Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
كتاب الأحكام/ باب ٣٠
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. لأَ نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ أبِي إِسْحَقَ، إلاَّ مِنْ
هذا الوَجْهِ مِنْ حَدِيثٍ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. وَالعَمَلُ على هذا الحَدِيثِ عِنْدَ بَعْضٍ أَهْلٍ
العِلْمِ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمّدٌ وَإِسْحَقٌّ.
وَسَألْتُ مُحَمِّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ عَنْ هذا الحَدِيثِ فَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وقَالَ: لا
أعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ أبِي إِسْحَقَ إلاَّ مِنْ رِوَايّةٍ شَرِيكِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: حَدَثْنَا مَعْقِلُ بْنُ مَالِكِ البَصْرِيُّ. حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ الأصَمِّ، عَنْ عَطَاءِ،
عَنْ رَافِعٍ بنِ خَدِيجٍ، عَنِ النّبِيِّ وَّهِ، نَحْوَهُ.
٣٠ - باب مَا جَاءَ في النُّخْلِ وَالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الوَلَدِ
[المعجم ٣٠ - التحفة ٣٠]
١٣٦٧ - عقدنا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (المَعْنى الوَاحِدُ) قَالاً:
حَدِّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ
بَشِيرٍ، يُحَدِّثَانِ عَنِ الثَّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، أَنَّ أَبَاهُ نَحَلَ ابْنَا لَهُ غُلاَمًا. فأتى النَّبِيِّ :﴿ يُشْهِدُهُ
الأحكام: اختلف الناس في هذه النازلة، فمنهم مَن قال: الزرع للمزارع، وهو الأكثر،
وقال أحمد بن حنبل: إذا كان الزرع قائمًا فهو لربّ الأرض، وإذا كان قد حصد فإنما يكون
له الأُجرة، وذكر له حديث رافع فقال: رُوِيّ عن رافع ألوان، ودع هذا كله من رواية
وفتوى. إذا زرع الرجل في أرض غيره فلا يخلو أن يكون بإذنه فالزرع للزارع، أو يكون
بغير إذنه فهو متعدٍّ على صاحب الأرض يريد أن يشغل مال غيره بمنفعة نفسه، فهاهنا
نظران: أحدهما: أن يكون الزرع لصاحب الأرض، لأنه لا يمكن فصله منه، ومن أنشب
ماله مع مال غيره بحيث لا يمكن فصله عنه تعديًّا خسره، وإن كان يمكن فصله منه
نزعه، وما طبق المفصل في المسألة إلا مالك حيث قال: إن كان في إبان الزراعة حوله،
وإن كان قد قات إبان الزراعة فالزرع للزارع وعليه كراء الأرض، لأصل عظيم في مسائل
الغصب قد بيّنَاه فيها، فلينظر هنالك مَن أراده. وأما أحمد فما أتى بمقال يحمد، ولا له
وجه يقصد.
باب في النحل والتسوية بين الولد
ذكر حديث (النعمان بن بشير أن أباه نحل ابنًا له غلامًا فأتى النبي # يشهده

١٠٢
کتاب الأحكام/ باب ٣٠
فقَالَ: ((أكُلِّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ مَا نَحَلْتَ هذا))؟ قَالَ: لاَ. قال: ((فَارْدُدْهُ))(١).
ق آَلَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرٍ وَجْهٍ عَنٍ
الثَّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَالعَمَلُ على هذا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ، يَسْتَحِبُونَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الوَلَّدِ،
حتى قَالَ بَعْضُهُمْ: يُسَوِّي بَيْنَ وَلَدِهِ حتى في القُبْلَّةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُسَوِّي بَيْنَ وَلَّدِهِ في
فقال: ((أكل ولدك نحلته مثل ما نحلت هذا»؟ قال: لا، قال: ((فاردد))) حسن صحيح.
الإسناد: في مسائل:
الأولى: قال الإمام الحافظ: الحديث صحيح متفق عليه عند كل أحد، وألفاظه في
الصحيح مختلفة، منها: (فاردده) و(ارتجعه) و(أشهد على هذا غيري) و(إني لا أشهد على
جور) و(قال له: ((أتحب أن يكونوا لك في البرّ سواءا؟ قال: نعم، قال: ((فسوٌ بينهم في
العطية»).
الثانية: كانت أم النعمان الموهوب له عمرة بنت رواحة أُخت عبد الله بن رواحة، وكان
لها شرف وجمال، وكان الشعراء يشبّبون بها قبل الهجرة منهم قيس بن الخطيم، وكان بشير
يميل إليها لحُسنها وشرفها، فساومته تخصيص ولدها بالعطية فأجابها إلى ذلك، ففي الصحيح
وذكره أبو داود فقال: إنها قالت له: إيت رسول الله جر فأشهده، فأتى رسول الله و 18 فذكر
الحديث. وذكره مسلم فقال: إن المرأة سألته بعض الموهبة من ماله لابنها، فالتوى بها سنة ثم
بَدًا له، فقالت: لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﴿﴿، الحديث، قال: فأتى رسول الله فقال له:
((لا أشهد على جوراً.
الأحكام: في مسائل:
الأولى: قال أبو حنيفة والشافعي: ذلك مكروه وينفذ، وهو أحد قولي مالك ومشهورهما،
وقال إسحاق بن راهويه وأحمد وطاوس ومالك في أحد قوليه: إنه لا ينفذ، لأن النبي 18 قال
له: ((أرجعه"، وقال له: ((أشهد على هذا غيري)»، وقال: «لا أشهد على جور»، وهذا كله یمنع
من نفوذه، وقال علماؤنا: إنه ينفذ، وفي ذلك أربعة أوجه من الحديث وإجماع الأمة: الأول:
أنه قال: ((فاردده)) وهو لم يشهد بعد، فهذا يدلّ على أنه قد خرج عن ملكه. الثاني: أنه قال:
(أشهد على هذا غيري))، ولو كان حرامًا لم يأمر بأن يشهد عليه أحد. الثالث: أنه قال: ((أيسرّك
أن يكونوا لك في البرّ سواء؟»، وإنما ساق له ذلك من قِبَل البرّ واللطف لا من قِبَل الوجوب.
(١) أخرجه البخاري في: ٥١ - كتاب الهبة، ١٢ - باب الهبة للولد، حديث ١٢٦٣. وأخرجه مسلم في:
٢٤ - كتاب الهبات، حديث رقم ٩.

١٠٣
كتاب الأحكام/ باب ٣٠
النِّخْلِ وَالعَطِيَّةِ (يَعْنِي الذِّكَرُ وَالأَنْثَى سَوَاءٌ) وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ:
التّسْوِيَّةُ بَيْنَ الوَلَدِ، أنْ يُعْطَى الذِّكَرُ مِثْلَ حَظّ الأَنْقَبَيْنِ، مِثْلَ قِسْمَةِ المِيرَاثِ، وَهُوَ قَوْلُ
أحْمَدَ وَإِسْخُقَ.
الرابع: أن الأمة أجمعت على أنه لو وهب جميع ماله لأجنبي وترك ولده جاز، وهنالك يكون
العقوق أعظم والحجة فيه على الأب أكبر.
الثالثة(١): قال علماؤنا: إنما قال له النبي ﴾: ((أرجعه)) لأن الأب يجوز له أن يرجع فيما
وهب لولده، فأعلمه النبي # بذلك ليرفع بهذا الجائز تغيير قلب الأولاد الذي هو مكروه لا
حرام.
الرابعة(٢): أنه جعل له أن يتصرّف في مال، ولده بالقبض والمعاملات من نفسه وبالتنبيه من
غيره.
الخامسة(٣): حجة إشهاد الحاكم وإن كان لا يحكم بعلمه، وذلك لينقطع الإعذار إذا شهد
الشهود بما يعلمه الحاكم.
السادسة(٤): قوله: ((هذا جورا، يريد عن طريق الأفضل، وقد يترك الأفضل لما هو أولى
منه حسب ما يراه المسلم. أُوَلا ترى إلى أبي بكر كيف وهب لعائشة إحدى وعشرين وسقًا ولم
يهب لغيرها من ولده أمثالها؟
السابعة(٥): قوله: ((فسوِّ بينهم في العطية)). ظن بعض الناس أن التسوية بينهم تعديل الذكر
مع الأنثى في القدر الذي حكم الله به من جعل الذِّكَر كالأنثيين، منهم: أحمد وإسحق، وهذا لا
يصح، لأن حال الموت المال لغيره، والمرأة معرّضة مُعدّة لأن ينفق عليها زوجها فتكون في
مؤنة سواه، وأما حال الحياة فلا تلزم له التسوية بين الأجانب والبنين، فكيف بين البنين؟ ولا
كلام لهم على هذه النكتة.
(١) هكذا بالاصل، وهي المسألة الثانية من حيث الترتيب.
(٢) هكذا بالأصل، وهي المسألة الثالثة من حيث الترتيب.
(٣) هكذا بالأصل، وهي المسألة الرابعة من حيث الترتيب.
(٤) هكذا بالأصل، وهي المسألة الخامسة من حيث الترتيب.
(٥) هكذا بالأصل، وهي المسألة السادسة من حيث الترتيب.

