Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
كتاب البيوع/ باب ٦٥
يريد عقابه، وأن يرفع عنه تماديه إن كان أنزله به، ويشترط ألا يكون متعلق إرادته عذاب
واجب، فإن ما تعلق به وصف الإرادة لا بدّ من وقوعه على وجه تعلق الإرادة به وغفران
الذنوب أصل الدين إما بالموازنة أو بالطول المحض، وقد بيّاه في التفسير الكتاب والسُّنّة فليُنظَر
هناك .
باب إذا اختلف المتبايعان
خرج عن (ابن مسعود قال رسول الله #: ((إذا اختلف المتبايعان فالقول ما قال البائع))).
قال أبو عيسى: عون بن عبد الله والقاسم بن عبد الرحمن روياه عن ابن مسعود.
الإسناد: قال ابن العربي: وأدخله مالك أنه بلغه عن ابن مسعود لهذا الانقطاع، أخبرنا
القاضي أبو الحسن القرافي، أخبرنا الحومي، أخبرنا النيسابوري، أخبرنا محمد بن إدريس، أبو
حاتم الرازي، حدّثنا عمر بن حفص بن غياث، حدّثنا أبو عيسى، حدّثنا عبد الرحمن بن محمد
الأشعث، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال عبد الله: سمعت رسول الله* يقول: ((إذا اختلف
المتبايعان وليس بينهما بيّنة فهو ما يقول ربّ السلعة أو يتركها)). وأخبرنا أبو الحسين الحنبلي،
أخبرنا القاضي الطبري، أخبرنا الدارقطني، حدّثنا محمد بن مخلد، حدثنا العباس بن محمد،
حذّثنا أبو محمد بن صاعد إملاء وغيره، حدثنا محمد بن سليم بن وارة، حدّثني محمد بن
سعيد بن سابق، حدّثنا عمر بن أبي قيس، عن عمر بن قيس، عن القاسم بن عبد الرحمن،
عن أبيه، قال: باع عبد الله بن مسعود سبيًا من سبي الإمارة بعشرين ألفًا يعني من الأشعث بن
قيس، فجاء بعشرة آلاف فقال: إنما بعتك بعشرين ألفًا وإني أرضى بذلك، فقال ابن مسعود: إن
شئت حدّثتك عن رسول الله ؟ قال: أجل، قال: قال رسول الله ﴾: ((إذا اختلف المتبايعان
بيعًا ليس بينهما شهود فالقول ما قال البائع أو يترادا البيع»، قال الأشعث: قد رددت عليك. فقد
اتصل بالصحيح والحمد لله، ورواه أبو داود فقال: من رقيق الجيش.
الفقه: في الأولى(١): تبايع ابن مسعود والأشعث بغير بيّنة، وقال النبي ◌َّر: ((إذا اختلفا
وليس بينهما شهود))، ولو كان البيع بغير بيّنة معصية لَمَا رتّب النبي# عليها حكمًا.
الثانية: قال: إن الأشعث وعبد الله اختلفا فما تنازعا ولا تكاذبا ولا تشاررا، وإنما تناكرا،
فالشرّ ما ألحق فعل العقلاء الديّانين.
الثالثة: قال: (إذا اختلف البيعان فالقول ما قال البائع) قال العلماء: هذا الحديث جارٍ على
الأصل الممهّد في الشريعة من قوله: ((البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر»، وإنكاره هو
(١) يعني: في المسألة الأولى.

٢٢
كتاب البيوع/ باب ٦٥
نفيه لبيعه سلعته بالعشرة آلاف، وإن كان مدّعيًا لعشرة آلاف على المشتري لكن بسبب سلعته
وهو يدعى شغل ذمة المشتري بعشرة آلاف، فصار منكرًا مدّعيًا، فأما دعواه فلمالك السلعة
بعشرة آلاف، وأما إنكاره فللعشرة آلاف الثانية، فصار كل منكر مدّعيًا، ولكن أصل الإنكار
للبائع، فإن كانت السلعة قائمة فلا خلاف بينهما في العلم أنهما يتحالفان ويتفاسخان، فإن هلكت
السلعة فقال الشافعي: يتحالفان، وإن كانت السلعة تابعة فقال أبو حنيفة: القول قول المبتاع،
وعن مالك روايتان كالمذهبين، هذا أصل المسألة في مسائل الطبل(١). ولكونها مهمة أمد النفس
فيها قليلاً، فأقول: لها صور ثلاثة: أحدها: أن يختلفا في الثمن، الثانية: أن يختلفا فيهما وعليها
في كل صورة خلاف. ويتفرّع الكلام إلى ستة وجوه عند الناس فيها نقض. الأول: قال مالك
في الموطأ: يتحالفان ويتفاسخان مطلقًا، ولم يزد. وعلى ذلك دار قول ابن حبيب. الثاني: إن
كان قبل القبض فالحكم كذلك، وإن كان بعد قبض السلعة من البائع فالقول قول المشتري، رواه
ابن وهب عن مالك، وهو قوله الأول، ثم رجع إلى رواية ابن القاسم. الثالث: أنهما يتحالفان
ما لم تفت السلعة، فإن فاتت بنقصان أو زيادة في وصف أو أصل أو طول زمان في العقار، قال
ابن القاسم عنه: القول قول المشتري، واختلفت الرواية عن أبي حنيفة، فقيل كذلك عنه، وقال
آخرون إنهما يتحالفان أبدًا ويتفاسخان، قامت السلعة أو فاتت، ويجري ذلك إذا فاتت القيمة،
قاله الشافعي وأشهب وغيرهما. الرابع: قال زفر: إن اختلفا في قدر الثمن فالقول قول
المشتري، وإن اختلفا في جنسه تحالفا. الخامس: القول قول المشتري على كل حال، قاله أبو
ثور، وهو الذي يسمع من أبي حنيفة، القياس يقتضي إذا اختلفا في قدر الثمن أن يكون القول
للمشتري، إلا أني قلت: يتحالفان استحسانًا لحديث ابن مسعود. السادس: في تفصيل مَن قال
إنهما يتحالفان. اتفقوا على أنه يبدأ البائع، وروى مالك في العتبية أنه يبدأ المشتري. السابع (٢):
قال عبد الملك: القول قول مَن يدّعي في الثمن ما يشبه. وفي الباب تفريع طويل ولو ولجنا به
لطال المقام. الثامن: قال بعض التابعين: يقرع بينهم. الثانية(٣) في التوجيه. إن لم يصح حديث
ابن مسعود فالمسألة دائرة على حرف، وهو تحقيق المدّعي من المنكر، وما رأيت من يعرف
ذلك من أشياخي غير واحد وهو أزدشير الأكبر، وإذا حققت فكل واحد منهما مُدَّعٍ منكر، فمّن
سبق إلى الحاكم طالبًا فهو المدّعي، وإن توارد عليه فكل من رأى أنه يأخذ منه لصاحبه بالبيّنة
شيء فتعذّر قبضه بالثمن وعوضه منه فيحلفه، وإن صح حديث ابن مسعود فاليمين للبائع وهو
صحيح لا شك فيه عندي، فعليه فعوّلوا، وبالتخالف أقوال في هلاك السلعة وقيامها وقبضها،
(١) هكذا بالأصل.
(٢) ذكر في البداية أن هناك ستة وجوه، ثم هاهنا يورد وجهًا سابعًا ثم ثامنًا بعده.
(٣) هكذا بالأصل. والأرجح أنها الصورة الثالثة.

