Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١
كتاب الطلاق/ باب ١٩
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ فُرَيْعَةَ بِئْتِ مَالِكِ، أُخْتِ أبي سَعِيدِ الخُذْرِيِّ. وَحَفْصَةَ بِنْتِ
عُمَرَ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ زَيْنَبَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالعَمْلُ على هذا عِنْدَ
أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَ﴿ وَغَيْرِهِمْ؛ أنَّ المُتَوَفِّى عَنْهَا زَوْجُهَا، تَتَّقِي فِي عِدَّتِهَا الطِّيب
وَالزِّينَةَ.
وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثّوْرِيِّ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَالشّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْخَقّ.
١٩ - بلب مَا جَاءَ في المُظَاهِرِ يُوَاقِعُ قَبْلَ أنْ يُكَفِّرَ
[المعجم ١٩ - التحفة ١٩]
١١٩٨ - عقثنا أبُو سَعَيدِ الأشْجُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إذْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ
الأبيض، ولكثرة الوسخ عليها والنتن فتبتدىء بدء المسح وتكراره، يموت الطائر من كثرة
الوسخ (١). وروى البخاري عن شعبة أنها تقعد في شرّ أحلاسها، والحلس كساء يوضع تحت
البرذعة .
کتاب الظهار
باب المظاهر بواقع قبل أن يكفِّر
قال ابن العربي رضي الله عنه، ليس في الظهار حديث صحيح يعوّل عليه، أما أنه رُوِيّ
في ذلك حديثان. أما أحدهما فحديث خويلة أو خولة بنت مالك بن ثعلبة، قالت: ظاهر مني
زوجي أُويس بن الصامت فجئت رسول الله﴿ أشكو إليه، ورسول الله ## يجادلني فيه
ويقول: (اتقي الله فيه فإنه ابن عمك))، فما برحت حتى نزل القرآن ﴿قد سمع الله قول التي
تجادلك في زوجها﴾ [المجادلة: ١] فقال: ((يعتق رقبة))، قالت: لا يجد، قال: ((فيصوم
شهرين متتابعين»، قالت: إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال: ((فيطعم ستين مسكينًا»، قالت:
ما عنده من شيء يتصدّق به، قال: ((فإني سأُعينه بفرق من تمر»، قالت: يا رسول الله، وأنا
أعينه بفرق آخر، قال: ((قد أحسنت، اذهبي فأطعمي عنه بها ستين مسكينًا وارجعي إلى ابن
عمّك))، والفرق ستون صاعًا. وأما الثاني فروى أبو داود والترمذي أن المظاهر بواقع أهله قبل
(١) بياض بالأصل.
١٤٢
كتاب الطلاق/ باب ٢٠
إِسْحَلَقَ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ سُلَيمَانَ بْنٍ يَسَارٍ، عَنْ سَلمَةَ بْنِ صَخْرٍ
البَيَاضِيّ، عَنِ النَّبِيِِّ﴿ فِي الْمُظَاهِرِ يُوَاقِعُ قَبْلَ أنْ يُكَفِّرَ، قَالَ: ((كَفَّارَةٌ وَاحِدَةً»(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَالعَمَلُ على هذا عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ.
وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ وَمَالِكٍ وَالشّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَقّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إذَا وَاقَعَهَا قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ.
وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُهْدِيٍّ.
١١٩٩ - أَلْبَانًا أبو عَمَّارِ الحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ. أَنْبَأَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى عَنْ مَعْمَرٍ،
عَنِ الحَكّمِ بْنِ أَبَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أنَّ رَجُلاً أتى النّبِيِّ ◌ِ﴿ِ، قَدْ ظَاهَرَ مِنِ
امْرَأْتِهِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إني قَدْ ظَاهَرْتُ مِنْ زَوْجَتِي فَوَقَعْتُ عَلَيْهَا قَبْلَ أنْ
أُكفّرَ. فَقَالَ: (وَمَا حَمَّلَكَ على ذلِكَ، يَرْحَمُكَ اللَّهُ))؟ قَالَ: رَأيْتُ خلْخَالَهَا في ضَوْءٍ
القَمَرِ. قَالَ: ((فَلاَ تَقْرَبْهَا حتى تَفْعَلَ مَا أَمَرَّكَ اللَّهُ بِهِ)(٢).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ.
٢٠ - باب مَا جَاءَ في كَفَّارَةِ الظُّهَارِ
[المعجم ٢٠ - التحفة ٢٠]
١٢٠٠ - حقثنا إِسْحُقُ بْنُ مَنْصُورٍ. أنْبَأَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الخَزَّازُ. أَنْبَأَنًا
عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ. أَثْبَأَنَا يَحْيَىُ بْنُ أبي كَثِيرِ. أَثْبَأَنَا أَبُو سَلَمّةً وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
تَوْيَانَ، أنَّ سَلْمَانَ بْنَ صَخْرِ الأنْصَارِيَّ، أَحَدَ بَنِي بَيَاضَةَ، جَعَلَ امْرَأْتَهُ عَلَيْهِ كَظَهْرٍ أُمَّهِ حتى
أن يكفّر (كفّارة واحدة)، عن سلمة بن صخر البياضي. وروى الترمذي وأبو داود تفسيره، أما
حديث الترمذي فعن ابن عباس، وأما حديث أبي داود والترمذي أيضًا فعن سلمة بن صخر أنه
(جعل امرأته كظهر أمه حتى يمضي رمضان، فلما مضى نصف رمضان وقع عليها ليلاً، فأتى
(١) أخرجه ابن ماجه في: ١٠ - كتاب الطلاق، ٢٦ - باب المظاهر يجامع قبل أن يكفر، حديث رقم
٢٠٦٤.
(٢) أخرجه ابن ماجه في: ١٠ - كتاب الطلاق، ٢٦ - باب المظاهر يجامع قبل أن يكفر، حديث رقم
٢٠٦٥.
١٤٣
كتاب الطلاق/ باب ٢٠
يَمْضِيَ رَمَضَانُ. فَلَمَّا مَضَى نِصْفٌ مِنْ رَمَضَانَ وَقَعَ عَلَيْهَا لَيْلاً. فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ لِ﴾،
فَذَكَرَ ذلِكَ لَهُ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَ هِ: ((أَعْتِقْ رَقَبَةٌ» قَالَ: لاَ أَجِدُهَا. قَالَ: ((فَصُمْ
شَهْريْنِ مُتَتَابِعَيْنِ)). قَالَ: لاَ أُسْتَطِيعُ. قَالَ: ((أطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا». قَالَ: لاَ أُجِدُ. فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ لِفَزْوَةَ بْنِ عَمْرٍو ((أَعْطِهِ ذُلِكَ العَرَقَ (وَهُوَ مِكْتَلٌ بِأْخُذُ خَمْسَةً عَشَرَ صَاعًا أوْ
سِتَّةَ عَشَرَ صَاعًا) إِطْعَامَ سِتِينَ مِسْكِينًا))(١).
