Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١
كتاب الصيام/ باب ١٦
١٦ - باب مَا جَاء في التَّشْدِيدِ في الغِييَةِ لِلصَّائِم
[المعجم ١٦ - التحفة ١٦]
٧٠٧ - حدثنا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى. حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ. قَالَ: وَأَخْبَرَنًا
ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ المَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عنْ أبي هُرَيْرَةً، أنَّ النبيِّ :﴿ قَالَ: ((مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ
الزُّورِ وَالعَمْلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ بِأَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ))(١).
قَالَ وفي الّابِ عَنْ أنّسٍ.
قَالَ ابُو عِیسی: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنْ صِيحٌ.
فجران، فأما الذي كأنه ذنب السرحان فإنه لا يحل شيئًا ولا يحرمه، وأما المستطيل الذي عارض
الأفق ففيه تحل الصلاة)). قال الفقيه الإمام أبو بكر بن العربي رضي الله عنه: وعليه يدل لفظ
الصحيح: (حتى يستطيرا، معناه: حتى ينبسط انبساط جناح الطير، وينتشر متزايدًا، لا يضعف
حتى يذهب كما يفعل الأول. قال: وحدثنا أبو بكر النيسابوري، حدثنا محمد بن علي بن محرز
الكوفي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس
قال: قال رسول الله : ((الفجر فجران، فجر يحرم الصلاة ويحل فيه الطعام، وفجر يحرم فيه
الطعام وتحل فيه الصلاة))، لم يرفعه غير أبي أحمد الزبيري عن الثوري.
الثانية: قوله في حديث طلق: (حتى يعترض لكم الأحمر) يقتضي بظاهره على حياله أن
يأكل المرء وإن رأى الأبيض المستطير المنتشر عرضًا حتى يراه أحمر. وكذلك أخبرنا مبارك بن
عبد الجبار الحمامي، حدثنا أبو الطيب بن عبد الله، حدثنا علي بن مهدي، حدثنا عبد الله بن
محمد بن عبد العزيز، حدثنا داود بن رشيد، حدثنا أبو حفص الأبار، عن منصور عن هلال بن
يسار، عن سالم بن عبيد، قال: كنت في حجر أبي بكر الصديق، فصلى ذات ليلة ما شاء الله،
ثم قال: اخرج فانظر هل طلع الفجر؟ فخرجت ثم رجعت فقلت: قد ارتفع في السماء أبيض
فصلى ما شاء الله، ثم قال: اخرج فانظر هل طلع الفجر؟ فخرجت فرجعت فقلت: قد اعترض
في السماء أحمر، قال: هيت الآن، فأبلغني سحوري. وفيه أيضًا أنه قال: إيتني الآن بشرابي،
وفي آخر: قم على الباب بيني وبين الفجر.
إسناده: صحيح كله، وكذلك كان مذهب قيس بن طلق وابنه علي أنه لا يحرّم الطعام إلا
الأحمر، وفي كتاب النسائي عن حذيفة أنه قال: تسحرنا مع النبي #، قيل: أي ساعة؟ قال:
(١) أخرجه البخاري في: ٣٠ - كتاب الصوم، ٨ - باب من لم يدع قول الزور والعمل به في الصوم،
حديث رقم ٩٦٦. وأبو داود في: ١٤ - كتاب الصيام، ٢٦ - باب الغيية للصائم، حديث ٢٣٦٢.
١٨٢
كتاب الصيام/ باب ١٧
١٧ - باب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ السَّحُورِ
[المعجم ١٧ - التحفة ١٧]
٧٠٨ - عقدنا قُتَيْبَةُ. حَدَّثْنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةً وَعَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ،
أنَّ النبيِّي وَ قَالَ: ((تَسَخَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً)(١).
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنٍ
عَبَّاسٍ، وَعَمْرِو بْنِ العَاصِ، وَالْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةً، وَعُتْبَةٌ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي الدِّزْدَاءِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَرُوِيّ عَنِ النَّبِيِّ:﴿ أَنَّهُ قالَ: ((فَضْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامٍ أَهْلِ الكِتَابِ أُكْلَّةُ
السَّحْرِ)).
هو النهار إلا أنه لم تطلع الشمس، وكأنه یشیر إلى هذا، ولکن الحدیثین أن معنى الأحمر ههنا
الذي يحمر بعد بياضه ليس الذي يسود بعد بياضه، وهو الأول، وسماه بزيادته ماله الذي بينًا عن
حاله حديث (تسحروا فإن في السحور بركة). (عن أنس وفضل ما بين صيامنا وصيام أهل
الكتاب أكلة السحر)، حديث آخر عن عمرو بن العاص، حديثان صحيحان.
العارضة: قال الفقيه الإمام أبو بكر بن العربي رضي الله عنه: إن الله سبحانه رحمنا كما
بيناه في الأحكام بإباحة أكل الليل بعد أن كان حرامًا علينا إذا نمنا، كما كان على أهل الكتاب
من قبلنا، رحمة لنا لقدرنا، وتمييزًا لمنزلتنا، وتشريفًا في حرمة نبينا، فمن لم يفعل ذلك ولو
بجرعة ماء فليس منا، والبركة هي الإنماء والزيادة، وهي من خمسة أوجه: قبول الرخصة،
إقامة السنة، مخالفة أهل الكتاب، التقوى على العبادات، فراغ البال من تعلقه بالحاجة إلى
الطعام، فربما لم يف بالمقاساة له والصبر عليه، وقد ذكروا فيها أوجهًا كثيرة لا يتعلق بهذا
بيانها في الكتاب الكبير، فانظروها فيه إن شاء الله. وقد روى العرباض بن سارية أن النبي قال#
قال: ((علم إلى الغداء المبارك))، فقيل: إنما سمى السحور غداء لمجاورته الغداة، وهذا
ضعيف، وإنما سمي به لأنه بدلاً منه، وقد يسمى الشيء باسم بدله. وقال بعضهم: كان في
وقت كان الصيام فيه من طلوع الشمس إلى غروبها، وما كان هذا قط، ووهم فيه الطحاوي
لأجل حديث حذيفة أنه تسحر مع رسول الله (5 8* بعد الصبح إلى أن الشمس لم تطلع، أراد به
(١) أخرجه البخاري في ٣٠ - كتاب الصوم، ٢٠ - باب بركة السحور في غير إيجاب، حديث رقم
٩٧٧. ومسلم في: ١٣ - كتاب الصيام، ٩ - باب فضل السحور وتأكيد استحبابه، واستحباب تأخيره
وتعجيل الفطر، حديث رقم ٤٥.
١٨٣
كتاب الصيام/ باب ١٧
٧٠٩ - حدثنا بِذْلِكَ قُتَنِيَّةُ. حَدِّثنَا اللَّيْثُ عَنْ مُوسَى بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي قَيْسٍ،
مَوْلَى عَمْرِو بْنِ العَاصِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ العَاصِ عَنِ النَّبِيِّ ﴾ بِذْلِكَ قَالَ: وَهَذَا حَدِيثٌ
حَسَنٌ صَحيحٌ(١).
وَأَهْلُ مِصْرَ يَقُولُونَ: مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ. وَأَهْلُ العِرَاقِ يَقُولُونَ: مُوسَى بْنُ عُلَيٍّ. وَهُوَ
مُوسَى بْنُ عُلَيِّ بْنِ رَبّاحِ اللُخْمِيُّ.
بعد تبيين الفجر، إذ كان السحور عندهم مشروبًا. قال النبي #1: ((إذا طلع الفجر والإناء في
يد أحدكم، فلا يضعه حتى يأخذ منه حاجته أو يريد به بعد الصبح)) أي: بعد ابتدائه، ويعني
به الساطع المصعد.
تشديد الغيبة للصائم
(المقبري عن أبي هريرة قال رسول الله 18: من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله
حاجة بأن يدع طعامه وشرابه) حسن صحيح.