١٠٤
كتاب الأحكام/ باب ٣١ و٣٢
٣١ - باب مَا جَاءَ في الشُّفْعَةِ
[المعجم ٣١ - التحفة ٣١]
١٣٦٨ - عقدنا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ. حَدِّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُليَّةَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ،
عَنِ الحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((جَارُ الدَّارِ أحَقُّ بالدَّارِ))(١).
قالَ: وفي البَابِ عَنِ الشّرِيدِ وَأَبِي رَافِعٍ وَأَنَسٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ سَمُرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرَوَى عِيسَى بْنُ يُونُس عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِ﴿ِ، مِثْلَهُ.
وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةً، عَنِ التَّبِيِّ ◌َـ
وَالصَّحِيحُ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ، حَدِيثُ الحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ. وَلاَ تَعْرِفُ حَدِيثَ قَتَادَةً عَنْ
أَنَسٍ، إِلاَّ مِنْ حَدِيثٍ عِيسَى بْنِ يُونسَ.
وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطّائِفِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ
النَّبِيِّ *، في هذا البابِ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَرَوَّى إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةً عَنْ عَمْرِو بْنِ الشّرِيدِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ِ ﴿ قَالَ:
سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ: كلا الحَدِيثَيْنِ عِندِي صَحِيحٌ.
٣٢ - باب مَا جَاءَ فِي الشُّفْعَةِ لِلْغَائِبِ
[المعجم ٣٢ - التحفة ٣٢]
١٣٦٩ - عقدنا قُتَيْبَةُ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الوَاسِطَيُّ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أبي
كتاب الشفعة
ذكر أبو عيسى من أحاديثها أربعة: الأول: الحديث الصحيح (عن جابر قال النبي # إذا وقعت
الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة). الثاني: حديث الحسن (عن سمرة جار الدار أحقّ بالدار).
(١) أخرجه أبو داود في: ٢٢ - كتاب البيوع، ٧٣ - باب في الشفعة، حديث رقم ٣٥١٧.

١٠٥
كتاب الأحكام/ باب ٣٣
سُلَيمانَ، عَنْ عَطَاءِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((الجَارُ أحَقُّ بِشُفْعَتِهِ. يُنْتَظَرُ بِهِ
وَإِنْ كَانَ غَائِبًا، إذَا كانَ طَرِيقُهُمَا واحِدًا))(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَلاَ نَعْلَمُ أَحَدًا رَوّى هذا الحَدِيثَ غَيْرَ
عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أبِي سُليمانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، وَقَدْ تَكَلِّمَ شُعْبَةُ فِي عَبْدِ المَلِكِ بْنِ
أبي سُليْمَانَ مِنْ أجْلٍ هذا الحَدِيثِ.
وَعَبْدُ المَلِكِ هُوَ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ عِنْدَ أهْلِ الحَدِيثِ. لاَ نَعْلَمُ أَحَدًا تَكَلُّمَ فِيهِ غَيْرَ شُعْبَةً،
مِنْ أجْلِ هذَا الحَدِيثِ.
وَقَدْ رَوَى وَكِيعٌ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنٍ أبي سُليمانَ، هذا الحَدِيثَ.
وَرُوِيّ عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، قَالَ: عَبْدُ المَلِكِ بْنُ أبي سُليمَانَ
مِيزَانٌ. يَغْنِي في العلمِ.
وَالعَمَلُ على هذا الحَدِيثِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ، أنَّ الرَّجُلَ أَحَقُّ بِشُفْعَتِهِ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا.
فإذَا قَدِمَ فَلَهُ الشُّفْعَةُ. وَإِنْ تَطَاوَلَ ذلِكَ.
٣٣ - باب مَا جَاءَ إِذَا حُدَّتِ الحُدُودُ وَوَقَعَتِ السِّهَامُ فَلَا شُفْعَةً
[المعجم ٣٣ - التحفة ٣٣]
١٣٧٠ - عقدنا عَبْدُ بْنُ خْمَيْدٍ. أخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
أبي سَلَّمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَْنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾: «إِذَا
وَقَعَتِ الْحُدُودُ، وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ، فَلاَ شُفْعَةً»(٢).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صِيحٌ.
الثالث: حديث (من جابر الجار أحق بشفعته ينتظر به وإن كان غائبًا إذا كان طريقهما واحدًا).
(١) أخرجه أبو داود في: ٢٢ - كتاب البيوع، ٧٣ - باب في الشفعة، حديث رقم ٣٥١٨. وأخرجه ابن
ماجه في: ١٨ - كتاب الشفعة، ٢ - باب الشفعة بالجوار، حديث رقم ٢٤٩٤.
(٢) أخرجه البخاري في: ٩٠ - كتاب الحيل، ١٤ - باب في الهبة والشفعة، حديث رقم ١١١٠.
وأخرجه أبو داود في: ٢٢ - كتاب البيوع، ٧٣ - باب في الشفعة، حديث رقم ٣٥١٤.

١٠٦
كتاب الأحكام/ باب ٣٤
وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ مُرْسَلاً، عَنْ أَبِي سَلَّمَةَ، عَنِ النّبِيِّ لَهُوَ.
وَالعَمَلُ عَلى هذا عِنْدَ بَعْضٍ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َ ﴿. مِنْهُمْ عُمَّرُ بْنُ
الخَطَّابِ وَعُثمانُ بْنُ عقّانَ. وَبِهِ يَقُولُ بَعْضُ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ. مِثْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ
وَغَيْرِهِ. وَهُوَ قَوْلُ أهْلِ المَدِينَةِ. مِنْهُمْ يَحْيِّئُ بْنُ سَعِيدِ الأنْصَارِيُّ وَرَبِيعَةُ بْنُ أبي
عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ. وَبِهِ يَقُولُ الشّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَقُ. لا يَرَوْنَ الشُّفْعَةَ إلاَّ
لِلْخَلِيطِ. وَلاَ يَرَوْنَ لِلْجَارِ شُفْعَةً، إذَا لَمْ يَكُنْ خَلِيطًا.
وَقَالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ :﴿ وَغَيْرِهِمْ: الشفْعَةُ لِلْجَارِ. وَاحْتَجُوا
بِالحَدِيثِ المَرْفُوعِ عَنِ النَّبِيِّ ◌َِ قَالَ: ((جَارُ الدِّارِ أَحَقُّ بِالدَّارِ)) وَقَالَ: ((الجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ؟
وَهُوّ قَوْلُ الثَّوْرِيَّ وَابْنِ المُبَارَكِ وَأَهْلِ الْكُوفَّةِ .
٣٤ - باب مَا جَاءَ أنَّ الشَّرِيكَ شَفِيعٌ
[المعجم ٣٤ - التحفة ٣٤]
١٣٧١ - عقدنا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى. حَدْثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى. عَنْ أبي حَمْزَةَ
السُّكْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِوَ﴿ه: ((الشّرِيكُ شَفِيعٌ، وَالشُّفْعَةُ فِي كَلِّ شَيْءٍ)(١).
الرابع: عن (ابن عباس الشريك شقيع والشفاعة في كل شيء).
الإسناد: في البخاري ومسلم عن جابر أن النبي ﴾ قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم،
فإذا وقعت الحدود وصرفت الصرق فلا شفعة، هذا لفظ البخاري، وقال مسلم: قضى رسول
الله * في كل شركة لم تقسم في أرض أو ربع، وفي رواية أو ربعة أو حائط، لا يحل له أن
يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك، فإن باعه ولم يؤذنه فهو أحق به، ونحوه
لأبي داود. وفي البخاري: («الجار أحق بصفقته)).
عربيته: الصقب القرب، ويكتب بالصاد والسين. والربع المنزل، وتأنيثه ربعة والحائط
البستان الحاوي للشجر نخل أو سواه.
(١) لم يخرجه من أصحاب الكتب الستة أحد سوى الترمذي.

