحَدُهُمْ فَإِنَّمَا يَقُولُ
السَّامُ عَلَيْكُمْ فَقُلْ عَلَيْكَ)) (١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وعن (ابن عمر قال رسول الله #### إن اليهود إذا سلم عليكم أحدهم فإنما يقول السام
علیکم فقولوا عليك) حسنان صحيحان.
السلام من شعائر الدين وسُنن المرسلين وتحية ربّ العالمين، وله باب في الاستئذان،
وهنا يأتي الشرح عليه إن شاء الله.
العارضة: رُوِيَ في حديث ابن عمر: ((قولوا السلام عليك))، ورُوِيَ: ((عليكم))، والمعنى
واحد ليس فيه ما يتكلم عليه. وقد قال بعضهم: علاك السلام، بعني الحجارة، وهذا تكلّف
وخروج عن طريق السُّنّة، فقد رُوِيّ عن عائشة أن اليهود دخلوا على النبي عليه السلام فقالوا:
السام عليكم، فقال النبي: ((وعليكم)) فقالت عائشة: السام عليكم ولعنة الله وغضبه يا أخوة
القردة والخنازير، فقال رسول الله 18: ((يا عائشة عليك بالحلم وإياك والجهل))، قالت: يا
رسول الله أما سمعت ما رددت عليهم فاستجيب لنا فيهم ولم يستجب لهم فينا، وأهل الذمّة إنما
عقد لهم أن يقرّوا على ما هم عليه فيمن يؤخذ منهم فيكونوا من أهل دارنا لا يساوونا فيها،
وإنما يساوونا في الأمنة والعصمة خاصة، على صغار وذلّة، فمن ذلك تمييزهم بغيار يكون
عليهم وألاً يركبوا إلا بإكاف، ولا يبدؤوا بالسلام، ولا يُظهِروا دينهم علانية، إلى أمور قد تقدم
بابها آنفًا في عهد عمر رضي الله عنه (٢).
الاستئذان: باب ما جاء في التسليم على أهل الذمة رقم (٢٧٠٠).
=
(١) (مسلم) السلام: باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف الرد عليهم. النسائي في عمل
اليوم والليلة: باب ما يقول لأهل الكتاب إذا سلّموا عليه (ص ١٣٠).
(٢) جاء في النسخة الكتانية بعد هذا ما نصه: بسم الله الرحمن الرحيم وصلّى الله على سيدنا محمد وآله
وسلّم تسليمًا عونك عليهم.

٧٨
كتاب السِّير/ باب ٤٢
٤٢ - باب مَا جَاءَ في كَرَاهِيَةِ المُقَامِ بَيْنَ أَظْهُرِ المُشْرِكِينَ
[المعجم ٤٢ - التحفة ٤٢]
١٦٠٤ - حدثنا هَنَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنْ إِسْمَاعِيلِ بْنِ أَبِي خَالِدِ عَنْ قَيْسِ بْنِ
أبي حَازِمٍ عَنْ جَرِيرٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ بَعَثَ سرِيَّةَ إلى خَثْعَمْ فَاعْتَصَمَ نَاسٌ
بِالسُّجُودٍ فَأَسْرَعَ فِيهِمُ القَتْلُ فَبَلَغَ ذلِكَ النَّبيِّ :﴿ فَأَمَرَ لَهُمْ بِنِصْفِ العَقلِ وَقَالَ أَنَّا بَرِيءٌ مِنْ
كُلّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أظْهُرِ المُشْرِكِينَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِمَ؟ قَالَ: ((لاَ تَرَايَا
نَارَاهُمَا)) (١)
.