العارضة: قال القاضي أبو بكر بن العربي رضي الله عنه: كان مَنْ قبلنا من الأمم صومهم
الإمساك عن الكلام مع الطعام والشراب، فكانوا في حرج، ثم أرخص الله لهذه الأمة بحذف
نصف زمانها وهو الليل، وحذف نصف صومها عن الفم وهو الإمساك عن الكلام، ورخص لها
فيه ليرفعها بالكرامة في أعلى الدرج، فوقعت في ارتكاب الزور واقتراف المحظور في هرج، فأنبأ
الله سبحانه على لسان رسوله أنه إن اقترف أحد زورًا وأتى من القول منكورًا، أن الله سبحانه في
غنى عن الإمساك عن طعامه وشرابه إذا لم يمسك من لسانه، وليس لله حاجة في شيء، ولا
يناله بالسكوت أو الكلام نيل، ولكن يناله التقوى والصيانة عن الزور والخنى، ليجزل عليها
الثواب ويكرم بها في المآب. وهذا يقتضي بتشديده في تهديده أنه لا ثواب له على صيامه،
معناه: أن ثواب الصائم لا يقوم في الموازنة بإثم الزور، بل قال الزهاد: إن الصوم على أربعة
أقسام: الأول: لصوم عن الطعام والشراب والوطء، وهو صوم العوام. الثاني: صوم المرء عن
المحظور من القول والفعل، وهو من صوم العوام أيضًا. وبهذين الشرطين يصح له ثواب
الصوم، ويسقط به عنه اللوم. الثالث: أن يصوم عن ذكر غير الله وهو صوم أهل الخصوص،
فلا يتكلم بشيء من أمر الدنيا، وهو نحو من الاعتكاف في بيت المولى. الرابع: صوم خصوص
الخصوص، أن يصوم عن غير الله فلا يفطر إلا برؤيته ولقائه، وإذا كان الصيام هكذا فهو الذي
(١) أخرجه مسلم في: ١٣ - كتاب الصيام، ٩ - باب فضل السحور وتأكيد استحبابه، واستحباب تأخيره
وتعجيل الفطر، حديث رقم ٤٦. وأبو داود في: ١٤ - كتاب الصوم، ١٦ - باب في توكيد السحور،
حديث رقم ٢٣٤٣.
١٨٤
کتاب الصيام/ باب ١٨
١٨ - باب مَا جَاءَ في ◌َرَاهِيَةِ الصَّوْمِ في السَّفَرِ
[المعجم ١٨ - التحفة ١٨]
٧١٠ - عندنا قُتَنِيَةُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ
جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنْ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ خَرَجَ إلَى مَكَّةَ عَامَ الفَتْحِ. فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعٌ
الغَمِيمِ وَضَامَ النَّاسُ مَعَهُ. فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمُ الصَّيَّامُ، وَإِنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ
فِيما فَعَلْتَ، فَدَعَا بِقَدَحِ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ العَصْرِ فَشَرِبَ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ. فَأَقْطَرَ بَعْضُهُمْ
وَصَامَ بَعْضُهُمْ، فَبَلَغَهُ أَنَّ نَاسًا صَامُوا. فَقَالَ: ((أُوْلَئِكَ الْعُصَاةُ)(١).
قَالَ: وفي الَّابِ عَنْ كَعْبٍ بْنِ عَاصِمٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ.
قَالَ ابُو عِيسَى: حَدِيثُ جَابِرِ حَدِيثٌ حَسَنْ صَحِيحٌ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﴿ أَنَّهُ قَالَ: ((لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصِّيَامُ في السَّفَرِ) وَاخْتَلَفَ أَهْلُ
العِلْمٍ في الصَّوْمِ في السَّفَرِ. فَرَأَى بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َهْ وَغَيرِهِمْ أنّ
قال الله تعالى فيه: ((كل حسنة بعشر أمثالها إلا الصيام، فهو لي وأنا أجزي به))، وإنما يكون له
إذا كان خالصًا عن شوب النية ورخص المعصية.
أبواب الصوم في السفر
(جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله أن النبي وقد خرج إلى مكة عام الفتح فصام
حتى بلغ كراع الغميم وصام الناس معه فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام وإن الناس
ينظرون فيما فعل فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون فأفطر بعضهم وصام
بعضهم قبلغه أن ناسًا صاموا فقال: أولئك العصاة؛ حسن صحيح.
العارضة: قد بينا القول في الصيام في السفر في الأحكام بما اقتضاء ظاهر القرآن، وبيناه
في المسائل بما اقتضته، ونشير الآن في هذه العارضة إلى الأحاديث أنها كثيرة، وأمهاتها أربعة:
الأول: الحديث الذي تقدم. الثاني: حديث جابر، قال: كان رسول الله 8# في سفر، فرأى
رجلاً قد ظلل عليه فقال: ((ما له))؟ فقالوا: رجل صائم، فقال رسول الله ﴾: (ليس البر أن
تصوموا في السفر). حدثني محمد بن أبي عثمان ثقة حافظ، حدثنا أبو منصور بن محمد بن
(١) أخرجه مسلم في: ١٣ - كتاب الصيام، ١٥ - باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في
غير معصية، حديث رقم ٩٠.
١٨٥
كتاب الصيام/ باب ١٩
الفِطْرَ في السَّفَرِ أفْضَلُ. حَتَّى رَأَى بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ الإِعَادَةَ إِذَا صَامَ في السِّفَرِ. وَاخْتَارَ أحْمَدُ
وَإِسْحَقُ الفِطْرَ فِي السَّفَرِ. وَقَالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النّبِيِّ :﴿ وَغَيْرِهِمْ: إِنْ
وَجَدَ قُوَّةٌ فَصَامَ فَحَسَنٌ وَهُوَ أَفْضَلُ. وهوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَمَالِكِ بنِ أنسٍ،
وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبَارَكِ.
وَقَالَ الشَّافِعِي: وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِ النِّبِيِ وَهِ: (لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَّامُ فِي السَّفَرِ)) وَقَوْلُهُ
- حِينَ بَلَغَهُ أنَّ نَاسًا صَامُوا فَقَالَ - «أُولَئِكَ العُصَاةُ، فَوَجْهُ هَذَا إذَا لَمْ يَحْتَمِلْ قلْبُهُ قَبُولَ
رُخْصَةِ اللَّهِ. فَأْمَّا مَنْ رَأَى الفِطْرَ مُبَاحًا وَصّامَ، وَقَوِيَ عَلَى ذُلِكَ، فَهُوَ أَعْجَبُ إليّ.
١٩ - باب مَا جَاءَ في الرُّخْصَةِ فِي السَّفَرِ
[المعجم ١٩ - التحفة ١٩]
٧١١ - هذّثنا مارُونُ بْنُ إِسْحَقَ الهَمْدَانِيُّ، عَنْ عَبْدَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ هِشَامٍ بْنِ
عُرْوَةً عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أنْ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرِو الأسْلَمِيَّ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ عَنِ الصَّوْمِ في
السَّفَرِ؟ وَكَانَ يَسْرُدُ الصَّوْمَ فَقَالَ رَسُولُ وَ﴿: ((إنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَقْطِرْ))(١).
علي المالكي، حدثنا أحمد بن محمد الكرخي، أخبرنا عيسى بن علي بن عيسى، حدثنا
عبد الله بن محمد البغوي، حدثني ابن زنجويه، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري،
عن صفوان بن عبد الله بن صفوان، عن أم الدرداء، عن كعب بن عاصم، عن النبي 8#1: ((ليس
من ام بر أم صيام في أم سفر))، وقد جمعنا طرق هذا الحديث في جزء، والحمد لله. الثالث:
حمزة بن عمرو سأل رسول الله 858* عن الصوم في السفر وكان يسرد الصوم، فقال رسول
الله ◌َ﴾: (إن شئت فصم وإن شئت فأفطر). الرابع: حديث أبي سعيد: كنا نسافر مع رسول
الله ◌َ في رمضان، فما يعاب على الصائم صومه ولا على المفطر فطره، أن كانوا يرون من
وجد قوة فصام فحسن، ومن وجد ضعفًا فأفطر فحسن. واختلف الناس، فمن قائل: الفطر في
السفر أفضل، لأن ذلك كان آخر الأمرين من رسول الله* فعلاً ونية وقولاً وليس من البر
الصيام في السفر، ومنهم من قال: الصوم أفضل، لأن الله تعالى قال: ﴿وأن تصوموا خير لكم)
[البقرة: ١٨٤] ولأن النبي ولو لم يعرض للصوم بنهي، وإنما أباح الفطر رخصة، والقربة أمضى
(١) أخرجه البخاري في: ٣٠ - كتاب الصوم، ٣٣ - باب الصوم في السفر والإفطار، حديث رقم
٩٨٧. ومسلم في: ١٣ - كتاب الصيام، ١٧ - باب التخيير في الصوم والفطر في السفر،
حديث رقم ١٠٣ - ١٠٦.
١٨٦
كتاب الصيام/ باب ١٩
قَالَ: وفي البَابِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ وَأَبِي سَعِيدٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ،
وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَأبي الدَّرداءِ، وَحْمَةَ بْنِ عَمْرٍو الأسْلَميِّ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عَائِشَةً أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو سَأَلَ النبيِّ ◌َهِ حَدِيثٌ حَسَنٌ
صچیخ.