٢٣
كتاب البيوع/ باب ٦٥
وراعى في البداية باليمين للبائع أولى، ثم مّن تعذّرت عليه الدعوة بعد ذلك. وأما فصل القرعة
فليس عند الذي قال بها خبر من الأصول، القرعة حكم ضرورة ولا يكون إلا عند الإشكال فيما
لا سبيل إلى تخليصه بالنظر، وظن هذا الرجل أنها سائبة ولم يرَ ازدحام الظنون عليها ووقوع
التنازع فيها، فما فعله النبي منها كالقرعة بين النساء في السفر، فكيف أن يدخلها هو بقاصر النظر
فيما لا مدخل لها فيه، وقد حقّقنا مجاريها في أصول الفقه.
الثالثة (١): قول النبي وسلو: ((إذا اختلفا البيعان)» نص في أن المشتري بائع ردّ على أبي
حنيفة، وقد حقّقناه في مسألة (إذا أفلس المشتري) بالثمن في التخليص فليُنظّر فيه. فإن قيل: لمّا
أضافه إلى البائع سماه به القرآن(٢). قلنا: ها مجاز، فلم نعدل عن الحقيقة إلى المجاز في
مسألتنا إلا بدليل.
باب الخراج بالضمان
أدخل فيه حديث (عائشة أن النبي وفر قضى أن الخراج بالضمان)، وقال: إنه صحيح حسن
غريب، وأن البخاري نفى الريبة عنه حين سأله عنه. وذكره أبو عيسى من طريق مخلد بن
خفاف، عن عروة، وهو ضعيف من هذه الطريق عند البخاري وغيره. أخبرنا أبو الحسين
الأزدي، أخبرنا الطبري، أخبرنا الدارقطني، حدّثنا أبو بكر النيسابوري، حدّثنا محمد بن
عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي خديب، عن مخلد بن خفاف بن
إيماء بن رحضة الغفاري أن عبدًا كان بين شركاء فبايعوه ورجل من الشركاء غائب، فلما وفد أبى
أن يُجيز بيعه فاختصموا في ذلك إلى هشام بن إسماعيل، فقضى أن يرة البيع، وتبايعوه القوم
ويأخذ منه الخراج فيما مضى في السنين ألف درهم، قال: فبيع فيه غلامان له، قال فجئت إلى
عروة بن الزبير فذكرت له ذلك، فقال: حدّثتني عائشة أن رسول الله ولو قضى الخراج بالضمان،
فدخل عروة على هشام فحدّثه بذلك، فردّ بيع الغلامين وترك الخراج، قال البخاري: هذا
حديث منكر، وليس يرويه غير مخلد.
قال ابن العربي: هذا حديث مجمع على معناه في الجملة، وإن كنّا قد بيّنًا طريقة صحيحة
فيه كما تقدم، والخراج في العربية عبارة عن كل خارج من شيء وهو يعرف استعمالها، موضوع
فائدة طرأت على آخره، ويقول كثير من أهلها إنه مخصوص بالغلاة، والأمر كما ذكرته لكم،
وموضع الإجماع فيه أن الرجل إذا ابتاع بيعًا فاستغلّه واستخدمه، ثم طرأ فسخ على بيعه فإن له
ما استغل واستخدم، فما كان له ضامنًا من الأصل لو طرأ عليه تلف، ثم اختلفوا بعد
(١) هكذا بالأصل، وهي المسألة الرابعة من حيث الترتيب.
(٢) بياض بالأصل.

٢٤
کتاب البیوع/ باب ٦٥
(١) الأول أنتجت الغنم أو ولدت الماشية عند المشتري أو اغتلها فلا يرد شيء من
ذلك
ذلك عند الشافعي، وقال مالك: يردّ الأولاد خاصة، وقال أهل الرأي: يرد الدار والدابة والعبد
وله الغلة، وقالوا في الماشية والشجر: إذا أخذ غلّتها ليس له أن يردّ بالعيب ولكنه يأخذ الأشرّ،
وقال أبو حنيفة: يأخذ ذلك كله ويرة بالعيب.
الثانية(٢): إذا كانت جارية ثيّا فوطئها، قال أبو حنيفة: لا يرذها ويرجع ببقية العيب، وقال
الشافعي ومالك: يردّها ولا شيء عليه، وقال شريح: يرذها، وقال ابن يعلى: يرذها بمهر مثلها،
وقال مالك: إن كانت بكرًا رذها وما نقصها، ورُوِيّ عنه أنه لا يردّها ويرجع بما نقص من
الثمن، وقال الشافعي: لا يردّها ويرجع بما نقص من الثمن، كرواية مالك هذه.
الثالثة: هذا كله في الذي تكون له السلعة بيده بابتياع أو ثبت صحيح عن الملك، فأما
الغاصب فاختلف الناس فيه، فمنهم من حمله على الملك وجعل له الخراج بالضمان، ومنهم مَن
قطعه عنه وحكم عليه بردّ كل ما اغتل، واختلف علماؤنا فيها على خمسة أقوال، والحق أحق أن
يُقْبع، لا يجوز أن يلتحق مطيع بعاصٍ ولا ظالم بعادل، ولا حجة في عموم الحديث لأنه ليس
من قول النبي و98، وإنما هو إخبار عن قضية في عين فلا ترى حقيقة الحال لها، فإذا حصلت
على صورة بالإجماع لم تدخل تحتها أخرى إلا بالنظر، ولا نظر يلحق العاصي بالمطيع بحال،
وأما تفصيل الرد في وطء الجارية وأمر الثمرة والنتاج، فتلك فروع يقتضي ظاهر الحديث ردّه
بالعيب أو غيره، ولا يردّ عليه لا ولدًا ولا ثمرّا ولا سواه، ولكن يبقى النظر في وجوه أُخَر قد
بيّاها في مسائل الخلاف كلها، وليس هذا موضع التطويل بها، إذ لكل واحد مطلع في النظر،
فأما مطلع الشافعي فقد تقدم، وأما مطلع أبي حنيفة فقال: إن البيع قد بتّ الملك من أصله
وصار للمبتاع، فما حدث فهو ملك له، وقد أفاد وله فائدته، وقد فاته جزء من البيع فيأخذ
قسطه من الثمن من يد البائع، ومطلع مالك في الأول: أن العقد إذا انفسخ ورجع الملك إلى
صاحبه فالملك قد سرى إلى الأولاد، والرد بالعيب فسخ العقد من أصله فيرجع الملك بما
أسرى إليه واتصل به، ومطلع نظر أهل الرأي في الفرق بين أهل الماشية والشجر وبين المنقول
أن الحديث إنما جاء في العبد ولم يأت في الثمرة، وكأنهم إنما وقفوا على استعمال الرأي إذ لم
يعرفوا وجه تعديته إلى سواه، ومطلع نظرهم في الجارية أن الوطء لا يستباح إلا بالإباحة، فإذا
أراد ردها لو لم يرة المهر لكان وطأ لم يقابله عوض، وذلك لا يجوز، قلنا: يبطل بوطء الزوج
في مسألتنا، فإنه بإجماع لا يردّ معه شيئًا، وكما لو استحقّت من يده، فأما البكر فقد اطّلع على
عيب وحدّث عنه آخر، فله الخيار على الأصل في كتاب العيب عند مالك على المشهور، وفي
(١) بياض بالأصل.
(٢) هكذا بالأصل، ولعل الأولى من ضمن البياض في الأصل.

٢٥
كتاب البيوع/ باب ٦٥
الثاني كما قال الشافعي تعارض الحقّان فيرجع بقيمة العيب، وهذا ما لم يدلس البائع، فإذا دلس
فينبغي أن يردّ عليه من غير خلاف، ومطلع أبي حنيفة في منع الرد بعيب بعد وطء المبتاع فجعل
الوطء بمنزلة الجناية عليها، ولا يرة بعد الجناية، وهذا ضعيف من وجهين أن لا نقول إنه بمنزلة
قطع عضو كما قال، وقد رام ذلك علماؤنا فلم يقرروا عليه، ومن العجب يقولون إنها جناية.
وعندهم: لو غصب جارية بكرًا وافتضّها لم يلزمه مهر، فكلامهم تردّه الحقيقة في أن الوطء ليس
بجناية، ويردّه الحكم كما بيّه في مسألة البكر المغصوبة أيضًا.
باب الرخصة في أكل الثمرة للماز بها
ذكر أبو عيسى في الباب حديث يحيى بن سليم، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، (عن
ابن عمر، أن النبي #. قال: ((من دخل حائطا فلياكل ولا يتخذ خبئة))). وذكر حديث (رافع بن
عمر: كنت أرمي نخل الأنصار فأخذوني، فذهبوا بي إلى النبي # فقال: ((يا رافع لِمّ ترمي
نخلهم؟؟ قال: قلت يا رسول الله: الجوع؟ قال: ((لا تزم، وكُل ما يقع أشبعك الله وأرواك))،
وذكر حديث (عمر بن شعيب أن النبي 18 سُئِلَ عن التمر المعلّق، فقال: ((مَن أصاب منه شيئًا
من ذي حاجة غير متخذ خبئة فلا شيء عليه»).
وقال ابن العربي: حسن جميعها، وعوّل أحمد بن حنبل على حديث عمر بن شعيب يرويه
الليث، عن سعد بن عجلان، عن عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، وهو حديث صحيح،
ويعضده حديث الصحيح: ((ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه إنسان أو طائر أو
دابّة إلا كانت له حسنات يوم القيامة))، فهذا أصل يعضده ذلك الحديث. ورأى سائر فقهاء
الأمصار أن كل أحد أولى بملكه، ولم يكن أن يطلقوا الناس على أموال الناس، ففي ذلك فساد
عظيم. ورأى بعضهم أن ذلك على طريق لا يعدل إليه ولا يقصد، فليأكل منه المرء ومن سعادة
المرء أن يكون ماله على الطريق أو داره على الطريق لما يكتسب في ذلك من الحسنات
والمكارم، والذي ينتظم من ذلك كله أن المحتاج يأكل والمُستغني يمسك، وعليه تدلّ الأحاديث
ويأتي تمامه إن شاء الله.
باب حلب المواشي بغير إذن أهلها
ذكر حديث الحسن (عن سمرة أن النبي ! قال: ((إذا أتى أحدكم على ماشية، فإن كان
فيها صاحبها فليستأذنه، فإن أيْنَ له فليحلب ويشرب، وإن لم يكن فيها فلبصوت ثلاثًا، فإن
أجابه فليستأذنه، وإن لم يجبه فليحلب ويشرب ولا يحمل).
قال ابن العربي رحمه الله: جود الكلام في سماع الحسن بن سمرة، والحديث صحيح،
وسماعه منه صحيح. هذا الحديث والذي قبله ينبني على قاعدة عظيمة مهدناها في كتب
+