رسول الله* فذكر له ذلك، فقال: ((أعتق رقبة))، قال: لا أجد، قال: ((فصم شهرين
متتابعين))، قال: لا أستطيع، قال: ((أطعم ستين مسكينًا))، قال: لا أجد، فقال رسول الله قليل
لعروة بن عمر: ((أعطه ذلك الفرق)))، قال: (لا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله). والأشبه أن
أُويس بن الصامت فيه نزلت الآية. قالت امرأته خولة له حين ظاهر منها: والله ما أراك إلا
قد أثمت في شأني، أبليت جدّتي وأفنيت شبابي وأكلت مالي، حتى كبرت سنّي ورق عظمي
واحتجت إليك فارقتني، قال: ما أكرهني لذلك، اذهبي إلى رسول الله #1 فانظري، هل
تجدين عنده شيئًا في أمرك؟ فذهبت، قيل ابنة ثعلبة وقيل بنت الدليح، وذكرت ذلك فقال:
(حَرُمْتِ عليه))، فرفعت رأسها إلى السماء فقالت: إلى الله أشكو حاجتي إليه، وعائشة تغسل
شقّ رأسه الأيمن، فعادت فقالت لرسول الله *، فقال: ((حَرُمْتِ عليه))، ثم ذهبت أن تُعيد
فقالت عائشة: فقد نزل الوحي، فنزلت الآيات في المجادلة، هكذا رواه قوم من المفسرين
وغيرهم، فربّك أعلم بالتفصيل، فأما الجملة فمعلومة. قال ابن العربي: إذا ثبت هذا، المسألة
كثيرة، والمتعلق بما ذكرنا منها خمس رسائل:
الأولى: قال مجاهد: بنفس الظهار تجب الكفّارة ولا يفتقر في وجوبها إلى العود، وهذا
ضعيف، لأن الله تعالى قال: ﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ [المجادلة: ٣] وهذه الأحاديث التي
تلوناها العود فيها بيِّن، لأن التشكّي بما جرى وطلب الخلاص منه هو العود، وهي:
المسألة الثانية: وقد اختلف الناس فيه اختلافًا كثيرًا أحكمناه في كتاب الأحكام. قال
البخاري في أنه لا يصح إن يكون العود تكرير الظاهر كما توهّمه بعض الأخصار، إن الله لا يدل
على المنكر من القول والزور. وتردد الناس هل الوطء أو العزم على الوطء أو الإمساك؟ وهو
الصحيح، لأن القول كان في التخلي عن الزوجة ثم عاد يتمسك بها ليطأ، فكان ذلك عودًا فيما
زعم أنه لا یکون.
الثالثة: أن المظاهر إذا وطىء لا تتكرر عليه الكفارة، وقال مجاهد: عليه كفّارة ولا
(١) أخرجه أبو داود في: ١٣ - كتاب الطلاق، ١٧ - باب في الظهار، حديث ٢٢١٣. وأخرجه ابن ماجه
في: ١٠ - كتاب الطلاق، ٢٥ - باب في الظهار، حديث رقم ٢٠٢٦.
١٤٤
كتاب الطلاق/ باب ٢١
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
يُقَالُ سَلْمَانُ بْنُ صَخْرٍ، وَيُقَالُ سَلَمَةُ بْنُ صَخْرِ الْبَاضِيّ.
وَالعَمَلُ على هذا الحَدِيثِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ، فِي كَفَّارَةِ الظُّهَارِ .
٢١ - باب مَا جَاءَ في الإيلاَءِ
[المعجم ٢١ - التحفة ٢١]
١٢٠١ - عقلنا الحَسَنُ بْنُ قَزَعَةَ البَصْرِيُّ. أَنْبَأَنَا مَسْلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ.
أَنْبَأَنَا دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: آلَى رَسُولُ
وجه له، لا من القرآن ولا من السُّنّة، والعجب من ميل عبد الرحمن إلى ذلك مع فقهه،
وليس في قول النبي # للمظاهر وقد وقع على امرأته من قبل أن يكفّر: ((لا تقربها حتى
تفعل ما أمرك الله)) دليل على شيء مما زعموا، بل ظاهر في أن عليه كفّارة واحدة. وقد
قال قوم وهي:
الرابعة: أنه إذا وطىء قبل أن يكفّر سقطت عنه الكفّارة، والحديث نص في إبطال قولهم،
لأنه * قال للذي وقع قبل أن يكفّر: ((لا تقربها حتى تفعل ما أمر الله)).
الخامسة: قال في الخير إن رسول الله * أعانه بفرق، وقال أهله: أنا أُعطيه فرقًا، وقال
في حديث فروة: أعطه ذلك الفرق وهي: خمسة عشر صاعًا، أو ستة عشر صاعًا، قال
الترمذي: وهو صحيح. واختلف الناس في مقدار الإطعام، فقال الشافعي: مد بمدّ النبي {8}،
وقال مالك: مذان بمد النبي #، وهذا خروج عن ظاهر الحديث، ولأن طرقه لم تصح لم يبن
عليه أحد مذهبنا في هذه الزيادة، لأنها غير متفق عليها. في حديث فروة: تكون تسعين رطلاً أو
ستة وتسعين رطلاً، وذلك أكثر.، مد بمدّ النبي (، وأقل من مدين به، وإن أُضيف إليه فرق
آخر كما في حديث خولة جاء أكثر من ذلك مرتين، وليس بقول لأحد. والفرق في غير هذا
الحديث ثلاثة آصع، وذلك إثنا عشر مدًا بمدّ النبي ول$، وإذا ضوعفت جاءت أربعة وعشرين
مدًّا، ولم يجز أيضًا عندي، فاضطربت الرواية واختلف مقدار المسمّى فسقط، ولأجل هذا
الاضطراب أعرض عنه أهل الصحة وأوقفوا الأمر على مجرد ظاهر القرآن، وحملوه على العادة،
والله أعلم.
باب الإيلاء
ذكر حديث سلمة بن علقمة حدّثنا داود عن عامر عن مسروق (عن عائشة قالت: آلى رسول
١٤٥
كتاب الطلاق/ باب ٢١
اللَّهِ وَهُ مِنْ نِسَائِهِ، وَحَرَّمَ. فَجَعَلَ الحَرَامَ حَلاَلاً، وَجَعَلَ في الْيَمِينِ كَفَّارَةٌ(١).
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَنَسٍ وَأْبِي مُوسَى.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ مَسْلَمَةَ بْنِ عَلْقَمَةً عَنْ دَاوُدَ، رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ وَغَيْرُهُ عَنْ
دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ؛ أنَّ النّبِيِّ وََّهُ مُرْسَلاً.
وَلَيْسَ فِيهِ (عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةً) وهذا أصَحُ مِنْ حَدِيثٍ مَسْلَمَةِ بْنِ عَلْقَمَةً.
وَالإِيلاَءُ هُوَ أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ أَنْ لاَ يَقْرُبَ امْرَأَتَهُ أَرْبَعَةً أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ.
الله ◌َ﴾ من نسائه وحرم فجعل الحرام حلالاً وجعل في اليمين كفّارة). قال: وفي الباب عن أنس،
وعلّله بأن غير مسلمة رواه عن الشعبي مرسلاً، وهو أصحّ من مسلمة.
الإسناد: ثبت في الصحيح واللفظ للبخاري، عن عبيد بن عمير عن عائشة قالت: كان
رسول الله ﴿ يشرب عسله عند زينب بنت جحش، ولن أعود له(٢)، وقد حَلِفَتْ لا تخبر لي
أحدًا يبتغي بذلك مرضاة أزواجه. وفي كتاب مسلم أنه شربه عند حفصة، والأول أشهر، وكذلك
رواه أشهب عن مالك، وقد روى ابن وهب عن مالك عن زيد بن أسلم مرسلاً قال: حرّم
رسول الله ﴿ أم إبراهيم، فقال: أنت عليّ حرام، والله لا آتيك، فأنزل الله ﴿يا أيّها النبي لِم
تحرّم ما أحلّ الله لك﴾ [التحريم: ١]، وروى نحوه ابن القاسم. وفي الصحيح أن المرأتين من
نسائه عائشة وحفصة تظاهرتا عليه، وكان آلى منهنّ شهرًا حتى أكثرن عليه من الشكوى بطلب
الإنفاق، وقال ابن العربي: فاجتمعت ثلاث قصص: التظاهر عليه في الشراب من العسل،
والإلحاح عليه في النفقة، وما جرى له في شأن مارية، فأنزل الله في السورة في الثلاث المعاني،
وبقي بعد هذا أن التحريم المذكور في السورة هل هو مقتضى اليمين بقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي
لم تحرّم ما أحلّ الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم قد فرض الله لكم تَحِلّة
أيمانكم﴾ [التحريم: ١، ٢] معنى واحد غير معنى اليمين، فهما معنيان. وبقي بعد هذا النظر،
هل حرّم رسول الله * بيمين، أم حرّمها بلفظ التحريم، أم منع نفسه منها وقال: لا أغشاها؟
ويقي النظر في قول عائشة: آلى، وحرّم، وجعل في اليمين كفّارة إلى قولها: وحرّم الحلال، أم
هو معنى ثلاث؟ ولأجل ذلك اختلف الناس في تحريم الحلال في مأكول ومشروب وملبوس
ومنكوح أمة واحدة، وقد أحكمنا هذه المعاني في كتاب الأحكام. قال أبو حنيفة: إذا أطلق
التحريم حمل على المأكول والمشروب دون الملبوس، وكانت يمينًا توجب الكفّارة. وقال زفر:
هو يمين في الكل حتى في الحركة والسكون، وتعلقوا بأن معنى اليمين التحريم، فإن صرّحوا
(١) لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة سوى الترمذي.