١٠٧
كتاب الأحكام/ باب ٣٤
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ لا تَعْرِفُهُ مِثْلَ هذا، إلاَّ مِنْ حَدِيثٍ أبي حَمْزَةَ السُّكِّرِيِّ.
وَقَدْ رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنِ ابْنٍ أَبِي مُلَيْكَّةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ِ﴿ه،
مُرْسَلاً، وَهذا أُصَحُّ.
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَّاشٍ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةً،
عَنِ النِّبِيِّ :﴿، نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ. وَلَيْسَ فِيهِ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) وَهَكَذًّا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ
عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعِ، مِثْلَ هذا. لَيْسَ فِيهِ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) وهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثٍ أبي
حَمْزَةَ، وَأَبُو حَمْزَةَ ثِّقَّةً. يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الخَطَّأُ مِنْ غَيْرِ أبِي حَمْزَةً.
حَدَّثَنَا هَنَّدٌ. حَدْثَنَا أَبُو الأخوَصِ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْن رُفَيْعٍ، عَنِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ،
عن النّبِيِّ ێے، نخوَ حَدِيثٍ أبي بَكْرِ بْن عَيَّاشٍ.
الأحكام: في مسائل:
الأولى: أن الشفعة لما كانت في العربية عبارة عن ضمّ شيء واحد إلى آخر فيكونان اثنين
كان الشريك بضمه إلى نفسه نصيب شريكه كان شافعًا، وكانت شفعة أي: تثنية واحد، وتشفيعه
بعد الوحدة وهو أمر أثبته الشّارع برحمته رخصة لاستدراك الضرر. واختلف فيه على ثلاثة
أقوال: الأول: أنها تعبد لا يعقل معناها، فإنه قطع ملك المسلم بغير اختياره، وقد فعل ما يجوز
له فعله، واختاره ابن الجويني. الثاني: أنه لضرر مؤنة القسمة وما يلزم فيها من النفقة. الثالث:
ضرر الجوار والصحبة، قاله أبو حنيفة، وإنما فرّ ابن الجويني إلى التعبّد لأنه رأى أن مؤنة
القسمة لا يزيل ضررها إلا شفعة تفرّد الشفيع بالكل بعدها، فأما شقص من أشقاص فإن الشفعة
فيه ومؤنة القسمة باقية، ورأى أن ضرر الخلطة يرفعه السلطان بالقسمة هلهنا في الشركة، وبالكف
في الجوار والمقاربة، مع أن الجوار لا ينحصر حسب ما بيّنّاه، وهذا كله قد أوعبنا القول فيه في
مسائل الخلاف بغاية التحقيق، وليس يحتاج إليه، فإن المعوّل على الحديث الصحيح: قضى
النبي * بالشفعة في كل ما لم يقسم، وهذا يدلّ قطعًا على أنها بين الخلطاء الذين تفضلهم
القسمة، وليس للجار ههنا مدخل بحال، وأكد ذلك بقوله: ((إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق
فلا شفعة)"، وهذا بيان شافٍ ونفي عامّ لما بعد ذلك.
الثانية: قوله: (الجار أحقّ بصقبه) رواه أبو رافع حين قال للمسور: اشترٍ مني بيتيّ اللذين
في دارك، فقال في آخره: لولا أن رسول الله (#) قال: (الجار أحقّ بصقبه)) ما بعتهما منك،
يعني بهذا الثمن. والجار في اللغة هو الشريك المخالط في الأصل، ولذلك سُمِّيت الزوجة
جارة. والصقب: القرب، وهو قرب الشركة، فأما قرب المساحة التي بين الدارين أو اتصال
جدار بجدار فليس بصقب يوجب شفعة، كما لو كان بينهما طريق أو فضاء يسير، وقد كان بيت

١٠٨
كتاب الأحكام/ باب ٣٤
وَقَالَ أَكْثِرُ أهْلِ العِلْمِ: إِنَّمَا تَكُونُ الشُّفْعَةُ في الدُّورِ وَالأَرَضِينَ، وَلَمْ يَرَوُا الشُّفْعَة في
كلِّ شَيْءٍ.
وَقَالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ.
وَالأوّلُ أُصَحُ.
أبي رافع في الدار ولم تصرف طريق ولا وقعت حدود، بل كانت الساحة بينهما والطريق واحدة
لهما، وقد قيل: معنى قوله: (الجار أحق بصقبه) يعني في الهدية والمراعاة والمبرّة، لا في
الشفعة بما تقدم من الأدلة.
الثالثة: قوله: (في كل ما لم يقسم) دليل على أن ذلك مختص بما تتأتى قسمته، وما لا
تتأتى فيه القسمة من العقار لا تكون فيه شفعة، كالحمام والبيدر. وقال بعض المدنيين على ملك
يقسم ويشفع فيه ويردّه: إن ذلك ضرر وفساد من طلب القسمة على نفسه وعلى شريكه، فلا
يلتفت إليه.
الرابعة: قوله: (جار الدار أحقّ بدار الجار) حديث ضعيف وإن كان قد خرّجه أبو داود،
لكن ضعفه أبو عيسى وغيره، وتكلموا في رواية عبد الملك بن أبي سليمان، فلا يحتجّ بمثله.
وقوله: (ينتظر بشفعته وإن كان غائبًا) أمر لا يلزم بإجماع الأمة، لا فيما قسم أو لم يقسم.
الخامسة: قوله: (لا يحلّ له أن يبيعه حتى يأذنه) في رواية مسلم: ليس بمتمكّن الضبط،
لأنه لو كان حرامًا لَمّا نفذ، وإنما كان يفسخ لأن من عمل عملاً حرّمه الله لم يكن له مضافًا،
فإن قيل: فتراه مردودًا بأخذ الشفيع له؟ قلنا: لو أخذه من يد البائع بعد رذه لكان فسخًا، وإنما
يأخذه من المشتري، وذلك تحقيق لشرائه، وعليه ترتيب المسائل. والمعنى فيه عندي: أنه نهى
عن البيع لا لمعنى في الأركان، فصار كخطبة الأخ على أخيه، وبيعه له، فتوسّط الشارح بحكمته
الأمر وأخرجه من يد المشتري، إذ لو فسخه ربما كان الشريك لا يريده، فجمع في الإبقاء للبيع
وإعطاء حق الأخذ الشفيع بین الحکمین.
السادسة: قضى بالشفعة فيما لم يقسم أرض أو ربعة أو حائط، دليل على أنه لا تعلّق لها
بالعروض التي لا تتأتى القسمة فيها بحال، ومّن ذهب إلى ذلك فقد خَفِيَ عليه معنى الحديث
وطريق الشريعة، فإن قيل: فقد قال في الحديث المتقدم: (الشفعة في كل شيء)، قلنا: غمزه
أبو عيسى بأن صحيحه أنه مرسل، وهو عندنا حجة، وإنما المراد به في كل شيء تتأتى فيه
القسمة والتحديد، وقد روى أبو داود عن جابر: إنما جعل النبي 8* الشفعة في كل ما لم
يقسم، وكلمة إنما للحصر، وتحقيق المسألة أن النفي بالتخصيص والتنصيص في قوله: (فإذا
وقعت الحدود أو صرفت الطرق) أولى من العموم الذي ذكره.