٢٦
كتاب البيوع/ باب ٦٥
المسائل، وشرح الحديث، وذلك أن الأحكام تجري على العادة، ومن البلاد بلاد ومن الأمم
أُمم عادتهم أكل ثمارهم وحلب مواشيهم بل ذبحها وأكلها تتحكم في ذلك الحرّاس والرعاة،
وكذلك كانت بلاد الشام كلها، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون على ما جرى علينا فيها وبلادنا هذه
استولى عليها الفقر، فليست على هذه السبيل إلا في النادر. وفي الحديث الصحيح: ((لا يحتلبن
أحد ماشية أحد بغير إذنه، أيحبّ أحدكم أن تؤتَى خزانته فتُكسَر فَيُنْتَشّل طعامه، فإنما تخزن لهم
ضروع مواشيهم وأطعماتهم))، وهذا نص في المنع صريح، والأول صحيح وهو محمول على ابن
السبيل المحتاج، وقد خرج النبي # مع أبي بكر رضي الله عنه مهاجرًا إلى المدينة، فمرّوا بغنم
وآويا إلى ظل صخرة ووجدا الراعي وسألاه لمَن الغنم؟ فذكر لرجل من قريش واستحلباه فحلب
لهما، وشرب النبي #، وقد بيًّا في غير موضع وجه شربه وأنه محمول على العادة في تحكّم
الرعاة في القدر اليسير، أو على العادة في اختلاف الماز وشربه، أو على أن ذلك جائز
للمحتاج، أو على أن النبي 9 أولى من المؤمنين بأنفسهم وأموالهم، أو على أن ذلك كان مال
كافر فلم يكن عليه يد لأحد، وحقّقنا تلك الأغراض ونقدناها، وأضعفها الأخير، وأقواها شرب
النبي 1 ومنزلته واستحقاقه، وهذا أصل السُّنّة عند سائر الأمم.
باب كراهية الرجوع في الهبة
ذكر حديث (ابن عباس أن النبي # قال: ((ليس لنا مثل السوء، العائد في هبته كالكلب
يعود في قيشه٤) حسن صحيح. وذكر حديث حسن المعلم، عن عمر بن شعيب أنه سمع طاوسًا
يحدّث (عن ابن عمر وابن عباس أن النبى ◌َ﴾ قال: ((لا يحلّ لأحد أن يعطي عطية فيرجع فيها
إلا الوالد فيما يعطي ولدها)، حدّثنا بذلك محمد بن بشار، عن أبي عدي، فذكره.
قال ابن العربي: من قواعد الشريعة في الآيات أن كل أحد أحق بما في يده مما ملكه الله
إياه على وجهه، فلا يخرج عن ملكه ولا ترتفع عنه يده إلا برضاه، وللخروج عن الملك بالرضا
وجوه كثيرة أصولها ثلاثة: الصدقة لوجه الله، وابتغاء ثوابه الهبة، وهي: تملك الغير لا باسم
العوض ولكن بمعناه المعاوضة المحضة. فأما الصدقة لله والمعاوضة المحضة فسبيلها لائحة،
وأما الهبة التي ليس فيها صريح العوض، وإنما يدخل فيها بالمعنى وعلى العموم والإجمال،
فبابها مضطرب وأمرها مشكل، وقد أورث هذا الإشكال قلوب الناس ريبة الاختلاف. قال
أحمد بن حنبل: الهبة والصدقة سواء، ليس فيهما رجوع لأحد ولا كلام لمعط أو متصدّق،
لقول النبي #: ((ليس لنا مثل السوء، العائد في هبته كالكلب يعود في قيته)). وقال الشافعي: لا
طلب لأحد من خلق الله فيما وهبه، لا في عين ما وهب ولا في قيمته. وقال مالك والنعمان:
له أن يطلب ثواب هبته، واختلفوا بعد ذلك في التفريع إذا أعطاه ما يوازي حقه يسقط عنه
الطلب أو يكون في حقه عين ماله حتى يرضى منه؟ وقال أبو حنيفة: للأجنبي الرجوع في هبته

٢٧
كتاب البيوع/ باب ٦٥
إلا ما بين ذوي الأرحام، وقال الشافعي: لا يرجع إلا الوالد، وقال مالك: والأم ما لم يكن
يتيمًا، وقال ابن الماجشون: أو يحوزها الأب عنها، وأحاديث الباب ثلاثة، والثالث حديث عمر
خرّجه مالك قال: ((مَن وهب هبة لصلة رحم أو على وجه الصدقة فإنه لا يرجع فيها))، ومَن
وهب هبة يرى أنها للثواب فهل يرتجع فيها إذا لم يرض منها؟ وقد تقدم الاثنان. وأما قول
النبي : ((العائد في هبته كالكلب يعود في قيته)) فاختلف الناس في تأوّله، فمنهم مَن حمله
على التحريم، منهم: قتادة، قال: أكل القيء حرام، ومنهم من حمله على الكراهة، لأن المثل
مضروب بالكلب تكليف، ولا يتأتى له تحريم، ولكنه أمر إذا عاينه أحد من الناس استقبحه من
غير تحريم، كذلك إذا عاد في الهبة كان مستهجنًا، ولمالك القولان، والصحيح أنه يحرم لأجل
ما يكون من ذلك لوجه الله تعالى، ولذلك قال النبي 18# بعينه الذي قال ما قال في الهبة فقال
في فرسه الذي تصدّق به ثم أراد اتباعه: ((لا تتبعه ولا تعد في صدقتك فإن العائد في صداقته
كالكلب يعود في قيتها، وقوله في حديث ابن عباس: ((العائد في هبته)) يرجع إلى الهبة المحضة
الله لا للناس، وفي الصحيح أن النبي * كان يقبل الهدية ويثيب عليها، وفيه أيضًا أن النبي كلفو
كان لا يردّ الطيب، وربما رة غيره لعلة كقوله في حديث الصعب: ((إنّا لم نردّه عليك إلا أنّا
حُرُمْ) وكقوله في أحد: ((لمَن هذا لابن الآتبة) حين قَدِمَ عليه فقال: هذا لكم وهذا أُهدي إليّ،
فقال: ((أفلا جلس في بيت أمه وأبيه فينظر أيهدى له أم لا))، وفي الصحيح عن عمر بن
عبد العزيز: كانت الهدية في زمن رسول الله 18 هدية وهي اليوم رشوة، والهبة لصلة الرحم
قربة لوجه الله أيضًا، ولذلك حرم مما تقدم الرجوع فيها، ولكن يلزم هذا إذا كانت على وجه
الصلة، وأما قول أحمد فساقط لقول النبي #: ((لا يحلّ لأحد أن يعطي عطية فيرجع فيها إلا
الوالد الذي يعطي ولده))، فقد استثنى الأب وهو حديث صحيح. ولم يعوّل مالك على الحديث
في الأعصار والأب، فإنه لا يخلو أن يكون المراد بقول: ((له عطية أو صدقة أو هبة))، فإن كان
المراد بقوله صدقة، لم يستقم على أصله، لأن الاعتصار عنده لا يكون في هبة الأدب بحال،
وإن كان المراد به الهبة، فالرجوع حينئذ، فأما أن يكون في عين الهبة أو في قدر ما بينها وعند
مالك يجوز له الرجوع في عين هبته حتى يعطى ما يريده ويرضاه، الذي يقول: لا رجوع له في
عين هبته وإنما له القيمة عبد الملك بن الماجشون وأبو حنيفة يرى الرجوع في هبة الأجنبي،
والشافعي يرى أنه إذا وهب الأدنى من الأعلى وجب العوض، وقال أبو حنيفة: لا يجب،
والعجب من الشافعي بأن معوّله في ذلك على العادة أنه لا يهب الأدنى للأعلى إلا رجاء
العوض، يقضي بالعادة ونسي أن العادة أن لا يهب أحد لأحد إلا قصد عوضًا، إما مودة وإما
مادة من مال، وهما جائزان، ولما عرضا من جاءه وذلك حرام، والمعوّل على قول النبي %0
في حديث أن النعمان بن بشير جاء أبوه إلى النبي # فقال له: إني نحلت ابني هذا غلامًا،
فقال له: ((أكلَّ ولدِك نحلته مثل هذا))؟ قال: لا، قال: «فاردده))، فأجاز له رة الهبة. فإن قيل:

٢٨
كتاب البيوع/ باب ٦٥
إنما ردها لأنها لا تجوز، ألا ترى إلى قوله: «أكل ولدك نحلته مثل هذا»؟ قال: لا، قال:
((أتحب أن يكون الكل في البر سواء»، قال: نعم، قال: ((فسؤُ بينهم في العطية)). وفي رواية:
(أشهد على هذا غيري)) وفي رواية: إني لا أشهد على جور)»، وهذه الروايات كلها صحيحة وفي
الصحيح. وقد قال: منع مالك من ذلك في رواية موافقة لقول أحمد بن حنبل، وليس قول
النبي ◌َّ لبشير صريحًا في المنع، وكل ما قال له ليس فيه صريح المنع، وإنما هو على التنزيه،
وموضع الحجة فيه أنه لو كان حرامًا لا يجوز له الرجوع لقطع القول فيه، ولم يضرب له الأمثال
الراجعة إلى اختياره، وقد اندرج فيما شرحنا أصول ما ذكرنا وتوجهاته، والتكرار والتفريع لا
تحتمله العارضة. وقد رُوِيّ أن أعرابيًّا أهدى إلى النبي وَل﴿ فأثابه فلم يرض،، فقال: ((لقد
(١)، فأما قريش والأنصار
(١) خرّجه
هممت أن لا أُثيب إلا من قرشي أو أنصاري، أو
فإنهم منه فكافئهم، وأما روس نقص(٢). وقول النبي ◌َّر: ((هذا جور)) في حديث بشير، معناه:
ميل عن بعض الأولاد إلى بعض وعدول عن الإكرام، ألا ترى أنه لو أعطى جميع ماله لأجنبي
جاز دون جميع ولده، وإن كان النبي ### قد قال: ((إن تذر ورثتك أغنياء خير أن تذرهم عامة
يتكففون الناس)). وقد خصّ أبو بكر عائشة بواحد وعشرين وسقًا دون سائر ولده، وقوله: ((فسوّ
بينهم): أن يأخذ الذِّكَر مثلي حظ الأنثى، لقول النبي وله: «فسوِّ بينهم في العطية»، وذلك كما
سوّى الله في حكمه وقضاه، واختاره محمد بن الحسين. وقال أكثر الناس: التسوية أن يكونوا
في العطية سواء الذِّكَر والأنثى، والذي عندي أن التسوية بينهم أن يعطيهم على قدر مراتبهم:
يفضل الزمن على القوي، والعاقل على الغافل، والمستقيم على المعوج، والمقيل على ما يُغنيه
على المعوض، فهذه هي التسوية. فأما حكم الله في المواريث فذلك أمر يخصّ بها. أمضاه الله
فيها لحكمة فهو أعلم ما يأتيها.
قال ابن العربي: في حديث بشير هذه نكتة، وذلك أن عمرة بنت رواحة كانت من نساء
العصر جمالاً وجلالاً، وفيها أفنى الشعراء القوافي وخاصة قيس بن الخطيم، وكانت قد غلبت
على بشير وجاءه منها النعمان، فحملته على أن يفضل ولدها في الإقبال عليه والإحسان إليه،
فأراد النبي * حماية الباب وأن يمنعه من تقريب ولد أمه حيّة على ولد أمه ميتة أو مطلقة، أو
شابة على مُسِنّة، وبطع سبب الأمهات عن ذلك ليكون الحكم دائرًا على أوصاف الأبناء
وأحوالهم، لا على أمهاتهم.
باب العرايا
ذكر حديث ابن عمر، (عن زيد بن ثابت، أن النبي # نهى عن المحاقلة، والمزابنة إلا أنه
(١) بياض بالأصل.
(٢) هكذا بالأصل.

٢٩
کتاب البيوع/ باب ٦٥.
قد أذِنَ لأهل العرايا أن يبيعوها بمثل خرصها)، وهذا عن محمدبن إسحاق، عن نافع. وروى
(١) عن أبي هريرة أن
مالك عن داود بن الحصين بن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد واسمه
النبي* أرخص في العرايا خمسة أوسق أو فيما دون خمسة أوسق، وأدخل عن حماد، عن
أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، (عن زيد بن ثابت، أن رسول الله ## أرخص في بيع العرايا
بخرصها). ورُوِيَ عن الوليد بن كثير: حدّثنا بشر بن يسار مولى بني حارثة من الأنصار أن
رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة حدّثاه أن رسول الله * نهى عن بيع المزابنة: التمر بالتمر،
إلا أصحاب العرايا فإنه قد أذن لهم.
الإسناد: قال ابن العربي: أصح سند في العرايا الحديث الذي ذكره أبو عيسى عن
أيوب، يرويه أيضًا محمد بن مقاتل: أخبرنا عبد الله يعني ابن المبارك، عن مولى ابن عقبة،
عن نافع، عن ابن عمر، عن زيد إن النبي 88* نهى أن يُباع التمر بطيب، ولا يباع شيء منه
إلا بالدينار والدرهم، إلا العرايا. وفي حديث مالك عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان،
عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله * نهى عن المزابنة والمحاقلة. والمزابنة: اشتراء التمر
بالتمر في رؤوس النخل. قال سالم: وأخبرني عبد الله بن زيد بن ثابت أن رسول الله #
رخص بعد ذلك في بيع العربية بالرطب أو التمر، وفي حديث سهل: أن تُباع بخرصها يأكلها
أهلها رطبًا. قال يحيى بن قرعة، عن مالك، شك داود في خمسة أو فيما دون خمسة، انتهى
ما في البخاري.
العربية: في تفسير العربية. قيل: هي فعيلة بمعنى مفعولة من عراه يعروه، وقيل: من عرى
يعري كأنها عريت من جملة التحريم، فعريت أي: خرجت، فهي فعيلة بمعنى فاعلة. الخرص
بكسر الخاء هو الثمرة، ويفتحها هو الفعل، وإنما تباع بمثلها لا يفعل الخرص، فلا يجوز فتح
الخاء، وذلك مثل الطحن ومن الطحن أي طحن.
التفسير فيه: الأول: قال مالك العربية هي أن يعرى الرجل النخلة ثم يتأذى بدخولها.
عليها، فرخص أن يشتريها بها منه بتمر. الثاني: قال ابن إدريس: لا يكون بالجزاف إنما يكون
بالكيل من التمر يدًا بيد. الثالث: وقال سفيان بن حسين: هي نخل توهب للمساكين، فلا
يستطيعون أن ينتظروا بها، فرخص لهم أن يبيعوا بما شاؤوا من الثمرة، وبه قال إسحلق. الرابع:
قال موسى بن عقبة: هي نخلات معلومة يأتيها فيشتريها، قال الشاعر:
ولكن عراية في السنين الجوائح
لست بسنهاء ولا سخرية
(١) بياض بالأصل.
عارضة الأحوذي/ ج ٦ / م ١٩