(٢) هنا يوجد كلام ساقط، كما هو الملاحظ بوضوح.
عارضة الأحوذي/ ج ٥/ م ١٠
١٤٦
كتاب الطلاق/ باب ٢١
وَاخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فِيه إِذَا مَضْ أرْبَعَةُ أَشْهُرٍ. فَقَالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أَضْحَابٍ
النَّبِيِّ وَّهِ وَغَيْرِهِمْ: إِذَا مَضَتْ أرْبَعَةُ أَشْهُرٍ يُوقَفُ. فَإِمَّا أنْ يَفِيءَ، وَإِمَّا أنَّ يُطَلِّقَ. وَهُوَ
قَوْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَالشّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَقَ.
وَقَالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النّبِيِّ نَّهَ وَغَيْرِهِمْ: إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَهِيَ
تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ. وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأهْلِ الْكُوفَةِ.
بلفظها كانت، وإن صرّحوا بالمعنى ثبت، كما قال: بعتك وملكتك، ذلك كله سواء بالإجماع.
وعوّلت المالكية على أن اليمين عندهم أيضًا وإن كانت تقتضي التحريم، ولكن الكفّارة وجبت
بقول الله تعظيمًا لحرمة ذكره، فإن كانت اليمين خالية عن ذكر الله لم تلزم كفّارة لعدم المعنى
الموجب لها، وقد ذمّ الله مَن اقتصر على التحريم فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحزّموا طيبات
ما أحلّ الله لكم﴾ [المائدة: ٨٧] وقال تعالى: ﴿أفرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه
حرامًا وحلالاً﴾ [يونس: ٥٩]، وبإخراج أبي حنيفة للملبوس سقط بمناقضته جملة، ويبقى هذا
الدليل على زفر. وقول عائشة: آلى رسول الله8* من نسائه شهرًا، فلما كان صبيحة تسع
وعشرين نزل، فقالوا له: إنك آليت شهرًا، فقال: ((الشهر تسع وعشرون)). وكان إيلاؤه منهنّ
واعتزاله لهنّ في شدة موجدته عليهنّ فيما أتين إليه من المكروه بالتظاهر عليه والإلحاح في طلب
النفقة والكسوة منه، ولم يكن عنده إلا نحو من صاع شعير، ومثله من قرض مضبور (١) وأفيق
معلق في البيت، ورمال سرير عليه حصير، وإزار يلتحف به. وكان ذلك تأديبًا لهنّ، واستأمر الله
سبحانه في أمرهنّ حتى أمره تعالى بما تقدم ذكره من التخيير. فإن قيل: كيف نزل صبح تسع
وعشرين وقد آلى شهرًا وإن كان الشهر يكون تسعًا وعشرين فإن ذلك يقتضي النزول صبح
ثلاثين. قلنا: هذا اللفظ متفق عليه، ولم أجد مخرجًا إلا أن أبا عمر الزاهد ذكر أن العرب أو
من العرب مَن يعدّ اليوم الذي مضى، فجعل ليلة يصبح منها الثلاثون للتسع والعشرين، ويعود
هذا الباب إلى أن الابتداء هل يكون في حسابها بالنهار أو بالليل والله أعلم. وكان إيلاء
النبي * شهرًا معينًا، فلذلك جعله بالهلال دخل به في الاعتزال عنهنّ، وخرج به. ولو كان
الإيلاء شهرًا مطلقًا لم يكن بدَّ من استيفاء ثلاثين يومًا وكذلك قال علماؤنا. ويحتمل أن يكون
الإيلاء مطلقًا، ويحمله النبي 8 على أقل الشهر حملاً للألفاظ على أقل معانيها، والأول أظهر
عندي فإني لم أعلم أحدًا قال هذا الاحتمال. ومسائل الإيلاء كثيرة قد بيّاها في موضعها، وليس
في الإيلاء إلا القرآن وهذا الحديث الواحد.
(١) هكذا بالأصل.
١٤٧
كتاب الطلاق/ باب ٢٢
٢٢ - باب مَا جَاءَ في اللّعَانِ
[المعجم ٢٢ - التحفة ٢٢]
١٢٠٢ - حدثنا هَنَّادٌ. حَدْثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أبي سُلَيمانَ،
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سُئِلْتُ عَنِ المُتَلاعِتَيْن في إِمَارَةٍ مُصْعبٍ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَيُفَرِّقُ بَيْنَهُمَّا؟
فَمَا دَرَيْتُ مَا أَقُولُ. فَقُمْتُ مَكَانِي إِلى مَنْزِلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ فَقِيلَ لي:
إِنَّهُ قَائِلٌ. فَسَمِعَ كَلاَمِي فَقَالَ: ابْنُ جُبَيْرٍ! ادْخُلْ، مَا جَاءَ بِكَ إلاَّ حَاجَةٌ.
قَالَ: فَدَخَلْتُ فَإِذَا هُوَ مُفْتَرِشْ بَرْدَعَةَ رَحْلٍ لَهُ. فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ!
المُتّلاَعِنَانِ، أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! نَعَمْ. إِنَّ أوَّلَ مَنْ سَأَلَ عَنْ ذلِكَ فُلاَنُ بْنُ
فُلاَنٍ. أتى النبيِّ لَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ أنَّ أَحَدَنَا رَأَى امْرَأْتَهُ على فَاحِشَةٍ، كَيْفَ
يَصْنَعُ؟ إِنْ تَكَلَّمَ، تَكُلِّمَ بِأمْرٍ عَظِيمٍ. وَإِنْ سَكْتَ، سَكَتَ على أمْرٍ عَظِيمٍ.
قَالَ فَسَكَتَ النِِّيُّ ◌َ﴿ فَلَمْ يُجِبْهُ.
باب اللعان
قال ابن العربي رحمه الله: رواه عن النبي # جماعة، منهم: ابن عمر وسهل وابن
عباس، والبداية لابن عمر: (قال سعيد بن جبير سُئلت عن المتلاعنين في إمارة مصعب بن الزبير
أيفرق بينهما؟ فما دريت ما أقول، فقمت إلى مكان عبد الله فاستأذنت عليه فقيل: إنه قائل،
فسمع كلامي، فقيل: ابن جبير؟ ادخل ما جاء بك إلا حاجة، فدخلت فإذا هو مفترش برذعة
رحل، فقلت: يا أبا عبد الرحمن المتلاعنان يفرق بينهما؟ قال: سبحان الله نعم، إن أول مَن
سأل عن ذلك فلان بن فلان) فسره سهيل، فقال: جاء عويمر العجلاني إلى عاصم: أرأيت رجلاً
وجد مع امرأته رجلاً؟ وقال: يقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ سَلْ لي يا عاصم عن ذلك رسول
الله، فكره رسول الله المسائل وعابها حتى كَبُرَ على عاصم ما سمع من رسول الله صل*، فقال
عاصم لعويمر: لم تأتني بخير، قد كره رسول الله ** المسائل التي سألتني عنها، فقال عويمر:
والله لا (١) حتى أسأله عنها، فلما رجع عاصم إلى أهله جاءه عويمر فقال: يا عاصم، ما قال
لك رسول الله؟ فأقبل عويمر حتى جاء رسول الله 9 وسط الناس، (فقال: يا رسول الله، أرأيت
أحدنا رأى امرأته على فاحشة، كيف يصنع؟ إن تكلم تكلم بعظيم وإن سكت سكت على أمر
عظيم، فسكت النبي 18 ولم يجبه).
(١) بياض بالأصل.
١٤٨
كتاب الطلاق/ باب ٢٢
فَلَمَّا كانَ بَعْدَ ذلِكَ، أتى النَّبيِّ ◌َ ﴿ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي سَألْتُكَ عَنْهُ قَدِ ابْتُلِيتُ بِهِ. فَأَنْزَلَ
اللَّهُ هذِهِ الآيَاتِ الْتي في سُورَةِ النُّورِ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلاَّ
أَنْفُسَهُمْ﴾ [النور: ٦] حتى ختمَ الآيَاتِ.
