Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
كتاب النكاح/ باب ١٨
هذا حَدِيثٌ حَسَنّ صَحِيحٌ. رَوَاهُ شُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ.
وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِجَازَةِ النِّكاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ، بِهَذَا الحَدِيثِ. وَلَيْسَ في هذا
الحَدِيثِ مَا احْتَجُوا بِهِ. لأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّ: ((لاَ
نِكَاحَ إلاَّ بَوَلِيٍّ) وَهَكْذَا أَفْتِى بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ بَعْدَ الْتِّيِّ ◌َ﴿ فَقَالَ: ((لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيِّ)) وَإِنْمَا
مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ وَ﴿َ: «الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيُّهَا)) عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ؛ أنَّ الوَلِيَّ لاَ
يُزَوِّجُهَا إِلَّ بِرِضَاهَا وَأَمْرِهَا. فَإِنْ زَّوَّجَهَا، فالنّكَاحُ مَفْسُوغٌ، على حَدِيثٍ خَتْسَاءَ بِئْتِ
خِذَامٍ. حَيْثُ زَوْجَهَا أَبُوهَا وَهِيَ تَيِّبْ، فَكَرِهَتْ ذلِكَ، فَرَدِّ النَّبِيِِّ﴿َ نِكَاحَهُ.
١٨ - بلب مَا جَاءَ فِي إِكْرَاءِ الْيَتِيمَةِ على التَّزْوِيجِ
[المعجم ١٨ - التحفة ١٨]
١١٠٩ - عقدنا قُتَنْيَةُ. حَذّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عِمْرٍو، عَنْ أبي
سَلَّمَةً، عَنُ أبي هُرَيْرَةً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: ((اليَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا، فَإِنْ صَمْتَتْ
فَهُوَ إِذْنُهَا، وَإِنْ أَبَتْ فَلاَ جَوَازَ عَلَيْهَا))(١).
ولد العباس والثاني من ولد أبي بن كعب، وشرط البخاري أن لا يدخل عن مجهول ولا
محتمل، وإنما يدخل عن معين وقد عيّن هذا، فأخبرنا القاضي أبو الحسن الخلعي، أخبرنا ابن
النحاس، حدّثنا حمزة، أخبرنا النسائي، أخبرنا أحمد بن سعيد الرياطي، حدثنا يعقوب، حدّثنا
أبي، عن أبي إسحق، حدثني صالح بن كيسان، عن عبد الله بن الفضل بن العباس بن ربيعة،
عن نافع بن جبير بن مطعم، عن عبد الله بن عباس أن رسول الله # قال: «الأيم أولى بأمرها،
واليتيمة تستأمر في نفسها وإذنها صماتها))، وكذلك رواه الجماعة عن مالك، وشعبة حافظ تَّبْت.
وروى نافع، عن جبير، عن ابن عباس، عن النبي 98: «ليس للولي مع اليتيمة حتى تستأمر،
وصمتها إقرارها»، ولم يسمع صالح من نافع، وفي رواية محمد بن عمر، عن أبي هريرة، عن
النبي : (تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن صمتت فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها)، وذكر
أبو داود: ((فإن بكت))، ولم يصح. وثبت عن النبي * أنه قال: ((استأمروا النساء في
أبضاعهن))، قیل: فإن البکر تستحي فتسكت، قال: «هو إذنها)). وروى أبو داود: ((واستأمروا
النساء في بناتهنّ))، خرّجه أبو داود. وروى النسائي عن ابن عباس أن النبي * قال: «الثيب
أحق بنفسها، والبكر يستأذنها أبوها في نفسها، وإذنها صماتها)، ورُوِيّ أيضًا عن عائشة أن فتاة
ماجه في: ٩ - كتاب النكاح، ١١ - باب في استثمار البكر والثيب، حديث ١٨٧٠.
(١) أخرجه أبو داود في: ١٢ - كتاب النكاح، ٢٢ - باب في الاستثمار، حديث ٢٠٩٣.

٢٢
کتاب النكاح/ باب ١٨
يَعْنِي إِذَا أَدْرَكَتْ فَرَدِّثْ.
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبي مُوسى وَابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةً.
دخلت عليها فقالت: إن أبي زوّجني من ابن أخيه ليرفع بي من خسيسته وأنا كارهة، فقالت:
اجلسي حتى يأتي النبي : *، فجاء النبي ◌َ﴾ فأخبرته، فأرسل إلى أبيها فدعاه، فجعل الأمر لها،
فقالت: يا رسول الله قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم أن للنساء من الأمر شيء.
وكذلك روى أبو داود أن النبي# خيّر امرأة بكرًا زوجها أبوها.
الأحكام: قال ابن العربي: هذه المسألة فرع التي قبلها، إلا إذا لم يكن للنكاح وليّ وكانت
المرأة التي تتولى عقدها، فهذه الأحاديث متأوّلة تأويلاً بعيدًا. وإن كان العقد على بضع للوليّ
فالأحاديث على ظاهرها، وقد جاء في الحديث من العربية لفظ الأيم والثيب، فأما الثيّب فهي
التي ثاب إليها الرجل، أي: وصل إليها الرجل أو لم يصل، قال الله سبحانه: ﴿وأنكحوا الأيامى
منكم﴾ [النور: ٣٢] وقد يستعمل في النساء. وفي الحديث: ((أمت حفصة من زوجها، وآم
عثمان من رقية))، وقال أمية بن أبي الصلت:
(ذريني على أيم منهم وناكح، إن لم يغيروا غارة شعواء، تحجر كل نائم) فدلّ على أنها
التي لا زوج لها، بكرًا كانت أو ثيًّا، بالغًا أو غير بالغ.
تأويل: إذا ثبت هذا، فإن المراد بالأيم في هذا الحديث التي خرج عنها حكم زوج سابق
بالطلاق، الكبيرة المالكة لأمر نفسها. والدليل عليه أن النساء قسمان: بكر وثيب، وكل قسم
منهما قسمان: بالغ وغير بالغ، فصارت النساء بهذه الصورة الخلقية أربعة أقسام: بكر صغيرة،
ثيّب كبيرة، بكر كبيرة، ثيّب صغيرة، لا يصحّ أن يكون لها خامس. فأما اليكر الصغيرة فلا
خلاف أنها أحق من وليّها بنفسها بين المسلمين، أي أن أباها يزوجها ولا يلتفت إليها، إذ ليس
فيها ملتفت. أما الثيب الكبيرة فلا خلاف أنها أحق من وليّها بنفسها في رضا النكاح، واختلف
الناس هل تعقد على نفسها دون وليّها؟ فأبو حنيفة ومَن يرى في ذلك رأيه جعلوا الشريعة فرضًا
وسُنّة، ومهدنا ذلك في الباب قبل هذا. قولهم يؤدي إلى أن يكون هذا القول في هذا الحديث
لغو، لأن كلمة: ((أحق)، وهي أفعل، توجب الاشتراك بين الثيب والولي، وأن حق الثيب أكبر.
ومذهب أبي حنيفة يوجب نفي الشركة بين الولي والمرأة، وأن يكون الحق كله لها، والقرآن
والسُّنّة والعبرة ترذه، وقد بيّنًا ذلك في مواضع كثيرة. وأما البكر البالغة فاختلف الناس فيها،
فتعلق أبو حنيفة بطريقين:
أحدهما: رُوِيَ أن فتاة بكرًا زوّجها أبوها، فرفعت إلى النبي ◌َ﴿ أمرها، فخيّرها. والثابت
في هذا الحديث: أنَّ ثيّبًا، وهي معروفة: حبيبة بنت حازم، فأما رواية البكر، فضعيفة،
والحديث يعضدها والمعنى، وأما الحديث فقوله: ((إنها أحق بنفسها))، معناه: لكونها ثيًّا، يريد:

٢٣
كتاب النكاح/ باب ١٨
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أبي هُرَيْرَةً حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَاخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في تَزْوِيجٍ
الْيَتِيمَةِ. فَرَأَى بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ؛ أنَّ الْيَتِيمَةَ إِذَا زُوّجَتْ، فَالنَّكَاحُ مَوْقُوفٌ حتى تَبْلُغَ. فَإِذَا
بَلَغَتْ فَلَهَا الخِيَارُ فِي إِجَازَةِ النِّكاحِ أوْ فَسْخِهِ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ التَّابِعِينَ وَغيْرِهِمْ.
قد عرفت مقاصد النكاح، فإن شاءت عقدته وإن كرهته تركته، والبكر لا معرفة لها به فلا رأي
لها فيه، وبهذا المعنى يستقيم لفظ الحديث ومعناه، لأنه لو كان المراد برواية مَن رأى الأيم:
البكر، لتكرر الكلام وفسد النظام، وإذا كان معنى الأيم: الثيب، ضرورةٌ، كان معناه أيضًا:
والثيب أحق بنفسها من وليّها في رضى النكاح، والبكر أحق لكنها يستحب استثمارها. ولو كانت
البكر البالغ لا تزوج إلا برضاها، والثيب البالغ لا تزوج إلا برضاها، والثيب البالغ كذلك،
لتكرر الكلام وفسد النظام، أو ضعف الثيب الصغيرة (١)، فقال الشافعي: لا يجبرها الأب وروى
مالك وأبو حنيفة جبرها وتعلق الشافعي بظاهر قوله الثيّب، وتعلق مالك وأبو حنيفة بظاهر
الصغروان، ذلك الذي أصاب الصغيرة من الثيوبة لا عبرة فيه، لأنه عندنا في معنى الجرح،
ويعضد هذا بيننا وبين الشافعي أن الصغر عندنا علة للإجبار، والبكارة علة للإجبار، وإذا ثبت
الحكم بعلتين مستقلتين فزالت إحداهما ثبت الحكم بالأخرى، كالحائض المحرمة، وقد مهّدنا
ذلك على الكمال في التلخيص، فمَن أراده وجده إن شاء الله.
الثانية: علل في رواية عائشة كون السكوت إقرارًا بعلة أنها تستحي من التصريح بالنطق.
الثالثة: قوله: (استأمروا النساء في أبضاعهنّ) فحمل تفسيره على ما تقدم من أنها تعتبر
بكارتها وثيوبتها، ويعتبر أيضًا كونها يتيمة وذات أب، فاليتيمة لا يزوّجها أحد إلا بأمرها، ولا
أمر لها إلا بعد بلوغها، وأما ذات الأب فأبوها أحق بها بكرًا كما تقدم، وهي أحق بنفسها
ثییًا.
الرابعة: قوله: (آمروا النساء في بناتهن) هذا غير لازم بإجماع، وإنما مستحب، فربما
يكون عند أمها رأي صدر عن علم لها بالزوج، وأيضًا فإنه إن كان برضاها خشي صحبة زوج
ابنتها، وإن لم تعلم رأت خروجها عن ذلك فلم تحفظ حفظها إذا اختارته.
الخامسة: قوله: (والبكر يستأذنها أبوها في نفسها) محمول على الاستحباب، بدليل ما
قدّمناه ليصحّ معنى الحديثين، وإذا شاورها أبوها فلا يكون مشافهة وإنما يكون بواسطة، لأنها إذا
استحيت من ذكر النكاح مرة استحیت من ذكره مع أبيها مرارًا.
السادسة: قولها: (إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع من خسيسته) إشارة إلى أنه كان فقيرًا،
وقد بيّنًا أن هذا ليس بحجة، فإن تزوج المُعسِر جائز، وقد وقعت هذه المسألة في المدوّنة،
(١) هكذا بالأصل.

٢٤
کتاب النكاح/ باب ١٨
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ يَجُوزُ نِكَاحُ الْيَتِيمَةِ حتى تَبْلُغَ. وَلَ يَجُوزُ الخِيَارُ فِي النَّكاحِ. وَهُوَ
قَوْلُ سُفْيَانَ الثّوْرِيِّ وَالشّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَهْلِ العِلْمِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَقُ: إِذَا بَلَغَتِ الْيَتِيمَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَزُوَّجَتْ، فَرَضِيَتْ، فَالنِّكاحُ
جَائِزْ. وَلاَ خِيَارَ لَّهَا إِذَا أَدْرَكَتْ. وَاحْتَجًا بِحَدِيثٍ عَائِشَةً؛ أنَّ النبيِّ وَ ﴿ بَنَّى بِهَا وَهِيَ بِنْتُ
تِسْعِ سِنِينَ. وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ؛ أنَّ النبيَّ لَهَ بَنَّى بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تَسْعِ سِنِينَ. وَقَدْ قَالَتْ
عَائِشَةُ: إِذَا بَلَغَتِ الجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ، فَهِيَ امْرَأَةٌ.
وقال مالك لأُمُّ اعترضت أبًا في تزويج بنته من ابن أخ له فقير: إني لا أرى لكِ في ذلك
متكلمًا. وقد سقط بعضهم الأب فأوجب الكلام في ذلك، وهو أمر تميل إليه النفوس عادة
والحق أنه لا يلتفت إلى ذلك كما تقدم ببابه، واستيفاؤه من مسائل الخلاف.
السابعة: قال النبي : ((فإن سكتت فهو إذنها»، سكوتها أو صماتها، فإن بكت هل
يكون رضى أم لا، لأنه حصل السكوت ولكن كان بكاء؟ اختلف المتأخرون من علمائنا، فمنهم
مَن قال: يكون رضى، كأن السكوت قد حصل، ويحتمل أن يكون البكاء ليتم ولفقد الولي،
ومنهم من قال: لا يكون رضى إلا بسكوت متجرّد عن بكاء، لاحتمال أن يكون البكاء لفقد
الوليّ واليتيم، ويحتمل أن يكون لعدم الرضا وتستحي أن تصرّح به. وقد شاهدت نكاحًا كان مع
البكاء الصموت، فلم أعوّل على البكاء وحملت الأمر على الرضا.
الثامنة: غير الأب من القرابة لا يزوج البكر حتى تستأمر، أو لا يكون لها أمر تستأمر عنه
في النكاح إلا بعد البلوغ، وهذا عامّ في الجدّ، خلافًا للشافعي لأنها ذات جدّ يتيمة، فتدخل
تحت الخطاب، وهي في سائر القرآن يتيمة بلا شك.
التاسعة: لا تكون الثيوبة التي توجب النطق إلا ثيوبة نكاح أو شبهته، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشافعي وابن الجلاب: إنها توجب النطق بأيّ وجه وقعت، متعلقًا بظاهر اللفظ وحكم
الاشتقاق، وهذا الذي قالت صحيح إذا كانت مشتهرة محدودة، فأما إذا كانت مستورة فلا يجوز
أن يترتب نكاح على ما لم يثبت، بل يجب الحد على مَن ذكره، والله أعلم.
العاشرة: فإن عقد عقد نكاح اليتيمة فاختلاف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
الأول: أنه باطل. الثاني: أنه موقوف حتى تبلغ أو ترد، وبه قال أبو حنيفة. الثالث: قال
أحمد: إذا رضيت وهي بنت تسع سنين جاز النكاح، وكان الاستثمار صحيحًا، لقول عائشة:
إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة. وحديث عائشة لم يصح، فإن صحّ فالمراد به
باحتمال الوطء لا صحة الإذن ونكاح فيه خيار باطل، لا يصحّ أن ينعقد شرعًا لأنه ليس له
نظير ولا عليه دليل.

٢٥
كتاب النكاح/ باب ١٩
١٩ - باب مَا جاءَ في الوَلِيَّيْنِ يُزَوَّجَانِ
[المعجم ١٩ - التحفة ١٩]
١١١٠ - عندما قُتَيْبَةُ. حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ. حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةً عَنْ فَتَادَةً، عَنِ
الحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ؛ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: «أَيُّمًا امْرَأَةٍ زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ، فَهِيَ
لِلأَوَّلِ مِنْهُمَا. وَمَنْ بَاعَ بَيْعًا مِنْ رَجُلَيْنِ فَهُوَ لِلأَوَّلِ مِنْهُمَا))(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَالعَمَلُ على هذا عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ. لاَ نَعْلَمُ
بَيْنَهُمْ فِي ذِكَ اخْتِلافًا. إذًا زَوِّجَ أحَدُ الوَلِّيْنِ قَبْلَ الآخَرِ فَنِكَاحُ الأوّلِ جَائِزٌ، وَنِكَاحُ الآخَرِ
مَفْسُوخٌ. وَإِذَا زَوَّجَا جَمِيعًا، فَنِكَاحُهُمَا جَمِيعًا مَفْسُوخٌ. وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ
وَإِسْحَقّ.
باب الوليّين يزوّجان
ذكر حديث سمرة (أيما امرأة زوّجها وليان، فهي للأول. ومَن باع بيعًا من رجلين، فهو
الأول منهما). قال أبو عيسى: لا نعلم في ذلك اختلافًا ما بين أهل العلم، ولم يذكر قول
مالك: إن الثاني إذا دخل كان أولى من الأول. وقد اجتمع علماؤنا في ذلك بإجماع
الصحابة: عمر، والحسن، ومعاوية، وعليّ. فأما حديث عمر فيُروى أنه قضى في الوليّين
ينكحان المرأة ولا يعلم أحد بصاحبه أنها للذي دخل بها، فإن لم يدخل بها أحدهما فهي
للأول، وعليه حملوا حديث سمرة. رُوِيّ أن موسى بن طلحة أنكح يزيد بن معاوية أم إسحاق
بنت طلحة، وأنكحها يعقوب بن طلحة الحسن بن علي، فلم تمكث إلا ليلتين حتى جمعها
الحسن، وكان موسى أنكحها قبل أن ينكحها يعقوب من الحسن، فقال معاوية: امرأة جمعها
زوجها فدعوه. وما رواه المخالف عن علي بن خليف هذا لم يصح، والعبرة تعضده، لأن
المرأة تأذن للأولياء، ولا يقف أحدهم على فعل الآخر ولا يلزمه البحث عنه، فلما وقع العقد
قدّم الأول، فلما جاء الدخول وأشفى على أمر جائز مع احتمال أن يكون هنالك، غيره، دلّ
على صحة في نفسه.
(١) أخرجه أبو داود في: ١٢ - كتاب النكاح، ٢١ - باب إذا أنكح الوليّان، حديث رقم ٢٠٨٨. وأخرجه
النسائي في: ٤٤ - كتاب البيوع، ٩٦ - باب الرجل يبيع البيعة فيستحقها مستحق.

٢٦
كتاب النكاح/ باب ٢٠
٢٠ - باب مَا جَاءَ في نِكَاحِ العَبْدِ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ
[المعجم ٢٠ - التحفة ٢٠]
١١١١ - حقثنا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ. أخْبَرَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ
عَبْدِ اللّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النبيِّ ◌َ ﴿ قَالَ: «أَيُّمَا عَبْدٍ
تَزَوِّجَ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ، فَهُوَ عَاهِرٌ))(١) .
قَالَ: وفي البَابِ عَنِ ابْنِ عُمَرٌ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ جَابِرٍ حَدِيثٌ حَسَنْ. وَرَوَى بَعْضُهُمْ هذا الحَدِيثَ عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ عَقِيلٍ، عَنِ ابْنِ عُمْرٌ، عَنِ النَّبِيْ ◌ِ﴿ِ. وَلاَ يَصِحُ. وَالصَّحِيحُ عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ جَابِرٍ. وَالعَمَلُ على هذا عَنْدَ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أُضْحَابٍ
النّبَِِّ﴿ وَغَيْرِهِمْ؛ أنَّ نِكاحَ العَبْدِ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ لاَ يَجُوزُ. وَهُوّ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَقٌ
وَغَيْرِهِمَا بِلاّ اخْتَلاَفٍ.
١١١٢ - عقدنا سَعِيدُ بْنُ يَخْيَى بْنِ سَعَيدِ الأُمَوِيَّ. حَدِّثَنَا أبي. حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجِ
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ جَابٍِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: (أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوْجَ بِغَيْرٍ
إِذْنِ سَيِّدِهِ، فَهُوَ عَاهِرًا.
باب نكاح العبد بغير إذن سيده
ذكر حديث جابر (من النبي # قال: أيما عبد تزوج بغير إذن سيده، فهو عامر). لا
خلاف أن العبد لا يجوز له زواج بغير إذن سيده، فإن تزوج بغير إذن سيده فلا يجوز، فإن
للسيد إجازته ورده، فإن أقدم عليه فلا حدّ عليه، أما أنه يؤذب. وأما الأمة فنكاحها بغير إذن
سيدها فاسد، ولا جواز له، لأنه نكاح بغير ولي.
تركيب: إذا رجعت المطلّقة فلم تعلم فتزوجت بزوج آخر ودخل بها الثاني كان أحقّ بها
في أصحّ قولنا. وقال أبو حنيفة والشافعي: إن الأول أحق بها مثل ما تقدم، لأنهما لم يكلّفا
على الباطن، ولأنه قد جاز بأمر جائز مع احتمال الأمر الأول، وهذا لحق النسب وعدم الإثم
فثبت النكاح، وعول القوم على أن الحكم السابق ولا يعارضه. وإن ثبت أحكامه كمَن(٢) اللاحق
الله غير امرأته، وهذا لا يشبه الزفاف لأنه محل للغلط.
(١) أخرجه أبو داود في: ١٢ - كتاب النكاح، ١٦ - باب في نكاح العبد بغير إذن سيده، حديث ٢٠٧٨.
(٢) هكذا بالأصل.

٢٧
كتاب النكاح/ باب ٢١
هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.
٢١ - باب مَا جَاءَ فِي مُهُورِ النِّسَاءِ
[المعجم ٢١ - التحفة ٢١]
١١١٣ - هقثنا مُحَمِّدُ بْنُ بَشَّارٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ
وَمُحَمِّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدُ اللَّهِ بْنَ
عَامِرٍ بْنِ رَبِيعَةً عَنْ أَبِيهِ؛ أنَّ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةً تَزَوَّجَتْ عَلَى نَعْلَيْنٍ. فَقَالَ رَسُولُ
اللَّهِ وَ﴾: (أَرَضِيتِ مِنْ نَفْسِكِ وَمَالِكِ بِتَعْلَيْنِ))؟ قَالَتْ: نَعَمْ.
قَالَ: فَأْجَازَهُ(١).
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةً وَسَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وَأَنَسٍ وَعَائِشَةَ
وَجَابِرٍ وَأَبِي حَذْرَدِ الأسْلَمِيِّ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةً حَدِيثْ حَسَنْ صَحِيحٌ. وَاخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ
في المَهْرِ. فَقَالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: المَهْرُ عَلَى مَا تَرَاضَوْا عَلَيْهِ. وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ
والشّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَقّ.
وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: لاَ يَكُونُ المَهْرُ أَقَلَّ مِنْ رُبْعٍ دِينَارٍ.
وَقَالَ بَعْضُ أهْلِ الكُوفَةِ: لاَ يَكُونُ المَهْرُ أَقَلَّ مِنْ عَشْرَةِ دَرَاهِمَ.
فرع: وذلك مقتحم مع جواز المعارض له في الأصل، فتعذّر وذهب الأصل.
ما جاء في مهور النساء
قال ابن العربي رحمه الله: هذا نظر في الصداق، وهو عقد منفرد عن النكاح. وذكر أبو
عيسى حديث عامر بن ربيعة عن إجازة النبي # النكاح على نعلين. وقد اختلف الناس في ذلك
على سبعة أقوال: الأول: لا مهر أقل من أربعين، قاله النخعي. الثاني: لا مهر أقل من دينار،
قاله أبو حنيفة. الثالث: لا مهر أقل من خمسة دراهم، قاله ابن شبرمة. الرابع: لا مهر أقل من
ربع دينار، قاله مالك. وقال الداودي: تعزّقت أبا عبد الله؟ أي: قلت بمذهب أهل العراق.
(١) أخرجه ابن ماجه في: ٩ - كتاب النكاح، ١٧ - باب صداق النساء، حديث رقم ١٨٨٨.

٢٨
کتاب النكاح/ باب ٢٢
٢٢ - باب مِنْهُ
[المعجم ٢٢ - التحفة ٢٢]
١١١٤ - عقدنا الحَسَنُّ بْنُ عَلِيِّ الخَلاَّلُ. حَدْثَنَا إِسْحَقُ بْنُ عِيسى وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ
نّافِعِ الصَّائِغُ، قَالاً: أخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ
السَّاعِدِيِّ؛ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ جَاءَتْهُ امْرَأةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي وَهَبْتُ نَفْسِي لَّكَ. فَقَامَتْ طَوِيلاً.
فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَزَوْجْنِيهَا، إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ. فَقَالَ: ((هَلْ عِندَكَ مِنْ
شَيْءٍ تُصْدِقُهَا))؟ فَقَالَ: مَا عِنْدِي إِلاَّ إِزَارِي هذا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ: «إِزَارَكَ، إنْ
أعْطَيْتَهَا جَلَسْتَ وَلاَ إِزَارَ لكَ. فَالْتَمِسْ شَيْئًا)). قَالَ: ما أجِدُ. قَالَ: ((فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا
مِنْ حَدِيدٍ)). قَالَ فَالْتَمَسُّ فَلَم يَجِدْ شَيْئًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿: ((هَلْ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ
شَيْءٌ)»؟ قَالَ: نَعَمْ. سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا. لِسُوَرِ سَمَّاهَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿َ: ((زَوْجْتُكْهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ))(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَدْ ذَهَبَ الشّافِعِيَّ إلى هذا الحَدِيثِ
فَقَالَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ يُصْدِقُهَا، فَتَزَوَّجَهَا على سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ، فَالنِّكْاحُ جَائِزٌ،
وَيُعَلِّمُهَا سُورَةً مِنَ القُرّآنِ.
وقال الأوزاعي وابن وهب: درهم، وهو: الخامس. السادس: قيراط، قاله ربيعة. وقال الشافعي
وجماعة من إهل المدينة: وما تراضى عليه الأهلون، وهو كل ما جاز أن يكون ثمنًا أو أُجرة
حتى الموزون، ورُويَ مثله عن ابن عباس. وقد روى مالك حديث الموهوبة، وأن النبي # قال
الذي سأله أن يزوّجها منه: (التمس ولو خاتمًا من حديد) ودرهمًا من جديد أو قدرها بما يكون
خاتمًا لا يساوي ربع دينار إما لا جواب عنه لأحد، ولا عذر فيه، وإما أن المحقّقين من علمائنا
نظروا إلى قوله تعالى: ﴿فَمّن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات﴾
[النساء: ٥] فمنع الله القادر على الطول من نكاح الأمة، ولو كان الطول درهمًا ما تعذّر على
أحد، وكذلك ثلاثة دراهم لا تتعذر على أحد، على أن الناس اختلفوا في الطول، فمنهم من
قال: هو القدرة على نكاح الحرة، ومن قال: الطول هو وجود الحرة تحته، ويحتمل أن يُراد
حقوق الحرة من الإنفاق والكسوة، فلا يدخل محتمل آية على نص حديث، ذكره الأئمة في
(١) أخرجه البخاري في: ٦٧ - كتاب النكاح، ١٤ - باب تزويج المعسر، حديث رقم ١١٥٠. وأخرجه
مسلم في: ١٦ - كتاب النكاح، حديث رقم ٧٦.