٣٠
كتاب البيوع/ باب ٦٥
قوله بستهاء: يريد التي تحمل سنة، والرجيبة: هي التي تميل لضعفها، فتدعم وذلك
عيب، ولكنها تباح للمساكين في عام الحاجة فمدح نخله بذلك.
الفقه : في ثمان مسائل:
الأولى: قال أبو حنيفة: هذه المسألة باطلة، لأن بيع مال الربا بالخرص والحذر لا يحرز،
وإنما يكون بالمماثلة في الكيل والوزن، وهذ قاعدة لا يخرمها هذا الخبر، فإنه خبر واحد
يخالف القواعد فسقط، وقد بيّا أنه لا يسقط ما تقدم. فإن قيل: إن العرية هي الهبة، فكأنه
رخص لمّن وهب ولم يقبض أن يعطيه عوضًا عن ذلك، لأنه لا يملك الهبة إلا بالقبض. قلنا:
لا نسلم، بل يملكها بالعقد، ويبطل هذا من أربعة أوجه: الأول: أن الذي نهى عنه في أول
الخبر البيع الذي أرخص فيه البيع ليكون الاستثناء من المستثنى. الثاني: أنه قال: (أرخص في
العرايا) والرخصة لا تكون إلا في حظر، والحظر في البيع لا في الرجوع عن الهبة. الثالث: أنه
قدر بخمسة أوسق، وما ذكروه لا يتعذّر بخمسة أوسق. الرابع: أنه رُوِيَ عن زيد بن ثابت أنه
قال له: ما عراياكم هذه؟ فسمى رجالاً محتاحين، وذكروا أن الرطب تأتي وليس بأيديهم نقود
وعندهم فضول من التمر، فرخص لهم أن يبتاعوا بها رطبًا يأكلونه. قال ابن العربي رحمه الله:
قد ثبت عند مالك أنه قال: يجوز بيعها بكل شيء، وقيل: لا يجوز بيع العرية بالخرص إلا
بالدينار والدراهم والعرض وغيره، وكأنه رأى ذلك رخصة كانت في صدر الإسلام لحاجة الناس
كما جاء في الحديث، فلما توسّع الناس سقطت العلة فسقط الحكم، فقال أيضًا: لا يجوز إلا
بالخرص منها، لأن ذلك رخصة فتجري على وجهها.
الثانية: اختلف العلماء في بيعها من غير الذي أعراها، ومَن راعى حق المسكين جوّز أن
له بيعها ممن شاء.
الثالثة: إذا باعها بالخرص فاختلف الناس، هل تجوز نقدًا خاصة أم تجوز إلى أجل،
فسنتها إلى الجذاذ عندنا، وبذلك تحقق الرخصة سنتها النقد، وكل معنيين في الأحاديث المتقدمة
فاستقرؤوه منها، وإذا كان ذلك معروفًا في كفاية العمل فالتعجيل أجمل معروفًا، وإذا كان
بأيديهم فضول تمر يبغون بها رطبًا فيعطون تمرًا في الرطب فالنقد أفضل.
الرابعة: في محلها. فقال مالك: ليست إلا في النخيل والعنب، ثم رجع فقال: هي في
كل مدخرة، وقال محمد: في كل تمرة مدخرة وغير مدخرة، وقال الشافعي: لا تكون إلا
بالنخل والعنب، فإن وفّيت الرخصة حقها فلتقف على النخل، والأصل أنها في النخل وإن
تعذّت إلى العنب، هذه الرخصة بعلة الحاجة والشوق إلى الأكل من المساكين وطلب الأخر من
أرباب الأموال، فهي في كل ثمرة، وإن قصرت فعلى المذخر لا على النخل والعنب خاصة.

٣١
كتاب البيوع/ باب ٦٦
٦٦ - باب مَا جَاءَ في الرُّجْحَانِ في الوَزْنِ
[المعجم ٦٦ - التحفة ٦٦]
١٣٠٥ - حدثنا هَنَّاذْ وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنٌ قَالاَ: حَدَّثَنَا وَكِيعْ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ
سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: جَلَبْتُ أَنَا وَمَخْرَمَةُ (مَخْرَفَةُ) العَبْدِيُّ بَزَّا مِنْ
هَجَرَ. فَجَاءَنَا النَّبِيُّ ◌ِ﴿ فَسَاوَمَنَّا بِسَرَاوِيلَ. وَعِنْدِي وَزَّانْ يَزِنُ بِالأَجْرِ. فَقَّالَ النّبِيُّ ◌َِّ
لِلْوَزَّانِ ((زِنْ وَأَرْجِحْ))(١).
فإن قيل: فقد قال بخرصها ولا يخرص إلا النخل والعنب. قلنا: لا نسلم، بل كل شيء يخرص
ويباع بالخرص في رؤوس الثمار.
الخامسة: اختلف الناس هل تكون العرية في نخلات يعطيها صاحب الحائط للرجل
ليستغلّها أم هي النخلات تكون في حائط الرجل أصلاً يريد إخراجه عنها بخرصها؟ فروى
محمد بن شجاع عن مالك نحوًا من قول الشافعي في الأجنبي إنها عرية، وقال ابن القاسم عن
مالك: إن فعل ذلك الضرر يدخل بدخوله عليه لم يجز، وهذه في أحد الوجهين موافقة للرواية
المتقدمة .
السادسة: لا يجوز ذلك فيها حتى تزهى ويحلّ بيعها، لأن النهي عن بيع الثمار حتى يبدو
صلاحها ثابت، وهذه الرخصة فيها بعد حل البيع.
السابعة: لا تجوز فيما دون خمسة أوسق، لأن الراوي شك، والأصل المنع فلا تنزل عليه
الإباحة فتحققه، وهي ما دون الخمسة الأوسق، والشكوك فيه تطرح، وقد رُوِيّ عن جابر: أربعة
أوسق.
الثامنة: لا تباع إلا بجنسها، لأن الأصل المنع، فإذا جازت رجعت إلى الأصل في باب
الربا من مراعاة الجنس والقدر، إنما يسقط فيها النقد ويجوز إلى الجذاذ، كما قد شرحناه.
باب الرجحان في الميزان
(سماك بن حرب عن سويد بن قيس قال: جلبت أنا ومخرفة العبدي بؤًا من هجر، فجاءتا
النبي# فساومنا بسراويل وعندي وزان يزن بالأجر، فقال النبي * للوزان: ((زن وأرجح))).
وقد روى شعبة هذا الحديث عن سماك فقال: عن ابن صفوان، وذكر الحديث.
(١) أخرجه أبو داود في: ٢٢ - كتاب البيوع، ٧ - باب في الرجحان في الوزن، حديث رقم ٣٣٣٦.
وأخرجه النسائي في: ٤٤ - كتاب البيوع، ٥٤ - باب الرجحان في الوزن.

٣٢
كتاب البيوع/ باب ٦٦
قَالَ: وفي البّابِ عَنْ جَابِرٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ سُوَيْدٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَأَهْلُ العِلْمِ يَسْتَحِبُونَ
الرُّجْحَانَ فيِ الوَزْنِ.
وَرَوَى شُعْبَةُ هذا الحَدِيثَ عَنْ سِمَاكٍ، فَقَالَ: عَنْ أَبِي صَفْوَانَ. وَذَكَرَ الحَدِيثَ.
الإسناد: أخبرنا أبو بكر القرشي، وقرأته عليه بالمسجد الأقصى طهّره الله، قال: أخبرنا أبو
علي التستري، أخبرنا القاضي الهاشمي، حدّثنا اللؤلؤ، وأخبرنا ابن عمار، عن ابن الوليد، عن
ابن حنيف، عن التمار، قالا: أخبرنا أبو داود عبد الله بن معاذ، حدّثنا أبو سفيان، عن
سماك بن حرب، حذّثني سويد بن قيس، قال: جلبت أنا ومخرمة العبدي بزًّا من هجر فأتينا به
مكة، فجاءنا رسول الله 95 يمشي فساومنا بسراويل فبعناه، وكان ثَمَّ رجل يزن بالأجر فقال له
رسول الله : (زن وأرجح)، وأبو صفوان الذي ذكره شعبة هو سويد بن قيس.
العربية: البز في اللغة هو المتاع الذي يصلح للناس ما لم يكن صوفًا، وجلب من موضع
شيئًا إلى موضع لم یکن فيه.
الفقه: في مسائل:
الأولى: إن كان حدّ التكليف ومَن لم يسلم وإن كانوا لا يحترزون عن المحرمات في
بیوعهم.
الثانية: شراء الإمام لنفسه لحوائجه.
الثالثة: شراء الرجل الكبير، وربما يظن أحد أنه يراعي فيعطي بأحظ، ولئن كان ذلك قيامًا
أحسنه ما خلصت فيه النية.
الرابعة: يمشي يعني في حاجته، وذلك من القربة النية، وهو منه * ومن اهتدى بهديه
قربة بالنيّة .
الخامسة: قوله: (سامنا) بعني طلب البيع منّا، ويكون طلب البائع الثمن وذكره له فكلاهما
سائم مساوم فيعناه.
السادسة: قوله: (وعندنا وزان يزن بالأجر) في هذا دليل على جواز الإجارة على العمل،
ولا بد من تسمية قوله بالأجر، فلعله قال لك: من الدينار قيراط أو أوقية، وبذلك يصح العقد
على ما بيّاه في موضعه.
السابعة: الرجحان في الوزن من الورع الظاهر الفضل، فإن التطفيف حرام والعدل قسط،
والتحرّي فيه طويل أو مشعب، والرجحان يقطعه ويظهر الفضل.