فَدَعًا الرَّجُلَ فَتَلاَ الآيَاتِ عَلَيْهِ. وَوَعَظَهُ وَذَكَّرَهُ وَأَخْبَرَهُ أنَّ عَذَابٌ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ
عَذَابِ الآخِرَةِ. فَقَالَ: لاَ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ! مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا.
ثمَّ ثَنَّى بِالمَرْأةٍ فَوَعَظَهَا وَذَكْرَهَا. وَأَخْبَرَهَا أنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ،
فَقَالَتْ: لاَ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقُّ! مَا صَدَقّ.
قَالَ، فَبَدَأْ بِالرَّجُلِ فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ. وَالخَامِسَةَ أنَّ لَعْنَةٌ
اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الكَاذِينَ.
ثمَّ ثَنِى بِالمَرْأَةِ فَشَهِدَتْ أَزْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الكَاذِينَ. وَالخَامِسَةُ أَنَّ غَضَبَ
اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينّ.
ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَّا(١).
(فلما كان بعد ذلك جاءه فقال): أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً، أيقتله فيقتلونه أم
كيف يفعل؟ إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به، فأنزل الله فيها ما ذكر في القرآن من أمر
المتلاعنين، فقال رسول الله *: ((قد قضي فيك وفي امرأتك، فاذهب فأتِ بها))، (فأنزل الله
هذه الآية التي في النور: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ [النور: ٦] حتى ختم الآيات، فدعى الرجل
فتلاهن عليه، ووعظه وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فقال: لا والذي
بعثك بالحق، ما كذبت عليها، ثم ثنى بالمرأة ووعظها وذكّرها وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من
عذاب الآخرة، فقالت: لا والذي بعثك بالحق ما صدق)، وقال النبي: ((حسابكما على الله،
أحدكما كاذب فهل منكما تائب))؟ وفي رواية أن النبي # يقول: ((إن أحدكما كاذب، فهل منكما
من تائب))؟ ثلاث مرات، فأمرهما رسول الله * بالملاعنة بما سمى الله في كتابه، فتلاعنا عند
رسول الله ) في المسجد، (قال فبدأ بالرجل فشهد أربع شهادات إنه لمن الصادقين والخامسة
أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثنى بالمرأة فقامت فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن
الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ثم فرّق بينهما)، وقال: ((أحدكما
(١) أخرجه البخاري في: ٦٨ - كتاب الطلاق، ٣٢ - باب صداق الملاعنة، حديث رقم ٢١٦٤. وأخرجه
مسلم في: ١٩ - كتاب اللعان، حديث رقم ٤.
١٤٩
كتاب الطلاق/ باب ٢٢
قالَ: وفي الّابِ عَنْ سَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنٍ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةً.
كاذب، لا سبیل لك علیھا)). قال: مالي، قال: ((لا مال لك، إن کنت صدقت عليها فهو بما
استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فذاك أبعد لك، وفي رواية: فطلقها ثلاثًا قبل أن
يأمره رسول الله #، ذلك التفريق بين كل متلاعنين. وفي حديث ابن عباس ذكر المتلاعنين عند
رسول الله # فقال عاصم في ذلك قولاً ثم انصرف، فأتاه رجل من قومه فشكى إليه أنه وجد
مع امرأته رجلاً، فقال عاصم: ما ابتليت بهذا إلا لقولي، فذهب إلى رسول الله # فكان ذلك
الرجل مصفرًا قليل اللحم سبط الشعر، وكان الذي ادعى عليه أنه وجده عند أهله أم خذل كثير
اللح(١) فقال رجل لابن عباس: هي التي قال النبي 8#1: ((لو رجمت أحدًا بغير بيّنة لرجمتها))،
قال: لا، تلك امرأة كانت تظهر في الإسلام السوء، انتهى حديث القاسم عن ابن عباس. وفي
حديث هشام بن حسان، عن عكرمة، عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته فجاء فشهد
والنبي $ يقول: ((اله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب))؟ ثم قامت فشهدت، وفي
حديث سهل: (انظروا، فإن جاءت به أسحم، أدعج العينين، عظيم الإليتين، خدلج الساقين فلا
أحسب عويمر إلا قد صدق عليها، وإن جاءت به أحيمر، كأنه وحده (١)، فلا أراء إلا قد
كذب))، فجاءت به على النعت الذي نعت رسول الله 18 من تصديق عويمر، فكان بعد ينسب
إلى أمه، وكانت سُنة المتلاعنین أن يفرّق بين المتلاعنین، وکانت حاملاً فأنكر حملها، ثم جرت
السّنّة في الميراث أن يرثها وترئه. وقد ذكر في الصحيح عن ابن عباس، عن هشام، عن عكرمة
أن هلال بن أُميّة قذف امرأته بشريك بن السحماء عند النبي #، فقال النبي ﴾: ((البيّنة، وإلا
حذّ في ظهرك))، فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، فلينزل الله ما يبرىء ظهري من
الحد، فنزل جبريل ونزل عليه ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ إلى ﴿الصادقين﴾ فانصرف النبي (*،
فأرسل إليها، فجاء هلال فشهد والنبي # يقول: ((الله يعلم إن إحدكما كاذب، فهل منكما
تائب)»؟ ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا: إنها موجبة. قال ابن عباس:
فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فقال النبي #1:
(أبصروها، فإن جاءت به أكحل العينين، سافع الإليتين، خدلج الساقين)) فجاءت به كذلك فقال
لها النبي #: ((لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن). وفي حديث عبد الله أنه جاء
إلى المسجد ليلة الجمعة رجل من الأنصار فقال: لو أن رجلاً وجد مع امرأته رجلاً فتكلم
جلدتموه، أو قتل قتلتموه، وإن سكت سكت عن غيظ، والله لأسألنّ عنه رسول الله و﴿﴿، فلما
كان من الغد أتى رسول الله # فقال: ((لو أن رجلاً وجد مع امرأته فتكلم جلدتموه، أو قتل
قتلتموه، وإن سكت سكت عن غيظ، فقال: اللَّهمَّ افتح، وجعل يدعو فنزلت آية اللعان قتلاعنا،
فلما أدبر قال: ((لعلها أن تجيء به أسود جعدًا»، فجاءت به أسود جعدًا. وفي حديث هشام عن
(١) هكذا بالأصل.
١٥٠
كتاب الطلاق/ باب ٢٢
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ على هذا الحَدِيثِ
عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ.
محمد أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن السحماء وكان أخا البراء بن مالك لأُمه، فكان
أول رجل لاعن في الإسلام، فقال النبي ◌َ *: ((أبصرها، فإن جاءت به أبيض، سبطًا، قضيء
العينين فهو لهلال بن أميّة، وإن جاءت به أكحل، جعدًا، أحمش الساقين فهو لشريك»، فجاءت
به أكحل جعدًا أحمش الساقين. قال يحيى بن معين: انفرد مالك في هذه النازلة بقوله: وألحق
الولد بالأم. قال ابن العربي: العارضة فيه أن اللعان مستثنى، خصّ الله به آية القذف، وجعله
للزواج مخلصًا من الذي عاين من الحادث العظيم في عرضه، ورفعًا للغبن عنه في أهله. ونحن
نسوق القول فيه مختصرًا على سرده، تحقيقًا للعارضة في وضعه في اثنين وثلاثين مسألة:
الأولى: وقع الحكم في اللعان في امرأة مصعب بن الزبير فلاعن بينهما مصعب ولم
يفرّق، فسُئِلُ عن ذلك سعيد بن جبير فلم يعلم الجواب، وكان من فقهاء الوقت، فوقف عمّا
علم كما يلزم في الدين وصار يطلب العلم في مظانه، وهي:
الثانية: وينتهسه عند أهله كما قال الله سبحانه: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾
[النحل: ٤٣] حين لم يجده في كتاب الله ولا حفظه سُنّة عند رسول الله 18، وقد علم أنه قد
وقع في زمن رسول اله # ولكنه لم يكن علم كيفية الحكم في ذلك، فجاء عبد الله بن عمر
في مكانه وفي بيته يؤتى الحكم وهو قائل، يريد في وقت القائلة، وهي:
الثالثة: إذ ليس في ترك الأدب قصد العالم في أيّ وقت وقعت فيه النازلة، أما أنه إن
اعتذر قبل عذره وصدق قوله ولم ينذر ولم يعذر.