٧١٢ - حدثنا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ. حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ يَزِيدٌ
أبي مَسلَمةَ، عَنْ أبي نَضْرَةَ عَنْ أبي سَعَيدِ الخُذْرِيِّ قالَ: كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللهِصَّ في
رَمَضّانَ فَمّا يَعِيبُ عَلَى الصَّائِمِ صَوْمَهُ وَلاَ عَلَى الْمُفْطِرِ إِفْطَارَهُ(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
٧١٣ - عقدنا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ. حَذْثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ. حَذْثَنَا الجُرَيْرِيُّ. ح قَالَ
وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى عَنِ الجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي نَضْرَةً عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
قَالَ: كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ رَسِّولِ اللَّهِ ﴾. فمِنَا الصَّائِمُ وَمِنَّ المُفْطِرُ. فَلاَ يَجِدُ المُفْطِرُ عَلَى
الصَّائِمِ وَلاَ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ. فَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مَنْ وَجَدَ قُوَّةٌ فَصَامَ، فَحَسَنٌّ. وَمَنْ وَجَدَ
ضَعْفًا فَقْطَرَ، فَحَسَنٌ.
قالَ أَبُو عِيسَى: هذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحِ.
وأفضل. وقوله: ((أولئك العصاة))، يحق أن يقال فيهم ذلك، لأن في الحديث الصحيح أنه قيل
له: إن الناس شق عليهم الصيام حتى كان هو يصب على رأسه الماء من العطش، فلما انتهت به
إلى ذلك واحتمله ورفع الله أمر الناس وأمرهم بالفطر فتوقفوا، فقيل له: إن أفطرت أفطروا،
أفطر هو مبينًا وجه الرخصة للأمة، فلما فهم الناس الرخصة فمنهم من قبل ومنهم من صبر،
فأخبر أن من صبر بعد أمره وفعله عاص لربه ولرسوله، والفضل في امتثال أمره والاقتداء بفعله
أعظم ثوابًا من غير ذلك. وكذلك قوله: ((ليس من البر الصوم في السفر)) لمن انتهى إلى تلك
الحالة من التظليل عليه، أو لمن خاف أن يصل إليه. وقد قيل: معناه ليس من الير الكامل الذي
يرغب فيه كل الرغبة حتى يتحامل فيه على النفس، كما قال له: ((ليس المسكين الذي ترده
اللقمة، إنما المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل أحدًا
(١) أخرجه مسلم في: ١٣ - كتاب الصيام، ١٥ - باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في
غير معصية حديث رقم ٩٣. وأبو داود في: ١٤ - كتاب الصوم، ٤٣ - باب الصوم في السفر،
حديث رقم ٢٤٠٦.
١٨٧
كتاب الصيام/ باب ٢٠ و٢١
٢٠ - باب مَا جَاءَ في الرُّخْصَةِ لِلْمُحَارِبِ فِي الإِفْطَارِ
[المعجم ٢٠ - التحفة ٢٠]
٧١٤ - هقَثنا قُتَيْبَةُ. حَدِّثَنَا ابْنُ لهِيعَةً عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبي حَبِيبٍ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ أبي
حُيِّيَّةَ عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنِ الصَّوْمِ في السّفَرِ؟ فَحَدَّثَ أنَّ عُمَّرَ بْنَ الخَطَّابِ قَالَ:
غَزّوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَهَ فِي رَمَضَانَ غَزْوَتَّيْنِ: يَوْمٍ بِذْرٍ وَالفَتْحِ. فَأَفْطَرْنَا فِيهِمَا(١).
قَالَ: وفي البّابِ عَنْ أبي سَعِيدٍ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ عُمَرَ لاَ نَعْرِفُهُ إلاَّ مِنْ هذَا الوَجْهِ.
وَقَدْ رُوِيّ عَنْ أَبِي سَعَيدٍ عَنِ النّبِيِّ وَ أَنَّهُ أَمَرَ بِالفِطْرِ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا. وَقَدْ رُوِيّ
عَنْ عُمَّرَ بْنِ الخَطَّابِ نَحْوُ هذا. إلاَّ أنَّهُ رَخْصَ في الإفْطَارِ عِنْدَ لِقَاءِ العَدُوِّ. وَبِهِ يَقُولُ
بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ.
٢١ - باب مَا جَاء في الرُّخْصَةِ فِي الإِفْطَارِ لِلْحُبْلَى وَالمُرْضِعِ
[المعجم ٢١ - التحفة ٢١]
٧١٥ - حدثنا أَبُو كُرَيْبٍ وَيُوسُفُ بْنُ عِيسَى قَالاَ: حَدَّثَنَا وَكِيعْ. حَدَّثَنَا أَبُو هِلاَلٍ
شيئًا)) يريد: ليس المسكين المسكين نهاية وإن كان في درجة المسكنة. قال علماؤنا: وإنما قال
النبي ول# لمن قال: أمن ام برام صوم في ام سفر: «ليس من ام برام صوم في ام سفر» جوابًا
منه له بلغته، ليكون ذلك أبلغ في معرفته. وفي فطر النبي ◌ّ# في السفر بعد التلبس بالصوم دليل
على أن المسافر إذا شرع في الصوم جاز له الفطر، وكذلك كان الناس صائمين وأذن لهم في
الفطر، ومن لم يقدر، وكان هذا كما قال ابن شهاب آخر الأمرين من رسول الله8* في تلك
الغزوة، وكان هذا يكون حجة، أو لم يقصد به مقصد الرفق والتقوى للعدو، كما جاء في
الحديث الصحيح أنه قال: (تقووا لعدوكم)) ونعم، الفطر حينئذ أولى، وأما من قال إن الصوم في
السفر معصية، وحديث ابن لهيعة الذي ذكر أبو عيسى عن عمر أنه قال: غزونا مع رسول
الله * في رمضان غزوتين يوم بدر والفتح فأفطرنا فيهما جميعًا، فيمكن أن يصح، لأنه كان
مسافرًا لما تقدم، وإنما ذكره أبو عيسى ردًا على من ينسب إلى عمر من هذا أنه لا يرى الصوم
في السفر، وليس في حديثه أكثر من فعل الفطر كما قال أبو عيسى، والأحاديث الأخر الصحاح
(١) لم يخرجه من أصحاب الكتب الستة، أحد سوى الترمذي.
١٨٨
كتاب الصيام/ باب ٢١
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَوَادَةً، عَنْ أَنَس بْنِ مَالِكٍ (رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ) قَالَ:
أَغَارَتْ عَلَيْنَا خَيْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﴾. فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ فَوَجَدْتُهُ يَتَّغَذِّى فَقَالَ: ((أَدْنُ
فَكُلْ)) فَقُلْتُ: إِنِّي صَائِمٌ. فَقَالَ: ((أَذِنُ أُحَدِّثْكَ عَنِ الصَّوْمِ أَوِ الصَّيَّامِ. إِنَّ اللَّهَ تَعَالِى وَضَعَ
عَنِ المُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلاَةِ. وَعْنِ الحَامِلِ أَوِ المَرْضِعِ الصَّوْمَ أَوِ الصِّيَامَ».
وَاللَّهِ! لَقَدْ قَالَهُمَا النَّبِيِّ: ﴿، كِلْتَيْهِمَا أَوْ إحْدَاهُمَا فَيَا لَهْفَ نَفْسِي! أنْ لاَ أُكُونَ
طَعِمْتُ مِنْ طَعَامِ النبيِّ ◌ِ﴾(١).
قَالَ: وفي البَابِ عْن أَبِي أُمَيَّةً.
قالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَسِ بْنِ مَالِكِ الكَغْيِيّ حَدِيثٌ حَسَنَّ. وَلاَ تَعْرِفُ لأَنْسِ بْنِ
مَالِكِ فِي هَذَا عَنِ النبيِّ:﴿ غَيْرَ هذَا الحَدِيثِ الوَاحِدِ. وَالعَمّلُ عَلَى هذَا عِنْدَ أَهْلٍ
العِلْمِ.
يقضي عليه. (أما حديث أنس بن مالك الكمبي الذي يرويه أبو هلال، عن عبد الله بن سوادة،
عنه، قال: أغارت علينا خيل رسول الله # فوجدته يتغدى، فقال: ((ادن وكل))، فقلت: إني
صائم، فقال: ((إذًّا أحدثك عن الصوم: إن الله وضع على المسافر شطر الصلاة، وعن الحامل
والمرضع الصوم)»، والله لقد قالهما النبي # كلاهما أو أحدهما، فيا لهف نفسي أن لا أكون
طعمت من طعام رسول الله(#).