٣٣
کتاب البيوع/ باب ٦٧
٦٧ - باب مَا جَاءَ فِي إِنْظَارِ المُعْسِرِ وَالرَّفْقِ بِهِ
[المعجم ٦٧ - التحفة ٦٧]
١٣٠٦ - حقثنا أبو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ سُلَيمَانَ الرَّازِيُّ عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ،
عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أبي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((مَنْ أَنْظَرَ
مُغْسِرًا أوْ وَضَعَ لَهُ، أَظَلَّهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ تحْتَ ظِلِّ عَرْشِهِ، يَوْمَ لا ظِلْ إلاَّ ظِلُهُ)(١).
قَالَ: وفي البّابِ عَنْ أبي اليَسَرِ وَأَبِي قَتَادَةَ وَحُذَيْفَةً وابْنِ مَسْعُودٍ وَعُبَادَةً وَجَابٍ .
الثامنة: لما زادة النبي وَل﴿ رجحانًا غير معتد، دلّ على أن هبة الشارع جائزة، ردًا على أبي
حنيفة، وهي مسألة ضعيفة بيّتّاها في مسائل الخلاف.
التاسعة: مسألة بديعة. الزيادة في الثمن والمهر هل لها حكم الأصل أو لا؟ اختلف في
ذلك العلماء على قولين: عن مالك روايتان، والصحيح أنها من جملة الثمن من جهة
الاستحقاق، وليست من جملة الثمن في الرد بالعيب، وقد بيّنًا ذلك في مسائل.
العاشرة: كل من عمل لك عملاً فلك أن تعطيه أجره وله أخذه كان قاسمًا أو كاتبًا أو
غيره، وكره جماعة أجر القسام، منهم: سعيد بن المسيب وابن حنبل، وإنما أشاروا به إلى أن
ذلك من بيت المال في ذلك حبة لأن بيت المال إنما هو للمنافع العامة، فأما الخاصة التي منها
القسمة فلا تكون إلا على الشركاء.
الحادية عشرة: أمر النبي # له بالوزن دليل على أن الأخر في الوزن عليه، فإن الحق
يلزم المشتري إن لم يميز للبائع ملكه من الثمن، كما أن تميز السلعة واجب على البائع فعليه
أخرها والله أعلم.
الثانية عشرة: بوب البخاري عن التجارة في البز ولم يدخله، وهو حديث صحيح، وإنما
يوّب على التجارة في البزْ ولم يدخله، وهو حديث صحيح على الذين يكرهون التوسعة في الدنيا
ويقولون يجزي الخلق والثواب(٢) الواحد، وقد بيّنًا حقيقته في القسم الرابع من علوم القرآن.
باب إنظار المعسر والرفق به
أبو صالح (عن أبي هريرة: ((مَن أنظر معسرًا أو وضع له أظلّه الله يوم القيامة تحت ظل
عرشه يوم لا ظل إلا ظله)) حسن غريب.
(١) لم يخرجه من أصحاب الكتب الستة سوى الترمذي.
(٢) الأرجح أنها: الثوب، وذلك ليتم المعنى.

٣٤
كتاب البيوع/ باب ٦٧
قَالَ أبُو عِيسَى: حَدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، غرِيبٌ مِنْ هذا الوَجْهِ.
١٣٠٧ - عذثنا هَنَّدٌ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴾: ((حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ. فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِن الخَيْرِ
شَيْءٌ. إلاَّ أَنْهُ كانَ رَجُلاً مُوسِرًا. وَكَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ. وَكَانَ يَأْمُرُ غِلْمَانَهُ أنْ يَتَجَاوَزُوا عَنٍ
المُغْسِرٍ. فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلُّ: نَحْنُ أحَقُّ بِذلِكَ مِنْهُ. تجَاوَزُوا عَنْهُ»(١).
وعن قيس (عن ابن مسعود وعتبة بن عمر قال: قال رسول الله# حوسب رجل ممّن كان
قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء إلا أنه كان رجلاً موسرًا وكان يخالط الناس فكان يأمر غلمانه
أن يتجاوزوا عن المعسر فقال الله نحن أحق بذلك منه تجاوزوا عنه) حديث حسن صحيح.
الإسناد: الذي ثبت هو الحديث الثاني، فأما الأول أن الذي ثبت أن الله يظل تحت ظله
سبعة، ذكرهم هو وغيره، وذكر في مسلم أن سورة البقرة وآل عمران تأتيان يوم القيامة تظلآن
صاحبهما، وسيأتي ذكرهما إن شاء الله، واستفاض أن كل أحد يظلّه عمله، وفي الصحيح لمسلم
عن أبي اليسر كعب بن عمرو ما لم يقع إلى الترمذي، وهو قوله * يقول: ((مَن أنظر معسرًا أو
أعرض عنه أظلّه الله في ظله)).
الأصول: فإن قيل العرش ليس فوق الفرش شيء يظل منه العرش، وإنما الذي يكون
لأجله الظل تحت العرش فما معنى ظل العرش؟ قلنا: ليس هذا من العوارض والفرائض فله
موضع، وأما البقرة وآل عمران والعمل فظلّه كله، أن الباري تعالى يجعل حجابًا بينه وبين
الحدود، ويقال له: هذه قراءتك وهذه عبادتك، أي: ثمرتها. والشيء يسمى باسم ثمرته.
الفوائد المتعلقة بها. والكلام في ستة مسائل:
الأولى: إنظار المعسر أمر يوجبه الحق ويقتضيه الحكم، فكيف فيه هذا الفضل العظيم
والأمر الجسيم؟ والتحقيق فيه أن الأجر العظيم إنما يكون في امتثال الفرائض وثوابها أكثر من
ثواب النوافل، ولكن ذلك الأجر إنما يكون له إذا فعله من قبل نفسه دون أن يحوجه إلى إثبات
والتحكم وحاكم، فإن رفعه حتى أثبت ويحكم له بذلك لم يكن له فيه ثواب، وذلك قول الله
تعالى: ﴿فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة: ٢٨٠] وذلك من الغريم، فله الأجر الموعود به آنفًا، أو
من الحاكم فله أجر القضاء بالحق، ولا يدخل في هذا الباب.
الثانية: الأجر في الوضع أعظم من الأخر في التأخير، فإن الوضع أسقط عين مال والتأخير
إمهال.
(١) أخرجه مسلم في: ٢٢ - كتاب المساقاة، حديث ٣٠.

٣٥
کتاب البيوع/ باب ٦٨
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَأَبُو الْيَسَرِ كِعْبُ بْنُ عمرو.
٦٨ - باب مَا جَاءَ في مَطْلِ الغَنِيّ أَنَّهُ ظُلْمٌ
[المعجم ٦٨ - التحفة ٦٨]
١٣٠٨ - عقثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ،
عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيَِِّ﴿ قَالَ: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ◌ُلْمٌّ. وَإِذَا
أَتْبَعَ أحَدُكُمْ على مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ)»(١).
الثالثة: قال: (كنت آمر غلماني) هذا دليل على أن العبد يتجر ويقبض ويؤجر ويسقط
ويأخذ إذا أذِنَ له في ذلك سيده وفكّ عنه الحجر الذي اقتضاه الرقّ عليه.
الرابعة: هذا يدل على جواز التجارة وابتغاء الربح الزائد على القوت، وإذا انضاف إلى
ذلك الصدقة فقد ربح الدنيا والآخرة.
الخامسة: قوله: (كان يخالط الناس) دليل على جواز الخلطة وأجوز ما تكون في زمان
السلامة، وأكره ما تكون عند فساد الناس والأموال.
السادسة: هذا يدل على أن الباري تعالى يغفر الذنوب بفضله من غير توبة إذا أسندت إلى
عمل صالح، ولو كانت خصلة واحدة، ولا سيما الصدقة، فإنها حجاب النار وتقاة العذاب،
والله أعلم.
باب مطل الغني ظلم
الأعرج (عن أبي هريرة قال النبي 85* مطل الغني ظلم وإذا اتبع أحدكم على ملي: فليتبع).
إسناده: حديث صحيح متفق على صحته من جمع، فالحديث مخرج من طرق أقواها
هذا .
غريبه: قوله: (اتبع) هو بناء أفعل من تبع بناء فعل، تقول تبعت فلانًا فأنا له تابع وتبيع،
قال سبحانه: ﴿ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعًا﴾ [الإسراء: ٦٩] أي: مطالبًا، لأن كل مَن تبع
غيره فهو طالب له، والمعنى ههنا: إذا قال المدين لصاحب الدين: خذ دينك الذي لك على
فلان، فليجب على ذلك وليقله، وذلك قوله: (فليتبع) كان بإسكان التاء المعجمة باثنتين من
فوقها وفتح الباء المعجمة بواحدة هكذا صوابه، وروايته، لينتظم آخر الكلام مع أوله.
(١) أخرجه البخاري في: ٣٨ - كتاب الحوالات، ١ - باب في الحوالة، حديث ١١٣٧. وأخرجه مسلم
في: ٢٢ - كتاب المساقاة، حديث ٣٣.