٢٩
کتاب النكاح/ باب ٢٢
وَقَالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: النّكّاحُ جَائِزٌ، وَيَجْعَلُ لَهَا صَدَاقَ مِثْلِهَا. وَهُوَ قَوْلُ أهْلِ
الكُوفَةٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْخُقَ.
١١١٤ م - حقثنا ابْنُ أبي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنٍ
سِيرِينَ، عَنْ أبي العَجْفَاءِ السُّلْمِيِّ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: ألاَ لا تُغَالُوا صَدُقَةً
النِّسَاءِ. فَإِنهَا لَوْ كانَتْ مَكْرُمَةً في الدُّنْيَا، أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ، لَكانَ أَوْلاَكُمْ بِهَا نَبِيُّ
اللَّهِ ﴿. مَا عَلِمْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهَ نَّكَحَ شَيْئًا مِنْ نِسَائِهِ، وَلاَ أَنْكَحَ شَيْئًا مِنْ بَنَاتِهِ، عَلَّى
أُكْثَرَ مِنْ ثِثْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَةً(١).
الصحاح. وقد ذكر أبو عيسى بعد ذكر قليل الصداق حديث عمر (ألا لا تغالوا في صدقات
النساء، فإنها لو كانت مكرمة عند الله، لكان أولى بها رسول الله $. ما علمت أن رسول
الله ﴾ أصدق لعدة من نسائه أكثر من ثماني عشرة أوقية) وزاد أبو عيسى: ولا امرأة من نسائه،
زاد النسائي: وإن رجلاً ليغلي بصداق امرأته حتى لا يكون لها حرارة في نفسه، وحتى يقول:
لك علق القرفة، وذكر عن عائشة عن النبي ﴾: ((أعظم النساء بركة أيسرهنّ مؤونة))، وروى
مسلم أن رجلاً جاء إلى النبي # فقال: إني تزوجت امرأة من الأنصار، قال النبي صل﴾: ((هل
نظرت إليها؟ فإن في أعين الأنصار شيئًا))، قال: قد نظرت إليها، قال: ((على كم تزوجتها)»؟
قال: على أربعة أواقي، فقال النبي ول#: ((أربع أواقي؟ فكأن تنحتون الفضة من عرض هذا
الجبل، ما عندنا نعطيك، ولكن عسى أن نبعثك في بعث تصيب منه ذلك»، فبعث ذلك الرجل
فيهم، وفي أحكام القرآن تمام بيانه. فأما معنى الحديث الذي ذكره ففيه عشرون تكملة:
الأولى: أن المرأة وهبت نفسها بغير صداق، وذلك لا يكون إلا للنبي ﴾. واختلف
الناس في وجه ذلك، فمنهم مَن قال: إنها أعطته نفسها بغير صداق، وذلك لا يكون إلا
للنبي * خاصة، ومنهم مَن قال: إن هو إلا أنها عقدت نكاحها منه على معنى النكاح بلفظ
الهبة. وقال ابن المسيب: لو أعطاها سوطًا لحلّت له، وقال وكيع: لو رضيت بسوط كان
مهرها، والصحيح أنها أرادت هبة النفس بغير عوض، لاعتقادها أن النبي # أولى بالمؤمنين من
أنفسهم، وأنه يختص في النكاح بأشياء كثيرة لا تجوز لغيره، وهذا منها: فقد تزوج صفية بغير
صداق.
الثانية: أن النكاح بلفظ الهبة جائز، لأن النبي وظهر قال في آخره: «ملْكتكها)) و((زوجتكها)»
و((أنكحتكه))، وهذا كله في الصحيح، ويقتضي أنه ليس للنكاح لفظ مخصوص، فإنه بعبارة كما
(١) أخرجه أبو داود في: ١٢ - كتاب النكاح، ٢٨ - باب الصداق، حديث رقم ٢١٠٦. وأخرجه ابن
ماجه في: ٩ - كتاب النكاح، ١٧ - باب صداق النساء، حديث رقم ١٨٨٧.

٣٠
کتاب النكاح/ باب ٢٢
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَأَبُو العَجْفَاءِ السُّلَّمِيُّ اسْمُهُ هَرَمٌ.
والأُوقِيّةُ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ أَرْبَعُونَ دزْهَمًا. وَثِنْتَا عَشْرَةَ أُوقِيَةٌ أزْبَعُمائَةٍ وَثَمَانُونَ
درهمًا.
قال بعض أصحاب الشافعي، وإنما هو عقد تراضٍ، فما فهم به الرضى جاز. وأما أبو حنيفة
فجعله بكل لفظ، ويقتضي التمليك على التأبيد، وهذا تعلق باللفظ وليس له عندنا معنى بحال،
بل لو قال: وحللت لك، أو: أبحت لك، لجاز. وذكر بعض أصحابنا لمالك أن النكاح بلفظ
الهبة لا يجوز، وليس الأمر كما زعم، إنما قال عند مالك لا تكون الهبة لأحد بعد النبي ◌َ﴾،
يعني الموهوبة، لقوله: ﴿خالصة لك من دون المؤمنين﴾ [الأحزاب: ٥٠] أما أنه قد رُوِيَ عن
المغيرة ومحمد بن دينار مثل مذهب الشافعي، وتحقيق القول فيه أنه إذا قال له: وهبتك، إن
أراد: نكحتك، وقابله الآخر كذلك جاز، وإن قصد الآخر صداقًا فكأنه شرط حط الصداق،
وذلك بمنزلته لو صرّح فقال: بلا صداق، وفيه قولان: أحدهما: يفسخ بكل حال، الثاني: أنه
يفسخ قبل الدخول خاصة، وقال عامّة العلماء: الشرط لا يضرّ بالعقد، والنكاح صحيح. وقد
بيناه في مسائل الخلاف.
الثالثة: أن فيه خطة المرأة لنفسها إذا كان المخطوب ممّن يرغب في صلاحه. وقد قالت
بنت أنس لأنس حين سمعته يحدّث بهذا الحديث: واسوأتاه، قال: هي خير منك، رغبت في
النبي # فعرضت نفسها عليه.
الرابعة: حديث يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم هذا، أنها قالت: جئت لأهب
نفسي لك، فصعّد النظر فيها وصوّبه. ويحتمل أن كلمته قبل الحجاب متلفقة، وأن ذلك كان
جائزًا، فإنه يدخل في باب نظر الرجل إلى المرأة التي يريد أن يتزوجها، فإنك إن لم ترد نكاح
المرأة لم يجز لك النظر إليها بارزة الوجه ولا متلففة، فترى منها القامة والهبة خاصة.
الخامسة: (التمس ولو خاتمًا من حديد) الخاتم من الحديد الذي يتزيّن به قيمته أكبر من
وزنه، وقد قرّرنا في تلخيص الملخص فوائد أربعة في تقرير مالك له، وقلنا: إن الأعيان المالية
والمنافع المبتذلة يجوز استيفاؤها لغير عوض، فجاز أن يستباح بكل عوض، والبضع لا يُباح إلا
بعوض بيانًا لخطره، فيقدّر بيانًا لخطره، وذكرنا مأخذًا ثانيًا، وهو: أن الصداق حق الله فوجب
تقديره، وهذه الأصول لا ترد بألفاظ من الأحاديث محتملة، يعارضها مثلها من القرآن كما بيّنّاه،
والله أعلم.
السادسة: قوله: (إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك) دليل على ملك المرأة الصداق
بنفس العقد، ولا خلاف فيه، لاتفاق الأمة على جواز التصرف فيه. وتركب على هذا فروع من
مسائل الفقه، سيأتي بيانها.