الرابعة: قوله: (فإذا هو مفترش) مجرد دعوة، وهو دليل على جواز افتراش الولاة، وقد
رُوِيّ في ذلك نهي لم يصح، فقلت: يا أبا عبد الرحمن وهي:
الخامسة: دليل على دعاء العالم بكنيته تكرِمَّة له، ولا زيادة على ذلك. قال: المتلاعنان
أيفرق بينهما؟ قال: سبحان الله، استعاذ لجهل ذلك. وهي كلمة تُقال عند التعجب، وتعظيم الله
عن أن يكون الشيء إلا بحكمه وقضائه من خير وشر، وعلم أو جهل، أو طاعة أو معصية، أو
موجود کیفما تصرّف، وهي:
السادسة: أن أول من سأل عن ذلك فلان ابن فلان، نسبه الراوي، وهي:
السابعة: وهو عويمر، وقد رُوِيّ ما قدّمنا: هلال بن أمية. قال الناس: هو وهم من
هشام بن حسان، وعليه دار الحديث لابن عباس بذلك وحديث أنس. وقد رواه القاسم عن ابن
عباس كما رواه الناس فيهنّ فيه الصواب.
١٥١
كتاب الطلاق/ باب ٢٢
الثامنة: قد كان جرير ذكر حال المتلاعنين عند رسول الله * قبل أن يسأل عويمر، وتكلم
في ذلك عاصم ورجع إلى أهله، فحينئذ جاءه عويمر فسأله فقال عاصم: ما ابتليت بهذا إلا
لقولي، يعني: أن البلاء موكل بالمنطق إن لم يكن في نفسه، ففي ذويه.
التاسعة: قوله: (أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل) لأنها حالة عظيمة، كما قال: إن تكلم تكلم
بعظيم وإن سكت سكت عن غيظ عظيم وإن قَتل قُتل. وقد كشف سعد بن عبادة هذا المعنى،
فقال النبي : ((أمهله حتى آتي بأربعة شهداء)). وفي صحيح مسلم: أيقتله؟ قال: ((لا)، قال
سعد: بلى، والذي أكرمك بالحق، قال النبي وَل98: ((انظروا إلى ما يقول سيدكم، إنه لغيور، وأنا
أغير منه، والله أغير منّا)، فكرر السؤال على النبي وَ# ولم يردّ قوله، لعله أن يكون في ذلك
فرج له. وفي رواية: لأعاجله، أو عاجله. ولأضربته بالسيف غير مصفح به، كل ذلك صحيح.
وقول النبي {َلقوله: (نعم))، معناه: أمهله حتى يأتي بأربعة شهداء، ليس بتقرير للزنى إنما هي
نازلة عظيمة تحامل فيها حكمان: أحدهما: إن تمهّل من ضرّه في أهله أو الضرر بتلف نفسه،
إما بقتل من يضرّه أو يقتله مَن يضرّه، فبيّن النبي 15# أن احتمال الأذى في العرض أخف من
احتمال الأذى في النفس، فعجب النبي 1853 من غيرة سعد التي حملته على إيثار عرضه على
نفسه، ولو كان الداخل على الأهل مخطئًا وتحقق أنه وصل إليها وأقدم على قتله في الحال لكان
ذلك أخفّ عند الله من أن يقتله بمجرد كشف الستر بالدخول في المنزل، فإن ذلك لا يلزم فيه
القتل، فلو قتله لكان قائلاً نفسًا بغير حق. وقد اختلف الناس في هذه المنزلة اختلافًا بيناه في
موضعه من شرح الموطأ. وروى الدارقطني أن رجلاً قال للنبي # في رجل وجد مع امرأته
رجلاً: أيقتلها؟ وكما بيّنًا في القبس حكم الداخل بالزوجة مثله في التنزيل الذي تركناه في تلك
المسائل، فلينظر ولتركب هذه النازلة، والله أعلم.
العاشرة: قوله: (كره رسول الله * المسائل) قد ثبت عن النبي ) أنه قال: ((إن الله
أمركم بأشياء فامتثلوها، ونهاكم عن أشياء فاجتنبوها، وسكت لكم عن أشياء رحمة منه فلا
تسألوا عنها))، ووجه الرحمة في هذا أنه لم يشرع عليها تكليفًا، فيكون المرء عليها سترًا
مرسلاً.
الحادية عشر: إلحاح عويمر في السؤال يحتمل أن يكون لأن النازلة وقعت عنده، ويحتمل
أن يكون لأن مقدماته كان قد عاينها فخاف الانتهاء إلى المكروه، وكذلك كان. ولعله لما سأل
تحقق قبله الحال، لأن البلاء موكل بالمنطق، ولذلك قال: إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به،
فأنزل الله الآيات الأربع في اللعان، وهو بناء فعال الذي بعد فراقهما وخروج الكاذب من رحمة
الله إلى غضبه ولعنته، فدعا النبي # الزوج، وهي:
١٥٢
كتاب الطلاق/ باب ٢٢
الثالثة عشر: بدأ بالمدعي لينفي عن نفسه ما وجب عليه من الحدّ، لقوله 18 في الحديث
للذي قذف امرأته: ((البيّنة، وإلاّ حدّ في ظهرك))، وليبعد عن نفسه الفراش الذي زعم أنه
ملطوخ، ويتفي النسب الذي ذكر أنه لم يكن منه، فذكره ووضعه، وهي:
الرابعة عشر: توريع الخصوم عن اقتحام الباطل، وتذكيرهم بما عند الله من الثواب لمَن
صبر وصدق والعقاب لمَن كذب، حتى إذا حرّموا نفذ حكمه.
الخامسة عشرة: قوله: (ثم ثنى بالمرأة) للتعديل بين الخصوم، وهو أصل القضاء وشرط
الحكم، والحق الذي هو موضوع الواحد الحق، الحق في خلقه، وصفته في ذاته سبحانه. وقال
أبو حنيفة: إذا لاعنت المرأة قبل الزوج لم تعده إذا حكم به حاكم، قلنا: إذا حكم به الحاكم
فقد خالف النص فلم يعتد به، وحمله على تقديم يمين أحد المتبايعين عند الاختلاف في
السلعة، وذلك لا نص فيه فلم يجز حمل المنصوص على غير المنصوص، فلما حقّق كل واحد
منهما دعواه قال ##: ((أحدكما كاذب، فهل من تائب))، أثبت أحد القسمين لاستحالة انتفائهما
جميعًا وعدم إمكان تعيين الحق منهما للآدمي، وهي:
السادسة عشرة: أن التقسيم إذا دار بين النفي والإثبات فلا بد أن يكون أحدهما، وقال:
فهل من تائب))، وهي:
السابعة عشرة: تأكيد للوعظ والتذكير، ولذلك كرّره ثلاث مرات وهي عامّة التكرار في
الحديث والوعظ، كما ورد في الحديث الصحيح.
الثامنة عشر: قوله: (فتلاعنا في المسجد) ذكر ذلك لأن القضاء كان في المسجد، وهو
الحق في كل نازلة وخصوصًا في هذه التي فيها الأيمان للتعظيم، ومحل اليمين المسجد عند كثير
من العلماء.
التاسعة عشرة: قوله: (ثم فرّق بينهما)، قال علماؤنا: من أحكام اللعان ما يتعلق بالتعان
الزوج وحده، ومنه ما يقف على وجود اللعان منها، مما يقف على لعان الزوج وحده سقوط حدّ
القذف عنه، وبه قال الشافعي: وقال أبو حنيفة: لا سبيل إلى حد الزوج إن لم يلتعن ولا إلى
حدّ المرأة إن لم تلتعن، وإنما يحسب من أيّ منهما على اللعان أبدًا، إلا أن يتعلق أو يموت.