١٦٠٥ - حقثنا هَنَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أبي
حَازِمٍ مِثْلَ حَدِيثٍ أَبي مُعَاوِيَةً وَلَّمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ جَرِيرٍ وهذا أُصَحُّ. وفي البَابِ عَنْ
سَمُرَةً.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ بْنِ أبِي حَازِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ إِل
بَعَثَ سَرِيَّةً وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ عَنْ جَرِيرٍ، وَرَوّاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنِ الحَجَّاجِ بْنِ أَزْطَاءً،
عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أبِي خَالِدِ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ مِثْلَ حَدِيثٍ أَبِي مُعَاوِيَّةً: قَالَ: وَسَمِعْتُ
مُحَمِّدًا يَقُولُ الصَّحِيحُ حَدِيثُ قَيْسٍ عَنِ النّبِيِّ:﴿ مُرْسَلٌ. وَرَوَى سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ عَنِ
النَّبِيِّ ﴾ قَالَ: ((لاَ تُسَاكِنُوا الْمُشْرِكِينَ وَلاَ تُجَامِعُوهُمْ، فَمَنْ سَاكَّتَهُمْ أَوْ جَامَعَهُمْ فَهُوَ
مِثْلُهُمْ))(١).
باب كراهية المقام بين أظهر المشركين
(روى جرير بن عبد الله قال بعث النبي ◌َلخر سرية إلى خثعم فاستعصم ناس بالسجود فأسرع
فيهم القتل وبلغ ذلك النبي ﴿ فأمرهم بنصف العقل وقال أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر
المشركين قالوا يا رسول. ولِمَ قال لا تتراءى ناراهما) وعلّله عن محمد، وقال: الصحيح أنه
مرسل. وروى عن سمرة غير مسند أن النبي ﴾ قال: (لا تُساكنوا المشركين ولا تجامعوهم،
فمَن ساكنهم أو جامعهم فهم منهم).
(١) (أبو داود) الجهاد: باب النهي عن قتل من اعتصم بالسجود. (النسائي) القسامة: باب القود بغير
حديدة.

٧٩
كتاب السِّير / باب ٤٢
العارضة: فيه أن الله حرم أولاً على المسلمين أن يقيموا بين أظهر المشركين بمكة،
وافترض عليهم أن يلحقوا بالنبي عليه السلام بالمدينة، فلما فتح الله مكة سقطت الهجرة
وبقي تحريم المقام بين أظهر المشركين، وهؤلاء الذين اعتصموا بالسجود لم يكونوا أسلموا
وأقاموا مع المشركين، إنما كان اعتصامهم في الحال، ونعم إنه لا يحلّ قتل مَن بادر إلى
الإسلام إذا رأى السيف على رأسه بإجماع من الأمة، ولكنهم قتلوا لأحد معنيين: إما لأن
السجود لا يعصم وإنما يعصم الإيمان بالشهادتين لفظًا، وإما لأن الذين قتلوهم لم يعلموا أن
ذلك يعصمهم، وهذا هو الصحيح، فإن بني جذيمة لما أسرع فيهم خالد القتل قالوا:
صبأنا، ولم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فقتلهم فوداهم النبي ﴾. بخطأ خالد فيهم، وخطأ
الإمام وعامله في بيت المال. قال: وهذا يدلّ على أنه ليس بشرط الإسلام قول: لا إله إلا
الله محمد رسول الله على التفسير، بل لو قال إنه مسلم أجزاء، وثبت له بذلك حكم
الإسلام، وقد بيّنًا ذلك في الكتاب الكبير، وإنما وداهم نصف العقل على معنى الصلح
والمصلحة، كما ودى أهل جذيمة بمثل ذلك على ما اقتضته حالة كل واحد في قوله، وقد
اختلف الناس فيمن أسلم وبقي في دار الحرب فقتل أو سبى أهله وماله، فقال مالك: حقن
دمه وماله لمَن أخذه حتى يحوزه بدار الإسلام، وبه قال أبو حنيفة، وقيل عنه إنه يحوز ماله
وأهله وبه قال الشافعي، والمسألة محققة في مسائل الخلاف مبنية على أن الحربي هل يملك
ملكًا صحيحًا؟ فإن قلنا: إنه يملك، فقد قال النبي 18: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا
لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها» فسؤّى بين الدماء
والأموال وأضافها إليهم، والإضافة تقتضي التمليك، وأخبر أنها معصومة وذلك يقتضي أن لا
يكون لأحد عليها سبيل، وكذلك يكون على قاتله ما أخطأ الدّية والكفارة، قال أبو حنيفة:
لا دية فيه، وعوّل على أن العاصم هو الدار لا الإسلام، وقد حقّقنا ذلك في مسائل
الخلاف. وليس يعترض على المالكية فيها إلا قولهم: إن الكافر إذا حاز مال المسلم بدار
الحرب ملكه، حتى إذا غنم وقسم لم يكن لصاحبه إليه سبيل إلا بالثمن، وإلا فالعصمة ثابتة
بالإسلام، وهو العاصم حقيقة للدم والمال، وقد قال الله تعالى: ﴿ومَن قتل مؤمنًا خطأ
فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا﴾ [النساء: ٩٢] فإن قيل: فقد قال:
﴿فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة﴾ [النساء: ٩٢] ولم يلزم دية،
قلنا: يحتمل أن يكون سكت عنها لأنه لم يكن لها مستحق، ويحتمل أن يكون سكت عنها
لأنه ترك فرض الجزية فلم تكن له دية، ويحتمل أن يكون لم يجب لئلا يستعين بها الكفّار
علی حربنا.