٣١
كتاب النكاح/ باب ٢٣
٢٣ - باب مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يَعْتِقُ الأمَّةَ ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا
[المعجم ٢٣ - التحفة ٢٣]
١١١٥ - حقئنا قُتَيْبَةُ. حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ. وَعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ أَغْتَقْ صَفِيَّةَ، وَجَعَلَ عِثْقَهَا صَدَاقَهَا (١).
قَالَ: وفِي الْبَابِ عَنْ صَفِيَّةً.
السابعة: أن ما لا يمكن تسليمه لا يكون صداقًا، لأنه لو سلّمه لم كشف (٢).
الثامنة: أن فيه وجوب تعجيل المرور أو شيء منه، لأنه لم يوجب ذلك، لازمه إياه
وأرجاه عليه.
التاسعة: ذكره لخاتم الحديد كان قبل النهي عنه، وقوله: ((إنه حلية أهل النار»، فنسخ
النهي جوازه له، والأحاديث في ذلك صحاح وإن لم تكن في الصحيح، ويعضده إجماع الأمة
علی ترکه عملاً.
العاشرة: أن هذا يحتمل أن يكون زمان جواز الاستمتاع بالنساء، كما قال جابر: كنا
نستمتع على عهد رسول الله ولي بالقبضة من الطعام، ثم نسخ الله المتعة وصداقها.
الحادية عشر: أن من العلماء مَن قال: إنما جوازها بفضل حفظ القرآن أو سور منه، كما
رُوِيَ عن أم سليم أنه خطبها أبو طلحة فقالت: والله يا أبا طلحة ما مثلك يرد، ولكنك رجل
كافر وأنا امرأة مسلمة، ولا يحلّ لي أن أتزوجك، فإن تسلم فذلك مهري ولا أسألك غيره،
فأسلم فكان ذلك مهرها. قال ثابت: فما سمعنا بامرأة قطّ كانت أكرم مهرًا من أم سليم، فدخل
بها فولدت له .
الثانية عشر: ومن العلماء مَن قال: إنما زُوَّجها على أن يعلّمها سورًا من القرآن، وفي
حديث أبي داود: ((فقم فعلّمها عشرين آية))، فكأنها كانت إجارة، وكرهه مالك، ولم يجزه أبو
حنيفة، ومنعه ابن القاسم وقال: يفسخ قبل البناء ويثبت بعده، ودار كلام أصبغ على أنه إن نزل
مضى، قاله مالك وأشهب وابن المواز. ولو كان جعلاً فقال يحيى عن ابن القاسم: لا يجوز،
ولا نراه على أنه إن نزل مضى، ولا حدّ منه. وقال الشافعي: جاز ذلك في تقسيم القرآن،
والصحيح جوازه بالتعليم، لأن قول النبي (9: ((فما معك)) يريد العوض. وفي رواية أبي داود:
(١) أخرجه البخاري في: ٦٧ - كتاب النكاح، ١٣ - باب مَن جعل عتق الأمة صداقها، حديث ٢٤٦.
وأخرجه مسلم في: ١٦ - كتاب النكاح، حديث رقم ٨٥.
(٢) هكذا بالأصل.

٣٢
کتاب النكاح/ باب ٢٣
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ على هذا عِنْدَ بَعْضٍ
أهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّ ◌ِ﴿ وغيْرِهِمْ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأحْمَدَ وَإِسْْقَ. وَكَرِهِ
بَعْضُ أهْلِ الْعِلْمِ أنْ يُجْعَلَ عِنْقُهَا صَدَاقَهَا، حتى يَجْعَلَ لَهّا مَهْرًا سِوَبِيُ
وَالْقَوْلُ الأوَّلُ أُصَحُ.
معي سورة البقرة والتي تليها. وقد روى يحيى بن مُضَر عن مالك بن أنس في الذي أمره
النبي 18 أن ينكح بما معه من القرآن: إن ذلك في أجرته على تعليمها، وبذلك جاز أخذ الأجرة
على تعليمه، وهذا معنى:
الثالثة عشر: وبالوجهين قال الشافعي وإسحق، وإذا جاز أن يؤخذ عنه العوض جاز أن
يكون عوضًا، وقد أجازه مالك من هذه الجهة، فلزمه منسوخ بقوله: ((لا نكاح إلا بوليّ
وشاهدي عدل))، وهذه سقطة. أين شروط النسخ كلها؟ معدومة. هذا الحديث صحيح، والذي
ذكره باطل، ولا نعلم لو كان صحيحًا المتقدم من المتأخر، ولا تعارض بينهما فكيف يطلق لسانه
فیما لم يحكم بيانه ولا أوضح برهانه؟
والسادسة عشر(١): ما رُوي عن النبي ﴾ أنه نظر في صفته، فلما رآه مسلمًا قد جمع
من القرآن جملة زوجه منها، فعرّس وأرجأ الصداق إلى الميسرة. وهذا حسن إلا أن الظاهر
يخالفه.
السابعة عشر(٢): معنى ذكر أبو عيسى حديث في عتق النبي صفية وجعل عتقها
صداقها، قال به أحمد بن حنبل. قلنا له: قيل الراوي: ما أمهرها؟ قال: أمهرها نفسها. أخبرنا
ابن الطيوري، أخبرنا الدارقطني، أخبرنا يحيى بن إسماعيل ومحمد بن مخلد، حدّثنا علي بن
أحمد السواق، حدّثنا بشر بن موسى، عمّن يعتق جاريته ثم يتزوجها، فقال: ألم يعتق رسول
الله 48* صفية بنت حيي بن أخطب وجويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، وجعل عتقها مهرها
وتزوجها؟ وأن النبي * قد خصّ في النكاح والنساء باتفاق منا ومنك بمعاني لا تجوز لغيره،
فلا يحلّ لأحد أن يأجز في النكاح للنبي فهو له جائز، وأما في غير ذلك فهو أسوة.
الثامنة عشر (٣): كانوا يقولون في الحديث الصحيح: ((إن مَن تزوج معتقة، كمّن ركب
دابته) وهذا صحيح من وجه. ويلزم لو قلنا: يركبها، بغير صداق، وأما إذا قلنا بوجوب الصداق
فقد خرج عن هذا التمثيل، وصار المعتق كأحد المسلمين، وإنما يلزم ذلك لأيّ أحد لزومًا لا
مَحيص منه، فإن أراد أن يخرج عن ذلك بفعل النبي ﴿، فالنبي {ل* مخصوص، وحديث أبي
(١) هي الرابعة عشر من حيث الترتيب.
(٣) هي السادسة عشر من حيث الترتيب.
(٢) هي الخامسة عش من حيث الترتيب.

٣٣
كتاب النكاح/ باب ٢٤
٢٤ - بلب مَا جَاءَ في الفَضْلِ فِي ذِكَ
[المعجم ٢٤ - التحفة ٢٤]
١١١٦ - حدثنا هَنَّدٌ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الفَضْلِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الشَّغْبِيِّ، عَنْ
أبي بُرْدَةً بْنِ أَبي مُوسى، عَنْ أبِهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴾: «ثَلاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ:
عَبْدٌ أدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقْ مَوَالِيهِ، فَذَاكَ يُؤْتَى أجْرَهُ مَرَّتَيْنٍ. وَرَجُلٌ كانَتْ عِنْدَهُ جَارِيَةٌ
وَضِيئَةٌ، فَأَدْبَهَا فَأَحْسَنَ أَبَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَّهَا ثُمَّ تَزَوَّجْهَا، يَبْتَغِي بِذلِكَ وَجْهَ اللَّهِ، فَذَلِكَ يُؤْتَى
أجْرَهُ مَرَّتَيْنٍ. وَرَجُلٌ آمَنَ بالكِتَابِ الأوّلِ. ثمَّ جَاءَ الكِتَابُ الآخَرُ فَآمَنَ بِهِ. فَذلِكَ يُؤْتَّى
أجْرَهُ مَرْتَیْنٍ﴾(١).
حَدَّثَنَا ابْنُ أبي عُمَرَ. حَذْثَنَا سُفْيَانُ عَنْ صَالِحِ بْنِ صَالحِ (وَهُوَ ابْنُ حَيِّ) عَنٍ
الشَّغْبِيِّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبي مُوسى، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّرَ، نَحْوَهُ، بِمَعْنَاهُ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أبِي مُوسَى حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَأَبُو بُزْدَةً بْنُ أبي
مُوسَى أَسْمُهُ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ. وَرَوَى شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ هذا الحَدِيثَ عَنْ
صَالِحٍ بْنِ صَالِحِ بْنِ خَيٍّ. وَصَالِحُ بْن صالحٍ بْنِ حَيَّ هُوَ وَالِدُ الحَسَنِ بْنِ صَالِحِ بْنِ
حَيٍّ.
موسى يقتضي أن زواج الأمة المعتقة فيه فضل كبير، والذي يرتب عليه أجره مرتين في هذه
المسألة.
التاسعة عشر(٢): في وجوب التضعيف، وذلك كأن مَن أدّى من العباد حق الله تعالى آتاه
الله أجره المعلوم بأضعافه، فإذا جاء به العبد ولم يقصر في شيء من حق مولاه، أعطاه الله
على وفائه بحق مولاه مثل ما يعطيه على وفائه بحق ربّه بأضعافه، وكل ذلك في الماليين
فانهمه(٣).
الموفية عشرين: هذا كله يدل على تأكيد الصداق وقصده جعله أصلاً في العقد، ولو لم
يكن له خطر ما كان عليه هذا الأمر كله مبنيًّا.
(١) أخرجه البخاري في: ٣ - كتاب العلم، ٣١ - باب تعليم الرجل أمته وأهله، حديث رقم ٨٢.
وأخرجه مسلم في: ١ - كتاب الإيمان، حديث ٢٤١.
(٢) هي السابعة عشر من حيث الترتيب.
(٣) هكذا بالأصل.