والحديث نص لم يره، وهو قوله: (البيّنة وإلّ حدّ في ظهرك). فأما الفرقة بينهما فلا تكون إلا
مع التعانهما معّا، وقال الشافعي: تقع الفرقة بلعان الزوج أيضًا وإن لم تلتعن المرأة، وليس له
شيء يتعلق به، لأن في الحديث متلاعنان ففرّق بينهما، فذكر الحكم وسببه، وقال النبي عليه
السلام: ((لا سبيل لك عليها) بعد التعانها والذي يقع فيه التوقف ويكون محلاً للنظر هل تقع
الفرقة بانقضاء التلاعن أم لا بد من حكم الحاكم بالفراق بعده؟ وهذه مسألة ضعيفة، لأن اللعان
١٥٣
كتاب الطلاق/ باب ٢٢
إذا انقضى فلا سبيل له إليها، سواء حكم الحاكم بالفراق أم لم يحكم، وإنما يكون الالتفات إلى
ما وقع به الفراق بين المتلاعنين بين يدي النبي عليه السلام، هل كان ذلك بقول الملاعن: هي
طالق ثلاثًا، أم بقول النبي *: «لا سبيل لك عليها)»؟ والصحيح أنه وقعت الفرقة بقولهما في
لعانهما كما بيّا لا بطلاقه، فإنه لو وقعت الفرقة بالطلاق لكان للزوج إن تزوجها بعد زواج إن لم
یکذب نفسه، ويكون قول النبي عليه السلام وهي:
الموفية عشرين ((لا سبيل لك عليها)) إخبار عن حكم الله في اللعان لا إنشاء حكم منه
يفتقر كل حاكم إنشاء مثلها. وقوله: (ثم فرّق بينهما) أو قوله: (ففارقها) على اختلاف اللفظين
خبر عن إخباره # عن الشرع لا على حكم أنفذه، يقف على قوله: (فرّقت بينهما).
الحادية والعشرون: قوله: (مالي) يريد: صداقي، قال النبي عليه السلام: ((لا مال لك))،
لأنك قد استوفيت ما فيه، أعطيت المال وهو الوطء، فإن المهر تقابله وطأة واحدة وما زاد عليها
لا يكون ثمنًا لها منه شيء، فإن كنت صدقت عليها فقد استوفيت الثمن، فلا حق لك عليها في
جهة الصداق، وإنما يكون لك الحق في الذي أحدثت عليك، وإن كنت كذبت عليها فذلك أبعد
لك، لأنك قد ظلمتها في عرضها فلا سبيل لك إلى ظلمها في مالها. فإن قيل: في الحديث
الصحيح: فطلقها ثلاثًا، فقال النبي ◌َّير: ((ذلكم التفريق بين كل متلاعنين)). قلنا: هذا يعضده ما
قلناه، فإن النبي ◌َ# أخبر بقوله: ((لا سبيل لك عليها)»، وقال: ((كذا حكم كل متلاعنين))، فإن
كان الفراق لا يكون إلاّ بحكم فقد نفذ الحكم فيه من الحاكم الأعظم * بقوله: ((ذُلكم التفريق
بين كل متلاعنين))، ولو أشار بقوله إلى الطلاق لزوجها بعد زوج بحكم القرآن.
[الثانية والعشرون]: لأجل هذا قال علماؤنا: فرقة اللعان فسخ وليس بطلاق، لأنهما مغلوبان
على فسخه. وقال أبو حنيفة: طلاق، وهذا خلاف في لفظ لا في معنى، لأنه إن كان الفراق
بطلاق فلم تحلّ بعد زوج، وإن كان فسخًا فكيف وذلك إنما كان من قبل قول الزوج وإخباره
باختياره؟ والفسخ إنما يكون بغلبته واقتساره، وإنما هو طلاق لم يؤذّن فيه برجعة. وقال أبو
حنيفة وهي:
الثالثة والعشرون: يرجعها إذا أكذب نفسه، وليس لها عمدة إلا أن هذا حكم من أحكام
اللعان فزال بالتكذيب، كنفي النسب، قلنا: لو كان كالنسب لرجع النكاح بغير استئناف، ولا
جواب له عن هذا.
الرابعة والعشرون: قوله: (وكانت حاملاً) دليل على أن اللعان يكون على نفي الحمل قبل
وضعه، خلافًا لأبي حنيفة وعبد الملك من علمائنا وأحد قولي الشافعي، لأن النبي ولو لم ينتظر
الوضع، ومعتمدهم أن الحمل غير متعيّن فلا يثبت فيه اللعان مع الشبهة، قلنا: الحديث يردّه كما
تقدم، والمعنى أيضًا يردّه، لأن الحمل يثبت من الاتفاق، والنهي عن وطئها في السبي، والنهي
١٥٤
كتاب الطلاق/ باب ٢٢
عن أخذها في الزكاة، ووجوب أخذها في الديّة، ويؤخّر الحدّ بالقصاص، ويُباح له الإفطار،
ويرة به البيع، والعمدة فيه أنه يخاف إن مات أن يلتحق.
الخامسة والعشرون: لم يقل الرجل للنبي و 8$ إن زوجتي، ولا: إني رأيت ذلك منه في
ذلك منها، ولا قال: إني استبرأتها بثلاث حيض، وإنما عرض، ففهم منه النبي ول# التبرّي،
وفي حديث مالك أنه انتفى من ولدها، وفي الصحيح: وأنكر حملها، وهذا نص في إنكار
الحمل، ويحتمل أن يكون خبرًا عمّا قال فيه النبي صل9: ((إن جاءت بكذا فهو كذا)، والظاهر أنه
صرّح بالنفي فيه. وقد اختلف قول علمائنا في هذه المسألة، فرواية: أنه لا يفتقر إلى إضافة
القذف إلى المشاهدة، وبه قال أبو حنيفة والشافعي. والثاني: أنه يفتقر إلى ذلك، لأنه أمر
يتخلص به من الحدّ بالقذف فيضيفه إلى المعاينة كالشهادة، وهذا لا يصحّ، لأن الشهادة إنما
شرطت فيها المعاينة لأجل تحقيق الفعل الذي يوجب القتل والجلد، وأما الزوج فلا يكلّف ذلك
بل يدفعه وينفي عن نفسه فراشًا لم يصُن بوصاية النبي ﴿98: ((ولا يوطئن فرشكم مَن تكرهون)»،
فتكفي فيه الإشارة الغالبة، والريبة الظاهرة من ذكر الاستبراء بحيض أو ثلاث على اختلاف بينهم
فيه، وقال الشافعي: لا وجه لذكر الاستبراء، لأن الحامل تحيض، وليس عن هذا جواب
ینفع(١).
السادسة والعشرون: قال النبي #: ((إذا جاءت به كذا فهو كذا)) استدلال بالشبه، وهو
على ضربين: خلقي وحكمي، وقد بيّتّه في أصول الفقه، وقدّرنا أن موضع اعتبار الشبه الخلق
جزاء الصيد في الحج: للنعامة بدنة، وللحمامة شاة، على ما عُرِفَ في موضعه. وشبه الأبناء
الأمهات والآباء أصل عظيم، فجاءت به على النعت المكروه، وحمل النبي # في هذا الشبه
على ما تقدّم من أحوال النازلة وما تردّد فيها من الكلام، ولولا ذلك لكان للسلامة فيها مدخل
وللبداءة فيها عمل، وقال النبي صل *: ((لو كنت راجمًا أحدًا بغير بينة لرجمته))، وقد كان الحكم
بالشبه في الخلق، والخلق معتادًا في الأمم، وخصوصًا العرب، حتى كانت تقول: مَن أشبه أباه
فما ظلم، وكان الحسن بن عليّ يشبه النبيَّ*، وكان النبي ◌َ له يشبه إبراهيم ◌َّر، وقال
النبي # في المرأة التي ادعت على زوجها أنه لا يطأ، وأن معه مثل الهدبة وقد جاء معها
فقال: والله يا رسول الله إني لا بعضًا تفضّ الأديم(١)، ونظر النبي إلى ولدين معه فقال
لهما: ((أشبه به من الغراب بالغراب)). وقد نفى النبي والقر الاستبراءة إذا لم يكن لها سبب، فروى
أبو هريرة أن رجلاً جاءه فقال: وُلِدّ لي غلام أسود، قال: ((هل لك من إبل»؟ قال: نعم، قال:
((ما ألوانها))؟ قال: حُمْر، قال: ((هل فيها من أزرق)؟ قال: نعم، قال: ((فأنَّى ذلك))؟ قال: لعل
عرقًا نزعه، قال: «فلعل ابنك هذا عرق نزعه)).
