Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ كتاب الطلاق/ باب ١ قَالَ: قُلْتُ: فَيُعْتَدُّ بِتِلكَ التَّطْلِيقَةِ؟ قَالَ: فَمَهْ. أَرَأَيْتَ إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ(١)؟ ١١٧٦ - عقدنا هَنَّدٌ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى آَلٍ طَلْحَةَ، عَنْ سَالِم، عَنْ أبِهِ؛ أَنَّهُ طَلْقَ امْرَأْتَهُ فِي الْخَيْضِ. فَسَألَ عُمَرُ النَّبِيَِِّ ﴿ فَقَالَ: (مُرْهُ فَلْيُراجِعْهَا. ثُمَّ لْيُطِلُقْهَا طَاهِرًا أوْ حَامِلاً:(٢). (قال: قلت: فيعتذّ بتلك الطلقة قال له: أرأيت إن عجز واستحمق). الإسناد: قال ابن العربي رحمه الله: هذا الحديث أصل في الطلاق، وتضمن أصولاً كثيرة وأبان أحكامًا متعددة، وأبو عيسى من طريق يونس بن جبير مختصرًا ولكنه ذكر معه فائدة زائدة على حديث أكثر الرواة، وهي: سؤاله عن الاعتداد بتلك الطلقة، وله طرق ثلاث: الأول: طريق يونس بن جبير المتقدمة. الثانية: طريق محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة عن سالم، وهو مختصر أيضًا وفيه زيادة: فإنه قال: (مُزْهُ فليراجعها ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملاً) خرّجه مسلم، وذكره أبو عيسى. الثالثة: طريق نافع، وفيه ألفاظ مختلفة جميعها في الصحيح: طلق ابن عمر امرأته وهي حائض، فأمره رسول الله # أن يراجعها، ثم يمهلها حتى تطهر ثم تحيض عنده حيضة أخرى، ثم يمهلها حتى تطهر من حيضتها، فإن أراد أن يطلّقها فليطلّقها من قبل أن يجامعها، فتلك هي العدة التي أمره الله أن يطلّقها بها. زاد سالم: فتغيظ رسول الله ◌َفي، خرّجه البخاري ومسلم عن الليث عن نافع: طلّق ابن عمر تطليقة واحدة، كان عبد الله سُئل عن ذلك قال: أما أنت طلّقت امرأتك مرة أو مرتين، فإن رسول الله) أمرني بهذا، وإن كنت طلّقتها ثلاثًا فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجًا غيرك، وعصيت الله في أمرك به من طلاق امرأتك. وكذلك جوّزه عبد الله بن نافع، فقال: تطليقة واحدة. وزاد الزهري عن سالم وقال: حتى تحيض حيضة مستقبلة سوى التي طلّق فيها، فإن بَدًا له أن يطلّقها فليطلّقها طاهرًا قبل أن يمسّها، لم يزد عليه. وروى أيوب عن ابن سيرين: مكثت عشرين سنة، فحدّثني مَن لا أتهم أن ابن عمر طلق امرأته ثلاثًا، لقيت أبا غلاب يونس بن جبير الباهلي، وكان إذا ثبت فحدّثني أنه سأل ابن عمر فحدثه أنه طلق امرأته تطليقة، وخرّج مسلم فسمّى السائل لابن عمر، ورُوِيّ عن ابن الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عزّة يسأل عن عمر وابن الزبير يسمع: كيف ترى في رجل يطلّق امرأته وهي حائض؟ وقال في آخره: وقرأ النبي #: ﴿يا أيها النبي إذا طلّقتم النساء فطلّقوهنّ لعدّتهنّ﴾ [الطلاق: ١]، زاد النسائي: فردها عليَّ، وزاد من رواية المعتمر: ((مُزْهُ فليراجعها، فإذا اغتسلت فليتركها حتى تحيض، فإذا اغتسلت من حيضها فلا يأتيها حتى يطلّقها، (١) أخرجه البخاري في: ٦٨ - كتاب الطلاق، ٢ - باب إذا طلقت الحائض يعتدّ بذلك الطلاق، حديث رقم ٢٠٦٠. وأخرجه مسلم في: ١٨ - كتاب الطلاق، حديث رقم !. (٢) انظر تخريج الحديث رقم ١١٧٥. ١٠٢ كتاب الطلاق/ باب ١ قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ يُونُسَ بْنٍ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ. وَكَذلِكَ حَدِيثُ سَالِمٍ عَنِ ابْنٍ عُمَرَ. وَقَدْ رُويَ هذا الحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿. وَالعَمَلُ على هذا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ منْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَلَ﴿ وَغَيْرِهِمْ، أَنْ طَلاَقُ السُّنَّةِ، أَنْ يُطلّقَهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنْ طَلْقَهَا ثَلاَثًا وَهِيَ طَاهِرٌ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلسُّنَّةِ أَيْضًا. فإن شاء إمساكها فليمسكها)). وفي صحيح مسلم: أيحتسب بتلك التطليقة؟ قال: أرأيت إن عجز واستحمق؟ وفي الصحاوي: قلت له جعلت فداك، فاعتدّت بتلك التطليقة؟ قال: وما يمنعني وإن كنت أسأت فاستحمقت. العربية: أما هو موضوع بتجريد المخبر عنه بتوقّع الاشتراك في الخبر، وهي مركبة من المفتوحة الألف والمكسورة على اختلاف كثير، وجعلوه في الإفادة نائبًا مناب حرف الشرط وعوضًا عن الفعل، وكذلك دخلت في جواب الفاء، والمعنى في قولك: أما زيد فمنطلق، أي: إن تطلع أحدًا الانطلاق ليعلمه، وأخبره به أحد، وعن أحد فإنه زيد منطلق. وقوله: استحمقت، أي: صرت أحمق ذاهب العقل والتحصيل، وقيل: سكرت لشرب الحمق، وهي: الخمر، والأول أقوى. الأحكام: الأولى: سؤال عمر رسول الله* عن ذلك يحتمل وجوهًا، منها: أنهم لم يرون قبل هذه النازلة مثلها، فأراد السؤال ليعلموا الجواب، ويحتمل أن يكون ذلك معلومًا عنده بالقرآن، وهو قوله: ﴿فطلّقوهنّ لعدتهنّ﴾ [الطلاق: ١] وقوله: ﴿والمطلّقات يتربصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقد علم أن هذا ليس بقرء فافتقر إلى معرفة كيفية الحكم فيه، ويحتمل أن يكون سمع من النبي وهر النهي، والأوسط أقواها. الثانية: الطلاق في مدة الحيض والنفاس لا يجوز، لما في الحديث من المنع منه ولا سيما في قوله: فتغيظ رسول الله وَق9، ولا يستحي من الحق. وسواء كان الطلاق مجرّدًا أو كان بعوض، فإن كانا معلومين عليه أو معلومًا بحكم، كفرقة العيب في النكاح أو عدم النفقة، فلا يجوز أيضًا، نصّ عليه ابن القاسم وأشهب، وإن كانت فرقة الإيلاء لم تطلق عند أشهب لتعذّر الوطء في الحياة، وتعلق عند ابن القاسم وهو الأصح، لإمكان الكفّارة له، فسقط حكم الإيلاء. الثالثة: وقع في بعض ألفاظ هذا الحديث أن السائل ابن عمر، والصحيح تناول السؤال من عمر أبيه، ولكن يجوز حرفه ويضاف السؤال إلى عبد الله مجازًا. الرابعة: أن الزوج هو الذي أخبر أنه طلّق في حال الحيض في هذه المسألة، فأما إذا قالت المرأة: طلّقني وأنا حائض، وقال: بل طاهر، فقال ابن سحنون: القول قول المرأة ويجبر على ١٠٣ كتاب الطلاق/ باب ١ وَهُوّ قَوْلُ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ بْنِ حَثْبَلٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَّ تَكُونُ ثَلاثًا لِلسُّنَّةِ، إلاَّ أنْ يُطَلِّقَهَا وَاحِدَةٌ وَاحِدَةٌ. الرجعة، وأخبر أصبغ عن ابن القاسم: القول قوله، قاله علماؤنا، هذا إذا ذهب الحيض، وأما لو لم يقرّ بالطهر فلا، وقد قيل إن القول قوله بكل حال، وهو الأصح، لأنه لو اعتبر قولها لكان الطلاق بيدها لا بيده. الخامسة: قوله: فأمره رسول الله* أن يراجعها، جعل ذلك مالك قضاء وجعله غيره استحبابًا، والأصح ما قاله مالك، وقد بيّناه في مسائل الخلاف، ودليله لفظ ومعنى. أما اللفظ فقوله: «فليراجعها)»، وأما المعنى فلأن النهي عن الطلاق في الحيض إنما كان لما فيه من الإضرار بالمرأة في تطويل العدة، والإضرار حرام فوجب قطعه بالرجعة، وإن اتبعت اللفظ قلت: لأنه طلاق خالف الأمر، ومَن عمل ما ليس عليه الأمر في الشريعة فهو ردّ بقول النبي ◌َّر، ولو لم ينظر في ذلك حتى خرجت من الحيض فقال أشهب وحده: إذا خرجت من الحيضة إلى الطهر لم تجبر على الرجعة، لأن المعنى المخوف من تطويل العدّة قد ذهب، وهو معنى قوله قوي لولا أنه أجبر على الرجعة، لئلا تكون في حكم المطلّقة قبل الدخول، فيقال فيه: إذا طهرت مسّها، وكذلك رُوِيّ عن نافع عنه: حتى إذا حاضت بعد المس، حتى إذا أخرج ودخلت الحيضة قبل، فلو طلّقها في طهر قد مسّها فيه أثم لا تجبرونه على الرجعة، وإن كان قد طوّل العدة. قلنا: ينبغي أن يجبر، ولكن قد تقدم من رواية النسائي عن المعتمر أنه قال: لا يمسّها، ولم يذكر حكم ما يكون بعد المسيس فبقي على الأصل وخرجت حال الحيض بالنص، وقد قال الشافعي: يجوز أن يطلّقها في طهر جامعها فيه أطول منه مدًا، وأكثر ضررًا. السادسة: قال علماؤنا: الطلاق في الحيض وإن كان حرامًا فإنه يلزم إذا وقع، خلافًا لابن علي ومَن تبعه. والدليل عليه هو أن راوي الحديث وصاحب القصة حكم بلزومه، فقال: أرأيت إن عجز واستحمق؟ يعني: أيسقط عنه الطلاق بالخروج من النكاح؟ السابعة: إذا كان الطلاق واحدًا نفذ وأجبر الرجعة، وإن كان الطلاق ثلاثًا وقع ولم يؤمر بالرجعة، ويكون آثمًا عند الله. وزعم قوم أن الثلاث واحدة، وأسندوا ذلك إلى ابن إسحاق، رواه عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: طلق ركانة بن عبد يزيد امرأة ثلاثًا في مجلس واحد، قال: إنما تلك واحدة، فارتجعها إن شئت. رُوِيّ عن ابن إسحاق أنه قال: إنما ردها عليه لأن الطلاق كان ثلاثًا في مجلس واحد. وفي صحيح مسلم أن الثلاث كانت في عهد رسول الله * وأبي بكر وصدرًا من خلافة عمر واحدة فلما تتابع الناس قال: استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم. قلنا: قد تكلم في هذه المسألة في الفقه وفي التفسير بما فيه كفاية، والعارضة الآن في ثلاث معانٍ: الأول: أن الصحيح في حديث أنه منبؤكم أن عمر رذه إلى الإمضاء، وماذا تريدون من حديث رذه عمر والصحابة ١٠٤ كتاب الطلاق/ باب ١ وَهُوَّ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَإِسْحَقَ. وَقَالُوا (فِي طَلاَقِ الحَامِلِ): يُطَلِّقُهَا متى شَاءَ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَقٌّ. موجودون فلم يكن منهم مَن ردّه عليه؟ هذا ابن عباس يرى إمضاء الثلاثة في كلمة وهو راوي هذا الحديث الذي زعمتم، فهل الحديث رده راويه، وعمر الخليفة مطلع أن هذا إلا سوء رأي وخطأ في المذهب الثالث: أنك إذا استقرأت واستقريت الروايات لم تجد لهذا المذهب عضدًا، بل تلفيه منفردًا ما طلبت عنه ملتحدًا. وقد أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، أخبرنا القاضي أبو الطيب، أخبرنا الدارقطني، حدثنا محمد بن حميد، حدّثنا سلمة بن الفضيل، عن عمر بن أبي قيس، عن إبراهيم بن عبد الأعلى، عن سويد بن غفلة، قال: كانت عائشة الخثعمية عند الحسن بن علي بن أبي طالب، فلما أُصيب علي ويويع الحسن بالخلافة قالت: لتهنئك الخلافة يا أمير المؤمنين، فقال: يقتل عليّ وتُظهرين الشماتة؟ اذهبي فأنت طالق ثلاثًا، قال: فتلفّعت ثيابها وقعدت حتى انقضت عدّتها، فبعث إليها بعشرة آلاف متعة وبقية تبقى لها من صداقها، قالت: متاع قليل من حبيب مفارق، فلما بلغه قولها بكى ثم قال: لولا أني سمعت جدي، أو حدّثني أبي أنه سمع جدّي، أو حدثني أبي أن جذي يقول: ((أيما رجل طلق امرأته ثلاثًا مبهمة أو ثلاثًا عند الأقراء لم تحل له حتى تنكح زوجًا غيرها لراجعتها. الثامنة: لا خلاف بين الأمة في أن حكم النفساء في هذا حكم الحائض، وحُكِي عن بعض المخاذيل ممّن يقول بخلق القرآن، ولا يعتبر قوله، أن النفساء إلا تدخّل في هذا الحكم ولا مخافة(١) اعتذاركم به ما ذكرته، فإن هذا لا قرآن معه ولا سُنة ولا عمل. أما القرآن فقد قال الله: ﴿فطلّقومنّ لعدّتهنّ﴾ أي في حال يستقبلن فيها العدّة، ولا يتصور ذلك إلا بعد الطهر من الدم. وأما السُّنّة فإن النبي ◌َ و قال لزوجه حين حاضت معه في الخميلة: ((لعلك نفست، فما الحائض نفساء»، فدلّ على أن معنى اللفظين واحد. ثم إن المعنى الذي لأجله حرم طلاق الحائض موجود في النفساء. التاسعة: هذا الحديث أصحّ دليل على أن الأقراء الأطهار، لأنه أمره ألاّ يطلّق إلا في وقت يعتدّ به العدّة، وذلك طهر لم يمسّها فيه. ولا إشكال في أن لفظ القرء ينطلق على الحيض، والطهر في العربية انطلاقًا واحدًا، ولكن ذكره في العدة للطهر أولى وأوقع من الوجوه التي بيّاها في كتاب الأحكام ومسائل الخلاف من عمدة أن أهل العربية قالوا: إذا كان المراد به الطهر جمع على فعول، وإذا كان المراد به الحيض جمع على أفعال، قال الله تعالى: ﴿والمطلّقات يتربصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقال : ((دعي الصلاة أيام أقرائك))، وقال الأوزاعي: (١) هكذا بالأصل. ١٠٥ كتاب الطلاق/ باب ١ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُطَلِّقُهَا عِنْدَ كَلِّ شَهْرٍ تَطْلِقَةً. لما ضاع فيها من قروء نسائك. قوله لابن عمر: ((طلّقها في حال كذا، فتلك العدة التي أمر الله بها»، وهو الطهر. العاشرة: قال أبو حنيفة للزوج أن يطلّق في الحيض ويراجعها إن طلّقها في الطهر الذي يلي الحيض، ونصّ الحديث يردّه كما قدّمنا. فإن قيل: فقد رُوِيّ: ((حتى تحيض ثم تطهر خاصة)). قلنا: تلك رواية لبعض الحديث، وكماله التكرار فيه، فلا يعوّل على حديث ناقص. فإن قيل: فقد قال: ((فطلّقوهنّ الأطهارهنّ)). قلنا: لا يصحّ هذا، لأن العدّة ليست طهرًا واحدًا. فإن قيل: فما هو طلاق السُّنّة عندكم؟ قلنا: ما اجتمع فيه سبعة شروط: طلاق واحدة، من تحيض، طاهرًا، لم يمسّها في ذلك الطهر، ولا تقدمه طلاق في طهر تلاه، وخلا عن العوض. ولذلك قلنا: إن طلاق الحائض عند الدخول بها جائز عند ابن القاسم، ونهى عنه أشهب، والأول أصح من لفظ الخبر ومعناه. وهذه الشروط السبعة هي صفة طلاق ابن عمر في الحديث المتقدم. الحادية عشرة: إذا طلّقها في طهر ثم ارتجعها جاز له أن يعقبه طلاقًا. وقال أبو يوسف: ليس ذلك، لأن الطهر سبب الإباحة للطلاق في الخلاص عن عهد النكاح سبب ملكه، والطهر سبب إباحته فقضى بالملك على الإباحة. الثانية عشرة: الصغيرة واليائسة إذا دخل في النكاح عليها جاز له أن يطلّق في أيّ وقت شاء. زفر(١) لا يطلّق حتى يكون بين الوطء والطلاق أشهر، لأنهما يفترقان من الطلاق فيعتبر لهما في حال الوطء للطلاق مقدار ما يعتبر في العدة، والفرق بينهما أن العدّة عبادة وحق الله، وذلك المعتبر في إيقاع الطلاق لها لأجل تطويل العدّة، وذلك معدوم هلهنا. الثالثة عشر: متى تنقضي العدة؟ وهذه المسألة في نفسي أبدًا منها شيء، ولذلك ذكرها في التفسير. والمعنى فيها أن الله قال: ﴿والمطلّقات يتربصن بأنفسهنّ ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨] فمّن قال إنها الأطهار، قال: ثلاثة أطهار، ومَن قال: إنها الحيض، قال: ثلاث حيض. قال ابن العربي: إذا دخلت في الدم من الحيضة الثالثة برئت منه وبرىء منها، يعني رُچِيَ لها نكاح آخر، وكيف تنكح ولعل ذلك الدم يكون حيض استبراء وإنما يدوم اليسير ثم ينقطع؟ فمن الحق أن يتوقف حتى تكمل حيضة، وهذا يبيّن أن الحيض هي الأقراء، وقد نصّ في المدوّنة وكتاب محمد لكنه لا يراه إلا البصراء، وقال أبو حنيفة: لا تنقضي حتى تغتسل من الحيضة الثالثة لما دون العشرة ويذهب وقت صلاة، فإن كانت أيامها عشرة وهي عنده أكثر الحيض، فبلغتها خرجت من العدة وإن لم تغتسل. وقال الثوري وزفر: لا بدّ من الغسل، وقال ابن شبرمة: إذا (١) لعلها: وقال زفر. ١٠٦ كتاب الطلاق/ باب ٢ ٢ - باب مَا جَاءَ في الرَّجُلِ يُطَلْقُ امْرَأَتَهُ البَنَّةَ [المعجم ٢ - التحفة ٢] ١١٧٧ - عقدنا هَنَّدٌ. حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ نَّهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إني طَلَّقْتُ امْرَأْتِي البنَّةَ. فَقَالَ: «مَا أَرَدْتَ بِهَا))؟ قُلْتُ: وَاحِدَةً. قَالَ: ((وَاللَّهِ)؟ قُلْتُ: وَاللَّهِ! قَالَ: ((فَهُوَ مَا أُرَدْتَ)(١). قَالَ أَبُو عِيسَى: هذَا حَدِيثٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ هذا الوَجْهِ. وَسَألْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هذا الحَدِيثِ فَقَالَ: فِيهِ اضْطِرَابٌ. وَيُرْوَى عَنْ عِكْرِمَةً عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أنَّ رُكانَةً طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثلاثًا. انقطع الدم من الحيضة الثالثة بانت، وقال ابن أشهب: إذا كمل الطهر الرابع، ولله هذا الفقه. وفي حديث المعتمر: فإذا اغتسلت فلا يكون كذا مرتين، فذكر الغسل. ومعنى ذلك: بلغت حدّه لا أنها فعلته، وقد يأتي التفعل بمعنى صح منه الفعل، وإن لم يوجد. وقول ابن شهاب أقواها وأولاها، لقوله: بلغن أجلهنّ، وهمهنا انتهت العارضة وليكون التبع والاستيفاء إن شاء الله. باب ما جاء في البتّة (ذكر حديث ركانة قال: أتيت فقلت: يا رسول الله إني طلّقت امرأتي البثة فقال: ما أردت). الإسناد: ذكر أبو عيسى عن البخاري أنه مضطرب، تارة قيل فيه: ثلاث، وتارة قيل فيه: واحدة، وأصحّه أنه طلّقها البتة، وأن الثلاث ذكرت فيه على المعنى. الأحكام: قال ابن العربي رحمه الله: وهذه المسألة وهي القول في البتّة من أعسر المسائل في أمثالها، وهي مسألة تعارضت فيها الأخبار المروية وتعارضت فيها المعاني العربية، فاختلف هذا الاختلاف فيها السّلف من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم، ومع هذا فلا بدّ من الولوج على آثارهم حيث ولجوا، والدخول والخروج من حيث دخلوا وخرجوا، والله الموفق للصواب برحمته والمحرّر منها (٢) : (١) أخرجه أبو داود في: ١٣ - كتاب الطلاق، ١٤ - باب في البتة، حديث رقم ٢٢٠٨. وأخرجه ابن ماجه في: ١٠ - كتاب الطلاق، ١٩ - باب طلاق البتة، حديث رقم ٢٠٥١. (٢) بياض بالأصل. ١٠٧ كتاب الطلاق/ باب ٢ وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبيِّ ◌َ﴾ وَغَيْرِهِمْ فِي طَلاَقِ البَتَّةِ. فَرُوِيّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ أنَّهُ جَعَلَ البَّةَ وَاحِدَةً. الأولى: تقييد الأقوال. أمهاتها(١): الأول: أن النيّة ثلاث عند مالك في أصل الوضع، إلا أنها يختلف الجواب فيها بحال النية وحال مَن أُضيفت إليها امن مدخول فيها أو غيرها. الثاني: هو ما نوى بها واحدة أو اثنين أو ثلاثًا، قاله أبو حنيفة. زاد زفر: إلا أنها باقية، قاله الأوزاعي. وقال الشافعي: وهي كناية، فما نوى منها كان، ولا يكون صريحًا، وجملة أقوال السلف فيها يرجع إلى قولين، أحدهما: أنها ثلاث. الثالث: أنه ينوي ويحلف على ما روى في حديث ركانة، ومطلع نظر كل فريق ظاهر. أما قول الشافعي فعوّل على ما رُوِيّ عن عمّه محمد بن علي بن شافع، عن عبد الله بن علي بن السائب، عن نافع، عن عجير بن عبد الله يزيد بن ركانة أن ركانة بن عبد زيد طلّق امرأته سهيمة البتة، وهي المزينة، فأخبر بذلك النبي و8 4#، قال: ((والله ما أردت إلا واحدة؟ فقال: وكانت والله ما أردت إلا واحدة، فردّها النبي #، فطلقها الثانية في زمن عمر، والثالثة في زمن عثمان، وقال فيه: أبو داود، عن نافع، عن ركانة. وأشبه الأسانيد ما ذكره الترمذي فقد صار مختلفًا في منعه فلم تقم به حجة، وقال أبو داود: حديث نافع عن عجير حديث صحيح، وكيف يجعله صحيحًا وفيه ما ترون من الاضطراب ولم يتقلده المشاهير، وفيه اليمين ولم يقل بها فقهاء مصر، كما لم يقولوا باستخلافه في: حبلك على غاربك، كما جعله عمر بن الخطاب. وأما مطلع أبي حنيفة فلما لم يجدها في كتاب الله ولا وجدها منصوصة في صحيح حديث رسول الله 18 رجع إلى المعنى، أن الطلاق الحل، والبتّ القطع، وقطع المتصل كحل المرتبط، وكما ينوي في الطلاق ينوي بالبتّة. وأما زُفر فبناه على ما إذا قال لامرأته: أنت بائن، فإنه عنده طلاق لا رجعة فيه، وإذا ساعده عليه فيلزمه مثل ذلك فيه، وليتركب هذا على ما إذا قال: أنت طالق لا رجعة لي عليك، هل يلزمه ذلك أم لا؟ وهل يجوز إسقاط الرجعة وهي حكم الله في الطلاق الواحد أم لا؟ وقد بيّنًا أنه يجوز في مسائل الفقه. وأما مطلع مالك الذي قضى به عمر وعليّ فهو أن الطلاق وفيه حلّ عقد النكاح ومثنوية المرجع رخصة من الله ورفق ورحمة لعباده ولطف، فإذا عدل عن السبيل التي شرع الله له أخذ بمقتضى لفظه، والبت هو القطع الذي لا علامة معه باقية، من ذلك قولهم في المثل: سكران ما يبت، أي: ما يبين أمرًا، وصدقة بتة: منقطعة عن أجناس الأملاك وماضية لا رجوع فيها، وبت الحاكم عليه القضاء قطعًا لا كلام له معه فيه، ويقال: طلقها ثلاثًا بائنة، ولولا أنها بمعناها ما تبعت صفتها. وفي الأثر الصحيح: ((لا صيام لمَن لم يبت الصيام من الليل، ويعزم عليه عزمًا لا مثنوية فيه). ومن الأمثال: المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى، فهذا تحقيق القول فيه، ولو أن الأقوال المذهبية ثبتت على هذا الأصل ثبوت(٢) عليه لظهرت المسألة، ولكن القوم اختلفوا في (١) لعل الكلام هنا: أمهاتها قولان. (٢) هكذا بالأصل. ١٠٨ كتاب الطلاق/ باب ٣ وَرُوِيّ عَنْ عَلِيَّ أنَّهُ جَعَلَهَا ثَلاثًا. وَقَالَ بَعْضُ أهْلِ العِلمِ: فِيهِ نِيَّةُ الرَّجُلِ إِنْ نَوَى وَاحِدَةً فَوَاحِدَةٌ، وَإِنْ نَوَى ثَلاَثًا فَثَلاَثٌ، وَإِنْ تَوَى ثِئْتَيْنِ لَمْ تَكُنْ إِلاَّ وَاحِدَةً. وَهُوَ قَولُ الثَّوْرِيِّ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ. وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ (في البَّةِ): إِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا فَهِيَ ثَلاَثُ تَطْلِقَاتٍ. وَقَّالَ الشَّافِعِيُّ: إِنْ نَوَى وَاحِدَةً فَوَاحِدَةٌ، يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ. وَإِنْ نَوّى ثِثْتَيْنٍ فَيْتَانِ. وَإِنْ نّوَى ثَلاَثًا فَثَلاَثٌ. ٣ - باب مَا جَاءَ في (أمْرُكِ بِيَدِكَ) [المعجم ٣ - التحفة ٣] ١١٧٨ - حقثنا عَلِيُّ بْنُ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ. حَدَّثَنَا سُلَيمانُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَيُوبَ: هَلْ عَلِمْتَ أنَّ أَحَدًا قَالَ في (أَمْرُكِ بِيَدِكِ) إِنَّهَا ثَلاَثٌ إلّ الحَسَنَ؟ فَقّالَ: لاَ إلاَّ الحَسنَ، ثمَّ قَالَ: اللَّهُمْ غَفْرًا إِلاَّ مَا حَدَّثَنِي قَتَادَةُ عَنْ كَثِيرٍ مَوْلَى بَنِي سَمُرَةَ، معناها، وفي الألفاظ العائدة إليها، وقد تعلق علماؤنا بما رُويّ أن رفاعة طلّق امرأته البتّة، فقال رسول الله # في آخر الحديث: ((أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك)). والمشهور في الصحيح أنها قالت: طلّقني فبتّ طلاقي، يعني: طلّقني ثلاث طلقات، وفي النسائي: طلّقني البتّة، وليس في هذا الحديث ما يدلّ على أن الزوج تلفّظ بالبتّة، فلم تكن فيه حجة. وأي فرق يُرَّب وأبان في في تأكيد القطع؟ وقد رُوِيّ عن مالك أنه قال في البائنة إنها ثلاث. وروى محمد بن عبد الحكم عن ابن وهب أن مالكًا قال: هي واحدة، له الرجعة فيها. وفي الفروع المماثلة لهذه المسألة اضطراب كثير، كقوله: لا سبيل لي عليك، أو أعرف منه أن يقال لها: ملّكتك أمرك، فلا تكون إلا الواحدة وسيأتي القول عليه إن شاء الله. وقد قال مالك في البتّة والبائنة والخلية والبرية أنه يؤدي في غير المدخول بها، ولم يقل أحد إنه يؤدّى في غير المدخول بها، ولم يقل أحد إنه(١) في الثلاث فبان الفرق والله أعلم. باب أمرك بيدك (قال حمّاد بن زيد: قلت لأيوب: هل تعلم أحدًا قال في (أمرك بيدك) إنها ثلاث إلا الحسن؟ فقال: لا. ثم قال: اللّهمّ غفرًا إلاّ ما حدثني قتادة عن كثير مولى بني سمرة، (١) هكذا بالأصل. ١٠٩ كتاب الطلاق/ باب ٣ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّ قَالَ: ((ثَلاَثٌ)). قَالَ أَيُّوبُ: فَلَقيتُ كَثِيرًا مَوْلَى بَنِي سَمُرَةَ فَسَألْتُهُ فَلَمْ يَعْرِفُهُ. فَرَجَعْتُ إلى قَتَادَةَ فَأُخْبَرْتُهُ فَقَالَ: نَسِيَ(١). قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لاَ تَعْرِفُهُ إلاَّ مِنْ حَدِيثٍ سُلَيْمَانَ بْنٍ حَرْبٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ. وَسَألْتُ مُحَمَّدًا عَنْ هذا الحَدِيثِ فَقَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ بِهذا. وَإِنَّمَا هُوَ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفٌ. وَلَمْ يُعْرَفْ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةً مَرْفُوعًا. عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﴿ قال: هي ثلاث. قال أيوب: فلقبت كثيرًا مولى بني سمرة فسألته فلم يعرفه فرجعت إلى قتادة فأخبرته فقال: نسي). الإسناد: قال أبو عيسى: قال أبو محمد يعني: البخاري، حدّثنا سليمان بن حرب بهذا الحديث عن أبي هريرة موقوفًا، وأسنده عنه علي بن نصر. قال أبو عيسى: وعلي بن نصر ثقة حافظ، وقال النسائي: وهذا حديث منكر. العربية: هذا اللفظ مشكل، ومعناه: أمرك الذي هو بيدي قد جعلته بيدك، وأمرها الذي هو بيده الطلاق وهو يملكه مفرقًا ومجموعًا وواحدة وثلاثًا. الأحكام: في ست مسائل: الأولى: لمّا كان الأمر الذي جعله بيدها الطلاق وكان يملكه على الوجه الذي ذكرناه، اقتضى ذلك أن تملكه كما كان يملكه، فما أوقعت من ذلك للعلماء قديمًا وحديثًا أقوال، جماعها ستة: الأول: أن قضاءها ينفذ، إلا إن ناكرها الزوج فيحلف على ما يذكر، ويكون القضاء كما حلف، قاله ابن عمر ومالك وإسحلق. الثاني: أخبرنا أبو الحسن علي بن أيوب الموصلي بدار الخلافة، عن البرقاني في كتاب الصحيح له، عن يونس بن يزيد، سألت ابن شهاب عن رجل جعل أمر امرأته بيدها قبل أن يدخل عليها، فقالت امرأته: هي كل طالق ثلاثًا، كيف السُّنّة في ذلك؟ فقال: أخبرني محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان مولى البخاري، زاد البرقاني: أخبره أن أبا هريرة قال: بانت منه، فلا تحلّ له حتى تنكح زوجًا غيره، وأنه سأل ابن عباس عن ذلك فقال مثل قول أبي هريرة، وسأل ابن عمر وابن العاص فقال مثل قولهما، وبه (١) أخرجه أبو داود في: ١٣ - كتاب الطلاق، ١٣ - باب في (أمرك بيدك)، حديث رقم ٢٢٠٤. وأخرجه النسائي في: ٢٧ - كتاب الطلاق، ١١ - باب أمرك بيدك. ١١٠ كتاب الطلاق/ باب ٣ وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ حَافِظًا، صَاحِبٌ حَدِيثٍ. وَقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في (أَمْرُكُ بِيَدِكِ) فَقَالَ بَعْضُ أهْلِ العِلم مِنْ أُصْحَابٍ النّبِيِّ نَ﴿ وَغَيْرِهِمْ، مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: هِيَ وَاحِدَةٌ. وَهُوّ قَوْلُ غَيْرٍ وَاحِدٍ مِنْ أهْلِ العِلْمِ مِنَ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ. وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عِفَّنَ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: القَضَاءُ مَا قَضَتْ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِذَا جَعَلَ أمْرَها بِيَدِهَا وَطَلْقَتْ نَّفْسَها ثَلاَثًا، وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ وَقَالَ: لَمْ قال ابن المسيب وابن أبي ليلى والأوزاعي وأحمد بن حنبل. الثالث: أن القول قوله فيما زاد، قاله الشافعي. الرابع: أنها واحدة بائنة إلا أن يريد غير ذلك، وبه قال سفيان وأبو حنيفة والكوفيون. الخامس: أن هذا القول القوي. السادس: أن القضاء(١) ولا يرجع إليه من الأمر شيء لا ساقط ولا نفس نيّة هو صريح. قال أحمد: ورواية المدنيين عن مالك. الثانية: في التوجيه. وهو يرجع إلى ثلاثة أمور: أحدها: أن الذي قال: هل هو توكيل أو تمليك، فإن كان توكيلاً فهو يعرف، وإن كان تمليكًا فقد خرج من يده إليها. الثاني: أنه يبقى ههنا نظر آخر وهو الذي كان يملكه، منه مكروه ومنه مستحب، فهل يدخل المكروه تحت التمليك أم لا يتناول إلا المستحب شرعًا؟ الثالث: أنه جعل ذلك إليها فاختارت واحدة، فإنها يجب أن تكون بائنة، لأن الرجعة حين وجبت له لم يستفد بجعله الأمر إليها مرادًا، إذ له أن يملكها بعد أن ملكها، وإسقاط الرجعة لا سبيل إليه بطريقه المعروفة بالشرع، وهو العوض، فوجب أن يكون القضاء فيه ثلاثًا، وإنما قال: مَن أفتى بالمناكرة واليمين اعتمادًا على حديث ركانة في البتّة، وعلى حديث عمر في الرجل الذي قال: حبلك على غاربك، فهو أعدل الأقاويل والله أعلم. وأما قول ربيعة: إن التمليك يوقع على المرأة طلقة قبلت أو لم تقبل فلا وجه له، فلذلك بعد ولا وجهناه. الثالثة: هذا كله إذا كانت المرأة عاقلة بالغة، وأما إن كانت صغيرة يوطأ مثلها، فذلك لها وإن كانت مجنونة، فلذلك لم يد ح أيضًا في حال الإفاقة ولا في حال الجنون، وفي ذلك تفريع في كتب المسائل. الرابعة: من فصول هذا الباب أن كل لفظ يكون من المرأة من الجواب محمول على ما يكون من الرجل ابتداء في إيقاع الطلاق، فردّه الله، فلا معنى للتطويل به. الخامسة: قال علماؤنا: إذا نوى الزوج أمرًا كان ما تقدم، فإن لم ينوٍ رجع القول والحكم إليها، وهذا بيّن. (١) هكذا بالأصل. ١١١ كتاب الطلاق/ باب ٤ أَجْعَلْ أمْرَهَا بِبَدِهَا إلاَّ فِي وَاحِدَةٍ، اسْتُخْلِفَ الزَّوْجُ، وَكَانَ القوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ. وَذَهَبَ سُفْيَانُ وَأهْلُ الكُوفَةِ إِلَى قَوْل عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ. وَأمَّا مالِكُ بْنُ أَنَسٍ فَقَالَ: الْقَضَاءُ مَا قَضَتْ. وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ. وَأَمَّا إِسْحَقُ فَذَهَبَ إلَى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ. ٤ - باب مَا جَاءَ في الخِيَارِ [المعجم ٤ - التحفة ٤] ١١٧٩ - حقائنا مُحمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ. حَدِّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِسْماعِيلَ بْن أبِي خالِدٍ، عَنِ الشّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةً قَالتْ: خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ فَاخْتَرْنَاهُ. أَفَكَانَ طَلاَقًا(١)؟ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ. حَذْثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَّهْدِيٍّ، حَدَّثْنَا سُفْيَانُ عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ أبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، بِمِثلِهِ. السادسة: إذا صرّح بما ملك فخالفته، فقال ابن القاسم: إذا ملكها ثلاثًا لم يجز منها الواحدة، وقال الشافعي: تجوز، وهي رواية مطرب عن مالك، وهو الأقوى، لأنها قبلت بعض ما وكلت وذلك صحيح، وهو لم يعده مطلوبًا لأنه يوقع ما نقصه ويستدركه بقوله، وهذا هو الأصل الصحيح فخرج عليه جميع الفروع، والله أعلم. باب الخيار مسروق (عن عائشة قالت خيرنا رسول الله (18 فاخترناه أفكان طلاقًا)؟ العارضة: في هذا الباب أنهم اختلفوا في هذه المسألة اختلافًا مُبينًا، ذكر أبو عيسى جمهوره، ويرجع القول فيه إلى فصلين: أحدهما: إذا اختارت زوجها فهي واحدة يملك الرجعة فيها، واختاره أحمد بن حنبل، ولا معنى لهذا القول، لأن السُّنّة غابت عنهم في ذلك. وروى نازلة أعظم من نازلة يبيّن الله أمرها على لسان رسوله في حكم من أحكامه حسبما رَوَته عائشة: أن رسول الله ﴿ جاءها حين أنزل الله آية التخيير، فقال لها: «إني ذاكر لك أمرًا من الله على لسان رسوله عليك، فلا تعجلي حتى تستأمري أبويك»، قالت: وما هذا يا رسول الله؟ فتلى (١) أخرجه البخاري في: ٦٨ - كتاب الطلاق، ٥ - باب من خير نساءه، حديث ٢١٥٠. وأخرجه مسلم في: ١٨ - كتاب الطلاق، حديث ٢٤. ١١٢ كتاب الطلاق/ باب ٤ قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. واخْتَلَفَ أهْلُ العلْمِ في الخِيَارِ. فَرُوِيّ عَنْ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمَا قَالاَ: إن اخْتَارَتْ نَفْسَهَا، فَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ. وَرُوِيّ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَالاَ أيْضًا: وَاحِدَةٌ يَملِكُ الرَّجْعَةَ، وَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا فَلاَ شيءَ. عليها الآية ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك﴾ حتى بلغ قوله: ﴿للمحسنات منكنّ أجرًا عظيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٩] قالت: فيك يا رسول الله أستأمر أبويّ؟ أو: أبي؟ أي: هذا أستأمر أبويّ؟ بل أُريد الله ورسوله والدار الآخرة، وأسألك ألا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت، قال: ((لا تسألني امرأة منهنّ إلاّ أخبرتها، إن الله لم يبعثني غاشًا ولا مغشوشًا، إنما بعثني معلمًا أسيرًا مسيرًا))، ثم فعل أزواج النبي مثل ما فعلت، وقد خيّرنا النبي وَّر فاخترنا الله ورسوله، فلم يعد علينا ذلك شيئًا. وفي رواية: أفكان طلاق، ولا عطر بعد عروس. الثاني: إذا اختارت نفسها على زوجها فليس فيه نص من كتاب الله ولا خبر عن رسول الله #، إلا ما جرى في قصة بريرة، قالت عائشة رضي الله عنها: كانت في بريرة ثلاثة سنن: إحدى السُّنن: عُتقت فخيِّرت في زوجها، فلا شيء في ذلك إجماعًا، وإن اختارت الفراق فارقته ولم يكن لزوجها سبيل إليها بعد اختيارها لفراقه، والدليل عليه الحديث الصحيح: قال ابن عباس: كان زوج بريرة عبدًا أسود يقال له مغيث عبد النبي، فكأني أنظر إليه يطوف في سكك المدينة يبكي عليها ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي # لعباس: ((يا عباس، ألا تعجب من حب مغيث بريرة ومن بغض بريرة مغيثً)؟ فقال النبي #1: ((لو راجعته)، قالت: يا رسول الله، أتأمرني؟ قال: ((إنما أشفع))، قالت: فلا حاجة لي فيه، ولو ملك رجعتها لما احتاج إلى بكاء ولا شفاعة، فدلّ على أنه كان فراق بينونة. وقد اختلف العلماء في ذلك اختلافًا كثيرًا، وقول مالك الأول: ليس لها إلا واحدة، وهو قول الأوزاعي والليث، ومن أسلف: قتادة وعمر بن عبد العزيز، وقال أبو حنيفة والشافعي والثوري وإسحلق وأحمد: إنه فسخ بغير طلاق. والأول أصح، لأن كل فرقة كانت ليست تتعلق بالزوجين كالجبّ والسنة، وإنما يكون الفسخ من جهة معنى يفارق النكاح في أصله، ألا ترى أن فرقة الإيلاء طلاق، وأما الثالث فلا وجه لها، وما أراها إلا غلطًا في الرواية، فإن العبد ليس له أن يطلق ثلاثًا ولا يطلّق عليه فيرجع، فإذا ثبت هذا فإن اختارت المُخيّرة نفسها ففيه اختلاف كثير، لبابه أن مالكًا قال: هي ثلاث، وقال أبو حنيفة: هي واحدة، وقال الشافعي: يقال لها: ما أردت بقولك: اخترت نفسي؟ فإن قالت: الطلاق، كان طلاقًا، وإن قالت لم أرد الطلاق صُدِّقت، وليس في الحديث لهذا أثر ولا في القرآن، وإنما مقتضى النظر. ونكتة المسألة أن الزوج قد خاطبها بالتخيير أن تبقى زوجة أو تفارقه، وهي قد أجابت بأنها اختارت نفسها، وهذا يقتضي الفراق فدعواها أنها لم ترد الطلاق وإنما هو كلام آخر لا يقبل، لا سيما وهو طبق الكلام ووفقه، فهذا قول ضعيف جدًّا، ويبقى النظر بعد هذا أن الفراق يكون بواحدة أو بثلاث، ١١٣ كتاب الطلاق/ باب ٥ وَرُوِيَ عَنْ عَليَّ قَالَ: إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ. وَإِنِ اخْتَارَتْ زِوْجَهَا فَوَاحِدَةٌ يَملكُ الرَّجْعةَ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: إنْ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا فَوَاحِدَةٌ. وَإِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَثَلاَثٌ. وَذَهَبَ أكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ وَالفِقْهِ مِنْ أَصْحَابِ النّبِيِّ ◌َ﴿ وَمَنْ بَعْدَهُمْ في هذا البَابِ إلى قَوْل عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ. وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأهْلِ الكُوفِةِ. وَأَمَّا أَحْمَدُ بْنُ حَتْبَلٍ، فَذَهَبَ إلى قَوْلٍ عُلَيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ٥ - باب مَا جَاءَ فيِ المُطَلَّقَةِ ثَلاثًا لاَ سُكتَى لَهَا وَلاَ نَفْقَةً [المعجم ٥ - التحفة ٥] ١١٨٠ - عقدنا! هَنَّادٌ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشّعْبِيِّ، قَالَ: قَالَتْ فَاطِمَةُ بِئْتُ قَيْسِ: طَلَّقَنِي زَوْجِي ثَلاَثًا على عَهْدِ النَّبَِِّ﴿ِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ: ((لَ سُكْنِى لَكِ وَلاَ نَفْقَةٌ». قَالَ مُغِيرَةُ: فَذَكَرْتُهُ لإبْرَاهِيمَ فَقَالَ: قَالَ عُمَرُ: لاَ نَدَعُ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا وَول لِقَوْلِ امْرَأةٍ، لأَ نَذْرِي أَحَفِظَتْ أمْ نَسِيَتْ. وأن يكون ظهر لأجل أنه قد خيّرها، واختيارها لنفسها يقتضي أن لا يكون له إليها سبيل، وذلك يتحقق بالثلاث، فإن اختارت أقل لم يكن ذلك الذي جعل إليها فلا ينفذ ذلك منها. وقد رُوِيّ عن سحنون مثل قول أبي حنيفة أن التخيير واحدة كالتمليك، ووجهه أن بالواحدة يرتفع السبيل إذا كانت بائنة، وهذا يُبنى على فصل إسقاط الرجعة، وذلك لا يجوز، ومن هنا يتفرّع ويجري على الأصل، والله أعلم. باب المطلّقة ثلاثًا لا سكنى لها ولا نفقة (ذكر حديث فاطمة بنت قيس طلّقني زوجي ثلاثًا على عهد رسول الله # فخاصمته في السكنى والنفقة فقال لها النبي # لا سكنى لك ولا نفقة وقال عمر لا ندع كتاب ربّنا وسُنّة نبيّنا لقول امرأة لا ندري أحفظت أم نسيت). عارضة الأحوذي/ ج ٥/ م ٨ ١١٤ كتاب الطلاق/ باب ٥ وَكَانَ عُمَرُ يَجْعَلُ لَهّا السُّكْنَى وَالنَّقْقَّةَ(١). العارضة في الإسناد: في مسألتين: الأولى: في سياق الحديث قال ابن العربي رحمه الله: هذا باب غريب قريب، قال العلماء أقوالاً: أحدها: لا نفقة للمعتدّة البائنة ولا سكنى، وقال آخرون: لا نفقة لها ولها السكنى، وقال آخرون: لها النفقة ولها السكنى، وقد حقّقناها في التفسير والتلخيص تحقيقًا بالغًا، وإنما نعتني الآن بالحديث المتقدم، وهو شأن فاطمة بنت قيس أُخت الضحاك بن قيس، أن زوجها أبا عمر وحفص بن المغيرة المخزومي طلّقها طلاقًا ثلاثًا البتّة وهو غائب مع علي باليمن، فأرسل إليها بطلاقها عياش بن أبي ربيعة تطليقة كانت بقيت من طلاقها، وأرسل معه الحارث بن هشام بنفقة لها خمسة آصع من تمر وخمسة آصع من شعير، فقلت: أما لي نفقة إلى هذا، أو أعتدّ في منزلكم؟ فانطلق خالد بن الوليد في نفر فأتوا رسول الله ﴿ في بيته، فقالوا: إن حفصًا طلّق امرأته ثلاثًا، فهل لها من نفقة؟ فقال لهم النبي (9: ((ليس لها نفقة وعليها العدّة)»، قالت: فشددت عليّ ثيابي وأتيت رسول الله، قال: ((كم طلّقك))؟ فقلت: ثلاثًا، وإني أخاف أن يقتحم عليّ، قال: ((صدق، ليس لك صدقة ولا سكنى، ولكن اعتذّي في بيت أم شريك))، ثم أرسل إليها: ((إن أم شريك يأتيها المهاجرون والأنصار ويغشاها أصحابي، انطلقي إلى ابن أم مكتوم الأعمى، فإنك إن وضعت خمارك لم يَرَكٍ))، وأرسل إليها: ((لا تسبقيني بنفسك، فإذا حللت فآذنيني))، فآذنته فخطبها معاوية وأبو جهم وأسامة بن زيد، فقال النبي #: ((أما معاوية فعزب صعلوك لا مال له، وما أبو جهم فرجل فيه شدّة، ضرّاب النساء، لا يرفع عصاه عن عاتقه، ولكن أسامة"، فقلت: أسامة، فقال رسول الله ﴾: ((طاعة الله وطاعة رسوله خير لك))، قال: فتزوجته فاغتبطت، فقال عمر: لا ندع كتاب ربّنا ولا سُنّة نبيّنا لقول امرأة لا ندري أحفظت أم نسيت. وطلّق ابن سعيد بن العاصي بنت عبد الرحمن، فأرسلت عائشة إلى مروان وهو أمير المدينة: اتقِ الله وارددها إلى بيتها، فقال مروان: أوما بلغك شأن فاطمة بنت قيس؟ فقالت: لا يضرّك حديث فاطمة، فقال مروان: إن كان بك الشرّ فحسبك ما بين هذين من الشر، وقالت عائشة لفاطمة: ألا تتقي الله؟ تعني: في قولها: لا سكنى ولا نفقة، وعاتبت عائشة أشد العتب في ذلك وقالت: إن فاطمة كانت في مكان وحشي فخِيفَ على ناحيتها، فلذلك أرخص لها النبي 9َ. الثانية: قال أبو عيسى في حديثه: قال مغيرة: فذكرته لإبراهيم، قال عمر: لا ندع كتاب ربنا، الحديث. وإنما يرويه إبراهيم، عن الأسود بن يزيد، قال أبو الحسين أبو الحسن الأزدي، (١) أخرجه مسلم في: ١٨ - كتاب الطلاق، حديث ٤٢. وأخرجه أبو داود في: ١٣ - كتاب الطلاق، ٣٩ - باب في نفقة المبتوتة، حديث رقم ٢٢٨٨. ١١٥ كتاب الطلاق/ باب ٥ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيع. حَدِّثْنَا هُشَيمْ. أَثْبَأَنَا حُصَيْنٌ وَإِسْماعيلُ وَمُجَالِدٌ. قَالَ هُشَيْمٌ: وَحَدْثَنَا دَاوُدُ أيضًا عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ على فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَسَألْتُهَا عَنْ قَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ فِيهَا، فَقَالَتْ: طَلَّقَهَا زَوْجُهَا البَّةَ. فَخَاصَمَتْهُ فِي السُّكْنَى وَالنّفَقَةِ، فَلَمْ يَجْعَلْ لَّهَا الْتِّيِّ ◌َِ ◌ّرَ سُكْنَى وَلاَ نَفَقَةٌ. حدّثنا الدارقطني، حدّثنا إبراهيم بن حماد، حدثنا الحسن بن علي بن الزبير، حدّثنا محمد بن فضيل، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر بن الخطاب أنه لمّا بلغه قول فاطمة بنت قيس قالا: لا ندع كتاب ربّنا لقول امرأة لا ندري لعلها نسيت. وروى النسائي عن الأسود أن عمر قال: أجئت بشاهدين يشهدان أن رسول الله ) قال ذلك؟ وإلا فلا ندع كتاب ربّنا ولا سُنّة نبيّنا، الحديث. وفاطمة بنت قيس بن خالد المضرية، وكانت ذات عقل وجمال وكمال، وفي بيتها اجتمع أصحاب الشورى عند قتل عمر، وأم شريك هي عزيلة ويقال عزية القرشية العامرية، راوية حديث قتل الأوزاغ. الأصول: في مسألتين: الأولى: قول عمر: لا ندع كتاب ربنا وسُنّة نبيّنا لقول امرأة لا ندري أحفظت أم نسيت. اختلف الناس في تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، والمشهور جوازه حسبما بيّاه في كتب الأصول، وقد بيّنًا أن عمر رضي الله عنه لم يذهب فيما قال مذهب الرد، وإنما كان يقول أمثال هذا تثبيتًا للناس. ألا ترى أن إنكاره على أبي موسى لم يكن على الردّ لأخباره، وإنما كان حماية من استرسال الناس على حديث رسول الله8# لها: اعتذّي في بيت أم شريك))، فلما خرجت عنه أرسل إليها: ((اعتدي في بيت ابن أم مكتوم))، فرجع عمّا كان أمرها به إلى غيره، وليس هذا من باب النسخ ولكنه من باب الرجوع عن الشيء إلى ما هو أولى منه، لما يتبين في العاقبة من الصواب فيه، وصار هذا أصلاً لكل حاكم تبيّن له خلاف ما حكم في رجوعه عنه إلى ما ظهر عودًا بعد بدء إليه، وقد اختلف العلماء في ذلك اختلافًا متباينًا، وسيأتي ذلك في كتاب الإفاضة إن شاء الله. الأحكام: في عشر مسائل: الأولى: طلقني زوجي ثلاثًا. تعلّق به بعضهم وقوع الثلاث، إنما كانت متفرقات بدخول قولها في آخر الحديث ((تطليقة)) كانت بقيت من طلاقها. الثانية: قولها وهو غائب باليمن دليل على جواز طلاق الغائب كما يجوز طلاق الحاضر، كما تجوز مواجهة الرجل امرأته بالطلاق، وهي ثلاث مسائل في كل مسألة حديث. وإذا أرسل بالطلاق وهو غائب فليس يلزم أن تكون عليه بينة، ولكن يعلمها بطلاقها لتنظر في الذي يتعيّن ١١٦ كتاب الطلاق/ باب ٥ وفي حَدِيثٍ دَاوُدَّ قَالَتْ: وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَدِّ فِي بَيْتِ ابنِ أَمِّ مَكْثُومٍ. قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهُوَ قَوْلُ بَعْضٍ أهْلِ العِلْمِ، مِنْهُمُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحِ وَالشّعْبِيُّ. وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ وَإِسْحَقُ. وَقَالُوا: لَيْسَ لِلْمُطَلْقَةِ سُكْنَى وَلاَ نَفقةٌ، إذَا لَمْ يَملِكْ زَوْجُهَا الرَّجْعَةَ. وَقَالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِِّنَّهِ، مِنْهُمْ عُمَرُ وَعَبْدُ اللَّهِ: إِنَّ المُطَلَّقَةَ ثَلاثًا، لَّهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَّةُ. وَهُوّ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأهْلِ الْكُوفَّةِ. من العدّة عليها ولنفسه، وليس يلزم الإشهاد على الطلاق وإنما يلزم في النكاح وفي الرجعة على الوجه الذي تقدم بيانه من الاختلاف والوفاق، وإما أنه من التحصين له، ولها في الذي تقدم بيانه من الاختلاف والوفاق، وإما أنه من التحصين له ولها في الذي تقدّم بينهما من المصائب وفيما تحتاج هي إليه من النكاح إن كان عند الحاكم، وأما إن كان بين الأولياء جاز لهم أن يكتفوا في ذلك بعلمهم، ولذلك أرسل هو إليها بطلاقها مع عياش بن أبي هريرة، وفي رواية مع الحرث. الثالثة: قوله: (فانطلق خالد في نفر إلى رسول الله (*) دليل على اجتماع العصبة في طلب حق يكون للولي أو الولية، وهو أقوى، ولا يُعَدّ عصبية إذا لم يخرج القول على طريق الحق، ولا علاج المتكلم الطالب عن سبيلها، ولعلهم كانوا شهودًا بظلامتها، والأول أقوى. الرابعة: قوله: (في بيت ميمونة) دليل على أن في بيته يؤتى الحكم والقضاء. في البيت هو الأصل وفي المسجد عند مالك هي السُّنّة والأمر القديم، قال النبي 8#: ((لا نفقة لها))، وهي الفصل المطلوب بيانه المختلّف فيه وليس فيه احتمال ولا إشكال، فإن الله تعالى قال: ﴿أسكنوهنّ من حيث سكنتم﴾ [الطلاق: ٦] وقال: ﴿وإن كنّ أَولات حمل﴾ [الطلاق: ٦] فبين حالهم في السكنى والنفقة، فأطلق القول في السكنى عمر بن (١) النفقة بذوات الحمل، فتغيّرها إبطال للتقسيم حذف للفائدة، وعمر إنما أنكر أمر السكنى وكذلك عائشة على ما تقدم ذكرنا إياه، وأما النفقة فلم يكن عندهم فيها إشكال ولا ورد عن أحد فيها إنكار. [الخامسة]: قوله: (وعليها العذة) هذا أصل متفق عليه، لأنها لبراءة الرحم وصيانتها عن اختلاط المياه وفساد الأنساب، كما أنها تنتفي عن التي لم يدخل بها بقوله: ﴿طلّقتموهنّ من قبل أن تمسّوهنّ فما لكم عليهنّ من عدّة تعتدونها﴾ [الأحزاب: ٤٩]. [السادسة]: قوله: (وإني أخاف أن يقتحم عليّ) فذكرت انفرادها وعورة فنزلت، ويؤكده قول عائشة في البخاري: إن فاطمة كانت في مكان وحش فخِيفٌ عليها، وبقول مروان حين غلبه (١) هكذا بالأصل. ١١٧ كتاب الطلاق/ باب ٥ وَقَالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: لَهَا السُّكْنَى وَلاَ نَفَقَةَ لَهَا. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكِ بْنٍ أَنَسٍ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالشَّافِعِيِّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّمَا جَعَلْنَا لَهَا السُّكْنَى بِكِتَابِ اللَّهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إلاَّ أنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّئَةٍ﴾ [النساء: ١٩]. عبد الرحمن بن الحكم في إخراج بنته من منزلها في زوجية يحيى بن سعيد بن العاصي: إن كان بك الشرّ فحسبك ما بين هذين من الشر، وهذا يدلّ على أنها خرجت من منزلها لعذر يجوِّز الخروج: عورة المكان، خوف البذاء والشرّ، طلب المعاشر، وهذا نص. وأما فاطمة نفسها حين أنكرت ذلك على مَن أنكره عليها من الصحابة ففقهت في مسألتها واحتجّت بما رأت عليها، ففي الصحيح أنها كانت تقول: بيني وبينكم كتاب الله، قال تعالى: ﴿لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا﴾ [الطلاق: ١] فأي أمر يحدث بعد الثلاث؟ يريد أن تحريم الإخراج أن الخروج إنما هو بالرجعة. قال ابن العربي: وصدقت، ولكن فإنها ما تفطم (١) ما تفطن غيرها من علماء الأمة، وذلك أن هذا يشهد بما هو في الآية الأولى، فأما الآية الأخرى فإن حال البيونة فيها بيِّن بعدم السكنى والإنفاق، فأما الرجعة فلها النفقة ولا يجوز إن انقطعت الآيات، فأحكامها ومعانيها أن توصل كما لا يجوز إن اتصلت أن تقطع. [السابعة]: قال: (انتقلي إلى بيت أم شريك) فنقلها إلى امرأة مفردة لا زوج لها حين لم يكن لها منزل ولا حرمة خالية من زوج، وقد، رواه الخطابي فقال: (انتقلي إلى أم مكتوم) وهو وهم. - -- [الثامنة]: قوله لها: (تلك امرأة يغشاها أصحابي) وقيل في ذلك وجهان: أحدهما: أن ذلك قبل نزول الحجاب، وهو ضعيف، لأن مغيب عليّ إلى اليمن حين سافر معه زوج فاطمة كان بعد نزول الحجاب بمدة، الثاني: وهو الصحيح أن أم شريك كانت مبجّلة رجلة، فكان المهاجرون والأنصار يداخلونها بجلالتها وجلّتها ورجولتها، فلم يكن ذلك موضع تحصين لكثرة الداخل فيه والخارج وعسر التحفّظ فيه، فنقلها منه إلى دار امرأة لها زوج أعمى فتكون في حصانة من الرجال وفي ستر من ضرورة الرجل المختصّ بذلك المنزل، ويأتي تمام الكلام في موضعه إن شاء الله . [التاسعة]: ذكره لأبي جهم بتلك الأخلاق المذمومة لم يدخل في سبيل الغيبة، لأنه في سبيل النصيحة والتعريف لمّن يحتاج ذلك فيه، وهو أمر مخصوص منها مع غيره مما يُبيِّن في . موضعه إن شاء الله عزّ وجل. (١) هكذا بالأصل. ١١٨ کباب الطلاق/ باب ٦ قَالُوا: هُوَ البِذَاءُ، أنْ تَبْذُوَ على أهْلِهَا، وَاعْتَلَّ بِأنَّ فَاطِمَةً بِنتَ قَيْسٍ لَمْ يَجْعَلْ لَّهَا النّبِيُّ:﴿ السُّكْنَى، لِمَا كَانَتْ تَبْذُو على أَهْلِهَا. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَلاَ تَفَقَةَ لَّهَا، لحدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ :﴿، في قِصَّةٍ حَدِيثٍ فَاطِمَةً بِثْتٍ قيْسٍ. ٦ - باب مَا جَاءَ لاَ طَلَاَقَ قَبْلَ النَّكَاحِ [المعجم ٦ - التحفة ٦] ١١٨١ - هندنا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيع. حَدَّثَنَا هُشّيَمْ. حَدَّثَنَا عَامِرٌ الأخْوَلُ. عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾: ((لاَ نَذْرَ لايْنِ آدَمَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ، وَلاَ عِثْقَ لَّهُ فِيما لاَ يَعْلِكُ، وَلاَ طَلاَقَ لَهُ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ))(١). [العاشرة]: أن في هذا تفسير لقوله: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله﴾ [النور: ٣٢] فإنه لم يعب الفقراء بل أعرض عن ذلك فيه وعدل عنه في الحديث، بمعنى أن أسامة فقير ومعاويه مثله، فإذا اجتمع فقيران أو غنيّان أخذ بأفضلهما، فمعنى الحديث: معاوية ترب وأسامة مثله، فخذه قبله. [الحادية عشر]: قوله في الحديث: (أُسامة أسامة) وقالت بيدها، كزرت ذلك الاسم تأكيدًا للكراهة فيه، وأشارت بيدها لكنه بغض له وطرح، فأجابها النبي # بالجواب الأعظم وهو قوله : ((طاعة الله وطاعة رسوله خير لك)) فقبلت بتوفيق الله واغتبطت