٣٤
کتاب النكاح/ باب ٢٥ و٢٦
٢٥ - باب مَا جَاءَ فِيمَنْ يَتَزَوَّجُ المَزْأَةَ،
ثُمَّ يُطَلَّقُهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا. هَلْ يَتَزَوَّجُ ابْتَتَهَا أُمْ لاَ؟
[المعجم ٢٥ - التحفة ٢٥]
١١١٧ - حقثنا قُتَيْبَةُ. حَدِّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةً عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ؛
أنَّ النَّبِيِّ نَ﴿ قَالَ: ((أَيُمَا رَجُل نَكَحَ امْرَأَةً فَدَخَلَ بِهَا، فَلاَ يَحِلُ لَهُ نِكَاحُ ابْنَتِهَا. وَإِنْ لَمْ
يَكُنْ دَخَلَ بِهَا فَلْيَنْكِحِ ابْنَتْهَا. وَأَيُّمَا رَجُلٍ نَكْحَ امْرَأَةٌ، فَدَخَلَ بِهَا، أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَلاَ
يَجِلُ لَهُ نِكَاحٌ أُمُهَا»(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ لاَ يَصِحُ مِنْ قِبَلٍ إِسْنَادِهِ. وَإِنَّمَا رَوَّاهُ ابْنُ لَّهِيعَةً
وَالمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّحِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ. وَالمُثَنِّى بْنُ الصَّبَّاحِ وَابْنُ لَهِيعَةَ يُضَعَّفَانِ في
الحَدِيثِ. وَالعَمَلُ على هذا عِنْدَ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. قَالُوا: إذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ امْرَأَةً، ثُمّ طَلَّقَهَا
قَبْلَ أنْ يَدْخِلَ بِهَا، حَلَّ لَهُ أنْ يَنْكِحَ ابْنَتَّهَا. وَإِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الإنْنَةَ، فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أنْ
يَدْخُلَ بِهَا، لَمْ يَحِلَّ لِهُ نِكَاحُ أُمُّهَا. لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [
[
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَقّ.
٢٦ - باب مَا جَاءَ فِيمَنْ يُطَلْقُ امْرَأَتَهُ ثَلاثًا فَيَتَزَوَّجُهَا آخَرُ،
فَيُطَلْقُهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا
[المعجم ٢٦ - التحفة ٢٦]
١١١٨ - حقثنا بْنُ أبي عُمَرَ وَإِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالاَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةً عَنِ
تحريم نكاح البنت بالعقد على الأم
أو تحليلها حديث أبي لهيعة الذي ذكر أبو عيسى ضعيف، والخلاف في أن المسألة بين
الصحابة مشهور في كتاب أحكام القرآن في إتقان ليس في غيره، فلينظر فيه، فليس من الباب
فنطول به هذه العارضة.
ما يحلّ المطلقة ثلاثًا
ذكر حديث رفاعة عن سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة. ومن أغرب ما جاء فيه:
ما حدّثناه أبو المعالي بن ثابت بن بندار، وأخبرنا أبو بكر البرقاني، أخبرنا أحمد بن إبراهيم
(١) لم يخرجه من أصحاب الكتب الستة أحد سوى الترمذي.

٣٥
كتاب النكاح/ باب ٢٦
الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةُ القُرِّيِّ إلى رَسُولِ اللَّهِله
فَقَالَتْ: إِني كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ. فَطَلْقَنِي فَبَتَّ طَلَاَقِي. فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبِيْرِ،
وَمَا مَعَهُ إِلاَّ مِثْلُ هُذْبَةِ الثَّوْب.
فَقَالَ: «أتُرِيدِينَ أنْ تَرْجِعِي إلى رِفَاعَةَ؟ لاَ. حَتّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ
عُسَيْلَتَكِ))(١).
الإسماعيلي، قال: في كتاب ابن ياسين وغيره، عن بندار، عن النخعي، عن أيوب، عن عكرمة
أن امرأة رفاعة جاءت إلى النبي #. قال الإسماعيلي: وأخبرنا أبو يعلى، حدّثنا أبو الربيع،
حذّثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة أن امرأة دخلت على عائشة. واللفظ لابن ياسين:
أن امرأة رفاعة جاءت إلى النبي# وعليها خمار أخضر، وأن بها خضرة بجلدها، والنساء
ينظرن بعضهنّ بعضًا، فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير، قالت عائشة: ما رأيت ما يلقى
المؤمنات، فجلدها أشد خضرة من ثوبها، وجاء معه ابنان من غيرها، قالت: ما لي إليه من ذنب
إلا أن ما معه ليس بأغنى غنى بذوق عسيلتك، والصبر أنين له (٢)، فقال: بنوك هؤلاء؟ قال:
نعم، قال: هذا الذي تزعمين لهم، فوالله لهم أشبه من الغراب بالغراب.
الأصول: قال الله تعالى في المطلقة ثلاثًا: ﴿فإن طلّقها فلا تحلّ له من بعد حتى تنكح
زوجًا غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠] قال سعيد بن المسيب: إذا عقد الزوج الثاني عليها النكاح وطلّقها
قبل المسيس حلّت لمطلقها، لأن النكاح المشروط في حلّها للأول قد وجد. قال عامّة العلماء
عداه: لا تحلّ بمجرد العقد، فإن النبي * منع من رجوعها إليه بمجرد العقد، فتعلق بهذا
الغرض أصلان من أصول الفقه: أحدهما: حمل اللفظ على معنيين مختلفين، واللفظ الثاني:
زيادة الشرط في الحكم هل يكون نسخًا له أم لا؟ وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أن النكاح
مضاف، الثاني: أن الشرط إذا كان مقتضى اللفظ ومحتملاته لم تكن إضافته إليه نسخًا، وهذه
المسألة محكمة في أحكام القرآن.
الأحكام:
الأولى: إن طلبت المرأة الوطء عند الحاكم يتناقض الحياء الممدوح ولا المرأة
المستحسنة، لأنه مقصود النكاح، فإذا عقدته بعد علم الكل أنه له، فإن تعذّر جاز طلبه وحُسن
مروءته .
(١) أخرجه البخاري في: ٦٨ - كتاب الطلاق، ٤ - باب من أجاز طلاق الثلاث، حديث رقم ١٢٨١.
ومسلم في: ١٦ - كتاب النكاح، حديث ١١١.
(٢) هكذا بالأصل.