١٠٩
کتاب الأحكام/ باب ٣٥
٣٥ - باب مَا جَاءَ في اللَّقَطَةِ وَضَالَّةِ الإِبِلِ وَالغَنَم
[المعجم ٣٥ - التحفة ٣٥]
١٣٧٢ - عقدنا قُتَيْبَةُ. حَدْثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ،
عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى المُنْبَعِثِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الجُهَنِيِّ؛ أَنْ رَجُلاً سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ عَنِ
اللَّقَطَةِ؟ فَقَالَ: ((عَرَّفْهَا سَنَةً. ثمَّ اغْرِفْ وِكَاءَهَا وَوِعَاءَهَا وَعِفَاصَهَا. ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِهَا. فإنْ
جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْه)) فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَضَالَّةُ الغَنَّم؟ فَقَالَ: ((خُذْهَا. فإِنَّمَا هِيَ لَّكَ
أوْ لأَخِيكَ أوْ لِلذِّئْبِ». فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَضّالَّةُ الإِلِ؟ قَالَ: فَغَضِبَ النَّبِيُّ ◌ِ * حتى
احْمَرَتْ وَجْنَتَاهُ، أوِ احْمَرَّ وَجْهُهُ. فَقَالَ: مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا حتى تَلْقَى
حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحْ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ. وَحَدِيثُ
يَزِيدَ مَوْلَى المُنْبَعِثِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ
وَجْهِ .
باب اللقطة والضالّة
ذكر حديث يزيد مولى المنبعث عن زيد وحديث يسر بن سعيد عن يزيد وحديث أبيّ بن
كعب وكلها حسن صحيح، وموضع جميع الأحاديث في النيرين. وهذه العارضة تقف على بعض
المراد وتلمح بما يدل على ما بقي لمَن كان من أهل الاجتهاد في النظر، فيستدلّ على ما بقي أو
البحث عن مسطورها حتى يستوفي المطلوب.
الإسناد: في أحاديث اللقطة وهي سبع: الأول: حديث يزيد مولى المنبعث عن زيد بن
خالد. الثاني: حديث بسر بن سعيد عن زيد. الثالث: حديث أبيّ. الرابع: حديث عياض بن
حماد: ((من أخذ لقطة فليشهد ذوي عدل، ويحفظ عفاصها ووكاءها، ولا يكتم ولا يغيب، فإن
جاء صاحبها فهو أحق بها، وإن لم يجىء صاحبها فهو مال الله يؤتيه من يشاء، خرّجه النسائي
وأبو داود، وزاد النسائي: ((وإلا فكلها)). قال البخاري: ((واخلطها بمالك)). الخامس: حديث
عليْ حين وجد دينارًا واشترى به في الحال، خرجه أبو داود. السادس: حديث جابر: رخّص لنا
رسول الله لي في العصى والسوط والحبل وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به. السابع: حديث أنس
قال: مرّ النبي 18 بتمرة في الطريق، فقال: ((لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها)).
(١) أخرجه البخاري في: ٤٥ - كتاب اللقطة، ٢ - باب ضالة الإبل، حديث رقم ٧٨. وأخرجه مسلم
في: ٣١ - كتاب اللقطة، حديث رقم ١.
عارضة الأحوذي/ ج ٦/ م ٢٤

١١٠
كتاب الأحكام/ باب ٣٥
١٣٧٣ - حقدنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ. حَدْثَنَا أَبُو بَكْرِ الحَنَفِيُّ. أخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ
عُثْمانَ. حَدَّثَنِي سَالِمْ أَبُو النِّضْرِ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الجُهَنِيِّ، أنَّ رَسُولَ
اللَّهِ وَ﴿ِ سُئِلَ عَنِ اللُّقَطَّةِ فَقَالَ: ((عَرِّفْهَا سَنَّةٌ. فإنِ اعْتُرِفَتْ، فَأَدِّهَا. وَإلاَّ فَاعْرِفْ وِعَاءَهَا
وَعِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا وَعَدَدَهَا، ثمَّ كُلْهَا فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا فَأْدَّهَا))(١) .
قَالَ: وفي الباب عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْن عَمْرٍو وَالجَارُودِ بْنِ المُعَلَّى
وَعِيَاضٍ بْنِ حِمَارٍ وَجَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ زَيْدِ بْن خَالِدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. مِنْ هذا الوَجْهِ.
غريبه: اللقطة بإسكان العين الشيء الذي يجده المرء في الأرض لا صاحب له ولا يد
عليه، وهي بفتح العين عبارة عن الذي يأخذها، والوكاء الخيط الذي تشدّ به، والعفاص هو كل
ماجعل على فم القلّة والقارورة والراقود، وهو إناء الخل، وأظنها مولدة، والحذاء النعل،
والسقاء إناء الماء.
الأحكام: في خمس عشرة مسألة:
الأولى: في حال أخذها قال مالك مرة: تكره، ويظهر من المدوّنة، وكذلك قال ابن
شعبان، وقال الشافعي في ذلك: لا يجوز تركها، وجه الكراهة أن صاحبها إذا افتقدها وجدها
وإذا لم يجدها حيث مرّ وحيث يظن أنها مضت فيه تعب، ووجه الوجوب أنه مال معرّض
للإتلاف فوجب عليه حفظه، ووجه الاستحباب أنه لمّا كان مالاً معرّضًا للضياع كان حفظه على
جميع المسلمين فصار فرض كفاية، فلا يلزم ذلك لواحد معين، والذي أراه أنه إن وجد من
نفسه قوة على حفظه والتعريف به كان أخذه واجبًا لئلا يقع في يد مَن لا يكون كذلك، وإن
وجد من نفسه طمعًا فليتركها.
الثانية: إذا أخذها بنيّة الحفظ لم يلزمه الإشهاد على ذلك، وقال الشافعي في أحد الأقوال:
يجب، والأصل في ذلك عندهم حديث عياض المتقدم. قال: ((فليشهد ذا عدل)) أو ((ذوي
عدل))، قلنا: هذا لم يصح ولا جرى له ذكر في الأحاديث الصحاح. فلا يحتجّ به، أو يحمله
على الاستحباب لئلا تضيع على صاحبها عند الورثة، أو لئلا يحمله الشيطان على إنكارها، فإذا
أشهد قطع الوجهين.
(١) أخرجه البخاري في: ٤٥ - كتاب اللقطة، ٩ - باب إذا جاء صاحب اللقطة بعد سنة ردّها إليه،
حديث رقم ٧٨. وأخرجه مسلم في: ٣١ - كتاب اللقطة، حديث رقم ٧.