الإسناد: هذا الحديث من الأفراد، لم يروه غير أنس بن مالك الكعبي، وليس له عن
النبي # غيره. أخبرنا القاضي أبو الحسن علي بن الحسن الزاهد الصوفي، أخبرنا
عبد الرحمن بن محمد، أخبرنا حمزة بن محمد، أخبرنا أبو عبد الرحمن بن شعيب، أخبرنا
عمرو بن منصور، حدثنا مسلم بن إبراهيم، عن وهب بن خالد، حدثنا عبد الله بن سوادة
القشيري، عن أبيه، عن أنس بن مالك رجل منهم، أنه أتى النبي # بالمدينة وهو يتغدى، فقال
له النبي #: ((علم إلى الغداء،، فقال: إني صائم، فقال لي النبي 9: ((إن الله قد وضع عن
المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحبلى والمرضع)). وأخبرنا الحسن بن عمرو هذا الحديث،
عن الكعبي، يقتضي أن الصوم موضوع عن المسافر، وكل ما وضع رفقًا يجوز أن يتكلف فرضًا.
قال الفقيه الإمام أبو بكر بن العربي رضي الله عنه: وهذا الحديث قد جرى مثله، وروي نحوه
عن عمرو بن أمية الضمري، خرّجه النسائي، وخرج أيضًا حديث أنس قال: حدثني عمر بن
(١) أخرجه أبو داود في: ١٤ - كتاب الصوم، ٤٤ - باب اختيار الفطر، حديث رقم ٢٤٠٨. النسائي
في: ٢٢ - كتاب الصيام، ٥٠ ، باب ذكر وضع الصيام عن المسافر.
١٨٩
كتاب الصيام/ باب ٢١
وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: الحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ تُفْطِرَانِ وتَقْضِيَانِ وَتُطْعِمَانٍ.
وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ وَمَالِكٌ وَالشّافِيُّ وَأَحْمَدُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تُفْطِرَانٍ وَتُطْعِمَانٍ وَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِمَا. وَإِنْ شَاءَتَا قَضَتَا وَلاَ إِطْعَامَ
عَلَيْهِمَا. وَبِهِ يَقُولُ إِسْحَقُ.
محمد بن النبيل، حدثنا أبي، حدثنا سفيان الثوري، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس،
وخرجه أيضًا هو عن عبد الله بن الشخير، من طريق ابنه، ما روى عنه وفيه اختلاف كثير، قال
فيه: فدنوت وطعمت خلاف ما فعل أنس الكعبي. ومذهب ابن عباس بيّن كما روى أئمة
الصحاح وغيرهم عن ابن عباس، وذكر حديث غزوة الفتح ثم قال في آخره: قد صام النبي #
وأفطر، فمن شاء صام ومن شاء أفطر. وما روي عن عبد الرحمن بن عوف من قوله: إن
الصائم في السفر كالمفطر في الحضر، فمعناه ما عليه عامة الناس وخصوصًا عجم العرب، إذا
رأوه مفطرًا في السفر خلعوه عن الدين بفطرهم في الحضر، معصيته خير من اعتقادهم تحريم
الفطر في السفر شرعة، لأن العاصي أخف إثمًا عند الله من المبتدع، وعليه يحمل ما يروى عن
عمران وفي الصحيح عن أنس: كنا نسافر مع النبي #، فلم يعب الصائم على المفطر ولا
المفطر على الصائم. أخبرنا أبو الحسن المبارك بن عبد الجبار، أخبرنا أبو الطيب الطبري،
أخبرنا الدارقطني، حدثنا أبو بكر النيسابوري، حدثنا عبد الله بن محمد بن العربي، حدثنا
محمد بن يوسف الفريابي، حدثنا العلاء بن زهير، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن
عائشة قالت: خرجت مع رسول الله* في رمضان، فأقطر رسول الله } وصمت، وقصر
وأتممت، فقال: ((أحسنت يا عائشة)). وأما الحامل والمرضع فالاختلاف فيهما كثير ومتباين،
وبيانها في كتاب الأحكام، والعارضة ههنا أن المسألة معضلة، ما وجدت ولا قدرت على
تحقيقها، فيها أربعة أقوال: الأول: قال ابن عباس وابن عمر وغيرهما: يفديان ولا يقضيان.
والثاني: يفطران ويقضيان خاصة، قاله جماعة، وأبو حنيفة، والأوزاعي، وربيعة، وفي قول
المالك. الثالث: يفطران وعليهما الإطعام والقضاء، قاله مجاهد، والشافعي في قول، وأحمد بن
حنبل. الرابع: تطعم المرضع ولا تطعم الحامل في أحد قولي مالك والشافعي، وظاهر حديث
أنس الكعبي يقتضي أن يفطر أو يقضيا خاصة، لأن الصوم موضوع عنهما كوضعه عن المسافر
إلى عدة أخرى، وظاهر القرآن يقتضي في من أطاق الصوم أن يطعم ولا يصوم. قال أصحاب
النبي #: نسختها ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ [البقرة: ١٨٤] رواه البخاري عن ابن أبي ليلى.
وقد روي أيضًا في التفسير عن ابن عباس أنها ليست بمنسوخة، وأنها في الشيخ الكبير والمرأة
الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا. ورأى مالك في القول الآخر أن
الحامل مريضة، فأجزتها الآية الثانية عن الأولى، وأن المرضع خائفة على غيرها، مطبقة، فأبقاها
تحت القول الأول، ولا إشكال. المسألة اختلف قوله فيها، وهذا مثل الأقوال، وإن كانت
١٩٠
کتاب الصيام/ باب ٢٢
٢٢ - باب مَا جَاءَ في الصَّوْمِ عَنِ المَيِّتِ
[المعجم ٢٢ - التحفة ٢٢]
٧١٦ - حقّثنا أَبُو سَعِيدِ الأَشَجّ. حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدِ الأخْمَرُ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ سَلَّمَةَ بْنِ
كُهَيْلٍ وَمُسْلِمِ البَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٍ وَمُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَتٍ
امْرَأَةٌ إِلَى النّبِيِّ ◌ِ ﴿َ. فَقَالَتْ إِنَّ أُخْتِي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنٍ. قَالَ: ((أرَأَيْتِ
لَوْ كَانَ على أُخْتِكِ دَيْنٌ أُكُنْتِ تَقْضِينَهُ»؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قالَ: ((فَحَقُّ اللهِ أَحَقَّ))(١).
قالَ: وَفِي البَابِ عَنْ عُمَرَ وَعَائِشَةً.
مفتقرة إلى تحقيق غير ما ذكرته في كل موضع، ولم يمكن تفريغ الزمان لذلك، فهو عند الله إن
شاء الله.
باب الصوم عن الميت
(روى الأعمش عن خمسة من الرفعاء عن ابن عباس قال: جاءت امرأة إلى النبي
فقالت: إن أختي ماتت وعليها صوم شهرين متتابعين فقال: أرأيت لو كان على أختك دين أكنت
قاضیته قالت: نعم قال: فحق الله أحق) حسن صحيح.
الإسناد: واضطرب رواة هذا الحديث اضطرابًا عظيمًا، فرواه أبو خالد سليمان بن حيان
الأحمر عن الأعمش، كما تقدم عن أبي عيسى، ورواه البخاري عن زائدة في الصوم: جاء رجل
فقال: على أمي صوم شهر، وروى أبو معاوية محمد بن حازم الضرير، عن الأعمش: قالت
امرأة: إن أمي ماتت، ورواه عبد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن الحكم، عن
سعيد بن جبير، عن ابن عباس: إن أمي ماتت وعليها نذر، وقال أبو جرير: حدثني عكرمة، عن
ابن عباس: قالت امرأة للنبي ◌َلتر: ماتت أمي وعليها صوم خمسة عشر يومًا، وهذا الاضطراب
الذي ذكرت وغيره لا يخلو من أن يكون قصص عرضت، فنقلت كل واحدة بلغها، أو يكون
سهو من الراوي، أو يكون القوم إنما كانوا يحصون من الحديث ما لا بد منه، وغير ذلك لا
يحصونه. كذلك والمقصود من هذا الحديث أنه صوم مات الميت عنه، وأن النبي كل# ندب إلى
قضائه كما قال فيه، وهذا كله من الاختلاف في الصحيح. وقد روت عائشة أن النبي وَار قال:
(من مات وعليه صوم صام عنه وليّه)). قال أبو داود: هذا في النذر، وكذلك قال أحمد بن
حنبل، انتهى كلامه.
(١) أخرجه البخاري في ٣٠ - كتاب الصوم، ٤٢ - باب من مات وعليه صوم، حديث رقم ٩٩٥.