بفضل الله. [الثانية عشر]: فيه تزويج المولى القرشية ونكاح زيد لزينب، أصل الوصول في ذلك لأنه مولى رسول الله $، وفي بلادنا ما ينكح أهلها بناتهم عبيدهم، والناس يأخذون في ذلك عليهم، ولیس بمأخذ. [الثالثة عشر]: قوله: (لا يرفع عضاء) وفي رواية (لا يضع عصاء) مجاز في الكناية عن الشذة، كأنه راعٍ يُكثِر ضرب الغنم التي كُلُّفَ حفظها، وذلك صحيح من الكلام. باب لا طلاق قبل النكاح (عن ابن شعيب عن أبيه عن جدّه قال رسول الله 18 لا نذر لابن آدم فيما لا يملك ولا عتق له فيما لا يملك). (١) أخرجه أبو داود في: ١٣ - كتاب الطلاق، ٧ - باب الطلاق قبل النكاح، حديث رقم ٢١٩٠. وأخرجه ابن ماجه في: ١٠ - كتاب الطلاق، ١٧ - باب لا طلاق قبل النكاح، حديث رقم ٢٠٤٧. ١١٩ كتاب الطلاق/ باب ٦ قالَ: وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَجَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةً. قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو حَدِيثٌ حَسَنْ صَحيحٍ. وَهُوَ أَحْسَنُ شَيءٍ رُوِيَ في هذا الْبَابِ. وَهُوَ قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبيِّ نَّهَ وَغَيْرِهِمْ. رُوِيَ ذلِكَ عَنْ عَليّ بْنِ أبي طَالِبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ وَسَعِيدٍ بْنِ المُسَيِّبٍ وَالحَسَنِ وَسَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ وَشُرَيْحٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَغَيْرٍ وَاحِدٍ مِنْ نُقَّهَاءِ التَّابِعِينَ. وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيِّ. الإسناد: ليس في الصحيح لهذا الحديث أصل، بيد أن أرباب المصنفات والمسانيد ذكروه، وله طرق كثيرة قد أوردها الدارقطني. وقال أبو عيسى: سألت محمد بن إسماعيل عن أصح حديث في هذا الباب فقال: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، وحديث هشام بن سعد عن الزهري عن عائشة، زاد فيه أبو داود: ((مَن حلف على معصية فلا يمين له، ومَن حلف على قطيعة رحم فلا يمين له، ولا نذر إلا في مَن ابتغى به وجه الله))، ومع أن البخاري صحّح حديث عمرو بن شعيب فلم يدخله في كتاب، لأن صحيفته ليست من شرطه، ولكن ذكره عن عليّ وابن عباس ونحو من ثلاثة وعشرين من التابعين أنه لا يلزمه طلاق فيما لا يملك ومنهم سبعة من فقهاء المدينة. الأحكام: للعلماء في هذه المسألة أربعة أقوال: الأول: أنه لا طلاق إلا فيما يملك، قاله جماعة منهم الشافعي. الثاني: يلزمه إذا علّقه بالملك مطلقًا، قاله أبو حنيفة. الثالث: أنه لا يلزمه إن نسب إلى نوع أو مكان أو قبيلة، ولا يلزم إن أطلق، قاله مالك. وقد رُوِيّ عنه كقول الشافعي من طريق أهل المدينة. الرابع: أنه يلزمه في العتق ولا يلزمه في الطلاق، قاله أحمد بن حنبل، وقد سُئِل سعيد بن المسيب عن ذلك فقال: لا يكون سيل قبل مطر. وروى ابن وهب المخزومي عن مالك كما قدّمنا أنه لا شيء عليه، وقاله ابن عبد الحكم. وقال ابن القاسم أمر السلطان ألاّ يحكم في ذلك بشيء، وتوقف في الفتيا به آخر أيامه، يريد الإشكال المسألة وضعف الدليل في لزومها. والأصل في الطلاق أن يكون في المنكوحة المقيدة بقيد النكاح، فقال تعالى: ﴿إذا نكحتم المؤمنات ثم طلّقتموهنّ من قبل أن تمسّوهنّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، فهذا قول الله وهو الذي يقتضيه مطلق اللفظ، إلا أنه لما انعقد إجماعهم على أن الرجل إذا قال لزوجه: إن دخلت الدار فأنت طالق أنه يلزمه الطلاق إذا دخلت الدار، قال بعضهم: معناه أن الطلاق حقٌّ ملكه فجعل الشرع إليه أن ينجزه وأن يؤجّله وأن يعلّقه بأجّل ويجعله بيد آخر، ويكون هذا من باب تصرّف المالك في ملكه، فأما إذا لم تكن له زوجة فلم يملك شيئًا فلا يكون له تصرّف فيما لا يملك. وقال بعضهم قولهم: إن دخلت الدار فأنت طالق، عقد التزمه بقوله ربطه بنيّته وعقده ١٢٠ كتاب الطلاق/ باب ٦ وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ في (المَنْصُوبَةِ): إنهَا تَطْلُقُ. وَقَدْ رُوِيّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَالشَّغْبِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَهْلِ العِلْمِ؛ أنَّهُمْ قَالوا: إِذَا وَقَّتَ نُزِّلَ. وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ؛ أَنَّهُ إذَا سَمَّى امْرأةٌ بِعَيْنِهَا أَوْ وَقَّتَ وَقْتَا أُوْ قَالَ: إِنْ تَزَوَّجْتُ مِنْ كُورةٍ كَذَا، فإنَّهُ إِنْ تَزَوِّجَ فإنهَا تَطْلُقُ. وعلّقه بشرطه، فإن وجد الشرط نفذ القول، وإن عدم الشرط بموت إو فراق سقط حكم القول، ولم يكن ذلك بمانع من أن يكون معقدًا في ذاته، حتى إذا وجد محله نفذ فيه. كذلك إذا قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق يجب أن ينعقد هذا القول ويلزمه بالنيّة ويكون معقودًا موقوفًا حتى يصادف محله، فإنه قول صحيح مضاف إلى محل صحيح مُعَلّق بأجل صحيح فجاز، كما لو قال لزوجته: إن دخلتِ الدار فأنت طالق، فقالوا: إن المراد بالحديث ما إذا طلّق أجنبية أو أعتق مَن ليس له بعبد أو نَذّرَ فيما ليس له فيه ملك، كما رُوِيّ أن امرأة جاءت على ناقة النبي ◌ّر فلما بلغت إليه قالت: إني نذرت أن تجيء بي إليه على أن أنحرها، قال لها: ((بئس ما جازيتها، لا نذر فيما لا يملك ابن آدم)»، فعلى هذا ونظائره يحمل الحديث. فأما على ربط الأقوال بالشروط مضافة إلى المحال فلا يقتضيه الحديث، وأما على هذين الأصلين دار اختلاف العلماء، وأما أحمد فنظر إلى أن العتق قربة وباب القرب، وأصلها أن تنعقد في الذمة مطلقًا، فانعقدت مضافة إلى محل لا يملك معلّقًا على الملك، ألا تراه أنه لو قال: لله عليّ طلاق لكان لغوّا، فكذلك إذا أضافه إلى محله بشرطه في أجله يكون لغوّا، لأنه لم يصلح تعلقه بالذمة، وهذا نظر ثالث بديع. وأما مالك فنظر في مشهور قوله إلى أن المعمّم بالطلاق لكل زوجة سذ على نفسه باب النكاح الذي ندب الله إليه وشرعه سبيلاً لوجود الخلق، وحكمة لها خلق البشر بقوله: ﴿وهو الذي خلق من الماء بشرًا فجعله نسبًا وصهرًا﴾ [الفرقان: ٥٤] يعارض عقدة الشريعة، فسقط بخلاف ما إذا خصّ، وهذا أصل مبني على باب من أصول الفقه متنازع فيه، وهو تخصيص الأدلة بالمصالح والعلل بالتعارض، ولو كان هذا لازمًا في الخصوص للزم في العموم، لأن الباب إذا امتنع سدّ كله امتنع سد بعضه للضيق فيه والتضييق في الدين، حكمه حكم الإبطال إذ قال سبحانه: ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨] فهذه مقاطع الأقوال ومقطع نظر العلماء على التحقيق، وقد مهدنا ذلك في مسائل الخلاف. والورع يقتضي التوقف على المرأة التي يقال هذا فيها، والأصل أن يجوز نكاحه ويلغى هذا الكلام، والله الموفق للصواب. تفريع: فإن كان ذلك شرط في النكاح، فقد اختلف العلماء في ذلك اختلافًا كثيرًا لا تحتمل هذه العارضة استيفاءه، فإن دخول الشروط على المعقود بحر لا ساحل له، تلاطمت فيه أمواج تعارض الأدلة وتباين فيه أهل الملّة، ولعل الله أن يهب زمانًا نتفرّغ فيه لتجريده، فإن