(١) هكذا بالأصل.
١٥٥
كتاب الطلاق/ باب ٢٢
١٢٠٣ - اَلْبَلَكَا قُتَيْبَةُ. أَنْبَأَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: لاَعَنَ
رَجُلٌ امْرَأَتَهُ. وَفَرَّقَ النَّبِيِّ وَهَ بَيْنَهُمَا. وَأَلْحَقَ الوَلَدَ بِالأُمُّ (١).
السابعة والعشرون: قال النبي * في هذه النازلة: ((اللَّهمَّ بيّن»، فوضعت شبيهًا بالرجل
الذي ذكر زوجها أنه وجد عندها، ولم يكن دعاء النبي * تعيين صدق أحدهما، وإنما معنى
دعائه في الوضع للمولود حتى يكون شبهه بيانًا لأحدهما، ولا يتعيّن أو يموت(٢) فلا يكون
هنالك بيان، ومعنى هذا رد النساء عن التلبّس بمثل هذا الفعل.
الثامنة والعشرون: في ألفاظ صفات الرجال. والولد الآدم هو الأسمر، وقد روى البخاري
فيه: أسود، ففشْر الخدل الممتلىء الساق وهو الخدلج، والأسحم هو الذي عليه أدمة تضرب
إلى السواد، أدعج العينين: الدعج شذّة السواد وسعة العين، وفي رواية: أكحل، وروى
البخاري: أعين، وهو كبير العينين، والكحل نحوه، والوحدة دويبة حمراء أكثر ما تقع في اللبن
والطعام، وقال: قضيء العين هو فساد فيها تحمرّ منه، ويسترخي لحم فوقها، والحقد معلوم،
وخمش الساقين يريد دقيقهما، وقوله نكبت يعني تأخرت عن مقامها ثم تقدّمت للقضاء السابق
عليها(٣).
الثامنة والعشرون: قول النبي ( *: ((لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن)» دليل
على أن النبي 188 يحكم بالاجتهاد فيما لم ينزل فيه وحي، فإن أنزل الحكم قطع النظر وفصل
النظير عن النظير وجاء بأصل آخر يعتمد في التمثيل والتنظير.
التاسعة والعشرون: قوله: (اللَّهَمَّ افتح) أي: احكم، والفتاح هو الحاكم، وهو عبارة عن
حلّ كل منغلق وشرح كل مبهم، وذلك إنما هو الله وحده بالحقيقة.
الموفية ثلاثين: قال علماؤنا وأكثر الأمة: للزوج أن يلاعن وإن حدّ، لأن الله جعل اللعان
حجته، وإن كان الله تعالى قد قال: ﴿ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾ [النور: ٦] ولكن الآية
خرجت مخرج الغالب بل مخرج المعتاد، فإنه لم يحدّ أحد في الإسلام ببيّنته يحدّ في ظني أبدًا،
لما أراد الله تعالى من الستر على الخلق حتى يحكم فيه بحكمه، فذلك من قول الله صفة للحال
لا شرط في الحكم، والذي يدلّ على صحة ذلك لأن اللعان يغيّر نفي الحدّ عنه، ونفي النسب،
وزوال الفراش المتلطخ.
الحادية والثلاثون: قوله: (وألحق الولد بأُمه) ورُوِيَ: بالمرأة. اختلف الناس في تأويل
(١) أخرجه البخاري في: ٦٥ - كتاب التفسير، ٢٤ - سورة النور، ٤ - باب والخامسة أن غضب الله
عليها، حديث رقم ٢٠٢٦. وأخرجه مسلم في: ١٩ - كتاب اللعان، حديث رقم ٨.
(٣) يوجد خلط في الترتيب.
(٢) هكذا بالأصل.
١٥٦
کتاب الطلاق/ باب ٢٣
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ على هذا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ.
٢٣ - باب مَا جَاءَ أيْنَ تَعْتَدُّ المُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا
[المعجم ٢٣ - التحفة ٢٣]
١٢٠٤ - حقئنا الأنْصَارِيُّ، أَنْبَأَنَا مَعْنٌ. أنْبَأَنَا مَالِكٌ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَلْقٌّ بْنٍ
كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ عَمَّتِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ كَعْبٍ بْنِ عُجْرَةَ؛ أنَّ الفُرَيْعَةَ بِئْتَ مَالكِ بْنِ سِنَانٍ،
وَهِيَ أُخْتُ أبي سَعِيدٍ الخُذْرِيِّ، أَخْبَرَتْهَا أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ وَ تَسْأَلُهُ أنْ تَرْجِعَ إلى
أَهْلِهَا فِي بَنِي خُذْرَةَ. وَأَنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ في طَلَبٍ أَعْبُدٍ لَهُ أَبَقُوا، حتى إذا كانَ بِطَرَفٍ
القَدُومِ لَحِقَهُمْ فَقَتَلُوهُ.
قَالَتْ: فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ﴿ أَنْ أَرْجِعَ إِلى أَهْلِي. فَإِنَّ زَوْجِي لَمْ يَتْرُكْ لِي مَسْكَنًا
يَمْلِكُهُ، وَلاَ نَفْقَةً.
قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ((نَعَمْ)).
ذلك، فمنهم من قال: نفى عنه نسب الأب وأبقى عليه الأم التي لا بد له منها ولها في هذه
الحال منه، وقيل: جعلها له أبًا وأَمًّا، وركب على ذلك اختلاف العلماء في نسبه وفي ميراثه،
فمنهم من قال: كله لأمه، ومنهم من قال: ولأخوته لأُمه بالغرض والرد، ومنهم من قال: لبيت
المال، وهذه الأربعة الأقوال محققة في الفرائض، لا سيما وقد رُوِيّ عن واثلة بن الأسقع أن
المرأة تحوز ثلاث مواريث عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عليه.
الثانية والثلاثون: أن اليمين الغموس لا كفّارة فيها، بدليل أن النبي ® قال: ((إن أحدكما
كاذب))، ولم يذكر له كفّارة، ولو كانت واجبة لبيّنها لأنه وقت البيان. قال ابن العربي: هذه
عارضة الحديث بألفاظه، ويدخل عليها مسائل تتعلق بالقرآن وقد بيّاها في الأحكام، وتتعلق
بالتفريع وبيانها في المسائل.
باب ما جاء أين تعتدّ المتوفّى عنها زوجها
ذكر حديث مالك عن (١) الحديث بل صحيح مليح حسن.
الأصول: قوله *: (نعم) في رجوعها إلى أهلها بعد وفاة زوجها، ثم قوله بعد ذلك:
(١) بياض بالأصل.
١٥٧
كتاب الطلاق/ باب ٢٣
قَالَتْ: فَانْصَرَفْتُ، حتى إذَا كُنْتُ في الحُجْرَةِ (أوْ في المَسْجِدِ) نَادَانِي رَسُولُ
اللَّهِ وَ﴾ (أوْ أمَرَ بِي فَنُودِيتُ لَهُ) فَقَالَ: ((كَيْفَ قُلْتٍ))؟ قَالَتْ: فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ القِصَّةَ التي
ذَكَّرْتُ لَهُ مِنْ شَأْنٍ زَوْجِي. قَالَ: ((امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حتى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ».
قَالَتْ: فَأَعْتَدَدْتُ فِيهِ أَزْبَعَة أَشْهُرٍ وَعَشْرًا.
قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ، أَرْسَلَ إِلَيَّ فَسَأَلَنِي عَنْ ذُلِكَ فَأَخْبَرْتُهُ. فَاتَّبَعَهُ وَقَضَى بِهِ (١).
أنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. أَنْبَأَنَا سَعْدُ بْنُ إِسْحَقَ بْنِ كَعْبٍ بْنٍ
عُجْرَةَ. فَذَكَرَ نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ على هذا الحَدِيثِ عِنْدَ أكْثَرٍ
أهْلِ العِلْمٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ وَغَيْرِهِمْ. لَم يَرَوْا لِلْمُعْتَدَّةِ أَنْ تَنْتَقِلَ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا
حتى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا.