٨٠
كتاب السِّير/ باب ٤٣
٤٣ - باب مَا جَاءَ في إخْرَاجِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ
[المعجم ٤٣ - التحفة ٤٣]
١٦٠٦ - هقثنا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكِنْدِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الحُبَابِ، أَخْبَرَنًا
سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أبي الزََّيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ لِ قَالَ: ((لَيْنُ
عِشْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لأُخْرِجْنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ)»(١).
١٦٠٧ - حدثنا الحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الخَلاَّلُ، حَدَّثَنَا أبُو عاصِمٍ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالاً:
أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجِ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي
عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ يَقُولُ: ((لأُخْرِ جَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةٍ
العَرَبِ فَلاَ أَتْرُكُ فِيهَا إِلاَّ مُسْلِمًا (١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
١
باب إخراج أهل الذمة من جزيرة العرب
رُوِيّ عن (عمر بن الخطاب أنه قال لئن عشت إن شاء الله لأخرجن اليهود والنصارى من
جزيرة العرب فلا أترك فيها إلا مسلمًا) وقال: حسن صحيح.
العارضة: ثبت في الصحيح عن النبي * أنه قال: ((أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة
العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم؛ في مرضه، وكان عامل يهود خيبر وقال: ((أقرّكم ما
أقرّكم الله»، فلما استأثر الله برسوله وخلفه الصديق أكبت عليه الردّة فلما كشفها الله برحمته
وتوفي أبو بكر وخلفه الفاروق، فنظر في تمهيد الإسلام ومدّ أطنابه وسدّ الثغور وشد الأمور،
وفي أثناء ذلك عدت يهود على المسلمين فاستذكر عمر ما كان النبي قاله، فأمر بإخراجهم
وإجلاء جميعهم، وفي الصحيح أن أبا غسان مالك بن عبد الواحد روى عن مالك عن نافع عن
ابن عمر قال: لما فدع أهل خيبر عبد الله بن عمر قام عمر خطيبًا فقال: إن رسول الله* كان
عامل يهود خيبر على أموالهم، قال: ((نقرّكم ما أقرّكم الله)) وإن عبد الله بن عمر خرج إلى ماله
هناك فعدى عليه من الليل، ففدعت يداه ورجلاه، وليس لنا هناك عدو غيرهم هم عدونا
ونهبتنا، وقد رأيت إجلاءهم فلما أجمع عمر على ذلك أتاه أحد بني أبي الحقيق فقال: يا أمير
المؤمنين، أتخرجنا وقد أقرّنا محمد وعاملنا على الأموال وشرط ذلك علينا؟ فقال عمر: أظننت
(١) (مسلم) الجهاد والسّيّر: باب إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب. (أبو داود) الخراج والإمارة
والفيء: باب في إخراج اليهود من جزيرة العرب. (النسائي في الكبرى) السّيّر: باب إجلاء أهل
الكتاب .