ومسلم في: ١٣ - كتاب الصيام، ٢٧ - باب قضاء الصيام عن الميت، حديث ١٥٤ - ١٥٦.
١٩١
كتاب الصيام/ باب ٢٢
٧١٧ - حدثنا أبُو كُرَيْبٍ، حَدِّثَنَا أَبُو خَالِدِ الأخْمَرُ عَنِ الأعْمَشِ بِهِذا الإسْنَادِ نَّحْوَهُ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
قَالَ: وَسَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ: جَوَّدّ أَبُو خَالِدِ الأخْمَرُ هذَا الحَدِيثَ عَنِ الأعْمَشِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَقَدْ رَوَى غَيْرُ أبي خالدٍ عَنِ الأعْمَشِ، مِثْلَ رِوَايَةِ أَبِي خَالِدِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَرَوّى أَبُو مُعَاوِيَةَ وَغْيِرُ وَاحِدٍ هذَا الحَديثَ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ
البَطِينِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النّبِيَِِّ ﴿ِ. وَلَّمْ يَذْكُرُوا فِيهِ سَلَمَةَ بْنَ كُهَيْل،
وَلاَ عَنْ عَطَاءٍ وَلاَ عَنْ مُجَاهِدٍ. واسْمُ أبِي خَالِدٍ سُلَيْمَانُ بْنُ حَبَّانَ.
الأحكام: قال القاضي أبو بكر بن العربي رضي الله عنه: هذه مسألة غريبة، ولو شاء ربكم
لبينها تفصيلاً وأوضحها دليلاً، ولكنه أبقاها تحت الإشكال كما أبقى غيرها، ليكرم من شاء
تکریما ویفضله على غيره تفضيلاً.
العارضة: فيها أنه قال علماؤنا: لا يصلي أحد عن أحد باتفاق فرضًا ولا نفلاً، حياة ولا
موتًا. وكذلك لا يصوم أحد عن أحد حيًّا ولا في الصوم عن الميت اختلاف، وكذلك قال قوم
من السلف، وروي عن ابن عباس، وروي عنه أنه يطعم عنه، وبه قال الشافعي والثوري وأبو
حنيفة: إن كان قادرًا على القضاء في حياته نذرًا كان أو فرضًا. وقال الأوزاعي: يتصدق عنه،
فإن لم يجد صام عنه، فهذا ثالث من الأقوال. الرابع: يصوم عنه في النذر ويطعم عنه في
الفرض، قاله أحمد بن حنبل والقاسم بن سلام. الخامس: قال أبو ثور يقضي ذلك من الصوم
وليّه عنه، وهي إشارة الحسن، قال: إن صام عنه ثلاثون رجلاً يومًا أجزأه، ومطلع الفطر الذي
يتقارب فيه البشر القرآن والسنة، أما القرآن فقد حكّم الأصلين: الأول ﴿ألا تزر وازرة وزر
أخرى﴾ [النجم: ٣٨]، الثاني ﴿أن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [النجم: ٣٩]. وأما السنة فقد
أحكمت ما تقدم، وأحكمت ما يأتي في الحج من قوله: ((دين الله أحق أن يقضى)). وكذلك قال
في قضاء الصوم للمرأة عن أمها في رواية ابن عباس، فلما قرع هذا الحديث سمعهم تقبله
بعضهم، كما نقله بلفظه ولبوسه دون نظر فيه، فقال: يصوم الولي عن الولي، فراعى لفظًا وهدم
أصلاً، وهو أن كل نفس إنما تجزى بما كسبت لا بما كسبت غيرها، ولو كانت عبادات البدن
تقضى بعد الموت لقضيت في الحياة، ولو قبلت نيابة في الممات لقبلت في الحياة كالحج على
ما يأتي بيانه، فإنه مشكل أيضًا، ومراعاة القواعد أولى من مراعاة الألفاظ، وسترى ذلك في
كتاب الحج واضحًا إن شاء الله. وهذا القول ههنا أن السائل لما قال للنبي #1: إن وليي مات
وعليه صوم، قال: ((أرأيت لو كان وليك مديانًا، أكنت تبادر بالقضاء)»؟ قال: نعم، قال: ((حق
الله أحق أن يقضى»، فندبه ولم يلزمه، وأنبأه أن مراعاة حق الله أولى. ولو ازدحم حق الله وحق
١٩٢
كتاب الصيام/ باب ٢٣
٢٣ - باب مَا جَاءَ مِنَ الكَفَّارَةِ
[المعجم ٢٣ - التحفة ٢٣]
٧١٨ - حدّثنا قُتَيْبَةُ. حَدَّثَنَا عَبْثِرُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ أشعَثَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ نَافِعٍ عَنٍ
ابْنِ عُمَرَ عَنِ النّبِيِّ ◌ِ﴿: (مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيّامُ شَهْرٍ فَلْيُطْعَمْ عَنْهُ مَكانَ كُلِّ يَوْمٍ
مِسْكِينًا)(١).
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ ابْنِ عُمَّرَ لاَ نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إلاَّ مِنْ هذا الوَجْهِ. وَالصَّحِيحُ عَنِ
ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفٌ قَوْلُهُ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ في هذا البَابِ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُصَامُ عَنٍ
المَيِّتِ. وَبِهِ يَقُولُ أحْمَدُ وَإِسْحَقُ. قَالاَ: إِذَا كَانَ على المَيْتِ نَذْرُ صِيامِ، يَصُومُ عَنْهُ. وَإِذَا
كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ، أَطْعَمَ عَنْهُ. وَقَالَ مَالِكٌ وَسُفْيَانُ وَالشّافِعِيُّ: لاَ يَصُومُ أحدٌ عَنْ
أحدٍ.
قالَ: وَأَشْعَتُ هُوَ ابْنُ سَوَّارٍ. وَمُحَمَّدُ هُوَ عِنْدِي ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبي
آیلی.
الآدمي لقدم حق الآدمي، لفقره وحاجته، وتقدس الباري أن تناله آفة أو تجوز عليه حاجة، وقد
كان الآدمي يقضي عبادته من الصوم في حياته ببدنه إمساكًا، وكان أيضًا يقضيهما بماله في وقت،
وفي حال تصدقًا وإطعامًا، فقال النبي # للولي: صم عنه الصيام الذي تمكن النيابة فيه، وهو
الصدقة عن التفريط في الصيام، ويكون إطلاق لفظ الصوم بأحد معنيين، إذ الأصل له. ومن
أشرف من هذا المطلع بعين البصيرة رأى أن غيره يسير في البنيان ولا حصر لها، ويعضد هذا ما
روى أبو عيسى عن ابن عمر أن النبي وفر قال: (من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان
كل يوم مسكينًا)، قال أبو عيسى: والصحيح وقفه على ابن عمر. ومن قوله: ركبنا نحن هذا
التأويل، فأعجب الآن لمن يقول: إذا كان نذرًا صيم عنه، وإن كان رمضان أطعموا عنه، فيجعل
تحت اللفظ الواحد في النازلة الواحدة حكمين مختلفين بدليلين متعارضين، وحديث ابن عمر
الذي ذكره أبو عيسى صحيح فينبغي أن يقفوا عنده، لا سيما وقد ثبت من أصل الحديث أن
المرأة أو الرجل قالا للنبي #: عليها صيام شهرين متتابعين، وهذا إنما يكون من واجب في
الغالب، والشهر والخمسة عشر يومًا يحتمل أن يكونا قضاء ونذرًا بتعيين من غير دليل، لا يشبه
منصب من قاله.
(١) لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، غير الترمذي.
١٩٣
كتاب الصيام/ باب ٢٤ و ٢٥
٢٤ - باب مَا جَاءَ في الصَّائِمِ يَذْرَعُهُ القَيْءُ
[المعجم ٢٤ _ التحفة ٢٤]
٧١٩ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ المُحَارِبِيِّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أُسْلَمَ،
عَنْ أَبِهِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعَيدِ الْخُذْرِيِّ قَالَ: قَالِ رَسُولُ اللَّهِ مَ﴾: «ثَلاَثُ لاَ.
يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ: الحِجَامَةُ، وَالقَّيْءُ، وَالاخْتِلاَمُ))(١).
قالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أبي سَعِيدِ الخُذْرِيِّ حَدِيثٌ غَيرُ مَحْفُوظٍ.
وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمٌ، وَعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ وَغيرُ وَاحِدٍ، هذا
الحَدِيثَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أُسْلَمَ مُرْسلاً. وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) وَعَبْدُ الرَّحْمَانِ بْنُ
زّيْدِ بْنِ أُسْلَمَ يُضَعَّفُ في الحَدِيثِ.
قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا دَاوُدَ السِّجَزِيْ يَقُولُ: سَألْتُ أَحْمَدٌ بْنَ حَنْبَلٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
زَبْدِ بْنِ أُسْلَمَ؟ فَقَالَ أخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ: لاَ بَأْسَ بِهِ.
قَالَ: وَسَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَذْكُرُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المَدِينِيِّ قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
زَيْدِ بْنِ أُسْلَمَ ثِقَةٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمْنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أُسْلَمَ ضَعِيفٌ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَلاَ أرْوِي عَنْهُ شَيْئًا.
٢٥ - باب مَا جَاءَ فِيمَنِ اسْتَقَاءَ عَمْدًا
[المعجم ٢٥ - التحفة ٢٥]
٧٢٠ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدِّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ،
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَبِيِّ ◌ِ ** قَالَ:
باب الصائم يذرعه القيء
(عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله مير: ثلاث لا يفطرن الصائم
الحجامة والقيء والاحتلام) وهو حديث غير محفوظ، والصحيح أنه مرسل. حديث (من ذرعه
(١) لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، غير الترمذي.
عارضة الأحوذي/ ج ٣/ م ١٣
١٩٤
کتاب الصيام/ باب ٢٥
القَيُْ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ. وَمْنِ اسْتَقَّاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضٍ)(١).
قَالَ: وفي الْبَابِ عَنْ أبي الدَّرْدَاءِ وَثَوْبَانَ وَفِضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ.
قالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنَّ غَرِيبٌ، لَ نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثٍ
هِشَّامٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ {﴾، إلاَّ مِنْ حَدِيثٍ عِيسَى بْنِ
يُونُس.
وقالَ مُحَمَّدٌ: لاَ أرَاهُ مَخْفُوظًا.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَقَدْ رُوِيّ هذا الحَدِيثُ مِنْ غَيْرٍ وَجْهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ
النبيِّ ﴾. وَلاَ يَصِحُ إِسْتَادُهُ.
وَقَّذْ رُوِيّ عَنْ أَبِي الدِّرْدَاءِ وَثَوْبَانَ وَفَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ؛ أَنَّ النَّبِيِّ :﴿ قَاءَ فَأَفْطَرَ. وَإِنَّمَا
مَعْنَى هذا أنَّ النَّبيِِّ﴿ كَانَ صَائِمًا مُتَطَوِّعًا، فَقَّاءَ فَضَعُفَ، فَأَقْطَرَ لِذَلِكَ. مَكَذَا رُوِيّ في
بَعْضِ الحَدِيثِ مُفَسِّرًا. وَالعَمّلُ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ عَلَى حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َإِ، أَنَّ
الصَّائِمَ إِذَا ذَرَعَهُ القَيْءُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. وَإِذَا اسْتَقَّاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ.
القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدًا فليقض) رواه محمد بن سيرين، عن أبي هريرة،
حسن غريب. قال: وقال محمد: لا أراه محفوظًا.
الإسناد: قال القاضي أبو بكر بن العربي رضي الله عنه: ضعف أبو عيسى حديث أبي
سعيد من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وذكر حاله في التضعيف، وقد قرأت بالكرج
على المبارك بن عبد الجبار ما سمعته من القاضي أبي الطيب الطبري قال: أخبرنا
الدارقطني، حدثنا أحمد بن محمد بن يزيد الزعفراني، حدثنا محمد بن ماهان، حدثنا
شعيب بن حرب، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي
سعيد الخدري، قال: قال رسول الله : ((لا يفطرن الصائم القيء ولا الحجامة ولا
الاحتلام»، وهو صحيح. وليس في الصحاح حديث محفوظ في هذين البابين: القيء
والحجامة في الصوم، ولكن الناس ذكروا في ذلك ما ورد في الروايات، أن الحجامة لا
تفطر، حديث صحيح. وفي البخاري عن أبي هريرة من قوله: ((من قاء لا شيء عليه، إنما
يفطر ما يولج لا ما يخرج)).
(١) أخرجه أبو داود: ١٤ - كتاب الصوم، ٣٣ - باب الصائم يستقىء عمدًا. الحديث رقم ٢٣٨٠.
١٩٥
كتاب الصيام/ باب ٢٥
وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَقُ.
الأحكام: أما القيء ففيه ما قدمنا من مسند أبي هريرة في الترمذي، وموقوفة في كتاب
البخاري، وفي ذلك حديث صحيح. أخبرنا الشيخ الصالح أبو الحسن الأزدي، أخبرنا
ظاهر بن عبد الله الفقيه المتكلم، أخبرنا علي بن عمر الحافظ، قال: حدثنا أبو بكر
النيسابوري، حدثنا أحمد بن سفيان، حدثنا محمد بن المبارك الصوري، حدثنا عيسى بن
يونس، وحدثنا أبو بكر النيسابوري، حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا عبد الله بن وهب، حدثنا
عيسى بن يونس، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، أن رسول الله #
قال: ((من استقاء عامدًا فعليه القضاء، ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه)). قال علي بن عمر:
رواته كلهم ثقات. وأما الحجامة فأحاديثها كثيرة أحكمها جماعة، منهم الشعبي، وكانت قديمًا
في أثناء الطلب أتعبتني، وكنت مترددًا في الأمر لكثرة المعارضات في الروايات حتى أخبرني
القاضي أبو المطهر عبد الله بن أبي الرجاء الأصفهاني، أخبرنا أبو نعيم الحافظ، أخبرنا ابن
فارس، أخبرنا يونس، أخبرنا أبو داود، حدثنا هشام الدستوائي، أن یحیئ بن أبي کثیر حدثه،
أن أبا قلابة حدثه، أن أبا أسماء الرجبي حدثه، عن ثوبان، أن رسول الله صل# قال: ((أفطر
الحاجم والمحجوم))، فرأيت حديثًا عظيمًا، ورجالاً رفعاء، وسندًا صحيحًا، فكنت تارة أحمله
على لفظه وأقول: هو تعبد، وتارة أتأوّله وتترامى الخواطر فيه، حتى قرأت وقرىء عليَّ أبي
الحسن المبارك بن عبد الجبار بن الحنبلي، قال: أخبرني القاضي أبو الطيب الطبري، قال:
حدثنا الدارقطني، حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا
خالد بن مخلد، حدثنا عبد الله بن المثنى، عن ثابت، عن أنس، قال: مر النبي 15#
بجعفر بن أبي طالب وهو يحتجم، فقال: (أفطر هذان)»، ثم رخص رسول الله * بعد ذلك
في الحجامة للصائم، وهذا نص بيّن فيه ثلاث فوائد: الأولى: تسمية المحتجم. ثانيها: ثبوت
حظر الحجامة ومنعها للصائم. ثالثها: ثبوت الرخصة بعد الحظر. وقد قيل: إنه يفطر الحاجم
بما يصل جوفه من الدم، ويفطر المحجوم بالضعف. ولو كان الذي يمص ريق الحبيب لما
كان له في الفطر من نصيب: كان النبي # يمص لسان عائشة وهو صائم، فليفعل ذلك
أحدكم بمن يحب إن شاء الله. وقد قال أنس في البخاري: إنما كرهت الحجامة لموضع
التعذير للصائم، فإذا أقدم لحاجة فإن سلم فلا شيء عليه، وإن ضعف أفطر وقضى، والله
أعلم. وأما الاحتلام فلا خلاف بين الأمة أنه لا يؤثر في الصوم، قال لنا فخر الإسلام أبو بكر
محمد بن أحمد الشاشي في الدرس: كل من رضي في الشريعة بالسبب حكم عليه أنه رضي
بالمسبب، إلا من نام في رمضان فاحتلم لا يقدر راضيًا بالاحتلام وهو سبب النوم الذي رضي
به.
١٩٦
کتاب الصيام/ باب ٢٦
٢٦ - بلب مَا جَاءَ في الصَّائِمِ يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ نَاسِيًا
[المعجم ٢٦ - التحفة ٢٦]
٧٢١ - حدثنا أبو سَعِيدٍ الأَشْجُّ. حَدِّثَنَا أَبُو خَالِدِ الأخْمَرُ عَنْ حَجَاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، عَنْ
قَتّادَةً، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِله: ((مَنْ أَكْلَ أَوْ شَرِبَ
نَاسِيًّا فَلاَ يُفْطِرْ، فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقْ رَزَقَّهُ اللَّهُ))(١).