١١١
کتاب الأحكام/ باب ٣٥
قَالَ أخْمَدُ: أصّحُّ شيءٍ في هذا البَابِ، هذا الحَدِيثُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ.
وَالْعَمَلُ على هذا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيَِِّ ﴿ وَغَيْرِهِمْ، وَرَخّصُوا في
اللُّقَطَةِ إِذَا عَرَّفَهَا سَنَّةً فَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا، أنْ يَنْتَفِعَ بِهَا، وَهُوّ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأحْمَدَ
وَإسْطَقَ.
وَقَالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيَِِّ ﴿ وَغَيْرِهِمْ: يُعَرِّفُهَا سَنَّةً، فَإِنْ جَاءً
صَاحِبُهَا وَإِلاَّ تَصَدِّقَ بِهَا.
وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبَارَكِ، وَهُوَ قَوْلُ أهْلِ الكُوفَةِ، لَمْ يَرَوْا
لِصَاحِبِ اللُّقَطَّةِ أنْ يَنْتَفِعَ بِهَا إذَا كَانَ غَنِيًّا.
وَقَالَ الشّافِعِيُّ: يَنْتَفِعُ بِهَا وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا، لأَنَّ أَبِيِّ بْنَ كَعْبٍ أَصّابٌ على عَهْدِ رَسُولٍ
اللّهِ وَهِ صُرَّةً فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ، فَأَمْرَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ أنْ يُعَرِّفَهَا ثُمّ يَنْتَفِعَ بِهَا، وَكَانَ أَبِيِّ
كَثِيرَ المَالِ، مِنْ مَيَاسِيرٍ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللَّهِ لَ، فَأَمَرَهُ النَّبِيِّ وَّهِ أَنْ يُعَرِّفَهَا، فَلَمْ يَجِدْ
مَنْ يَعْرِفُهَا، فَأُمَرَهُ النَّبِيُّ ◌َ﴿ أَنْ يَأْكُلَهَا، فَلَوْ كَانَتِ اللَّقَطَةُ لَمْ تَحِلَّ إلاَّ لِمَنْ تَحِلُّ لَهُ
الثالثة: إذا لم يشهد فتلفت على صاحبها من قبل غيره لم يضمن، وبه قال الشافعي، وقال
أبو حنيفة: يضمن، ورُويّ عن مالك أنه يضمن إذا لم يوجد في تركه وجه يَفِي الضمان أنها
أمانة، فلا يلزم الإشهاد عليها كالوديعة، ووجه الضمان أن الوديعة رضي صاحبها بأمانته واللقطة
لم يحضر صاحبها فوجب التحصين له، قلنا: نعم، ولكن لا يتعيّن التحصين له بالإشهاد، ولكن
يكتب عليها حالها أو يشهر بها، وإلا فيكون مضيعًا، وكذلك الوديعة إن لم يكتب عليها وإلا
ضمنها، لأنه إذا مات لا بدّ من سبيل إليها تعلم به، لئلا تضيع لصاحبها.
الرابعة: قوله: (ولا يكتم الشهادة) إلى أن يظهر جميع أوصافها بالبيان عنده والإشارة
باسمها مطلقًا، بأن يقول: مَن ضاعت له بضاعة أو ثوب ويذكر الجنس المطلق على خلاف فيه،
فإن كتمها ولم ينشرها فهو غالٍ إلا أن يخاف عليها من السلطان، وينبغي له إن اطّلع السلطان
عليها أن يظهر إن طولب سواها أو بعضها، فإن غلب الخوف فلا يأخذها بحال والله وليّ
حفظها .
الخامسة: ينادي عليها في أبواب المساجد والأسواق والمجتمعات سنة في رواية، لا أدري
قالها مرتين أو ثلاثًا، وفي الصحيح عن أبني: ثلاثة أحوال، ورُواة العام أكثر وأعدل، والإجماع
عليه أكثره ومَن يبكِ حولاً كاملاً فقد اعتذر. وليس بعد الحول عدد يتحدد وينحصر بمفهوم
يتعلق بالمعنى المراد، بل الأربعة إليه أقرب كما قالوا في المفقود.

١١٢
کتاب الأحكام/ باب ٣٥
الصَّدَقَّةُ، لَمْ تَحِلَّ لِعَلِيِّ بْنِ أبي طالِبٍ، لأنَّ عَلِيِّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أصَابَ دِينَارًا على عَهْدٍ
النَّبِيِِّ﴿ فَعَرَّفَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهُ، فَأَمَرَهُ النَّبيَِِّ بِأَكْلِهِ، وَكانَ لاَ يَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ.
وَقَدْ رَخّص بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، إِذَا كانَتِ اللُّقَطَّةُ يَسِيرَةٌ، أنْ يَنْتَفِعَ بِهَا وَلاَ يُعَرِّفَهَا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إذا كَانَ دُونَ دِينَارٍ يُعَرِّفُها قَدْرِ جُمْعَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ.
السادسة: وقوله: (فإن جاء صاحبها فأدِّها إليه) بماذا يعرف أنه صاحبها؟ قال في حديث
آخر: ((فعرف عددها ووكاءها ووعاءها فادفعها إليه))، وفي رواية: ((عفاصها)»، وقد يسمى به ما
يستر به رأس الوعاء، ورُوِيّ: ((فإن جاء باغيها))، أي طالبها، وإنما يعرف أنه صاحبها بما عرفه
به صاحب الشريعة، وهو معرفته بصفاتها، ولذلك قال له: ((اكتم)) أنه إن أشادها بالصفات ادعاها
مَن لا يعلمها. واختلف في وجه العلم فقيل: العفاص والوكاء، قاله مالك، وقيل: والعدد، قاله
ابن القاسم وأشهب، وقيل: والسكة، قاله ابن شعبان. وقال أشهب: إن عرف الوكاء أجزأه
ويحلف، وقيل: يحلف ولو ذكر الكل، هذا كله مذهب الأصحاب، وقد رأى ابن عبد الحكم
أن لو أخطأ في عشر الصفة لم يستحقّها، والذي أراه أمران: أحدهما: أنه إن عرف العدد والوزن
والسكة وهي الباطن كفاه، وإن عرف الظاهر الذي قال النبي # كفاه، وإذا أُعطيت له بمعرفة
الظاهر فمعرفة الباطن أبين في الدفع له من طريق الأولى، فإن قيل: إنه لا يدفع إليه إلا بمعرفة
الثلاثة الأوصاف الثابتة في الحديث الصحيح فهو الحق.
السابعة: إن لم يأتٍ صاحبها أكلها أو خلطها في ماله لقوله: ((فاخلطها بمالك)»، وشأنك
بها في كتاب أبي داود: ((فأحصها في مالك، وهو اخلطها بعينه، وفي رواية: ((ذلك مال يؤتيه الله
مَّن يشاء»، وهذا عامّ في الغني والفقير كالوديعة، فإن قيل: لمّا علقت بالحول اختلف فيها حال
الغني والفقير كالزكاة، قلنا: الزكاة ربطت بالحول لإظهار حق الآخذ وهو الفقير المستحق، فلم
يظهر فكانت لصاحب اليد بقول صاحب الشرع، وقال ابن شعبان: تكره للفقير، وقال ابن
وهب: إن كان كثيرًا، وقال ابن القصار: تكره الغني والفقير، وفي المدوّنة: يأكلها الغني والفقير
وهو الصحيح، فقد كان أَبيّ من المياسير، وكان عليّ لا تحلّ له الصدقة، وفي ذلك كلام طويل
بيتاه في شرح النیرین.
الثامنة: ما له قدر مما يطلب في العادة يعرف، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة وبعض
الشافعية: يعرّف ما زاد على دينار ولا يعرف دينارًا لحديث عليّ، قلنا: لم يعلم به النبي 858*
حتى أكله، ولم يبيِّن له حتى جاء مستحقه، فكانت الحال كلها في فور واحد، وقد أطلق
النبي * القول ولم يستفصل في القدر ولا في صفة الأخذ، هل يكون غنيًّا أو فقيرًا؟ ولو كان
الحكم يختلف لما أطلق، وإنما خصّ فيه النبي 83# اليسير وما لا يبقى حتى يفسد بالعادة
والعرف.