٣٦
كتاب البيوع/ باب ٦٨
قَالَ: وفي البَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَالشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدِ الثَّقَفِيِّ.
الأصول: قوله: (مطل الغني ظلم) قد بيّنا في أصول الدين حقيقة الظلم والظالم، فلا (١)
ذلك. والظلم وضع الشيء في غير موضعه، تقول العرب: سقاء مظلوم إذا سقي قبل أن يخرج
زخره، وطريق مظلومة: إذا عدل عنها، وقال تعالى: ﴿وما ظلمونا﴾، أي ما عدلوا عن طريق
القضاء والقدر وإن كانوا قد خرجوا عن طريق الطاعة، وقيل: ما عاد من فعلهم علينا لأنه
مقدّس، وإنما عاد عليهم، ولذلك لم يجز أن يكون الباري ظالمًا للخلق وإن كان جعلهم أكتعين
أبصعين في النار، لأنه فعل في ملكه ما له أن يفعله ولا حجر عليه، ولا واضع لشيء موضعه أو
مخرجه عنه فوقه، فلم يتصوّر ذلك في حقه.
الثانية: الظلم الذي فسّرناه على أنواع، كما أن الشرك أنواع، كما أن الكفر أنواع، وظلم
دون ظلم كما أن كفرًا دون كفر، والشك أنواع، الظلم تكذيب الله أو الكذب عليه، وهو:
الشرك، وأقله وضع الأذى في الطريق. وقد جهل هذه المسألة علماء الأصول، وقد بيّنّاها في
غير موضع في الإيمان والكفر، وربما طالع هذا الكلام فقال: أو على الشيخ أبي الحسن، أو:
القاضي، يعترض أو يخالف، وهذه المسألة شك أنهما فيها على منزلة العلم غيرها، وهي التي
قلنا إليها مما قاله مالك وغيره فوقها، ولا شك في وهمها فيها وإصابتنا لها، وسيقول المسكين:
هذا كلام مَن لم يقو الأصول، وإن استمر على هذا ولم يتأمل ما قلناه فاته التحصيل، والحمد
الله العليّ الكبير.
الأحكام: في مسائل:
الأولى: الظلم حرام، والأصل في ذلك الإجماع، وقد توارد فيه الوعيد قرآنًا وسُنّة،
وحسنه مساقًا الحديث الصحيح عن أبي ذر عن النبي وَّر: قال النبي ◌َ# فيما يروي عن ربه:
((إني حرّمت الظلم على نفسي وعلى عبادي فلا تظلموا»، وعن جابر بن عبد الله: ((اتقوا الظلم،
فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، والظلمة نار هنالك»، والدليل عليهما همهنا.
الثانية: (مطل الغني ظلم) إذا كان واجدًا لجنس الحق الذي عليه في تأخير ساعة يمكنه
فيها الأداء، فإن لم يكن عنده الجنس الذي عليه فمطله بمقدار ما يبلغ الجنس الذي عنده
بالجنس الذي عليه جائز، ولا يبيعه باختياره، ويترصد في سوق إلا عند مطالبة الغريم له بما له
عليه، إذا أمكن ذلك ووجده.
الثالثة: إذا لم يكن المديان غنيًّا فمطله عدل وينقلب الحال على الغريم فتكون مطالبته
ظلمًا، لأن الله تعالى قال: ﴿فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة: ٢٨٠] هذا إذا كان العسر والعدم طارئًا
(١) هكذا بالأصل.

٣٧
کتاب البيوع/ باب ٦٨
١٣٠٩ - حقنا إبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الهَرَوِيَّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُشَيْمٌ قَالَ: حَدَّثَنَا
يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ. وَإِذَا
أُحِلْتَ على ملِيٍ، فَاتْبَعْهُ. وَلاَ تَبِعْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةِ﴾(١) .
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةً حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَمَعْنَاهُ: إِذَا أُجِيلَ
أحَدُكُمْ على مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ. فَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إِذَا أُحِيلَ الرَّجُلُ على مَلِيٍّ فَاحْتَالَهُ
فَقَدْ بَرِىءَ المُحِيلُ، وَلَيْسَ لَهُ أنْ يَرْجِعَ على المُحِيلِ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وأحْمَدَ
وَإِسْحَقَ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: إِذَا تَوَى مَالُ هذا بِإِفْلاَسِ المُحَالِ عَلَيْهِ، فَلَهُ أنْ يَرْجِعَ على
على المعاملة، فأما إن كان العدم قبل المعاملة فلا يخلو أن يعلم به الغريم أو لا يعلم، فإن
أعلمه به خرج عن حكم الدنيا والآخرة، وإن لم يعلمه كان غررًا وعليه الإثم الأعظم في
التدلیس، لإخفاء حاله على عامله.
الرابعة: زعم بعض العوام أن قول النبي وض ®: (إذا أُحيل أحدكم على مليء فليتبع) أن هذا
لازم للغريم، إذ عرض عليه الإحالة لأنه جاء بصيغة الأمر التي تقتضي الوجوب والحتم، قلنا
له: كذبت، التخصيص بعلم الصيغة لا يقتضي لكونها أفعل حتمًا ولا وجوبًا، ولا يكون من
دليل آخر فلا يتعلق بحبل مخدود، وما كفاه هذا الذي ألحقه بالعوام حتى دخل في جملة
الأنعام، فقال: يعتبر رضا مَن يُحال عليه، وهذا ما لا أثر فيه ولا نظر، وقد كان هذا البائس
مسبوقًا بإجماع القرون الثلاثة المختارة السابقة إلى الخيرات، فلا تعجب من ضلاله، وإنما
أعجب بضلال مَن تبعه وغفر الله لمَن تبع قوله وذكره في كتب العلم وتكلف الردّ عليه بالقول،
وإنما هو بوضع الردّ بالفعل.
الخامسة: قد بيّنًا في كتب الفروع وجوه الحكم الذي تلزم به الحوالة وتصح وتحتها:
الأول: أن يكون الدينان سواء مثلاً قدرًا صفة، من غير غرور بغلس ولا لردّ فرضًا مَن له الدين
خاص حال دين المحيل خاصة.
السادسة: فإن أحاله على غير ذمة تلبيًا كان له الرجوع، وعن الشافعي أنه لا يرجع، لأنه
قد رضي. قلنا: رضي بشيء اطّلع فيه على عيب لم يلزم، كما لو كان ذلك في البيع المعين
فدخل على سلعة سليمة، فخرجت معيبة فله الرجوع.
السابعة: إذا مات المُحال عليه أو أفلس قال أصحابنا وأصحاب الشافعي: لا رجوع له
(١) أخرجه ابن ماجه في: ١٥ - كتاب الصدقات، ٨ - باب الحوالة، حديث رقم ٢٤٠٤.