٣٦
کتاب النكاح/ باب ٢٧
قَالَ: وفي البّابِ عَنِ ابْنِ عُمّرَ، وَأَنَسٍ، وَالرُّمَّيْصَاءِ أوِ الغُمَّيْصَاءِ، وَأَبِي هُرَيْرَةً.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ على هذا عِنْدَ عَامَّةِ
أَهْلِ العِلْمٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيّ : ﴿ وَغَيْرِهِمْ؛ أنَّ الرَّجُلَ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاَثًا. فَتَزْوَجَتْ
زَوْجًا غَيْرَهُ، فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِهَا؛ أنَّهَا لاَ تَحِلُّ لِلْزَّوْجِ الأَوَّلِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ جَامَعَ
الزَّوْجُ الآخَرُ.
٢٧ - باب مَا جَاءَ في المُحِلِّ وَالمُحَلَّلِ لَهُ
[المعجم ٢٧ - التحفة ٢٧]
١١١٩ - عقدنا أَبُو سَعِيدِ الأَشَجُّ. حَدَّثَنَا أَشْعَتُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زُبَيْدِ الأيَامِيُّ.
حَدَّثَنَا مُجَالِدٌ عَنِ الشّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. وَعَنِ الحَارِثِ عَنْ عَلِيِّ قَالاَ: إِنَّ رَسُولَ
اللَّهِ ﴿ لَعَنَ المُحِلِّ وَالمحلّلَ لَهُ(١).
قَالَ وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي هُرَيْرَةً وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عَلِيٍّ وَجَابِرٍ حَدِيثٌ مَعْلُولٌ. وهَكَذَا رَوَى أَشْعَتُ بْنُ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُجَالِدٍ عَنْ عَامِرٍ (هُوَ الشَّعْبِيُّ) عَنِ الحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ. وَعَامِرٌ عَنْ
جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َهَ. وَهذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالقَائِم. لأَنَّ مُجَالِدَ بْنَ سَعِيدٍ
قَدْ ضَعْفَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ. مِنْهُمْ أَحْمَدُ بْنُّ حَتْبَلٍ. وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنَ نُمَيْرِ هذا الحَدِيثَ
عَنْ مُجَالِدٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَلِيٍّ. وهذا قَدْ وَهِمَ فِيهِ ابْنُ ثُمَيْرٍ.
وَالحَدِيثُ الأوَّلُ أُصَحُّ. وَقَدْ رَوَاهُ مُغِيرَةُ وَابْنُ أبي خَالِدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الشّغْبِيِّ، عَنٍ
الخَارِثِ، عَنْ عَلِيُّ.
الثانية: إنه قال لها: ((أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟))، ولو أرادته ما ضرّها، لأنه لم ينعقد
عليه عندها مع المحلّل فلا يضرّها أن لو قصدت ذلك في نكاحها له، فما جعل الله لك حلالاً
جاز لك أن تطلبه. وقد قال محمد: لو قال تزوجي فلانًا فإنه مطلاق فتزوجته حلّت فهي بذلك
أولى، لأن النبي # إنما رجع على قصد المحل لا على قصد المحلّل له، ولو قصد ذلك
الزوج الثاني لم تحل له ولم تحل هي. وقال أبو حنيفة: تحلّ، بل قد سمعت بعضهم يقول إنه
(١) أخرجه أبو داود في: ١٢ - كتاب النكاح، ١٥ - باب في التحليل، حديث رقم ٢٠٧٦. وأخرجه ابن
ماجه في: ٩ - كتاب النكاح، ٣٣ - باب المحلل والمحلل له، حديث رقم ١٩٣٥.

٣٧
كتاب النكاح/ باب ٢٧
١١٢٠ - عقثنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ. حَدَّثَنَا أَبُو أحمَدَ الزُّهْرِيُّ. حَدِّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أبي
قَيْسٍ، عَنْ هُزّيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ِ الْمُحِلِّ
وَالمحلِّل لَهُ(١).
مندوب إليه، وإن في إحلالها له أجرًا، وقد ثبت (من رواية ابن مسعود أن النبي 18 قال: لعن
الله المحلّ والمحلّل له)، وقد رواه عن جابر وعلي ولم يصح، وهذا الحديث عن ابن مسعود
على أنه صحيح لم يدخله العدلان، ولكن يلزم أهل العراق، لأن مسنديه عدول كوفيون والعذر
لهم فيه بعيد، ولعنه لم يدل على تحريمه عليه، وللمسألة مأخذ بينّاه في مسائل الخلاف. أقوى
ما لهم فيها التعلّق، فأقوى ما لنا وهو أنّا اعتمدنا على قول الراوي عن النبي صل﴾: ((لعن الله
المحلّ والمحلّل له))، فهو أن الله سمّاه محلّلاً، وذلك لأن الله تعالى جعل نكاح الثاني غاية
لتحريم الأول، فإذا وجدت الغاية ارتفع الحكم المعدود إليها وإن كان مذمومًا عليها، وقد بيّن
ذلك أيضًا بعضهم على أن المنهي عنه قد يجزىء عن المأمور به، كالصلاة في الدار المغصوبة
وأمثالها فيما بيّنّاه في مسائل الخلاف، وقد بيّنًا الفرق بينهما في أن ذلك المأمور والمنهي، ولا
ينضاف في مسألتنا نفس المأمور هو نفس المنهي فلم يحصل به، والله أعلم.
تركيب؛ إذا ثبت هذا قالوا: لجعل المطلّقة ثلاثًا تجمع سبعة عشر وصفًا، وهو: أن يكون
المحلّل عاقلاً، بالغّا، ناكحًا نكاح رغبة، صحيحًا، لا يغر به، ويهيىء فيه بذكر حيّ، سليم،
كبيرة، لا حائضًا، ولا محرمة، ولا صائمة، ولا معتكفة، عاقلة، يقظانة. والخلاف فيها طويل
يكفي حصرها في هذه العارضة مجملة، إذ تفصيلها في الكتاب الكريم وشرح المسائل، والذي
تناول الشرع بالتصريح فيه نكاح وطء، وسائر الأوصاف مستفادة بالأدلة معروض على الألفاظ،
والعبرة بما استقر فيها ثبت، وما تزعزع دل على الإثبات، وعلق الحكم على ما ثبت.
تتميم: قال الحسن البصري: لا تحلّ للزوج الأول إلا بعد وطء فيه إنزال، لقوله: ((من
عسيلتك))، وإنه لتمام الإنزال الأخذ بظاهر، ولكن رأى العلماء أن التقاء الختانين من دون إنزال
يتعلق به جمع الإنزال بل الأحكام، وسائر الأحكام يتعلق بمغيب الحشفة في الفرج، وتلك هي
العسيلة، فأما الإنزال فهي الدبيلة، فإن الرجل لا يزال في لدة من الملاعبة، حتى إذا أولج فقد
غسل، ثم يتقاطر بعد ذلك بقضاء الله وقدره ما فيه عناء نفسه وإتعاب أعضائه، فهو إلى الحنظلية
أقرب منه إلى العسيليّة، لأنه يبدأ بلذّة ويختم بالألم. وقد قال أكثر العلماء: إن كل وطء مما
بعد إيلاجه ووطىء في النكاح منعقد صحيح أو فاسد، كان من ذلك سليم أو معيب، في
حيض، أو صيام، أو إحرام، في جنون منه أو منها، فإنه يحلّها، منهم: الشافعي والأوزاعي
وأبو حنيفة، وذلك في تفاصيل يطول ذكرها، وربما اضطربت في ذلك أقوالهم. ومن أغرب ما
(١) أخرجه النسائي في: ٢٧ - كتاب الطلاق، ١٣ - باب إحلال المطلقة ثلاثً وما فيه من التغليظ.

٣٨
کتاب النكاح/ باب ٢٧
قَالَ أَبُو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ. وَأَبُو قَيْسِ الأَوْدِيُّ اسْمُهُ
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَرْوَانٌ، وَقَدْ رُوِيَ هذا الحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ لَهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ. وَالعَمَلُ
على هذا الحَدِيثِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَّرِهِ مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ
وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّنَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍوٍ وَغيرُهُمْ. وَهُوَ قَوْلُ الفُقَهَاءِ مِنَ التَّابِعِينَ. وَبِهِ يَقُولُ
سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ المُبَارَكِ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَقُ.
قَالَ: وَسَمِعْتُ الجَارُودَ بْنَ مُعَاذٍ يَذْكُرُ عَنْ وَكِيعٍ؛ أَنَّهُ قَال بِهَذا.
وَقَالَ: يَتْبَغِي أَنْ يَرْمِيَ بهذا الْبَابِ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِ الرَّأْيِ.
في هذا الباب أن كثيرًا منهم قالوا: إن نكاح المحلّل جائز، والشرط باطل إن كان شرطه ويبقى
مع أهله، ويحلّ ذلك بزوجها الأول كما تقدم من الاختلاف. وزاد إبراهيم والحسن فقالا: إذا
همّ أحد الثلاثة بالتحليل فالنكاح فاسد، وهذا إطلاق فاسد، لأن الزوج الأول إذا همّ بالتحليل
فذلك الذي لا كلام فيه ولا حرج عليه، وإن قصدت المرأة التحليل ولم تنطق به ففيه مغمز
وكلام، وإن قصد الزوج الثاني فذلك الذي لا يجوز، والتسوية لهذه الثلاثة المعاني مع اختلاف
مراتبها لا وجه له. أما الزوج فذلك جائز له بإجماع من الأمة، وأما الزوجة فقد صرّح النبي 118
أن إرادتها لا تؤثر في دينها، ولو كانت الإرادة لا تجوز قبل النكاح الثاني لَمَا جازت بعده لأنها
دليل عليه وثمرتها، وأما نكاح الزوج فهو المحلّل الذي تناوله اللعن إذا علم بذلك الزوجان أو
الزوجة، فأما إذا لم يعلم بذلك إلا الله وقصد هو بذلك المثوبة، فقد قال سالم والقاسم: إنه
مأجور ويلزمه أن يكون مأجورًا إذا علمته الزوجة، والأول لا تؤثّر نيّته، وقد سمّاه النبي ◌َّ في
حديث عقبة: ((المستعار)) ولم يصح، فلا تعوّلوا عليه.
والثالثة: قوله في الابنين: (هؤلاء بنوك) دليل على تسمية التثنية باسم الجمع، وهي مسألتنا
معلومة تُقال من مكانها.
الرابعة: قوله: (والله لهو أشبه) أصل في يمين القاضي على ما يحكم به أو يخبر في حكمه
عنه، ومثله الشاهد، ويأتي في موضعه إن شاء الله.
تنبيه: تعلق بعض الناس من هذا الخبر على أن العنين لا يُضرّب له أجل، لقول المرأة
للنبي : إنما معه مثل الهدية، الحديث الخ، فردّد الحديث بينها وبين النبي 18 ولم يقل لها:
لك أجل سنة حتى ما تريدين من الإصابة، ولو كان شرعًا لكان هذا ميقات بيانه. وقال بعض مَن
تكلم عليه: إن هذه غفلة، فإن مالكًا روى في الموطأ أنها إنما جاءت إلى النبي ◌َلفر تشكو إليه
بعد ما طلّقها الزوج الثاني، لقوله فيها: ((فراقها)). وقال ابن العربي: هذه غفلة من المعترض،
والحديث الصحيح حسبما بيناه، وكذلك ثبت في كل كتاب إنما جاءت إلى النبي 18 قبل فراقه،