١١٣
کتاب الأحكام/ باب ٣٥
١٣٧٤ - حقثنا الحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الخَلاَّلُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَيَزِيدُ بْنُ
هَارُونَ، عَنْ سُفْيَانَ الثّوْرِيِّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ
زَيْدِ بْنِ صُوْحَانَ وَسَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ. فَوَجَدْتُ سَوْطًا (قَالَ ابْنُ نُمَيْرِ فِي حَدِيثِهِ: فَالْتَقَطْتُ
سَوْطَا فَأَخَذْتُهُ). قَالا: دَعْهُ. فَقُلْتُ: لاَ أَدَعُهُ، تَأْكُلُهُ السِّبَاعُ، لِآَخُذَنَّهُ فَلْأَسْتَمْتِعَنَّ بِهِ.
فَقَدِمْتُ على أَبَيِّ بْنٍ كَعْبٍ، فَسَألْتُهُ عَنْ ذلِكَ، وَحَدَّثْتُهُ الحَدِيثَ. فقَالَ: أحْسَنْتَ. وَجَدْتُ
على عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ وَّهِ صُرَّةَ فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ، قَالَ، فَأَتَيْتُهُ بِهَا. فَقَالَ لِي: («عَرِّفْهَا حَوْلاً)»
فَعَرَّفْتُهَا حَوْلاً فَمَا أَجِدُ مَنْ يَعْرِفُهَا؛ ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ: ((عَرِّفْهَا حَوْلاً آخَرَ)) فَعَرَّفْتُهَا ثُمَّ
أَتَيْتُهُ بِهَا. فَقَالَ: ((عَرِّفْهَا حَوْلاً آخَرَ)). وَقَالَ: ((أخْصِ عِدَّتَهَا وَوِعَاءَهَا وَوِكَاءَهَا، فإنْ جَاءَ
طَالِبُهَا فَأَخْبَرَكَ بِعِدَّتِهَا وَوِعَائِهَا وَوِكَائِها فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ، وَإلاَّ فَاسْتَمْتِعْ بِهَا (١).
التاسعة: لو ردها بعد أخذها إلى موضعها ضمن عند الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا
يضمن، ولأصحابنا تفصيل كان فيه أشهب مع أبي حنيفة وأبي القاسم مع الشافعي، وزاد عليه
بأن قال: إن رذها بالقرب لم يضمن، وقال مالك: ١: أخذها وينظرها ليترآى فيها وردّها لا
ضمان عليه، فهي أربعة أقوال، وجه الضمان أنه أخرجها عن حفظ وأمانة إلى مضيعة، فلزمه
الضمان، وهذا إذا التزم حفظها كما قال مالك، وهو معنى قول ابن القاسم بالقرب، ووجه من
قال إنه لا يضمن أنها أمانة ردها إلى موضعها الذي أخذها منه، فلم يضمن كالوديعة إذا ردها من
حيث أخذها، قلنا: الوديعة ردّها من أمانته إلى أمانة جعلها له، وهذا يردّها من أمانة وحفظ إلى
مضيعة كان يجب عليه الأخذ منها، أو يستحب أو يباح أو يكره، وقد اختلف في تفصيل ذلك،
وهي:
العاشرة: قال الشافعي: إن كان الملتقط أمينًا وجب عليه أخذها، لأنه مَن أُجيز له أخذ
مال الغير للحفظ، ضمن إن ترك كالوصي والحاكم، ووجه أنها لا تجب أنها أمانة فلا يلزم
أخذها كالوديعة، وقد تقدم الكلام فيها أيضًا ووجه الكراهية في الأكل تعارض الأدلة كما كره
مالك الأخذ لتعارض الخواطر وطول الأمد واختلاف الأحوال.
الحادية عشر: إذا أكلها وجاء صاحبها ضمنها له، لأن عليًّا ضمن لصاحب الدينار ديناره،
ولم أجد في ذلك خلافًا لأحد المسلمين لا في كتب عبد الوهاب الأشراف وغيره، ولا في
كتاب طالعته والله أعلم. وفي البخاري ومسلم: ((فإن لم تعرف فاستنفقها، فإن جاء صاحبها
فأدّها إلیه)).
(١) أخرجه البخاري في: ٤٥ - كتاب اللقطة، ١ - باب إذا أخبره رب اللقطة بالعلامة، حديث رقم
١١٩٦. وأخرجه مسلم في: ٣١ - كتاب اللقطة، حديث رقم ٩.

١١٤
کتاب الأحكام/ باب ٣٦
قالَ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
٣٦ - باب في الوَقْفِ
[المعجم ٣٦ - التحفة ٣٦]
١٣٧٥ - هقدنا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ. أنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ
نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: أصَابَ عُمَرُ أرضًا بِخَيْبَرَ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أصبْتُ مَالاً
الثانية عشر: إن دفعها بالأمارة ثم جاء صاحبها غيره بالبيّنة أولى وتأخذ من يد ذلك فتدفع
إليه، فإن أتلفها ذلك ضمنها، ولا يلزم الملتقط شيئًا لأنه دفع بحق، وقال الشافعي: يضمن،
لأنه دفعه لغير مالكه، قلنا له: ومَن يعلم ذلك؟ كما يجوز أن يدفعها ذلك لغير صاحبها كذلك
هذا يحتمل أن يكون شهدوا لغير صاحبها، وقد فعل ما أمر به الشرع.
الثالثة عشر: فلو تصدّق بها، قلنا: إن وجدها صاحبها بأيدي المساكين أخذها، وإن
باعوها أخذها، ورجع المبتاع على المساكين، وفي ذلك اختلاف وتفصيل، قال الشافعي: كما لا
يجبر على دفعها إذا جاء بالصفة، كذلك يضمن إذا جاء صاحبها، قلنا: لا نسلم بل يجبر على
ذلك.
الرابعة عشر: قوله: (أو لأخيك أو للذئب) قال مالك: يأكلها من غير تعريف ولا تعرف
ولا عزم إذا وجدها بأرض مضيعة، وقال سائر الفقهاء: يأكلها بشرط الضمان لصاحبها، قلنا:
كما لم يذكر التعريف ولا الأجل وجعلها له أو لأخيه، يعني: صاحبها، أو للذئب، صيّرها بهذا
القول كالمباح، فهو لمَن وجده، أو التالف فهو لمّن أحياه، وقد روى أبو داود: ((مَن أُحيى
حسيرًا فهو له)) بمعناه، واختلف قول مالك فيه، والصحيح أن ذلك كله لواجده، والشاة كالسوط
يأخذه ولا يعرفه، كما روى أبو عيسى في السوط: ((لا أدعه تأكله السباع)).
الخامسة عشر: قال فضالة الإبل: فغضب ونهاه وقضى مع الغضب، وقد تقدم جوابه فلا
يجوز التقاطها، والبقر مثلها لوجود العلّة فيها، وكذلك الطير، وقال أبو حنيفة: يجوز قياسًا على
الغنم وبعّة أنها ضالّة وحفظها متعيّن، قلنا: القياس مع وجود النص باطل، وقد فرّق النبي 103
تفريقًا، لا يحلّ لمسلم أن يجمع حيث فرق، وكل رواية سوى هذا يردها الخبر فلا يلتفت إلى
ذلك .
باب الوقف
ذكر حديث عمر. وقد غلط في هذه المسألة أبو حنيفة ورأى أن الحبس باطل، لأنه قطع
الميراث الذي أحكم الله في الأملاك، وقد غلبه الحق بوجهين: أحدهما: ما قال العالِم المحقّق

١١٥
کتاب الأحكام/ باب ٣٦
بِخَيْبَرَ، لَمْ أُصِبْ مَالاً قَطْ أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ. فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: ((إنّ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا
وَتَصَدَّقْتَ بِهَا)) فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ، أَنَّهَا لاَ يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلاَ يُوهَبُ وَلاَ يُورَثُ. تَصَدِّقَ بِهَا في
الفُقَرَاءِ وَالقُرْبَى وَالرِّقَّابِ وفي سَبِيلِ اللَّهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالضَّيْفِ. لاَ يَجْنَاحَ على مَنْ وَلِيَهَا
أنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالمَعْرُوفِ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا، غَيْرَ مُتَمَوْلٍ فِيهِ(١).
قَالَ: فَذَكَرْتُهُ لِمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ فَقَالَ: (غَيْرَ مُتَأَثْلٍ مَالاً).
قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: فَحَدْثَنِي بِهِ رَجُلٌ آخَرُ أَنَّهُ قَرَأَهَا في قِطْعَةِ أدِيم أحْمَرَ (غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ
مَالاً).
قَالَ إِسْمَاعِيلُ: وَأَنَا قَرَأْتُهَا عِنْدَ ابْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَكانَ فِيهِ (غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ
مَالاً).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ على هذا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ مِنْ
أصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ وَغَيْرِهِمْ. لاَ نَعْلَمُ بَيْنَ المُتَّقَدْمِينَ مِنْهُمْ في ذلِكَ اخْتِلافًا، في إِجَازَةٍ
وَقْفِ الأَرَضِينَ. وَغَيْرِ ذلِكَ.
١٣٧٦ - عقدنا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ العَلاَءِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: ((إِذَا مَاتَ
الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمِلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثِ: صَدَقَةْ جَارِيَةٌ. وَعِلْمٌ يُنْتَفْعُ بِهِ. وَوَلَدْ صَالِحٌ يَدْعُو
لهُ)) (٢).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
مالك لأبي يوسف صاحبه حين أنكر الحبس: هذه أحباس رسول الله 18 وأحباس أصحابه
بالمدينة. الثاني: مناقضته حين قال: يجري الحبس في القناطير والمساجد والمقابر. وإن قطعت
الميراث وكانت على مجهول، ولا كلام لهم بعد هذا.
(١) أخرجه البخاري في: ٥٤ - كتاب الشروط، ١٩ - باب الشروط في الوقف، حديث رقم ١١٥٣.
وأخرجه مسلم في: ٢٥ - كتاب الوصية، حديث رقم ١٥.
(٢) أخرجه مسلم في: ٢٥ - كتاب الوصية، حديث ١٤. وأخرجه أبو داود في: ١٧ - كتاب الوصايا،
١٤ - باب ما جاء في الصدقة على الميت، حديث رقم ٢٨٨٠.