٧٢٢ - حقلنا أبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةً عَنْ عَوْفٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينٌّ
وَخَلاَّسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النّبِيِّ ◌ِ﴾﴿ مِثْلَهُ أَوْ نَحْوَهُ.
قَالَ: وفي الْبَابِ عَنْ أبي سَعِيدٍ وَأُمَّ إِسْحَقَ الغَنَوِيَّةِ.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةً حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالعَمّلُ عَلَى هذَا عِنْدَ
أكْثَرٍ أَهْلِ العِلْمِ. وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالشّافِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَقُ.
وَقَالَ مَائِكُ بْنُ أَنَسٍ: إِذَا أَكَلَ فِي رَمَضَانَ نَاسِيًّا، فَعَلَيْهِ القَضّاءُ.
وَالقَوْلُ الأَوَّلُ أُصّحُ.
باب الصائم يفطر ناسيًا أو متعمدًا
ابن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : (من أكل أو شرب ناسيًا فلا يفطر
فإنما هو رزق رزقه الله) حسن صحيح.
العارضة: إن هذا الحديث صحيح مليح ينظر إلى مطلقه دون تثبت. جميع فقهاء الأمصار،
وقالوا: من أفطر ناسيًا لا قضاء عليه، تعلقًا بقول النبي 1 في الصحيح: ((الله أطعمك وسقاك)).
وتطلع مالك إلى المسألة من طريقها، فأشرف عليها فرأى في مطلعها أن عليه القضاء، لأن
الصوم عبارة عن الإمساك عن الأكل، فلا يوجد مع الأكل لأنه ضده، وإذا لم يبق ركنه وحقيقته
ولم يوجد، لم يكن ممتثلاً ولا قاضيًا ما عليه. ألا ترى أن مناقض شرط الصلاة وهو الوضوء
الحدث إذا وجد سهوًا أو عمدًا أبطل الطهارة، لأن الأضداد لا جماع مع أضدادها شرعًا ولا
حسّا، وليس لهذا الأصل معارض إلا الكلام في الصلاة، وقد كان لابن الجويني فيه كلام بالغت
فيه، والتحقيق معه في التلخيص وغيره فلينظر هنالك، فإنه بديع في نظر المذهب، لبابه مختصرًا
(١) أخرجه البخاري في: ٣٠ - كتاب الصوم، ٢٦ - باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا، حديث ٩٨٢.
ومسلم في: ١٣ - كتاب الصيام، ٣٣ - باب أكل الناسي وشربه وجماعه لا يفطر، حديث
رقم ٠١٧١
1
١٩٧
کتاب الصيام/ باب ٢٧
٢٧ - باب مَا جَاءَ في الإفْطَارِ مُتَعَمِّدًا
[المعجم ٢٧ - التحفة ٢٧]
٧٢٣ - حقّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيِى بْنُ سَعِيدٍ وَعَبْدُ الرَّحْمْنِ بْنُّ مَهْدِيٍّ
قَالاَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ حَبِيبٍ بْنِ أبِي ثَابِتٍ. حَدَّثَنَا أَبُو المُطَوِّسِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ. قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ :﴿: ((مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، مِنْ غَيْرِ رُخْصَةٍ وَلاً
مَرَضٍ، لَمْ يَقْضِ عَنْهُ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ، وَإِنْ صَامَّهُ»(١).
أن أبا حنيفة قال: إن كلام الناسي يبطل الصلاة وليس له كلام يثبت، وطرد الشافعي أصله وقال:
إن كلام الناسي يؤثر في الصلاة نقصانًا، تكون له السجود جبرانًا. وادعى أن أكل الناسي لا يؤثر
شيئًا، فجاء من ذلك ما لا قبل له به، ورام به الجويني أن يتخلص من ذلك بحريعة الذقن،
فاختص بها. فإن قيل لنا: شنعتم على أبي حنيفة وأنتم مثله أو أشنع، ألم تقولوا: إن أكل
الناسي يبطل الصوم، وكلام الناسي لا يبطل الصلاة؟ قلنا: هذا قد خرج على أصل كلامنا، لأن
ركن الصلاة لم يكن قط ترك القول، لا قرآنًا ولا عادة، لا في شرعنا ولا في شرع من قبلنا،
وكان ذلك على هيئته صدر الدين، ثم جعل الكلام من محظوراتها لا من أضدادها، والمحظور
يرفع السهو أحكامه أو بعضها على تفصيل في الفقه، والركن إذا زال لم يكن للبناء بعده ثبات،
فصار الإمساك في الصوم كالقيام، بل كالركوع والسجود في الصلاة، بل كمجموع ذلك. فأما
الحديث فمساقه لرفع الحرج، وسكوت النبي # عن القضاء لا يوجب سقوطه، ويقال الشافعية
والحنفية: ألا تراه في الكفارة كما قال للواطىء: ((أطعمه أهلك))، وسكت عن الكفارة حتى ظن
مثل ابن شهاب وطرازة أن ذلك خصوص له. وقد روى الدارقطني: «الله أطعمك وسقاك، لا /
قضاء عليك))، وصححه قال علماؤنا: معناه لا قضاء عليك الآن، وهذا التعسف. وإنما يقول:
ليته صحّ فإنّا نتبعه ونقول به، إلا على أصل مالك في أن خبر الواحد إذا جاء بخلاف القواعد لم
يعمل به، كما قال في بيع العربية بخرصها، لأنه لا يجوز بيعها إلا بالدنانير والدراهم، لأن هذا
الحديث يعترض على قاعدة الماء فلا يوجب عملاً، وهذا الحديث يوافق القاعدة في رفع الإثم
فقبل في ذلك، ولا يوافقها في بقاء العبادة بعد ذهاب ركنها أشتاتًا فلا يعمل به، وهذا قد
أحكمناه في كتب الأصول. وقوله في الحديث: «فلا يفطر» بيان، لأن النسيان لم يسقط حرمة
الصوم وإن كان قد أعدمه حكمًا، بل كذلك يقول في قيء المتعمد على ما يأتي بيانه إن شاء
الله. حديث ابن المطوس يزيد بن المعلوس عن أبيه (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله 18 *: من
أفطر يومًا من رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقض عنه صوم الدهر كله وإن صامه) غريب.
(١) أخرجه أبو داود في: ١٤ - كتاب الصيام، ٣٩ - باب التغليظ في مَن أفطر عمدًا، حديث ٢٣٩٦.
١٩٨
كتاب الصيام/ باب ٢٨
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ هذا الوَجْهِ. وَسَمِعْتُ مُحَمَّدًا
يَقُولُ: أَبُو المُطَوِّسِ اسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ المُطَوْسِ. وَلاَ أَعْرِفُ لَهُ غَيْرَ هذا الحَدِيثِ.
٢٨ - باب مَا جَاءَ في كَفَّارَةِ الفِطْرِ فِي رَمَضَانَ
[المعجم ٢٨ - التحفة ٢٨]
٧٢٤ - حقثنا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الجَهْضَمِيِّ وَأَبُو عَمَّارٍ ﴿وَالمَعْنَى وَاحِدٌ، وَاللَّفْظُ لَفْظُ
أبي عَمَّارٍ) قالاً: أخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةً عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَّيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ
أبي هُرَيْرَةً قَالَ: أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلَكْتُ. قَالَ: ((وَمَا أَهْلَكَكَ))؟ قَالَ:
وَقَعْتُ عَلَى امْرَأْتِي فِي رَمَضَانَ. قَالَ: ((هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُعْتِقَ رَقَبَةٌ؟ قَالَ: لاَ. قَالَ: ((فَهَلْ
تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنٍ مُتَتَابِعَيْنٍ))؟ قَالَ: لاَ. قَالَ: ((فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِينَ
مِسْكِينًا؟ قَالَ: لاَ. قَالَ: ((اجْلِسُ)).
فَجَلْسَ. فَأَتِيَ النبيُّ:﴿ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ. وَالعَرَقُ المِكْتَلُ الضَّخْمُ.
الإسناد: تفرد به أبو المطوس في قول أبي عيسى، وقد رواه شريك، عن العلاء، عن
أبيه، عن أبي هريرة موقوفًا على أبي هريرة.
العارضة: أن الشيء إنما يقضى بمثله، ولا مثل ليوم من رمضان إلا يوم من رمضان
آخر، ولا يوم من رمضان يوجد خاليًا عن فرضه فيتفرغ لفرض غيره حتى يؤدى فيه، وإذا
أفطر لعذر جعل الشرع له الأيام كلها أمثالاً بلطفه، وعلى هذا تتركب مسألة: ما إذا نوى صوم
شهر رمضان الماضي في رمضان الذي هو فيه في السفر؟ فاختلف فيها قول مالك باختلاف
نقل الرواة عنه، ولا أقبل الإجزاء فيه من رواية أحد، وأنه أمر لا يشهد له أصل فلا يقوم عليه
دليل. وقد تعلق في ذلك بعض المحققين ممن لقيت لا من أصحابنا، لأنهم ليس لهم بهذا
كله منة ممن يريد أن يقضي عصر أمس في وقت اليوم الضيق، وليس من ذلك الباب، وبيانها
في مسائل الخلاف.