٣٩
کتاب النكاح/ باب ٢٨
قَالَ جَارُودُ: قَالَ وَكِيعٌ: وَقَالَ سُفْيَانُ: إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ المَرْأةَ لِيُحَلْلَهَا، ثمَّ بَدَا لَهُ
أنْ يُمْسِكَهَا فَلاَ يَحِلُّ لَهُ أنْ يُمْسِكَهَا، حتى يَتَزَوَّجَهَا بِنكاحٍ جَدِيدٍ.
٢٨ - باب مَا جَاءَ في تَخرِيمِ نِكاحِ المتْعَّةِ
[المعجم ٢٨ - التحفة ٢٨]
١١٢١ - عقدنا ابْنُ أبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَالحَسَنِ
وقالت ما قالت وراجعها بما راجعها، وليس في شيء من ذلك فراق ولا طلاق، وحديث
مالك بن الزبير إنما هو خبر عن سؤال الزوجة بعد فراق زوجها الثاني عبد الرحمن بن الزبير،
فقال له النبي # من الجواب ما قال للمرأة ما لا حتى تذوق العسيلة، فاعرفوا هذا ترشدون إلى
الصواب فيه، والله أعلم وبه التوفيق.
باب نكاح المتعة
أما هذا الباب فقد ثبت على غاية البيان ونهاية الإتقان في الناسخ والمنسوخ والأحكام،
وهو من غریب الشريعة، فإنه تداوله النسخ مرتین ثم حرم، وبيان ذلك أن سُكِتّ عنه في صدر
الدين لجري الناس في فعله على عادتهم، ثم حرّمه يوم خيبر عليّ، حديث عليّ حسن صحيح
ثابت بديع، وقد بيّن ذلك أبو عيسى عن ابن عباس بالحديث الذي أورد عنه من أن المتعة كانت
في صدر الإسلام: يقدم الرجل البلدة ليس له بها معرفة فيتزوّج المرأة بقدر ما يرى أنه يقيم،
فتحفظ متاعه وتصلح له شأنه، حتى نزلت ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم)
[المعارج: ٣٠]. قال ابن عباس: فكلّ سوى هذين فهو حرام. الإباحة الثانية: قال ابن العربي:
فلما كان بعد ذلك قال جابر: خرج علينا رسول الله 18 فقال: ((قد أَذِنَّ لكم أن تستمتعوا).
وانفرد مسلم عن جابر قال: كنّا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله 3485
وأبي بكر، حتى نهى عنه عمر في شأن عمر بن حريث. وروى مسلم والنسائي عن عبد الله بن
مسعود قال: كنا نغزو مع رسول الله 8 9 ليس لنا نساء، فقلنا: ألا نستخصي، فنهى عن ذلك ثم
رخّص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرّموا
طيبات ما أحلّ الله لكم﴾ [المائدة: ٨٧] محكمة، وأنها باقية. وفي مسلم عن سبرة الجهني أنه
غزا مع رسول الله ﴿ فتح مكة، قال: فأقمنا بها خمسة عشرة أو ثلاثين بين يوم وليلة، فأذِنَ لنا
رسول الله 9 في متعة النساء، فذكر الحديث، قال: فلم أخرج حتى حرّمها رسول اللهَ وَل9 وهو
التحريم الثاني، قال سبرة فيه: فرأيت رسول الله ﴿ بين الركن والباب يقول: ((يا أيها الناس،
إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، إن الله حرّم ذلك إلى يوم القيامة، فمَن كان
عنده منهنّ شيء فليخل سبيلها، ولا تأخذوا مما آتيتموهنّ شيئًا)).

٤٠
كتاب النكاح/ باب ٢٨
ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِمَا، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ؛ أنَّ النَّبِيِِّ ﴿ُ نَّهَى عَنْ مُتْعَةٍ
النِّسَاءِ، وَعَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ زَمَنَ خَيْرَ(١).
قالَ: وفي الْبَابِ عَنْ سَيْرَةَ الجُهَنِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةً.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عَلِيِّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمَلُ على هذا عَنْدَ أهْلٍ
العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النّبِيِّ ◌َ﴿ وَغَيْرِهِمْ. وَإِنَّمَا رُوِيّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ شَيْءٌ مِنَ الرُّخْصَةِ في
المُتْعَةِ، ثمَّ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ حَيْثُ أُخْبِرَ عَنِ النَّبِّ ◌ِلِّ.
وَأَمْرُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ عَلَى تخْرِيمِ المُتْعَةِ. وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيِّ
وَأَحْمَدَ وَإِسْحَقّ.
١١٢٢ - عقدنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُقْبَةَ أخُو قَبِيصَةَ بْنِ عُقْبَةً.
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثّوْرِيُّ عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنُ مُحَمَّدٍ بْنِ كَعْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
إِنَّمَا كانَتِ المُتْعَةُ في أوَّلِ الإِسْلامِ. كانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ البَلْدَةَ لَيْسَ لَهُ بِهَا مَعْرِفَةٌ. فَيتزَوَّجُ
المَرْأةً بِقَدْرِ مَا يَرَى أَنَّهُ يُقِيمُ، فَتَحْفَظُ لَهُ مَتَاعَهُ وَتُصْلِحُ لَهُ شَيْئَهُ. حتى إِذَا نَزَلَتِ الْآَيَّةُ ﴿إلاّ
تنبيه: روى ابن عيينة عن ابن عباس (أن رسول الله 18 نهى عن نكاح المتعة، وحرّم لحوم
الحمر الأهلية يوم خيير)، وذلك أنه لم يختلف في تحريم الحمر الأهلية أنه كان يوم خيبر، فأما
تحريم المتعة فيحتمل أن يكون عليّ أو من دونه جمع الحديثين، فينشأ من التقديم والتأخير فيه
إشكال، على أن ابن أبي شيبة قد روى عن وكيع، عن إسماعيل بن أبي خلد، عن قيس بن أبي
حازم، عن ابن مسعود، قال: رخّص لنا رسول الله ◌َلتر ونحن شباب أن ننكح المرأة بالثوب إلى
أجل، ثم نهانا عنها - يعني عن المتعة - يوم خيبر، كما رُوِيّ عن عليّ وقد رُوِيّ عن الزهري
فيها: أن النبي وقد جمع المتعة في غزوة تبوك، رواه ابن راشد. وقد روى إسماعيل، عن أبيه،
عن الزهري أن سبرة روى أن النبي ® نهى عنها في حجة الوداع، خرجه أبو داود، وقد رواه
عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، عن الربيع بن سبرة، عن أبيه، فذكر فيه أنه كان في حجة
الوداع بعد الإحلال، وأنه كان بأجل معلوم. وقد قال الحسن إنها في عمرة القضاء، فأما حديث
جابر بأنهم فعلوها على عهد أبي بكر فذلك من اشتغال الخلق بالفتنة عن تمهيد الشريعة، فلما
علا الحق على الباطل، وتفرّغ الإمام والمسلمون ونظروا في فروع الدين بعد تمهيد أصوله أنفذوا
(١) أخرجه البخاري في: ٦٤ - كتاب المغازي، ٣٨ - باب غزوة خيبر، حديث ١٩٠٨. وأخرجه مسلم
في: ٣٤ - كتاب الصيد والذبائح، حديث رقم ٢٢.