١١٦
كتاب الأحكام/ باب ٣٧
٣٧ - باب مَا جَاءَ في العَجْمَاءِ جُرْحُهَا جُبَارٌ
[المعجم ٣٧ - التحفة ٣٧]
١٣٧٧ - عقثنا أحمَدُ بْنُ مَنِيع. حَدِّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ،
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ((العَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ. وَالبِتْرُ جُبَارٌ. وَالمَعْدِنُ
جُبَارٌ. وفي الرِّكَازِ الخُمُسُ))(١).
حَدْثَنَا قُتَيْبَةُ. حَذْثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبٍ وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ
أبي هُرَيْرَةً، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ، نَحْوَهُ.
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ جَابِرٍ، وَعَمْرِو بْنِ عَوْنِ بْنِ عَوْفِ المُزَنِيِّ، وَعُبَادَةً بْنِ
الصَّامِتِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أبي هُرَيْرَةٌ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ.
حَدَّثَنَا الأنْصَارِيُّ عَنْ مَعْنٍ، قَالَ: أَخْبَرَنا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ.
وَتَفْسِيرُ حَدِيثِ النَّبِيِّ ◌َ (الْعَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبارٌ) يَقُولُ: هَدَرٌ لا دِيَةً فِيهِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَمَعْنَى قَوْلِهِ: (العَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبّارٌ) فَسَّرَ ذلِكَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ
قَالُوا: العَجْمَاءُ الدَّابَّةُ المُنْفَلِتَةُ مِنْ صَاحِبِهَا. فَمَا أَصّابَتْ في انْفِلاَتِهَا فَلاَ غُرْمَ على
صَاحِهَا. (وَالمَعْدِنُ جُبَارٌ) يَقُولُ: إِذَا اخْتَفَرَ الرَّجُلُ مَعْدِنًا فَوَقَعَ فِيهَا إِنْسَانٌ فَلاَ غُرْمَ عَلَيْهِ.
وَكَذلِكَ الِثْرُ إِذَا اخْتَفَرَهَا الرَّجُلُ لِلسَّبِيلِ، فَوَقَعَ فِيهَا إِنْسَانٌ فَلاَ غُرْمَ على صَاحِبهَا. (وَفي
باب جرح العجماء
ذكر حديث (أبي هريرة ((العجماء جبار))) المشهور إلى آخره.
وهو أصل في الدين وليس في إسناده مقال، وسيدخل غريبه في فقهه وأحكامه، وذلك في
مسائل:
الأولى: قوله العجماء
(٢)
(١) أخرجه البخاري في: ٢٤ - كتاب الزكاة، ٦٦ - باب في الركاز الخمس، حديث رقم ٨٠٢. أخرجه
مسلم في: ٢٩ - كتاب الحدود، حديث رقم ٤٥.
(٢) بياض بالأصل.

١١٧
کتاب الأحكام/ باب ٣٨
الرِّكَّازِ الخُمُسُ) وَالرِّكَازُ: مَا وُجِدَ في ◌َفْنٍ أهْلِ الجَاهِلِيَّةِ. فَمَنْ وَجَدَ رِكَازًا أدَّى مِنْهُ
الخُمُسَ إلى السُّلْطَانِ. وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَّهُ.
٣٨ - باب مَا ذُكِرَ في إحْيَاءِ أَرْضِ المَوَاتِ
[المعجم ٣٨ - التحفة ٣٨]
١٣٧٨ - حقّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ. أخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ
هِشَامِ بْنِ عُزْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ النَّبِّ ◌َِ﴿ قَالَ: ((مَنْ أَحْيَى أَرْضًا مَّيْتَةً
فَهِيَ لَّهُ. وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ»(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةً،
عَنْ أَبِهِ، عَنِ النِّيِّ وَّهُ مُرْسَلاً.
باب إحياء المَوَات
إن الله سبحانه خلق لنا الأرض وما فيها جميعًا بقوله: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض
جميعًا﴾ [البقرة: ٢٩] فجعل ظهرها موطئًا وقرارًا، وجعل شربنا ما أودع فيها عيونًا وآبارًا، وقدّر
فيها أقواتها، وأنزل من خزائنه من كل شيء ما قاتنا وهيّأها لانتفاعنا، ووهبنا الأصول وعرّفنا
تصريفها في الجملة والتفصيل، وأفاض في وجه الأرض بركات الازدراع والغرس، وصار ذلك
مشاعًا في الأصل بين جميع الخلق، ثم هيّأ أسباب الملك والاختصاص، وحكم بأن مَن وضع
يده على شيء فهو أولى به، ثم لا ينتقل عنه إلا بأسبابه الموضوعة لنقله وطرقه، وقال
النبي : (مَنْ أحيى أرضّا مية فهي له، وليس لعرق ظالم حق) وصحّح في الصحيح الموطأ،
وزاد فيه النسائي: ((في غير حق مسلم فهو له وساق))، الحديث، وقال: ((موتان الأرض لله
ولرسوله ثم هي لكم مني أيها المسلمون)»، صحيح. وروى أبو داود عن سمرة عن النبي نزَلوله
قال: ((مَن أحاط حائطًا على أرضي فهي له)).
غريبه: الأرض الميتة هي التي لا تنبت. والموات فعال، وأكثر ما يستعمل في الجمادات،
وهو منقول من الميت الذي لا منفعة عنده، أو موضوع معًا ولكل واحد معناه. وموتان فعلان
منه. وفي بعض الآثار عادي الأرض يعني الذي يجاوز حدّ الحاجة.
(١) أخرجه أبو داود في: ١٩ - كتاب الخراج والإمارة والفيء، ٣٧ - باب في إحياء الموات، حديث
رقم ٣٠٧٣.

١١٨
كتاب الأحكام/ باب ٣٨
وَالعَمَلُ على هذا الحَدِيثِ عِنْدَ بَعْضٍ أَهْلِ العِلْمِ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدٍ وَإِسْحَقَ. قَالُوا:
لّهُ أنْ يُخْبِيَ الأرْضَ المَوَاتَ بِغَيْرِ إِذْنِ السُّلْطَانِ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ لَهُ أنْ يُخْبِهَا إِلاَّ بِإِذْنِ السُّلْطَانِ.
وَالْقَوْلُ الأوَّلُ أُصَحُ.
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ جَابِرٍ وَعَمْرِو بْنِ عَوْفِ المُزَنِيِّ، جَدِّ كَثِيرٍ وَسَمُرَّةً.
حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الوَلِيدِ الطَّيَالِسِيِّ عَنْ قَوْلِهِ :
(وَلَيْسَ لِعِزْقٍ ظَالِمٍ حَقُّ) فَقَالَ: العِزْقُ الظَّالِمُ: الغَاصِبُ الذي يَأْخُذُ مَا لَيْسَ لَهُ.
قُلْتُ: هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي يَغْرِسُ في أَرْضٍ غَيْرِهِ؟ وَقَالَ: هَ ذَاكَ.
١٣٧٩ - هقثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ. حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ هِشَامِ بْنِ
عُزْوَةً، عَنْ وَهْبٍ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((مَنْ أَخْيَى
أرضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ﴾(١).
الفقه: في مسائل:
الأولى: إحياؤها يكون بإحداث منفعة فيها من قلع شعرى أو حفر أو تحريق بحائط وهو
ابتداؤه، ولا يقف الحكم على انتهائه فهذا حكم يتعلق بابتداء الأسماء ضرورة، والأحكام
المعلقة على الأسماء على ثلاثة أضرب: حكم يتعلق بكله كالحنث، وحكم يتعلق بجزء منه
كالإحياء، وحكم يتعلق بما يستقل به العمل فيأخذ بعض متناولاته، وقد تقدم في الحديث ما
يشهد له آنفًا.
الثانية: قال علماؤنا: الموات على قسمين: موات يتشاح الناس فيه لقربه من العمران،
وموات لا يتعلق به بال أحد، فالذي لا تشاح فيه من أحياء كان له بغير إذن الإمام، وما فيه
تشاح وازدحام غرض لم يكن بدَّ من إذن الإمام فيه. وقال الشافعي: لا يفتقر إلى الإذن في
الوجهين، وقال أبو حنيفة: لا بدّ من إذنه في الموضعين، وقال أبو يوسف: لا يجوز إحياء ما
قرب من العمران وإن لم تكن فيه منفعة لأحد إلى مدى صوت، واعتمد الشافعي على مطلق
الحديث، واعتمد أبو حنيفة على ظاهر المعنى، فقال: إن الأرض مشتركة بين المسلمين لقول
النبي : ((ثم هي لكم مني))، وما كان مشتركًا لم يختصّ به أحد إلا بإذن من له الإذن
(١) لم يخرجه من أصحاب الكتب الستة أحد سوى الترمذي.