٣٨
كتاب البيوع/ باب ٦٩
الأوَّلِ. وَاخْتَجُوا بِقَوْلٍ عُثْمَانَ وَغَيْرِهِ حِينَ قَالُوا: (لَيْسَ على مَالٍ مُسْلِمٍ تَّى).
قَالَ إِسْحَقُ: مَعْنى هذا الحَدِيثِ (لَيْسَ على مَالِ مُسْلِم تَوّى) هذا إذَا أُحِيلَ الرَّجُلُ
على آخَرَ، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ مَلِيٍّ. فَإِذَا هُوَ مُعْدِمٌ، فَلَيْسَ على مَالِ مُسْلِمٍ تَّى.
٦٩ - باب مَا جَاءَ في العُلاَمَسَةِ وَالمُنَابَذَةِ
[المعجم ٦٩ - التحفة ٦٩]
١٣١٠ - حقثنا أبُو كُرَيْبٍ وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالاَ: حَدْثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ
أبي الزِّنّادِ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ عَنْ بَيْعِ المُنَابَذَةِ
وَالْمُلاَمَسَّةِ (١).
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي سَعَيدٍ وَابْنِ عُمَرَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَمَعْنَى هذا الحَدِيثِ أنْ
يَقُولَ: إِذَا نَبَذْتُ إِلَيْكَ الشَّيْءَ فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ بَيْنِي وَبَيْتَكَ.
على الأول، وقال أبو حنيفة: يرجع، كما قال عثمان في المسألة: (ليس على مال مسلم توى)،
قلنا: لم يصحّ عنه، ولا حجة في قول الواحد من الصحابة وغيرهم قد خالفه، ولعله قاله في
الغرور بالفلس، ودليلنا أن الاستحالة قبض للدين حكمًا وإبراء للمدين فلم يكن له رجوع،
كالقبض الحسّيّ، وقد حقّقناها في مسائل الخلاف.
الثامنة: قال أبو حنيفة: يعتبر رضا المُحال عليه وله أن يقول ذلك، فإنه صاحب نظر لا
يقف على لفظ الأثر كما يجب، وتعلق به كما أخبر رضى مَن عليه، لأنه أحد ركني الحوالة
فكان حكمه كالآخر، وهذا لا يصح، لأن الدين على من أُحيل عليه ملك للمحيل فجاز له
التصرف فيه کما لو باعه، وهذا ما لا جواب عنه.
التاسعة: وقد قال بعضهم: لا يرجع المحتال على المحيل إذا أفلس ما دام حيًّا، لأن الربا
في الذمة موجود، وشبهة هذا قول المالكية إن المفلس يكون غريمه في عين ماله أسوة الغرماء
في الموت دون الفلس، وقد بيّنّاه في مسائل الخلاف وحققناه أيضًا أن الحوالة قطع للابتداء فلا
رجوع له أبدًا، لا في الحياة ولا في الممات.
(١) أخرجه البخاري في: ٣٤ - كتاب البيوع، ٦٣ - باب بيع المنابذة، حديث رقم ٢٤٤. وأخرجه مسلم
في: ٢١ - کتاب البيوع، حديث رقم ١.

٣٩
كتاب البيوع/ باب ٧٠
وَالمُلاَمَسَةُ أنْ يَقُولَ: إِذَا لَمَسْتَ الشَّيْءَ فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ، وَإِنْ كانَ لاَ يَرَى مِنْهُ
شَيْئًا، مِثْلَ مَا يَكُونُ في الجِرَابِ أوْ غَيرِ ذلِكَ. وَإِنَّمَا كانَ هذا مِنْ بُيُوعِ أهْلِ الجَاهِلِيَّةِ.
فَنَّهَى عَنْ ذلِكَ.
٧٠ - باب مَا جَاءَ فِي السَّلَفِ فِي الطَّعَامِ والثَّمْرِ
[المعجم ٧٠ - التحفة ٧٠]
١٣١١ - عقئنا أحمَدُ بْنُ مَنِيعٍ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي المِنْهَالِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ﴿هَ المَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ في
الثّمَرِ فَقَالَ: ((مَنْ أَسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ فِي ◌َيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إلى أَجَلٍ مَعْلُومٍ))(١).
قَالَ: وفي البَّابِ عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى.
باب السلف
روى أبو المنهال عبد الرحمن بن مطعم (عن ابن عباس قال قَدِمَ رسول الله # المدينة
وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين قال مَن أسف فليسلف في كيل معلوم إلى أجل معلوم)
حسن صحيح.
إستاده: وقد اتفقت الأئمة عليه، ألفاظه مختلفة. قيل: التمر، وقيل: الثمار، وقيل: ((مَن
أسلف في شيء فليسلف».
غريبه: السلف والسلم متقاربان ولأسبابهما معاني كثيرة، والمراد به هلهنا: إذا قلنا السلف
أن يقدم له مال في مال متأخر، ومنهم السلف وهم الذين تقدموا من الخلق، وإذا قلنا سلم
فمعناه أسلم إليه ماله ونزله عنده ولم يتسلم عنه إلا عوضًا.
الأحكام: في سبع مسائل:
الأولى: عقد السلم أصل في البيوع، مكّن الله فيه الأمة من الرخصة وجعل فيه المنفعة
للمتعاقدين، هذا يكون بيده نقد يطلب نماءه وهذا يكون بيده نقد يطلب نماءه، وهذا يكون له
غلّة ينتظر فضل الله فيها، ويحتاج كل واحد إلى ما بيد صاحبه، فكانا يتعاملان على ذلك، وجاء
الله برسوله وهم كذلك فلم يتركهم سدى، وبيّن لهم كيف يجري ذلك بينهم على حكم الشرع
كما سبق في الحديث المتقدم آنفًا.
(١) أخرجه البخاري في: ٣٥ - كتاب السلم، ١ - باب السلم في كيل معلوم، حديث رقم ١١٢٣.
وأخرجه مسلم في: ٢٢ - كتاب المساقاة، حديث رقم ١٢٧.

٤٠
كتاب البيوع/ باب ٧٠
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ على هذا عِنْدَ
أهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النّبِيِّ ◌ِ﴿ وَغَيْرِهِمْ. أَجَازُوا السَّلَفَ في الطَّعَامِ وَالثّابِ وَغَيْرِ ذلِكَ،
مِمَّا يُعْرَفُّ حَدُهُ وَصِفَتُهُ. وَاخْتَلَفُوا في السَّلَمِ في الَيْوَانِ. فَرَأَى بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِنْ
أصْحَابِ النّبِيِّ :﴿ وَغَيْرِهِمْ السَّلَّمَّ في الحَيْوَانِ جَائِزًا. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ
وَإِسْحَقَ. وَكَرِهَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َِّهِ وَغَيْرِهِمْ - السَّلَمَ في الحَيْوَانِ.
وَهُوّ قوْلُ سُفْيَانَ وَأَهْلِ الكُوفَةِ .
الثانية: قال علماؤنا: له تسعة شروط، ثلاثة في رأس المال، وستة في المُسْلَم. فأما
الثلاثة في رأس المال بأن يكون نقدًا، معلوم المقدار، معلوم الجنس، وأما المُسْلَم فيه بأن
يكون: معلوم الجنس، معلوم القدر، مؤجلاً، معلوم الأجل، موجودًا عند محل الأجل، مطلقًا
في الذمة غير معين. قال ابن العربي: أما كون رأس المال نقدًا فلا كلام فيه، لأنه إن تأخر كان
كالثًا بكالىء، وأما كونه معلوم القدر، فلا بدّ منه مخافة الرجوع فيه، فإذا غاب ولم يعلم قدره
أدى إلى المزابنة، وأما كونه معلوم الجنس فلا يلزم بحال، لأنه إذا دفعه إليه علم جنسه فلا
يحتاج إلى ذكره، وأما شرط معرفة القدر والجنس في المسلم فيه فلا كلام فيه، ولا يفتقر إلى
دليل، وأما الآجل فلا غنى عنه لدفع التشاجر في المطالبة، وكذلك العلم به، لأن المجهول لا
فائدة فيه، ولا يمكن الحكم به، وكذلك وجوده عند المحل، لأن ابتياع ما لا يقدر على تسليمه
لا يجوز، وأما كونه مطلقًا فواجب، لأن المعنى لا يجوز تأخير قبضه شرطًا.
الثالثة: قال أبو حنيفة: لا بد أن يكون المسلم فيه موجودًا من حين العقد إل الأجل مخافة
أن يموت المسلم إليه فيحلّ الدين فلا يوجد، قلنا: لا سبيل إلى أن يجعل الموهم كالمتحقق،
لأن ذلك يؤدي إلى إبطال العقود كلها، وليس له أصل في الشريعة يرجع إليه.
الرابعة: قال الشافعي: السلم الحالّ جائز، وخرّجه المغاربة من أقوال مالك، وهو عقد
باطل لأنه ليس بيع عين ولا دين وليس لهما ثالث، والنبي ◌َّ قد جعل الدين موجّلاً والعين
حاضرًا، فأما شيء حالٌ في الذمة أبدًا بعقد معاملة فليس له أصل في الشريعة، ويذهب معه
سبب السلم والسِّة وحكمته، وقد بيّنا ذلك في مسائل الخلاف.
الخامسة: الذي ثبت في بعض الحديث: (الثمار)) وفيه رد على الليث وغيره في كراهية
السلم فيها، لقوله: لا تبايعوا الثمار حتى يبدو صلاحها، وذلك في المعين والسلم وغيره.
السادسة: قوله: (مَن أسلف في شيء) عامٌ في كل موجود كان لحمًا أو رؤوسًا أو أكراعًا
أو عينًا أو حيوانًا أو جوزًا أو بيضًا، خلافًا لأبي حنيفة في ذلك كله، لأن النبي * قد عمّ
بقوله: ((في شيء)) ولم يخصّ، لأن جميعها محصور بالصفة يعرف ذلك عادة ويشهد له ظواهر
الشرع، وقد بيّاه في مسائل الخلاف.