وَهُوَّ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَقّ.
(امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله) تكلم الناس فيه، فمنهم من قال: إنه كان جوابًا على
أمر لم يكن ذلك عنده خلافه، فحكم به. وتحقيق القول في المسألة أن الله سبحانه حكم بإبقاء
المتوفى عنها زوجها سنة في بيتها غير إخراج منه، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿والذين يتوفّون منكم
ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهنّ أربعة أشهر وعشرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] فصار الأجل إلى هذه المدة
بحكمة بالغة وشريعة ماضية، ثم استقر الأمر على ذلك، وجاءت الفريعة فذكرت للنبي ◌َ﴿ أن
زوجها توفي عنها وهي في مسكن لا تملكه وأرادت الرجوع إلى أهلها في بني خدرة، فقال لها:
(نعم))، ثم أمرها بالعود إلى مسكنها الذي كانت فيه، لأن المسكن الذي توفي عنها زوجها فيه
وإن كان لا يملكه إلا أنها لم تطالب بالخروج منه، وإنما يكون القول إذا أراد أهل المسكن
مسكنهم. وأما إذا سكتوا عنها، فإنه لا يخرجها منه إلا وجه صحيح تقدم به حجة، فلذلك أمرها
النبي * بالرجوع إلى موضعها. فإن قيل: هذا خبر امرأة واحدة لرؤية رجل واحد يختلف في
اسمه، وهو: سعد بن إسحق، أو: سعيد بن إسحق. قلنا: نحن قد قدّمنا حديث ميسرة في
مسّ الذكر وليس من بابها، فكيف لا نقبل حديث الفريعة في حكم العدّة التي في بابها، وحديث
النساء والآحاد مقبول بإجماع من الأمة لا أعلم في ذلك خلافًا إلى لمدهنّ(٢) في الشريعة فردها
(١) أخرجه أبو داود في: ١٣ - كتاب الطلاق، ٤٤ - باب في المتوفى عنها تنتقل، حديث رقم ٢٣٠٠.
والنسائي في: ٢٧ - كتاب الطلاق، ٦٠ - باب مقام المتوفى عنها زوجها في بيتها حتى تحلّ.
(٢) هكذا بالأصل.
١٥٨
كتاب الطلاق/ باب ٢٣
وَقَالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﴾ وَغَيْرِهِمْ: لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَعْتَدَّ حَيْثُ
قَاءَتْ. وَإِنْ لَمْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتٍ زَوْجِهَا.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَالْقَوْلُ الأَوَّلُ أُصّحُ.
(آخر کتاب الطلاق، وأول كتاب البيوع)
في ذلاك إلا إبطالها، والقرآن يعضد ذلك الحديث، فإن الله قد أوجب التربّص على المتوفّى عنها
زوجها فما إلى إخراجها سبيل، وقد مضى به عمر بن الخطاب وكان يردّ المعتدات من طريق
الحج إلى المدينة، وقد بيًّا ذلك في الأحكام ومسائل الخلاف.
يسِبِ أَللَّه الرحمن الرحيم
١٢ - كتاب البيوع
عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم
١ - باب مَا جَاءَ في تَرْكِ الشُّبُهَاتِ
[المعجم ١ - التحفة ١]
١٢٠٥ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. أَنْبَأَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّغْبِيِّ، عَنٍ
الثَّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهَ يَقُولُ: ((الحَلَاَلُ بَيْنٌ وَالحَرَامُ بَيِّنْ. وَبَيْنَ ذلِكَ
أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ. لاَ يَذْرِي كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَمِنَ الحَلاَلِ هِيَ أُمْ مِنَ الحَرَامِ. فَمَنْ تَرَكَهَا اسْتِيْرَاءٌ
لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ فَقَدْ سَلِمَ. وَمَنْ وَاقْعَ شَيْئًا مِنْهَا، يُوشِكُ أنْ يُوَاقِعَ الحَرَامَ. كمّا أنَّهُ مَنْ يَرْعَى
حَوْلَ الحِمَّى، يُوشِكُ أنْ يُوَاقِعَهُ. ألاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكِ حِمّى. ألا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ))(١).
كتاب البيوع
باب ترك الشبهات
ذكر حديث الشعبي (عن النعمان بن بشير أنه قال سمعت رسول الله# يقول الحلال بيّن
والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات لا يدري كثير من الناس أمن الحرام هي أم من الحلال فمَن
تركها استيرا لدينه وعرضه فقد سلم ومَن واقع شيئًا منها يوشك أن يواقع الحرام كما أنه من يرعى
حول الحمى يوشك أن بواقعه ألا إن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه). قال ابن العربي
(١) أخرجه البخاري في: ٢ - كتاب الإيمان، ٣٩ - باب فضل من استبرأ لدينه، حديث رقم ٤٧ .=
١٦٠
كتاب البيوع/ باب ١
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ زَكَرِيًّا بْنِ أَبِي زَائِدَةً، عَنِ الشّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمانِ بْنِ
بَشِيرٍ، عَنِ النّبِيِّ ◌َ﴾، نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ.
رحمه الله: زاد في الصحيح: ((ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد، وإذا فسدت
فسد الجسد، ألا وهي القلب)).
العارضة: في الأولى تكلم الناس على هذا الحديث، فمنهم من جعله ثلث الإسلام،
ومنهم مَن جعله ربعه، وأكثروا في التقسيمات، وأكثرها محكيّات تحتمل الزيادة والنقص على
الجملة، فإن المعاني مشتركة، فلو قال قائل: إنه نصف الإسلام لوجد لذلك وجهًا من الكلام،
حتى لو غالى مُغالٍ فقال: إنه جملة الدين، لما عدم وجهًا وأن يعدّ في التبيين، ولكن هذه
المعاني داخلة مدخله لتعاطيها في المتكلفين، وينبغي أن يؤتى كل شيء في بابه ويقدّر في
نصابه .
الثانية: الحلال ما أُذِنَ في تعاطيه والحرام ما مُنِع منه، وإن الباري سبحانه ببديع حكمته
لمّا خلق لنا ما في الأرض جميعًا كما أخبرنا قسم الحال فيه، فمنه ما أباحه على الإطلاق، ومنه
ما أباحه في حال دون حال، ومنه ما أباحه على وجه دون وجه. فأما أن يكون في الأرض
ممنوع لا تتطرق إليه إباحة في حال ولا على وجه فلا أعلمه الآن، فلذلك تمّت هذه النعمة،
واستقرّت بها المنّة في اعتلاق الخليفة من قوله: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا﴾
[البقرة: ٢٩].
الثالثة: ما فصل سبحانه في القول فصلاً وتمّت به الكلمة صدقًا وعدلاً فقد فصله تفصيلاً،
وبيّن ما أحلّ وحرّم. أما ما اضطررنا إليه فإنه يعود بالضرورة حلالاً بعد أن كان حرامًا، وکل
شيء تعتوره الأحكام بالحلال والحرام إلاّ التوحيد، فإنه لا تدخله إحالة، ولا ينزل عن درجة
الفريضة ومنزلة الوجوب والحتم في حالة، فتبارك الصمد الواحد.
الرابعة: قال النبي عليه السلام: ((إن الله قد أمركم بأشياء فامتثلوها، ونهاكم عن أشياء
فاجتنبوها، وسكت لكم عن أشياء رحمة منه فلا تسألوا عنها»، والمسكوت عنها على قسمين:
مشبهة للحلال، ومشبهة للحرام، أو خارج على القسمين، فإن كان خارجًا على القسمين فهو
المباح عندنا، وإن كان مشبّهَا لأحدهما التحق بما أشبه عند كافّة من المسلمين، إلا أنه حدث
أيام الفتنة وظهور البدع من يقول: لا قول إلا ما قال الله ورسوله، فعموا وصمّوا ولم يتب الله
عليهم، والله بصير بعملهم بواسع علمه، وقاطع لأملهم بغالب نصره، ونحو من هذا قوله ولا *:
((الحلال بيِّن والحرام بيِّن))، وهي:
= وأخرجه مسلم في: ٢٢ - كتاب المساقاة، حديث رقم ١٠٧.