١١٩
كتاب الأحكام/ باب ٣٩
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
٣٩ - باب مَا جَاء في القَطَائِعِ
[المعجم ٣٩ - التحفة ٣٩]
١٣٨٠ - قَالَ: قُلْتُ لِقُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ: حَدَّثَكُمْ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ قَيْسِ المَأْرِبِيُّ.
حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ ثُمّامَةَ بْنِ شُرَاحِيلَ، عَنْ سُمَّيِّ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ سُمِيْرٍ، عَنْ أبْيَضَ بْنِ
حَمَّالٍ؛ أَنَّهُ وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿َ، فَاسْتَقْطَعَهُ المِلْحَ، فَقَطْعَ لَهُ. فَلَمَّا أنْ
كالغنيمة، وهذا ينكس بالحشيش والحطب، وجواب آخر: أن الذي صيّرها للمسلمين قال لهم
سبب ملكها: ((مَن أحياها فهي له»، وأما الفرق بين قريب العمران وبعيده فعوّل علماؤنا على أنه
يؤدي إلى الخصومة بأن يقول هو بقرب ملكي فأحتاج إليه لمنفعتي، يقال لهم: إن كان لأحد فيه
حق انتفاع أو ارتفاق فلا كلام فيه، وإنما القول فيما لا حقّ فيه لأحد بالوجهين، فسواء كان قريبًا
أو بعيدًا من العمران لم يفتقر فيه إلى إذن، وهو قول أشهب، وأما قول أبي يوسف في الصوت،
إنما عوّل فيه على أحد وجهين: إما أن الجاهلية كانت تحمي نبحة كلب وهذا لا يعوّل عليه،
فإنه فعل جهل في جاهلية بغير أصل، وإما على مدى صوت المؤذِّن في الجمعة الذي يلزم
الإقبال إلى الجماعة والجمعة عند سماعه، وذلك لا معنى له، لأن الاعتبار في الجمعة بإجابة
الداعي فكانت على مَن بلغه الدعاء، وهلهنا إنما المراعى مقدار الحاجة فوقفت عليه، والكلام
مُستوفٍ في الإنصاف.
الثالثة: ما خرب بعد العمران فلا يخلو أن يبيد أهله أو تكون منهم باقية، فإن بادوا فقال
مالك والحنفي: هو لمَن جدّد إحياءه، وقال الشافعي: هو الأول. وإن لم يبد أهله فقال مالك:
هو لمّن جدّده، وقال الشافعي: هو لمّن كان له أيضًا بل أولى، قال الإمام الحافظ: وهذا أصل
طرده مالك حتى في الحيوان الوحشي يملك ويستأنس ثم يعود إلى وحشيته، وقد جعل الشافعي
مسألة الصيد أصلاً للأرض، فإذا منعه لهم المالكية لم يبقَ لهم معتمد، وجعل أصحاب مالك ماء
النهر إذا أخذ ملك، فإذا صبّ في النهر لم يملك، وهذا الأصل الذي اعتمده علماؤنا فاسد
جدًّا، لأن ماء النهر إذا أُعيد إليه لم يتعيّن ولا يتقدّر، فكيف يُقاس عليه مقدّر مخصوص
محصور معيّن، هذا من أفسد وجوه القياس، والمعتمد في ذلك إنما هو على بقاء الملك. أما
أن الصيد إذا توخّش فملكه إنسان بالاصطياد ثانيًا أقوى للمخالف من الأرض، والقول فيه
مبسوط في مسائل الخلاف.
باب القطائع
ذكر حديث (أبيض بن حمال أنه وفد إلى رسول الله 18 فاستقطعه الملح فقطع له فلما أن

١٢٠
کتاب الأحكام/ باب ٣٩
وَلَّى قَالَ رَجُلٌ مِنَ المَجْلِسِ: أَتَذْرِي مَا قَطَعْتَ لَهُ؟ إنّما قَطعْتَ لَهُ المَاءَ العِدَّ. قَالَ:
فَانْتَزَعَهُ مِنْهُ. قَالَ: وَسَأَلَهُ عَمَا يُحْمَى مِنَ الأَرَاكِ؟ قَالَ: مَا لَمْ تَتَلْهُ خِفَافُ الإِلِ.
فَأَقَرَّ بِهِ قُتَنِيَةُ، وَقَالَ: نَعَمْ (١).
حَدَّثَنَا ابْنُ أبي عَمْرٍو. حَدِّثَنَا مُحَمِّدُ بْنُ يَخْيَى بْنِ قَيْسِ المَارِبِيِّ، بهذا الإسْنَادِ،
نحوَهُ.
المَأْرِبُ: نَاحِيَّةٌ مِنَ الْيَمَنِ.
قالَ: وفي البَابِ عَنْ وَائِلٍ وَأَسْمَاءَ بِئْتِ أبِي بَكْرٍ .
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أبْيَضَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَالعَمَلُ على هذا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ
مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ :﴿ وَغَيْرِهِمْ، في القَطَائِعِ. يَرَوْنَ جَائِزًا أَنْ يُقْطِعَ الإِمَامُ لِمَنْ رَأَى
ذلِكَ.
١٣٨١ - عقدنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ. حَدَّثَنَا أَبُو داوُدَ. أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمّاكٍ
قَالَ: سَمِعْتُ عَلْقَمَةَ بْنَ وَائِلٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ؛ أنَّ النّبِيَّ وَ لَ أَقْطَعَهُ أَرْضًا
بِحَضْرَمَوْتَ(٢).
قَالَ مَحْمُودٌ: أخْبَرَنَا النَّضْرُ عَنْ شُعْبَةً، وَزَادَ فِيهِ (وَبَعَثَ لَهُ مُعَاوِيَةً لِيُقْطِعَهَا إِيَّهُ).
ولّى قال رجل من المجلس أتدري ما قطعت له إنما قطعت له الماء العِدَّ قال فانتزعه منه قال
وسأله عمّا يحمي من الأراك فقال ما لم تنله خفاف الإبل). وذكر عن (علقمة بن وائل عن أسه
أن النبي ## أقطعه أرضًا بحضرموت وبعث معه معاوية ليعطيها له) حسن صحيح.
الإسناد: روى مالك في الموطأ مرسلاً أن رسول الله # أقطع لبلال بن الحارث معادن
القبيلة من ناحية القرم، قبال المعادن لا يؤخذ منها إلى اليوم إلاّ الزكاة. فهو وإن كان مرسلاً
لكنه يسند بنقل متواتر وتعيين يقيني ومعرفة بها وبصفتها مقطوع بها.
(١) أخرجه أبو داود في: ١٩ - كتاب الخراج والإمارة والفيء، ٣٦ - باب في إقطاع الأرضين، حديث
رقم ٣٠٦٤.
(٢) أخرجه أبو داود في: ١٩ - كتاب الخراج والإمارة والفيء، ٣٦ - باب في إقطاع الأرضين، حديث
رقم ٣٥٥٨.