كفارة الفطر في رمضان
حديث حميد بن عبد الرحمن (عن أبي هريرة قال: أتاه رجل فقال: يا رسول الله هلكت.
قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان. قال: فهل تستطيع أن تعتق رقبة؟ قال:
لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تطعم سنين
مسكينًا؟ قال: لا. قال: اجلس. فجلس فأُتي النبي 8 188 بعرق فيه تمر والعوق المكتل الضخم
١٩٩
كتاب الصيام/ باب ٢٨
قالَ: (تَصَدِّقْ بِه)). فَقَالَ: مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا أَحَدٌ أَفْقَرَ مِنَّا، قَالَ فَضَحِكَ النَّبِيُّ :﴿ْ حَتَّى بَدَتْ
أَنْيَابُهُ. قَالَ: ((فَخُذْهُ فَأْطْعِمْهُ أَهْلَكَ))(١).
قَالَ: وفي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عُمَّرَ وَعَائِشَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو.
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَالْعَمَلُ عَلَى هذَا الْحَدِيثِ
عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ، في مَنْ أقْطَرَ في رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا مِنْ جِمَاعِ. وَأَمَّا مَنْ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا مِنْ
أُكْلٍ أوْ شُرْبٍ، فَإِنَّ أَهْلَ العِلْمِ قَدِ اخْتَلَفُوا في ذُلِكَ. فَقَّالَ بَعْضُهُمْ: عَلَيْهِ القَضاءُ
والكفّارَةُ. وَشَبَّهُوا الأكْلَ وَالشَّرْبَ بالجِمَاعِ. وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ
وَإِسْحَقَ.
قال: تصدق به. فقال: ما بين لابتيها أحد أفقر منا. قال: فضحك النبي # حتى بدت أنيابه
قال: فخذه فأطعمه أهلك).
الإسناد: روي: (حتى بدت ثناياه))، رواه معمر، عن ابن شهاب. وإنما كان هذا رخصة له
خاصة، فأما اليوم فلا بد له من التكفير. زاد فيه الأوزاعي: ((واستغفر الله)، ورواه هشام بن
سعد عنه فقال فيه: فأتى بعرق قدر خمسة عشر صاعًا، وقال فيه: ((كله أنت وأهل بيتك، وصم
يومًا، واستغفر الله)). ورواه مسلم وغيره عن عائشة فقالت بدل: ((هلكت)) ((احترقت))، وأقبل
رجل يسوق حمارًا عليه طعام، قال رسول الله #$: ((أين المحترق آنفًا))، وقال له: أعلى غيرنا؟
فوالله إنا لجياع ما لنا شيء، قال: ((كلوه). روي فيه: قدر عشرين صاعًا، وفي رواية: فجاءه
عرقان .
الفقه: في عشر مسائل:
الأولى: كان هذا الرجل متعمدًا، بدليل قوله: هلكت، واحترقت، وذلك لا يكون إلا مع
القصد إلى هتك حرمة العبادة، فإن الناسي غير هالك ولا محترق، برفع المؤاخذة عنه. وقال
عطاء وابن الماجشون: يكفي الناسي في الجماع في رمضان خاصة دون الأكل، وإنا، لم نعلم
حال هذا الواطىء في الحديث، ولعله كان ناسيًا ولم يشعر بأن الناسي غير مؤاخذ، قلنا: لا
يقضى بالعموم في حكايات الأعيان، لأنه من المحال أن يجتمعا، فلا بد أنه كان أحدهما،
والأصل براءة الذمة، فلا يثبت فيها الشغل إلا بيقين، ولم يكن عدم مؤاخذة الناسي عندهم خفيًا
(١) أخرجه البخاري في: ٣٠ - كتاب الصوم، ٣٠ - باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء،
فتُصُدِّق عليه، فليكفر، حديث رقم ٩٨٤. ومسلم في: ١٣ - كتاب الصيام، ١٤ - باب تغليظ تحريم
الجماع في نهار رمضان على الصائم؛ حديث رقم ٨١.
٢٠٠
كتاب الصيام/ باب ٢٨
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَلَيْهِ القَضَاءُ وَلاَ كَفَّارَةٌ عَلَيْهِ، لأَنَّهُ إِنَّمَا ذُكِرَ عَنِ النِبِيِّ :﴿ الكفّارَةُ في
الجِمَاعَ، وَلَّمْ تُذْكَّرْ عَنْهُ في الأكْلِ وَالشُّرْبِ. وَقَالُوا: لاَ يُشْبِهُ الأكْلُ وَالشِّرْبُ الجِمَاعَ.
وَهُوَ قَوْلُ الشّافِعِيِّ وَأَحْمَدٌ.
بل كان معلومًا عند المخدرات، وفي بعض روايات الحديث: جاء يضرب نحره وينتف شعره
ويقول: هلك الأبعد، ولولا فهم النبي # منه العمد ما جاز له تأخير البيان عنه في أنه لا شيء
عليه، وهذا أبين من الإطناب فيه.
الثانية: قد رواه مالك في الموطأ عن أبي هريرة أن رجلاً أفطر في رمضان، فأمره رسول
الله* أن يعتق، أو يكفر بصيام شهرين متتابعين، أو بطعم. وتابعه عليه جماعة، واختلف
علماؤنا فيه، والصحيح في الرواية عن مالك في التخيير، والصحيح في الدليل الترتيب، لأن
النبي # رتّب له، ونقله من أمر بعد عدمه وتعذر استطاعته إلى غيره، فلا يكون فيه تخيير.
الثالثة: قال علماؤنا: ثبت في الخبر أنه كان جماعًا، والأكل محمول عليه، لعلة أنه هتك
حرمة بإفطاره في الصوم بأحد ركني عزيمة وهو الأكل. وقال الشافعي: لا كفارة في الأكل،
وإنها مختصة بالجماع. وساعدنا أبو حنيفة، إلا أنه ناقض فقال: من أكل نواة أو حصاة لا
كفارة، وفيه: كان مثل هذا لا يردع عنه بكفارة، والمسألة عظيمة الموقع، عسرة المأخذ، وهي
أصولية لأن السائل قال له: وقعت على امرأتي في رمضان، فقال له النبي ◌َإ9: ((كَفِّرًا، ومعنى
سؤاله: أنه أفطر بجماع فكان الحكم معلقًا بالفطر الهاتك للحرمة لا بنفس الجماع، لأنه في
الزوجة حلال. ألا ترى أنه لو زنى ناسيًا لرمضان لوجب عليه الحد وكان مفطرًا؟ وسبب وجوب
الحد غير سبب ثبوت الكفارة، لأنها تجب في الحلال، فإن قيل: إنما سبب الكفارة جماع أبطل
الصوم، قلنا: فيلحق هذا به، لأنه فطر أبطل الصوم فهو في معناه، بل أكثر منه في مناقضته
للصوم، ألا ترى إلى قول الصاحب الذي فهم أن الحكم معلق على الفطر فقال: إن رجلاً أفطر
في رمضان فقال له النبي تقرير: ((أعتق رقبة).
الرابعة: قال مالك بعد ثبوت التخيير: الإطعام أفضل، لأن له مدخلاً في الصيام، ولأن
الناس في بلاد الحجاز إليه أحوج للحرمة، وقد بينا أن الترتيب فيها واجب.
الخامسة: قد ثبت من رواية الأئمة والموطأ أن النبي 118 قال له: ((كل، وصم يومًا مكان
ما أصبت)). قال الأوزاعي: إن كفّر بالصيام لم يصم يومًا، وإن كفّر بالغير صام. وقال الشافعي:
إذا أعطى الكفارة لم يصم في أحد قوليه، وذلك أنه ليس له ذكر في أكثر الأحاديث، وهذا لا
يشبه منصب الأوزاعي ولا الشافعي، وهل في القضاء كلام وهو قد أفسد العبادة؟ وإنما القضاء
لما أفسد حتى يتخير، وإنما الكفارة لما اقترف من الخطيئة إلا على قول من يرى أنه لا يقضيه
صيام الدهر، وعلى قول ربيعة الذي قال: يصوم اثني عشر يومًا، لأن رمضان يكفر عن اثني